Полный текст (1 326 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.
стр. 1016
وَإِلَى عِلْمِي تَصِيرُونَ جَمِيعُكُمْ، فَتَأْخُذُهُمُ النَّارُ» ".
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرٍو، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ عَبْدِ الْوَارِثِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " «يُؤْتَى بِالْمَوْلُودِ وَالْمَعْتُوهِ، وَمَنْ مَاتَ فِي الْفَتْرَةِ، وَبِالْمُعَمَّرِ الْفَانِي، قَالَ: كُلُّهُمْ يَتَكَلَّمُ بِحُجَّتِهِ، فَيَقُولُ الرَّبُّ تَعَالَى لِعُنُقٍ مِنَ النَّارِ: ابْرُزْ، فَيَقُولُ لَهُمْ: إِنِّي كُنْتُ أَبْعَثُ إِلَى عِبَادِي رُسُلًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ، وَإِنِّي رَسُولُ نَفْسِي إِلَيْكُمْ، فَيَقُولُ لَهُمْ:
стр. 1017
ادْخُلُوا هَذِهِ، فَيَقُولُ مَنْ كَتَبَ عَلَيْهِمُ الشَّقَاءَ: يَا رَبِّ، أَنَّى نَدْخُلُهَا وَمِنْهَا كُنَّا نَفِرُّ! قَالَ: وَمَنْ كَتَبَ عَلَيْهِ
[السَّعَادَةَ] يَمْضِي فَيَقْتَحِمُهُمْ فِيهَا مُسْرِعًا. فَيَقُولُ الرَّبُّ تَعَالَى: قَدْ عَانَدْتُمُونِي، وَقَدْ عَصَيْتُمُونِي، فَأَنْتُمْ لِرُسُلِي أَشَدُّ تَكْذِيبًا، وَمَعْصِيَةً، فَيَدْخُلُ هَؤُلَاءِ الْجَنَّةَ وَهَؤُلَاءِ النَّارَ» .
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ، ثَنَا رَيْحَانُ بْنُ سَعِيدٍ
[النَّاجِيُّ،] عَنْ عَبَّادِ بْنِ مَنْصُورٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَبِي أَسْمَاءَ الرَّحَبِيِّ، عَنْ ثَوْبَانَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ جَاءَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ
стр. 1018
يَحْمِلُونَ أَوْثَانَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ، فَيَسْأَلُهُمْ رَبُّهُمْ: مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ؟ فَيَقُولُونَ: رَبَّنَا لَمْ تُرْسِلْ إِلَيْنَا رَسُولًا، وَلَمْ يَأْتِنَا لَكَ أَمْرٌ. وَلَوْ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا لَكُنَّا أَطْوَعَ عِبَادِكَ لَكَ! فَيَقُولُ لَهُمْ رَبُّهُمْ: أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ تُطِيعُونَنِي؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَيُؤْمَرُونَ أَنْ يَعْمِدُوا إِلَى جَهَنَّمَ فَيَدْخُلُوهَا، فَيَنْطَلِقُونَ حَتَّى إِذَا رَأَوْهَا، فَإِذَا لَهَا تَغَيُّظٌ وَزَفِيرٌ، فَيَهَابُونَهَا، فَيُرْجِعُونَ إِلَى رَبِّهِمْ، فَيَقُولُونَ: يَا رَبَّنَا، فَرِقْنَا مِنْهَا، فَيَقُولُ رَبُّهُمْ ﵎: تَزْعُمُونَ أَنَّكُمْ إِنْ أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ أَطَعْتُمُونِي، فَيَأْخُذُ مَوَاثِيقَهُمْ، فَيَقُولُ: اعْمِدُوا إِلَيْهَا فَادْخُلُوهَا، فَيَنْطَلِقُونَ حَتَّى إِذَا رَأَوْهَا فَرِقُوا وَرَجَعُوا إِلَى رَبِّهِمْ، فَقَالُوا: رَبَّنَا فَرِقْنَا مِنْهَا، فَيَقُولُ: أَلَمْ تُعْطُونِي مَوَاثِيقَكُمْ لِتُطِيعُونِي؟ اعْمِدُوا إِلَيْهَا فَادْخُلُوهَا. فَيَنْطَلِقُونَ حَتَّى إِذَا رَأَوْهَا فَزِعُوا وَرَجَعُوا، فَقَالُوا: فَرِقْنَا يَا رَبِّ، وَلَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَدْخُلَهَا، فَيَقُولُ ادْخُلُوهَا دَاخِرِينَ. قَالَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ : " لَوْ دَخَلُوهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ كَانَتْ عَلَيْهِمْ بَرْدًا وَسَلَامًا» ".
стр. 1019
فَإِنْ قِيلَ: هَذِهِ الْأَحَادِيثُ - مَعَ ضَعْفِهَا - مُخَالِفَةٌ لِكِتَابِ اللَّهِ، وَلِقَوَاعِدِ الشَّرِيعَةِ، فَإِنَّ الْآخِرَةَ لَيْسَتْ دَارَ تَكْلِيفٍ، وَإِنَّمَا هِيَ دَارُ جَزَاءٍ، وَدَارُ التَّكْلِيفِ هِيَ دَارُ الدُّنْيَا، فَلَوْ كَانَتِ الْآخِرَةُ دَارَ تَكْلِيفٍ لَكَانَ ثَمَّ دَارُ جَزَاءٍ غَيْرُهَا.
قَالَ أَبُو عُمَرَ فِي " الِاسْتِذْكَارِ "، وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ: وَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ كُلُّهَا لَيْسَتْ بِالْقَوِيَّةِ، وَلَا تَقُومُ بِهَا حُجَّةٌ، وَأَهْلُ الْعِلْمِ يُنْكِرُونَ أَحَادِيثَ هَذَا الْبَابِ؛ لِأَنَّ الْآخِرَةَ دَارُ جَزَاءٍ، وَلَيْسَتْ دَارَ عَمَلٍ، وَلَا ابْتِلَاءٍ، وَكَيْفَ يُكَلَّفُونَ دُخُولَ النَّارِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي وُسْعِ الْمَخْلُوقِينَ، وَاللَّهُ لَا يُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا؟ وَلَا يَخْلُو مَنْ مَاتَ فِي الْفَتْرَةِ مِنْ أَنْ يَكُونَ مَاتَ كَافِرًا، أَوْ غَيْرَ كَافِرٍ، فَإِنْ مَاتَ كَافِرًا جَاحِدًا فَإِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ الْجَنَّةَ عَلَى
стр. 1020
الْكَافِرِينَ فَكَيْفَ يُمْتَحَنُونَ؟ وَإِنْ كَانَ مَعْذُورًا بِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِهِ نَذِيرٌ وَلَا رَسُولٌ، فَكَيْفَ يُؤْمَرُ أَنْ يَقْتَحِمَ النَّارَ وَهِيَ أَشَدُّ الْعَذَابِ؟ وَالطِّفْلُ وَمَنْ لَا يَعْقِلُ أَحْرَى بِأَلَّا يُمْتَحَنَ بِذَلِكَ.
فَالْجَوَابُ مِنْ وُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ أَحَادِيثَ هَذَا الْبَابِ قَدْ تَضَافَرَتْ، وَكَثُرَتْ بِحَيْثُ يَشُدُّ بَعْضُهَا بَعْضًا، وَقَدْ صَحَّحَ الْحُفَّاظُ بَعْضَهَا كَمَا صَحَّحَ الْبَيْهَقِيُّ وَعَبْدُ الْحَقِّ وَغَيْرُهُمَا حَدِيثَ الْأَسْوَدِ بْنِ سَرِيعٍ.
وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ مُتَّصِلٌ، وَرِوَايَةُ مَعْمَرٍ لَهُ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَوْقُوفًا لَا تَضُرُّهُ، فَإِنَّا إِنْ سَلَكْنَا طَرِيقَ الْفُقَهَاءِ، وَالْأُصُولِيِّينَ فِي الْأَخْذِ بِالزِّيَادَةِ مِنَ الثِّقَةِ فَظَاهِرٌ، وَإِنْ سَلَكْنَا طَرِيقَ التَّرْجِيحِ - وَهِيَ طَرِيقَةُ الْمُحَدِّثِينَ - فَلَيْسَ مَنْ رَفَعَهُ بِدُونِ مَنْ وَقَفَهُ فِي الْحِفْظِ، وَالْإِتْقَانِ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ غَايَةَ مَا يُقَدَّرُ فِيهِ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى الصَّحَابِيِّ، وَمِثْلُ هَذَا لَا يُقَدَّمُ عَلَيْهِ الصَّحَابِيُّ بِالرَّأْيِ وَالِاجْتِهَادِ، بَلْ يُجْزَمُ بِأَنَّ ذَلِكَ تَوْقِيفٌ لَا عَنْ رَأْيٍ.
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ يَشُدُّ بَعْضُهَا بَعْضًا، فَإِنَّهَا قَدْ تَعَدَّدَتْ طُرُقُهَا، وَاخْتَلَفَتْ مَخَارِجُهَا، فَيَبْعُدُ كُلَّ الْبُعْدِ أَنْ تَكُونَ بَاطِلَةً عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَتَكَلَّمْ بِهَا، وَقَدْ رَوَاهَا أَئِمَّةُ الْإِسْلَامِ وَدَوَّنُوهَا، وَلَمْ يَطْعَنُوا فِيهَا.
الْوَجْهُ الرَّابِعُ: أَنَّهَا هِيَ الْمُوَافِقَةُ لِلْقُرْآنِ، وَقَوَاعِدِ الشَّرْعِ، فَهِيَ تَفْصِيلٌ لِمَا أَخْبَرَ بِهِ الْقُرْآنُ أَنَّهُ لَا يُعَذَّبُ أَحَدٌ إِلَّا بَعْدَ قِيَامِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِ، وَهَؤُلَاءِ لَمْ تَقُمْ
стр. 1021
عَلَيْهِمْ حُجَّةُ اللَّهِ فِي الدُّنْيَا، فَلَا بُدَّ أَنْ يُقِيمَ حُجَّتَهُ عَلَيْهِمْ، وَأَحَقُّ الْمَوَاطِنِ أَنْ تُقَامَ فِيهِ الْحُجَّةُ يَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ، وَتُسْمَعُ الدَّعَاوَى، وَتُقَامُ الْبَيِّنَاتُ، وَيَخْتَصِمُ النَّاسُ بَيْنَ يَدَيِ الرَّبِّ، وَيَنْطِقُ كُلُّ أَحَدٍ بِحُجَّتِهِ وَمَعْذِرَتِهِ، فَلَا تَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَتَنْفَعُ غَيْرُهُمْ.
الْوَجْهُ الْخَامِسُ: أَنَّ الْقَوْلَ بِمُوجَبِهَا هُوَ قَوْلُ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَالْحَدِيثِ كَمَا حَكَاهُ الْأَشْعَرِيُّ عَنْهُمْ فِي " الْمَقَالَاتِ " وَحَكَى اتِّفَاقَهُمْ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ قَدِ اخْتَارَ هُوَ فِيهَا أَنَّهُمْ مَرْدُودُونَ إِلَى الْمَشِيئَةِ، وَهَذَا لَا يُنَافِي الْقَوْلَ بِامْتِحَانِهِمْ، فَإِنَّ ذَلِكَ هُوَ مُوجِبُ الْمَشِيئَةِ.
الْوَجْهُ السَّادِسُ: أَنَّهُ قَدْ صَحَّ - بِذَلِكَ - الْقَوْلِ بِهَا عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَلَمْ يَصِحَّ عَنْهُمْ إِلَّا هَذَا الْقَوْلُ.
وَالْقَوْلُ بِأَنَّهُمْ خَدَمُ أَهْلِ الْجَنَّةِ صَحَّ عَنْ سَلْمَانَ، وَفِيهِ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ قَدْ تَقَدَّمَ، وَأَحَادِيثُ الِامْتِحَانِ أَكْثَرُ وَأَصَحُّ وَأَشْهَرُ.
الْوَجْهُ السَّابِعُ: قَوْلُهُ: " وَأَهْلُ الْعِلْمِ يُنْكِرُونَ أَحَادِيثَ هَذَا الْبَابِ " جَوَابُهُ أَنَّهُ - وَإِنْ أَنْكَرَهَا بَعْضُهُمْ - فَقَدْ قَبِلَهَا الْأَكْثَرُونَ، وَالَّذِينَ قَبِلُوهَا أَكْثَرُ مِنَ الَّذِينَ أَنْكَرُوهَا، وَأَعْلَمُ بِالسُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ، وَقَدْ حَكَى فِيهِ الْأَشْعَرِيُّ اتِّفَاقَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ مُقْتَضَى قَوَاعِدِ الشَّرْعِ.
الْوَجْهُ الثَّامِنُ: أَنَّهُ قَدْ نَصَّ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ عَلَى وُقُوعِ الِامْتِحَانِ فِي
стр. 1022
الدَّارِ الْآخِرَةِ، وَقَالُوا: لَا يَنْقَطِعُ التَّكْلِيفُ إِلَّا بِدُخُولِ دَارِ الْقَرَارِ، ذَكَرَهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ.
الْوَجْهُ التَّاسِعُ: مَا ثَبَتَ فِي " الصَّحِيحَيْنِ " مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَبِي سَعِيدٍ ﵄ فِي الرَّجُلِ الَّذِي هُوَ آخِرُ أَهْلِ الْجَنَّةِ دُخُولًا إِلَيْهَا: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَأْخُذُ عُهُودَهُ، وَمَوَاثِيقَهُ أَلَّا يَسْأَلَهُ غَيْرَ الَّذِي يُعْطِيهِ، وَأَنَّهُ يُخَالِفُهُ، وَيَسْأَلُهُ غَيْرَهُ، فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُ: مَا أَعْذَرَكَ! وَهَذَا الْعُذْرُ مِنْهُ لِمُخَالَفَتِهِ الْعَهْدَ الَّذِي عَاهَدَهُ رَبُّهُ عَلَيْهِ، وَهَذِهِ مَعْصِيَةٌ مِنْهُ.
الْوَجْهُ الْعَاشِرُ: قَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ يَأْمُرُهُمْ فِي الْقِيَامَةِ بِالسُّجُودِ، وَيَحُولُ بَيْنَ الْمُخَالِفِينَ وَبَيْنَهُ، وَهَذَا تَكْلِيفٌ بِمَا لَيْسَ فِي الْوُسْعِ قَطْعًا، فَكَيْفَ يُنْكِرُ التَّكْلِيفَ بِدُخُولِ النَّارِ اخْتِيَارًا؟
الْوَجْهُ الْحَادِيَ عَشَرَ: أَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ امْتِحَانُهُمْ فِي الْقُبُورِ، وَسُؤَالُهُمْ وَتَكْلِيفُهُمُ الْجَوَابَ، وَهَذَا تَكْلِيفٌ بَعْدَ الْمَوْتِ بِرَدِّ الْجَوَابِ.
стр. 1023
الْوَجْهُ الثَّانِي عَشَرَ: أَنَّ أَمْرَهُمْ بِدُخُولِ النَّارِ لَيْسَ عُقُوبَةً لَهُمْ، وَكَيْفَ يُعَاقِبُهُمْ عَلَى غَيْرِ ذَنْبٍ؟ وَإِنَّمَا هُوَ امْتِحَانٌ، وَاخْتِبَارٌ لَهُمْ: هَلْ يُطِيعُونَهُ أَوْ يَعْصُونَهُ؟ فَلَوْ أَطَاعُوهُ، وَدَخَلُوهَا لَمْ تَضُرَّهُمْ، وَكَانَتْ عَلَيْهِمْ بَرْدًا وَسَلَامًا، فَلَمَّا عَصَوْهُ، وَامْتَنَعُوا مِنْ دُخُولِهَا اسْتَوْجَبُوا عُقُوبَةَ مُخَالَفَةِ أَمْرِهِ، وَالْمُلُوكُ قَدْ تَمْتَحِنُ مَنْ يُظْهِرُ طَاعَتَهُمْ هَلْ هُوَ مُنْطَوٍ عَلَيْهَا بِبَاطِنِهِ، فَيَأْمُرُونَهُ بِأَمْرٍ شَاقٍّ عَلَيْهِ فِي الظَّاهِرِ هَلْ يُوَطِّنُ نَفْسَهُ عَلَيْهِ أَمْ لَا، فَإِنْ أَقْدَمَ عَلَيْهِ، وَوَطَّنَ نَفْسَهُ عَلَى فِعْلِهِ أَعْفَوْهُ مِنْهُ، وَإِنِ امْتَنَعَ، وَعَصَى أَلْزَمُوهُ بِهِ أَوْ عَاقَبُوهُ بِمَا هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ.
وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ الْخَلِيلَ بِذَبْحِ وَلَدِهِ، وَلَمْ يَكُنْ مُرَادُهُ سِوَى تَوْطِينِ نَفْسِهِ عَلَى الِامْتِثَالِ، وَالتَّسْلِيمِ، وَتَقْدِيمِ مَحَبَّةِ اللَّهِ عَلَى مَحَبَّةِ الْوَلَدِ، فَلَمَّا فَعَلَ ذَلِكَ رَفَعَ عَنْهُ الْأَمْرَ بِالذَّبْحِ.
стр. 1024
وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ الدَّجَّالَ يَأْتِي مَعَهُ بِمِثَالِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَهِيَ نَارٌ فِي رَأْيِ الْعَيْنِ، وَلَكِنَّهَا لَا تُحْرِقُ، فَمَنْ دَخَلَهَا لَمْ تَضُرَّهُ، فَلَوْ أَنَّ هَؤُلَاءِ يُوَطِّنُونَ أَنْفُسَهُمْ عَلَى دُخُولِ النَّارِ الَّتِي أُمِرُوا بِدُخُولِهَا طَاعَةً لِلَّهِ، وَمَحَبَّةً لَهُ، وَإِيثَارًا لِمَرْضَاتِهِ، وَتَقَرُّبًا إِلَيْهِ بِتَحَمُّلِ مَا يُؤْلِمُهُمْ لَكَانَ هَذَا الْإِقْدَامُ وَالْقَصْدُ مِنْهُمْ لِمَرْضَاتِهِ وَمَحَبَّتِهِ يَقْلِبُ تِلْكَ النَّارَ بَرْدًا وَسَلَامًا، كَمَا قَلَبَ قَصْدُ الْخَلِيلِ - التَّقَرُّبَ إِلَى رَبِّهِ، وَإِيثَارَ مَحَبَّتِهِ، وَمَرْضَاتِهِ، وَبَذْلَ نَفْسِهِ، وَإِيثَارَهُ إِيَّاهُ عَلَى نَفْسِهِ - تِلْكَ النَّارَ بِأَمْرِ اللَّهِ بَرْدًا وَسَلَامًا، فَلَيْسَ أَمْرُهُ سُبْحَانَهُ إِيَّاهُمْ بِدُخُولِ النَّارِ عُقُوبَةً، وَلَا تَكْلِيفًا بِالْمُمْتَنِعِ، وَإِنَّمَا هُوَ امْتِحَانٌ، وَاخْتِبَارٌ لَهُمْ هَلْ يُوَطِّنُونَ أَنْفُسَهُمْ عَلَى طَاعَتِهِ أَمْ يَنْطَوُونَ عَلَى مَعْصِيَتِهِ، وَمُخَالَفَتِهِ. وَقَدْ عَلِمَ سُبْحَانَهُ مَا يَقَعُ مِنْهُمْ وَلَكِنَّهُ لَا يُجَازِيهِمْ عَلَى مُجَرَّدِ عِلْمِهِ فِيهِمْ مَا لَمْ يَحْصُلْ مَعْلُومُهُ الَّذِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِمْ بِهِ الْحُجَّةُ، فَلَا أَحْسَنَ مِنْ هَذَا يَفْعَلُهُ بِهِمْ وَهُوَ مَحْضُ الْعَدْلِ، وَالْحِكْمَةِ.
الْوَجْهُ الثَّالِثَ عَشَرَ: أَنَّ هَذَا مُطَابِقٌ لِتَكْلِيفِهِ عِبَادَهُ فِي الدُّنْيَا، فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ لَمْ يَسْتَفِدْ بِتَكْلِيفِهِمْ مَنْفَعَةً تَعُودُ إِلَيْهِ، وَلَا هُوَ مُحْتَاجٌ إِلَيْهِ، وَإِنَّمَا امْتَحَنَهُمْ وَابْتَلَاهُمْ لِيَتَبَيَّنَ مَنْ يُؤْثِرُ رِضَاهُ وَمَحَبَّتَهُ، وَيَشْكُرُهُ مِمَّنْ يَكْفُرُ بِهِ وَيُؤْثِرُ سُخْطَهُ: قَدْ عَلِمَ مِنْهُمْ مَنْ يَفْعَلُ هَذَا وَهَذَا، وَلَكِنَّهُ بِالِابْتِلَاءِ ظَهَرَ مَعْلُومُهُ الَّذِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الثَّوَابُ وَالْعِقَابُ، وَتَقُومُ عَلَيْهِمْ بِهِ الْحُجَّةُ.
стр. 1025
وَكَثِيرٌ مِنَ الْأَوَامِرِ الَّتِي أَمَرَهُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا نَظِيرُ الْأَمْرِ بِدُخُولِ النَّارِ، فَإِنَّ الْأَمْرَ بِإِلْقَاءِ نُفُوسِهِمْ بَيْنَ سُيُوفِ أَعْدَائِهِمْ، وَرِمَاحِهِمْ، وَتَعْرِيضِهِمْ لِأَسْرِهِمْ لَهُمْ، وَتَعْذِيبِهِمْ، وَاسْتِرْقَاقِهِمْ، لَعَلَّهُ أَعْظَمُ مِنَ الْأَمْرِ بِدُخُولِ النَّارِ، وَقَدْ كَلَّفَ اللَّهُ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَتْلَ أَنْفُسِهِمْ، وَأَوْلَادِهِمْ، وَأَرْوَاحِهِمْ، وَإِخْوَانِهِمْ لَمَّا عَبَدُوا الْعِجْلَ لِمَا لَهُمْ فِي ذَلِكَ مِنَ الْمَصْلَحَةِ، وَهَذَا قَرِيبٌ مِنَ التَّكْلِيفِ بِدُخُولِ النَّارِ، وَكَلَّفَ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا رَأَوْا نَارَ الدَّجَّالِ أَنْ يَقَعُوا فِيهَا - لِمَا لَهُمْ فِي ذَلِكَ مِنَ الْمَصْلَحَةِ - وَلَيْسَتْ فِي الْحَقِيقَةِ نَارًا، وَإِنْ كَانَتْ فِي رَأْيِ الْعَيْنِ نَارًا، وَكَذَلِكَ النَّارُ الَّتِي أُمِرُوا بِدُخُولِهَا فِي الْآخِرَةِ إِنَّمَا هِيَ بَرْدٌ وَسَلَامٌ عَلَى مَنْ دَخَلَهَا، فَلَوْ لَمْ يَأْتِ بِذَلِكَ أَثَرٌ لَكَانَ هَذَا هُوَ مُقْتَضَى حِكْمَتِهِ وَعَدْلِهِ، وَمُوجِبَ أَسْمَائِهِ، وَصِفَاتِهِ.
الْوَجْهُ الرَّابِعَ عَشَرَ: أَنَّ الْقَائِلَ قَائِلَانِ: قَائِلٌ بِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ يَفْعَلُ بِمَحْضِ الْمَشِيئَةِ، وَالْإِرَادَةِ مِنْ غَيْرِ تَعْلِيلٍ، وَلَا غَايَةَ مَطْلُوبَةٌ بِالْفِعْلِ، وَقَائِلٌ بِمُرَاعَاةِ الْحِكَمِ، وَالْغَايَاتِ الْمَحْمُودَةِ، وَالْمَصَالِحِ.
стр. 1026
وَعَلَى الْمَذْهَبَيْنِ فَلَا يَمْتَنِعُ الِامْتِحَانُ فِي عَرَصَاتِ الْقِيَامَةِ، بَلْ عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ هُوَ مُمْكِنٌ جَائِزٌ لَا يَتَوَقَّفُ الْعِلْمُ بِهِ عَلَى أَمْرٍ غَيْرِ إِخْبَارِ الصَّادِقِ.
وَعَلَى الْمَذْهَبِ الثَّانِي هُوَ الَّذِي لَا يَلِيقُ بِالرَّبِّ سِوَاهُ، وَلَا تَقْتَضِي أَسْمَاؤُهُ وَصِفَاتُهُ غَيْرَهُ، فَهُوَ مُتَعَيَّنٌ.
الْوَجْهُ الْخَامِسَ عَشَرَ: قَوْلُهُ: " وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي وُسْعِ الْمَخْلُوقِينَ " جَوَابُهُ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ فِي وُسْعِهِمْ، وَإِنْ كَانَ يَشُقُّ عَلَيْهِمْ، وَهَؤُلَاءِ عِبَادُ النَّارِ يَتَهَافَتُونَ فِيهَا، وَيُلْقُونَ أَنْفُسَهُمْ فِيهَا طَاعَةً لِلشَّيْطَانِ، وَلَمْ يَقُولُوا: " لَيْسَ فِي وُسْعِنَا " مَعَ تَأَلُّمِهِمْ بِهَا غَايَةَ الْأَلَمِ، فَعِبَادُ الرَّحْمَنِ إِذَا أَمَرَهُمْ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ بِطَاعَتِهِ بِاقْتِحَامِهِمُ النَّارَ كَيْفَ لَا يَكُونُ فِي وُسْعِهِمْ وَهُوَ إِنَّمَا يَأْمُرُهُمْ بِذَلِكَ لِمَصْلَحَتِهِمْ وَمَنْفَعَتِهِمْ؟
الثَّانِي: أَنَّهُمْ لَوْ وَطَّنُوا أَنْفُسَهُمْ عَلَى اتِّبَاعِ طَاعَتِهِ وَمَرْضَاتِهِ لَكَانَتْ عَيْنَ نَعِيمِهِمْ وَلَمْ تَضُرَّهُمْ شَيْئًا.
الْوَجْهُ السَّادِسَ عَشَرَ: أَنَّ أَمْرَهُمْ بِاقْتِحَامِ النَّارِ الْمُفْضِيَةِ بِهِمْ إِلَى النَّجَاةِ مِنْهَا بِمَنْزِلَةِ الْكَيِّ الَّذِي يَحْسِمُ الدَّاءَ، وَبِمَنْزِلَةِ تَنَاوُلِ الدَّاءِ الْكَرِيهِ الَّذِي يُعْقِبُ الْعَافِيَةَ، وَلَيْسَ مِنْ بَابِ الْعُقُوبَةِ فِي شَيْءٍ، فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ اقْتَضَتْ حِكْمَتُهُ وَحَمْدُهُ وَغِنَاهُ وَرَحْمَتُهُ أَلَّا يُعَذِّبَ مَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ، بَلْ يَتَعَالَى وَيَتَقَدَّسُ عَنْ ذَلِكَ كَمَا يَتَعَالَى عَمَّا يُنَاقِضُ صِفَاتِ كَمَالِهِ، فَالْأَمْرُ بِاقْتِحَامِ النَّارِ لِلْخَلَاصِ
стр. 1027
مِنْهَا هُوَ عَيْنُ الْحِكْمَةِ، وَالرَّحْمَةِ، وَالْمَصْلَحَةِ، حَتَّى لَوْ أَنَّهُمْ بَادَرُوا إِلَيْهَا طَوْعًا، وَاخْتِيَارًا وَرِضًا حَيْثُ عَلِمُوا أَنَّ مَرْضَاتَهُ فِي ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَأْمُرَهُمْ بِهِ لَكَانَ ذَلِكَ عَيْنَ صَلَاحِهِمْ، وَسَبَبَ نَجَاتِهِمْ، فَلَمْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ، وَلَمْ يَمْتَثِلُوا أَمْرَهُ، وَقَدْ تَيَقَّنُوا، وَعَلِمُوا أَنَّ فِيهِ رِضَاهُ، وَصَلَاحَهُمْ، بَلْ هَانَ عَلَيْهِمْ أَمْرُهُ، وَعَزَّتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ يَبْذُلُوا لَهُ مِنْهَا هَذَا الْقَدْرَ الَّذِي أَمَرَهُمْ بِهِ رَحْمَةً، وَإِحْسَانًا لَا عُقُوبَةً.
الْوَجْهُ السَّابِعَ عَشَرَ: أَنَّ أَمْرَهُمْ بِاقْتِحَامِ النَّارِ كَأَمْرِ الْمُؤْمِنِينَ بِرُكُوبِ الصِّرَاطِ الَّذِي هُوَ أَدَقُّ مِنَ الشَّعْرَةِ وَأَحَدُّ مِنَ السَّيْفِ، وَلَا رَيْبَ أَنَّ رُكُوبَهُ مِنْ أَشَقِّ الْأُمُورِ، وَأَصْعَبِهَا حَتَّى أَنَّ الرُّسُلَ لَتُشْفِقُ مِنْهُ، وَكُلٌّ مِنْهُمْ يَسْأَلُ اللَّهَ السَّلَامَةَ! فَرُكُوبُ هَذَا الْجِسْرِ الَّذِي هُوَ فِي غَايَةِ الْمَشَقَّةِ كَاقْتِحَامِ النَّارِ، وَكِلَاهُمَا طَرِيقٌ إِلَى النَّجَاةِ.
الْوَجْهُ الثَّامِنَ عَشَرَ: قَوْلُهُ: " وَلَا يَخْلُو مَنْ مَاتَ فِي الْفَتْرَةِ مِنْ أَنْ يَكُونَ كَافِرًا، أَوْ غَيْرَ كَافِرٍ، فَإِنْ كَانَ كَافِرًا فَإِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ الْجَنَّةَ عَلَى الْكَافِرِينَ، وَإِنْ كَانَ مَعْذُورًا بِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِهِ رَسُولٌ فَكَيْفَ يُؤْمَرُ بِاقْتِحَامِ النَّارِ؟ " جَوَابُهُ مِنْ وُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يُقَالَ هَؤُلَاءِ لَا يُحْكَمُ لَهُمْ بِكُفْرٍ وَلَا إِيمَانٍ، فَإِنَّ الْكُفْرَ هُوَ جُحُودُ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ، فَشَرْطُ تَحَقُّقِهِ بُلُوغُ الرِّسَالَةِ، وَالْإِيمَانُ هُوَ تَصْدِيقُ
стр. 1028
الرَّسُولِ فِيمَا أَخْبَرَ، وَطَاعَتُهُ فِيمَا أَمَرَ، وَهَذَا أَيْضًا مَشْرُوطٌ بِبُلُوغِ الرِّسَالَةِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنِ انْتِفَاءِ أَحَدِهِمَا وُجُودُ الْآخَرِ إِلَّا بَعْدَ قِيَامِ سَبَبِهِ، فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ هَؤُلَاءِ فِي الدُّنْيَا كُفَّارًا، وَلَا مُؤْمِنِينَ كَانَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ حُكْمٌ آخَرُ غَيْرُ حُكْمِ الْفَرِيقَيْنِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَأَنْتُمْ تَحْكُمُونَ لَهُمْ بِأَحْكَامِ الْكُفَّارِ فِي الدُّنْيَا مِنَ التَّوَارُثِ، وَالْوِلَايَةِ، وَالْمُنَاكَحَةِ، قِيلَ: إِنَّمَا نَحْكُمُ لَهُمْ بِذَلِكَ فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا لَا فِي الثَّوَابِ، وَالْعِقَابِ، كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: سَلَّمْنَا أَنَّهُمْ كُفَّارٌ، لَكِنِ انْتِفَاءُ الْعَذَابِ عَنْهُمْ لِانْتِفَاءِ شَرْطِهِ وَهُوَ قِيَامُ الْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يُعَذِّبُ إِلَّا مَنْ قَامَتْ عَلَيْهِ حُجَّتُهُ.
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: قَوْلُهُ: " وَإِنْ كَانَ مَعْذُورًا كَيْفَ يُؤْمَرُ أَنْ يَقْتَحِمَ النَّارَ وَهِيَ أَشَدُّ الْعَذَابِ؟ " فَالَّذِي قَالَ هَذَا يُوهِمُ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ عُقُوبَةً لَهُمْ، وَهَذَا غَلَطٌ، وَإِنَّمَا هُوَ تَكْلِيفٌ وَاخْتِبَارٌ، فَإِنْ بَادَرُوا إِلَى الِامْتِثَالِ لَمْ تَضُرَّهُمُ النَّارُ شَيْئًا.
الْوَجْهُ التَّاسِعَ عَشَرَ: قَوْلُهُ: " كَيْفَ يُمْتَحَنُ الطِّفْلُ وَمَنْ لَا يَعْقِلُ؟ " كَلَامٌ فَاسِدٌ، فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُنْشِئُهُمْ عُقَلَاءَ بَالِغِينَ، وَيَمْتَحِنُهُمْ فِي
стр. 1029
هَذِهِ الْحَالِ، وَلَا يَقَعُ الِامْتِحَانُ بِهِمْ، وَهُمْ عَلَى الْحَالَةِ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا فِي الدُّنْيَا: فَالسُّنَّةُ، وَأَقْوَالُ الصَّحَابَةِ، وَمُوجَبُ قَوَاعِدِ الشَّرْعِ وَأُصُولِهِ لَا تَرِدُ بِمِثْلِ ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 1030
[ذِكْرُ الشُّرُوطِ الْعُمَرِيَّةِ وَأَحْكَامِهَا وَمُوجِبَاتِهَا]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
ذِكْرُ الشُّرُوطِ الْعُمَرِيَّةِ وَأَحْكَامِهَا وَمُوجِبَاتِهَا
قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ: حَدَّثَنِي أَبُو شُرَحْبِيلَ الْحِمْصِيُّ عِيسَى بْنُ خَالِدٍ قَالَ: حَدَّثَنِي [عَمِّي] أَبُو الْيَمَانِ وَأَبُو الْمُغِيرَةِ قَالَا: أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ قَالُوا: كَتَبَ أَهْلُ الْجَزِيرَةِ إِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ: " إِنَّا حِينَ قَدِمْتَ بِلَادَنَا طَلَبْنَا إِلَيْكَ الْأَمَانَ لِأَنْفُسِنَا وَأَهْلِ مِلَّتِنَا عَلَى أَنَّا شَرَطْنَا لَكَ عَلَى أَنْفُسِنَا أَلَّا نُحْدِثَ فِي مَدِينَتِنَا كَنِيسَةً، وَلَا فِيمَا حَوْلَهَا دَيْرًا وَلَا قِلَّايَةً وَلَا صَوْمَعَةَ رَاهِبٍ، وَلَا نُجَدِّدَ مَا خُرِّبَ مِنْ كَنَائِسِنَا وَلَا مَا كَانَ مِنْهَا فِي خُطَطِ الْمُسْلِمِينَ، وَأَلَّا نَمْنَعَ كَنَائِسَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَنْزِلُوهَا فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَأَنْ نُوَسِّعَ أَبْوَابَهَا لِلْمَارَّةِ وَابْنِ السَّبِيلِ، وَلَا نُؤْوِي فِيهَا وَلَا فِي مَنَازِلِنَا جَاسُوسًا، وَأَلَّا نَكْتُمَ غِشًّا لِلْمُسْلِمِينَ، وَأَلَّا نَضْرِبَ بَنَوَاقِيسِنَا إِلَّا ضَرْبًا خَفِيًّا فِي جَوْفِ كَنَائِسِنَا، وَلَا نُظْهِرَ عَلَيْهَا صَلِيبًا، وَلَا تُرْفَعَ أَصْوَاتُنَا فِي الصَّلَاةِ وَلَا الْقِرَاءَةِ فِي كَنَائِسِنَا فِيمَا يَحْضُرُهُ الْمُسْلِمُونَ، وَأَلَّا نُخْرِجَ صَلِيبًا وَلَا كِتَابًا فِي سُوقِ الْمُسْلِمِينَ، وَأَلَّا نُخْرِجَ بَاعُوثًا - قَالَ: وَالْبَاعُوثُ يَجْتَمِعُونَ كَمَا يَخْرُجُ الْمُسْلِمُونَ يَوْمَ الْأَضْحَى وَالْفِطْرِ - وَلَا شَعَانِينَ، وَلَا نَرْفَعَ أَصْوَاتَنَا مَعَ مَوْتَانَا، وَلَا نُظْهِرَ النِّيرَانَ مَعَهُمْ فِي أَسْوَاقِ
стр. 1031
الْمُسْلِمِينَ، وَأَلَّا نُجَاوِرَهُمْ بِالْخَنَازِيرِ وَلَا بِبَيْعِ الْخُمُورِ، وَلَا نُظْهِرَ شِرْكًا، وَلَا نُرَغِّبَ فِي دِينِنَا وَلَا نَدْعُوَ إِلَيْهِ أَحَدًا، وَلَا نَتَّخِذَ شَيْئًا مِنَ الرَّقِيقِ الَّذِي جَرَتْ عَلَيْهِ سِهَامُ الْمُسْلِمِينَ، وَأَلَّا نَمْنَعَ أَحَدًا مِنْ أَقْرِبَائِنَا أَرَادُوا الدُّخُولَ فِي الْإِسْلَامِ، وَأَنْ نَلْزَمَ زِيَّنَا حَيْثُمَا كُنَّا، وَأَلَّا نَتَشَبَّهَ بِالْمُسْلِمِينَ فِي لُبْسِ قَلَنْسُوَةٍ وَلَا عِمَامَةٍ وَلَا نَعْلَيْنِ وَلَا فَرْقِ شَعْرٍ وَلَا فِي مَرَاكِبِهِمْ، وَلَا نَتَكَلَّمَ بِكَلَامِهِمْ وَلَا نَكْتَنِيَ بِكُنَاهُمْ، وَأَنْ نَجُزَّ مَقَادِمَ رُءُوسِنَا، وَلَا نَفْرُقَ نَوَاصِيَنَا، وَنَشُدَّ الزَّنَانِيرَ عَلَى أَوْسَاطِنَا، وَلَا نَنْقُشَ خَوَاتِمَنَا بِالْعَرَبِيَّةِ، وَلَا نَرْكَبَ السُّرُوجَ، وَلَا نَتَّخِذَ شَيْئًا مِنَ السِّلَاحِ وَلَا نَحْمِلَهُ وَلَا نَتَقَلَّدَ السُّيُوفَ، وَأَنْ نُوَقِّرَ الْمُسْلِمِينَ فِي مَجَالِسِهِمْ وَنُرْشِدَهُمُ الطَّرِيقَ وَنَقُومَ لَهُمْ عَنِ الْمَجَالِسِ إِنْ أَرَادُوا الْجُلُوسَ، وَلَا نَطَّلِعَ عَلَيْهِمْ فِي مَنَازِلِهِمْ، وَلَا نُعَلِّمَ أَوْلَادَنَا الْقُرْآنَ، وَلَا يُشَارِكَ أَحَدٌ مِنَّا مُسْلِمًا فِي تِجَارَةٍ إِلَّا أَنْ يَكُونَ إِلَى الْمُسْلِمِ أَمْرُ التِّجَارَةِ، وَأَنْ نُضِيفَ كُلَّ مُسْلِمٍ عَابِرِ سَبِيلٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَنُطْعِمَهُ مَنْ أَوْسَطِ مَا نَجِدُ. ضَمِنَّا لَكَ ذَلِكَ عَلَى أَنْفُسِنَا وَذَرَارِيِّنَا وَأَزْوَاجِنَا وَمَسَاكِينِنَا، وَإِنْ نَحْنُ غَيَّرْنَا أَوْ خَالَفْنَا عَمَّا شَرَطْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَقَبِلْنَا الْأَمَانَ عَلَيْهِ فَلَا ذِمَّةَ لَنَا، وَقَدْ حَلَّ لَكَ مِنَّا مَا يَحِلُّ لِأَهْلِ الْمُعَانَدَةِ وَالشِّقَاقِ ".
стр. 1032
فَكَتَبَ بِذَلِكَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ غَنْمٍ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁، فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ: " أَنْ أَمْضِ لَهُمْ مَا سَأَلُوا، وَأَلْحِقْ فِيهِمْ حَرْفَيْنِ أَشْتَرِطُهُمَا عَلَيْهِمْ مَعَ مَا شَرَطُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ: أَلَّا يَشْتَرُوا مِنْ سَبَايَانَا [شَيْئًا] ، وَمَنْ ضَرَبَ مُسْلِمًا [عَمْدًا] فَقَدْ خَلَعَ عَهْدَهُ ". فَأَنْفَذَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ غَنْمٍ ذَلِكَ، وَأَقَرَّ مَنْ أَقَامَ مِنَ الرُّومِ فِي مَدَائِنِ الشَّامِ عَلَى هَذَا الشَّرْطِ.
قَالَ الْخَلَّالُ فِي كِتَابِ " أَحْكَامِ أَهْلِ الْمِلَلِ ": " أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ. . . " فَذَكَرَهُ، وَذَكَرَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ قَالَ: " كَتَبْتُ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ حِينَ صَالَحَ نَصَارَى الشَّامِ وَشَرَطَ
стр. 1033
عَلَيْهِمْ فِيهِ أَلَّا يُحْدِثُوا فِي مَدِينَتِهِمْ وَلَا فِيمَا حَوْلَهَا دَيْرًا وَلَا كَنِيسَةً وَلَا قِلَّايَةً وَلَا صَوْمَعَةَ رَاهِبٍ، وَلَا يُجَدِّدُوا مَا خُرِّبَ، وَلَا يَمْنَعُوا كَنَائِسَهُمْ أَنْ يَنْزِلَهَا أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ثَلَاثَ لَيَالٍ يُطْعِمُونَهُمْ، وَلَا يُئُوا جَاسُوسًا، وَلَا يَكْتُمُوا غِشًّا لِلْمُسْلِمِينَ، وَلَا يُعَلِّمُوا أَوْلَادَهُمُ الْقُرْآنَ، وَلَا يُظْهِرُوا شِرْكًا، وَلَا يَمْنَعُوا ذَوِي قَرَابَاتِهِمْ مِنَ الْإِسْلَامِ إِنْ أَرَادُوهُ، وَأَنْ يُوَقِّرُوا الْمُسْلِمِينَ، وَأَنْ يَقُومُوا لَهُمْ مِنْ مَجَالِسِهِمْ إِذَا أَرَادُوا الْجُلُوسَ، وَلَا يَتَشَبَّهُوا بِالْمُسْلِمِينَ فِي شَيْءٍ مِنْ لِبَاسِهِمْ وَلَا يَتَكَنَّوْا بِكُنَاهُمْ، وَلَا يَرْكَبُوا سِرْجًا وَلَا يَتَقَلَّدُوا سَيْفًا، وَلَا يَبِيعُوا الْخُمُورَ، وَأَنْ يَجُزُّوا مَقَادِمَ رُءُوسِهِمْ، وَأَنْ يَلْزَمُوا زِيَّهُمْ حَيْثُمَا كَانُوا، وَأَنْ يَشُدُّوا الزَّنَانِيرَ عَلَى أَوْسَاطِهِمْ، وَلَا يُظْهِرُوا صَلِيبًا وَلَا شَيْئًا مِنْ كُتُبِهِمْ فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا يُجَاوِرُوا الْمُسْلِمِينَ بِمَوْتَاهُمْ، وَلَا يَضْرِبُوا بِالنَّاقُوسِ إِلَّا ضَرْبًا خَفِيًّا، وَلَا يَرْفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِالْقِرَاءَةِ فِي كَنَائِسِهِمْ فِي شَيْءٍ مِنْ حَضْرَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا يَخْرُجُوا شَعَانِينَ، وَلَا يَرْفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ مَعَ مَوْتَاهُمْ، وَلَا يُظْهِرُوا النِّيرَانَ مَعَهُمْ، وَلَا يَشْتَرُوا مِنَ الرَّقِيقِ مَا جَرَتْ فِيهِ سِهَامُ الْمُسْلِمِينَ. فَإِنْ خَالَفُوا شَيْئًا مِمَّا شَرَطُوهُ فَلَا ذِمَّةَ لَهُمْ، وَقَدْ حَلَّ لِلْمُسْلِمِينَ مِنْهُمْ مَا يَحِلُّ مِنْ أَهْلِ الْمُعَانَدَةِ وَالشِّقَاقِ ".
стр. 1034
وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ ثَعْلَبٍ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي الْعَيْزَارِ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَالْوَلِيدِ بْنِ نُوحٍ، [وَالسَّرِيِّ] بْنِ مُصَرِّفٍ يَذْكُرُونَ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ قَالَ: كَتَبْتُ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ حِينَ صَالَحَ نَصَارَى أَهْلِ الشَّامِ: " بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، هَذَا كِتَابٌ لِعَبْدِ اللَّهِ عُمَرَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ نَصَارَى مَدِينَةِ كَذَا وَكَذَا: إِنَّكُمْ لَمَّا قَدِمْتُمْ عَلَيْنَا سَأَلْنَاكُمُ الْأَمَانَ لِأَنْفُسِنَا وَذَرَارِيِّنَا وَأَمْوَالِنَا وَأَهْلِ مِلَّتِنَا، وَشَرَطْنَا لَكُمْ عَلَى أَنْفُسِنَا أَلَّا نُحْدِثَ فِي مَدَائِنِنَا وَلَا فِيمَا حَوْلَهَا دَيْرًا وَلَا قِلَّايَةً وَلَا كَنِيسَةً وَلَا صَوْمَعَةَ رَاهِبٍ. . . " فَذَكَرَ نَحْوَهُ.
стр. 1035
وَشُهْرَةُ هَذِهِ الشُّرُوطِ تُغْنِي عَنْ إِسْنَادِهَا، فَإِنَّ الْأَئِمَّةَ تَلَقَّوْهَا بِالْقَبُولِ وَذَكَرُوهَا فِي كُتُبِهِمْ وَاحْتَجُّوا بِهَا، وَلَمْ يَزَلْ ذِكْرُ الشُّرُوطِ الْعُمَرِيَّةِ عَلَى
стр. 1036
أَلْسِنَتِهِمْ وَفِي كُتُبِهِمْ، وَقَدْ أَنْفَذَهَا بَعْدَهُ الْخُلَفَاءُ وَعَمِلُوا بِمُوجَبِهَا.
فَذَكَرَ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرِيُّ - مِنْ حَدِيثِ أَحْمَدَ بْنِ يَحْيَى الْحُلْوَانِيِّ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ [جَنَّادٍ] : حَدَّثَنَا عَطَاءُ بْنُ مُسْلِمٍ الْحَلَبِيُّ، عَنْ صَالِحٍ الْمُرَادِيِّ، عَنْ عَبْدِ خَيْرٍ قَالَ: رَأَيْتُ عَلِيًّا صَلَّى الْعَصْرَ فَصَفَّ لَهُ أَهْلُ نَجْرَانَ صَفَّيْنِ، فَنَاوَلَهُ رَجُلٌ مِنْهُمْ كِتَابًا، فَلَمَّا رَآهُ دَمَعَتْ عَيْنُهُ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ: " يَا أَهْلَ نَجْرَانَ، هَذَا وَاللَّهِ خَطِّي بِيَدِي وَإِمْلَاءُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ". فَقَالُوا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَعْطِنَا مَا فِيهِ. قَالَ: وَدَنَوْتُ مِنْهُ فَقُلْتُ: إِنْ كَانَ رَادًّا عَلَى عُمَرَ يَوْمًا فَالْيَوْمَ يَرُدُّ عَلَيْهِ! فَقَالَ: لَسْتُ بَرَّادٍ عَلَى عُمَرَ شَيْئًا صَنَعَهُ، إِنَّ عُمَرَ كَانَ رَشِيدَ الْأَمْرِ، وَإِنَّ عُمَرَ أَخَذَ مِنْكُمْ خَيْرًا مِمَّا أَعْطَاكُمْ، وَلَمْ يَجُرَّ عُمَرُ مَا أَخَذَ مِنْكُمْ إِلَى نَفْسِهِ إِنَّمَا جَرَّهُ لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ ".
стр. 1037
وَذَكَرَ ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ: أَنَّ عَلِيًّا ﵁ قَالَ لِأَهْلِ نَجْرَانَ: إِنَّ عُمَرَ كَانَ رَشِيدَ الْأَمْرِ، وَلَنْ أُغَيِّرَ شَيْئًا صَنَعَهُ عُمَرُ! .
وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: قَالَ عَلِيٌّ حِينَ قَدِمَ الْكُوفَةَ: مَا جِئْتُ لِأَحُلَّ عُقْدَةً شَدَّهَا عُمَرُ! .
стр. 1038
وَقَدْ تَضَمَّنَ كِتَابُ عُمَرَ ﵁ هَذَا جُمَلًا مِنَ الْعِلْمِ تَدُورُ عَلَى سِتَّةِ فُصُولٍ:
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: فِي أَحْكَامِ الْبِيَعِ وَالْكَنَائِسِ وَالصَّوَامِعِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ.
الْفَصْلُ الثَّانِي: فِي أَحْكَامِ ضِيَافَتِهِمْ لِلْمَارَّةِ بِهِمْ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا.
الْفَصْلُ الثَّالِثُ: فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِضَرَرِ الْمُسْلِمِينَ وَالْإِسْلَامِ.
الْفَصْلُ الرَّابِعُ: فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِتَغْيِيرِ لِبَاسِهِمْ وَتَمْيِيزِهِمْ عَنِ الْمُسْلِمِينَ فِي الْمَرْكَبِ وَاللِّبَاسِ وَغَيْرِهِ.
الْفَصْلُ الْخَامِسُ: فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِإِظْهَارِ الْمُنْكَرِ مِنْ أَفْعَالِهِمْ وَأَقْوَالِهِمْ مِمَّا نُهُوا عَنْهُ.
الْفَصْلُ السَّادِسُ: فِي أَمْرِ مُعَامَلَتِهِمْ لِلْمُسْلِمِينَ بِالشَّرِكَةِ وَنَحْوِهَا.
стр. 1039
[الْفَصْلُ الْأَوَّلُ في أَحْكَامِ الْبِيَعِ وَالْكَنَائِسِ وما يتعلق بذلك]
٢٠٦ - الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
فِي أَحْكَامِ الْبِيَعِ وَالْكَنَائِسِ
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ١٨] ، وَقَالَ: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ [النور: ٣٦] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ [الحج: ٤٠]
قَالَ الزَّجَّاجُ: " تَأْوِيلُ هَذَا: لَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَ - فِي كُلِّ شَرِيعَةِ نَبِيٍّ - الْمَكَانُ الَّذِي يُصَلَّى فِيهِ، فَلَوْلَا الدَّفْعُ لَهُدِّمَ فِي زَمَنِ مُوسَى الْكَنَائِسُ الَّتِي كَانَ يُصَلَّى فِيهَا فِي شَرِيعَتِهِ، وَفِي زَمَنِ عِيسَى الصَّوَامِعُ وَالْبِيَعُ، وَفِي زَمَنِ مُحَمَّدٍ الْمَسَاجِدُ ".
وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ: " أَخْبَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ أَنَّهُ لَوْلَا دَفْعُهُ بَعْضَ النَّاسِ عَنِ الْفَسَادِ بِبَعْضِهِمْ لَهُدِّمَتْ مُتَعَبَّدَاتُ كُلِّ فَرِيقٍ مِنْ أَهْلِ دِينِهِ وَطَاعَتِهِ فِي كُلِّ
стр. 1040
زَمَانٍ، فَبَدَأَ بِذِكْرِ الصَّوَامِعِ وَالْبِيَعِ؛ لِأَنَّ صَلَوَاتِ مَنْ تَقَدَّمَ مِنْ أَنْبِيَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَصْحَابِهِمْ كَانَتْ فِيهَا قَبْلَ نُزُولِ الْقُرْآنِ، وَأُخِّرَتِ الْمَسَاجِدُ؛ لِأَنَّهَا حَدَثَتْ بَعْدَهُمْ ".
وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: " الصَّلَوَاتُ؛ صَلَوَاتُ أَهْلِ الْإِسْلَامِ تَنْقَطِعُ إِذَا دَخَلَ عَلَيْهِمُ الْعَدُوُّ ".
قَالَ الْأَخْفَشُ: " وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ: الصَّلَوَاتُ لَا تُهْدَمُ وَلَكِنْ تَحِلُّ مَحَلَّ فِعْلٍ آخَرَ، كَأَنَّهُ قَالَ: تُرِكَتْ صَلَوَاتٌ ".
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: " يَعْنِي مَوَاضِعَ الصَّلَوَاتِ ".
وَقَالَ الْحَسَنُ: " يُدْفَعُ عَنْ مُصَلَّيَاتِ أَهْلِ الذِّمَّةِ بِالْمُؤْمِنِينَ ".
وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ لَا يُحْتَاجُ إِلَى التَّقْدِيرِ الَّذِي قَدَّرَهُ أَصْحَابُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ، وَهَذَا ظَاهِرُ اللَّفْظِ وَلَا إِشْكَالَ فِيهِ بِوَجْهٍ، فَإِنَّ الْآيَةَ دَلَّتْ عَلَى الْوَاقِعِ، لَمْ تَدُلَّ عَلَى كَوْنِ هَذِهِ الْأَمْكِنَةِ - غَيْرَ الْمَسَاجِدِ - مَحْبُوبَةً مَرْضِيَّةً لَهُ، لَكِنَّهُ أَخْبَرَ أَنَّهُ لَوْلَا دَفْعُهُ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ هَذِهِ الْأَمْكِنَةُ الَّتِي كَانَتْ مَحْبُوبَةً لَهُ قَبْلَ الْإِسْلَامِ وَأَقَرَّ مِنْهَا مَا أَقَرَّ بَعْدَهُ، وَإِنْ كَانَتْ مَسْخُوطَةً لَهُ كَمَا أَقَرَّ أَهْلَ الذِّمَّةِ، وَإِنْ كَانَ يُبْغِضُهُمْ وَيَمْقُتُهُمْ وَيَدْفَعُ عَنْهُمْ بِالْمُسْلِمِينَ مَعَ بُغْضِهِ لَهُمْ.
وَهَكَذَا يَدْفَعُ عَنْ مَوَاضِعِ مُتَعَبَّدَاتِهِمْ بِالْمُسْلِمِينَ وَإِنْ كَانَ يُبْغِضُهَا، وَهُوَ سُبْحَانُهُ يَدْفَعُ عَنْ مُتَعَبَّدَاتِهِمُ الَّتِي أُقِرُّوا عَلَيْهَا شَرْعًا وَقَدَرًا، فَهُوَ يُحِبُّ
стр. 1041
الدَّفْعَ عَنْهَا وَإِنْ كَانَ يُبْغِضُهَا، كَمَا يُحِبُّ الدَّفْعَ عَنْ أَرْبَابِهَا وَإِنْ كَانَ يُبْغِضُهُمْ.
وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الرَّاجِحُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الْآيَةِ.
قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي " تَفْسِيرِهِ ": حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ - هُوَ ابْنُ مُوسَى - عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنِ السُّدِّيِّ، عَمَّنْ حَدَّثَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: ﴿لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ﴾ [الحج: ٤٠] قَالَ: الصَّوَامِعُ الَّتِي يَكُونُ فِيهَا الرُّهْبَانُ، وَالْبِيَعُ مَسَاجِدُ الْيَهُودِ، وَالصَّلَوَاتُ كَنَائِسُ النَّصَارَى، وَالْمَسَاجِدُ مَسَاجِدُ الْمُسْلِمِينَ.
قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: وَأَخْبَرَنَا الْأَشَجُّ، ثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ، عَنْ دَاوُدَ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ قَالَ: ﴿لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ﴾ [الحج: ٤٠] قَالَ: صَوَامِعُ وَإِنْ كَانَ يُشْرَكُ بِهِ! وَفِي لَفْظٍ: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ يُذْكَرَ وَلَوْ مِنْ كَافِرٍ.
стр. 1042
وَفِي تَفْسِيرِ شَيْبَانَ، عَنْ قَتَادَةَ: الصَّوَامِعُ لِلصَّابِئِينَ، وَالْبِيَعُ لِلنَّصَارَى، وَالصَّلَوَاتُ لِلْيَهُودِ، وَالْمَسَاجِدُ لِلْمُسْلِمِينَ.
وَقَدْ تَضَمَّنَ الشَّرْطُ ذِكْرَ الدَّيْرِ وَالْقِلَّايَةِ وَالْكَنِيسَةِ وَالصَّوْمَعَةِ.
فَأَمَّا الدَّيْرُ فَلِلنَّصَارَى خَاصَّةً يَبْنُونَهُ لِلرُّهْبَانِ خَارِجَ الْبَلَدِ، يَجْتَمِعُونَ فِيهِ لِلرَّهْبَانِيَّةِ وَالتَّفَرُّدِ عَنِ النَّاسِ.
وَأَمَّا الْقِلَّايَةُ فَيَبْنِيهَا رُهْبَانُهُمْ مُرْتَفِعَةً كَالْمَنَارَةِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الدَّيْرِ أَنَّ الدَّيْرَ يَجْتَمِعُونَ فِيهِ وَالْقِلَّايَةَ لَا تَكُونُ إِلَّا لِوَاحِدٍ يَنْفَرِدُ بِنَفْسِهِ، وَلَا يَكُونُ لَهَا بَابٌ بَلْ فِيهَا طَاقَةٌ يَتَنَاوَلُ مِنْهَا طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَمَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ.
وَأَمَّا الصَّوْمَعَةُ فَهِيَ كَالْقِلَّايَةِ تَكُونُ لِلرَّاهِبِ وَحْدَهُ.
قَالَ الْأَزْهَرِيُّ: الصَّوْمَعَةُ مِنَ الْبِنَاءِ سُمِّيَتْ صَوْمَعَةً لِتَلَطُّفِ أَعْلَاهَا. يُقَالُ: صَمَعَ الثَّرِيدَةَ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهَا وَحَدَّدَهُ، وَتُسَمَّى الثَّرِيدَةُ إِذَا كَانَتْ كَذَلِكَ صَوْمَعَةً، وَمِنْ هَذَا يُقَالُ: رَجُلٌ أَصْمَعُ الْقَلْبِ إِذَا كَانَ حَادَّ الْفِطْنَةِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّوْمَعَةِ وَالْقِلَّايَةِ؛ بِأَنَّ الْقِلَّايَةَ تَكُونُ مُنْقَطِعَةً فِي فَلَاةٍ مِنَ الْأَرْضِ، وَالصَّوْمَعَةُ تَكُونُ عَلَى الطُّرُقِ.
وَأَمَّا الْبِيَعُ فَجَمْعُ بِيعَةٍ، وَأَهْلُ اللُّغَةِ وَالتَّفْسِيرِ عَلَى أَنَّهَا مُتَعَبَّدُ النَّصَارَى، إِلَّا مَا حَكَيْنَاهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: " الْبِيَعُ مَسَاجِدُ الْيَهُودِ ".
стр. 1043
وَأَمَّا الْكَنَائِسُ فَجَمْعُ كَنِيسَةٍ، وَهِيَ لِأَهْلِ الْكِتَابَيْنِ، وَلِلْيَهُودِ خَاصَّةً الْفُهُرُ - بِضَمِّ الْفَاءِ وَالْهَاءِ - وَاحِدُهَا فُهْرٌ، وَهُوَ بَيْتُ الْمِدْرَاسِ الَّذِي يَتَدَارَسُونَ فِيهِ الْعِلْمَ.
وَفِي الْحَدِيثِ: " «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَخَلَ عَلَى الْيَهُودِ بَيْتَ مِدْرَاسِهِمْ» "
وَفِيهِ أَيْضًا قَوْلُ أَنَسٍ: " كَأَنَّهُمُ الْيَهُودُ حِينَ خَرَجُوا مِنْ فُهْرِهِمْ ".
وَحُكْمُ هَذِهِ الْأَمْكِنَةِ كُلِّهَا حُكْمُ الْكَنِيسَةِ " وَيَنْبَغِي التَّنْبِيهُ عَلَيْهَا.
стр. 1044
[الْبِلَادُ الَّتِي تَفَرَّقَ فِيهَا أَهْلُ الذِّمَّةِ وَالْعَهْدِ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ] [ القسم الأول بِلَادٌ أَنْشَأَهَا الْمُسْلِمُونَ فِي الْإِسْلَامِ وبَيَانُ بِنَاءِ بَعْضهاِ]
ذِكْرُ حُكْمُ الْأَمْصَارِ الَّتِي وُجِدَتْ فِيهَا هَذِهِ الْأَمَاكِنُ، وَمَا يَجُوزُ إِبْقَاؤُهُ، وَمَا تَجِبُ إِزَالَتُهُ وَمَحْوُ رَسْمِهِ.
الْبِلَادُ الَّتِي تَفَرَّقَ فِيهَا أَهْلُ الذِّمَّةِ وَالْعَهْدِ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: بِلَادٌ أَنْشَأَهَا الْمُسْلِمُونَ فِي الْإِسْلَامِ.
الثَّانِي: بِلَادٌ أُنْشِئَتْ قَبْلَ الْإِسْلَامِ فَافْتَتَحَهَا الْمُسْلِمُونَ عَنْوَةً وَمَلَكُوا أَرْضَهَا وَسَاكِنِيهَا.
الثَّالِثُ: بِلَادٌ أُنْشِئَتْ قَبْلَ الْإِسْلَامِ وَفَتَحَهَا الْمُسْلِمُونَ صُلْحًا.
فَأَمَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ:
[بِلَادٌ أَنْشَأَهَا الْمُسْلِمُونَ فِي الْإِسْلَامِ] .
فَهُوَ مِثْلُ الْبَصْرَةِ وَالْكُوفَةِ وَوَاسِطَ وَبَغْدَادَ وَالْقَاهِرَةِ.
أَمَّا الْبَصْرَةُ وَالْكُوفَةُ فَأُنْشِئَتَا فِي خِلَافَةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁.
قَالَ يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ: أَخْبَرَنَا زِيَادُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ
стр. 1045
أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ نَافِعِ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ: كَانَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ هَمَّ أَنْ يَتَّخِذَ لِلْمُسْلِمِينَ مِصْرًا، وَكَانَ الْمُسْلِمُونَ قَدْ غَزَوْا مِنْ قِبَلِ الْبَحْرِ وَفَتَحُوا الْأَهْوَازَ وَكَابُلَ وَطَبَرِسْتَانَ، فَلَمَّا افْتَتَحُوهَا كَتَبُوا إِلَيْهِ: " إِنَّا وَجَدْنَا بِطَبَرِسْتَانَ مَكَانًا لَا بَأْسَ بِهِ ". فَكَتَبَ إِلَيْهِمْ: " إِنَّ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ دِجْلَةَ، وَلَا حَاجَةَ لِي فِي شَيْءٍ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ فِيهِ دِجْلَةُ أَنْ نَتَّخِذَهُ مِصْرًا ". قَالَ: فَقَدِمَ عَلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَدُوسٍ يُقَالُ لَهُ ثَابِتٌ فَقَالَ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنِّي مَرَرْتُ بِمَكَانٍ دُونَ دِجْلَةَ بِهِ بَادِيَةٌ يُقَالُ لَهَا الْخُرَيْبَةُ وَيُقَالُ لِلْأَرْضِ " الْبَصْرَةُ " وَبَيْنَهَا وَبَيْنَ
стр. 1046
دِجْلَةَ فَرْسَخٌ فِيهِ خَلِيجٌ يَجْرِي فِيهِ الْمَاءُ وَأَجَمَةُ قَصَبٍ. فَأَعْجَبَ ذَلِكَ عُمَرَ ﵁ فَدَعَا عُتْبَةَ بْنَ غَزْوَانَ فَبَعَثَهُ فِي أَرْبَعِينَ رَجُلًا فِيهِمْ نَافِعُ بْنُ الْحَارِثِ وَزِيَادٌ أَخُوهُ لِأُمِّهِ.
قَالَ سَيْفُ بْنُ [عُمَرَ] : مُصِّرَتِ الْبَصْرَةُ سَنَةَ سِتَّ عَشْرَةَ، وَاخْتُطَّتْ قَبْلَ الْكُوفَةِ بِثَمَانِيَةِ أَشْهُرٍ.
стр. 1047
وَقَالَ قَتَادَةُ: أَوَّلُ مَنْ مَصَّرَ الْبَصْرَةَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي شَيْبَانَ يُسَمَّى الْمُثَنَّى بْنُ حَارِثَةَ، وَأَنَّهُ كَتَبَ إِلَى عُمَرَ ﵁: " إِنِّي نَزَلْتُ أَرْضًا بَصْرَةً ". فَكَتَبَ إِلَيْهِ: " إِذَا أَتَاكَ كِتَابِي هَذَا فَاثْبُتْ حَتَّى يَأْتِيَكَ أَمْرِي ". فَبَعَثَ عُتْبَةَ بْنَ غَزْوَانَ مُعَلِّمًا وَأَمِيرًا، فَغَزَا الْأُبُلَّةَ.
وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنِ الْحَسَنِ: إِنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ مَصَّرَ الْبَصْرَةَ وَالْكُوفَةَ.
٢٠٧ - فَصْلٌ
[بَيَانُ بِنَاءِ بَعْضِ الْمُدُنِ الْإِسْلَامِيَّةِ]
وَأَمَا وَاسِطُ فَبَنَاهَا الْحَجَّاجُ بْنُ يُوسُفَ سَنَةَ سِتٍّ وَثَمَانِينَ مِنَ الْهِجْرَةِ، فِي السَّنَةِ الَّتِي مَاتَ فِيهَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ.
стр. 1048
وَأَمَّا بَغْدَادُ فَقَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُجَالِدِ وَزِيرُ أَبِي جَعْفَرٍ: " خَرَجْتُ مَعَ أَبِي جَعْفَرٍ يَوْمًا قَبْلَ أَنْ نَبْتَنِيَ مَدِينَةَ بَغْدَادَ، وَنَحْنُ نَرْتَادُ مَوْضِعًا نَبْنِي فِيهِ مَدِينَةً يَكُونُ فِيهَا عَسْكَرُهُ، قَالَ: فَبَصَرْنَا بِقِسٍّ شَيْخٍ كَبِيرٍ وَمَعَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ النَّصَارَى، فَقَالَ: اذْهَبْ إِلَى هَذَا الْقِسِّ نَسْأَلْهُ، فَمَضَى إِلَيْهِ فَوَقَفَ عَلَيْهِ أَبُو جَعْفَرٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: يَا شَيْخُ أَبَلَغَكَ أَنَّهُ يُبْنَى هَاهُنَا مَدِينَةٌ؟ قَالَ: نَعَمْ؛ وَلَسْتَ بِصَاحِبِهَا. قَالَ: وَمَا عِلْمُكَ؟ قَالَ الْقِسُّ: وَمَا اسْمُكَ؟ قَالَ اسْمِي عَبْدُ اللَّهِ. قَالَ: فَلَسْتَ بِصَاحِبِهَا. قَالَ: فَمَا اسْمُ صَاحِبِهَا؟ قَالَ: مِقْلَاصٌ. قَالَ: فَتَبَسَّمَ أَبُو جَعْفَرٍ وَصَغَى إِلَيَّ، فَقَالَ: أَنَا وَاللَّهِ مِقْلَاصٌ، كَانَ أَبِي يُسَمِّينِي وَأَنَا صَغِيرٌ " مِقْلَاصًا " فَاخْتَطَّ مَوْضِعَ مَدِينَةِ أَبِي جَعْفَرٍ، وَتَحَوَّلَ أَبُو جَعْفَرٍ مِنَ الْهَاشِمِيَّةِ إِلَى بَغْدَادَ، وَأَمَرَ بِبِنَائِهَا ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الْكُوفَةِ فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ، وَفَرَغَ مِنْ بِنَائِهَا وَنَزَلَهَا مَعَ جُنْدِهِ وَسَمَّاهَا " مَدِينَةَ السَّلَامِ " سَنَةَ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ، وَفَرَغَ مِنْ بِنَاءِ الرُّصَافَةِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَةٍ.
стр. 1049
وَقَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ مُجَالِدٍ: " الَّذِي تَوَلَّى الْوُقُوفَ عَلَى خَطِّ بَغْدَادِ الْحَجَّاجُ بْنُ أَرْطَاةَ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ ".
وَكَذَلِكَ " سَامَرَّا " بَنَاهَا الْمُتَوَكِّلُ.
وَكَذَلِكَ " الْمَهْدِيَّةُ " الَّتِي بِالْمَغْرِبِ، وَغَيْرُهَا مِنَ الْأَمْصَارِ الَّتِي مَصَّرَهَا الْمُسْلِمُونَ.
فَهَذِهِ الْبِلَادُ صَافِيَةٌ لِلْإِمَامِ إِنْ أَرَادَ الْإِمَامُ أَنْ يُقِرَّ أَهْلَ الذِّمَّةِ فِيهَا بِبَذْلِ الْجِزْيَةِ جَازَ، فَلَوْ أَقَرَّهُمُ الْإِمَامُ عَلَى أَنْ يُحْدِثُوا فِيهَا بِيعَةً أَوْ كَنِيسَةً أَوْ يُظْهِرُوا فِيهَا خَمْرًا أَوْ خِنْزِيرًا أَوْ نَاقُوسًا لَمْ يَجُزْ، وَإِنْ شَرَطَ ذَلِكَ وَعَقَدَ عَلَيْهِ الذِّمَّةَ كَانَ الْعَقْدُ وَالشَّرْطُ فَاسِدًا، وَهُوَ اتِّفَاقٌ مِنَ الْأُمَّةِ لَا يُعْلَمُ بَيْنَهُمْ فِيهِ نِزَاعٌ.
стр. 1050
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ خَالِدٍ الْخَيَّاطُ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ تَوْبَةَ بْنِ النَّمِرِ الْحَضْرَمِيِّ - قَاضِي مِصْرَ - عَمَّنْ أَخْبَرَهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَا خِصَاءَ فِي الْإِسْلَامِ وَلَا كَنِيسَةَ» ".
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ. . .
стр. 1051
فَذَكَرَهُ بِإِسْنَادِهِ وَمَتْنِهِ.
وَقَدْ رُوِيَ مَوْقُوفًا عَلَى عُمَرَ بِغَيْرِ هَذَا الْإِسْنَادِ:
قَالَ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: حَدَّثَنَا أَبُو [عُبَيْدٍ] الْقَاسِمُ، حَدَّثَنِي أَبُو الْأَسْوَدِ، عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ أَبِي الْخَيْرِ مَرْثَدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْيَزِنِيِّ قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁: " «لَا كَنِيسَةَ فِي الْإِسْلَامِ وَلَا خِصَاءَ» ".
стр. 1052
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ حَنَشٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ أَمْصَارِ الْعَرَبِ أَوْ دَارِ الْعَرَبِ هَلْ لِلْعَجَمِ أَنْ يُحْدِثُوا فِيهَا شَيْئًا؟ فَقَالَ: " أَيُّمَا مِصْرٍ مَصَّرَتْهُ الْعَرَبُ فَلَيْسَ لِلْعَجَمِ أَنْ يَبْنُوا فِيهِ [بِيعَةً] ، وَلَا يَضْرِبُوا فِيهِ نَاقُوسًا، وَلَا يَشْرَبُوا فِيهِ خَمْرًا، وَلَا يَتَّخِذُوا فِيهِ خِنْزِيرًا، وَأَيُّمَا مِصْرٍ مَصَّرَتْهُ الْعَجَمُ فَفَتَحَهُ اللَّهُ عَلَى الْعَرَبِ فَنَزَلُوا فِيهِ فَإِنَّ لِلْعَجَمِ مَا فِي عَهْدِهِمْ، وَعَلَى الْعَرَبِ أَنْ يُوفُوا بِعَهْدِهِمْ وَلَا يُكَلِّفُوهُمْ فَوْقَ طَاقَتِهِمْ ".
стр. 1053
قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ: وَسَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: " لَيْسَ لِلْيَهُودِ وَالنَّصَارَى أَنْ يُحْدِثُوا فِي مِصْرٍ مَصَّرَهُ الْمُسْلِمُونَ بِيعَةً وَلَا كَنِيسَةً، وَلَا يَضْرِبُوا فِيهِ بِنَاقُوسٍ إِلَّا فِي مَكَانٍ لَهُمْ صَالِحٍ، وَلَيْسَ لَهُمْ أَنْ يُظْهِرُوا الْخَمْرَ فِي أَمْصَارِ الْمُسْلِمِينَ ".
وَقَالَ الْمَرْوَذِيُّ: قَالَ لِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: سَأَلُونِي عَنِ الدِّيَارَاتِ فِي الْمَسَائِلِ الَّتِي وَرَدَتْ مِنْ قِبَلِ الْخَلِيفَةِ، فَقُلْتُ: أَيُّ شَيْءٍ تَذْهَبُ أَنْتَ؟
فَقَالَ: " مَا كَانَ مِنْ صُلْحٍ يُقَرُّ، وَمَا كَانَ أُحْدِثُ بَعْدُ يُهْدَمُ ".
وَقَالَ أَبُو طَالِبٍ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَنْ بِيَعِ النَّصَارَى مَا كَانَ فِي السَّوَادِ، وَهَلْ أَقَرَّهَا عُمَرُ؟
فَقَالَ: " السَّوَادُ فَتْحٌ بِالسَّيْفِ، فَلَا يَكُونُ فِيهِ بِيعَةٌ وَلَا يُضْرَبُ فِيهِ نَاقُوسٌ وَلَا يُتَّخَذُ فِيهِ الْخَنَازِيرُ وَلَا يُشْرَبُ الْخَمْرُ وَلَا يَرْفَعُونَ أَصْوَاتَهُمْ فِي دُورِهِمْ، إِلَّا الْحِيرَةَ وَبَانِقْيَا وَدَيْرِ صَلُوبَا، فَهَؤُلَاءِ أَهْلُ صُلْحٍ صُولِحُوا وَلَمْ يُحَارَبُوا، فَمَا كَانَ مِنْهَا لَمْ يُخَرَّبْ، وَمَا كَانَ غَيْرُ ذَلِكَ فَكُلُّهُ مُحْدَثٌ يُهْدَمُ، وَقَدْ كَانَ أَمَرَ بِهَدْمِهَا هَارُونُ.
وَكُلُّ مِصْرٍ مَصَّرَتْهُ الْعَرَبُ فَلَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَبْنُوا فِيهِ بِيعَةً وَلَا يَضْرِبُوا
стр. 1054
فِيهِ نَاقُوسًا وَلَا يَشْرَبُوا فِيهِ خَمْرًا وَلَا يَتَّخِذُوا فِيهِ خِنْزِيرًا.
وَمَا كَانَ مِنْ صُلْحٍ صُولِحُوا عَلَيْهِ فَهُوَ عَلَى صُلْحِهِمْ وَعَهْدِهِمْ، وَكُلُّ شَيْءٍ فُتِحَ عَنْوَةً فَلَا يُحْدِثُوا فِيهِ شَيْئًا مِنْ هَذَا.
وَمَا كَانَ مِنْ صُلْحٍ أُقِرُّوا عَلَى صُلْحِهِمْ ". وَاحْتَجَّ فِيهِ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄.
وَقَالَ أَبُو الْحَارِثِ: سُئِلَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عَنِ الْبِيَعِ وَالْكَنَائِسِ الَّتِي بَنَاهَا أَهْلُ الذِّمَّةِ، وَمَا أَحْدَثُوا فِيهَا مِمَّا لَمْ يَكُنْ؟ قَالَ: تُهْدَمُ، وَلَيْسَ لَهُمْ أَنْ يُحْدِثُوا شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فِيمَا مَصَّرَهُ الْمُسْلِمُونَ، يُمْنَعُونَ مِنْ ذَلِكَ إِلَّا مِمَّا صُولِحُوا عَلَيْهِ.
стр. 1055
قِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: أَيْشْ الْحُجَّةُ فِي أَنْ يُمْنَعَ أَهْلُ الذِّمَّةِ أَنْ يَبْنُوا بِيعَةً أَوْ كَنِيسَةً إِذَا كَانَتِ الْأَرْضُ مِلْكَهُمْ، وَهُمْ يُؤَدُّونَ الْجِزْيَةَ، وَقَدْ مُنِعْنَا مِنْ ظُلْمِهِمْ وَأَذَاهُمْ؟ قَالَ: حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: " أَيُّمَا مِصْرٍ مَصَّرَتْهُ الْعَرَبُ ".
وَقَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنِي [عَمِّي] قَالَ: كَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى عُرْوَةَ - يَعْنِي ابْنَ مُحَمَّدٍ - أَنْ يَهْدِمَ الْكَنَائِسَ الَّتِي فِي أَمْصَارِ الْمُسْلِمِينَ. قَالَ: وَشَهِدْتُ عُرْوَةَ بْنَ مُحَمَّدٍ يَهْدِمُهَا بِصَنْعَاءَ.
следующие страницы →