Полный текст (1 326 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.
стр. 1051
فَذَكَرَهُ بِإِسْنَادِهِ وَمَتْنِهِ.
وَقَدْ رُوِيَ مَوْقُوفًا عَلَى عُمَرَ بِغَيْرِ هَذَا الْإِسْنَادِ:
قَالَ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: حَدَّثَنَا أَبُو [عُبَيْدٍ] الْقَاسِمُ، حَدَّثَنِي أَبُو الْأَسْوَدِ، عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ أَبِي الْخَيْرِ مَرْثَدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْيَزِنِيِّ قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁: " «لَا كَنِيسَةَ فِي الْإِسْلَامِ وَلَا خِصَاءَ» ".
стр. 1052
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ حَنَشٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ أَمْصَارِ الْعَرَبِ أَوْ دَارِ الْعَرَبِ هَلْ لِلْعَجَمِ أَنْ يُحْدِثُوا فِيهَا شَيْئًا؟ فَقَالَ: " أَيُّمَا مِصْرٍ مَصَّرَتْهُ الْعَرَبُ فَلَيْسَ لِلْعَجَمِ أَنْ يَبْنُوا فِيهِ [بِيعَةً] ، وَلَا يَضْرِبُوا فِيهِ نَاقُوسًا، وَلَا يَشْرَبُوا فِيهِ خَمْرًا، وَلَا يَتَّخِذُوا فِيهِ خِنْزِيرًا، وَأَيُّمَا مِصْرٍ مَصَّرَتْهُ الْعَجَمُ فَفَتَحَهُ اللَّهُ عَلَى الْعَرَبِ فَنَزَلُوا فِيهِ فَإِنَّ لِلْعَجَمِ مَا فِي عَهْدِهِمْ، وَعَلَى الْعَرَبِ أَنْ يُوفُوا بِعَهْدِهِمْ وَلَا يُكَلِّفُوهُمْ فَوْقَ طَاقَتِهِمْ ".
стр. 1053
قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ: وَسَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: " لَيْسَ لِلْيَهُودِ وَالنَّصَارَى أَنْ يُحْدِثُوا فِي مِصْرٍ مَصَّرَهُ الْمُسْلِمُونَ بِيعَةً وَلَا كَنِيسَةً، وَلَا يَضْرِبُوا فِيهِ بِنَاقُوسٍ إِلَّا فِي مَكَانٍ لَهُمْ صَالِحٍ، وَلَيْسَ لَهُمْ أَنْ يُظْهِرُوا الْخَمْرَ فِي أَمْصَارِ الْمُسْلِمِينَ ".
وَقَالَ الْمَرْوَذِيُّ: قَالَ لِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: سَأَلُونِي عَنِ الدِّيَارَاتِ فِي الْمَسَائِلِ الَّتِي وَرَدَتْ مِنْ قِبَلِ الْخَلِيفَةِ، فَقُلْتُ: أَيُّ شَيْءٍ تَذْهَبُ أَنْتَ؟
فَقَالَ: " مَا كَانَ مِنْ صُلْحٍ يُقَرُّ، وَمَا كَانَ أُحْدِثُ بَعْدُ يُهْدَمُ ".
وَقَالَ أَبُو طَالِبٍ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَنْ بِيَعِ النَّصَارَى مَا كَانَ فِي السَّوَادِ، وَهَلْ أَقَرَّهَا عُمَرُ؟
فَقَالَ: " السَّوَادُ فَتْحٌ بِالسَّيْفِ، فَلَا يَكُونُ فِيهِ بِيعَةٌ وَلَا يُضْرَبُ فِيهِ نَاقُوسٌ وَلَا يُتَّخَذُ فِيهِ الْخَنَازِيرُ وَلَا يُشْرَبُ الْخَمْرُ وَلَا يَرْفَعُونَ أَصْوَاتَهُمْ فِي دُورِهِمْ، إِلَّا الْحِيرَةَ وَبَانِقْيَا وَدَيْرِ صَلُوبَا، فَهَؤُلَاءِ أَهْلُ صُلْحٍ صُولِحُوا وَلَمْ يُحَارَبُوا، فَمَا كَانَ مِنْهَا لَمْ يُخَرَّبْ، وَمَا كَانَ غَيْرُ ذَلِكَ فَكُلُّهُ مُحْدَثٌ يُهْدَمُ، وَقَدْ كَانَ أَمَرَ بِهَدْمِهَا هَارُونُ.
وَكُلُّ مِصْرٍ مَصَّرَتْهُ الْعَرَبُ فَلَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَبْنُوا فِيهِ بِيعَةً وَلَا يَضْرِبُوا
стр. 1054
فِيهِ نَاقُوسًا وَلَا يَشْرَبُوا فِيهِ خَمْرًا وَلَا يَتَّخِذُوا فِيهِ خِنْزِيرًا.
وَمَا كَانَ مِنْ صُلْحٍ صُولِحُوا عَلَيْهِ فَهُوَ عَلَى صُلْحِهِمْ وَعَهْدِهِمْ، وَكُلُّ شَيْءٍ فُتِحَ عَنْوَةً فَلَا يُحْدِثُوا فِيهِ شَيْئًا مِنْ هَذَا.
وَمَا كَانَ مِنْ صُلْحٍ أُقِرُّوا عَلَى صُلْحِهِمْ ". وَاحْتَجَّ فِيهِ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄.
وَقَالَ أَبُو الْحَارِثِ: سُئِلَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عَنِ الْبِيَعِ وَالْكَنَائِسِ الَّتِي بَنَاهَا أَهْلُ الذِّمَّةِ، وَمَا أَحْدَثُوا فِيهَا مِمَّا لَمْ يَكُنْ؟ قَالَ: تُهْدَمُ، وَلَيْسَ لَهُمْ أَنْ يُحْدِثُوا شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فِيمَا مَصَّرَهُ الْمُسْلِمُونَ، يُمْنَعُونَ مِنْ ذَلِكَ إِلَّا مِمَّا صُولِحُوا عَلَيْهِ.
стр. 1055
قِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: أَيْشْ الْحُجَّةُ فِي أَنْ يُمْنَعَ أَهْلُ الذِّمَّةِ أَنْ يَبْنُوا بِيعَةً أَوْ كَنِيسَةً إِذَا كَانَتِ الْأَرْضُ مِلْكَهُمْ، وَهُمْ يُؤَدُّونَ الْجِزْيَةَ، وَقَدْ مُنِعْنَا مِنْ ظُلْمِهِمْ وَأَذَاهُمْ؟ قَالَ: حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: " أَيُّمَا مِصْرٍ مَصَّرَتْهُ الْعَرَبُ ".
وَقَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنِي [عَمِّي] قَالَ: كَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى عُرْوَةَ - يَعْنِي ابْنَ مُحَمَّدٍ - أَنْ يَهْدِمَ الْكَنَائِسَ الَّتِي فِي أَمْصَارِ الْمُسْلِمِينَ. قَالَ: وَشَهِدْتُ عُرْوَةَ بْنَ مُحَمَّدٍ يَهْدِمُهَا بِصَنْعَاءَ.
стр. 1056
قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: وَأَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَمَّنْ سَمِعَ الْحَسَنَ يَقُولُ: " «إِنَّ مِنَ السُّنَّةِ أَنْ تُهْدَمَ الْكَنَائِسُ الَّتِي فِي الْأَمْصَارِ الْقَدِيمَةِ وَالْحَدِيثَةِ» ". ذَكَرَهُ أَحْمَدُ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ.
وَهَذَا الَّذِي جَاءَتْ بِهِ النُّصُوصُ وَالْآثَارُ هُوَ مُقْتَضَى أُصُولِ الشَّرْعِ وَقَوَاعِدِهِ، فَإِنَّ إِحْدَاثَ هَذِهِ الْأُمُورِ إِحْدَاثُ شِعَارِ الْكُفْرِ، وَهُوَ أَغْلَظُ مِنْ إِحْدَاثِ الْخَمَّارَاتِ وَالْمَوَاخِيرِ، فَإِنَّ تِلْكَ شِعَارُ الْكُفْرِ وَهَذِهِ شِعَارُ الْفِسْقِ، وَلَا يَجُوزُ لِلْإِمَامِ أَنْ يُصَالِحَهُمْ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ عَلَى إِحْدَاثِ شَعَائِرِ الْمَعَاصِي وَالْفُسُوقِ، فَكَيْفَ إِحْدَاثُ مَوْضِعِ الْكُفْرِ وَالشِّرْكِ؟ ! .
فَإِنْ قِيلَ: فَمَا حُكْمُ هَذِهِ الْكَنَائِسِ الَّتِي فِي الْبِلَادِ الَّتِي مَصَّرَهَا الْمُسْلِمُونَ؟ قِيلَ: هِيَ عَلَى نَوْعَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ تُحْدَثَ الْكَنَائِسُ بَعْدَ تَمْصِيرِ الْمُسْلِمِينَ لِمِصْرٍ فَهَذِهِ تُزَالُ اتِّفَاقًا.
الثَّانِي: أَنْ تَكُونَ مَوْجُودَةً بِفَلَاةٍ مِنَ الْأَرْضِ، ثُمَّ يُمَصِّرُ الْمُسْلِمُونَ حَوْلَهَا الْمِصْرَ، فَهَذِهِ لَا تُزَالُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَوَرَدَ عَلَى شَيْخِنَا اسْتِفْتَاءٌ فِي أَمْرِ الْكَنَائِسِ صُورَتُهُ: مَا يَقُولُ السَّادَةُ
стр. 1057
الْعُلَمَاءُ - وَفَّقَهُمُ اللَّهُ - فِي إِقْلِيمٍ تَوَافَقَ أَهْلُ الْفَتْوَى فِي هَذَا الزَّمَانِ عَلَى أَنَّ الْمُسْلِمِينَ فَتَحُوهُ عَنْوَةً مِنْ غَيْرِ صُلْحٍ وَلَا أَمَانٍ، فَهَلْ مَلَكَ الْمُسْلِمُونَ ذَلِكَ الْإِقْلِيمَ الْمَذْكُورَ بِذَلِكَ؟ وَهَلْ يَكُونُ الْمِلْكُ شَامِلًا لِمَا فِيهِ مِنْ أَمْوَالِ الْكُفَّارِ مِنَ الْأَثَاثِ وَالْمَزَارِعِ وَالْحَيَوَانِ وَالرَّقِيقِ وَالْأَرْضِ وَالدُّورِ وَالْبِيَعِ وَالْكَنَائِسِ وَالْقِلَّايَاتِ وَالدُّيُورَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ؟ أَوْ يَخْتَصُّ الْمِلْكُ بِمَا عَدَا مُتَعَبَّدَاتِ أَهْلِ الشِّرْكِ؟ فَإِنْ مُلِكَ جَمِيعُ مَا فِيهِ فَهَلْ يَجُوزُ لِلْإِمَامِ أَنْ يَعْقِدَ لِأَهْلِ الشِّرْكِ مِنَ النَّصَارَى وَالْيَهُودِ - بِذَلِكَ الْإِقْلِيمِ أَوْ غَيْرِهِ - الذِّمَّةَ عَلَى أَنْ يَبْقَى مَا بِالْإِقْلِيمِ الْمَذْكُورِ مِنَ الْبِيَعِ وَالْكَنَائِسِ وَالدُّيُورَةِ وَنَحْوِهَا مُتَعَبَّدًا لَهُمْ، وَتَكُونُ الْجِزْيَةُ الْمَأْخُوذَةُ مِنْهُمْ فِي كُلِّ سَنَةٍ فِي مُقَابَلَةِ ذَلِكَ بِمُفْرَدِهِ أَوْ مَعَ غَيْرِهِ أَمْ لَا؟ فَإِنْ لَمْ يَجُزْ - لِأَجْلِ مَا فِيهِ مِنْ تَأْخِيرِ مِلْكِ الْمُسْلِمِينَ عَنْهُ - فَهَلْ يَكُونُ حُكْمُ الْكَنَائِسِ وَنَحْوِهَا حُكْمَ الْغَنِيمَةِ يَتَصَرَّفُ فِيهِ الْإِمَامُ تَصَرُّفَهُ فِي الْغَنَائِمِ أَمْ لَا؟ وَإِنْ جَازَ لِلْإِمَامِ أَنْ يَعْقِدَ الذِّمَّةَ بِشَرْطِ بَقَاءِ الْكَنَائِسِ وَنَحْوِهَا فَهَلْ يَمْلِكُ مَنْ عُقِدَتْ لَهُ الذِّمَّةُ بِهَذَا الْعَقْدِ رِقَابَ الْبِيَعِ وَالْكَنَائِسِ وَالدُّيُورَةِ وَنَحْوِهَا، وَيَزُولُ مِلْكُ الْمُسْلِمِينَ عَنْ ذَلِكَ بِهَذَا الْعَقْدِ أَمْ لَا؟ لِأَجْلِ أَنَّ الْجِزْيَةَ لَا تَكُونُ عَنْ ثَمَنٍ مَبِيعٍ، وَإِذَا لَمْ يَمْلِكُوا ذَلِكَ وَبَقُوا عَلَى الِانْتِفَاعِ بِذَلِكَ وَانْتَقَضَ عَهْدُهُمْ بِسَبَبٍ يَقْتَضِي انْتِقَاضَهُ إِمَّا بِمَوْتِ مَنْ وَقَعَ عَقْدُ الذِّمَّةِ مَعَهُ وَلَمْ يَعْقُبُوا، أَوْ أَعْقَبُوا، فَإِنْ قُلْنَا: إِنَّ أَوْلَادَهُمْ يُسْتَأْنَفُ مَعَهُمْ عَقْدُ الذِّمَّةِ - كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِيمَا حَكَاهُ ابْنُ الصَّبَّاغِ وَصَحَّحَهُ الْعِرَاقِيُّونَ وَاخْتَارَهُ ابْنُ أَبِي عَصْرُونَ فِي " الْمُرْشِدِ " - فَهَلْ لِإِمَامِ الْوَقْتِ أَنْ يَقُولَ: لَا أَعْقِدُ لَكُمُ الذِّمَّةَ
стр. 1058
إِلَّا بِشَرْطٍ أَلَّا تُدْخِلُوا الْكَنَائِسَ وَالْبِيَعَ وَالدُّيُورَةَ فِي الْعَقْدِ، فَتَكُونُ كَالْأَمْوَالِ الَّتِي جُهِلَ مُسْتَحِقُّوهَا وَأَيِسَ مِنْ مَعْرِفَتِهَا، أَمْ لَا يَجُوزُ لَهُ الِامْتِنَاعُ مِنْ إِدْخَالِهَا فِي عَقْدِ الذِّمَّةِ بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ إِدْخَالُهَا فِي عَقْدِ الذِّمَّةِ؟ فَهَلْ ذَلِكَ يَخْتَصُّ بِالْبِيَعِ وَالْكَنَائِسِ وَالدُّيُورَةِ الَّتِي تَحَقَّقَ أَنَّهَا كَانَتْ مَوْجُودَةً عِنْدَ فَتْحِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ ذَلِكَ عِنْدَ التَّرَدُّدِ فِي أَنَّ ذَلِكَ كَانَ مَوْجُودًا عِنْدَ الْفَتْحِ، أَوْ حَدَثَ بَعْدَ الْفَتْحِ، أَوْ يَجِبُ عَلَيْهِ مُطْلَقًا فِيمَا تَحَقَّقَ أَنَّهُ كَانَ مَوْجُودًا قَبْلَ الْفَتْحِ، أَوْ شَكَّ فِيهِ؟ وَإِذَا لَمْ يَجِبْ فِي حَالَةِ الشَّكِّ، فَهَلْ يَكُونُ مَا وَقَعَ الشَّكُّ فِي أَنَّهُ كَانَ قَبْلَ الْفَتْحِ وَجُهِلَ الْحَالُ فِيمَنْ أَحْدَثَهُ لِمَنْ هُوَ؟ لِبَيْتِ الْمَالِ أَمْ لَا؟ وَإِذَا قُلْنَا: إِنَّ مَنْ بَلَغَ مِنْ أَوْلَادِ مَنْ عُقِدَتْ مَعَهُمُ الذِّمَّةُ - وَإِنْ سَلَفُوا - وَمِنْ غَيْرِهِمْ لَا يَحْتَاجُونَ أَنْ تُعْقَدَ لَهُمُ الذِّمَّةُ، بَلْ يَجْرِي عَلَيْهِمْ حُكْمُ مَنْ سَلَفَ إِذَا تَحَقَّقَ أَنَّهُ مِنْ أَوْلَادِهِمْ، يَكُونُ حُكْمُ كَنَائِسِهِمْ وَبِيَعِهِمْ حُكْمَ أَنْفُسِهِمْ أَمْ يُحْتَاجُ إِلَى تَجْدِيدِ عَقْدٍ وَذِمَّةٍ؟ وَإِذَا قُلْنَا: إِنَّهُمْ يَحْتَاجُونَ إِلَى تَجْدِيدِ عَقْدٍ عِنْدَ الْبُلُوغِ فَهَلْ تَحْتَاجُ كَنَائِسُهُمْ وَبِيَعُهُمْ إِلَيْهِ أَمْ لَا؟
فَأَجَابَ: " الْحَمْدُ لِلَّهِ، مَا فَتَحَهُ الْمُسْلِمُونَ كَأَرْضِ خَيْبَرَ الَّتِي فُتِحَتْ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ وَكَعَامَّةِ أَرْضِ الشَّامِ وَبَعْضِ مُدُنِهَا وَكَسَوَادِ الْعِرَاقِ - إِلَّا مَوَاضِعَ قَلِيلَةً فُتِحَتْ صُلْحًا - وَكَأَرْضِ مِصْرَ، فَإِنَّ هَذِهِ الْأَقَالِيمَ فُتِحَتَ عَنْوَةً عَلَى خِلَافَةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁.
стр. 1059
وَقَدْ رُوِيَ فِي أَرْضِ مِصْرَ أَنَّهَا فُتِحَتْ صُلْحًا، وَرُوِيَ أَنَّهَا فُتِحَتْ عَنْوَةً، وَكِلَا الْأَمْرَيْنِ صَحِيحٌ - عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْعُلَمَاءُ الْمُتَأَهِّلُونَ لِلرِّوَايَاتِ الصَّحِيحَةِ فِي هَذَا الْبَابِ - فَإِنَّهَا فُتِحَتْ أَوَّلًا صُلْحًا ثُمَّ نَقَضَ أَهْلُهَا الْعَهْدَ، فَبَعَثَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵄ يَسْتَمِدُّهُ، فَأَمَدَّهُ بِجَيْشٍ كَثِيرٍ فِيهِمُ الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ، فَفَتَحَهَا الْمُسْلِمُونَ الْفَتْحَ الثَّانِيَ عَنْوَةً.
وَلِهَذَا رُوِيَ مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ أَنَّ الزُّبَيْرَ سَأَلَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵄ أَنْ يُقَسِّمَهَا بَيْنَ الْجَيْشِ كَمَا سَأَلَهُ بِلَالٌ قَسْمَ الشَّامِ، فَشَاوَرَ الصَّحَابَةَ فِي ذَلِكَ فَأَشَارَ عَلَيْهِ كُبَرَاؤُهُمْ كَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ أَنْ يَحْبِسَهَا فَيْئًا لِلْمُسْلِمِينَ يَنْتَفِعُ بِفَائِدَتِهَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ وَآخِرُهُمْ، ثُمَّ وَافَقَ عُمَرُ عَلَى ذَلِكَ بَعْضَ مَنْ كَانَ خَالَفَهُ، وَمَاتَ بَعْضُهُمْ فَاسْتَقَرَّ الْأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ، فَمَا فَتَحَهُ الْمُسْلِمُونَ عَنْوَةً فَقَدْ مَلَّكَهُمُ اللَّهُ إِيَّاهُ كَمَا مَلَّكَهُمْ مَا اسْتَوْلَوْا عَلَيْهِ مِنَ النُّفُوسِ وَالْأَمْوَالِ وَالْمَنْقُولِ وَالْعَقَارِ.
وَيَدْخُلُ فِي الْعَقَارِ مَعَابِدُ الْكُفَّارِ وَمَسَاكِنُهُمْ وَأَسْوَاقُهُمْ وَمَزَارِعُهُمْ وَسَائِرُ مَنَافِعِ الْأَرْضِ، كَمَا يَدْخُلُ فِي الْمَنْقُولِ سَائِرُ أَنْوَاعِهِ مِنَ الْحَيَوَانِ وَالْمَتَاعِ وَالنَّقْدِ، وَلَيْسَ لِمَعَابِدِ الْكُفَّارِ خَاصَّةٌ تَقْتَضِي خُرُوجَهَا عَنْ مِلْكِ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّ مَا يُقَالُ فِيهَا مِنَ الْأَقْوَالِ وَيُفْعَلُ فِيهَا مِنَ الْعِبَادَاتِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُبَدَّلًا أَوْ
стр. 1060
مُحْدَثًا لَمْ يُشَرِّعْهُ اللَّهُ قَطُّ، أَوْ يَكُونَ اللَّهُ قَدْ نَهَى عَنْهُ بَعْدَمَا شَرَّعَهُ.
وَقَدْ أَوْجَبَ اللَّهُ عَلَى أَهْلِ دِينِهِ جِهَادَ أَهْلِ الْكُفْرِ حَتَّى يَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ وَتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا، وَيَرْجِعُوا عَنْ دِينِهِمُ الْبَاطِلِ إِلَى الْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ بِهِ خَاتَمَ الْمُرْسَلِينَ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ، (وَيُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ)
وَلِهَذَا لَمَّا اسْتَوْلَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى أَرْضِ مَنْ حَارَبَهُ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَغَيْرِهِمْ كَبَنِي قَيْنُقَاعَ وَالنَّضِيرِ وَقُرَيْظَةَ كَانَتْ مَعَابِدُهُمْ مِمَّا اسْتَوْلَى عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ، وَدَخَلَتْ فِي قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾ [الأحزاب: ٢٧] وَفِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ( [وَ] ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ﴾ [الحشر: ٦] ، وَ ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ [الحشر: ٧] لَكِنْ - وَإِنْ مَلَكَ الْمُسْلِمُونَ ذَلِكَ - فَحُكْمُ الْمِلْكِ مَتْبُوعٌ كَمَا يَخْتَلِفُ حُكْمُ الْمِلْكِ فِي الْمُكَاتَبِ وَالْمُدَبَّرِ وَأُمِّ الْوَلَدِ وَالْعَبْدِ، وَكَمَا يَخْتَلِفُ حُكْمُهُ فِي الْمُقَاتِلِينَ الَّذِينَ يُؤْسَرُونَ، وَفِي النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ الَّذِينَ يُسْبَوْنَ، كَذَلِكَ يَخْتَلِفُ حُكْمُهُ فِي الْمَمْلُوكِ نَفْسِهِ وَالْعَقَارِ وَالْأَرْضِ وَالْمَنْقُولِ.
وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ الْغَنَائِمَ لَهَا أَحْكَامٌ مُخْتَصَّةٌ بِهَا لَا تُقَاسُ بِسَائِرِ الْأَمْوَالِ الْمُشْتَرَكَةِ.
стр. 1061
وَلِهَذَا لَمَّا فَتَحَ النَّبِيُّ ﷺ خَيْبَرَ أَقَرَّ أَهْلَهَا ذِمَّةً لِلْمُسْلِمِينَ فِي مَسَاكِنِهِمْ، وَكَانَتِ الْمَزَارِعُ مِلْكًا لِلْمُسْلِمِينَ عَامَلَهُمْ عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِشَرْطِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنْ ثَمَرٍ أَوْ زَرْعٍ، ثُمَّ أَجْلَاهُمْ عُمَرُ ﵁ فِي خِلَافَتِهِ، وَاسْتَرْجَعَ الْمُسْلِمُونَ مَا كَانُوا أَقَرُّوهُمْ فِيهِ مِنَ الْمَسَاكِنِ وَالْمَعَابِدِ.
[فَصْلٌ مَآلُ مَعَابِدِ أَهْلِ الذِّمَّةِ]
٢٠٨ - فَصْلٌ
[مَآلُ مَعَابِدِ أَهْلِ الذِّمَّةِ]
وَأَمَّا أَنَّهُ هَلْ يَجُوزُ لِلْإِمَامِ عَقْدُ الذِّمَّةِ مَعَ إِبْقَاءِ الْمَعَابِدِ بِأَيْدِيهِمْ؟ فَهَذَا فِيهِ خِلَافٌ مَعْرُوفٌ فِي مَذَاهِبِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ: مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: لَا يَجُوزُ تَرْكُهَا لَهُمْ؛ لِأَنَّهُ إِخْرَاجُ مِلْكِ الْمُسْلِمِينَ عَنْهَا وَإِقْرَارُ الْكُفْرِ بِلَا عَهْدٍ قَدِيمٍ.
وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: بِجَوَازِ إِقْرَارِهِمْ فِيهَا إِذَا اقْتَضَتِ الْمَصْلَحَةُ ذَلِكَ كَمَا أَقَرَّ النَّبِيُّ ﷺ أَهْلَ خَيْبَرَ فِيهَا، وَكَمَا أَقَرَّ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ الْكُفَّارَ عَلَى الْمَسَاكِنِ وَالْمَعَابِدِ الَّتِي كَانَتْ بِأَيْدِيهِمْ.
فَمَنْ قَالَ بِالْأَوَّلِ قَالَ: حُكْمُ الْكَنَائِسِ حُكْمُ غَيْرِهَا مِنَ الْعَقَارِ، مِنْهُمْ مَنْ يُوجِبُ إِبْقَاءَهُ، كَمَالِكٍ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ وَأَحْمَدَ فِي رِوَايَةٍ.
وَمِنْهُمْ مَنْ يُخَيِّرُ الْإِمَامَ فِيهِ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ بِحَسَبِ الْمَصْلَحَةِ وَهَذَا قَوْلُ
стр. 1062
الْأَكْثَرِينَ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَدَ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ، وَعَلَيْهِ دَلَّتْ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَيْثُ قَسَّمَ نِصْفَ خَيْبَرَ وَتَرَكَ نِصْفَهَا لِمَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ.
وَمَنْ قَالَ: يَجُوزُ إِقْرَارُهَا بِأَيْدِيهِمْ، فَقَوْلُهُ أَوْجَهُ وَأَظْهَرُ فَإِنَّهُمْ لَا يَمْلِكُونَ بِهَذَا الْإِقْرَارِ رِقَابَ الْمَعَابِدِ كَمَا يَمْلِكُ الرَّجُلُ مَالَهُ، كَمَا أَنَّهُمْ لَا يَمْلِكُونَ مَا تُرِكَ لِمَنَافِعِهِمُ الْمُشْتَرِكَةِ كَالْأَسْوَاقِ وَالْمَرَاعِي، كَمَا لَمْ يَمْلِكْ أَهْلُ خَيْبَرَ مَا أَقَرَّهُمْ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْمَسَاكِنِ وَالْمَعَابِدِ، وَمُجَرَّدُ إِقْرَارِهِمْ يَنْتَفِعُونَ بِهَا لَيْسَ تَمْلِيكًا كَمَا لَوْ أُقْطِعُ الْمُسْلِمُ بَعْضَ عَقَارِ بَيْتِ الْمَالِ يَنْتَفِعُ بِغَلَّتِهِ أَوْ سُلِّمَ إِلَيْهِ مَسْجِدٌ أَوْ رِبَاطٌ يَنْتَفِعُ بِهِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ تَمْلِيكًا لَهُ، بَلْ مَا أُقِرُّوا فِيهِ مِنْ كَنَائِسِ الْعَنْوَةِ يَجُوزُ لِلْمُسْلِمِينَ انْتِزَاعُهَا مِنْهُمْ إِذَا اقْتَضَتِ الْمَصْلَحَةُ ذَلِكَ كَمَا انْتَزَعَهَا أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ أَهْلِ خَيْبَرَ بِأَمْرِهِ بَعْدَ إِقْرَارِهِمْ فِيهَا، وَقَدْ طَلَبَ الْمُسْلِمُونَ فِي خِلَافَةِ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ أَنْ يَأْخُذُوا مِنَ النَّصَارَى بَعْضَ كَنَائِسِ الْعَنْوَةِ الَّتِي خَارِجَ دِمَشْقَ، فَصَالَحُوهُمْ عَلَى إِعْطَائِهِمُ الْكَنِيسَةَ الَّتِي دَاخِلَ الْبَلَدِ وَأَقَرَّ ذَلِكَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَحَدُ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ وَمَنْ مَعَهُ فِي عَصْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، فَإِنَّ الْمُسْلِمِينَ لَمَّا أَرَادُوا أَنْ يَزِيدُوا جَامِعَ دِمَشْقَ بِالْكَنِيسَةِ الَّتِي إِلَى جَانِبِهِ وَكَانَتْ مِنْ كَنَائِسِ الصُّلْحِ، لَمْ يَكُنْ لَهُمْ أَخْذُهَا قَهْرًا فَاصْطَلَحُوا عَلَى
стр. 1063
الْمُعَاوَضَةِ بِإِقْرَارِ كَنَائِسِ الْعَنْوَةِ الَّتِي أَرَادُوا انْتِزَاعَهَا، وَكَانَ ذَلِكَ الْإِقْرَارُ عِوَضًا عَنْ كَنِيسَةِ الصُّلْحِ الَّتِي لَمْ يَكُنْ لَهُمْ أَخْذُهَا عَنْوَةً.
[فَصْلٌ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى نَقْضِ الْعَهْدِ]
٢٠٩ - فَصْلٌ
[مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى نَقْضِ الْعَهْدِ]
وَمَتَّى انْتَقَضَ عَهْدُهُمْ جَازَ أَخْذُ كَنَائِسِ الصُّلْحِ مِنْهُمْ فَضْلًا عَنْ كَنَائِسِ الْعَنْوَةِ، كَمَا أَخَذَ النَّبِيُّ ﷺ مَا كَانَ لِقُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرِ لَمَّا نَقَضُوا الْعَهْدَ، فَإِنَّ نَاقِضَ الْعَهْدِ أَسْوَأُ حَالًا مِنَ الْمُحَارِبِ الْأَصْلِيِّ، كَمَا أَنَّ نَاقِضَ الْإِيمَانِ بِالرِّدَّةِ أَسْوَأُ حَالًا مِنَ الْكَافِرِ الْأَصْلِيِّ.
وَلِذَلِكَ لَوِ انْقَرَضَ أَهْلُ مِصْرٍ مِنَ الْأَمْصَارِ وَلَمْ يَبْقَ مَنْ دَخَلَ فِي عَهْدِهِمْ، فَإِنَّهُ يَصِيرُ لِلْمُسْلِمِينَ جَمِيعُ عَقَارِهِمْ وَمَنْقُولِهِمْ مِنَ الْمَعَابِدِ وَغَيْرِهَا فَيْئًا، فَإِذَا عُقِدَتِ الذِّمَّةُ لِغَيْرِهِمْ كَانَ كَالْعَهْدِ الْمُبْتَدَأِ، وَكَانَ لِمَنْ يَعْقِدُ لَهُمُ الذِّمَّةَ أَنْ يُقِرَّهُمْ فِي الْمَعَابِدِ وَلَهُ أَلَّا يُقِرَّهُمْ بِمَنْزِلَةِ مَا فُتِحَ ابْتِدَاءً، فَإِنَّهُ لَوْ أَرَادَ الْإِمَامُ عِنْدَ فَتْحِهِ هَدْمَ ذَلِكَ جَازَ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَمْ يَخْتَلِفُوا فِي جَوَازِ هَدْمِهِ وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ بَقَائِهِ، وَإِذَا لَمْ تَدْخُلْ فِي الْعَهْدِ كَانَتْ فَيْئًا لِلْمُسْلِمِينَ.
أَمَّا عَلَى قَوْلِ الْجُمْهُورِ الَّذِينَ لَا يُوجِبُونَ قَسْمَ الْعَقَارِ فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ مَنْ يُوجِبُ قَسْمَهُ فَلِأَنَّ عَيْنَ الْمُسْتَحَقِّ غَيْرُ مَعْرُوفٍ كَسَائِرِ الْأَمْوَالِ الَّتِي لَا يُعْرَفُ لَهَا مَالِكٌ مُعَيَّنٌ.
стр. 1064
وَأَمَّا تَقْدِيرُ وُجُوبِ إِبْقَائِهَا فَهَذَا تَقْدِيرٌ لَا حَقِيقَةَ لَهُ، فَإِنَّ إِيجَابَ إِعْطَائِهِمْ مَعَابِدَ الْعَنْوَةِ لَا وَجْهَ لَهُ وَلَا أَعْلَمُ بِهِ قَائِلًا فَلَا يُفَرَّعُ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي الْجَوَازِ، نَعَمْ قَدْ يُقَالُ فِي الْأَبْنَاءِ إِذَا لَمْ نَقُلْ بِدُخُولِهِمْ فِي عَهْدِ آبَائِهِمْ؛ لِأَنَّ لَهُمْ شُبْهَةَ الْأَمَانِ وَالْعَهْدِ بِخِلَافِ النَّاقِضِينَ، فَلَوْ وَجَبَ لَمْ يَجِبْ إِلَّا مَا تَحَقَّقَ أَنَّهُ كَانَ لَهُ، فَإِنَّ صَاحِبَ الْحَقِّ لَا يَجِبْ أَنْ يُعْطَى إِلَّا مَا عُرِفَ أَنَّهُ حَقُّهُ، وَمَا وَقَعَ الشَّكُّ فِيهِ - عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ - فَهُوَ لِبَيْتِ الْمَالِ، وَأَمَّا الْمَوْجُودُونَ الْآنَ إِذَا لَمْ يَصْدُرْ مِنْهُمْ نَقْضُ عَهْدٍ فَهُمْ عَلَى الذِّمَّةِ، فَإِنَّ الصَّبِيَّ يَتْبَعُ أَبَاهُ فِي الذِّمَّةِ وَأَهْلُ دَارِهِ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ، كَمَا يَتْبَعُ فِي الْإِسْلَامِ أَبَاهُ وَأَهْلَ دَارِهِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّ الصَّبِيَّ لَمَّا لَمْ يَكُنْ مُسْتَقِلًّا بِنَفْسِهِ جُعِلَ تَابِعًا لِغَيْرِهِ فِي الْإِيمَانِ وَالْأَمَانِ.
وَعَلَى هَذَا جَرَتْ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَخُلَفَائِهِ وَالْمُسْلِمِينَ فِي إِقْرَارِهِمْ صِبْيَانَ أَهْلِ الْكِتَابِ بِالْعَهْدِ الْقَدِيمِ مِنْ غَيْرِ تَجْدِيدِ عَقْدٍ آخَرَ.
وَهَذَا الْجَوَابُ حُكْمُهُ فِيمَا كَانَ مِنْ مَعَابِدِهِمْ قَدِيمًا قَبْلَ فَتْحِ الْمُسْلِمِينَ، أَمَّا مَا أُحْدِثَ بَعْدَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَجِبُ إِزَالَتُهُ، وَلَا يُمَكَّنُونَ مِنْ إِحْدَاثِ الْبِيَعِ وَالْكَنَائِسِ كَمَا شَرَطَ عَلَيْهِمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ فِي الشُّرُوطِ الْمَشْهُورَةِ عَنْهُ " أَلَّا يُجَدِّدُوا فِي مَدَائِنِ الْإِسْلَامِ وَلَا فِيمَا حَوْلَهَا كَنِيسَةً وَلَا صَوْمَعَةً وَلَا دَيْرًا لَا قِلَّايَةً، امْتِثَالًا لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : " «لَا تَكُونُ قِبْلَتَانِ بِبَلَدٍ وَاحِدٍ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ.
стр. 1065
وَلِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ قَالَ: " لَا كَنِيسَةَ فِي الْإِسْلَامِ ".
وَهَذَا مَذْهَبُ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ فِي الْأَمْصَارِ، وَمَذْهَبُ جُمْهُورِهِمْ فِي الْقُرَى، وَمَا زَالَ مَنْ يُوَفِّقُهُ اللَّهُ مِنْ وُلَاةِ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ يُنَفِّذُ ذَلِكَ، وَيَعْمَلُ بِهِ مِثْلَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الَّذِي اتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّهُ إِمَامُ هُدًى فَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْهُ أَنَّهُ كَتَبَ إِلَى نَائِبِهِ عَنِ الْيَمَنِ أَنْ يَهْدِمَ الْكَنَائِسَ الَّتِي فِي أَمْصَارِ الْمُسْلِمِينَ، فَهَدَمَهَا بِصَنْعَاءَ وَغَيْرِهَا.
وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: " مِنَ السُّنَّةِ أَنْ تُهْدَمَ الْكَنَائِسُ الَّتِي فِي الْأَمْصَارِ الْقَدِيمَةِ وَالْحَدِيثَةِ.
وَكَذَلِكَ هَارُونُ الرَّشِيدُ فِي خِلَافَتِهِ أَمَرَ بِهَدْمِ مَا كَانَ فِي سَوَادِ بَغْدَادَ.
وَكَذَلِكَ الْمُتَوَكِّلُ لَمَّا أَلْزَمَ أَهْلَ الْكِتَابِ " بِشُرُوطِ عُمَرَ " اسْتَفْتَى عُلَمَاءَ
стр. 1066
وَقْتِهِ فِي هَدْمِ الْكَنَائِسِ وَالْبِيَعِ فَأَجَابُوهُ، فَبَعَثَ بِأَجْوِبَتِهِمْ إِلَى الْإِمَامِ أَحْمَدَ، فَأَجَابَهُ بِهَدْمِ كَنَائِسِ سَوَادِ الْعِرَاقِ، وَذَكَرَ الْآثَارَ عَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، فَمِمَّا ذَكَرَهُ مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّهُ قَالَ: " أَيُّمَا مِصْرٍ مَصَّرَتْهُ الْعَرَبُ - يَعْنِي الْمُسْلِمِينَ - فَلَيْسَ لِلْعَجَمِ - يَعْنِي أَهْلَ الذِّمَّةِ - أَنْ يَبْنُوا فِيهِ كَنِيسَةً، وَلَا يَضْرِبُوا فِيهِ نَاقُوسًا، وَلَا يَشْرَبُوا فِيهِ خَمْرًا. أَيُّمَا مِصْرٍ مَصَّرَتْهُ الْعَجَمُ فَفَتَحَهُ اللَّهُ عَلَى الْعَرَبِ فَإِنَّ لِلْعَجَمِ مَا فِي عَهْدِهِمْ، وَعَلَى الْعَرَبِ أَنْ يُوفُوا بِعَهْدِهِمْ وَلَا يُكَلِّفُوهُمْ فَوْقَ طَاقَتِهِمْ ".
وَمُلَخَّصُ الْجَوَابِ: أَنَّ كُلَّ كَنِيسَةٍ فِي مِصْرَ وَالْقَاهِرَةِ وَالْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ وَوَاسِطَ وَبَغْدَادَ وَنَحْوِهَا مِنَ الْأَمْصَارِ الَّتِي مَصَّرَهَا الْمُسْلِمُونَ بِأَرْضِ الْعَنْوَةِ فَإِنَّهُ يَجِبُ إِزَالَتُهَا إِمَّا بِالْهَدْمِ أَوْ غَيْرِهِ، بِحَيْثُ لَا يَبْقَى لَهُمْ مَعْبَدٌ فِي مِصْرٍ مَصَّرَهُ الْمُسْلِمُونَ بِأَرْضِ الْعَنْوَةِ، وَسَوَاءٌ كَانَتْ تِلْكَ الْمَعَابِدُ قَدِيمَةً قَبْلَ الْفَتْحِ أَوْ مُحْدَثَةً؛ لِأَنَّ الْقَدِيمَ مِنْهَا يَجُوزُ أَخْذُهُ وَيَجِبُ عِنْدَ الْمَفْسَدَةِ، وَقَدْ نَهَى النَّبِيُّ ﷺ أَنْ تَجْتَمِعَ قِبْلَتَانِ بِأَرْضٍ فَلَا يَجُوزُ لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يُمَكِّنُوا أَنْ يَكُونَ بِمَدَائِنِ الْإِسْلَامِ قِبْلَتَانِ إِلَّا لِضَرُورَةٍ كَالْعَهْدِ الْقَدِيمِ، لَا سِيَّمَا وَهَذِهِ الْكَنَائِسُ الَّتِي بِهَذِهِ الْأَمْصَارِ مُحْدَثَةٌ يَظْهَرُ حُدُوثُهَا بِدَلَائِلَ مُتَعَدِّدَةٍ، وَالْمُحْدَثُ يُهْدَمُ بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ.
وَأَمَّا الْكَنَائِسُ الَّتِي بِالصَّعِيدِ وَبَرِّ الشَّامِ وَنَحْوِهَا مِنْ أَرْضِ الْعَنْوَةِ، فَمَا كَانَ مِنْهَا مُحْدَثًا وَجَبَ هَدْمُهُ، وَإِذَا اشْتَبَهَ الْمُحْدَثُ بِالْقَدِيمِ وَجَبَ هَدْمُهُمَا
стр. 1067
جَمِيعًا؛ لِأَنَّ هَدْمَ الْمُحْدَثِ وَاجِبٌ وَهَدْمَ الْقَدِيمِ جَائِزٌ، وَمَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ.
وَمَا كَانَ مِنْهَا قَدِيمًا فَإِنَّهُ يَجُوزُ هَدْمُهُ وَيَجُوزُ إِقْرَارُهُ بِأَيْدِيهِمْ، فَيَنْظُرُ الْإِمَامُ فِي الْمَصْلَحَةِ: فَإِنْ كَانُوا قَدْ قَلُّوا وَالْكَنَائِسُ كَثِيرَةٌ أَخَذَ مِنْهُمْ أَكْثَرَهَا، وَكَذَلِكَ مَا كَانَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِيهِ مَضَرَّةٌ فَإِنَّهُ يُؤْخَذُ أَيْضًا، وَمَا احْتَاجَ الْمُسْلِمُونَ إِلَى أَخْذِهِ أُخِذَ أَيْضًا.
وَأَمَّا إِذَا كَانُوا كَثِيرِينَ فِي قَرْيَةٍ وَلَهُمْ كَنِيسَةٌ قَدِيمَةٌ لَا حَاجَةَ إِلَى أَخْذِهَا وَلَا مَصْلَحَةَ فِيهِ، فَالَّذِي يَنْبَغِي تَرْكُهَا كَمَا تَرَكَ النَّبِيُّ ﷺ وَخُلَفَاؤُهُ لَهُمْ مِنَ الْكَنَائِسِ مَا كَانُوا مُحْتَاجِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ أُخِذَ مِنْهُمْ.
وَأَمَّا مَا كَانَ لَهُمْ بِصُلْحٍ قَبْلَ الْفَتْحِ مِثْلَ مَا فِي دَاخِلِ مَدِينَةِ دِمَشْقَ وَنَحْوِهَا، فَلَا يَجُوزُ أَخْذُهُ مَا دَامُوا مُوفِينَ بِالْعَهْدِ إِلَّا بِمُعَاوَضَةٍ أَوْ طِيبِ أَنْفُسِهِمْ، كَمَا فَعَلَ الْمُسْلِمُونَ بِجَامِعِ دِمَشْقَ لَمَّا بَنَوْهُ.
فَإِذَا عُرِفَ أَنَّ الْكَنَائِسَ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ: مِنْهَا مَا لَا يَجُوزُ هَدْمُهُ. وَمِنْهَا مَا يَجِبُ هَدْمُهُ - كَالَّتِي فِي الْقَاهِرَةِ مِصْرَ وَالْمُحْدَثَاتِ كُلِّهَا - وَمِنْهَا مَا يَفْعَلُ الْمُسْلِمُونَ فِيهِ الْأَصْلَحَ كَالَّتِي فِي الصَّعِيدِ وَأَرْضِ الشَّامِ، فَمَا كَانَ قَدِيمًا
стр. 1068
عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ، فَالْوَاجِبُ عَلَى وَلِيِّ الْأَمْرِ فِعْلُ مَا أَمَرَهُ اللَّهُ بِهِ، وَمَا هُوَ أَصْلَحُ لِلْمُسْلِمِينَ مِنْ إِعْزَازِ دِينِ اللَّهِ وَقَمْعِ أَعْدَائِهِ وَإِتْمَامِ مَا فَعَلَهُ الصَّحَابَةُ مِنْ إِلْزَامِهِمْ بِالشُّرُوطِ عَلَيْهِمْ، وَمَنْعِهِمْ مِنَ الْوِلَايَاتِ فِي جَمِيعِ أَرْضِ الْإِسْلَامِ، لَا يُلْتَفَتُ فِي ذَلِكَ إِلَى مُرْجِفٍ أَوْ مُخَذِّلٍ يَقُولُ: إِنَّ لَنَا عِنْدَهُمْ مَسَاجِدَ وَأَسْرَى نَخَافُ عَلَيْهِمْ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: ٤٠] وَإِذَا كَانَ [نَوْرُوزُ] فِي مَمْلَكَةِ التَّتَارِ قَدْ هَدَمَ عَامَّةَ الْكَنَائِسِ عَلَى رَغْمِ أَنْفِ أَعْدَاءِ اللَّهِ، فَحِزْبُ اللَّهِ الْمَنْصُورُ وَجُنْدُهُ الْمَوْعُودُ بِالنَّصْرِ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ أَوْلَى بِذَلِكَ وَأَحَقُّ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَخْبَرَ أَنَّهُمْ لَا يَزَالُونَ ظَاهِرِينَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَنَحْنُ نَرْجُو أَنْ يُحَقِّقَ اللَّهُ
стр. 1069
وَعْدَ رَسُولِهِ حَيْثُ قَالَ: " «يَبْعَثُ اللَّهُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مِنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا» " وَيَكُونُ مَنْ أَجْرَى اللَّهُ ذَلِكَ عَلَى يَدَيْهِ وَأَعَانَ عَلَيْهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ دَاخِلِينَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ النَّبَوِيِّ، فَإِنَّ اللَّهَ بِهِمْ يُقِيمُ دِينَهُ كَمَا قَالَ: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحديد: ٢٥] .
[القسم الثَّانِي بِلَادٌ أُنْشِئَتْ قَبْلَ الْإِسْلَامِ فَافْتَتَحَهَا الْمُسْلِمُونَ عَنْوَةً وَمَلَكُوا أَرْضَهَا وَسَاكِنِيهَا]
٢١٠ - فَصْلٌ
الضَّرْبُ الثَّانِي مِنَ الْبِلَادِ:
[مَا فُتِحَ عَنْوَةً]
الْأَمْصَارُ الَّتِي أَنْشَأَهَا الْمُشْرِكُونَ وَمَصَّرُوهَا، ثُمَّ فَتَحَهَا الْمُسْلِمُونَ عَنْوَةً وَقَهْرًا بِالسَّيْفِ، فَهَذِهِ لَا يَجُوزُ أَنْ يُحْدَثَ فِيهَا شَيْءٌ مِنَ الْبِيَعِ وَالْكَنَائِسِ.
стр. 1070
وَأَمَّا مَا كَانَ فِيهَا مِنْ ذَلِكَ قَبْلَ الْفَتْحِ فَهَلْ يَجُوزُ إِبْقَاؤُهُ أَوْ يَجِبُ هَدْمُهُ؟ فِيهِ قَوْلَانِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ، وَهُمَا وَجْهَانِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ:
أَحَدُهُمَا: يَجِبُ إِزَالَتُهُ وَتَحْرُمُ تَبْقِيَتُهُ؛ لِأَنَّ الْبِلَادَ قَدْ صَارَتْ مِلْكًا لِلْمُسْلِمِينَ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُقَرَّ فِيهَا أَمْكِنَةُ شِعَارِ الْكُفْرِ، كَالْبِلَادِ الَّتِي مَصَّرَهَا الْمُسْلِمُونَ، وَلِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : " «لَا تَصْلُحُ قِبْلَتَانِ بِبَلَدٍ» ". وَكَمَا لَا يَجُوزُ إِبْقَاءُ الْأَمْكِنَةِ الَّتِي هِيَ شِعَارُ الْفُسُوقِ كَالْخَمَّارَاتِ وَالْمَوَاخِيرِ، وَلِأَنَّ أَمْكِنَةَ الْبِيَعِ وَالْكَنَائِسِ قَدْ صَارَتْ مِلْكًا لِلْمُسْلِمِينَ، فَتَمْكِينُ الْكُفَّارِ مِنْ إِقَامَةِ شِعَارِ الْكُفْرِ فِيهَا كَبَيْعِهِمْ وَإِجَارَتِهِمْ إِيَّاهَا لِذَلِكَ، وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِالْجِهَادِ حَتَّى يَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لَهُ، وَتَمْكِينُهُمْ مِنْ إِظْهَارِ شِعَارِ الْكُفْرِ فِي تِلْكَ الْمَوَاطِنِ جَعَلَ الدِّينَ لَهُ وَلِغَيْرِهِ، وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الصَّحِيحُ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: يَجُوزُ بِنَاؤُهَا لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: " أَيُّمَا مِصْرٍ مَصَّرَتْهُ الْعَجَمُ فَفَتَحَهُ اللَّهُ عَلَى الْعَرَبِ فَنَزَلُوهُ فَإِنَّ لِلْعَجَمِ مَا فِي عَهْدِهِمْ " وَلِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَتَحَ خَيْبَرَ عَنْوَةً وَأَقَرَّهُمْ عَلَى مَعَابِدِهِمْ فِيهَا وَلَمْ يَهْدِمْهَا، وَلِأَنَّ الصَّحَابَةَ ﵃ فَتَحُوا كَثِيرًا مِنَ الْبِلَادِ عَنْوَةً فَلَمْ يَهْدِمُوا شَيْئًا مِنَ الْكَنَائِسِ الَّتِي بِهَا.
وَيَشْهَدُ لِصِحَّةِ هَذَا وُجُودُ الْكَنَائِسِ وَالْبِيَعِ فِي الْبِلَادِ الَّتِي فُتِحَتْ
стр. 1071
عَنْوَةً، وَمَعْلُومٌ قَطْعًا أَنَّهَا مَا أُحْدِثَتْ بَلْ كَانَتْ مَوْجُودَةً قَبْلَ الْفَتْحِ.
وَقَدْ كَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى عُمَّالِهِ: " أَنْ لَا تَهْدِمُوا كَنِيسَةً وَلَا بِيعَةً وَلَا بَيْتَ نَارٍ ".
وَلَا يُنَاقِضُ هَذَا مَا حَكَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ أَنَّهُ أَمَرَ بِهَدْمِ الْكَنَائِسِ، فَإِنَّهَا الَّتِي أُحْدِثَتْ فِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ، وَلِأَنَّ الْإِجْمَاعَ قَدْ حَصَلَ عَلَى ذَلِكَ فَإِنَّهَا مَوْجُودَةٌ فِي بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ.
وَفَصْلُ الْخِطَابِ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ الْإِمَامَ يَفْعَلُ فِي ذَلِكَ مَا هُوَ الْأَصْلَحُ لِلْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ كَانَ أَخْذُهَا مِنْهُمْ أَوْ إِزَالَتُهَا هُوَ الْمَصْلَحَةَ - لِكَثْرَةِ الْكَنَائِسِ أَوْ حَاجَةِ الْمُسْلِمِينَ إِلَى بَعْضِهَا وَقِلَّةِ أَهْلِ الذِّمَّةِ - فَلَهُ أَخْذُهَا أَوْ إِزَالَتُهَا بِحَسَبِ الْمَصْلَحَةِ، وَإِنْ كَانَ تَرْكُهَا أَصْلَحَ - لِكَثْرَتِهِمْ وَحَاجَتِهِمْ إِلَيْهَا وَغِنَى الْمُسْلِمِينَ عَنْهَا - تَرَكَهَا، وَهَذَا التَّرْكُ تَمْكِينٌ لَهُمْ مِنَ الِانْتِفَاعِ بِهَا لَا تَمْلِيكٌ لَهُمْ رِقَابَهَا، فَإِنَّهَا قَدْ صَارَتْ مِلْكًا لِلْمُسْلِمِينَ، فَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يَجْعَلَهَا مِلْكًا لِلْكُفَّارِ؟ وَإِنَّمَا هُوَ امْتِنَاعٌ بِحَسَبِ الْمَصْلَحَةِ، فَلِلْإِمَامِ انْتِزَاعُهَا مَتَى رَأَى
стр. 1072
الْمَصْلَحَةَ فِي ذَلِكَ.
وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ وَالصَّحَابَةَ مَعَهُ أَجْلَوْا أَهْلَ خَيْبَرَ مِنْ دُورِهِمْ وَمَعَابِدِهِمْ بَعْدَ أَنْ أَقَرَّهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِيهَا، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ الْإِقْرَارُ تَمْلِيكًا لَمْ يَجُزِ إِخْرَاجُهُمْ عَنْ مِلْكِهِمْ إِلَّا بِرِضًا أَوْ مُعَاوَضَةٍ.
وَلِهَذَا لَمَّا أَرَادَ الْمُسْلِمُونَ أَخْذَ كَنَائِسِ الْعَنْوَةِ الَّتِي خَارِجَ دِمَشْقَ فِي زَمَنِ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ صَالَحَهُمُ النَّصَارَى عَلَى تَرْكِهَا وَتَعْوِيضِهِمْ عَنْهَا بِالْكَنِيسَةِ الَّتِي زِيدَتْ فِي الْجَامِعِ، وَلَوْ كَانُوا قَدْ مَلَكُوا تِلْكَ الْكَنَائِسَ بِالْإِقْرَارِ لَقَالُوا لِلْمُسْلِمِينَ: كَيْفَ تَأْخُذُونَ أَمْلَاكَنَا قَهْرًا وَظُلْمًا؟ بَلْ أَذْعَنُوا إِلَى الْمُعَاوَضَةِ لَمَّا عَلِمُوا أَنَّ لِلْمُسْلِمِينَ أَخْذَ تِلْكَ الْكَنَائِسِ مِنْهُمْ، وَأَنَّهَا غَيْرُ مِلْكِهِمْ كَالْأَرْضِ الَّتِي هِيَ بِهَا.
فَبِهَذَا التَّفْصِيلِ تَجْتَمِعُ الْأَدِلَّةُ، وَهُوَ اخْتِيَارُ شَيْخِنَا، وَعَلَيْهِ يَدُلُّ فِعْلُ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ أَئِمَّةِ الْهُدَى، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ هَدَمَ
стр. 1073
مِنْهَا مَا رَأَى الْمَصْلَحَةَ فِي هَدْمِهِ وَأَقَرَّ مَا رَأَى الْمَصْلَحَةَ فِي إِقْرَارِهِ.
وَقَدْ أَفْتَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ الْمُتَوَكِّلَ بِهَدْمِ كَنَائِسِ السَّوَادِ وَهِيَ أَرْضُ الْعَنْوَةِ.
[القسم الثَّالِثُ بِلَادٌ أُنْشِئَتْ قَبْلَ الْإِسْلَامِ وَفَتَحَهَا الْمُسْلِمُونَ صُلْحًا]
٢١١ - فَصْلٌ
الضَّرْبُ الثَّالِثُ: مَا فُتِحَ صُلْحًا
وَهَذَا نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يُصَالِحَهُمْ عَلَى أَنَّ الْأَرْضَ لَهُمْ وَلَنَا الْخَرَاجُ عَلَيْهَا، أَوْ يُصَالِحَهُمْ عَلَى مَالٍ يَبْذُلُونَهُ وَهِيَ الْهُدْنَةُ، فَلَا يُمْنَعُونَ مِنْ إِحْدَاثِ مَا يَخْتَارُونَهُ فِيهَا؛ لِأَنَّ الدَّارَ لَهُمْ كَمَا صَالَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَهْلَ نَجْرَانَ وَلَمْ يَشْتَرِطْ عَلَيْهِمْ أَلَّا يُحْدِثُوا كَنِيسَةً وَلَا دَيْرًا.
النَّوْعُ الثَّانِي: أَنْ يُصَالِحَهُمْ عَلَى أَنَّ الدَّارَ لِلْمُسْلِمِينَ، وَيُؤَدُّونَ الْجِزْيَةَ إِلَيْنَا.
فَالْحُكْمُ فِي الْبِيَعِ وَالْكَنَائِسِ عَلَى مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الصُّلْحُ مَعَهُمْ مِنْ تَبْقِيَةٍ وَإِحْدَاثٍ وَعِمَارَةٍ؛ لِأَنَّهُ إِذَا جَازَ أَنْ يَقَعَ الصُّلْحُ مَعَهُمْ عَلَى أَنَّ الْكُلَّ لَهُمْ جَازَ أَنْ يُصَالَحُوا عَلَى أَنْ يَكُونَ بَعْضُ الْبَلَدِ لَهُمْ.
وَالْوَاجِبُ عِنْدَ الْقُدْرَةِ أَنْ يُصَالَحُوا عَلَى مَا صَالَحَهُمْ عَلَيْهِ عُمَرُ ﵁، وَيُشْتَرَطُ عَلَيْهِمُ الشُّرُوطُ الْمَكْتُوبَةُ فِي كِتَابِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ:
стр. 1074
" أَلَّا يُحْدِثُوا بِيعَةً وَلَا صَوْمَعَةَ رَاهِبٍ وَلَا قِلَّايَةً ". فَلَوْ وَقَعَ الصُّلْحُ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ حُمِلَ عَلَى مَا وَقَعَ عَلَيْهِ صُلْحُ عُمَرَ، وَأُخِذُوا بِشُرُوطِهِ؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ كَالشَّرْعِ، فَيُحْمَلُ مُطْلَقُ صُلْحِ الْأَئِمَّةِ بَعْدَهُ عَلَيْهَا.
٢١٢ -[فَصْلٌ]
ذِكْرُ نُصُوصِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ مِنَ الْأَئِمَّةِ فِي هَذَا الْبَابِ.
قَالَ الْخَلَّالُ فِي كِتَابِ " أَحْكَامِ أَهْلِ الْمِلَلِ " بَابُ الْحُكْمِ فِيمَا أَحْدَثَتْهُ النَّصَارَى مِمَّا لَمْ يُصَالَحُوا عَلَيْهِ:
أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ: كَانَ الْمُتَوَكِّلُ [إِذَا] حَدَثَ مِنْ أَمْرِ النَّصَارَى مَا حَدَثَ كَتَبَ إِلَى الْقُضَاةِ بِبَغْدَادَ يَسْأَلُهُمْ، أَبِي حَسَّانَ الزِّيَادِيِّ وَغَيْرِهِ، فَكَتَبُوا إِلَيْهِ وَاخْتَلَفُوا، فَلَمَّا قُرِئَ عَلَيْهِ قَالَ: أَكْتُبُ بِمَا أَجَابَ بِهِ هَؤُلَاءِ إِلَى أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ لِيَكْتُبَ إِلَيَّ بِمَا يَرَى فِي ذَلِكَ.
قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: وَلَمْ يَكُنْ فِي أُولَئِكَ الَّذِينَ كَتَبُوا أَحَدٌ يَحْتَجُّ بِالْحَدِيثِ إِلَّا
стр. 1075
أَبَا حَسَّانَ الزِّيَادِيَّ، وَاحْتَجَّ بِأَحَادِيثَ عَنِ الْوَاقِدِيِّ. فَلَمَّا قُرِئَ عَلَى أَبِي عَرَفَهُ وَقَالَ: هَذَا جَوَابُ أَبِي حَسَّانَ، وَقَالَ: هَذِهِ أَحَادِيثُ ضِعَافٌ، فَأَجَابَهُ أَبِي وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، فَقَالَ: ثَنَا مَعْمَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ حَنَشٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ أَمْصَارِ الْعَرَبِ - أَوْ دَارِ الْعَرَبِ - هَلْ لِلْعَجَمِ أَنْ يُحْدِثُوا فِيهَا شَيْئًا؟ فَقَالَ: " أَيُّمَا مِصْرٍ مَصَّرَتْهُ الْعَرَبُ. . . " فَذَكَرَ الْحَدِيثَ.
قَالَ: وَسَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: لَيْسَ لِلْيَهُودِ وَالنَّصَارَى أَنْ يُحْدِثُوا فِي مِصْرٍ مَصَّرَهُ الْمُسْلِمُونَ بِيعَةً وَلَا كَنِيسَةً، وَلَا يَضْرِبُوا فِيهِ بِنَاقُوسٍ إِلَّا فِيمَا كَانَ لَهُمْ صُلْحًا، وَلَيْسَ لَهُمْ أَنْ يُظْهِرُوا الْخَمْرَ فِي أَمْصَارِ الْمُسْلِمِينَ، عَلَى حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " أَيُّمَا مِصْرٍ مَصَّرَهُ الْمُسْلِمُونَ ".
أَخْبَرَنَا حَمْزَةُ بْنُ الْقَاسِمِ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَنْبَلٍ وَعِصْمَةُ قَالُوا: حَدَّثَنَا حَنْبَلٌ، قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: " وَإِذَا كَانَتِ الْكَنَائِسُ صُلْحًا تُرِكُوا عَلَى مَا صُولِحُوا عَلَيْهِ، فَأَمَّا الْعَنْوَةُ فَلَا، وَلَيْسَ لَهُمْ أَنْ يُحْدِثُوا بِيعَةً وَلَا كَنِيسَةً لَمْ تَكُنْ، وَلَا يَضْرِبُوا نَاقُوسًا، وَلَا يَرْفَعُوا صَلِيبًا، وَلَا يُظْهِرُوا خِنْزِيرًا، وَلَا يَرْفَعُوا نَارًا وَلَا
стр. 1076
شَيْئًا مِمَّا يَجُوزُ لَهُمْ فِعْلُهُ فِي دِينِهِمْ، يُمْنَعُونَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا يُتْرَكُونَ ".
قُلْتُ: لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يَمْنَعُوهُمْ مِنْ ذَلِكَ؟ قَالَ: " نَعَمْ، عَلَى الْإِمَامِ مَنْعُهُمْ مِنْ ذَلِكَ. السُّلْطَانُ يَمْنَعُهُمْ مِنَ الْإِحْدَاثِ إِذَا كَانَتْ بِلَادُهُمْ فُتِحَتْ عَنْوَةً! وَأَمَّا الصُّلْحُ فَلَهُمْ مَا صُولِحُوا عَلَيْهِ يُوَفَّى لَهُمْ ".
وَقَالَ: " الْإِسْلَامُ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى، وَلَا يُظْهِرُونَ خَمْرًا ".
قَالَ الْخَلَّالُ: كَتَبَ إِلَيَّ يُوسُفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْإِسْكَافِيُّ: ثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ سَأَلَ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَنِ الْبِيعَةِ وَالْكَنِيسَةِ تُحْدَثُ، قَالَ: " يُرْفَعُ أَمْرُهَا إِلَى السُّلْطَانِ ".
стр. 1077
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: " لَا يَنْبَغِي أَنْ يُتْرَكَ فِي أَرْضِ الْعَرَبِ كَنِيسَةٌ وَلَا بِيعَةٌ، وَلَا يُبَاعُ فِيهَا خَمْرٌ وَخِنْزِيرٌ، وَمِصْرًا كَانَ أَوْ قَرْيَةً ".
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي " الْمُخْتَصَرِ ": " وَلَا يُحْدِثُوا فِي أَمْصَارِ الْمُسْلِمِينَ كَنِيسَةً وَلَا مُجْتَمَعًا لِصَلَوَاتِهِمْ، وَلَا يُظْهِرُوا فِيهَا حَمْلَ خَمْرٍ وَلَا إِدْخَالَ خِنْزِيرٍ، وَلَا يُحْدِثُوا بِنَاءً يَطُولُونَ بِهِ عَلَى بِنَاءِ الْمُسْلِمِينَ، وَأَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ هَيْئَاتِهِمْ فِي الْمَرْكَبِ وَالْمَلْبَسِ وَبَيْنَ هَيْئَاتِ الْمُسْلِمِينَ، وَأَنْ يَعْقِدُوا الزُّنَّارَ عَلَى أَوْسَاطِهِمْ، وَلَا يَدْخُلُوا مَسْجِدًا، وَلَا يَسْقُوا مُسْلِمًا خَمْرًا، وَلَا يُطْعِمُوهُ خِنْزِيرًا.
وَإِنْ كَانُوا فِي قَرْيَةٍ يَمْلِكُونَهَا مُنْفَرِدِينَ لَمْ يُعْرَضْ لَهُمْ فِي خَمْرِهِمْ وَخَنَازِيرِهِمْ وَرَفْعِ بُنْيَانِهِمْ، وَإِنْ كَانَ لَهُمْ بِمِصْرِ الْمُسْلِمِينَ كَنِيسَةٌ أَوْ بِنَاءٌ طَوِيلٌ كَبِنَاءِ الْمُسْلِمِينَ، لَمْ يَكُنْ لِلْمُسْلِمِينَ هَدْمُ ذَلِكَ، وَتُرِكَ عَلَى مَا وُجِدَ وَمُنِعُوا مِنْ إِحْدَاثِ مِثْلِهِ.
وَهَذَا إِذَا كَانَ الْمِصْرُ لِلْمُسْلِمِينَ أَحْيَوْهُ أَوْ فَتَحُوهُ عَنْوَةً، وَشُرِطَ هَذَا عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ.
وَإِنْ كَانُوا فَتَحُوا بِلَادَهُمْ عَلَى صُلْحٍ مِنْهُمْ عَلَى تَرْكِهِمْ وَإِيَّاهُ خُلُّوا وَإِيَّاهُ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُصَالَحُوا عَلَى أَنْ يَنْزِلُوا بِلَادَ الْإِسْلَامِ يُحْدِثُونَ فِيهَا ذَلِكَ ".
قَالَ صَاحِبُ " النِّهَايَةِ " فِي شَرْحِهِ: " الْبِلَادُ قِسْمَانِ: بَلْدَةٌ ابْتَنَاهَا
стр. 1078
الْمُسْلِمُونَ فَلَا يُمَكَّنُ أَهْلُ الذِّمَّةِ مِنْ إِحْدَاثِ كَنِيسَةٍ فِيهَا وَلَا بَيْتِ نَارٍ، فَإِنْ فَعَلُوا نُقِضَ عَلَيْهِمْ، فَإِنْ كَانَ الْبَلَدُ لِلْكُفَّارِ وَجَرَى فِيهِ حُكْمٌ لِلْمُسْلِمِينَ فَهَذَا قِسْمَانِ: فَإِنْ فَتَحَهُ الْمُسْلِمُونَ عَنْوَةً وَمَلَكُوا رِقَابَ الْأَبْنِيَةِ وَالْعِرَاصِ تَعَيَّنَ نَقْضُ مَا فِيهَا مِنَ الْبِيَعِ وَالْكَنَائِسِ، وَإِذَا كُنَّا نَنْقُضُ مَا نُصَادِفُ مِنَ الْكَنَائِسِ وَالْبِيَعِ فَلَا يَخْفَى أَنَّا نَمْنَعُهُمْ مِنِ اسْتِحْدَاثِ مِثْلِهَا.
وَلَوْ رَأَى الْإِمَامُ أَنْ يُبْقِيَ كَنِيسَةً وَيُقِرَّ فِي الْبَلَدِ طَائِفَةً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ فَالَّذِي قَطَعَ بِهِ الْأَصْحَابُ مَنْعُ ذَلِكَ وَذَكَرَ الْعِرَاقِيُّونَ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْإِمَامِ أَنْ يُقِرَّهُمْ وَيُبْقِيَ الْكَنِيسَةَ عَلَيْهِمْ.
وَالثَّانِي: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ، وَهُوَ الْأَصَحُّ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْمَرَاوِزَةُ.
هَذَا إِذَا فَتَحْنَا الْبَلَدَ عَنْوَةً، فَإِنْ فَتَحْنَاهَا صُلْحًا فَهَذَا يَنْقَسِمُ قِسْمَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَقَعَ الْفَتْحُ عَلَى أَنَّ رِقَابَ الْأَرَاضِي لِلْمُسْلِمِينَ، وَيُقِرُّونَ فِيهَا بِمَالٍ يُؤَدُّونَهُ لِسُكْنَاهَا سِوَى الْجِزْيَةِ، فَإِنِ اسْتَثْنَوْا فِي الصُّلْحِ الْبِيَعَ وَالْكَنَائِسَ لَمْ يُنْقَضْ عَلَيْهِمْ، وَإِنْ أَطْلَقُوا وَمَا اسْتَثْنَوْا بِيَعَهُمْ وَكَنَائِسَهُمْ فَفِي الْمَسْأَلَةِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا تُنْقَضُ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ مَلَكُوا رِقَابَ الْأَبْنِيَةِ وَالْبِيَعِ وَالْكَنَائِسِ تُغْنَمُ كَمَا تُغْنَمُ الدُّورُ.
стр. 1079
وَالثَّانِي: لَا نَمْلِكُهَا؛ لِأَنَّا شَرَطْنَا تَقْرِيرَهُمْ، وَقَدْ لَا يَتَمَكَّنُونَ مِنَ الْمَقَامِ إِلَّا بِتَبْقِيَةِ مُجْتَمَعٍ لَهُمْ فِيمَا يَرَوْنَهُ عِبَادَةً، وَحَقِيقَةُ الْخِلَافِ تَرْجِعُ إِلَى أَنَّ اللَّفْظَ فِي مُطْلَقِ " الصُّلْحِ " هَلْ يَتَنَاوَلُ الْبِيَعَ وَالْكَنَائِسَ مَعَ الْقَرَائِنِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا؟
الْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَفْتَحَهَا الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنْ تَكُونَ رِقَابُ الْأَرْضِ لَهُمْ، فَإِذَا وَقَعَ الصُّلْحُ كَذَلِكَ لَمْ يُتَعَرَّضْ لِلْبِيَعِ وَالْكَنَائِسِ، وَلَوْ أَرَادُوا إِحْدَاثَ كَنَائِسَ فَالْمَذْهَبُ أَنَّهُمْ لَا يُمْنَعُونَ فَإِنَّهُمْ مُنْصَرِفُونَ فِي أَمْلَاكِهِمْ.
وَأَبْعَدَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا فَمَنَعَهُمْ مِنِ اسْتِحْدَاثِ مَا لَمْ يَكُنْ، فَإِنَّهُ إِحْدَاثُ بِيعَةٍ فِي بَلَدٍ هِيَ تَحْتَ حُكْمِ الْإِسْلَامِ ".
٢١٣ - فَصْلٌ
وَأَمَّا أَصْحَابُ مَالِكٍ فَقَالَ فِي " الْجَوَاهِرِ ": إِنْ كَانُوا فِي بَلْدَةٍ بَنَاهَا الْمُسْلِمُونَ فَلَا يُمَكَّنُونَ مِنْ بِنَاءِ كَنِيسَةٍ، وَكَذَلِكَ لَوْ مَلَكْنَا رِقْبَةَ بَلْدَةٍ مِنْ بِلَادِهِمْ قَهْرًا، وَلَيْسَ لِلْإِمَامِ أَنْ يُقِرَّ فِيهَا كَنِيسَةً بَلْ يَجِبُ نَقْضُ كَنَائِسِهِمْ بِهَا.
стр. 1080
أَمَّا إِذَا فُتِحَتْ صُلْحًا عَلَى أَنْ يَسْكُنُوهَا بِخَرَاجٍ وَرِقْبَةِ الْأَبْنِيَةِ لِلْمُسْلِمِينَ وَشَرَطُوا إِبْقَاءَ كَنِيسَةٍ، جَازَ.
وَأَمَّا إِنِ افْتُتِحَتْ عَلَى أَنْ تَكُونَ رِقْبَةُ الْبَلَدِ لَهُمْ وَعَلَيْهِمْ خَرَاجٌ وَلَا تُنْقَضُ كَنَائِسُهُمْ، فَذَلِكَ لَهُمْ ثُمَّ يُمْنَعُونَ مِنْ رَمِّهَا.
قَالَ ابْنُ الْمَاجَشُونِ: وَيُمْنَعُونَ مِنْ رَمِّ كَنَائِسِهِمُ الْقَدِيمَةِ إِذَا رَثَّتْ إِلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ شَرْطًا فِي عَقْدِهِمْ، فَيُوَفَّى لَهُمْ وَيُمْنَعُونَ مِنَ الزِّيَادَةِ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ.
وَنَقَلَ الشَّيْخُ أَبُو عُمَرَ: أَنَّهُمْ لَا يُمْنَعُونَ مِنْ إِصْلَاحِ مَا وَهَى مِنْهَا، وَإِنَّمَا مُنِعُوا مِنْ إِصْلَاحِ كَنِيسَةٍ فِيمَا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ؛ لِقَوْلِهِ ﷺ : " «لَا يُرْفَعُ فِيكُمْ يَهُودِيَّةٌ وَلَا نَصْرَانِيَّةٌ» .
فَلَوْ صُولِحُوا عَلَى أَنْ يَتَّخِذُوا الْكَنَائِسَ إِنْ شَاءُوا، فَقَالَ ابْنُ الْمَاجَشُونِ: لَا يَجُوزُ هَذَا الشَّرْطُ. وَيُمْنَعُونَ مِنْهَا إِلَّا فِي بَلَدِهِمُ الَّذِي لَا يَسْكُنُهُ الْمُسْلِمُونَ مَعَهُمْ فَلَهُمْ ذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطُوهُ. قَالَ: وَهَذَا فِي أَهْلِ الصُّلْحِ.
فَأَمَّا أَهْلُ الْعَنْوَةِ فَلَا يُتْرَكُ لَهُمْ عِنْدَ ضَرْبِ الْجِزْيَةِ عَلَيْهِمْ كَنِيسَةٌ إِلَّا هُدِّمَتْ ثُمَّ لَا يُمَكَّنُونَ مِنْ إِحْدَاثِ كَنِيسَةٍ بَعْدُ، وَإِنْ كَانُوا مُعْتَزِلِينَ عَنْ بِلَادِ الْإِسْلَامِ.
стр. 1081
[فَصْلٌ زَوَالُ الْأَمَانِ عَنِ الْأَنْفُسِ زَوَالٌ عَنِ الْكَنَائِسِ]
٢١٤ - فَصْلٌ
[زَوَالُ الْأَمَانِ عَنِ الْأَنْفُسِ زَوَالٌ عَنِ الْكَنَائِسِ]
وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ فِي " سُنَنِهِ " عَنْ أَسْبَاطٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: " «قَالَ صَالَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَهْلَ نَجْرَانَ عَلَى أَلْفَيْ حُلَّةٍ» " الْحَدِيثَ. وَفِيهِ: " «وَلَا يُهْدَمُ لَهُمْ بِيعَةٌ، وَلَا يُخْرَجُ لَهُمْ قِسٌّ، وَلَا يُفْتَنُونَ عَنْ دِينِهِمْ مَا لَمْ يُحْدِثُوا حَدَثًا أَوْ يَأْكُلُوا الرِّبَا» ". فَأَبْقَى كَنَائِسَهُمْ عَلَيْهِمْ لِمَا كَانَتِ الْبَلَدُ لَهُمْ، وَجَعَلَ الْأَمَانَ فِيهَا تَبَعًا لِأَمَانِهِمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ، فَإِذَا زَالَ شَرْطُ الْأَمَانِ عَلَى أَنْفُسِهِمْ - بِإِحْدَاثِ الْحَدَثِ وَأَكْلِ الرِّبَا - زَالَ عَنْ رِقَابِ كَنَائِسِهِمْ كَمَا زَالَ عَنْ رِقَابِهِمْ.
[فَصْلٌ فِي ذِكْرِ بِنَاءِ مَا اسْتُهْدِمَ مِنْهَا وَرَمِّ شَعَثِهِ وَذِكْرِ الْخِلَافِ فِيهِ]
٢١٥ - فَصْلٌ
فِي ذِكْرِ بِنَاءِ مَا اسْتُهْدِمَ مِنْهَا، وَرَمِّ شَعَثِهِ، وَذِكْرِ الْخِلَافِ فِيهِ
قَالَ صَاحِبُ " الْمُغْنِي " فِيهِ: كُلُّ مَوْضِعٍ قُلْنَا: " يَجُوزُ إِقْرَارُهُ " لَمْ يَجُزْ هَدْمُهُ.
وَهَذَا لَيْسَ عَلَى إِطْلَاقِهِ، فَإِنَّ كَنَائِسَ الْعَنْوَةِ يَجُوزُ لِلْإِمَامِ إِقْرَارُهَا لِلْمَصْلَحَةِ، وَيَجُوزُ لِلْإِمَامِ هَدْمُهَا لِلْمَصْلَحَةِ، وَبِهِ أَفْتَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ الْمُتَوَكِّلَ
стр. 1082
فِي هَدْمِ كَنَائِسِ الْعَنْوَةِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَكَمَا طَلَبَ الْمُسْلِمُونَ أَخْذَ كَنَائِسِ الْعَنْوَةِ مِنْهُمْ فِي زَمَنِ الْوَلِيدِ حَتَّى صَالَحُوهُمْ عَلَى الْكَنِيسَةِ الَّتِي زِيدَتْ فِي جَامِعِ دِمَشْقَ، وَكَانَتْ مُقَرَّةً بِأَيْدِيهِمْ مِنْ زَمَنِ عُمَرَ ﵁ إِلَى زَمَنِ الْوَلِيدِ، وَلَوْ وَجَبَ إِبْقَاؤُهَا وَامْتَنَعَ هَدْمُهَا لَمَا أَقَرَّ الْمُسْلِمُونَ الْوَلِيدَ، وَلَغَيَّرَهُ الْخَلِيفَةُ الرَّاشِدُ - لَمَّا وَلِيَ - عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، فَلَا تَلَازُمَ بَيْنَ جَوَازِ الْإِبْقَاءِ وَتَحْرِيمِ الْهَدْمِ.
وَقَدِ اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ فِي بِنَاءِ الْمُسْتَهْدَمِ وَرَمِّ الشَّعَثِ فَعَنْهُ الْمَنْعُ فِيهِمَا، وَنَصَرَ هَذِهِ الرِّوَايَةَ الْقَاضِي فِي " خِلَافِهِ "، وَعَنْهُ الْجَوَازُ فِيهِمَا، وَعَنْهُ يَجُوزُ رَمُّ شَعَثِهَا دُونَ بِنَائِهَا.
قَالَ الْخَلَّالُ فِي " الْجَامِعِ " (بَابُ الْبِيعَةِ تُهْدَمُ بِأَسْرِهَا أَوْ يُهْدَمُ بَعْضُهَا) :
أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ: سَأَلْتُ أَبِي هَلْ تَرَى لِأَهْلِ الذِّمَّةِ أَنْ يُحْدِثُوا الْكَنَائِسَ بِأَرْضِ الْعَرَبِ؟ وَهَلْ تَرَى لَهُمْ أَنْ يَزِيدُوا فِي كَنَائِسِهِمُ الَّتِي صُولِحُوا عَلَيْهَا؟ فَقَالَ: " لَا يُحْدِثُوا فِي مِصْرٍ مَصَّرَتْهُ الْعَرَبُ كَنِيسَةً وَلَا بِيعَةً، وَلَا يَضْرِبُوا فِيهَا بِنَاقُوسٍ، وَلَهُمْ مَا صُولِحُوا عَلَيْهِ؛ فَإِنْ كَانَ فِي عَهْدِهِمْ أَنْ
стр. 1083
يَزِيدُوا فِي الْكَنَائِسِ فَلَهُمْ وَإِلَّا فَلَا، وَمَا انْهَدَمَ فَلَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَبْنُوهُ ".
أَخْبَرَنِي أَحْمَدُ بْنُ [الْهَيْثَمِ] أَنَّ [مُحَمَّدَ بْنَ مُوسَى] بْنِ مُشَيْشٍ حَدَّثَهُمْ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ سَأَلَ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ فَقَالَ: " لَيْسَ لَهُمْ أَنْ يُحْدِثُوا إِلَّا مَا صُولِحُوا عَلَيْهِ، إِلَّا أَنْ يَبْنُوا مَا انْهَدَمَ مِمَّا كَانَ لَهُمْ قَدِيمًا ".
قَالَ الْخَلَّالُ: وَإِنَّمَا مَعْنَى قَوْلِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ هَاهُنَا أَنَّهُمْ يَبْنُونَ مَا انْهَدَمَ، يَعْنِي مَرَمَّةً يَرُمُّونَ، وَأَمَّا إِنِ انْهَدَمَتْ كُلُّهَا بِأَسْرِهَا فَعِنْدَهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إِعَادَتُهَا.
وَقَدْ بَيَّنَ أَيْضًا ذَلِكَ حَنْبَلٌ عَنْهُ:
أَخْبَرَنِي عِصْمَةُ بْنُ عِصَامٍ قَالَ: حَدَّثَنَا حَنْبَلٌ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: " كُلُّ مَا كَانَ مِمَّا فَتَحَ الْمُسْلِمُونَ عَنْوَةً فَلَيْسَ لِأَهْلِ الذِّمَّةِ أَنْ يُحْدِثُوا فِيهِ كَنِيسَةً وَلَا بِيعَةً، فَإِنْ كَانَ فِي الْمَدِينَةِ لَهُمْ شَيْءٌ فَأَرَادُوا أَنْ يَرُمُّوهُ فَلَا يُحْدِثُوا
стр. 1084
فِيهِ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَكُونَ قَائِمًا، فَإِنِ انْهَدَمَتِ الْكَنِيسَةُ أَوِ الْبِيعَةُ بِأَسْرِهَا لَمْ يُبْدِلُوا غَيْرَهَا، وَمَا كَانَ مِنْ صُلْحٍ كَانَ لَهُمْ مَا صُولِحُوا عَلَيْهِ، وَشَرَطَ لَهُمْ لَا يُغَيَّرُ لَهُمْ شَرْطٌ شُرِطَ لَهُمْ.
قَالَ الْخَلَّالُ: وَهَكَذَا هُوَ فِي شَرْطِهِمْ أَنَّهُ إِنِ انْهَدَمَ شَيْءٌ رَمُّوهُ وَإِنِ انْهَدَمَتْ بِأَسْرِهَا لَمْ يُعِيدُوهَا.
قَالَ الْقَاضِي فِي " تَعْلِيقَتِهِ ": (مَسْأَلَةٌ فِي الْبِيَعِ وَالْكَنَائِسِ الَّتِي يَجُوزُ إِقْرَارُهَا عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ) : إِذَا انْهَدَمَ مِنْهَا شَيْءٌ أَوْ تَشَعَّثَ فَأَرَادُوا عِمَارَتَهُ فَلَيْسَ لَهُمْ ذَلِكَ - فِي إِحْدَى الرِّوَايَاتِ - نَقَلَهَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ: وَرَأَيْتُ بِخَطِّ أَبِي حَفْصٍ الْبَرْمَكِيِّ فِي رِسَالَةِ أَحْمَدَ إِلَى الْمُتَوَكِّلِ فِي هَدْمِ الْبِيَعِ رِوَايَةَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ عَنْ أَبِيهِ - وَذَكَرَ فِيهَا كَلَامًا طَوِيلًا - إِلَى أَنْ قَالَ: وَمَا انْهَدَمَ فَلَهُمْ أَنْ يَبْنُوهُ.
قَالَ: وَهَذَا يَقْتَضِي اخْتِلَافَ اللَّفْظِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، وَيَغْلِبُ فِي ظَنِّي أَنَّ مَا ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ أَضْبُطُ (يَعْنِي الْخَلَّالَ) فَإِنَّهُ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ قَالَ: قَالَ أَبِي:
стр. 1085
وَمَا انْهَدَمَ فَلَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَبْنُوهُ، ثُمَّ ذَكَرَ النُّصُوصَ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ وَابْنِ مُشَيْشٍ، وَاخْتَارَ الْخَلَّالُ مَنْعَ الْبِنَاءِ وَجَوَازَ رَمِّ الشَّعَثِ.
وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ فِي ذَلِكَ فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيُّ: يُمْنَعُونَ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: حَتَّى إِنِ انْهَدَمَ حَائِطُ الْبِيعَةِ مُنِعُوا مِنْ إِعَادَتِهِ وَرَدِّهِ، وَإِنِ انْثَلَمَ مُنِعُوا مِنْ سَدِّهِ، وَإِنْ أَرَادُوا أَنْ يُطَيِّنُوا وَجْهَ الْحَائِطِ الَّذِي يَلِينَا مُنِعُوا مِنْهُ، وَإِنْ طَيَّنُوا الْحَائِطَ الَّذِي يَلِي الْبِيعَةَ كَانَ لَهُمْ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ إِنْ بَنَوْا دُونَ هَذَا الْحَائِطِ الَّذِي يَلِي الْبِيعَةَ حَتَّى يُهْدَمَ ذَلِكَ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُمْ يُمْنَعُونَ مِنَ الْإِحْدَاثِ وَهَذِهِ الْإِعَادَةُ إِحْدَاثٌ، وَأَبَى ذَلِكَ سَائِرُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَقَالُوا: نَحْنُ قَدْ أَقْرَرْنَاهُمْ عَلَى الْبِيَعِ فَلَوْ مَنَعْنَاهُمْ مِنْ رُقْعِ مَا اسْتَرَمَّ مِنْهُ وَإِعَادَةِ مَا انْهَدَمَ كَانَ بِمَنْزِلَةِ الْقَلْعِ وَالْإِزَالَةِ؛ إِذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يُزِيلَهَا وَبَيْنَ أَنْ يُقِرَّهَا عَلَيْهِمْ ثُمَّ يَمْنَعَهُمْ مِنْ عِمَارَتِهَا.
وَاخْتَلَفَتِ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى قَوْلَيْنِ أَيْضًا؛ فَقَالَ ابْنُ الْمَاجَشُونِ: يُمْنَعُونَ مِنْ رَمِّ كَنَائِسِهِمُ الْقَدِيمَةِ إِذَا رَثَّتْ إِلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي شَرْطِ عَقْدِهِمْ، وَنَقَلَ أَبُو عُمَرَ أَنَّهُمْ لَا يُمْنَعُونَ مِنْ إِصْلَاحِ مَا وَهَى مِنْهَا.
وَاحْتَجَّ الْقَاضِي عَلَى الْمَنْعِ بِحَدِيثٍ رَوَاهُ عَنِ الْخَطِيبِ عَنِ ابْنِ
стр. 1086
رِزْقُوَيْهِ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ غَالِبِ بْنِ حَرْبٍ، ثَنَا بَكْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقُرَشِيُّ، ثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ سِنَانٍ، عَنْ [أَبُو] الزَّاهِرِيَّةِ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ مُرَّةَ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَا تُبْنَى كَنِيسَةٌ فِي الْإِسْلَامِ وَلَا يُجَدَّدُ مَا خُرِّبَ مِنْهَا» ".
стр. 1087
وَهَذَا لَوْ صَحَّ لَكَانَ كَالنَّصِّ فِي الْمَسْأَلَةِ، وَلَكِنْ لَا يَثْبُتُ هَذَا الْإِسْنَادُ، وَلَكِنْ فِي شُرُوطِ عُمَرَ عَلَيْهِمْ: " وَلَا يُجَدَّدُ مَا خُرِّبَ مِنْ كَنَائِسِنَا ".
قَالُوا: وَلِأَنَّ تَجْدِيدَهَا بِمَنْزِلَةِ إِحْدَاثِهَا وَإِنْشَائِهَا فَلَا يُمَكَّنُونَ مِنْهُ.
قَالُوا: وَلِأَنَّهُ بِنَاءٌ لَا يُمْلَكُ إِحْدَاثُهُ، فَلَا يُمْلَكُ تَجْدِيدُهُ كَالْبِنَاءِ فِي أَرْضِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ.
فَإِنْ قِيلَ: الْبَانِي فِي مِلْكِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ لَا يَمْلِكُ الِاسْتِدَامَةَ فَلَا يَمْلِكُ التَّجْدِيدَ، وَهَؤُلَاءِ يَمْلِكُونَ الِاسْتِدَامَةَ فَمَلَكُوا التَّجْدِيدَ، قِيلَ: لَا يَلْزَمُ هَذَا فَإِنَّهُ لَوْ أَعَارَهُ حَائِطًا لِوَضْعِ خَشَبَةٍ عَلَيْهِ جَازَ لَهُ اسْتِدَامَةُ ذَلِكَ، فَلَوِ انْهَدَمَ الْحَائِطُ فَبَنَاهُ صَاحِبُهُ لَمْ يَمْلِكِ الْمُسْتَعِيرُ تَجْدِيدَ الْمَنْفَعَةِ.
وَكَذَلِكَ لَوْ مَلَكَ الذِّمِّيُّ دَارًا عَالِيَةَ الْبُنْيَانِ جَازَ لَهُ أَنْ يَسْتَدِيمَ ذَلِكَ، فَلَوِ انْهَدَمَتْ فَأَرَادَ بِنَاءَهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَبْنِيَهَا عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ، بَلْ يُسَاوِي بِهَا بُنْيَانَ جِيرَانِهِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَوْ يَحُطُّهَا عَنْهُ.
وَأَيْضًا لَوْ فَتَحَ الْإِمَامُ بَلَدًا فِي بِيعَةٍ خَرَابٍ لَمْ يَجُزْ لَهُ بِنَاؤُهَا بَعْدَ الْفَتْحِ، كَذَلِكَ هَاهُنَا.
وَأَيْضًا فَإِنَّهُ إِذَا انْهَدَمَ جَمِيعُهَا زَالَ الِاسْمُ عَنْهَا، وَلِهَذَا لَوْ حَلَفَ: لَا دَخَلْتُ دَارًا، فَانْهَدَمَتْ جَمِيعُهَا وَدَخَلَ بَرَاحَهَا لَمْ يَحْنَثْ لِزَوَالِ الِاسْمِ.
فَلَوْ قُلْنَا: يَجُوزُ بِنَاؤُهَا إِذَا انْهَدَمَتْ كَانَ فِيهِ إِحْدَاثُ بِيعَةٍ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، وَهَذَا لَا يَجُوزُ كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ بِيعَةٌ أَصْلًا.
قَالَ الْمُجَوِّزُونَ، وَهُمْ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَكَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَبَعْضُ أَصْحَابِ أَحْمَدَ: لَمَّا أَقْرَرْنَاهُمْ عَلَيْهَا تَضَمَّنَ إِقْرَارُنَا لَهُمْ جَوَازَ
стр. 1088
رَمِّهَا وَإِصْلَاحِهَا وَتَجْدِيدِ مَا خُرِّبَ مِنْهَا، وَإِلَّا بَطَلَتْ رَأْسًا؛ لِأَنَّ الْبِنَاءَ لَا يَبْقَى أَبَدًا، فَلَوْ لَمْ يَجُزْ تَمْكِينُهُمْ مِنْ ذَلِكَ لَمْ يَجُزْ إِقْرَارُهَا.
قَالَ الْمَانِعُونَ: نَحْنُ نُقِرُّهُمْ فِيهَا مُدَّةَ بَقَائِهَا كَمَا نُقِرُّ الْمُسْتَأْمَنَ مُدَّةَ أَمَانِهِ. وَسِرُّ الْمَسْأَلَةِ أَنَّا أَقْرَرْنَاهُمُ اتِّبَاعًا لَا تَمْلِيكًا، فَإِنَّا مَلَكْنَا رَقَبَتَهَا بِالْفَتْحِ وَلَيْسَتْ مِلْكًا لَهُمْ.
وَاخْتَارَ صَاحِبُ " الْمُغْنِي " جَوَازَ رَمِّ الشَّعَثِ وَمَنْعِ بِنَائِهَا إِذَا اسْتُهْدِمَتْ قَالَ: لِأَنَّ فِي كِتَابِ أَهْلِ الْجَزِيرَةِ لِعِيَاضِ بْنِ غَنْمٍ: " وَلَا نُجَدِّدُ مَا خُرِّبَ مِنْ كَنَائِسِنَا ". وَرَوَى كَثِيرُ بْنُ مُرَّةَ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَا تُبْنَى كَنِيسَةٌ فِي الْإِسْلَامِ وَلَا يُجَدَّدُ مَا خُرِّبَ مِنْهَا» ".
قَالَ: وَلِأَنَّ هَذَا بِنَاءُ كَنِيسَةٍ فِي الْإِسْلَامِ فَلَمْ يَجُزْ، كَمَا لَوِ ابْتُدِئَ بِنَاؤُهَا، وَفَارَقَ رَمَّ مَا شَعِثَ مِنْهَا فَإِنَّهُ إِبْقَاءٌ وَاسْتِدَامَةٌ وَهَذَا إِحْدَاثٌ.
قَالَ: وَقَدْ حَمَلَ الْخَلَّالُ قَوْلَ أَحْمَدَ: " لَهُمْ أَنْ يَبْنُوا مَا انْهَدَمَ مِنْهَا " أَيْ: إِذَا انْهَدَمَ بَعْضُهَا، " وَمَنَعَهُ مِنْ بِنَاءِ مَا انْهَدَمَ " عَلَى مَا إِذَا انْهَدَمَتْ كُلُّهَا، فَجَمَعَ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ.
стр. 1089
[فَصْلٌ حُكْمُ تَرْمِيمِ الْكَنِيسَةِ وَزِيَادَةِ الْبِنَاءِ فِيهَا]
٢١٦ - فَصْلٌ
[حُكْمُ تَرْمِيمِ الْكَنِيسَةِ وَزِيَادَةِ الْبِنَاءِ فِيهَا]
وَفِي " النِّهَايَةِ " لِلْجُوَيْنِيِّ: قَالَ الْأَصْحَابُ: إِذَا اسْتَرَمَّتْ لَمْ يُمْنَعُوا مِنْ مَرَمَّتِهَا، ثُمَّ اخْتَلَفُوا بَعْدَ ذَلِكَ فَقَالَ قَائِلُونَ: يَنْبَغِي أَنْ يُعَمِّرُوهَا بِحَيْثُ لَا يَظْهَرُ لِلْمُسْلِمِينَ مَا يَفْعَلُونَ، فَإِنَّ إِظْهَارَ الْعِمَارَةِ قَرِيبٌ مِنَ الِاسْتِحْدَاثِ.
وَقَالَ آخَرُونَ: لَهُمْ إِظْهَارُ الْعِمَارَةِ، وَهُوَ الْأَصَحُّ ثُمَّ مَنْ أَوْجَبَ عَلَيْهِمُ الْكِتْمَانَ، قَالَ: لَوْ تَزَلْزَلَ جِدَارُ الْكَنِيسَةِ أَوِ انْتَقَضَ مُنِعُوا مِنَ الْإِعَادَةِ فَإِنَّ الْإِعَادَةَ ظَاهِرَةٌ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ هَدْمِهِ بُدٌّ فَالْوَجْهُ أَنْ يَبْنُوا جِدَارًا ثَالِثًا إِذَا ارْتَجَّ الثَّانِي، وَهَكَذَا إِلَى أَنْ تُبْنَى سَاحَةُ الْكَنِيسَةِ.
قَالَ: وَهَذَا إِفْرَاطٌ لَا حَاصِلَ لَهُ، فَإِنَّا فَرَعْنَا عَلَى الصَّحِيحِ وَجَوَّزْنَا الْعِمَارَةَ إِعْلَانًا.
فَلَوِ انْهَدَمَتِ الْكَنِيسَةُ فَهَلْ يَجُوزُ إِعَادَتُهَا كَمَا كَانَتْ؟ فِيهِ وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ:
أَحَدُهُمَا: الْمَنْعُ؛ لِأَنَّهُ اسْتِحْدَاثُ كَنِيسَةٍ.
وَالثَّانِي: الْجَوَازُ؛ لِأَنَّهَا - وَإِنْ هُدِّمَتْ - فَالْعَرْصَةُ كَنِيسَةٌ، وَالتَّحْوِيطُ عَلَيْهَا هُوَ الرَّأْيُ حَتَّى يَسْتَتِرُوا بِكُفْرِهِمْ، فَإِنْ مَنَعْنَا الْإِعَادَةَ فَلَا كَلَامَ، وَإِنْ جَوَّزْنَاهَا فَهَلْ لَهُمْ أَنْ يَزِيدُوا فِي خَطِّهَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ؛ أَصَحُّهَا الْمَنْعُ؛ لِأَنَّ الزَّائِدَ كَنِيسَةٌ جَدِيدَةٌ، وَإِنْ كَانَتْ مُتَّصِلَةً بِالْأُولَى، وَإِنْ أَبْقَيْنَاهُمْ عَلَى كَنِيسَتِهِمْ فَالْمَذْهَبُ أَنْ نَمْنَعَهُمْ مِنْ ضَرْبِ النَّوَاقِيسِ فِيهَا، فَإِنَّهُ بِمَثَابَةِ إِظْهَارِ
стр. 1090
الْخُمُورِ وَالْخَنَازِيرِ، وَأَبْعَدَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ فِي تَجْوِيزِ تَمْكِينِهِمْ مِنْ ضَرْبِ النَّاقُوسِ، قَالَ: لِأَنَّهُ مِنْ أَحْكَامِ الْكَنِيسَةِ، قَالَ: وَهَذَا غَلَطٌ لَا يُعْتَدُّ بِهِ.
[فَصْلٌ نَقْلُ الْكَنِيسَةِ مِنْ مَكَانٍ لِآخِرِ]
٢١٧ - فَصْلٌ
[نَقْلُ الْكَنِيسَةِ مِنْ مَكَانٍ لِآخِرِ]
هَذَا حُكْمُ إِنْشَاءِ الْكَنَائِسِ وَإِعَادَتِهَا، فَلَوْ أَرَادُوا نَقْلَهَا مِنْ مَكَانٍ إِلَى مَكَانٍ وَإِخْلَاءِ الْمَكَانِ الْأَوَّلِ مِنْهَا، فَصَرَّحَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ بِالْمَنْعِ.
قَالُوا: لِأَنَّهُ إِنْشَاءٌ لِكَنِيسَةٍ فِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ، وَالَّذِي يَتَوَجَّهُ أَنْ يُقَالَ: إِنْ مَنَعْنَا إِعَادَةَ الْكَنِيسَةِ إِذَا انْهَدَمَتْ مَنَعْنَا نَقْلَهَا بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، فَإِنَّهَا إِذَا لَمْ تَعُدْ إِلَى مَكَانِهَا الَّذِي كَانَتْ عَلَيْهِ فَكَيْفَ تُنْشَأُ فِي غَيْرِهِ؟ وَإِنْ جَوَّزْنَا إِعَادَتَهَا فَكَانَ نَقْلُهَا مِنْ ذَلِكَ الْمَكَانِ أَصْلَحَ لِلْمُسْلِمِينَ؛ لِكَوْنِهِمْ يَنْقُلُونَهَا إِلَى مَوْضِعٍ خَفِيٍّ لَا يُجَاوِرُهُ مُسْلِمٌ، وَنَحْوُ ذَلِكَ جَائِزٌ بِلَا رَيْبٍ، فَإِنَّ هَذَا مَصْلَحَةٌ ظَاهِرَةٌ لِلْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ، فَلَا مَعْنَى لِلتَّوَقُّفِ فِيهِ، وَقَدْ نَاقَلَهُمُ الْمُسْلِمُونَ مِنَ الْكَنِيسَةِ الَّتِي كَانَتْ جِوَارَ جَامِعِ دِمَشْقَ إِلَى بَقَاءِ الْكَنَائِسِ الَّتِي هِيَ خَارِجَ الْبَلَدِ؛ لِكَوْنِهِ أَصْلَحُ لِلْمُسْلِمِينَ.
وَأَمَّا إِنْ كَانَ النَّقْلُ لِمُجَرَّدِ مَنْفَعَتِهِمْ وَلَيْسَ لِلْمُسْلِمِينَ فِيهِ مَنْفَعَةٌ؛ فَهَذَا لَا يَجُوزُ، لِأَنَّهُ إِشْغَالُ رِقْبَةِ أَرْضِ الْإِسْلَامِ بِجَعْلِهَا دَارَ كُفْرٍ، فَهُوَ كَمَا لَوْ أَرَادُوا جَعْلَهَا خَمَّارَةً أَوْ بَيْتَ فِسْقٍ وَأَوْلَى بِالْمَنْعِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا جَعَلْنَا مَكَانَ
следующие страницы →