← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 21747

أحكام أهل الذمة - ط رمادي

ابن القيم

Полный текст (1 326 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

مَوْلَى عُمَرَ ﵄ أَنَّ عُمَرَ ﵁ كَتَبَ إِلَى أُمَرَاءِ الْأَجْنَادِ أَنْ يُقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يُقَاتِلُوا إِلَّا مَنْ قَاتَلَهُمْ، وَلَا يَقْتُلُوا النِّسَاءَ وَلَا الصِّبْيَانَ، وَلَا يَقْتُلُوا إِلَّا مَنْ جَرَتْ عَلَيْهِ الْمَوَاسِي. [وَكَتَبَ إِلَى أُمَرَاءِ الْأَجْنَادِ: أَنْ يَضْرِبُوا الْجِزْيَةَ، وَلَا يَضْرِبُوهَا عَلَى النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ وَلَا يَضْرِبُوهَا إِلَّا عَلَى مَنْ جَرَتْ عَلَيْهِ الْمَوَاسِي] . قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: يَعْنِي مَنْ أَنْبَتَ.

стр. 72

وَهَذَا الْحَدِيثُ هُوَ الْأَصْلُ فِيمَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ الْجِزْيَةُ وَمَنْ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ، أَلَا تَرَاهُ إِنَّمَا جَعَلَهَا عَلَى الذُّكُورِ الْمَذْكُورِينَ دُونَ الْإِنَاثِ وَالْأَطْفَالِ، وَأَسْقَطَهَا عَمَّنْ لَا يَسْتَحِقُّ الْقَتْلَ وَهُمُ الذُّرِّيَّةُ. وَقَدْ جَاءَ فِي كِتَابِ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى مُعَاذٍ بِالْيَمَنِ: " «خُذْ مِنْ كُلِّ حَالِمٍ دِينَارًا» " تَقْوِيَةً لِقَوْلِ عُمَرَ ﵁، أَلَا تَرَاهُ ﷺ خَصَّ الْحَالِمَ دُونَ الْمَرْأَةِ وَالصَّبِيِّ؟ إِلَّا أَنَّ فِي بَعْضِ مَا ذَكَرْنَا مِنْ كُتُبِهِ: " الْحَالِمَ وَالْحَالِمَةَ " فَنَرَى - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّ الْمَحْفُوظَ الْمُثْبَتَ مِنْ ذَلِكَ هُوَ

стр. 73

الْحَدِيثُ الَّذِي لَا ذِكْرَ لِلْحَالِمَةِ فِيهِ، لِأَنَّهُ الْأَمْرُ الَّذِي عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ، وَبِهِ كَتَبَ عُمَرُ ﵁ إِلَى أُمَرَاءِ الْأَجْنَادِ. فَإِنْ يَكُنِ الَّذِي فِيهِ ذِكْرُ الْحَالِمَةِ مَحْفُوظًا فَإِنَّ وَجْهَهُ عِنْدِي أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ كَانَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ، إِذْ كَانَ نِسَاءُ الْمُشْرِكِينَ وَوِلْدَانُهُمْ يُقْتَلُونَ مَعَ رِجَالِهِمْ، وَقَدْ كَانَ ذَلِكَ ثُمَّ نُسِخَ. ثُمَّ ذُكِرَ حَدِيثُ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ الَّذِي فِي " صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ " «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ سَرِيَّةً فَأَصَابَتْ مِنْ أَبْنَاءِ الْمُشْرِكِينَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " هُمْ مِنْ آبَائِهِمْ» ". قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: ثُمَّ جَاءَ النَّهْيُ بَعْدَ ذَلِكَ - وَذَكَرَ الْأَحَادِيثَ الَّتِي فِيهَا النَّهْيُ عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالذُّرِّيَّةِ -. قُلْتُ: لَمْ يَشْرَعْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَتْلَ النِّسَاءِ وَالذُّرِّيَّةِ فِي شَيْءٍ مِنْ مَغَازِيهِ أَلْبَتَّةَ.

стр. 74

وَالنَّبِيُّ ﷺ نَهَى عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالذُّرِّيَّةِ فِي مَغَازِيهِ قَبْلَ إِرْسَالِ مُعَاذٍ إِلَى الْيَمَنِ كَمَا فِي " الصَّحِيحَيْنِ " مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: «وُجِدَتِ امْرَأَةٌ مَقْتُولَةٌ فِي بَعْضِ مَغَازِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَنْكَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَتْلَ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ» . «وَرَأَى النَّاسُ فِي بَعْضِ غَزَوَاتِهِ مُجْتَمِعِينَ عَلَى شَيْءٍ، فَبَعَثَ رَجُلًا فَقَالَ: " انْظُرْ عَلَامَ اجْتَمَعَ هَؤُلَاءِ " فَجَاءَ فَقَالَ: امْرَأَةٍ قَتِيلٍ، فَقَالَ: " مَا كَانَتْ هَذِهِ لِتُقَاتِلَ "، وَكَانَ عَلَى الْمُقَدِّمَةِ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ فَبَعَثَ رَجُلًا فَقَالَ: " قُلْ لِخَالِدٍ لَا يَقْتُلَنَّ امْرَأَةً وَلَا عَسِيفًا» ". وَفِي لَفْظٍ: " «لَا تَقْتُلُوا ذُرِّيَّةً وَلَا عَسِيفًا» " ذَكَرَهُ أَحْمَدُ.

стр. 75

وَفِي " سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ " عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «انْطَلِقُوا بِاسْمِ اللَّهِ وَبِاللَّهِ وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَا تَقْتُلُوا شَيْخًا فَانِيًا، وَلَا طِفْلًا وَلَا صَغِيرًا، وَلَا امْرَأَةً وَلَا تَغُلُّوا، وَضُمُّوا غَنَائِمَكُمْ، وَأَصْلِحُوا وَأَحْسِنُوا، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ» ". بَلِ النَّهْيُ عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَقَعَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ وَيَوْمَ خَيْبَرَ، كَمَا فِي " الْمُسْنَدِ " مِنْ حَدِيثِ ابْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ عَمِّهِ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حِينَ بَعَثَ إِلَى ابْنِ أَبِي الْحُقَيْقِ بِخَيْبَرَ نَهَى عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ» .

стр. 76

وَفِي " الْمُعْجَمِ " لِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَرَّ بِامْرَأَةٍ يَوْمَ الْخَنْدَقِ مَقْتُولَةٍ، فَقَالَ: " مَنْ قَتَلَ هَذِهِ؟ " فَقَالَ رَجُلٌ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: " وَلِمَ؟ " قَالَ نَازَعَتْنِي سَيْفِي، فَسَكَتَ» .

стр. 77

وَهَذَا كُلُّهُ كَانَ قَبْلَ إِرْسَالِ مُعَاذٍ إِلَى الْيَمَنِ. فَالصَّوَابُ أَنَّ ذِكْرَ الْحَالِمَةِ فِي الْحَدِيثِ غَيْرُ مَحْفُوظٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. [فَصْلٌ الْمَرْأَةُ إِنْ بَذَلَتِ الْجِزْيَةَ مِنْ نَفْسِهَا] ٩ - فَصْلٌ [الْمَرْأَةُ إِنْ بَذَلَتِ الْجِزْيَةَ مِنْ نَفْسِهَا] فَإِنْ بَذَلَتِ الْمَرْأَةُ الْجِزْيَةَ أُخْبِرَتْ أَنَّهُ لَا جِزْيَةَ عَلَيْهَا، فَإِنْ قَالَتْ: (أَنَا أَتَبَرَّعُ بِهَا) قُبِلَ مِنْهَا وَلَمْ تَكُنْ جِزْيَةً وَلَوْ شَرَطَتْهُ عَلَى نَفْسِهَا وَلَهَا الرُّجُوعُ مَتَى شَاءَتْ، وَإِنْ بَذَلَتْ لِتَصِيرَ إِلَى دَارِ الْإِسْلَامِ وَلَا تُسْتَرَقَّ مُكِّنَتْ مِنْ ذَلِكَ بِغَيْرِ شَيْءٍ، وَلَكِنْ يُشْتَرَطُ عَلَيْهَا الْتِزَامُ أَحْكَامِ الْإِسْلَامِ وَتُعْقَدُ لَهَا الذِّمَّةُ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا شَيْءٌ إِلَّا أَنْ تَتَبَرَّعَ بِهِ بَعْدَ مَعْرِفَتِهَا أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهَا. وَإِنْ أُخِذَ مِنْهَا شَيْءٌ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ رُدَّ إِلَيْهَا لِأَنَّهَا بَذَلَتْهُ مُعْتَقِدَةً أَنَّهُ عَلَيْهَا وَأَنَّ دَمَهَا لَا يُحْقَنُ إِلَّا بِهِ، فَأَشْبَهَ مَنْ أَدَّى مَالًا إِلَى مَنْ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ لَهُ، فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ. وَلَوْ حَاصَرَ الْمُسْلِمُونَ حِصْنًا لَيْسَ فِيهِ إِلَّا نِسَاءٌ فَبَذَلْنَ الْجِزْيَةَ لِتُعْقَدَ لَهُنَّ الذِّمَّةُ عُقِدَتْ لَهُنَّ بِغَيْرِ شَيْءٍ وَحَرُمَ اسْتِرْقَاقُهُنَّ. فَإِنْ كَانَ مَعَهُنَّ فِي الْحِصْنِ رِجَالٌ فَسَأَلُوا الصُّلْحَ لِتَكُونَ الْجِزْيَةُ عَلَى النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ دُونَ الرِّجَالِ لَمْ يَصِحَّ، وَإِنْ بَذَلُوهَا عَلَى الْجَمِيعِ جَازَ وَكَانَ جِزْيَةً عَلَى الرِّجَالِ خَاصَّةً.

стр. 78

[فَصْلٌ أَحْكَامُ أَوْلَادِ أَهْلِ الذِّمَّةِ إِذَا بَلَغُوا وَالْمَجْنُونِ إِذَا أَفَاقَ] ١٠ - فَصْلٌ [أَحْكَامُ أَوْلَادِ أَهْلِ الذِّمَّةِ إِذَا بَلَغُوا وَالْمَجْنُونِ إِذَا أَفَاقَ] فَإِذَا بَلَغَ الصَّبِيُّ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ، وَأَفَاقَ الْمَجْنُونُ لَمْ يُحْتَجْ إِلَى تَجْدِيدِ عَقْدٍ وَذِمَّةٍ بَلِ الْعَقْدُ الْأَوَّلُ يَتَنَاوَلُ الْبَالِغِينَ وَمَنْ سَيَبْلُغُ مِنْ أَوْلَادِهِمْ أَبَدًا، وَعَلَى هَذَا اسْتَمَرَّتْ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَسُنَّةُ خُلَفَائِهِ كُلِّهِمْ فِي جَمِيعِ الْأَعْصَارِ حَتَّى يَوْمِنَا هَذَا، لَمْ يُفْرِدُوا كُلَّ مَنْ بَلَغَ بِعَقْدٍ جَدِيدٍ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُخَيِّرُ الْبَالِغِينَ وَالْمُفِيقَ بَيْنَ الْتِزَامِ الْعَقْدِ وَبَيْنَ أَنْ يُرَدَّ إِلَى مَأْمَنِهِ، فَإِنِ اخْتَارَ الذِّمَّةَ عُقِدَتْ لَهُ وَإِنِ اخْتَارَ اللَّحَاقَ بِمَأْمَنِهِ أُجِيبَ إِلَيْهِ. وَقَالَ الْقَاضِي فِي " الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ ": وَقَوْلُ الْجُمْهُورِ أَصَحُّ وَأَوْلَى، فَإِنَّهُ لَمْ يَأْتِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَلَا عَنْ أَحَدِ خُلَفَائِهِ تَجْدِيدُ الْعَقْدِ لِهَؤُلَاءِ، وَلَا يُعْرَفُ أَنَّهُ عُمِلَ بِهِ فِي وَقْتٍ مِنَ الْأَوْقَاتِ وَلَا يُهْمِلُ الْأَئِمَّةُ مِثْلَ هَذَا الْأَمْرِ لَوْ كَانَ مَشْرُوعًا. وَلِأَنَّهُمْ دَخَلُوا فِي الْعَقْدِ تَبَعًا مَعَ أَوْلِيَائِهِمْ كَمَا كَانُوا يَدْخُلُونَ فِي عَقْدِ الْهُدْنَةِ تَبَعًا، وَلِأَنَّهُ عُقِدَ مَعَ الْكُفَّارِ فَلَمْ يُحْتَجْ إِلَى اسْتِئْنَافِهِ لِهَؤُلَاءِ كَعَقْدِ الْمُؤْمِنِينَ، وَكَيْفَ يَجُوزُ إِلْحَاقُهُ بِمَأْمَنِهِ وَتَسْلِيطُهُ عَلَى مُحَارَبَتِنَا بِمَالِهِ وَنَفْسِهِ؟ وَأَيُّ مَصْلَحَةٍ لِلْإِسْلَامِ فِي هَذَا؟ وَأَيُّ سُنَّةٍ جَاءَتْ بِهِ وَأَيُّ إِمَامٍ عَمِلَ بِهِ؟

стр. 79

وَإِذَا كَانَ الْبُلُوغُ وَالْإِفَاقَةُ فِي أَوَّلِ حَوْلِ قَوْمِهِ أُخِذَتْ مِنْهُ الْجِزْيَةُ فِي آخِرِهِ مَعَهُمْ، وَإِنْ كَانَ فِي أَثْنَائِهِ أُخِذَ مِنْهُ فِي آخِرِهِ بِقِسْطِهِ وَلَمْ يُتْرَكْ حَتَّى يُتِمَّ حَوْلَهُ لِئَلَّا يَحْتَاجَ إِلَى إِفْرَادِهِ لِحَوْلٍ وَضَبْطِ حَوْلِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، وَذَلِكَ يُفْضِي إِلَى أَنْ يَصِيرَ لِكُلِّ وَاحِدٍ حَوْلٌ مُفْرَدٌ. وَقَالَ أَصْحَابُ مَالِكٍ: وَإِذَا بَلَغَ الصَّبِيُّ أُخِذَتْ مِنْهُ عِنْدَ بُلُوغِهِ، وَلَمْ يُنْتَظَرْ مُرُورُ الْحَوْلِ بَعْدَ بُلُوغِهِ. وَوَجْهُ هَذَا أَنَّ بُلُوغَهُ بِمَنْزِلَةِ حُصُولِ الْعَقْدِ مَعَ قَوْمِهِ. وَإِذَا صُولِحُوا أُخِذَتْ مِنْهُمُ الْجِزْيَةُ فِي الْحَالِ، ثُمَّ تُؤْخَذُ مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لِكُلِّ عَامٍ، كَمَا فَعَلَ مُعَاذٌ بِأَهْلِ الْيَمَنِ فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَهُ حِينَ بَعَثَهُ إِلَيْهِمْ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ كُلِّ حَالِمٍ دِينَارًا، ثُمَّ اسْتَمَرَّ ذَلِكَ مُؤَجَّلًا، وَهَكَذَا فَعَلَ لَمَّا صَالَحَ أُكَيْدِرَ دُومَةَ وَهَكَذَا فَعَلَ خُلَفَاؤُهُ مِنْ بَعْدِهِ كَانُوا يَأْخُذُونَ الْجِزْيَةَ مِنَ الْكُفَّارِ حِينَ الصُّلْحِ ثُمَّ يُؤَجِّلُونَهَا كُلَّ عَامٍ، وَهَذَا الَّذِي أَوْجَبَ لِأَبِي حَنِيفَةَ أَنْ قَالَ: " تَجِبُ بِأَوَّلِ الْحَوْلِ ". [فَصْلٌ مَنْ كَانَ يُجَنُّ وَيُفِيقُ فَلَهُ ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ] ١١ - فَصْلٌ. وَمَنْ كَانَ يُجَنُّ وَيُفِيقُ فَلَهُ ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ جُنُونُهُ غَيْرَ مَضْبُوطٍ، فَهَذَا يُعْتَبَرُ أَغْلَبُ أَحْوَالِهِ فَيُجْعَلُ مِنْ أَهْلِهِ.

стр. 80

الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَضْبُوطًا كَيَوْمٍ وَيَوْمٍ، وَشَهْرٍ وَشَهْرٍ، وَنَحْوِهِ فَفِيهِ وَجْهَانِ. أَحَدُهُمَا: يُعْتَبَرُ الْأَغْلَبُ مِنْ حَالَتِهِ، وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ. وَالثَّانِي: تُلَفَّقُ أَيَّامُ إِفَاقَتِهِ، وَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ فَفِي مِقْدَارِ وَقْتِ جِزْيَتِهِ وَجْهَانِ. أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ إِذَا اجْتَمَعَ لَهُ مِنْ أَيَّامِ إِفَاقَتِهِ حَوْلٌ أُخِذَتْ مِنْهُ الْجِزْيَةُ. وَالثَّانِي: تُؤْخَذُ مِنْهُ فِي آخِرِ كُلِّ حَوْلٍ بِقَدْرِ إِفَاقَتِهِ مِنْهُ وَإِنْ كَانَ يُجَنُّ ثُلُثَ الْحَوْلِ وَيُفِيقُ ثُلُثَيْهِ أَوْ بِالْعَكْسِ فَفِيهِ الْوَجْهَانِ كَمَا ذَكَرْنَا، فَإِنِ اسْتَوَتْ إِفَاقَتُهُ وَجُنُونُهُ وَلَمْ يَغْلِبْ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ لُفِّقَتْ إِفَاقَتُهُ بِقَدْرِ اعْتِبَارِ الْأَغْلَبِ لِعَدَمِهِ فَتَعَيَّنَ التَّلْفِيقُ. الْحَالُ الثَّالِثُ: أَنْ يُجَنَّ نِصْفَ حَوْلٍ ثُمَّ يُفِيقَ إِفَاقَةً مُسْتَمِرَّةً أَوْ يُفِيقَ نِصْفَهُ ثُمَّ يُجَنَّ جُنُونًا مُسْتَمِرًّا فَلَا جِزْيَةَ عَلَيْهِ فِي وَقْتِ جُنُونِهِ وَعَلَيْهِ مِنْهَا بِقَدْرِ مَا أَفَاقَ مِنَ الْحَوْلِ. [فَصْلٌ لَا جِزْيَةَ عَلَى فَقِيرٍ عَاجِزٍ عَنْ أَدَائِهَا] ١٢ - فَصْلٌ. وَلَا جِزْيَةَ عَلَى فَقِيرٍ عَاجِزٍ عَنْ أَدَائِهَا: هَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ. وَلِلشَّافِعِيِّ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ هَذَا أَحَدُهَا. وَالثَّانِي: يَجِبُ عَلَيْهِ، وَعَلَى هَذَا قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يُخْرَجُ مِنْ بِلَادِ الْإِسْلَامِ، أَوْ لَا سَبِيلَ إِلَى إِقَامَتِهِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ بِغَيْرِ جِزْيَةٍ.

стр. 81

وَالثَّانِي: تَسْتَقِرُّ فِي ذِمَّتِهِ وَتُؤْخَذُ مِنْهُ إِذَا قَدَرَ عَلَيْهَا. وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا لَا تَجِبُ عَلَى عَاجِزٍ عَنْهَا، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِنَّمَا فَرَضَهَا عُمَرُ ﵁ عَلَى الْفَقِيرِ الْمُعْتَمِلِ لِأَنَّهُ يَتَمَكَّنُ مِنْ أَدَائِهَا بِالْكَسْبِ، وَقَوَاعِدُ الشَّرِيعَةِ كُلُّهَا تَقْتَضِي أَلَّا تَجِبَ عَلَى عَاجِزٍ كَالزَّكَاةِ وَالدِّيَةِ وَالْكَفَّارَةِ وَالْخَرَاجِ وَ ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق: ٧] ، وَلَا وَاجِبَ مَعَ عَجْزٍ وَلَا حَرَامَ مَعَ ضَرُورَةٍ. فَإِنْ قِيلَ: نَحْنُ لَا نُكَلِّفُهُ بِهَا فِي حَالِ إِعْسَارِهِ بَلْ تَسْتَقِرُّ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ، فَمَتَى أَيْسَرَ طُولِبَ بِهَا لِمَا مَضَى كَسَائِرِ الدُّيُونِ، قِيلَ: هَذَا مَعْقُولٌ فِي دُيُونِ الْآدَمِيِّينَ، وَأَمَّا حُقُوقُ اللَّهِ تَعَالَى فَإِنَّهُ إِنَّمَا أَوْجَبَهَا عَلَى الْقَادِرِينَ دُونَ الْعَاجِزِينَ. فَإِنْ قِيلَ: الْجِزْيَةُ أُجْرَةٌ عَنْ سُكْنَى الدَّارِ فَتَسْتَقِرُّ فِي الذِّمَّةِ، قِيلَ: انْتِفَاءُ أَحْكَامِ الْإِجَارَةِ عَنْهَا جَمِيعِهَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ بِأُجْرَةٍ، فَلَا يُعْرَفُ حُكْمٌ مِنْ أَحْكَامِ الْإِجَارَةِ فِي الْجِزْيَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ عُمَرَ ﵁ أَجْرَى عَلَى السَّائِلِ الذِّمِّيِّ رِزْقَهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، فَكَيْفَ يُكَلَّفُ أَدَاءَ الْجِزْيَةِ وَهُوَ يُرْزَقُ مِنْ بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ؟ !

стр. 82

[فَصْلٌ مَنْ لَا تُؤْخَذُ مِنْهُ الْجِزْيَةُ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ] ١٣ - فَصْلٌ [مَنْ لَا تُؤْخَذُ مِنْهُ الْجِزْيَةُ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ] وَلَا جِزْيَةَ عَلَى شَيْخٍ فَانٍ وَلَا زَمِنٍ وَلَا أَعْمَى وَلَا مَرِيضٍ لَا يُرْجَى بُرْؤُهُ بَلْ قَدْ أُيِسَ مِنْ صِحَّتِهِ وَإِنْ كَانُوا مُوسِرِينَ، وَهَذَا مَذْهَبُ أَحْمَدَ وَأَصْحَابِهِ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ فِي أَحَدِ أَقْوَالِهِ ; لِأَنَّ هَؤُلَاءِ لَا يَقْتُلُونَ وَلَا يُقَاتِلُونَ، فَلَا تَجِبُ عَلَيْهِمُ الْجِزْيَةُ كَالنِّسَاءِ وَالذُّرِّيَّةِ. قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْقَوْلِ الْآخَرِ: تَجِبُ عَلَيْهِمُ الْجِزْيَةُ بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا أُجْرَةُ السُّكْنَى وَأَنَّهُمْ رِجَالٌ بَالِغُونَ مُوسِرُونَ، فَلَا يُقِيمُونَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ بِغَيْرِ جِزْيَةٍ، وَحَدِيثُ مَعَاذٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ بِعُمُومِهِ، وَحَدِيثُ عُمَرَ يَتَنَاوَلُهُ بِعُمُومِهِ أَيْضًا فَإِنَّهُ أَمَرَ أَنْ تُضْرَبَ عَلَى مَنْ جَرَتْ عَلَيْهِ الْمَوَاسِي، وَإِنَّ الْجِزْيَةَ إِنْ كَانَتْ أُجْرَةً عَنْ سُكْنَى الدَّارِ فَظَاهِرٌ، وَإِنْ كَانَتْ عُقُوبَةً عَلَى الْكُفْرِ فَكَذَلِكَ أَيْضًا فَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ: لَا يُقَرُّونَ بِغَيْرِ جِزْيَةٍ. وَأَصْحَابُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ يَقُولُونَ: لَمَّا لَمْ يَكُنْ هَؤُلَاءِ مِنْ أَهْلِ الْقِتَالِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِمْ جِزْيَةٌ كَالنِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ، وَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: مَنْ أَطْبَقَ بَابَهُ عَلَى نَفْسِهِ وَلَمْ يُقَاتِلْ لَمْ يُقْتَلْ وَلَا جِزْيَةَ عَلَيْهِ. [فَصْلٌ رُهْبَانُ أَهْلِ الذِّمَّةِ] ١٤ - فَصْلٌ [رُهْبَانُ أَهْلِ الذِّمَّةِ] فَأَمَّا الرُّهْبَانُ فَإِنْ خَالَطُوا النَّاسَ فِي مَسَاكِنِهِمْ وَمَعَايِشِهِمْ فَعَلَيْهِمُ الْجِزْيَةُ

стр. 83

بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ، وَهُمْ أَوْلَى بِهَا مِنْ عَوَامِّهِمْ فَإِنَّهُمْ رُءُوسُ الْكُفْرِ وَهُمْ بِمَنْزِلَةِ عُلَمَائِهِمْ وَشَمَامِسَتِهِمْ، وَإِنِ انْقَطَعُوا فِي الصَّوَامِعِ وَالدِّيَارَاتِ لَمْ يُخَالِطُوا النَّاسَ فِي مَعَايِشِهِمْ وَمَسَاكِنِهِمْ، فَهَلْ تَجِبُ عَلَيْهِمُ الْجِزْيَةُ؟ فِيهِ قَوْلَانِ لِلْفُقَهَاءِ وَهُمَا رِوَايَتَانِ عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ أَشْهَرُهُمَا: لَا تَجِبُ عَلَيْهِ، وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ وَالثَّانِيَةُ تَجِبُ عَلَيْهِ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ إِنْ كَانَ مُعْتَمِلًا. وَقَالَ أَحْمَدُ: تُؤْخَذُ مِنَ الشَّمَّاسِ وَالرَّاهِبِ وَكُلِّ مَنْ أَنْبَتَ، وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ، وَعَلَيْهِ يَدُلُّ ظَاهِرُ عُمُومِ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ، وَمَنْ لَمْ يَرَ وُجُوبَهَا احْتَجَّ بِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْقِتَالِ. وَقَدْ أَوْصَى الصِّدِّيقُ ﵁ بِأَنْ لَا يُتَعَرَّضَ لَهُمْ فَقَالَ فِي وَصِيَّتِهِ لِيَزِيدَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ حِينَ وَجَّهَهُ إِلَى الشَّامِ: " لَا تَقْتُلُ صَبِيًّا وَلَا امْرَأَةً وَلَا هَرِمًا، وَسَتَمُرُّونَ عَلَى أَقْوَامٍ فِي الصَّوَامِعِ احْتَبَسُوا أَنْفُسَهُمْ فِيهَا، فَدَعْهُمْ حَتَّى يُمِيتَهُمُ اللَّهُ عَلَى ضَلَالَتِهِمْ، وَسَتَجِدُونَ أَقْوَامًا فَحَصُوا عَنْ أَوْسَاطِ رُءُوسِهِمْ فَاضْرِبْ مَا فَحَصُوا عَنْهُ بِالسَّيْفِ ".

стр. 84

[فَصْلٌ الذِّمِّيُّ يَتَرَهَّبُ بَعْدَ ضَرْبِ الْجِزْيَةِ عَلَيْهِ] ١٥ - فَصْلٌ [الذِّمِّيُّ يَتَرَهَّبُ بَعْدَ ضَرْبِ الْجِزْيَةِ عَلَيْهِ] فَإِنْ تَرَهَّبَ بَعْدَ ضَرْبِ الْجِزْيَةِ عَلَيْهِ وَتَرَكَ مُخَالَطَةَ النَّاسِ فَهَلْ تَسْقُطُ الْجِزْيَةُ عَنْهُ بِذَلِكَ؟ فَلَمْ أَرَ لِأَصْحَابِنَا فِيهَا كَلَامًا، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ: لَا تَسْقُطُ عَنْهُ وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ مَالِكٌ ; لِأَنَّ تَرَهُّبَهُ لَيْسَ بِعُذْرٍ لَهُ فِي إِسْقَاطِ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ. قَالُوا: وَلِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ تَرَهُّبُهُ لِتَسْقُطَ الْجِزْيَةُ عَنْهُ، وَاحْتَمَلَ أَنْ يُقَالَ بِسُقُوطِهَا فَإِنَّهُ مَانِعٌ لَوْ قَارَنَ الْعَقْدَ مَنْعُ الْجِزْيَةِ، فَأَشْبَهَ الْعَجْزَ وَالْجُنُونَ وَالصِّغَرَ.

стр. 85

[فَصْلٌ فَلَّاحُو أَهْلِ الذِّمَّةِ] ١٦ - فَصْلٌ [فَلَّاحُو أَهْلِ الذِّمَّةِ] وَأَمَّا الْفَلَّاحُونَ الَّذِينَ لَا يُقَاتِلُونَ وَالْحَرَّاثُونَ فَظَاهِرُ كَلَامِ الْأَصْحَابِ أَنْ تُؤْخَذَ مِنْهُمُ الْجِزْيَةُ ; لِأَنَّهُمْ لَمْ يَسْتَثْنُوهُمْ مَعَ مَنِ اسْتُثْنِيَ، وَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ لَا جِزْيَةَ عَلَيْهِمْ فَإِنَّهُ قَالَ: مَنْ أَطْبَقَ بَابَهُ عَلَى نَفْسِهِ وَلَمْ يُقَاتِلْ لَمْ يُقْتَلْ وَلَا جِزْيَةَ عَلَيْهِ. وَقَالَ فِي " الْمُغْنِي ": فَأَمَّا الْفَلَّاحُ الَّذِي لَا يُقَاتِلُ فَيَنْبَغِي أَلَّا يُقْتَلَ لِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: اتَّقُوا اللَّهَ فِي الْفَلَّاحِينَ الَّذِينَ لَا يَنْصِبُونَ لَكُمْ فِي الْحَرْبِ. وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: لَا يُقْتَلُ الْحَرَّاثُ إِذَا عُلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ مِنَ الْمُقَاتِلَةِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُقْتَلُ إِلَّا أَنْ يُؤَدِّيَ الْجِزْيَةَ، لِدُخُولِهِ فِي عُمُومِ الْمُشْرِكِينَ. وَأَمَّا قَوْلُ عُمَرَ، فَإِنَّ أَصْحَابَ النَّبِيِّ ﷺ لَمْ يَقْتُلُوهُمْ حِينَ فَتَحُوا الْبِلَادَ ; وَلِأَنَّهُمْ لَا يُقَاتِلُونَ فَأَشْبَهُوا الشُّيُوخَ وَالرُّهْبَانَ، انْتَهَى كَلَامُهُ وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا جِزْيَةَ عَلَيْهِمْ.

стр. 86

[فَصْلٌ تُؤْخَذُ الْجِزْيَةُ مِنْ أَهْلِ خَيْبَرَ كَغَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ] ١٧ - فَصْلٌ [تُؤْخَذُ الْجِزْيَةُ مِنْ أَهْلِ خَيْبَرَ كَغَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ] وَأَهْلُ خَيْبَرَ وَغَيْرُهُمْ مِنَ الْيَهُودِ فِي الذِّمَّةِ وَالْجِزْيَةِ سَوَاءٌ، لَا يُعْلَمُ نِزَاعٌ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي ذَلِكَ. وَرَأَيْتُ لِشَيْخِنَا فِي ذَلِكَ فَصْلًا نَقَلْتُهُ مِنْ خَطِّهِ بِلَفْظِهِ قَالَ: " وَالْكِتَابُ الَّذِي بِأَيْدِي الْخَيَابِرَةِ الَّذِي يَدَّعُونَ أَنَّهُ بِخَطِّ عَلِيٍّ فِي إِسْقَاطِ الْجِزْيَةِ عَنْهُمْ بَاطِلٌ، وَقَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ الْفُقَهَاءُ مِنْ أَصْحَابِنَا وَأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِمْ كَأَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ شُرَيْحٍ وَالْقَاضِي أَبِي يَعْلَى وَالْقَاضِي الْمَاوَرْدِيِّ وَأَبِي مُحَمَّدٍ الْمَقْدِسِيِّ وَغَيْرِهِمْ، وَذَكَرَ الْمَاوَرْدِيُّ أَنَّهُ إِجْمَاعٌ وَصِدْقٌ ". قَالَ: " هَذَا الْحُكْمُ ثَابِتٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ، ثَابِتٌ بِالْعُمُومِ لَفْظًا وَمَعْنًى، وَهُوَ عُمُومٌ مَنْقُولٌ بِالتَّوَاتُرِ لَمْ يَخُصَّهُ أَحَدٌ مِنْ عُلَمَاءِ الْإِسْلَامِ، وَلَا دَلِيلَ عَلَى شَيْءٍ أَوَّلَهُ الشَّرْعُ فَيَمْتَنِعُ تَخْصِيصُهُ بِمَا لَا تُعْرَفُ صِحَّتُهُ وَلَا وُجِدَ أَيْضًا فِي الشَّرِيعَةِ لِلْمُخَصِّصِ، فَإِنَّ الْوَاحِدَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مِثْلَ أَبِي بُرْدَةَ

стр. 87

بْنِ دِينَارٍ وَسَالِمٍ أَبِي حُذَيْفَةَ إِنَّمَا خُصَّ بِحُكْمٍ لِقِيَامِ مَعْنًى اخْتُصَّ بِهِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْيَهُودُ وَأَعْقَابُهُمْ، بَلِ الْخَيَابِرَةُ قَدْ صَدَرَ مِنْهُمْ مُحَارَبَةُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَفِي قِتَالِ عَلِيٍّ لَهُمْ مَا يَكُونُونَ بِهِ أَحَقَّ بِالْإِهَانَةِ، فَأَمَّا الْإِكْرَامُ وَتَرْكُ الْجِهَادِ إِلَى الْغَايَةِ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ بِهَا فِي أَهْلِ دِينِهِمْ فَلَا وَجْهَ لَهُ. وَأَيْضًا فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَضْرِبْ جِزْيَةً رَاتِبَةً عَلَى مَنْ حَارَبَهُ مِنَ الْيَهُودِ، لَا بَنِي قَيْنُقَاعَ وَلَا النَّضِيرِ وَلَا قُرَيْظَةَ وَلَا خَيْبَرَ، بَلْ نَفَى بَنِي قَيْنُقَاعَ إِلَى أَذْرِعَاتٍ، وَأَجْلَى النَّضِيرَ إِلَى خَيْبَرَ، وَقَتَلَ قُرَيْظَةَ وَقَاتَلَ أَهْلَ خَيْبَرَ، فَأَقَرَّهُمْ فَلَّاحِينَ مَا شَاءَ اللَّهُ وَأَمَرَ بِإِخْرَاجِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى مِنْ

стр. 88

جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، لَكِنْ لَمَّا بَعَثَ مُعَاذًا إِلَى الْيَمَنِ أَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ كُلِّ حَالِمٍ دِينَارًا أَوْ عَدْلَهُ مَعَافِرَ. قُلْتُ: وَمَقْصُودُ شَيْخِنَا: أَنَّ أَهْلَ خَيْبَرَ وَغَيْرَهُمْ مِنَ الْيَهُودِ كَانُوا فِي حُكْمِهِ سَوَاءً، فَلَمْ يَأْخُذِ الْجِزْيَةَ مِنْ غَيْرِهِمْ حَتَّى أَسْقَطَهَا عَنْهُمْ، فَإِنَّ الْجِزْيَةَ إِنَّمَا نَزَلَتْ فَرِيضَتُهَا بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنَ الْيَهُودِ وَحَرْبِهِمْ، فَإِنَّهَا نَزَلَتْ فِي سُورَةِ " بَرَاءَةٌ " عَامَ حَجَّةِ الصِّدِّيقِ ﵁ سَنَةَ تِسْعٍ، وَقِتَالَهُ لِأَهْلِ خَيْبَرَ كَانَ فِي السَّنَةِ السَّابِعَةِ وَكَانَتْ خَيْبَرُ بَعْدَ صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ جَعَلَهَا اللَّهُ سُبْحَانَهُ شُكْرَانًا لِأَهْلِ الْحُدَيْبِيَةِ وَصَبْرِهِمْ، كَمَا جَعَلَ فَتْحَ قُرَيْظَةَ بَعْدَ الْخَنْدَقِ شُكْرَانًا وَجَبْرًا لِمَا حَصَلَ لِلْمُسْلِمِينَ فِي تِلْكَ الْغَزْوَةِ، وَكَمَا جَعَلَ النَّضِيرَ بَعْدَ أُحُدٍ كَذَلِكَ وَجَعَلَ قَيْنُقَاعَ بَعْدَ بَدْرٍ، وَكُلُّ وَاقِعَةٍ مِنْ وَقَائِعِ رَسُولِ اللَّهِ

стр. 89

- ﷺ بِأَعْدَاءِ اللَّهِ الْيَهُودِ كَانَتْ بَعْدَ غَزْوَةٍ مِنْ غَزَوَاتِ الْكُفَّارِ، وَلَمْ تَكُنِ الْجِزْيَةُ نَزَلَتْ بَعْدُ فَلَمَّا نَزَلَتْ أَخَذَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ نَصَارَى نَجْرَانَ، وَهُمْ أَوَّلُ مَنْ أُخِذَتْ مِنْهُمُ الْجِزْيَةُ كَمَا تَبَيَّنَ، وَبُعِثَ مُعَاذٌ فَأَخَذَهَا مِنْ يَهُودِ الْيَمَنِ. [تَزْوِيرُ يَهُودِ خَيْبَرَ كِتَابًا فِي إِسْقَاطِ الْجِزْيَةِ عَنْهُمْ] فَإِنْ قِيلَ: فَلِمَ يَأْخُذُهَا مِنْ أَهْلِ خَيْبَرَ بَعْدَ نُزُولِهَا؟ قِيلَ: كَانَ قَدْ تَقَدَّمَ صُلْحُهُ لَهُمْ عَلَى إِقْرَارِهِمْ فِي الْأَرْضِ بِنِصْفِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا مَا شَاءَ، فَوَفَى لَهُمْ عَهْدَهُمْ وَلَمْ يَأْخُذْ مِنْهُمْ غَيْرَ مَا شَرَطَ عَلَيْهِمْ، فَلَمَّا أَجْلَاهُمْ عُمَرُ ﵁ إِلَى الشَّامِ ظَنُّوا أَنَّهُمْ يَسْتَمِرُّونَ عَلَى أَنْ يُعْفَوْا مِنْهَا فَزَوَّرُوا كِتَابًا يَتَضَمَّنُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَسْقَطَهَا عَنْهُمْ بِالْكُلِّيَّةِ، وَقَدْ صَنَّفَ الْخَطِيبُ وَالْقَاضِي وَغَيْرُهُمَا فِي إِبْطَالِ ذَلِكَ الْكِتَابِ تَصَانِيفَ ذَكَرُوا فِيهَا وُجُوهًا تَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ الَّذِي بِأَيْدِيهِمْ مَوْضُوعٌ بَاطِلٌ. قَالَ شَيْخُنَا: " وَلَمَّا كَانَ عَامُ إِحْدَى وَسَبْعِمِائَةٍ أَحْضَرَ جَمَاعَةٌ مِنْ يَهُودِ دِمَشْقَ عُهُودًا ادَّعَوْا أَنَّهَا قَدِيمَةٌ، وَكُلُّهَا بِخَطِّ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁، وَقَدْ غَشَّوْهَا بِمَا يَقْتَضِي تَعْظِيمَهَا، وَكَانَتْ قَدْ نَفَقَتْ عَلَى وُلَاةِ الْأُمُورِ مِنْ مُدَّةٍ طَوِيلَةٍ، فَأُسْقِطَتْ عَنْهُمُ الْجِزْيَةُ بِسَبَبِهَا وَبِأَيْدِيهِمْ تَوَاقِيعُ وُلَاةٍ، فَلَمَّا وَقَفْتُ عَلَيْهَا تَبَيَّنَ فِي نَفْسِهَا مَا يَدُلُّ عَلَى كَذِبِهَا مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ جِدًّا.

стр. 90

مِنْهَا: اخْتِلَافُ الْخُطُوطِ اخْتِلَافًا مُتَفَاقِمًا فِي تَأْلِيفِ الْحُرُوفِ الَّذِي يُعْلَمُ مَعَهُ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَصْدُرُ عَنْ كَاتِبٍ وَاحِدٍ، وَكُلُّهَا نَافِيَةٌ أَنَّهُ خَطُّ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁. وَمِنْهَا: أَنَّ فِيهَا مِنَ اللَّحْنِ الَّذِي يُخَالِفُ لُغَةَ الْعَرَبِ مَا لَا يَجُوزُ نِسْبَةُ مِثْلِهِ إِلَى عَلِيٍّ ﵁ وَلَا غَيْرِهِ. وَمِنْهَا: الْكَلَامُ الَّذِي لَا يَجُوزُ نِسْبَتُهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي حَقِّ الْيَهُودِ مِثْلَ قَوْلِهِ: " أَنَّهُمْ يُعَامَلُونَ بِالْإِجْلَالِ وَالْإِكْرَامِ " وَقَوْلِهِ: " السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ " وَقَوْلِهِ: " أَحْسَنَ اللَّهُ بِكُمُ الْجَزَاءَ " وَقَوْلِهِ: " وَعَلَيْهِ أَنْ يُكْرِمَ مُحْسِنَكُمْ وَيَعْفُوَ عَنْ مُسِيئِكُمْ " وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَمِنْهَا: أَنَّ فِي الْكِتَابِ إِسْقَاطَ الْخَرَاجِ عَنْهُمْ مَعَ كَوْنِهِمْ فِي أَرْضِ الْحِجَازِ، وَالنَّبِيُّ ﷺ لَمْ يَضَعْ خَرَاجًا قَطُّ، وَأَرْضُ الْحِجَازِ لَا خَرَاجَ فِيهَا بِحَالٍ، وَالْخَرَاجُ أَمْرٌ يَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَكَيْفَ يَسْقُطُ عَنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ. وَمِنْهَا: أَنَّ فِي بَعْضِهَا إِسْقَاطَ الْكُلَفِ وَالسُّخَرِ عَنْهُمْ، وَهَذَا مِمَّا فَعَلَهُ الْمُلُوكُ الْمُتَأَخِّرُونَ لَمْ يَشْرَعْهُ الرَّسُولُ ﷺ وَخُلَفَاؤُهُ. وَفِي بَعْضِهَا أَنَّهُ شَهِدَ عِنْدَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ وَكَعْبُ بْنُ مَالِكٍ وَغَيْرُهُمَا مِنْ أَحْبَارِ الْيَهُودِ، وَكَعْبُ بْنُ مَالِكٍ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَحْبَارِ الْيَهُودِ فَاعْتَقَدُوا أَنَّهُ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ، وَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مِنَ الصَّحَابَةِ وَإِنَّمَا أَسْلَمَ عَلَى عَهْدِ عُمَرَ ﵁. وَمِنْهَا: أَنَّ لَفْظَ الْكَلَامِ وَنَظْمَهُ لَيْسَ مِنْ جِنْسِ كَلَامِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ

стр. 91

عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَمِنْهَا: أَنَّ فِيهِ مِنَ الْإِطَالَةِ وَالْحَشْوِ وَمَا لَا يُشْبِهُ عُهُودَ النَّبِيِّ ﷺ . وَفِيهَا وُجُوهٌ أُخَرُ مُتَعَدِّدَةٌ مِثْلَ أَنَّ هَذِهِ الْعُهُودَ لَمْ يَذْكُرْهَا أَحَدٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ قَبْلَ ابْنِ شُرَيْحٍ، وَلَا ذَكَرُوا أَنَّهَا رُفِعَتْ إِلَى أَحَدٍ مِنْ وُلَاةِ الْأُمُورِ فَعَمِلُوا بِهَا، وَمِثْلُ ذَلِكَ مِمَّا يَتَعَيَّنُ شُهْرَتُهُ وَنَقْلُهُ. قُلْتُ: وَمِنْهَا أَنَّ هَذَا لَمْ يَرْوِهِ أَحَدٌ مِنْ مُصَنِّفِي كُتُبِ السِّيَرِ وَالتَّارِيخِ، وَلَا رَوَاهُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَلَا غَيْرِهِمْ أَلْبَتَّةَ، وَإِنَّمَا يُعْرَفُ مِنْ جِهَةِ الْيَهُودِ وَمِنْهُمْ بَدَأَ وَإِلَيْهِمْ يَعُودُ. [فَصْلٌ أَحْكَامُ عَبِيدِ أَهْلِ الذِّمَّةِ] ١٨ - فَصْلٌ [أَحْكَامُ عَبِيدِ أَهْلِ الذِّمَّةِ] وَأَمَّا الْعَبْدُ فَإِنْ كَانَ سَيِّدُهُ مُسْلِمًا فَلَا جِزْيَةَ عَلَيْهِ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَلَوْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ لَوَجَبَتْ عَلَى سَيِّدِهِ فَإِنَّهُ هُوَ الَّذِي يُؤَدِّيهَا عَنْهُ. وَفِي " السُّنَنِ " وَ " الْمُسْنَدِ " مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا

стр. 92

قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَا تَصْلُحُ قِبْلَتَانِ فِي أَرْضٍ، وَلَيْسَ عَلَى مُسْلِمٍ جِزْيَةٌ» ". وَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ لِكَافِرٍ فَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ لَا جِزْيَةَ عَلَيْهِ أَيْضًا: وَهُوَ قَوْلُ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ [نَحْفَظُ] عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّهُ لَا جِزْيَةَ عَلَى الْعَبْدِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " «لَا جِزْيَةَ عَلَى عَبْدٍ» " وَفِي رَفْعِهِ نَظَرٌ وَهُوَ ثَابِتٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ «وَإِنَّ الْعَبْدَ مَحْقُونُ الدَّمِ»

стр. 93

فَأَشْبَهَ النِّسَاءَ وَالصِّبْيَانَ ; وَلِأَنَّهُ لَا مَالَ لَهُ فَهُوَ أَسْوَأُ حَالًا مِنَ الْفَقِيرِ الْعَاجِزِ، وَلِأَنَّهَا لَوْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ لَوَجَبَتْ عَلَى سَيِّدِهِ إِذْ هُوَ الْمُؤَدِّي لَهَا عَنْهُ فَيَجِبُ عَلَيْهِ أَكْثَرُ مِنْ جِزْيَةٍ، وَلِأَنَّهُ تَبَعٌ فَلَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ الْجِزْيَةُ كَذُرِّيَّةِ الرَّجُلِ وَامْرَأَتِهِ، وَلِأَنَّهُ مَمْلُوكٌ فَلَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ كَبَهَائِمِهِ وَدَوَابِّهِ. وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى أَنَّهَا تَجِبُ عَلَيْهِ، وَنَحْنُ نَذْكُرُ نُصُوصَ أَحْمَدَ مِنَ الطَّرِيقَيْنِ. قَالَ أَبُو طَالِبٍ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَنِ الْعَبْدِ النَّصْرَانِيِّ عَلَيْهِ جِزْيَةٌ؟ قَالَ: لَيْسَ عَلَيْهِ جِزْيَةٌ. وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: قُلْتُ فَالْعَبْدُ لَيْسَ عَلَيْهِ جِزْيَةٌ لِنَصْرَانِيٍّ كَانَ أَمْ لِمُسْلِمٍ كَمَا قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵁. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ: سَأَلْتُ أَبِي عَنْ رَجُلٍ مُسْلِمٍ كَاتَبَ عَبْدًا نَصْرَانِيًّا هَلْ تُؤْخَذُ مِنَ الْعَبْدِ الْجِزْيَةُ مِنْ مُكَاتَبَتِهِ؟ فَقَالَ: إِنَّ الْعَبْدَ لَيْسَ عَلَيْهِ جِزْيَةٌ وَالْمَكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ.

стр. 94

وَقَالَ أَحْمَدُ: ثَنَا يَزِيدُ، ثَنَا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ سُفْيَانَ الْعُقَيْلِيِّ عَنْ أَبِي عِيَاضٍ قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁: لَا تَشْتَرُوا مِنْ رَقِيقِ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَلَا مِمَّا فِي أَيْدِيهِمْ لِأَنَّهُمْ أَهْلُ خَرَاجٍ يَبِيعُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَلَا يُقِرَّنَّ أَحَدُكُمْ بِالصَّغَارِ بَعْدَ إِذْ أَنْقَذَهُ اللَّهُ مِنْهُ. قَالَ حَنْبَلٌ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: أَرَادَ عُمَرُ أَنْ يُوَفِّرَ الْجِزْيَةَ ; لِأَنَّ الْمُسْلِمَ إِذَا اشْتَرَاهُ سَقَطَ عَنْهُ أَدَاءُ مَا يُؤْخَذُ مِنْهُ، وَالذِّمِّيُّ يُؤَدِّي عَنْهُ وَعَنْ مَمْلُوكِهِ خَرَاجَ جَمَاجِمِهِمْ، إِذَا كَانُوا عَبِيدًا أَخَذَ مِنْهُمْ جَمِيعًا الْجِزْيَةَ. وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: قَوْلُ عُمَرَ " لَا تَشْتَرُوا رَقِيقَ أَهْلِ الذِّمَّةِ "، قَالَ: لِأَنَّهُمْ أَهْلُ خَرَاجٍ يُؤَدِّي بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ، فَإِذَا صَارَ إِلَى الْمُسْلِمِ انْقَطَعَ عَنْهُ ذَلِكَ.

стр. 95

[فَصْلٌ حُكْمُ مَنْ كَانَ بَعْضُهُ حُرًّا مِنْ عَبِيدِ أَهْلِ الذِّمَّةِ] ١٩ - فَصْلٌ [حُكْمُ مَنْ كَانَ بَعْضُهُ حُرًّا مِنْ عَبِيدِ أَهْلِ الذِّمَّةِ] وَمَنْ بَعْضُهُ حُرٌّ فَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنَّ عَلَيْهِ الْجِزْيَةَ بِقَدْرِ مَا فِيهِ مِنَ الْحُرِّيَّةِ. [فَصْلٌ الْعَبْدُ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ إِنْ أُعْتِقَ] ٢٠ - فَصْلٌ [الْعَبْدُ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ إِنْ أُعْتِقَ] فَإِنْ عَتَقَ الْعَبْدُ فَهَلْ تَجِبُ عَلَيْهِ الْجِزْيَةُ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ عَنْ أَحْمَدَ: إِحْدَاهُمَا: أَنَّ الْجِزْيَةَ وَاجِبَةٌ عَلَيْهِ سَوَاءٌ كَانَ الْمُعْتِقُ مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا، وَهَذَا ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ وَقَوْلُ أَكَثْرِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْهُمُ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَغَيْرُهُمْ. وَالثَّانِيَةُ: لَا جِزْيَةَ عَلَيْهِ، وَنَصَّ عَلَيْهَا فِي رِوَايَةِ بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: النَّصْرَانِيُّ الَّذِي أُعْتِقَ عَلَيْهِ الْجِزْيَةُ؟ قَالَ: لَيْسَ عَلَيْهِ جِزْيَةٌ ; لِأَنَّ ذِمَّتَهُ ذِمَّةُ مَوَالِيهِ لَيْسَ عَلَيْهِ جِزْيَةٌ. وَوَهَّنَ الْخَلَّالُ هَذِهِ الرِّوَايَةَ وَقَالَ: هَذَا قَوْلٌ قَدِيمٌ رَجَعَ عَنْهُ أَحْمَدُ، وَالْعَمَلُ عَلَى مَا رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ.

стр. 96

وَعَنِ الْإِمَامِ مَالِكٍ رِوَايَتَانِ أَيْضًا: إِحْدَاهُمَا: أَنَّ عَلَيْهِ الْجِزْيَةَ، إِنْ كَانَ الْمُعْتِقُ لَهُ مُسْلِمًا فَلَا جِزْيَةَ عَلَيْهِ، إِنَّ عَلَيْهِ الْوَلَاءَ لِسَيِّدِهِ وَهُوَ شُعْبَةٌ مِنَ الرِّقِّ وَإِنَّهُ عَبْدُ الْمُسْلِمِ. قُلْتُ: وَهِيَ مَسْأَلَةٌ اخْتَلَفَ فِيهَا التَّابِعُونَ، فَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَخَذَ مِنْهُ الْجِزْيَةَ وَالشَّعْبِيُّ لَمْ يَرَ عَلَيْهِ جِزْيَةً وَقَالَ: ذِمَّتُهُ ذِمَّةُ مَوْلَاهُ. حَكَاهُ أَحْمَدُ عَنْهُمَا. [فَصْلٌ الْعَبْدُ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ إِنْ أَسْلَمَ] ٢١ - فَصْلٌ [الْعَبْدُ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ إِنْ أَسْلَمَ] وَمَنْ أَسْلَمَ سَقَطَتْ عَنْهُ الْجِزْيَةُ سَوَاءٌ أَسْلَمَ فِي أَثْنَاءِ الْحَوْلِ أَوْ بَعْدَهُ. وَلَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ جِزْيَةُ سِنِينَ ثُمَّ أَسْلَمَ سَقَطَتْ كُلُّهَا، هَذَا قَوْلُ فُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ وَفُقَهَاءِ الرَّأْيِ وَفُقَهَاءِ الْحَدِيثِ إِلَّا الشَّافِعِيَّ وَأَصْحَابَهُ فَإِنَّهُ قَالَ: إِنْ أَسْلَمَ بَعْدَ الْحَوْلِ لَمْ تَسْقُطْ ; لِأَنَّهُ دَيْنٌ اسْتَحَقَّهُ صَاحِبُهُ وَاسْتَحَقَّ الْمُطَالَبَةَ بِهِ فِي حَالِ الْكُفْرِ فَلَمْ تَسْقُطْ بِالْإِسْلَامِ كَالْخَرَاجِ وَسَائِرِ الدُّيُونِ وَلَهُ - فِيمَا إِذَا أَسْلَمَ فِي أَثْنَاءِ الْحَوْلِ - قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا تَسْقُطُ. وَالثَّانِي: أَنَّهَا تُؤْخَذُ بِقِسْطِهِ، وَالصَّحِيحُ الَّذِي لَا يَنْبَغِي الْقَوْلُ بِغَيْرِهِ سُقُوطُهَا، وَعَلَيْهِ تَدَلُّ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَسُنَّةُ خُلَفَائِهِ، وَذَلِكَ مِنْ مَحَاسِنِ الْإِسْلَامِ وَتَرْغِيبِ الْكُفَّارِ فِيهِ، وَإِذَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى

стр. 97

اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعْطِي الْكُفَّارَ عَلَى الْإِسْلَامِ حَتَّى يُسْلِمُوا يَتَأَلَّفُهُمْ بِذَلِكَ، فَكَيْفَ يُنَفِّرُ عَنِ الدُّخُولِ فِي الْإِسْلَامِ مِنْ أَجْلِ دِينَارٍ؟ فَأَيْنَ هَذَا مِنْ تَرْكِ الْأَمْوَالِ لِلدُّخُولِ فِي الْإِسْلَامِ؟ قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ قَابُوسَ بْنِ أَبِي ظَبْيَانَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَيْسَ عَلَى مُسْلِمٍ جِزْيَةٌ» ". قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: تَأْوِيلُ هَذَا الْحَدِيثِ: لَوْ أَنَّ رَجُلًا أَسْلَمَ فِي آخِرِ السَّنَةِ وَقَدْ وَجَبَتِ الْجِزْيَةُ عَلَيْهِ، أَنَّ إِسْلَامَهُ يُسْقِطُهَا عَنْهُ فَلَا تُؤْخَذُ مِنْهُ وَإِنْ كَانَتْ قَدْ لَزِمَتْهُ قَبْلَ ذَلِكَ ; لِأَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يُؤَدِّي الْجِزْيَةَ وَلَا تَكُونُ عَلَيْهِ دَيْنًا [كَمَا لَا تُؤْخَذُ مِنْهُ فِيمَا يُسْتَأْنَفُ بَعْدَ الْإِسْلَامِ] ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ مَا يُحَقِّقُ هَذَا الْمَعْنَى. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ قَالَ: كُنْتُ مَعَ مَسْرُوقٍ بِالسِّلْسِلَةِ فَحَدَّثَنِي أَنَّ رَجُلًا مِنَ الشُّعُوبِ - يَعْنِي الْأَعَاجِمَ - أَسْلَمَ وَكَانَتْ تُؤْخَذُ مِنْهُ الْجِزْيَةُ، فَأَتَى عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَسْلَمْتُ وَالْجِزْيَةُ تُؤْخَذُ مِنِّي، فَقَالَ: لَعَلَّكَ أَسْلَمْتَ مُتَعَوِّذًا؟ فَقَالَ أَمَا فِي الْإِسْلَامِ مَا يُعِيذُنِي؟ قَالَ: فَكَتَبَ أَنْ لَا تُؤْخَذَ مِنْهُ

стр. 98

الْجِزْيَةُ. وَحَدَّثَنَا هُشَيْمٌ قَالَ: أَخْبَرَنَا سَيَّارٌ عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ عَدِيٍّ قَالَ: أَسْلَمَ دِهْقَانٌ عَلَى عَهْدِ عَلِيٍّ ﵁ فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ ﵁: إِنْ أَقَمْتَ فِي أَرْضِكَ رَفَعْنَا عَنْكَ جِزْيَةَ رَأْسِكَ وَأَخَذْنَاهَا مِنْ أَرْضِكَ، وَإِنْ تَحَوَّلْتَ عَنْهَا فَنَحْنُ أَحَقُّ بِهَا. وَحَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ عَنِ الْمَسْعُودِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ الثَّقَفِيِّ أَنَّ دِهْقَانًا أَسْلَمَ فَقَامَ إِلَى عَلِيٍّ فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: أَمَّا أَنْتَ فَلَا جِزْيَةَ عَلَيْكَ، وَأَمَّا أَرْضُكَ فَلَنَا.

стр. 99

وَحَدَّثَنَا حَجَّاجٌ عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ حُمَيْدٍ قَالَ: كَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: مَنْ شَهِدَ شَهَادَتَنَا وَاسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا وَاخْتَتَنَ فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ جِزْيَةً. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: أَفَلَا تَرَى أَنَّ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ قَدْ تَتَابَعَتْ عَنْ أَئِمَّةِ الْهُدَى بِإِسْقَاطِ الْجِزْيَةِ عَمَّنْ أَسْلَمَ، وَلَمْ يَنْظُرُوا فِي أَوَّلِ السَّنَةِ كَانَ ذَلِكَ وَلَا فِي آخِرِهَا، فَهُوَ عِنْدَنَا عَلَى أَنَّ الْإِسْلَامَ أَهْدَرَ مَا كَانَ قَبْلَهُ مِنْهَا، وَإِنَّمَا احْتَاجَ النَّاسُ إِلَى هَذِهِ الْآثَارِ فِي زَمَنِ بَنِي أُمَيَّةَ لِأَنَّهُ يُرْوَى عَنْهُمْ أَوْ عَنْ بَعْضِهِمْ، أَنَّهُمْ كَانُوا يَأْخُذُونَهَا مِنْهُمْ وَقَدْ أَسْلَمُوا يَذْهَبُونَ إِلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ بِمَنْزِلَةِ الضَّرَائِبِ عَلَى الْعَبِيدِ، يَقُولُونَ: لَا يُسْقِطُ إِسْلَامُ الْعَبْدِ عَنْهُ ضَرِيبَتَهُ، وَلِهَذَا اخْتَارَ مَنِ اخْتَارَ مِنَ الْقُرَّاءِ الْخُرُوجَ عَلَيْهِمْ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ مَا يُثْبِتُ مَا كَانَ مِنْ أَخْذِهِمْ إِيَّاهَا. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، ثَنَا حَرْمَلَةُ بْنُ عِمْرَانَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ قَالَ: " أَعْظَمُ مَا أَتَتْ هَذِهِ الْأَمَةُ بَعْدَ نَبِيِّهَا ثَلَاثُ خِصَالٍ: قَتْلُهُمْ عُثْمَانَ بْنِ

стр. 100

عَفَّانَ، وَإِحْرَاقُهُمُ الْكَعْبَةِ، وَأَخْذُهُمُ الْجِزْيَةَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ. وَالْجِزْيَةُ وُضِعَتْ فِي الْأَصْلِ إِذْلَالًا لِلْكُفَّارِ وَصَغَارًا فَلَا تُجَامِعُ الْإِسْلَامَ بِوَجْهٍ، وَلِأَنَّهَا عُقُوبَةٌ فَتَسْقُطُ بِالْإِسْلَامِ وَإِذَا كَانَ الْإِسْلَامُ يَهْدِمُ مَا قَبْلَهُ مِنَ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ وَالْمَعَاصِي فَكَيْفَ لَا يَهْدِمُ ذُلَّ الْجِزْيَةِ وَصَغَارَهَا؟ وَإِنَّ الْمَقْصُودَ تَأَلُّفُ النَّاسِ عَلَى الْإِسْلَامِ بِأَنْوَاعِ الرَّغْبَةِ فَكَيْفَ لَا يُتَأَلَّفُونَ بِإِسْقَاطِ الْجِزْيَةِ؟ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعْطِي عَلَى الْإِسْلَامِ عَطَاءً لَا يُعْطِيهِ عَلَى غَيْرِهِ، وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ سَهْمًا فِي الزَّكَاةِ لِلْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ، فَكَيْفَ لَا يُسْقَطُ عَنْهُمُ الْجِزْيَةُ بِإِسْلَامِهِمْ؟ وَكَيْفَ يُسَلَّطُ الْكُفَّارُ أَنْ يَتَحَدَّثُوا بَيْنَهُمْ بِأَنَّ مَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمْ أُخِذَ بِالضَّرْبِ وَالْحَبْسِ وَمُنِعَ مَا يَمْلِكُهُ حَتَّى يُعْطِيَ مَا عَلَيْهِ مِنَ الْجِزْيَةِ؟ [فَصْلٌ الْكَافِرُ إِنْ مَاتَ فِي أَثْنَاءِ الْحَوْلِ] ٢٢ - فَصْلٌ [الْكَافِرُ إِنْ مَاتَ فِي أَثْنَاءِ الْحَوْلِ] فَإِنْ مَاتَ الْكَافِرُ فِي أَثْنَاءِ الْحَوْلِ سَقَطَتْ عَنْهُ وَلَمْ تُؤْخَذْ بِقَدْرِ مَا أَدْرَكَ مِنْهُ، وَإِنْ مَاتَ بَعْدَ الْحَوْلِ فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إِلَى أَنَّهَا لَا تَسْقُطُ وَتُؤْخَذُ مِنْ

стр. 101

تَرِكَتِهِ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: تَسْقُطُ بِالْمَوْتِ، وَحَكَاهُ أَبُو الْخَطَّابِ عَنْ شَيْخِهِ الْقَاضِي. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَأَمَّا مَوْتُ الذِّمِّيِّ فِي آخِرِ السَّنَةِ فَقَدِ اخْتُلِفَ فِيهِ. فَحَدَّثْنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ لَهِيعَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُنَادَةَ - كَاتِبِ حَيَّانَ بْنِ شُرَيْجٍ - وَكَانَ حَيَّانُ بْنُ شُرَيْجٍ بَعَثَ إِلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَكَتَبَ إِلَيْهِ يَسْتَفْتِيهِ: أَيَجْعَلُ جِزْيَةَ مَوْتَى الْقِبْطِ عَلَى أَحْيَائِهِمْ؟ فَسَأَلَ عُمَرُ عَنْ ذَلِكَ عِرَاكَ بْنَ مَالِكٍ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ يَسْمَعُ فَقَالَ: مَا سَمِعْتُ لَهُمْ بِعَقْدٍ وَلَا عَهْدٍ، إِنَّمَا أُخِذُوا عَنْوَةً بِمَنْزِلَةِ الصَّيْدِ، فَكَتَبَ عُمَرُ إِلَى حَيَّانَ بْنِ شُرَيْجٍ يَأْمُرُهُ أَنْ يَجْعَلَ جِزْيَةَ الْأَمْوَاتِ عَلَى الْأَحْيَاءِ، وَكَانَ حَيَّانُ وَالِيهِ عَلَى مِصْرَ. قَالَ: وَقَدْ رُوِيَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ مَعْقِلِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّهُ قَالَ: لَيْسَ عَلَى مَنْ مَاتَ وَلَا مَنْ أَبَقَ جِزْيَةٌ يَقُولُ: لَا تُؤْخَذُ مِنْ وَرِثْتِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَلَا يَجْعَلُهَا بِمَنْزِلَةِ الدَّيْنِ، وَلَا تُؤْخَذُ مِنْ أَهْلِهِ إِذَا هَرَبَ عَنْهُمْ

стр. 102

مِنْهَا لِأَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا ضَامِنِينَ لِذَلِكَ. قَالَ الْآخِذُونَ لَهَا: هِيَ دَيْنٌ وَجَبَ عَلَيْهِ فِي حَيَاتِهِ فَلَمْ يَسْقُطْ بِمَوْتِهِ، كَدُيُونِ الْآدَمِيِّينَ. وَقَالَ الْمُسْقِطُونَ: هِيَ عُقُوبَةٌ، فَتَسْقُطُ بِالْمَوْتِ كَالْحُدُودِ ; وَلِأَنَّهَا صَغَارٌ وَإِذْلَالٌ فَزَالَ بِزَوَالِ مَحَلِّهِ، وَقَوْلُكُمْ: إِنَّهَا دَيْنٌ فَلَا تَسْقُطُ بِالْمَوْتِ إِنَّمَا يَتَأَتَّى عَلَى أَصْلِ مَنْ لَا يُسْقِطُهَا بِالْإِسْلَامِ، وَأَمَّا مَنْ أَسْقَطَهَا بِالْإِسْلَامِ فَلَا يَصِحُّ مِنْهُ هَذَا الِاسْتِدْلَالُ، وَلَا رَيْبَ أَنَّ الْجِزْيَةَ عُقُوبَةٌ وَحَقٌّ عَلَيْهِ فَفِيهَا الْأَمْرَانِ، فَمَنْ غَلَّبَ جَانِبَ الْعُقُوبَةِ أَسْقَطَهَا بِالْمَوْتِ كَمَا تَسْقُطُ الْعُقُوبَاتُ الدُّنْيَوِيَّةُ عَنِ الْمَيِّتِ، وَمَنْ غَلَّبَ فِيهَا جَانِبَ الدَّيْنِ لَمْ يُسْقِطْهَا، وَالْمَسْأَلَةُ تَحْتَمِلُهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. [فَصْلٌ إِنِ اجْتَمَعَتْ عَلَى الذِّمِّيِّ جِزْيَةُ سِنِينَ] ٢٣ - فَصْلٌ [إِنِ اجْتَمَعَتْ عَلَى الذِّمِّيِّ جِزْيَةُ سِنِينَ] فَإِنِ اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ جِزْيَةُ سِنِينَ اسْتُوفِيَتْ كُلُّهَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: تَتَدَاخَلُ وَتُؤْخَذُ مِنْهُ جِزْيَةً وَاحِدَةً، وَأَجْرَاهَا مُجْرَى الْعُقُوبَةِ، فَتَتَدَاخَلُ كَالْحُدُودِ، وَالْجُمْهُورُ جَعَلُوهَا بِمَنْزِلَةِ سَائِرِ الْحُقُوقِ الْمَالِيَّةِ كَالدِّيَةِ وَالزَّكَاةِ وَغَيْرِهِمَا. وَقَوْلُ الْجُمْهُورِ أَصَحُّ، إِلَّا أَنْ يُنَاسِبَ التَّخْفِيفُ عَنْهُ بِتَرْكِ أَدَاءِ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ لِلْمُسْلِمِينَ وَلَاسِيَّمَا إِذَا كَانَ مِمَّنْ لَا يُعْذَرُ بِالتَّأْخِيرِ. وَلَوْ قِيلَ بِمُضَاعَفَتِهِ عَلَيْهِ عُقُوبَةً لَهُ لَكَانَ أَقْوَى مِنَ الْقَوْلِ بِسُقُوطِهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 103

[فَصْلٌ حُكْمُ بَذْلِ الْجِزْيَةِ أَوِ الْخَرَاجِ مِنْ عَيْنِ مَا نَعْتَقِدُ أَنَّهُ مُحَرَّمٌ] ٢٤ - فَصْلٌ [حُكْمُ بَذْلِ الْجِزْيَةِ أَوِ الْخَرَاجِ مِنْ عَيْنِ مَا نَعْتَقِدُ أَنَّهُ مُحَرَّمٌ] وَإِذَا بَذَلُوا مَا عَلَيْهِمْ مِنَ الْجِزْيَةِ أَوِ الْخَرَاجِ أَوِ الدِّيَةِ أَوِ الدَّيْنِ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ عَيْنِ مَا نَعْتَقِدُ نَحْنُ مُحَرَّمًا، وَلَا يَعْتَقِدُونَ تَحْرِيمَهُ كَالْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ، جَازَ قَبُولُهُ مِنْهُمْ: هَذَا مَذْهَبُ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ مِنَ السَّلَفِ. قَالَ الْمَيْمُونِيُّ: قَرَأْتُ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ: هَلْ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ إِذَا اتَّجَرُوا فِي الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ الْعُشْرُ؟ أَنَأْخُذُ مِنْهُ؟ فَأَمْلَى عَلَيَّ: قَالَ عُمَرُ وَلُّوهُمْ بَيْعَهَا لَا يَكُونُ هَذَا إِلَّا عَلَى الْأَخْذِ. قُلْتُ: كَيْفَ إِسْنَادُهُ؟ قَالَ إِسْنَادُهُ جَيِّدٌ. وَقَالَ يَعْقُوبُ بْنُ بُخْتَانَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَنْ خَنَازِيرِ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَخُمُورِهِمْ، قَالَ: لَا تَقْتُلُ خَنَازِيرَهُمْ فَإِنَّ لَهُمْ عَهْدًا، وَأَلَّا تَأْخُذَ مِنْهُمْ خَمْرًا وَلَا خِنْزِيرًا يَكُونُ لَهُمْ بَيْعُهَا. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: قُلْتُ لِأَبِي: فَإِنْ كَانَ مَعَ النَّصْرَانِيِّ خَمْرٌ وَخَنَازِيرُ، كَيْفَ يُصْنَعُ بِهَا؟ فَقَالَ: قَالَ عُمَرُ: وَلُّوهُمْ بَيْعَهَا [وَقَدْ قَالَ بَعْضُ النَّاسِ: يَقُومُ عَلَيْهِمْ] وَهُوَ قَوْلٌ شَنِيعٌ وَلَا أَرَاهُ يُعْجِبُنِي. وَكَذَلِكَ نَقَلَ عَنْهُ صَالِحٌ سَوَاءً.

стр. 104

وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: " بَابُ أَخْذِ الْجِزْيَةِ مِنَ الْخَمْرِ وَالْخَنَازِيرِ " حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى الْجُعْفِيِّ عَنْ سُوَيْدِ بْنِ غَفَلَةَ قَالَ: بَلَغَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ أَنَّ نَاسًا يَأْخُذُونَ الْجِزْيَةَ مِنَ الْخَنَازِيرِ، وَقَامَ بِلَالٌ فَقَالَ: إِنَّهُمْ لَيَفْعَلُونَ، فَقَالَ عُمَرُ ﵁: لَا تَفْعَلُوا، وَلُّوهُمْ بَيْعَهَا. وَحَدَّثَنَا الْأَنْصَارِيُّ عَنْ إِسْرَائِيلَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى عَنْ سُوَيْدِ بْنِ غَفَلَةَ أَنَّ بِلَالًا قَالَ لِعُمُرَ: إِنْ عُمَّالَكَ يَأْخُذُونَ الْخَمْرَ وَالْخَنَازِيرَ فِي الْخَرَاجِ، فَقَالَ: لَا تَأْخُذُوهَا مِنْهُمْ، وَلَكِنْ وَلُّوهُمْ بَيْعَهَا، وَخُذُوا أَنْتُمْ مِنَ الثَّمَنِ. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: " يُرِيدُ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ كَانُوا يَأْخُذُونَ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ الْخَمْرَ وَالْخَنَازِيرَ مِنْ جِزْيَةِ رُءُوسِهِمْ وَخَرَاجِ أَرَضِيهِمْ بِقِيمَتِهَا ثُمَّ يَتَوَلَّى الْمُسْلِمُونَ بَيْعَهَا، فَهَذَا الَّذِي أَنْكَرَهُ بِلَالٌ وَنَهَى عَنْهُ عُمَرُ، ثُمَّ رَخَّصَ لَهُمْ أَنْ يَأْخُذُوا ذَلِكَ مِنْ أَثْمَانِهَا إِذَا كَانَ أَهْلُ الذِّمَّةِ الْمُتَوَلِّينَ لِبَيْعِهَا ; لِأَنَّ الْخَمْرَ وَالْخَنَازِيرَ مَالٌ مِنْ أَمْوَالِ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَلَا يَكُونُ مَالًا لِلْمُسْلِمِينَ.

стр. 105

وَمِمَّا يُبَيِّنُ ذَلِكَ مَا حَدَّثَنِي بِهِ عَلِيُّ بْنُ مَعْبَدٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنِ اللَّيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ أَنَّ عُمَرَ كَتَبَ إِلَى الْعُمَّالِ يَأْمُرُهُمْ بِقَتْلِ الْخَنَازِيرِ، وَيَقْضِي أَثْمَانَهَا لِأَهْلِ الْجِزْيَةِ مِنْ جِزْيَتِهِمْ. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: فَهُوَ لَمْ يَجْعَلْهَا قِصَاصًا مِنَ الْجِزْيَةِ إِلَّا وَهُوَ يَرَاهَا مَالًا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَإِذَا مَرَّ الذِّمِّيُّ بِالْخَمْرِ وَالْخَنَازِيرِ عَلَى الْعَاشِرِ فَإِنَّهُ لَا يَطِيبُ لَهُ أَنْ يَعْشِرَهَا وَلَا يَأْخُذَ ثَمَنَ الْعُشْرِ مِنْهَا، وَإِنْ كَانَ الذِّمِّيُّ هُوَ الْمُتَوَلِّي لِبَيْعِهَا أَيْضًا. . . . وَهَذَا لَيْسَ مِنَ الْبَابِ الْأَوَّلِ وَلَا يُشْبِهُهُ ; لِأَنَّ ذَلِكَ حَقٌّ وَجَبَ عَلَى رِقَابِهِمْ وَأَرَضِيهِمْ، وَالْعُشْرُ هَاهُنَا إِنَّمَا هُوَ شَيْءٌ يُوضَعُ عَلَى الْخَمْرِ وَالْخَنَازِيرِ أَنْفُسِهَا فَلِذَلِكَ ثَمَنُهَا لَا يَطِيبُ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : " «إِنَّ اللَّهَ إِذَا حَرَّمَ شَيْئًا حَرَّمَ ثَمَنَهُ» ".

стр. 106

قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ أَنَّهُ أَفْتَى فِي مِثْلِ هَذَا بِغَيْرِ مَا أَفْتَى بِهِ فِي ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ. ثَنَا أَبُو الْأَسْوَدِ الْمِصْرِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ لَهِيعَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ هُبَيْرَةَ الشَّيْبَانِيِّ أَنَّ عُتْبَةَ بْنَ فَرْقَدٍ بَعَثَ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ بِأَرْبَعِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ صَدَقَةَ الْخَمْرِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ: بَعَثْتَ إِلَيَّ بِصَدَقَةِ الْخَمْرِ، وَأَنْتَ أَحَقُّ بِهَا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، وَأَخْبَرَ النَّاسَ بِذَلِكَ، وَقَالَ: وَاللَّهِ لَا أَسْتَعْمِلُكَ عَلَى شَيْءٍ بَعْدَهَا قَالَ: فَنَزَعَهُ. قَالَ: وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ عَنِ الْمُثَنَّى بْنِ سَعِيدٍ الضُّبَعِيِّ قَالَ: كَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى عَدِيِّ بْنِ أَرْطَاةَ: أَنِ ابْعَثْ إِلَيَّ بِتَفْصِيلِ الْأَمْوَالِ الَّتِي قِبَلَكَ مِنْ أَيْنَ دَخَلَتْ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ بِذَلِكَ وَصَنَّفَهُ لَهُ فَكَانَ فِيمَا كَتَبَ إِلَيْهِ مِنْ عُشْرِ الْخَمْرِ أَرْبَعَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ، قَالَ: فَلَبِثْنَا مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ جَاءَ

стр. 107

جَوَابُ كِتَابِهِ: إِنَّكَ كَتَبْتَ إِلَيَّ تَذْكُرُ مِنْ عُشُورِ الْخَمْرِ أَرْبَعَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ، وَإِنَّ الْخَمْرَ لَا يَعْشِرُهَا مُسْلِمٌ وَلَا يَشْتَرِيهَا وَلَا يَبِيعُهَا، فَإِذَا أَتَاكَ كِتَابِي هَذَا فَاطْلُبِ الرَّجُلَ فَارْدُدْهَا عَلَيْهِ فَهُوَ أَوْلَى بِمَا كَانَ فِيهَا فَطَلَبَ الرَّجُلَ فَرُدَّتْ عَلَيْهِ الْأَرْبَعَةُ الْآلَافِ وَقَالَ: أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ إِنِّي لَمْ أَعْلَمْ. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: فَهَذَا عِنْدِي الَّذِي عَلَيْهِ الْعَمَلُ، وَإِنْ كَانَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ قَدْ قَالَ غَيْرَ ذَلِكَ. حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ كِلَاهُمَا عَنْ سُفْيَانَ عَنْ حَمَّادٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ فِي الذِّمِّيِّ يَمُرُّ بِالْخَمْرِ عَلَى الْعَاشِرِ، قَالَ: يُضَاعَفُ عَلَيْهِ الْعُشُورُ. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَكَانَ أَبُو حَنِيفَةَ يَقُولُ: إِذَا مَرَّ عَلَى الْعَاشِرِ بِالْخَمْرِ وَالْخَنَازِيرِ - عَشَرَ الْخَمْرَ وَلَمْ يَعْشِرِ الْخَنَازِيرَ. سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ الْحَسَنِ يُحَدِّثُ بِذَلِكَ عَنْهُ. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَقَوْلُ الْخَلِيفَتَيْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ﵀ أَوْلَى بِالِاتِّبَاعِ أَلَّا يَكُونَ عَلَى الْخَمْرِ عُشْرٌ أَيْضًا، انْتَهَى. وَهَذَا الْفَرْقُ هُوَ مَحْضُ الْفِقْهِ، فَإِنَّهُمْ إِذَا تَبَايَعُوهَا فِيمَا بَيْنَهُمْ فَقَدْ تَعَاقَدُوا عَلَى مَا يَعْتَقِدُونَهُ مَالًا، فَإِذَا أَخَذْنَاهُ مِنْهُمْ أَخَذْنَا مَا هُوَ حَلَالٌ عِنْدَهُمْ،

стр. 108

وَإِنْ كَانُوا لَا يَعْتَقِدُونَهُ كُلَّ سَنَةٍ كَمَا اكْتَسَبُوهُ بِعُقُودٍ أَوْ مَوَارِيثَ أَوْ أَسْبَابٍ مِنْ هِبَاتٍ وَوَصَايَا - فَغَيْرُهَا لَا يَجُوزُ فِي شَرْعِنَا - وَعَامَلُونَا بِهِ أَوْ قَضَوْنَا إِيَّاهُ مِمَّا لَنَا عَلَيْهِمْ، سَاغَ لَنَا أَخْذُهُ وَإِنْ لَمْ يُسَوَّغْ فِي شَرْعِنَا تِلْكَ الْأَسْبَابُ الَّتِي حَدَّهَا، كَمَا تَأْخُذُ الْمَرْأَةُ مِنْ مَهْرٍ فِي عَقْدِ نِكَاحٍ لَا نُجِيزُهُ نَحْنُ وَهُمْ يَعْتَقِدُونَهُ نِكَاحًا، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا سَرَقُوهُ أَوْ غَصَبُوهُ أَوِ اكْتَسَبُوهُ بِوَجْهٍ يَعْتَقِدُونَ تَحْرِيمَهُ كَالرِّبَا، فَإِنَّهُ حَرَامُ عَلَيْهِمْ بِنَصِّ التَّوْرَاةِ. وَأَمَّا مَا مَنَعَهُ الْخَلِيفَتَانِ فَهُوَ فَرْضُ الْعُشْرِ عَلَى نَفْسِ الْخَمْرِ وَالْخَنَازِيرِ إِذَا اتَّجَرُوا فِيهَا، فَهَذَا غَيْرُ أَخْذِ أَثْمَانِهَا مِنْهُمْ إِذَا كَانَ لَنَا عَلَيْهِمْ ذَلِكَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. فَالْفَرْقُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْمَأْخُوذُ مِنْ جِهَةِ الْخَمْرِ وَالْخَنَازِيرِ وَبَيْنَ أَنْ يَكُونَ مِنْ جِهَةِ الْجِزْيَةِ وَالدَّيْنِ وَالدِّيَةِ وَغَيْرِهَا - ظَاهِرٌ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ. [فصل أَخْذُ الْجِزْيَةِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَحِلُّ ذَبَائِحِهِمْ وَمُنَاكَحَتِهِمْ] ٢٥ - فَصْلٌ. وَأَخْذُ الْجِزْيَةِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَحِلُّ ذَبَائِحِهِمْ وَمُنَاكَحَتِهِمْ مُرَتَّبٌ عَلَى أَدْيَانِهِمْ لَا عَلَى أَنْسَابِهِمْ، فَلَا يُكْشَفُ عَنْ آبَائِهِمْ هَلْ دَخَلُوا فِي الدِّينِ قَبْلَ الْمَبْعَثِ أَوْ بَعْدَهُ، وَلَا قَبْلَ النَّسْخِ وَالتَّبْدِيلِ وَلَا بَعْدَهُ، فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ أَقَرَّهُمْ بِالْجِزْيَةِ وَلَمْ يَشْرُطْ ذَلِكَ، وَأَبَاحَ لَنَا ذَبَائِحَهُمْ وَأَطْعِمَتَهُمْ وَلَمْ يَشْرُطْ ذَلِكَ فِي حِلِّهَا مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ دَخَلَ فِي دِينِهِمْ بَعْدَ تَبْدِيلِهِ وَنَسْخِهِ، وَكَانَتِ الْمَرْأَةُ مِنَ الْأَنْصَارِ تَنْذُرُ إِنْ عَاشَ لَهَا وَلَدٌ أَنْ تُهَوِّدَهُ، فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَامُ أَرَادُوا مَنْعَ أَوْلَادِهِمْ مِنَ الْمُقَامِ عَلَى الْيَهُودِيَّةِ وَإِلْزَامَهُمْ بِالْإِسْلَامِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى:

стр. 109

﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ [البقرة: ٢٥٦] ، فَأَمْسَكُوا عَنْهُمْ. وَمَعْلُومٌ قَطْعًا أَنَّ دُخُولَهُمْ فِي دِينِ الْيَهُودِيَّةِ كَانَ بَعْدَ تَبْدِيلِهِ، وَبَعْدَ مَجِيءِ الْمَسِيحِ وَلَمْ يَسْأَلِ النَّبِيُّ ﷺ أَحَدًا مِمَّنْ أَقَرَّهُ بِالْجِزْيَةِ مَتَى دَخَلَ آبَاؤُهُ فِي الدِّينِ وَلَا مَنْ كَانَ يَأْكُلُ هُوَ وَأَصْحَابُهُ مِنْ ذَبَائِحِهِمْ مِنَ الْيَهُودِ، وَلَا أَحَدٌ مِنْ خُلَفَائِهِ أَلْبَتَّةَ.

стр. 110

وَكَيْفَ يُمْكِنُ الْعِلْمُ بِهَذَا أَوْ يَكُونُ شَرْطًا فِي حِلِّ الْمُنَاكَحَةِ وَالذَّبِيحَةِ وَالْإِقْرَارِ بِالْجِزْيَةِ، وَلَا سَبِيلَ إِلَى الْعِلْمِ بِهِ إِلَّا لِمَنْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا؟ ! وَأَيُّ شَيْءٍ يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنْ آبَائِهِ إِذَا كَانَ هُوَ عَلَى دِينٍ بَاطِلٍ لَا يَقْبَلُهُ اللَّهُ؟ فَسَوَاءٌ كَانَ آبَاؤُهُ كَذَلِكَ أَوْ لَمْ يَكُونُوا. «وَالنَّبِيُّ ﷺ أَخَذَ الْجِزْيَةَ مِنْ يَهُودِ الْيَمَنِ» وَإِنَّمَا دَخَلُوا فِي الْيَهُودِيَّةِ بَعْدَ الْمَسِيحِ فِي زَمَنِ تُبَّعٍ، وَأَخَذَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَخُلَفَاؤُهُ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ نَصَارَى الْعَرَبِ، وَلَمْ يَسْأَلُوا أَحَدًا مِنْهُمْ عَنْ مَبْدَأِ دُخُولِهِ فِي النَّصْرَانِيَّةِ هَلْ كَانَ قَبْلَ الْمَبْعَثِ أَوْ بَعْدَهُ، وَهَلْ كَانَ بَعْدَ النَّسْخِ وَالتَّبْدِيلِ أَمْ لَا؟
следующие страницы →