← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 21747

أحكام أهل الذمة - ط رمادي

ابن القيم

Полный текст (1 326 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

وَثَبَتَ عَنْهُ أَنَّهُ زَارَعَهُمْ وَسَاقَاهُمْ. وَثَبَتَ عَنْهُ أَنَّهُ أَكَلَ مِنْ طَعَامِهِمْ، وَفِي ذَلِكَ كُلِّهِ قَبُولُ قَوْلِهِمْ: إِنَّ ذَلِكَ الشَّيْءَ مِلْكُهُمْ. قَالَ حَنْبَلٌ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ فِي الرَّجُلِ يَجِيئُهُ الذِّمِّيُّ يَشْتَرِي مِنْهُ الْمَتَاعَ، فَيُمَاكِسُهُ مِكَاسًا شَدِيدًا، فَيَبِيعُهُ الْمَتَاعَ، ثُمَّ يَجِيءُ بَعْدَ ذَلِكَ الْمُسْلِمُ فَيَسْتَقْصِي أَيْضًا فِي شِدَّةِ الْمِكَاسِ، فَيَبِيعُهُ أَغْلَى مِمَّا يَبِيعُ الذِّمِّيُّ، وَرُبَّمَا بَاعَ الذِّمِّيُّ أَغْلَى، قَالَ: أَرْجُو أَلَّا يَكُونَ بِهِ بَأْسٌ. [فَصْلٌ فِي شَرِكَتِهِمْ وَمُضَارَبَتِهِمْ] ١٠٧ - فَصْلٌ فِي شَرِكَتِهِمْ وَمُضَارَبَتِهِمْ. قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ شَارَكَهُمْ فِي زَرْعِ خَيْبَرَ وَثَمَرِهَا. قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، وَسُئِلَ عَنِ الرَّجُلِ يُشَارِكُ الْيَهُودِيَّ وَالنَّصْرَانِيَّ، قَالَ: يُشَارِكُهُمْ، وَلَكِنْ يَلِي هُوَ الْبَيْعَ وَالشِّرَاءَ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ يَأْكُلُونَ الرِّبَا وَيَسْتَحِلُّونَ الْأَمْوَالَ ثُمَّ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ [آل عمران: ٧٥] .

стр. 457

وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ هَانِئٍ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ قَالَ فِي شَرِكَةِ الْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ: أَكْرَهُهُ، لَا يُعْجِبُنِي إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُسْلِمُ الَّذِي يَلِي الْبَيْعَ وَالشِّرَاءَ. وَقَالَ الْأَثْرَمُ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَنْ مُشَارَكَةِ الْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ؟ قَالَ: شَارِكْهُمْ وَلَكِنْ لَا يَخْلُو الْيَهُودِيُّ وَالنَّصْرَانِيُّ بِالْمَالِ دُونَهُ، يَكُونُ هُوَ يَلِيهِ ; لِأَنَّهُ يَعْمَلُ بِالرِّبَا. وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ: قِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: قِيلَ لِسُفْيَانَ: مَا تَرَى فِي مُشَارَكَةِ النَّصْرَانِيِّ؟ قَالَ: أَمَّا مَا يَغِيبُ عَنْكَ فَمَا يُعْجِبُنِي. قَالَ أَحْمَدُ: حَسَنٌ. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الْأَعْلَى، ثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ قَالَ: قَالَ إِيَاسُ بْنُ مُعَاوِيَةَ: إِذَا شَارَكَ الْمُسْلِمُ الْيَهُودِيَّ أَوِ النَّصْرَانِيَّ، وَكَانَتِ الدَّرَاهِمُ مَعَ الْمُسْلِمِ فَهُوَ الَّذِي يَتَصَرَّفُ بِهَا فِي الشِّرَاءِ وَالْبَيْعِ، فَلَا بَأْسَ، وَلَا يَدْفَعُهَا إِلَى الْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ يَعْمَلَانِ فِيهَا ; لِأَنَّهُمَا يُرْبِيَانِ.

стр. 458

قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: سَأَلْتُ أَبِي عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ مِثْلَ قَوْلِ إِيَاسٍ. وَقَالَ الْعَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخَلَّالُ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ فِي الْمُسْلِمِ يَدْفَعُ إِلَى الذِّمِّيِّ مَالًا يُشَارِكُهُ، قَالَ: أَمَّا إِذَا كَانَ هُوَ يَلِي ذَلِكَ فَلَا، إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُسْلِمُ يَلِيهِ. وَقَالَ حَنْبَلٌ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: مَا أُحِبُّ مُخَالَطَتَهُ بِسَبَبٍ مِنَ الْأَسْبَابِ فِي الشِّرَاءِ وَالْبَيْعِ، هَذَا لَفْظُهُ. قَالَ الْخَلَّالُ فِي " الْجَامِعِ ": يَعْنِي الْمَجُوسِيَّ ; لِأَنَّ عِصْمَةَ بَيَّنَ ذَلِكَ. أَخْبَرَنَا عِصْمَةُ بْنُ عِصَامٍ، حَدَّثَنَا حَنْبَلٌ أَنَّ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: أَمَّا الْمَجُوسِيُّ

стр. 459

فَمَا أُحِبُّ مُخَالَطَتَهُ وَلَا مُعَامَلَتَهُ. قَالَ الْخَلَّالُ: وَأَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَنْبَلٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي - فِي مَوْضِعٍ آخَرَ، قَالَ: سَأَلْتُ عَمِّيَ - قُلْتُ لَهُ: تَرَى لِلرَّجُلِ أَنْ يُشَارِكَ الْيَهُودِيَّ وَالنَّصْرَانِيَّ؟ قَالَ: لَا بَأْسَ، إِلَّا أَنَّهُ لَا تَكُونُ الْمُعَامَلَةُ فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ إِلَيْهِ، يُشْرِفُ عَلَى ذَلِكَ، وَلَا يَدَعُهُ حَتَّى يَعْلَمَ مُعَامَلَتَهُ وَبَيْعَهُ، فَأَمَّا الْمَجُوسِيُّ فَلَا أُحِبُّ مُخَالَطَتَهُ وَلَا مُعَامَلَتَهُ ; لِأَنَّهُ يَسْتَحِلُّ مَا لَا يَسْتَحِلُّ هَذَا. قَالَ حَنْبَلٌ: وَحَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ قَالَ: سُئِلَ حَمَّادٌ عَنْ مُشَارَكَةِ الْمَجُوسِيِّ قَالَ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ، قِيلَ لَهُ: فَيَدْفَعُ إِلَيْهِ مَالًا مُضَارَبَةً؟ قَالَ: لَا.

стр. 460

قَالَ [عَبْدُ اللَّهِ بْنُ] حَنْبَلٍ قَالَ عَمِّي: لَا يُشَارِكُهُ وَلَا يُضَارِبُهُ. وَقَالَ حَرْبٌ: سَأَلْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ قُلْتُ: مَا قَوْلُكَ فِي شَرِكَةِ الْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ؟ فَكَرِهَهُ وَقَالَ: لَا يُعْجِبُنِي إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُسْلِمُ هُوَ الَّذِي يَلِي الشِّرَاءَ وَالْبَيْعَ. قَالَ حَرْبٌ: وَحَدَّثَنَا أَبُو أُمَيَّةَ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ، حَدَّثَنَا بُكَيْرُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ عَطَاءٌ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ مُشَارَكَةِ الْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ الشِّرَاءُ وَالْبَيْعُ بِيَدِ الْمُسْلِمِ» . وَهَذَا الْحَدِيثُ - عَلَى إِرْسَالِهِ - ضَعِيفُ السَّنَدِ.

стр. 461

وَقَالَ وَكِيعٌ عَنْ لَيْثٍ عَنْ مُجَاهِدٍ وَعَطَاءٍ وَطَاوُسٍ أَنَّهُمْ كَرِهُوا شَرِكَةَ النَّصْرَانِيِّ. وَقَالَ وَكِيعٌ عَنِ الْفَضْلِ بْنِ دَلْهَمٍ عَنِ الْحَسَنِ: لَا يُشَارِكُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا فِي شِرَاءٍ وَلَا بَيْعٍ. وَقَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: لَا أُحِبُّ الرَّجُلَ أَنْ يُشَارِكَ الْمَجُوسِيَّ وَلَا يُعْطِيَهُ مَالَهُ مُضَارَبَةً، وَلَا الْيَهُودِيَّ وَلَا النَّصْرَانِيَّ، وَيَأْخُذُ مِنْهُمَا.

стр. 462

وَقَالَ حَرْبٌ: قُلْتُ لِأَحْمَدَ: رَجُلٌ يَدْفَعُ مَالَهُ مُضَارَبَةً إِلَى الذِّمِّيِّ تَكْرَهُهُ؟ قَالَ: لَا. وَقَالَ وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ رَجُلٍ عَنِ الْحَسَنِ: خُذْ مِنَ الْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ وَلَا تُعْطِهِمَا. قَالَ الْخَلَّالُ: اسْتَقَرَّتِ الرِّوَايَاتُ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بِكَرَاهَةِ شَرِكَةِ الْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ إِلَّا أَنْ يَكُونَ هُوَ يَلِي. وَتَفَرَّدَ حَنْبَلٌ: " مِنَ الْمَجُوسِ خَاصَّةً " فَذَكَرَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْكَرَاهَةَ لَهُ أَلْبَتَّةَ، قَالَ: وَهُمْ أَهْلُ ذَلِكَ ; لِأَنَّهُمْ - كَمَا قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ - يَسْتَحِلُّونَ مَا لَا يَسْتَحِلُّ هَؤُلَاءِ. قَالَ: وَعَلَى هَذَا، الْعَمَلُ مِنْ قَوْلِهِ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ. قُلْتُ: الَّذِينَ كَرِهُوا مُشَارَكَتَهُمْ لَهُمْ مَأْخَذَانِ. أَحَدُهُمَا: اسْتِحْلَالُهُمْ مَا لَا يَسْتَحِلُّهُ الْمُسْلِمُ مِنَ الرِّبَا وَالْعُقُودِ الْفَاسِدَةِ

стр. 463

وَغَيْرِهَا وَعَلَى هَذَا تَزُولُ الْكَرَاهَةُ بِتَوَلِّي الْمُسْلِمِ الْبَيْعَ وَالشِّرَاءَ. وَالثَّانِي: أَنَّ مُشَارَكَتَهُمْ سَبَبٌ لِمُخَالَطَتِهِمْ، وَذَلِكَ يَجُرُّ إِلَى مُوَادَّتِهِمْ وَكَرِهَ الشَّافِعِيُّ مُشَارَكَتَهُمْ مُطْلَقًا. وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّهُ قَالَ: أَكْرَهُ أَنْ يُشَارِكَ الْمُسْلِمُ الْيَهُودِيَّ. وَابْنُ عَبَّاسٍ إِنَّمَا كَرِهَ مُشَارَكَتَهُمْ لِمُعَامَلَتِهِمْ بِالرِّبَا، كَذَلِكَ رَوَاهُ الْأَثْرَمُ وَغَيْرُهُ عَنْهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي جَمْرَةَ عَنْهُ: " لَا يُشَارِكَنَّ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَا مَجُوسِيًّا ; لِأَنَّهُمْ يُرْبُونَ وَالرِّبَا لَا يَحِلُّ ".

стр. 464

وَقَدْ عَلَّلَتْ طَائِفَةٌ كَرَاهَةَ مُشَارَكَتِهِمْ بِأَنَّ كَسْبَهُمْ غَيْرُ طَيِّبٍ، فَإِنَّهُمْ يَبِيعُونَ الْخَمْرَ وَالْخِنْزِيرَ. وَهَذِهِ الْعِلَّةُ لَا تُوجِبُ الْكَرَاهَةَ، فَإِنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ قَالَ: " وَلُّوهُمْ بَيْعَهَا، وَخُذُوا أَثْمَانَهَا ". وَمَا بَاعُوهُ مِنَ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ قَبْلَ مُشَارَكَةِ الْمُسْلِمِ جَازَ لَهُمْ شَرِكَتُهُمْ فِي ثَمَنِهِ، وَثَمَنُهُ حَلَالٌ ; لِاعْتِقَادِهِمْ حِلَّهُ، وَمَا بَاعُوهُ وَاشْتَرَوْهُ بِمَالِ الشَّرِكَةِ فَالْعَقْدُ فِيهِ فَاسِدٌ، فَإِنَّ الشَّرِيكَ وَكِيلٌ وَالْعَقْدُ يَقَعُ لِلْمُوَكَّلِ، وَالْمُسْلِمُ لَا يَثْبُتُ مِلْكُهُ عَلَى الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ. فَرْعٌ. قَالَ مُهَنَّا: سَأَلْتُ أَحْمَدَ عَنْ مُسْلِمٍ وَنَصْرَانِيٍّ لَهُمَا عَلَى رَجُلٍ نَصْرَانِيٍّ مِائَةُ دِرْهَمٍ، فَصَالَحَهُ النَّصْرَانِيُّ مِنْ حِصَّتِهِ عَلَى خِنْزِيرٍ أَوْ عَلَى دَنِّ خَمْرٍ بِالَّذِي

стр. 465

لَهُ عَلَيْهِ؟ قَالَ: يَكُونُ لِلْمُسْلِمِ عَلَى النَّصْرَانِيِّ خَمْسُونَ دِرْهَمًا. فَتَأَمَّلْ هَذَا الْفِقْهَ، كَيْفَ جَعَلَ مَا قَبَضَهُ النَّصْرَانِيُّ مِنَ الْخَمْرِ أَوِ الْخِنْزِيرِ مِنْ حِصَّتِهِ وَحْدَهُ، حَيْثُ لَمْ يَجُزْ لِلْمُسْلِمِ مُشَارَكَتُهُ فِيهِ، وَجَعَلَ الْخَمْسِينَ الْبَاقِيَةَ كُلَّهَا لِلْمُسْلِمِ ; لِأَنَّ الْمُعَاوَضَةَ صَحَّتْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى النَّصْرَانِيِّ وَلَمْ تَصِحَّ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمُسْلِمِ وَهِيَ مُعَاوَضَةٌ مِنْ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ فَصَحَّحَهَا فِي حَقِّهِ دُونَ شَرِيكِهِ. [فَصْلٌ فِي اسْتِئْجَارِهِمْ وَاسْتِئْجَارِ الْمُسْلِمِ نَفْسَهُ مِنْهُمْ] ١٠٨ - فَصْلٌ فِي اسْتِئْجَارِهِمْ وَاسْتِئْجَارِ الْمُسْلِمِ نَفْسَهُ مِنْهُمْ. أَمَّا اسْتِئْجَارُهُمْ فَقَدْ ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ اسْتَأْجَرَ دَلِيلًا يَدُلُّهُ عَلَى طَرِيقِ الْهِجْرَةِ، وَكَانَ مُشْرِكًا فَأَمِنَهُ وَدَفَعَ إِلَيْهِ رَاحِلَتَهُ هُوَ وَالصِّدِّيقُ.

стр. 466

وَأَمَّا إِيجَارُهُمْ نَفْسُهُ فَهِيَ مَسْأَلَةُ تَفْصِيلٍ، وَنَحْنُ نَذْكُرُ نُصُوصَ أَحْمَدَ. قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ وَسَأَلَهُ رَجُلٌ بَنَّاءٌ: أَبْنِي لِلْمَجُوسِ نَاوُوسًا؟ قَالَ: لَا تَبْنِ لَهُمْ، وَلَا تُعِنْهُمْ عَلَى مَا هُمْ فِيهِ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَكَمِ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَنِ الرَّجُلِ الْمُسْلِمِ يَحْفِرُ

стр. 467

لِأَهْلِ الذِّمَّةِ قَبْرًا بِكِرَاءٍ، قَالَ: لَا بَأْسَ بِهِ وَلَيْسَ هَذَا بِاخْتِلَافِ رِوَايَةٍ. قَالَ شَيْخُنَا: وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ النَّاوُوسَ مِنْ خَصَائِصِ دِينِهِمُ الْبَاطِلِ فَهُوَ كَالْكَنِيسَةِ، بِخِلَافِ الْقَبْرِ الْمُطْلَقِ؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي نَفْسِهِ مَعْصِيَةٌ وَلَا مِنْ خَصَائِصِ دِينِهِمْ. وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ: قِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: يُؤَاجِرُ الرَّجُلُ نَفْسَهُ [مِنَ الْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ؟ قَالَ: لَا بَأْسَ نَعَمْ] . [حَدَّثَنَا مُهَنَّا قَالَ: قُلْتُ لِأَحْمَدَ: هَلْ تَكْرَهُ لِلْمُسْلِمِ يُؤَاجِرُ نَفْسَهُ] لِلْمَجُوسِيِّ؟ قَالَ: لَا.

стр. 468

قَالَ: وَسَأَلْتُ أَحْمَدَ قُلْتُ: يُكْرِي الرَّجُلُ نَفْسَهُ لِمَجُوسِيٍّ يَخْدِمُهُ، وَيَذْهَبُ فِي حَوَائِجِهِ؟ قَالَ: لَا بَأْسَ، قُلْتُ لَهُ: فَيَقُولُ لَهُ: " لَبَّيْكَ " إِذَا دَعَاهُ؟ قَالَ: لَا. وَقَدْ قَالَ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ: إِنْ آجَرَ نَفْسَهُ مِنَ الذِّمِّيِّ فِي خِدْمَتِهِ لَمْ يَجُزْ وَإِنْ كَانَ فِي عَمَلِ شَيْءٍ جَازَ. وَقَالَ فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ بْنِ سَعِيدٍ: لَا بَأْسَ أَنْ يُؤَاجِرَ نَفْسَهُ مِنَ الذِّمِّيِّ.

стр. 469

فَهَذِهِ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ عَنْهُ: رِوَايَةٌ مُطْلَقَةٌ بِالْجَوَازِ، وَرِوَايَةٌ مُصَرِّحَةٌ بِالْمَنْعِ فِي الْخِدْمَةِ خَاصَّةً، وَرِوَايَةٌ مُصَرِّحَةٌ بِالْجَوَازِ فِي الْخِدْمَةِ. وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ فِي إِجَارَةِ نَفْسِهِ لَهُ لِلْخِدْمَةِ. وَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُ أَحْمَدَ فِي ذَلِكَ، فَمِنْهُمْ مَنْ مَنَعَ إِجَارَةَ نَفْسِهِ مِنْهُ إِجَارَةَ الْعَيْنِ مُطْلَقًا لِلْخِدْمَةِ وَغَيْرِهَا، وَجَوَّزَ إِجَارَةَ نَفْسِهِ مِنْهُ عَلَى عَمَلٍ فِي الذِّمَّةِ. وَمِنْهُمْ مَنْ مَنَعَ إِجَارَةَ الْخِدْمَةِ خَاصَّةً، وَجَوَّزَ إِجَارَةَ الْعَمَلِ، وَهَذِهِ طَرِيقَةُ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا، وَفَرَّقُوا بَيْنَهُمَا بِأَنَّ إِجَارَةَ الْخِدْمَةِ تَتَضَمَّنُ حَبْسَ نَفْسِهِ عَلَى خِدْمَتِهِ مُدَّةَ الْإِجَارَةِ، وَذَلِكَ فِيهِ نَوْعُ إِذْلَالٍ لِلْمُسْلِمِ وَإِهَانَةٍ لَهُ تَحْتَ يَدِ الْكَافِرِ فَلَمْ يَجُزْ، كَبَيْعِ الْعَبْدِ الْمُسْلِمِ لَهُ. قَالُوا: وَيُحَقِّقُهُ أَنَّ عَقْدَ الْإِجَارَةِ لِلْخِدْمَةِ يَتَعَيَّنُ فِيهِ حَبْسُهُ مُدَّةَ الْإِجَارَةِ وَاسْتِخْدَامُهُ، وَالْبَيْعُ لَا يَتَحَقَّقُ فِيهِ ذَلِكَ، فَإِذَا مُنِعَ مِنْهُ فَالْمَنْعُ مِنَ الْإِجَارَةِ أَوْلَى. قَالُوا: وَلِأَنَّهَا بَيْعُ مَنَافِعِهِ، وَالْمَنَافِعُ تَجْرِي مَجْرَى الْأَعْيَانِ فَلَا يَجُوزُ بَيْعُ رَقَبَتِهِ وَلَا بَعْضِهَا وَلَا مَنَافِعِهِ مِنَ الذِّمِّيِّ. قَالُوا: وَهَذَا بِخِلَافِ الْإِجَارَةِ عَلَى الذِّمَّةِ، فَإِنَّهَا لَمْ تَتَضَمَّنْ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا هِيَ الْتِزَامٌ لِعَمَلٍ مَضْمُونٍ فِي الذِّمَّةِ.

стр. 470

وَتَلْخِيصُ مَذْهَبِهِ: أَنَّ إِجَارَةَ الْمُسْلِمِ نَفْسِهِ لِلذِّمِّيِّ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ: أَحَدُهَا: إِجَارَةٌ عَلَى عَمَلٍ فِي الذِّمَّةِ، فَهَذِهِ جَائِزَةٌ. الثَّانِيَةُ: إِجَارَةٌ لِلْخِدْمَةِ، فَهَذِهِ فِيهَا رِوَايَتَانِ مَنْصُوصَتَانِ أَصَحُّهُمَا الْمَنْعُ مِنْهَا. الثَّالِثَةُ: إِجَارَةُ عَيْنِهِ مِنْهُ لِغَيْرِ الْخِدْمَةِ، فَهَذِهِ جَائِزَةٌ «وَقَدْ آجَرَ عَلِيٌّ ﵁ نَفْسَهُ مِنْ يَهُودِيٍّ يَسْتَقِي لَهُ كُلَّ دَلْوٍ بِتَمْرَةٍ، وَأَكَلَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ ذَلِكَ التَّمْرِ» .

стр. 471

هَذَا كُلُّهُ إِذَا كَانَ الْإِيجَارُ لِعَمَلٍ لَا يَتَضَمَّنُ تَعْظِيمَ دِينِهِمْ وَشَعَائِرِهِ، فَإِنْ كَانَتِ الْإِجَارَةُ عَلَى عَمَلٍ يَتَضَمَّنُ ذَلِكَ لَمْ يَجُزْ، كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ وَقَدْ سَأَلَهُ رَجُلٌ بَنَّاءٌ: أَبْنِي نَاوُوسًا لِلْمَجُوسِ؟ فَقَالَ: لَا تَبْنِ لَهُمْ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي " كِتَابِ الْجِزْيَةِ " مِنَ " الْأُمِّ ": وَأَكْرَهُ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَعْمَلَ بِنَاءً أَوْ نِجَارَةً أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ فِي كَنَائِسِهِمُ الَّتِي لِصَلَاتِهِمْ. وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ الْآمِدِيُّ: لَا يَجُوزُ أَنْ يُؤَجِّرَ نَفْسَهُ لِعَمَلِ نَاوُوسٍ وَنَحْوِهِ، رِوَايَةً وَاحِدَةً. فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ قَالَ الْخَلَّالُ: أَخْبَرَنِي أَبُو نَصْرٍ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ

стр. 472

مَيْمُونٍ الْعِجْلِيُّ قَالَ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ فِيمَنْ حَمَلَ خَمْرًا أَوْ خِنْزِيرًا أَوْ مَيْتَةً لِنَصَارَى: يُكْرَهُ أَكْلُ كِرَائِهِ، وَلَكِنَّهُ يَقْضِي لِلْحَمَّالِ بِالْكِرَاءِ، وَإِذَا كَانَ لِلْمُسْلِمِ فَهُوَ أَشَدُّ كَرَاهِيَةً. قِيلَ: اخْتَلَفَ الْأَصْحَابُ فِي هَذَا النَّصِّ عَلَى ثَلَاثِ طُرُقٍ: إِحْدَاهَا: إِجْرَاؤُهُ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَأَنَّ الْمَسْأَلَةَ رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ. قَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى فِي " الْإِرْشَادِ ": وَكَرِهَ أَحْمَدُ أَنْ يُؤَجِّرَ الْمُسْلِمُ نَفْسَهُ لِحَمْلِ مَيْتَةٍ أَوْ خِنْزِيرٍ لِنَصْرَانِيٍّ، فَإِنْ فَعَلَ قُضِيَ لَهُ بِالْكِرَاءِ، وَإِنْ أَجَّرَ نَفْسَهُ لِحَمْلِ مُحَرَّمٍ لِمُسْلِمٍ كَانْتِ الْكَرَاهِيَةُ أَشَدَّ، وَيَأْخُذُ الْكِرَاءَ، وَهَلْ يَطِيبُ لَهُ عَلَى وَجْهَيْنِ أَوْجَهُهُمَا أَنَّهُ لَا يَطِيبُ لَهُ، وَلْيَتَصَدَّقْ بِهِ. وَهَكَذَا ذَكَرَ أَبُو الْحَسَنِ الْآمِدِيُّ قَالَ: إِذَا آجَرَ نَفْسَهُ مِنْ رَجُلٍ فِي حَمْلِ خَمْرٍ أَوْ خِنْزِيرٍ أَوْ مَيْتَةٍ كُرِهَ؛ نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، وَهَذِهِ كَرَاهَةُ تَحْرِيمٍ ; لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَعَنَ حَامِلَهَا. إِذَا ثَبَتَ هَذَا فَيُقْضَى لَهُ بِالْكِرَاءِ، وَغَيْرُ مُمْتَنِعٍ أَنْ يُقْضَى لَهُ بِالْكِرَاءِ وَإِنْ كَانَ مُحَرَّمًا كَإِجَارَةِ الْحَجَّامِ، فَقَدْ صَرَّحَ هَؤُلَاءِ بِأَنَّهُ يَسْتَحِقُّ الْأُجْرَةَ مَعَ كَوْنِهَا مُحَرَّمَةً عَلَيْهِ عَلَى الصَّحِيحِ. الطَّرِيقَةُ الثَّانِيَةُ: تَأْوِيلُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ بِمَا يُخَالِفُ ظَاهِرَهَا، وَجَعْلُ الْمَسْأَلَةِ رِوَايَةً وَاحِدَةً: أَنَّ هَذِهِ الْإِجَارَةَ لَا تَصِحُّ وَهِيَ طَرِيقَةٌ ضَعِيفَةٌ، فَإِنَّهُ صَنَّفَ

стр. 473

" الْمُجَرَّدَ " قَدِيمًا، وَرَجَعَ عَنْ كَثِيرٍ مِنْهُ فِي كُتُبِهِ الْمُتَأَخِّرَةِ. الطَّرِيقَةُ الثَّالِثَةُ: تُخَرَّجُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ عَلَى رِوَايَتَيْنِ: إِحْدَاهُمَا: أَنَّ هَذِهِ الْإِجَارَةَ صَحِيحَةٌ يَسْتَحِقُّ بِهَا الْأُجْرَةَ مَعَ الْكَرَاهَةِ لِلْفِعْلِ وَالْأُجْرَةِ. وَالثَّانِيَةُ: لَا تَصِحُّ الْإِجَارَةُ، وَلَا يَسْتَحِقُّ بِهَا أُجْرَةً وَإِنْ حَمَلَهَا. وَقَدْ قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: سُئِلَ الْأَوْزَاعِيُّ عَنِ الرَّجُلِ يُؤَجَّرُ لِنِطَارَةِ كَرْمِ النَّصْرَانِيِّ، فَكَرِهَ ذَلِكَ. فَقَالَ أَحْمَدُ: مَا أَحْسَنَ مَا قَالَ؛ لِأَنَّ أَصْلَ ذَلِكَ يَرْجِعُ إِلَى الْخَمْرِ إِلَّا أَنْ يُعْلَمَ أَنَّهُ يُبَاعُ لِغَيْرِ الْخَمْرِ فَلَا بَأْسَ. هَذَا لَفْظُهُ، فَقَدْ مَنَعَ مَرَّةً إِجَارَةَ نَفْسِهِ لِحِفْظِ الْكَرْمِ الَّذِي يُتَّخَذُ لِلْخَمْرِ، فَأَوْلَى أَنْ يُمْنَعَ مِنْ إِجَارَةِ نَفْسِهِ عَلَى حَمْلِ الْخَمْرِ. وَهَذِهِ طَرِيقَةُ الْقَاضِي فِي التَّعْلِيقِ، وَطَرِيقَةُ أَصْحَابِهِ. وَهَذَا قِيَاسُ مَذْهَبِ أَحْمَدَ وَنُصُوصِهِ فِي الْخَمْرِ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إِمْسَاكُهَا، وَيَجِبُ إِرَاقَتُهَا.

стр. 474

وَقَدْ قَالَ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ: إِذَا أَسْلَمَ وَلَهُ خَمْرٌ أَوْ خِنْزِيرٌ يَصُبُّ الْخَمْرَ وَيُسَرِّحُ الْخِنْزِيرَ قَدْ حُرِّمَا عَلَيْهِ، وَإِنْ قَتَلَهَا فَلَا بَأْسَ، فَقَدْ نَصَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إِمْسَاكُهَا، وَفِي حَمْلِهَا إِمْسَاكٌ لَهَا. وَقَدْ لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَامِلَهَا، فَكَيْفَ تَصِحُّ الْإِجَارَةُ عَلَى حَمْلِهَا؟ وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ.

стр. 475

هَذَا كُلُّهُ فِيمَا إِذَا اسْتَأْجَرَ الْخَمْرَ وَالْمَيْتَةَ، حَيْثُ لَا يَجُوزُ إِقْرَارُهَا. أَمَّا إِنِ اسْتَأْجَرَهُ لِحَمْلِهَا لِلْإِرَاقَةِ أَوِ الْإِلْقَاءِ فِي الصَّحْرَاءِ، فَإِنَّهُ تَجُوزُ الْإِجَارَةُ عَلَى ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ عَمَلٌ مُبَاحٌ لَكِنْ إِنْ كَانَتِ الْأُجْرَةُ لِجِلْدِ الْمَيْتَةِ لَمْ تَصِحَّ، وَاسْتَحَقَّ أُجْرَةَ الْمِثْلِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ سَلَخَ الْجِلْدَ وَأَخَذَهُ رَدَّهُ عَلَى صَاحِبِهِ وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ. قَالَ شَيْخُنَا: وَالْأَشْبَهُ طَرِيقَةُ ابْنِ أَبِي مُوسَى، فَإِنَّهَا أَقْرَبُ إِلَى مَقْصُودِ أَحْمَدَ، وَأَقْرَبُ إِلَى الْقِيَاسِ، وَذَلِكَ " «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَعَنَ عَاصِرَ الْخَمْرِ وَمُعْتَصِرَهَا وَحَامِلَهَا وَالْمَحْمُولَةَ إِلَيْهِ» "، فَالْعَاصِرُ وَالْحَامِلُ قَدْ عَاوَضَا عَلَى مَنْفَعَةٍ تَسْتَحِقُّ الْعِوَضَ وَلَيْسَتْ مُحَرَّمَةً فِي نَفْسِهَا، وَإِنَّمَا حُرِّمَتْ بِقَصْدِ الْمُعْتَصِرِ وَالْمُسْتَحْمِلِ، فَهُوَ كَمَا لَوْ بَاعَ عِنَبًا أَوْ عَصِيرًا لِمَنْ يَتَّخِذُهُ خَمْرًا، وَفَاتَ الْعَصِيرَ وَالْعِنَبَ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي، فَإِنَّ مَالَ الْبَائِعِ لَا يَذْهَبُ مَجَّانًا، بَلْ يَقْضِي لَهُ بِعِوَضِهِ، كَذَلِكَ هَاهُنَا الْمَنْفَعَةُ الَّتِي وَفَّاهَا الْمُؤَجِّرُ لَا تَذْهَبُ مَجَّانًا، بَلْ يُعْطَى بَدَلَهَا، فَإِنَّ تَحْرِيمَ الِانْتِفَاعِ بِهَا إِنَّمَا كَانَ مِنْ جِهَةِ الْمُسْتَأْجِرِ، لَا مِنْ جِهَتِهِ. ثُمَّ نَحْنُ نُحَرِّمُ الْإِجَارَةَ عَلَيْهِ لِحَقِّ اللَّهِ سُبْحَانَهُ، لَا لِحَقِّ الْمُسْتَأْجِرِ وَالْمُشْتَرِي، بِخِلَافِ مَنِ اسْتُؤْجِرَ لِلزِّنَا أَوِ التَّلَوُّطِ أَوِ السَّرِقَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَإِنَّ نَفْسَ هَذَا الْفِعْلِ مُحَرَّمٌ فِي نَفْسِهِ، فَهُوَ كَمَا لَوْ بَاعَهُ مَيْتَةً أَوْ خَمْرًا أَوْ خِنْزِيرًا، فَإِنَّهُ لَا يُقْضَى لَهُ بِثَمَنِهَا ; لِأَنَّ نَفْسَ هَذِهِ الْعَيْنِ مُحَرَّمَةٌ. وَمِثْلُ هَذِهِ الْإِجَارَةِ وَالْجَعَالَةِ لَا تُوصَفُ بِالصِّحَّةِ مُطْلَقًا، وَلَا بِالْفَسَادِ

стр. 476

مُطْلَقًا بَلْ يُقَالُ: هِيَ صَحِيحَةٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمُسْتَأْجِرِ، بِمَعْنَى أَنَّهُ تَجِبُ عَلَيْهِ الْأُجْرَةُ وَالْجُعْلُ، فَاسِدَةٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْآجِرِ، يَعْنِي أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ الِانْتِفَاعُ بِالْمَالِ وَلِهَذَا فِي الشَّرِيعَةِ نَظَائِرُ. وَنَصُّ أَحْمَدَ عَلَى كَرَاهَةِ نِطَارَةِ كَرْمِ النَّصْرَانِيِّ لَا يُنَافِي هَذَا، فَإِنَّا نَنْهَاهُ عَنْ هَذَا الْفِعْلِ وَعَنْ ثَمَنِهِ، ثُمَّ نَقْضِي لَهُ بِكِرَائِهِ، وَلَوْ لَمْ يَفْعَلْ هَذَا لَكَانَ فِيهِ مَنْفَعَةٌ عَظِيمَةٌ، وَإِعَانَةٌ لِلْعُصَاةِ، فَإِنَّ مَنِ اسْتَأْجَرُوهُ عَلَى عَمَلٍ يَسْتَعِينُونَ بِهِ عَلَى الْمَعْصِيَةِ قَدْ حَصَّلُوا غَرَضَهُمْ مِنْهُ، ثُمَّ لَا يُعْطُونَهُ شَيْئًا، وَإِذَا أَخَذَ مِنْهُمُ الْعِوَضَ يُنْزَعُ مِنْهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَيْهِمْ هَنِيئًا مُوَفَّرًا. فَإِنْ قِيلَ: فَمَا تَقُولُونَ فِيمَنْ سَلَّمَ إِلَيْهِمُ الْمَنْفَعَةَ الْمُحَرَّمَةَ الَّتِي اسْتَأْجَرُوهُ عَلَيْهَا كَالْغِنَاءِ وَالنَّوْحِ وَالزِّنَا وَاللِّوَاطِ؟ قِيلَ: إِنْ كَانَ لَمْ يَقْبِضْ مِنْهُمُ الْعِوَضَ لَمْ يُقْضَ لَهُ بِهِ، بِاتِّفَاقِ الْأُمَّةِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ قُبِضَ لَهُ لَمْ يَطِبْ لَهُ أَكْلُهُ وَلَمْ يَمْلِكْهُ بِذَلِكَ، وَالْجُمْهُورُ يَقُولُونَ: يَرُدُّهُ عَلَيْهِمْ لِأَنَّهُ قَبَضَهُ قَبْضًا فَاسِدًا، وَهَذَا فِيهِ رِوَايَتَانِ مَنْصُوصَتَانِ عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ: إِحْدَاهُمَا: أَنَّهُ يَرُدُّهُ عَلَيْهِمْ. وَالثَّانِيَةُ: لَا يَأْكُلُهُ وَلَا يَرُدُّهُ، بَلْ يَتَصَدَّقُ بِهِ. قَالَ شَيْخُنَا: وَأَصَحُّ الرِّوَايَتَيْنِ أَنَّهُ لَا يَرُدُّهُ عَلَيْهِ، وَلَا يُبَاحُ لِلْأَخْذِ، وَيُصْرَفُ فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي أُجْرَةِ حَمَّالِ الْخَمْرِ. وَمَنْ ظَنَّ أَنَّهَا تُرَدُّ عَلَى الْبَاذِلِ الْمُسْتَأْجِرِ ; لِأَنَّهَا مَقْبُوضَةٌ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ، فَيَجِبُ رَدُّهَا عَلَيْهِ كَالْمَقْبُوضِ بِعَقْدِ الرِّبَا وَنَحْوِهِ مِنَ الْعُقُودِ الْفَاسِدَةِ، قِيلَ لَهُ:

стр. 477

الْمَقْبُوضُ بِالْعَقْدِ الْفَاسِدِ يَجِبُ فِيهِ التَّرَادُّ مِنَ الْجَانِبَيْنِ، فَيَرُدُّ كُلٌّ مِنْهُمَا عَلَى الْآخَرِ مَا قَبَضَهُ مِنْهُ كَمَا فِي عُقُودِ الرِّبَا، وَهَذَا عِنْدَ مَنْ يَقُولُ: الْمَقْبُوضُ بِالْعَقْدِ الْفَاسِدِ لَا يُمَلَّكُ، فَأَمَّا إِذَا تَلِفَ الْمُعَوَّضُ عِنْدَ الْقَابِضِ وَتَعَذَّرَ رَدُّهُ فَلَا يُقْضَى لَهُ بِالْعِوَضِ الَّذِي بَذَلَهُ، وَيُجْمَعُ لَهُ بَيْنَ الْعِوَضِ وَالْمُعَوَّضِ، فَإِنَّ الزَّانِيَ وَاللَّائِطَ وَمُسْتَمِعَ الْغِنَاءِ وَالنَّوْحِ قَدْ بَذَلُوا هَذَا الْمَالَ عَنْ طِيبِ نُفُوسِهِمْ، وَاسْتَوْفَوْا عِوَضَهُ الْمُحَرَّمَ، وَلَيْسَ التَّحْرِيمُ الَّذِي فِيهِ لِحَقِّهِمْ، وَإِنَّمَا هُوَ لِحَقِّ اللَّهِ، وَقَدْ فَاتَتْ هَذِهِ الْمَنْفَعَةُ بِالْقَبْضِ، وَالْأُصُولُ تَقْتَضِي أَنَّهُ إِذَا رَدَّ أَحَدَ الْعِوَضَيْنِ يَرُدُّ الْآخَرَ، فَإِذَا تَعَذَّرَ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ رَدُّ الْمَنْفَعَةِ لَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ الْمَالَ الَّذِي بَذَلَهُ فِي اسْتِيفَائِهَا. وَأَيْضًا فَإِنَّ هَذَا الَّذِي اسْتُوفِيَتْ مَنْفَعَتُهُ عَلَيْهِ ضَرَرٌ فِي أَخْذِ مَنْفَعَتِهِ وَعِوَضِهَا جَمِيعًا، بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَ الْعِوَضُ خِنْزِيرًا أَوْ مَيْتَةً فَإِنَّ ذَلِكَ لَا ضَرَرَ عَلَيْهِ فِي فَوَاتِهِ، فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ بَاقِيًا أَتْلَفْنَاهُ عَلَيْهِ، وَمَنْفَعَةُ الْغَنَاءِ وَالنَّوْحِ لَوْ لَمْ تَفُتْ لَتَوَفَّرَتْ عَلَيْهِ، بِحَيْثُ يَتَمَكَّنُ مِنْ صَرْفِهَا فِي أَمْرٍ آخَرَ، أَعْنِي الْقُوَّةَ الَّتِي عَمِلَ بِهَا. فَإِنْ قِيلَ: فَيَلْزَمُكُمْ عَلَى هَذَا أَنْ تَقْضُوا لَهُ بِهَا إِذَا طَالَبَ بِقَبْضِهَا، قِيلَ: نَحْنُ لَا نَأْمُرُ بِدَفْعِهَا وَلَا بِرَدِّهَا، كَعُقُودِ الْكُفَّارِ الْمُحَرَّمَةِ، فَإِنَّهُمْ إِذَا أَسْلَمُوا قَبْلَ الْقَبْضِ لَمْ نَحْكُمْ بِالرَّدِّ، لَكِنَّ الْمُسْلِمَ تَحْرُمُ عَلَيْهِ هَذِهِ الْأُجْرَةُ ; لِأَنَّهُ كَانَ مُعْتَقِدًا لِتَحْرِيمِهَا بِخِلَافِ الْكَافِرِ، فَإِذَا طَلَبَ الْأُجْرَةَ قُلْنَا لَهُ: أَنْتَ فَرَّطْتَ حَيْثُ صَرَفْتَ قُوَّتَكَ فِي عَمَلٍ مُحَرَّمٍ، فَلَا يُقْضَى لَهُ بِالْأُجْرَةِ، فَإِذَا قَبَضَهَا ثُمَّ قَالَ الدَّافِعُ: هَذَا الْمَالُ اقْضُوا لِي بِرَدِّهِ، فَإِنَّهُ قَبَضَ مِنِّي بَاطِلًا، قُلْنَا لَهُ: أَنْتَ دَفَعْتَهُ بِمُعَاوَضَةٍ رَضِيتَ بِهَا، فَإِذَا طَلَبْتَ اسْتِرْجَاعَ مَا أُخِذَ مِنْكَ فَارْدُدْ إِلَيْهِ مَا أَخَذْتَهُ مِنْهُ، فَإِنَّ فِي بَقَائِهِ مَعَهُ مَنْفَعَةً لَهُ.

стр. 478

فَإِنْ قَالَ: قَدْ تَعَذَّرَ رَدُّ الْمَنْفَعَةِ الَّتِي اسْتَوْفَيْتُهَا مِنْهُ، قِيلَ لَهُ: فَلَا يُجْمَعُ لَكَ بَيْنَ مَا اسْتَمْتَعْتَ بِهِ مِنْ مَنْفَعَتِهِ وَبَيْنَ الْعِوَضِ الَّذِي بَذَلْتَهُ فِيهَا. فَإِنْ قَالَ: أَنَا بَذَلْتُ مَا لَا يَجُوزُ بَذْلُهُ، وَهُوَ أَخَذَ مَا لَا يَجُوزُ أَخْذُهُ، قِيلَ: وَهُوَ بَذَلَ لَكَ مِنْ مَنْفَعَتِهِ مَا لَا يَجُوزُ لَهُ بَذْلُهُ، وَاسْتَوْفَيْتَ أَنْتَ مَا لَا يَجُوزُ اسْتِيفَاؤُهُ، فَكِلَاكُمَا سَوَاءٌ فَمَا الْمُوجِبُ لِرُجُوعِكَ عَلَيْهِ، وَلَا يَفُوتُ عَلَيْكَ شَيْءٌ، وَتَفُوتُ الْمَنْفَعَةُ عَلَيْهِ، وَكِلَاكُمَا رَاضٍ بِمَا بَذَلَ مُسْتَوْفٍ لِعِوَضِهِ؟ فَإِنْ قَالَ: مَا بَذَلْتُهُ أَنَا عَيْنٌ يُمْكِنُ الرُّجُوعُ فِيهَا فَيَجِبُ، وَمَا بَذَلَهُ مَنْفَعَةٌ لَا يُمْكِنُ الرُّجُوعُ فِيهَا، إِذَا أَمْكَنَ الرُّجُوعُ فِي مُعَوَّضِهَا الَّذِي بَذَلْتُ فِي مُقَابَلَتِهِ، أَوْ إِذَا لَمْ يُمْكِنْ: الْأَوَّلُ مُسَلَّمٌ، وَالثَّانِي هُوَ مَحَلُّ النِّزَاعِ، فَكَيْفَ يُجْعَلُ مُقَدِّمَتَهُ مِنْ مُقَدِّمَاتِ الدَّلِيلِ؟ وَقِيَاسُهُ عَلَى الْمَقْبُوضِ عِوَضًا عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ لَا يَصِحُّ كَمَا عُرِفَ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا. عَلَى أَنَا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ مُشْتَرِيَ الْخَمْرِ إِذَا قَبَضَ ثَمَنَهَا وَشَرِبَهَا ثُمَّ طَلَبَ أَنْ يُعَادَ إِلَيْهِ الْمَالُ أَنْ يَقْضِيَ لَهُ بِهِ، بَلِ الْأَوْجَهُ أَلَّا يَرُدَّ إِلَيْهِ الثَّمَنَ، وَلَا يُبَاحُ لِلْبَائِعِ أَيْضًا لَاسِيَّمَا وَنَحْنُ نُعَاقِبُ الْخَمَّارَ يَبِيعُ الْخَمْرَ بِأَنْ يُحْرَقَ الْحَانُوتُ الَّتِي يُبَاعُ فِيهَا: نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ مِنَ الْعُلَمَاءِ، فَإِنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ حَرَقَ حَانُوتًا يُبَاعُ فِيهَا الْخَمْرُ، وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ حَرَقَ قَرْيَةً يُبَاعُ فِيهَا الْخَمْرُ. وَهَذَا عَلَى أَصْلِ مَنْ يَرَى جَوَازَ الْعُقُوبَاتِ الْمَالِيَّةِ أَطْرَدُ، فَإِنَّهُ إِذَا جَازَ عُقُوبَتُهُ بِمَالٍ يُنْزَعُ مِنْهُ يُفْسِدُهُ عَلَيْهِ وَيَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ، فَأَنْ لَا يُقْضَى لَهُ بِمَالٍ أَخْرَجَهُ فِي الْمَعْصِيَةِ وَيُمْنَعُ مِنِ اسْتِرْجَاعِهِ أَوْلَى وَأَحْرَى، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.

стр. 479

[فَصْلٌ إِجَارَةُ دَارِ الْمُسْلِمِ لِأَهْلِ الذِّمَّةِ] ١٠٩ - فَصْلٌ [إِجَارَةُ دَارِ الْمُسْلِمِ لِأَهْلِ الذِّمَّةِ] فَهَذَا حُكْمُ إِجَارَةِ نَفْسِهِ لَهُمْ، وَأَمَّا إِجَارَةُ دَارِهِ لِأَهْلِ الذِّمَّةِ فَقَالَ الْخَلَّالُ: (بَابُ الرَّجُلِ يُؤَاجِرُ دَارَهُ لِلذِّمِّيِّ أَوْ يَبِيعُهَا مِنْهُ) ثُمَّ ذَكَرَ عَنِ الْمَرُّوذِيِّ أَنَّ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ بَاعَ دَارَهُ مِنْ ذِمِّيٍّ وَفِيهَا مَحَارِيبُ؟ فَاسْتَعْظَمَ ذَلِكَ، وَقَالَ نَصْرَانِيٌّ؟ ! ! لَا تُبَاعُ، يَضْرَبُ فِيهَا النَّاقُوسُ وَيُنْصَبُ فِيهَا الصُّلْبَانُ! وَقَالَ: لَا تُبَاعُ مِنَ الْكَافِرِ، وَشَدَّدَ فِي ذَلِكَ. وَعَنْ أَبِي الْحَارِثِ أَنَّ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ سُئِلَ عَنِ الرَّجُلِ يَبِيعُ دَارَهُ، وَقَدْ جَاءَهُ نَصْرَانِيٌّ فَأَرْغَبَهُ وَزَادَهُ فِي ثَمَنِ الدَّارِ، تَرَى أَنْ يَبِيعَ مِنْهُ وَهُوَ نَصْرَانِيٌّ أَوْ يَهُودِيٌّ أَوْ مَجُوسِيٌّ؟ قَالَ: لَا أَرَى لَهُ ذَلِكَ يَبِيعُ دَارَهُ مِنْ كَافِرٍ يَكْفُرُ فِيهَا، يَبِيعُهَا مِنْ مُسْلِمٍ أَحَبُّ إِلَيَّ، فَهَذَا نَصٌّ عَلَى الْمَنْعِ.

стр. 480

وَنَقَلَ عَنْهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَارِثِ: قِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: الرَّجُلُ يُكْرِي مَنْزِلَهُ مِنَ الذِّمِّيِّ، يَنْزِلُ فِيهِ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَشْرَبُ فِيهِ الْخَمْرَ وَيُشْرِكُ فِيهِ؟ فَقَالَ: ابْنُ عَوْنٍ كَانَ لَا يُكْرِي إِلَّا مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ، يَقُولُ: يُرْعِبُهُمْ، قِيلَ لَهُ: كَأَنَّهُ أَرَادَ إِذْلَالَ أَهْلِ الذِّمَّةِ بِهَذَا؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنَّهُ أَرَادَ أَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يُرْعِبَ الْمُسْلِمِينَ، يَقُولُ: إِذَا جِئْتُهُ أَطْلُبُ الْكِرَاءَ مِنَ الْمُسْلِمِ أَرْعَبْتُهُ، فَإِذَا كَانَ ذِمِّيًّا كَانَ أَهْوَنَ عِنْدَهُ، وَجَعَلَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ يَعْجَبُ مِنِ ابْنِ عَوْنٍ فِيمَا رَأَيْتُ.

стр. 481

وَهَكَذَا نَقَلَ الْأَثْرَمُ سَوَاءً، وَلَفْظُهُ: " قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ "، وَمَسَائِلُ الْأَثْرَمِ وَإِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ يَشْتَرِكَانِ فِيهَا غَالِبًا. وَنَقَلَ عَنْهُ مُهَنَّا: سَأَلْتُ أَحْمَدَ عَنِ الرَّجُلِ يُكْرِي الْمَجُوسِيَّ دَارَهُ أَوْ دُكَّانَهُ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُمْ يُرْبُونَ؟ فَقَالَ: كَانَ ابْنُ عَوْنٍ لَا يَرَى أَنْ يُكْرِيَ الْمُسْلِمَ، وَيَقُولَ: أُرْعِبُهُمْ فِي أَخْذِ الْغَلَّةِ، وَكَانَ يَرَى أَنْ يُكْرِيَ غَيْرَ الْمُسْلِمِينَ. قَالَ الْخَلَّالُ: كُلُّ مَنْ حَكَى عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ فِي الرَّجُلِ يُكْرِي دَارَهُ مِنْ ذِمِّيٍّ فَإِنَّمَا أَجَابَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عَلَى فِعْلِ ابْنِ عَوْنٍ، وَلَمْ يُنْقَلْ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ فِيهِ قَوْلٌ، وَقَدْ حَكَى عَنْهُ إِبْرَاهِيمُ أَنَّهُ رَآهُ مُعْجَبًا بِقَوْلِ ابْنِ عَوْنٍ وَالَّذِينَ رَوَوْا عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ فِي الْمُسْلِمِ يَبِيعُ دَارَهُ مِنَ الذِّمِّيِّ أَنَّهُ كَرِهَ ذَلِكَ كَرَاهِيَةً شَدِيدَةً، فَلَوْ نُقِلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ فِي السُّكْنَى كَانَ السُّكْنَى وَالْبَيْعُ عِنْدِي وَاحِدًا.

стр. 482

وَالْأَمْرُ فِي ظَاهِرِ قَوْلِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ لَا يُبَاعُ مِنْهُ ; لِأَنَّهُ يَكْفُرُ فِيهَا وَيَنْصِبُ الصُّلْبَانَ وَغَيْرَ ذَلِكَ. وَالْأَمْرُ عِنْدِي أَلَّا يُبَاعَ مِنْهُ وَلَا يُكْرَى لِأَنَّهُ مَعْنًى وَاحِدٌ. قَالَ: وَقَدْ أَخْبَرَنِي أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ حَسَّانَ قَالَ: سُئِلَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عَنْ حُصَيْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، فَقَالَ: رَوَى عَنْهُ حَفْصٌ لَا أَعْرِفُهُ. قَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ: هَذَا مِنَ النُّسَّاكِ.

стр. 483

حَدَّثَنِي أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ: سَمِعْتُ أَبَا خَالِدٍ الْأَحْمَرَ يَقُولُ: حَفْصٌ هَذَا نَفْسُهُ بَاعَ دَارَ حُصَيْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَابِدِ أَهْلِ الْكُوفَةِ مِنْ عَوْنٍ الْبَصْرِيِّ! فَقَالَ لَهُ أَحْمَدُ: حَفْصٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَعَجِبَ أَحْمَدُ مِنْ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ. قَالَ الْخَلَّالُ: وَهَذَا أَيْضًا تَقْوِيَةٌ لِمَذْهَبِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ [فَعَلَى هَذَا الْعَمَلِ مِنْ قَوْلِهِ: أَنَّهُ عَلَى الْكَرَاهِيَةِ فِي الْجَمِيعِ] قَالَ شَيْخُنَا: وَعَوْنٌ هَذَا كَانَ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ أَوْ مِنَ الْفُسَّاقِ بِالْعَمَلِ، فَأَنْكَرَ أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ عَلَى حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ قَاضِي الْكُوفَةِ أَنَّهُ بَاعَ دَارَ الرَّجُلِ الصَّالِحِ مِنْ مُبْتَدِعٍ، وَعَجِبَ أَحْمَدُ مِنْ فِعْلِ الْقَاضِي.

стр. 484

قَالَ الْخَلَّالُ: وَإِذَا كَانَ يُكْرَهُ بَيْعُهَا مِنْ فَاسِقٍ فَكَذَلِكَ مِنْ كَافِرٍ، وَإِنْ كَانَ الذِّمِّيُّ يُقَرُّ وَالْفَاسِقُ لَا يُقَرُّ لَكِنْ مَا يَفْعَلُهُ الْكَافِرُ فِيهَا أَعْظَمُ، وَهَكَذَا ذَكَرَ الْقَاضِي عَنْ أَبِي بَكْرٍ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَقَدْ ذَكَرَ قَوْلَ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ أَبِي الْحَارِثِ: لَا أَرَى أَنْ يَبِيعَ دَارَهُ مِنْ كَافِرٍ يَكْفُرُ بِاللَّهِ فِيهَا، يَبِيعُهَا مِنْ مُسْلِمٍ أَحَبُّ إِلَيَّ. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا فَرْقَ بَيْنَ الْإِجَارَةِ وَالْبَيْعِ عِنْدَهُ فَإِذَا أَجَازَ الْبَيْعَ أَجَازَ الْإِجَارَةَ، وَإِذَا مَنَعَ الْبَيْعَ مَنَعَ الْإِجَارَةَ، وَوَافَقَهُ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ عَلَى ذَلِكَ. قَالَ شَيْخُنَا: وَتَلْخِيصُ الْكَلَامِ فِي ذَلِكَ: أَمَّا بَيْعُ دَارِهِ مِنْ كَافِرٍ فَقَدْ ذَكَرْنَا مَنْعَ أَحْمَدَ مِنْهُ ثُمَّ اخْتَلَفَ أَصْحَابُهُ فِي ذَلِكَ هَلْ هَذَا تَنْزِيهٌ أَوْ تَحْرِيمٌ؟ فَقَالَ الشَّرِيفُ أَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي مُوسَى: كَرِهَ أَحْمَدُ أَنْ يَبِيعَ مُسْلِمٌ دَارَهُ مِنْ ذِمِّيٍّ يَكْفُرُ فِيهَا بِاللَّهِ تَعَالَى، وَيَسْتَبِيحُ الْمَحْظُورَاتِ، فَإِنْ فَعَلَ أَسَاءَ وَلَمْ يَبْطُلِ الْبَيْعُ. وَكَذَلِكَ أَبُو الْحَسَنِ الْآمِدِيُّ أَطْلَقَ الْكَرَاهَةَ مُقْتَصِرًا عَلَيْهَا. وَأَمَّا الْخَلَّالُ وَصَاحِبُهُ وَالْقَاضِي فَمُقْتَضَى كَلَامِهِمْ تَحْرِيمُ ذَلِكَ، وَصَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي فَقَالَ: لَا يَجُوزُ أَنْ يُؤَاجِرَ دَارَهُ أَوْ بَيْتَهُ مِمَّنْ يَتَّخِذُهُ كَنِيسَةً أَوْ بَيْتَ نَارٍ، أَوْ يَبِيعُ فِيهِ الْخَمْرَ، سَوَاءٌ شَرَطَ أَنَّهُ يَبِيعُ فِيهِ الْخَمْرَ أَمْ لَمْ يَشْرُطْ،

стр. 485

لَكِنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَبِيعُ فِيهِ الْخَمْرَ، وَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ أَبِي الْحَارِثِ: لَا أَرَى أَنْ يَبِيعَ دَارَهُ مِنْ كَافِرٍ يَكْفُرُ فِيهَا بِاللَّهِ " إِلَى آخِرِ كَلَامِهِ. قَالَ الْقَاضِي: وَقَالَ أَحْمَدُ أَيْضًا فِي نَصَارَى وَقَفُوا ضَيْعَةً لَهُمُ الْبِيعَةُ: لَا يَسْتَأْجِرُهَا الرَّجُلُ الْمُسْلِمُ مِنْهُمْ يُعِينُهُمْ عَلَى مَا هُمْ فِيهِ، قَالَ: وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ. ثُمَّ قَالَ الْقَاضِي: فَإِنْ قِيلَ: أَلَيْسَ قَدْ أَجَازَ أَحْمَدُ إِجَارَتَهَا مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ مَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّهُمْ يَفْعَلُونَ فِيهَا ذَلِكَ؟ قِيلَ: الْمَنْقُولُ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ حَكَى قَوْلَ ابْنِ عَوْنٍ وَعَجِبَ مِنْهُ، وَذَكَرَ الْقَاضِي رِوَايَةَ الْأَثْرَمِ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ الْقَاضِيَ لَا يُجِيزُ إِجَارَتَهَا مِنْ ذِمِّيٍّ، وَقَدْ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِذَا أَجَازَ الْبَيْعَ أَجَازَ الْإِجَارَةَ، وَإِذَا مَنَعَ مَنَعَ. قَالَ شَيْخُنَا: وَكَلَامُ أَحْمَدَ يَحْتَمِلُ الْأَمْرَيْنِ فَإِنَّ قَوْلَهُ فِي رِوَايَةِ أَبِي الْحَارِثِ: يَبِيعُهَا مِنْ مُسْلِمٍ أَحَبُّ إِلَيَّ، يَقْتَضِي أَنَّهُ مَنْعُ تَنْزِيهٍ وَاسْتِعْظَامُهُ لِذَلِكَ فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيِّ، وَقَوْلُهُ: لَا يُبَاعُ مِنَ الْكَافِرِ، وَتَشْدِيدُهُ فِي ذَلِكَ يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ. وَأَمَّا الْإِجَارَةُ فَقَدَ سَوَّى الْأَصْحَابُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْبَيْعِ وَمَا حَكَاهُ عَنِ ابْنِ عَوْنٍ فَلَيْسَ بِقَوْلِ أَحْمَدَ، وَإِعْجَابُهُ بِفِعْلِهِ إِنَّمَا هُوَ لِحُسْنِ مَقْصِدِ ابْنِ عَوْنٍ وَنِيَّتِهِ الصَّالِحَةِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ أَنَّهُ أَجَازَ ذَلِكَ، فَإِنَّ إِعْجَابَهُ بِالْفِعْلِ دَلِيلُ جَوَازِهِ عِنْدَهُ، وَاقْتِصَارُهُ عَلَى الْجَوَابِ بِفِعْلِ رَجُلٍ يَقْتَضِي أَنَّهُ مَذْهَبُهُ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ. وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْإِجَارَةِ وَالْبَيْعِ أَنَّ مَا فِي الْإِجَارَةِ مِنْ مَفْسَدَةِ الْإِعَانَةِ قَدْ

стр. 486

عَارَضَهُ مَصْلَحَةٌ أُخْرَى، وَهِيَ صَرْفُ إِرْعَابِ الْمُطَالَبَةِ بِالْكِرَاءِ عَنِ الْمُسْلِمِ، وَإِنْزَالُ ذَلِكَ بِالْكَافِرِ وَصَارَ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ إِقْرَارِهِمْ بِالْجِزْيَةِ، فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ إِقْرَارًا لِكَافِرٍ لَكِنْ لِمَا تَضَمَّنُهُ مِنَ الْمَصْلَحَةِ جَازَ، وَلِذَلِكَ جَازَتْ مُهَادَنَةُ الْكُفَّارِ فِي الْجُمْلَةِ. فَأَمَّا الْبَيْعُ فَهَذِهِ الْمَصْلَحَةُ مُنْتَفِيَةٌ فِيهِ، وَهَذَا ظَاهِرٌ عَلَى قَوْلِ ابْنِ أَبِي مُوسَى وَغَيْرِهِ أَنَّ الْبَيْعَ مَكْرُوهٌ غَيْرُ مُحَرَّمٍ، فَإِنَّ الْكَرَاهَةَ فِي الْإِجَارَةِ تَزُولُ بِهَذِهِ الْمَصْلَحَةِ الرَّاجِحَةِ، كَمَا فِي نَظَائِرِهَا فَيَصِيرُ فِي الْمَسْأَلَةِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ. قَالَ شَيْخُنَا وَهَذَا الْخِلَافُ عِنْدَنَا وَالتَّرَدُّدُ فِي الْكَرَاهَةِ هُوَ إِذَا لَمْ يَعْقِدِ الْإِجَارَةَ عَلَى الْمَنْفَعَةِ الْمُحَرَّمَةِ، فَأَمَّا إِنْ أَجَّرَهُ إِيَّاهَا لِأَجْلِ بَيْعِ الْخَمْرِ أَوِ اتِّخَاذِهَا كَنِيسَةً أَوْ بِيعَةً لَمْ يَجُزْ، قَوْلًا وَاحِدًا وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ، كَمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يُكْرِيَ أَمَتَهُ أَوْ عَبْدَهُ لِلْفُجُورِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَجُوزُ أَنْ يُؤَاجِرَهَا لِذَلِكَ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيُّ: لَا فَرْقَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ بَيْنَ أَنْ يَشْتَرِطَ أَنْ يَبِيعَ فِيهِ الْخَمْرَ وَبَيْنَ أَلَّا يَشْتَرِطَ، لَكِنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَبِيعُ فِيهِ الْخَمْرَ، أَنَّ الْإِجَارَةَ تَصِحُّ وَمَأْخَذُهُ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ بِعَقْدِ الْإِجَارَةِ فِعْلُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ، وَإِنْ شَرَطَ لَهُ أَلَّا يَبِيعَ فِيهَا الْخَمْرَ وَلَا يَتَّخِذَهَا كَنِيسَةً، وَيَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ الْأُجْرَةُ

стр. 487

بِالتَّسْلِيمِ فِي الْمُدَّةِ فَإِذَا لَمْ يَسْتَحِقَّ عَلَيْهِ فِعْلُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ كَانَ ذِكْرُهَا وَتَرْكُ ذِكْرِهَا سَوَاءً، كَمَا لَوِ اكْتَرَى دَارًا لِيَنَامَ فِيهَا أَوْ يَسْكُنَهَا فَإِنَّ الْأُجْرَةَ تَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ يَقُولُ فِيمَا إِذَا اسْتَأْجَرَ رَجُلًا لِحَمْلِ خَمْرٍ أَوْ خِنْزِيرٍ أَنَّهُ يَصِحُّ ; لِأَنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ حَمْلُ الْخَمْرِ، بَلْ لَوْ حَمَلَ عَلَيْهِ بَدَلَهُ عَصِيرًا اسْتَحَقَّ الْأُجْرَةَ، فَهَذَا التَّقْيِيدُ عِنْدَهُ لَغْوٌ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْإِجَارَةِ الْمُطْلَقَةِ، وَالْمُطْلَقَةُ عِنْدَهُ جَائِزَةٌ، وَإِنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّ الْمُسْتَأْجِرَ يَعْصِي فِيهَا، كَمَا يَجُوزُ بَيْعُ الْعَصِيرِ لِمَنْ يَتَّخِذُهُ خَمْرًا، ثُمَّ إِنَّهُ كَرِهَ بَيْعَ السِّلَاحِ فِي الْفِتْنَةِ، قَالَ: لِأَنَّ السِّلَاحَ مَعْمُولٌ لِلْقِتَالِ لَا يَصْلُحُ لِغَيْرِهِ، وَعَامَّةُ الْفُقَهَاءِ خَالَفُوهُ فِي الْمُقَدِّمَةِ الْأُولَى، وَقَالُوا: لَيْسَ الْمُقَيَّدُ كَالْمُطْلَقِ، بَلِ الْمَنْفَعَةُ الْمَعْقُودُ عَلَيْهَا هِيَ الْمُسْتَحَقَّةُ، فَتَكُونُ هِيَ الْمُقَابَلَةُ بِالْعِوَضِ وَهِيَ مَنْفَعَةٌ مُحَرَّمَةٌ، وَإِنْ جَازَ لِلْمُسْتَأْجِرِ أَنْ يُقِيمَ مِثْلَهُ مَقَامَهُ، وَأَلْزَمُوهُ مَا لَوِ اكْتَرَى دَارًا لِيَتَّخِذَهَا مَسْجِدًا، فَإِنَّهُ لَا يُسْتَحَقُّ عَلَيْهِ فِعْلُ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، وَمَعَ هَذَا فَإِنَّهُ أَبْطَلَ هَذِهِ الْإِجَارَةَ بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا اقْتَضَتْ فِعْلَ الصَّلَاةِ، وَهِيَ لَا تُسْتَحَقُّ بِعَقْدِ إِجَارَةٍ. وَنَازَعَهُ أَصْحَابُنَا وَكَثِيرٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ فِي الْمُقَدِّمَةِ الثَّانِيَةِ وَقَالُوا: إِذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّ الْمُسْتَأْجِرَ يَنْتَفِعُ بِهَا فِي مُحَرَّمٍ حُرِّمَتِ الْإِجَارَةُ لَهُ ; لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «لَعَنَ عَاصِرَ الْخَمْرِ وَمُعْتَصِرَهَا» وَالْعَاصِرُ إِنَّمَا يَعْصِرُ عَصِيرًا لَكِنْ إِذَا رَأَى أَنَّ الْمُعْتَصِرَ يُرِيدُ أَنْ يَتَّخِذَهُ خَمْرًا أَوْ عَصِيرًا اسْتَحَقَّ اللَّعْنَةَ، وَهَذَا أَصْلٌ مُقَرَّرٌ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ لَكِنَّ مَعَاصِيَ الذِّمِّيِّ قِسْمَانِ: أَحَدُهُمَا: مَا اقْتَضَى عَقْدُ الذِّمَّةِ إِقْرَارَهُ عَلَيْهَا.

стр. 488

وَالثَّانِي: مَا اقْتَضَى عَقْدُ الذِّمَّةِ مَنْعَهُ مِنْهَا أَوْ مِنْ إِظْهَارِهَا. فَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي فَلَا رَيْبَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ عَلَى أَصْلِ أَحْمَدَ أَنْ يُؤَاجِرَ أَوْ يُبَايِعَ إِذَا غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ كَالْمُسْلِمِ وَأَوْلَى. وَأَمَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ فَعَلَى مَا قَالَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى: يُكْرَهُ وَلَا يَحْرُمُ ; لِأَنَّا قَدْ أَقْرَرْنَاهُ عَلَى ذَلِكَ، وَإِعَانَتُهُ عَلَى سُكْنَى هَذِهِ الدَّارِ كَإِعَانَتِهِ عَلَى سُكْنَى دَارِ الْإِسْلَامِ، فَلَوْ كَانَ هَذَا مِنَ الْإِعَانَةِ الْمُحَرَّمَةِ لَمَا جَازَ إِقْرَارُهُ بِالْجِزْيَةِ وَإِنَّمَا كَرِهَ ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ إِعَانَةٌ مِنْ غَيْرِ مَصْلَحَةٍ لِإِمْكَانِ بَيْعِهَا مِنْ مُسْلِمٍ بِخِلَافِ الْإِقْرَارِ بِالْجِزْيَةِ فَإِنَّهُ جَازَ لِأَجْلِ الْمَصْلَحَةِ، وَعَلَى مَا قَالَهُ الْقَاضِي: لَا يَجُوزُ ; لِأَنَّهُ إِعَانَةٌ عَلَى مَا يَسْتَعِينُ بِهِ عَلَى الْمَعْصِيَةِ مِنْ غَيْرِ مَصْلَحَةٍ تُقَابِلُ هَذِهِ الْمَفْسَدَةَ، فَلَمْ يَجُزْ بِخِلَافِ إِسْكَانِهِمْ دَارَ الْإِسْلَامِ، فَإِنَّ فِيهِ مِنَ الْمَصَالِحِ مَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي فَوَائِدِ إِقْرَارِهِمْ بِالْجِزْيَةِ. [فَصْلٌ الْكُفَّارُ مَمْنُوعُونَ مِنَ الِاسْتِيلَاءِ عَلَى أَمْلَاكِ الْمُسْلِمِينَ] ١١٠ - فَصْلٌ [الْكُفَّارُ مَمْنُوعُونَ مِنَ الِاسْتِيلَاءِ عَلَى أَمْلَاكِ الْمُسْلِمِينَ] وَحَقِيقَةُ الْأَمْرِ أَنَّ الْكُفَّارَ مَمْنُوعُونَ مِنَ الِاسْتِيلَاءِ عَلَى مَا ثَبَتَ لِلْمُسْلِمِينَ فِيهِ حَقٌّ مِنْ عَقَارٍ أَوْ رَقِيقٍ أَوْ زَوْجَةٍ مُسْلِمَةٍ أَوْ إِحْيَاءِ مَوَاتٍ أَوْ تَمَلُّكٍ بِشُفْعَةٍ مِنْ مُسْلِمٍ ; لِأَنَّ مَقْصُودَ الدَّعْوَةِ أَنْ تَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا، وَإِنَّمَا أَقَرُّوا بِالْجِزْيَةِ لِلضَّرُورَةِ الْعَارِضَةِ، وَالْحُكْمُ الْمُقَيَّدُ بِالضَّرُورَةِ مُقَدَّرٌ بِقَدْرِهَا، وَلِهَذَا لَمْ يَثْبُتْ عَنْ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ لَهُمْ حَقُّ شُفْعَةٍ عَلَى مُسْلِمٍ، وَأَخَذَ بِذَلِكَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَهِيَ مِنْ مُفْرَدَاتِهِ الَّتِي بَرَزَ بِهَا عَلَى الثَّلَاثَةِ ; لِأَنَّ الشِّقْصَ يَمْلِكُهُ

стр. 489

الْمُسْلِمُ إِذَا أَوْجَبْنَا فِيهِ شُفْعَةً لِذِمِّيٍّ كُنَّا قَدْ أَوْجَبْنَا عَلَى الْمُسْلِمِ أَنْ يَنْقُلَ الْمِلْكَ فِي عَقَارِهِ إِلَى كَافِرٍ بِطَرِيقِ الْقَهْرِ لِلْمُسْلِمِ، وَهَذَا خِلَافُ الْأُصُولِ. وَالشُّفْعَةُ فِي الْأَصْلِ إِنَّمَا هِيَ مِنْ حُقُوقِ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ عَلَى الْآخَرِ، بِمَنْزِلَةِ الْحُقُوقِ الَّتِي تَجِبُ لِلْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ، كَإِجَابَةِ الدَّعْوَةِ وَعِيَادَةِ الْمَرِيضِ، وَكَمَنْعِهِ أَنْ يَبِيعَ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ أَوْ يَخْطُبَ عَلَى خِطْبَتِهِ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ: سَأَلْتُ أَبِي عَنِ الذِّمِّيِّ الْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ لَهُمْ شُفْعَةٌ؟ قَالَ: لَا، قُلْتُ: الْمَجُوسِيُّ؟ قَالَ: ذَاكَ أَشَدُّ.

стр. 490

وَقَالَ حَرْبٌ: سَأَلْتُ أَحْمَدَ قُلْتُ: أَهْلُ الذِّمَّةِ لَهُمْ شُفْعَةٌ؟ قَالَ: لَا. وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يَسْأَلُ: لِلذِّمِّيِّ شُفْعَةٌ؟ قَالَ: لَا. وَذَلِكَ نَقَلَ أَبُو طَالِبٍ وَصَالِحٌ وَأَبُو الْحَارِثِ وَالْأَثْرَمُ، كُلُّهُمْ عَنْهُ: لَيْسَ لِلذِّمِّيِّ شُفْعَةٌ. زَادَ أَبُو الْحَارِثِ: مَعَ الْمُسْلِمِ. قَالَ الْأَثْرَمُ: قِيلَ لَهُ: لِمَ؟ قَالَ: لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ مِثْلُ حَقِّ الْمُسْلِمِ وَاحْتَجَّ فِيهِ. قَالَ الْأَثْرَمُ: ثَنَا [ابْنُ] الطَّبَّاعِ، ثَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا الشَّيْبَانِيُّ عَنِ الشَّعْبِيِّ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: لَيْسَ لِذِمِّيٍّ شُفْعَةٌ.

стр. 491

وَقَالَ سُفْيَانُ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَبِيهِ: إِنَّمَا الشُّفْعَةُ لِمُسْلِمٍ، وَلَا شُفْعَةَ لِذِمِّيٍّ.

стр. 492

وَقَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ لَيْثٍ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ قَالَ: لَيْسَ لِيَهُودِيٍّ وَلَا لِنَصْرَانِيِّ شُفْعَةٌ. وَقَالَ الْخَلَّالُ: أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ هَارُونَ قَالَ: سُئِلَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، وَأَنَا أَسْمَعُ عَنِ الشُّفْعَةِ لِلذِّمِّيِّ، قَالَ: لَيْسَ لِلذِّمِّيِّ شُفْعَةٌ، لَيْسَ لَهُ

стр. 493

حَقُّ الْمُسْلِمِ. أَخْبَرَنِي عِصْمَةُ بْنُ عِصَامٍ، حَدَّثَنَا حَنْبَلٌ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: لَيْسَ لِيَهُودِيٍّ وَلَا لِنَصْرَانِيِّ شُفْعَةٌ، إِنَّمَا ذَلِكَ لِلْمُسْلِمِينَ بَيْنَهُمْ. وَقَالَ فِي رِوَايَةِ إِسْحَاقَ بْنِ مَنْصُورٍ: لَيْسَ لِلْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ شُفْعَةٌ، قِيلَ: وَلِمَ؟ قَالَ: لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " «لَا يَجْتَمِعُ دَيْنَانِ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ» ". وَهَذَا مَذْهَبُ شُرَيْحٍ وَالْحَسَنِ وَالشَّعْبِيِّ. وَاحْتَجَّ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بِثَلَاثِ حُجَجٍ:

стр. 494

إِحْدَاهَا: أَنَّ الشُّفْعَةَ مِنْ حُقُوقِ الْمُسْلِمِينَ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ، فَلَا حَقَّ لِلذِّمِّيِّ فِيهَا، وَنُكْتَةُ هَذَا الِاسْتِدْلَالِ أَنَّ الشُّفْعَةَ مِنْ حَقِّ الْمَالِكِ لَا مِنْ حَقِّ الْمِلْكِ. الْحُجَّةُ الثَّانِيَةُ: قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ : " «لَا تَبْدَءُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى بِالسَّلَامِ، وَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فِي طَرِيقٍ فَاضْطَرُّوهُمْ إِلَى أَضْيَقِهِ» " وَتَقْرِيرُ الِاسْتِدْلَالِ مِنْ هَذَا أَنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ لَهُ حَقًّا فِي الطَّرِيقِ الْمُشْتَرَكِ عِنْدَ تَزَاحُمِهِمْ مَعَ الْمُسْلِمِينَ، فَكَيْفَ يُجْعَلُ لَهُمْ حَقًّا إِلَى انْتِزَاعِ مِلْكِ الْمُسْلِمِ مِنْهُ قَهْرًا؟ بَلْ هَذَا تَنْبِيهٌ عَلَى الْمَنْعِ مِنِ انْتِزَاعِ الْأَرْضِ مِنْ يَدِ الْمُسْلِمِ وَإِخْرَاجِهِ مِنْهَا لِحَقِّ الْكَافِرِ، لِنَفْيِ ضَرَرِ الشَّرِكَةِ عَنْهُ، وَضَرَرُ الشَّرِكَةِ عَلَى الْكَافِرِ أَهْوَنُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ تَسْلِيطِهِ عَلَى إِزَالَةِ مِلْكِ الْمُسْلِمِ عَنْهُ قَهْرًا. الدَّلِيلُ الثَّالِثُ: قَوْلُهُ ﷺ : " «لَا يَجْتَمِعُ دِينَانِ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ» "، وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ مِنْ هَذَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَكَمَ بِإِخْرَاجِهِمْ مِنْ أَرْضِهِمْ وَنَقْلِهَا إِلَى الْمُسْلِمِينَ، لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ، فَكَيْفَ نُسَلِّطُهُمْ عَلَى انْتِزَاعِ أَرَاضِي الْمُسْلِمِينَ مِنْهُمْ قَهْرًا وَإِخْرَاجِهِمْ مِنْهَا؟ وَأَيْضًا، فَالشُّفْعَةُ حَقٌّ يَخْتَصُّ بِالْعَقَارِ، فَلَا يُسَاوِي الذِّمِّيُّ فِيهِ الْمُسْلِمَ كَالِاسْتِعْلَاءِ فِي الْبُنْيَانِ، يُوَضِّحُهُ أَنَّ الِاسْتِعْلَاءَ تَصَرُّفٌ فِي هَوَاءِ مِلْكِهِ الْمُخْتَصِّ بِهِ، فَإِذَا مُنِعَ مِنْهُ فَكَيْفَ يُسَلَّطُ عَلَى انْتِزَاعِ مِلْكِ الْمُسْلِمِ بِهِ قَهْرًا، وَهُوَ مَمْنُوعٌ

стр. 495

مِنَ التَّصَرُّفِ فِي هَوَائِهِ تَصَرُّفًا يَسْتَعْلِي فِيهِ عَلَى الْمُسْلِمِ؟ فَأَيْنَ هَذَا الِاسْتِعْلَاءُ مِنِ اسْتِعْلَائِهِ عَلَيْهِ بِإِخْرَاجِهِ مِنْ مِلْكِهِ قَهْرًا؟ وَأَيْضًا، فَالشُّفْعَةُ وَجَبَتْ لِإِزَالَةِ الضَّرَرِ عَنِ الشَّفِيعِ، وَإِنْ كَانَ فِيهَا ضَرَرٌ بِالْمُشْتَرِي فَإِذَا كَانَ الْمُشْتَرِي مُسْلِمًا فَسُلِّطَ الذِّمِّيُّ عَلَى انْتِزَاعِ مِلْكِهِ مِنْهُ قَهْرًا كَانَ فِيهِ تَقْدِيمُ حَقٍّ لِلذِّمِّيِّ عَلَى حَقِّ الْمُسْلِمِ، وَهَذَا مُمْتَنِعٌ. وَأَيْضًا، فَإِنَّهُ يَتَضَمَّنُ مَعَ إِضْرَارِهِ بِالْمُسْلِمِ إِضْرَارًا بِالدِّينِ، وَتَمَلُّكَ دَارِ الْمُسْلِمِينَ مِنْهُمْ قَهْرًا، وَشَغْلَهَا بِمَا يُسْخِطُ اللَّهَ بَدَلَ مَا يُرْضِيهِ، وَهَذَا خِلَافُ قَوَاعِدِ الشَّرْعِ. وَلِذَلِكَ حُرِّمَ عَلَيْهِمْ نِكَاحُ الْمُسْلِمَاتِ إِذْ كَانَ فِيهِ نَوْعُ اسْتِعْلَاءٍ عَلَيْهِنَّ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَجُزِ الْقِصَاصُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَلَا حَدُّ الْقَذْفِ، وَلَا يُمَكَّنُونَ مِنْ تَمَلُّكِ رَقِيقٍ مُسْلِمٍ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٤١] ، وَمِنْ أَعْظَمِ السَّبِيلِ تَسْلِيطُ الْكَافِرِ عَلَى انْتِزَاعِ أَمْلَاكِ الْمُسْلِمِينَ مِنْهُمْ وَإِخْرَاجُهُمْ مِنْهَا قَهْرًا، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ [الحشر: ٢٠] ، وَهَذَا يَقْتَضِي مُطْلَقَ الْمُسَاوَاةِ بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالْكَافِرِ، لَا نَفْيَ الْمُسَاوَاةِ الْمُطْلَقَةِ، فَإِنَّهَا مُنْتَفِيَةٌ عَنْ كُلِّ شَيْئَيْنِ وَإِنْ تَمَاثَلَا، وَبِهَذِهِ الْآيَةِ احْتَجَّ مَنْ نَفَى الْقِصَاصَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمُسْلِمِينَ. وَأَيْضًا، فَالذِّمِّيُّ تَبَعٌ لَنَا فِي الدَّارِ، وَلَيْسَ بِأَصْلٍ مِنْ أَهْلِ الدَّارِ، وَلِهَذَا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ يُؤَدِّي الْجِزْيَةَ أُجْرَةً لِمَكَانِ السُّكْنَى وَالتَّبَسُّطِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ،
следующие страницы →