Полный текст (1 326 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
وَمَنْ حَرَّمَ مَتْرُوكَ التَّسْمِيَةِ مِنَ الْمُسْلِمِ فَلَهُمْ قَوْلَانِ فِي مَتْرُوكِهَا مِنَ الْكِتَابِيِّ.
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يُبَاحُ وَهَذَا مَرْوِيٌّ عَنْ عَطَاءٍ وَمُجَاهِدٍ وَمَكْحُولٍ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ يَحْرُمُ كَمَا يَحْرُمُ مِنَ الْمُسْلِمِ، وَهَذَا قَوْلُ إِسْحَاقَ وَأَحْمَدَ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَغَيْرِهِمْ.
[الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ إِذَا ذَكَرُوا اسْمَ غَيْرِ اللَّهِ عَلَى ذَبِيحَتِهِمْ فَهَلْ يُلْحَقُ بِمَتْرُوكِ التَّسْمِيَةِ]
١٠٣ - فَصْلٌ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: إِذَا ذَكَرُوا اسْمَ غَيْرِ اللَّهِ عَلَى ذَبِيحَتِهِمْ " كَالزُّهَرَةِ " وَ " الْمَسِيحِ " وَغَيْرِهِمَا، فَهَلْ يُلْحَقُ بِمَتْرُوكِ التَّسْمِيَةِ فَيَكُونُ حُكْمُهُ حُكْمَهُ، أَوْ يُحَرَّمُ قَطْعًا وَإِنْ أُبِيحَ مَتْرُوكُ التَّسْمِيَةِ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ مَنْصُوصَتَانِ عَنْ أَحْمَدَ أَصَحُّهُمَا تَحْرِيمُهُ.
قَالَ الْمَيْمُونِيُّ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَمَّنْ يَذْبَحُ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَمْ يُسَمِّ؟ فَقَالَ: إِنْ كَانَ مِمَّا يَذْبَحُونَ لِكَنَائِسِهِمْ يَدَعُونَ التَّسْمِيَةَ فِيهِ عَلَى عَمْدٍ، إِنَّمَا يُذْبَحُ لِلْمَسِيحِ فَقَدْ كَرِهَهُ ابْنُ عُمَرَ، إِلَّا أَنَّ أَبَا الدَّرْدَاءِ يَتَأَوَّلُ أَنَّ طَعَامَهُمْ حِلٌّ، وَأَكْثَرُ مَا رَأَيْتُ مِنْهُ الْكَرَاهِيَةُ لِأَكْلِ مَا ذُبِحَ لِكَنَائِسِهِمْ.
وَقَالَ الْمَيْمُونِيُّ أَيْضًا: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَنْ ذَبِيحَةِ الْمَرْأَةِ مِنْ أَهْلِ
стр. 422
الْكِتَابِ وَلَمْ تُسَمِّ، قَالَ: إِنْ كَانَتْ نَاسِيَةً فَلَا بَأْسَ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا يَذْبَحُونَ لِكَنَائِسِهِمْ قَدْ يَدَعُونَ التَّسْمِيَةَ عَلَى عُمَدٍ.
وَقَالَ فِي رِوَايَةِ ابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ: مَا ذُبِحَ " لِلزُّهَرَةِ " فَلَا يُعْجِبُنِي أَكْلُهُ، قِيلَ لَهُ: أَحْرَامٌ أَكْلُهُ؟ قَالَ: لَا أَقُولُ حَرَامٌ، وَلَكِنْ لَا يُعْجِبُنِي.
وَقَالَ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ: يُجْتَنَبُ مَا ذُبِحَ لِكَنَائِسِهِمْ وَأَعْيَادِهِمْ.
وَقَالَ أَبُو الْبَرَكَاتِ فِي " مُحَرَّرِهِ ": وَإِنْ ذَكَرُوا عَلَيْهِ اسْمَ غَيْرِ اللَّهِ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ مَنُصُوصَتَانِ، أَصَحُّهُمَا عِنْدِي تَحْرِيمُهُ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ: لَا تُؤْكَلُ ذَبَائِحُهُمُ الَّتِي
стр. 423
سَمَّوْا عَلَيْهَا اسْمَ الْمَسِيحِ.
قَالَ الْقَاضِي إِسْمَاعِيلُ فِي " أَحْكَامِ الْقُرْآنِ ": وَكَأَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ خُصُّوا بِإِبَاحَةِ ذَبِيحَتِهِمْ، حَتَّى كَأَنَّهَا قَدْ أُهِلَّ بِهَا لِلَّهِ مَعَ الْكُفْرِ الَّذِي هُمْ عَلَيْهِ، فَخَرَجَ مَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ إِذْ كَانُوا قَدْ أَهَلُّوا بِهَا وَأَشْرَكُوا مَعَ اللَّهِ تَعَالَى.
وَلِهَذَا الْوَضْعِ - فِيمَا أَحْسَبُ - اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيمَا ذَبَحَ النَّصَارَى لِأَعْيَادِهِمْ أَوْ ذَبَحُوا بِاسْمِ الْمَسِيحِ، فَكَرِهَهُ قَوْمٌ لِأَنَّهُمْ أَخْلَصُوا الْكُفْرَ عِنْدَ تِلْكَ الذَّبِيحَةِ، فَصَارَتْ مِمَّا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ، وَرَخَّصَ فِي ذَلِكَ قَوْمٌ عَلَى الْأَصْلِ الَّذِي أُبِيحَ مِنْ ذَبَائِحِهِمْ.
فَأَمَّا مَنْ بَلَغَنَا عَنْهُ الرُّخْصَةُ فِي ذَلِكَ فَحَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، ثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ عَنْ أَبِي الزَّاهِرِيَّةِ عَنْ عُمَيْرِ بْنِ الْأَسْوَدِ السُّكُونِيِّ قَالَ: أَتَيْتُ أَهْلِي فَإِذَا كَتِفُ شَاةٍ مَطْبُوخَةٌ، قُلْتُ مِنْ أَيْنَ هَذَا؟ قَالُوا جِيرَانُنَا مِنَ النَّصَارَى ذَبَحُوا كَبْشًا لِكَنِيسَةِ جِرْجِسَ، قَلَّدُوهُ عِمَامَةً وَتَلَقَّوْا دَمَهُ فِي طَسْتٍ، ثُمَّ طَبَخُوا وَأَهْدَوْا إِلَيْنَا وَإِلَى جِيرَانِنَا، قَالَ: قُلْتُ: ارْفَعُوا هَذَا ثُمَّ هَبَطْتُ إِلَى أَبِي الدَّرْدَاءِ فَسَأَلْتُهُ، وَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ غُفْرًا، هُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ طَعَامُهُمْ لَنَا حِلٌّ وَطَعَامُنَا لَهُمْ حِلٌّ.
стр. 424
ثَنَا عَلِيُّ [ثَنَا] زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ، أَخْبَرَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنِي أَبُو الْحَكَمِ التُّجِيبِيُّ، حَدَّثَنِي جَرِيرُ بْنُ عُتْبَةَ - أَوْ عُتْبَةُ بْنُ جَرِيرٍ - قَالَ: سَأَلْتُ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ عَنْ ذَبَائِحِ النَّصَارَى لِمَوْتَاهُمْ، قَالَ: لَا بَاسَ بِهِ.
стр. 425
ثَنَا عَلِيٌّ، ثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ قَالَ: سَمِعْتُ الْأَوْزَاعِيَّ عَنْ مَكْحُولٍ فِيمَا ذَبَحَتِ النَّصَارَى لِأَعْيَادِ كَذَا، قَالَ: كُلْهُ، قَدْ عَلِمَ اللَّهُ مَا يَقُولُونَ وَأَحَلَّ ذَبَائِحَهُمْ.
وَثَنَا عَلِيٌّ، ثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ الْقَاسِمَ بْنَ مُخَيْمِرَةَ قَالَ: كُلْهَا، وَلَوْ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: عَلَى اسْمِ جِرْجِسَ لَأَكَلْتُهَا.
стр. 426
حَدَّثَنَا عَلِيٌّ، ثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، ثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كُلْهَا.
وَبِهِ إِلَى أَبِي بَكْرٍ عَنْ حَبِيبِ بْنِ عُبَيْدٍ: أَنَّ الْعِرْبَاضَ بْنَ سَارِيَةَ قَالَ: كُلْهُ.
ثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، ثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ عَنْ عَطَاءٍ فِي النَّصْرَانِيِّ يَذْبَحُ وَيَذْكُرُ اسْمَ الْمَسِيحِ، قَالَ: كُلْهُ، قَدْ أَحَلَّ اللَّهَ ذَبَائِحَهُمْ، وَقَدْ عَلِمَ مَا يَقُولُونَ.
стр. 427
وَذُكِرَ عَنْ عَطَاءٍ أَيْضًا أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ النَّصْرَانِيِّ يَذْبَحُ وَيَقُولُ: بِاسْمِ الْمَسِيحِ، فَقَالَ: كُلْ.
وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ فِي الذِّمِّيِّ يَذْبَحُ وَيَقُولُ: بِاسْمِ الْمَسِيحِ، فَقَالَ: إِذَا تَوَارَى عَنْكَ فَكُلْ.
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ: حَدَّثَنِي حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ مُسْلِمٍ التُّجِيبِيِّ وَقَيْسِ بْنِ رَافِعٍ الْأَشْجَعِيِّ أَنَّهُمَا قَالَا: حَلَّ لَنَا مَا يُذْبَحُ لِعِيدِ الْكَنَائِسِ، وَمَا أُهْدِي مِنْ خُبْزٍ أَوْ لَحْمٍ، وَإِنَّمَا هُوَ طَعَامُ أَهْلِ الْكِتَابِ.
قَالَ حَيْوَةُ: فَقُلْتُ أَرَأَيْتَ قَوْلَ اللَّهِ: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [المائدة: ٣] ، فَقَالَ:
стр. 428
إِنَّمَا ذَلِكَ الْمَجُوسُ وَأَهْلُ الْأَوْثَانِ وَالْمُشْرِكُونَ.
وَقَالَ أَيُّوبُ بْنُ نَجِيحٍ: سَأَلْتُ الشَّعْبِيَّ عَنْ ذَبَائِحِ نَصَارَى الْعَرَبِ، فَقُلْتُ: مِنْهُمْ مَنْ يَذْكُرُ اللَّهَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَذْكُرُ الْمَسِيحَ، فَقَالَ: كُلْ وَأَطْعِمْنِي.
قَالَ الْقَاضِي إِسْمَاعِيلُ: وَأَمَّا مَنْ بَلَغَنَا عَنْهُ أَنَّهُ كَرِهَ ذَلِكَ، فَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، ثَنَا ابْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ قَيْسٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ زَاذَانَ عَنْ عَلِيٍّ: قَالَ إِذَا سَمِعْتُ النَّصْرَانِيَّ يَقُولُ: بِاسْمِ الْمَسِيحِ فَلَا تَأْكُلْ وَإِذَا لَمْ
стр. 429
تَسْمَعْ فَكُلْ، فَقَدْ أُحِلَّتْ لَنَا ذَبَائِحُهُمْ.
حَدَّثَنَا عَلِيٌّ، ثَنَا جَرِيرٌ عَنْ قَابُوسَ بْنِ أَبِي ظَبْيَانَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ امْرَأَةً سَأَلَتْ عَائِشَةَ فَقَالَتْ: إِنْ لَنَا أَظْآرًا مِنَ الْعَجَمِ لَا يَزَالُونَ يَكُونُ لَهُمْ عِيدٌ، فَيَهْدُونَ لَنَا فِيهِ أَفَنَأْكُلُ مِنْهُ، فَقَالَتْ: أَمَّا مَا ذُبِحَ لِذَلِكَ الْيَوْمِ فَلَا تَأْكُلُوا مِنْهُ، وَلَكِنْ كُلُوا مِنْ أَشْجَارِهِمْ.
حَدَّثَنَا عَلِيٌّ، ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: مَا ذُبِحَ لِلْكَنِيسَةِ فَلَا تَأْكُلْهُ.
стр. 430
وَقَالَ حَمَّادٌ: كُلْ مَا لَمْ تَسْمَعْهُمْ أَهَلُّوا بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ.
стр. 431
وَكَرِهَهُ مُجَاهِدٌ وَطَاوُسٌ، وَكَرِهَهُ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ.
وَقَالَ الْقَاضِي إِسْمَاعِيلُ: وَكَانَ مَالِكٌ يَكْرَهُ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُوجِبَ فِيهِ تَحْرِيمًا.
قَالَ الْمُبِيحُونَ: هَذَا مِنْ طَعَامِهِمْ، وَقَدْ أَبَاحَ اللَّهُ لَنَا طَعَامَهُمْ مِنْ غَيْرِ تَخْصِيصٍ، وَقَدْ عَلِمَ سُبْحَانَهُ أَنَّهُمْ يُسَمُّونَ غَيْرَ اسْمِهِ.
قَالَ الْمُحَرِّمُونَ: قَدْ صَرَّحَ الْقُرْآنُ بِتَحْرِيمِ مَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ، وَهَذَا عَامٌّ فِي ذَبِيحَةِ الْوَثَنِيِّ وَالْكِتَابِيِّ إِذَا أُهِلَّ بِهَا لِغَيْرِ اللَّهِ، وَإِبَاحَةُ ذَبَائِحِهِمْ - وَإِنْ كَانَتْ مُطْلَقَةً - لَكِنَّهَا مُقَيَّدَةٌ بِمَا لَمْ يُهِلُّوا بِهِ لِغَيْرِهِ، فَلَا يَجُوزُ تَعْطِيلُ الْمُقَيَّدِ وَإِلْغَاؤُهُ بَلْ يُحْمَلُ الْمُطْلَقُ عَلَى الْمُقَيَّدِ.
قَالَ الْآخَرُونَ: بَلْ هَذَا مِنْ بَابِ الْعَامِّ وَالْخَاصِّ، فَأَمَّا مَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَعَامٌّ فِي الْكِتَابِيِّ وَغَيْرِهِ، خُصَّ مِنْهُ ذَبِيحَةُ الْكِتَابِيِّ فَبَقِيَتِ الْآيَةُ عَلَى عُمُومِهَا فِي غَيْرِهِ.
стр. 432
قَالَ الْآخَرُونَ بَلْ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥] ، عَامٌّ فِيمَا أَهَلُّوا بِهِ لِلَّهِ وَمَا أَهَلُّوا بِهِ لِغَيْرِهِ، خَصَّ مِنْهُ مَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِهِ، فَبَقِيَ اللَّفْظُ عَلَى عُمُومِهِ فِيمَا عَدَاهُ، قَالُوا: وَهَذَا أَوْلَى لِوُجُوهٍ.
أَحَدُهَا: أَنَّهُ قَدْ نَصَّ سُبْحَانَهُ عَلَى تَحْرِيمِ مَا لَمْ يُذْكَرْ عَلَيْهِ اسْمُهُ، وَنَهَى عَنْ أَكْلِهِ، وَأَخْبَرَ أَنَّهُ فِسْقٌ، وَهَذَا تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ مَا ذُكِرَ عَلَيْهِ اسْمُ غَيْرِهِ أَشَدُّ تَحْرِيمًا وَأَوْلَى بِأَنْ يَكُونَ فِسْقًا.
الثَّانِي: أَنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥] ، قَدْ خُصَّ بِالْإِجْمَاعِ، وَأَمَّا مَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَلَمْ يُخَصَّ بِالْإِجْمَاعِ، فَكَانَ الْأَخْذُ بِالْعُمُومِ الَّذِي لَمْ يُجْمَعْ عَلَى تَخْصِيصِهِ أَوْلَى مِنَ الْعُمُومِ الَّذِي قَدْ أُجْمِعَ عَلَى تَخْصِيصِهِ.
الثَّالِثُ: أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ قَالَ: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٧٣] ، فَحَصَرَ التَّحْرِيمَ فِي هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ فِي كُلِّ مِلَّةٍ، لَا تُبَاحُ بِحَالٍ إِلَّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ، وَبَدَأَ بِالْأَخَفِّ تَحْرِيمًا ثُمَّ بِمَا هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ، فَإِنَّ تَحْرِيمَ الْمَيْتَةِ دُونَ تَحْرِيمِ الدَّمِ، فَإِنَّهُ أَخْبَثُ مِنْهَا، وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ أَخْبَثُ مِنْهَا، وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ أَخْبَثُ الْأَرْبَعَةِ.
وَنَظِيرُ هَذَا قَوْلُهُ: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣] ، فَبَدَأَ بِالْأَسْهَلِ تَحْرِيمًا ثُمَّ مَا
стр. 433
هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ إِلَى أَنْ خَتَمَ بِأَغْلَظِ الْمُحَرَّمَاتِ، وَهُوَ " الْقَوْلُ عَلَيْهِ بِلَا عِلْمٍ "، فَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فِي الدَّرَجَةِ الرَّابِعَةِ مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ.
الرَّابِعُ: أَنَّ مَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ لَا يَجُوزُ أَنْ تَأْتِيَ شَرِيعَةٌ بِإِبَاحَتِهِ أَصْلًا، فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَةِ عِبَادَةِ غَيْرِ اللَّهِ.
وَكُلُّ مِلَّةٍ لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ صَلَاةٍ وَنُسُكٍ، وَلَمْ يَشْرَعِ اللَّهُ عَلَى لِسَانِ رَسُولٍ مِنْ رُسُلِهِ أَنْ يُصَلِّيَ لِغَيْرِهِ، وَلَا يَنْسُكَ لِغَيْرِهِ قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ - لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ﴾ [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣] .
الْخَامِسُ: أَنَّ مَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ تَحْرِيمُهُ مِنْ بَابِ تَحْرِيمِ الشِّرْكِ، وَتَحْرِيمِ الْمَيْتَةِ وَالدَّمِ وَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ مِنْ بَابِ تَحْرِيمِ الْخَبَائِثِ وَالْمَعَاصِي.
السَّادِسُ: أَنَّهُ إِذَا خُصَّ مِنْ طَعَامِ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مَا يَسْتَحِلُّونَهُ مِنَ الْمَيْتَةِ وَالدَّمِ وَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ ; فَلَأَنْ يُخَصَّ مِنْهُ مَا يَسْتَحِلُّونَهُ مِمَّا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ أَوْلَى وَأَحْرَى.
السَّابِعُ: أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ مِنْ طَعَامِهِمْ مَا يَسْتَحِلُّونَهُ وَإِنْ كَانَ مُحَرَّمًا عَلَيْهِمْ، فَهَذَا لَا يُمْكِنُ الْقَوْلُ بِهِ، بَلِ الْمُرَادُ بِهِ مَا أَبَاحَهُ اللَّهُ لَهُمْ فَلَا يَحْرُمُ عَلَيْنَا أَكْلُهُ فَإِنَّ الْخِنْزِيرَ مِنْ طَعَامِهِمُ الَّذِي يَسْتَحِلُّونَهُ، وَلَا يُبَاحُ لَنَا، وَتَحْرِيمُ مَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَعْظَمُ مِنْ تَحْرِيمِ الْخِنْزِيرِ، وَسِرُّ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ طَعَامَهُمْ مَا أُبِيحَ لَهُمْ لَا مَا يَسْتَحِلُّونَهُ مِمَّا حَرُمَ عَلَيْهِمْ.
الثَّامِنُ: أَنَّ بَابَ الذَّبَائِحِ عَلَى التَّحْرِيمِ، إِلَّا مَا أَبَاحَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، فَلَوْ
стр. 434
قُدِّرَ تَعَارُضُ دَلِيلَيِ الْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ لَكَانَ الْعَمَلُ بِدَلِيلِ الْحَظْرِ أَوْلَى، لِثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ.
أَحَدُهَا: تَأَيُّدُهُ بِالْأَصْلِ الْحَاظِرِ.
الثَّانِي: أَنَّهُ أَحْوَطُ.
الثَّالِثُ: أَنَّ الدَّلِيلَيْنِ إِذَا تَعَارَضَا تَسَاقَطَا، وَرُجِعَ إِلَى أَصْلِ التَّحْرِيمِ.
[الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ إِذَا ذَبَحُوا مَا يَعْتَقِدُونَ تَحْرِيمَهُ هَلْ يَحْرُمُ عَلَى الْمُسْلِمِ]
١٠٤ - فَصْلٌ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: إِذَا ذَبَحُوا مَا يَعْتَقِدُونَ تَحْرِيمَهُ كَالْإِبِلِ وَالنَّعَامِ وَالْبَطِّ وَكُلِّ مَا لَيْسَ بِمَشْقُوقِ الْأَصَابِعِ، هَلْ يَحْرُمُ عَلَى الْمُسْلِمِ؟
اخْتُلِفَ فِيهِ فَأَبَاحَهُ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ فِي ظَاهِرِ مَذْهَبِهِ، وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ أَصْحَابِهِ.
وَحَكَى ابْنُ أَبِي مُوسَى فِي " الْإِرْشَادِ " أَنَّهُ لَا يُبَاحُ مَا ذَكَّاهُ الْيَهُودُ مِنَ الْإِبِلِ.
стр. 435
وَوَجْهُ هَذَا أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ طَعَامِ الْمُذَكِّي، وَلِأَنَّهُ ذَبْحٌ لَا يَعْتَقِدُ الذَّابِحُ حِلَّهُ فَهُوَ كَذَبِيحَةِ الْمُحَرَّمِ، وَلِأَنَّ لِاعْتِقَادِ الذَّابِحِ أَثَرًا فِي حِلِّ الذَّبِيحَةِ وَتَحْرِيمِهَا.
وَلِهَذَا لَوْ ذَبَحَ الْمُسْلِمُ مَا يَعْتَقِدُ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهُ ذَبْحُهُ، كَالْمَغْصُوبِ كَانَ حَرَامًا فَالْقَصْدُ يُؤَثِّرُ فِي التَّذْكِيَةِ كَمَا يُؤَثِّرُ فِي الْعِبَادَةِ: وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ، وَاحْتَجَّ أَصْحَابُهُ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ [الأنعام: ١٤٦] ، وَلَمَّا كَانَتْ حَرَامًا عَلَيْهِمْ لَمْ تَكُنْ تَذْكِيَتُهُمْ لَهَا ذَكَاةً، كَمَا لَا يَكُونُ ذَبْحُ الْخِنْزِيرِ لَنَا ذَكَاةً.
وَهَذَا الدَّلِيلُ مَبْنِيٌّ عَلَى ثَلَاثِ مُقَدِّمَاتٍ:
إِحْدَاهَا: أَنَّ ذَلِكَ حَرَامٌ عَلَيْهِمْ، وَهَذِهِ الْمُقَدِّمَةُ ثَابِتَةٌ بِنَصِّ الْقُرْآنِ.
الثَّانِيَةُ: أَنَّ ذَلِكَ التَّحْرِيمَ بَاقٍ لَمْ يَزُلْ.
الثَّالِثَةُ: أَنَّهُمْ إِذَا ذَبَحُوا مَا يَعْتَقِدُونَ تَحْرِيمَهُ لَمْ تُؤَثِّرِ الذَّكَاةُ فِي حِلِّهِ.
فَأَمَّا الْأُولَى فَهِيَ ثَابِتَةٌ بِالنَّصِّ.
وَأَمَّا الثَّانِيَةُ فَالدَّلِيلُ عَلَيْهَا سَبَبُ التَّحْرِيمِ بَاقٍ، وَهُوَ الْعُدْوَانُ قَالَ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ [الأنعام: ١٤٦] ، وَبَغْيُهُمْ لَمْ يَزُلْ بِمَبْعَثِ النَّبِيِّ ﷺ بَلْ زَادَ الْبَغْيُ مِنْهُمْ، فَالتَّحْرِيمُ تَغَلَّظَ بِتَغَلُّظِ الْبَغْيِ، يُوَضِّحُهُ أَنَّ رَفْعَ ذَلِكَ التَّحْرِيمِ إِنَّمَا هُوَ رَحْمَةٌ فِي حَقِّ مَنِ اتَّبَعَ الرَّسُولَ، فَإِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنْ أَتْبَاعِهِ الْآصَارَ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ قَبْلَ مَبْعَثِهِ، وَلَمْ
стр. 436
يَضَعْهَا عَمَّنْ كَفَرَ بِهِ قَالَ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٧] .
وَأَمَّا الْمُقَدِّمَةُ الثَّالِثَةُ، وَهِيَ أَنَّهُمْ إِذَا ذَبَحُوا مَا يَعْتَقِدُونَ تَحْرِيمَهُ لَمْ يُؤَثِّرْ ذَلِكَ فِي الْحِلِّ فَقَدْ تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهَا.
[الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ إِذَا ذَبَحُوا مَا يَعْتَقِدُونَ حِلَّهُ فَهَلْ تَحْرُمُ عَلَيْنَا الشُّحُومُ الْمُحَرَّمَةُ عَلَيْهِمْ]
١٠٥ - فَصْلٌ.
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: إِذَا ذَبَحُوا مَا يَعْتَقِدُونَ حِلَّهُ، فَهَلْ تَحْرُمُ عَلَيْنَا الشُّحُومُ الْمُحَرَّمَةُ عَلَيْهِمْ؟ هَذَا مِمَّا اخْتُلِفَ فِيهِ.
قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ: سَأَلْتُ أَبِي عَنِ الشُّحُومِ، تُحَرَّمُ عَلَى الْيَهُودِ؟ فَقَالَ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ [الأنعام: ١٤٦] ، قَالَ: وَالْقُرْآنُ يَقُولُ: حَرَّمْنَا، وَقَالَ فِي آيَةٍ أُخْرَى بَعْدَ سُورَةِ الْمَائِدَةِ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا﴾ [الأنعام: ١٤٦] ، يَعْنِي نَزَلَ بَعْدَ: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ [المائدة: ٥] ،
стр. 437
قُلْتُ: فَيَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يُطْعِمَ يَهُودِيًّا شَحْمًا؟ قَالَ: لَا ; لِأَنَّهُ مُحَرَّمٌ عَلَيْهِ.
وَقَالَ مُهَنَّا: حَدَّثَنِي أَحْمَدُ عَنِ الزُّبَيْرِيِّ عَنْ مَالِكٍ، فِي الْيَهُودِيِّ يَذْبَحُ الشَّاةَ، قَالَ: لَا يَأْكُلُ مِنْ شَحْمِهَا، قَالَ: أَحْمَدُ هَذَا مَذْهَبٌ دَقِيقٌ.
فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُهُ فِي ذَلِكَ، فَذَهَبَ ابْنُ حَامِدٍ وَأَبُو الْخَطَّابِ وَجَمَاعَةٌ إِلَى الْإِبَاحَةِ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ.
وَذَهَبَ الْقَاضِي وَأَبُو الْحَسَنِ التَّمِيمِيُّ إِلَى التَّحْرِيمِ، وَصَنَّفَ فِيهِ التَّمِيمِيُّ مُصَنَّفًا رَدَّ فِيهِ عَلَى مَنْ قَالَ بِالْإِبَاحَةِ، وَاخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ أَيْضًا.
стр. 438
وَذَهَبَ مَالِكٌ إِلَى الْكَرَاهَةِ، وَهِيَ عِنْدَهُ مُرَتَّبَةٌ بَيْنَ الْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ.
قَالَ الْمُبِيحُونَ: الْقَوْلُ بِالتَّحْرِيمِ خِلَافُ الْقُرْآنِ وَالسُّنَنِ وَالْمَعْقُولِ.
أَمَّا الْقُرْآنُ فَإِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ [المائدة: ٥] .
قَالُوا: وَقَدِ اتَّفَقْنَا عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ مَا ذَبَحُوهُ، لَا مَا أَكَلُوهُ ; لِأَنَّهُمْ يَأْكُلُونَ الْخِنْزِيرَ وَالْمَيْتَةَ وَالدَّمَ.
قَالُوا: وَقَدْ جَاءَ الْقُرْآنُ، وَصَحَّ الْإِجْمَاعُ بِأَنَّ دِينَ الْإِسْلَامِ نَسَخَ كُلَّ دِينٍ كَانَ قَبْلَهُ، وَأَنَّ مَنِ الْتَزَمَ مَا جَاءَتْ بِهِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ، وَلَمْ يَتَّبِعِ الْقُرْآنَ، فَإِنَّهُ كَافِرٌ وَقَدْ أَبْطَلَ اللَّهُ كُلَّ شَرِيعَةٍ كَانَتْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَسَائِرِ الْمِلَلِ، وَافْتَرَضَ عَلَى الْجِنِّ وَالْإِنْسِ شَرَائِعَ الْإِسْلَامِ، فَلَا حَرَامَ إِلَّا مَا حَرَّمَهُ الْإِسْلَامُ، وَلَا فَرْضَ إِلَّا مَا أَوْجَبَهُ الْإِسْلَامُ.
وَأَمَّا السُّنَّةُ فَحَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ الَّذِي رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي " صَحِيحِهِ " «أَنَّ جِرَابًا مِنْ شَحْمٍ يَوْمَ " خَيْبَرَ " دُلِّيَ مِنَ الْحِصْنِ، فَأَخَذَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُغَفَّلٍ وَقَالَ: وَاللَّهِ لَا أُعْطِي أَحَدًا مِنْهُ شَيْئًا، فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَأَقَرَّهُ عَلَى ذَلِكَ» .
стр. 439
وَثَبَتَ فِي " الصَّحِيحِ " «أَنَّ يَهُودِيَّةً أَهْدَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَاةً، فَأَكَلَ مِنْهَا وَلَمْ يُحَرِّمْ شَحْمَ بَطْنِهَا وَلَا غَيْرَهُ» .
قَالُوا: وَأَمَّا الْمَعْقُولُ فَمِنَ الْمُحَالِ الْبَاطِلِ أَنْ تَقَعَ الذَّكَاةُ عَلَى بَعْضِ شَحْمِ الشَّاةِ دُونَ بَعْضِهَا.
قَالُوا: وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ [المائدة: ٥] ، وَهَذَا مَحْضُ طَعَامِنَا.
قَالُوا: وَقَدْ قَالَ لَهُمُ الْمَسِيحُ: ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [آل عمران: ٥٠] ، وَقَدْ أَحَلَّ سُبْحَانَهُ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ، وَهَذَا مِنَ الطَّيِّبَاتِ.
قَالَ ابْنُ حَزْمٍ: وَيَسْأَلُونَ عَنِ الشَّحْمِ وَالْحَمْلِ أَحَلَالٌ هُمَا الْيَوْمَ لِلْيَهُودِ أَمْ حَرَامٌ إِلَى الْيَوْمِ؟ فَإِنْ قَالُوا: بَلْ هُمَا حَرَامٌ عَلَيْهِمْ إِلَى الْيَوْمِ كَفَرُوا بِلَا مِرْيَةٍ إِذْ قَالُوا: إِنَّ ذَلِكَ لَمْ يَنْسَخْهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَإِنْ قَالُوا: بَلْ هُمَا حَلَالٌ
стр. 440
لَهُمْ صَدَقُوا، وَلَزِمَهُمْ تَرْكُ قَوْلِهِمُ الْفَاسِدِ.
قَالَ: وَنَسْأَلُهُمْ عَنْ يَهُودِيٍّ مُسْتَخِفٍّ بِدِينِهِ [يَأْكُلُ الشَّحْمَ] ذَبَحَ شَاةً يَعْتَقِدُ حِلَّ شَحْمِهَا، هَلْ يَحْرُمُ عَلَيْنَا الشَّحْمُ أَمْ لَا؟ فَإِنْ قُلْتُمْ: يَحْرُمُ عَلَيْنَا كَانَ مُحَالًا، فَإِنَّهُ ذَكَّى مَا يَعْتَقِدُ حِلَّهُ، وَنَحْنُ نَعْتَقِدُ حِلَّهُ فَمِنْ أَيْنَ جَاءَ التَّحْرِيمُ؟ وَإِنْ قُلْتُمْ: لَا يَحْرُمُ عَلَيْنَا كَانَتْ ذَبِيحَةُ هَذَا الْمُسْتَخِفِّ بِدِينِهِ أَحْسَنَ حَالًا مِنْ ذَبِيحَةِ الْمُتَمَسِّكِ بِدِينِهِ، وَهَذَا مُحَالٌ.
قَالَ: وَيَلْزَمُهُمْ أَلَّا يَسْتَحِلُّوا كُلَّ مَا ذَبَحَهُ يَهُودِيٌّ يَوْمَ سَبْتٍ، وَلَا أَكْلَ حِيتَانٍ صَادَهَا يَهُودِيٌّ يَوْمَ سَبْتٍ وَهَذَا مِمَّا تَنَاقَضُوا فِيهِ.
قَالَ: وَقَدْ رُوِّينَا عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَعَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَعَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَالْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ وَأَبِي أُمَامَةَ وَعُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ وَابْنِ عُمَرَ ﵃ إِبَاحَةُ مَا ذَبَحَهُ أَهْلُ الْكِتَابِ دُونَ اشْتِرَاطٍ لِمَا يَسْتَحِلُّونَهُ، وَكَذَلِكَ عَنْ جُمْهُورِ التَّابِعِينَ [كَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، وَجُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ وَأَبِي مُسْلِمٍ الْخَوْلَانِيِّ وَضَمْرَةَ بْنِ حَبِيبٍ وَالْقَاسِمِ بْنِ مُخَيْمِرَةَ وَمَكْحُولٍ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَمُجَاهِدٍ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى وَالْحَسَنِ وَابْنِ سِيرِينَ وَالْحَارِثِ الْعُكْلِيِّ وَعَطَاءٍ وَالشَّعْبِيِّ وَمُحَمَّدِ
стр. 441
بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ وَطَاوُسٍ وَعَمْرِو بْنِ الْأَسْوَدِ وَحَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ وَغَيْرِهِمْ] ، لَمْ نَجِدْ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ هَذَا الْقَوْلَ إِلَّا عَنْ قَتَادَةَ ثُمَّ عَنْ مَالِكٍ
стр. 442
وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ، وَهَذَا مِمَّا خَالَفُوا فِيهِ طَائِفَةً مِنَ الصَّحَابَةِ لَا مُخَالِفَ لَهُمْ وَخَالَفُوا فِيهِ جُمْهُورَ الْعُلَمَاءِ.
قَالَ الْمُحَرِّمُونَ: إِنَّمَا أَبَاحَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ لَنَا طَعَامَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ، وَالشُّحُومُ الْمُحَرَّمَةُ عَلَيْهِمْ لَيْسَتْ مِنْ طَعَامِهِمْ، فَلَا تَكُونُ لَنَا مُبَاحَةً، وَالْمُقَدِّمَتَانِ ظَاهِرَتَانِ غَنِيَّتَانِ عَنِ التَّقْرِيرِ.
قَالُوا: وَلِأَنَّهُ شَحْمٌ مُحَرَّمٌ عَلَى ذَابِحِهِ، فَكَانَ مُحَرَّمًا عَلَى غَيْرِهِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، فَإِنَّ الذَّكَاةَ إِذَا لَمْ تُعْمَلْ فِي حِلِّهِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمُذَكِّي لَمْ تُعْمَلْ فِي حِلِّهِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى غَيْرِهِ، وَهَذَا كَذَبْحِ الْمُحْرِمِ الصَّيْدَ، فَإِنَّهُ لَمَّا كَانَ حَرَامًا عَلَيْهِ، وَلَمْ تُفِدِ الذَّكَاةُ الْحِلَّ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ، لَمْ تُفِدْهُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْحَلَالِ.
قَالُوا: وَطَرَدَ هَذَا تَحْرِيمَ الْحَمْلِ إِذَا ذَبَحَهُ الْيَهُودِيُّ.
قَالُوا: وَأَيْضًا فَلِلْقَصْدِ تَأْثِيرٌ فِي حِلِّ الذَّكَاةِ كَمَا تَقَدَّمَ، فَإِذَا كَانَ الذَّابِحُ غَيْرَ قَاصِدٍ لِلتَّذْكِيَةِ لَمْ تَحِلَّ ذَكَاتُهُ وَلَا رَيْبَ أَنَّهُ غَيْرُ قَاصِدٍ لِتَذْكِيَةِ الشَّحْمِ، فَإِنَّهُ يَعْتَقِدُ تَحْرِيمَهُ وَأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْمَيْتَةِ.
قَالُوا: وَلَا مَحْذُورَ فِي تَجَزُّءِ الذَّكَاةِ، فَيَحِلُّ بِهَا بَعْضُ الْمُذَكَّى دُونَ بَعْضٍ، فَيَكُونُ ذَكَاةً بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا يَعْتَقِدُ الْمُذْكِي حِلَّهُ وَلَيْسَ ذَكَاةً بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا يَعْتَقِدُ تَحْرِيمَهُ فَإِنَّ مَا يَأْكُلُهُ يَعْتَقِدُ ذَكَاتَهُ وَيَقْصِدُهَا، وَمَا لَا يَأْكُلُهُ لَا يَعْتَقِدُ ذَكَاتَهُ وَلَا يَقْصِدُهَا فَصَارَ كَالْمَيْتَةِ.
стр. 443
قَالُوا: وَالْمُعْتَمَدُ فِي الْمَسْأَلَةِ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ حَرَّمَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، وَالتَّحْرِيمُ بَاقٍ لَمْ يُنْسَخْ إِلَّا عَمَّنِ الْتَزَمَ الشَّرِيعَةَ الْإِسْلَامِيَّةَ، وَيَدُلُّ عَلَى بَقَاءِ التَّحْرِيمِ وُجُوهٌ:
أَحَدُهَا: أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ أَخْبَرَ أَنَّهُ حَرَّمَهُ وَلَمْ يُخْبِرْ بِأَنَّهُ نَسَخَهُ بَعْدَ تَحْرِيمِهِ، وَإِنَّمَا يَزُولُ التَّحْرِيمُ عَمَّنِ الْتَزَمَ الْإِسْلَامَ.
الثَّانِي: أَنَّهُ عَلَّلَ التَّحْرِيمَ بِالْبَغْيِ، وَهُوَ لَمْ يَزَلْ بِكُفْرِهِمْ بِمُحَمَّدٍ ﷺ .
الثَّالِثُ: مَا فِي " الصَّحِيحِ " عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ حُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الشُّحُومُ فَجَمَّلُوهَا فَبَاعُوهَا وَأَكَلُوا أَثْمَانَهَا» ".
وَفِي " الْمُسْنَدِ " عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ
стр. 444
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ حُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الشُّحُومُ فَبَاعُوهَا وَأَكَلُوا أَثْمَانَهَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يُحَرِّمْ عَلَى قَوْمٍ أَكْلَ شَيْءٍ إِلَّا حَرَّمَ عَلَيْهِمْ ثَمَنَهُ» .
فَلَوْ كَانَ التَّحْرِيمُ قَدْ زَالَ عَنْهُمْ لَمْ يَلْعَنْهُمْ عَلَى فِعْلِ الْمُبَاحِ.
قَالُوا: وَلَا يَمْتَنِعُ وُرُودُ الشَّرْعِ بِإِقْرَارِهِمْ عَلَى آصَارِهِمْ وَأَغْلَالِهِمْ تَغْلِيظًا عَلَيْهِمْ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [النحل: ١٢٤] ، فَأَخْبَرَ أَنَّهُ جُعِلَ عَلَيْهِمْ، وَلَمْ يُخْبِرْ بِأَنَّهُ رَفَعَهُ عَنْهُمْ، وَإِنَّمَا يُرْفَعُ عَمَّنِ الْتَزَمَ أَحْكَامَ الْإِسْلَامِ.
وَفِي بَقَاءِ تَحْرِيمِهِ عَلَيْهِمْ قَوْلَانِ لِلْفُقَهَاءِ، وَهُمَا وَجْهَانِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ وَعَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ يَلْزَمُهُمْ بِهِ، وَلَا يُمَكِّنُهُمْ مِنْ كَسْرِهِ.
وَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى بَقَاءِ تَحْرِيمِ الشُّحُومِ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ فِي رِوَايَةِ ابْنِهِ
стр. 445
عَبْدِ اللَّهِ: لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يُطْعِمَ يَهُودِيًّا شَحْمًا ; لِأَنَّهُ مُحَرَّمٌ عَلَيْهِ.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ: وَيَدُلُّ عَلَى التَّحْرِيمِ أَنَّ الْمُسْلِمَ لَمَّا لَمْ تَعْمَلْ ذَكَاتُهُ فِيمَا حُرِّمَ عَلَيْهِ، فَالْيَهُودِيُّ أَوْلَى.
قَالَ: فَذَكَاةُ الْيَهُودِيِّ لَا تَعْمَلُ فِي الشَّحْمِ، كَمَا لَا تَعْمَلُ ذَكَاةُ الْمُسْلِمِ فِي الْغُدَّةِ وَأُذُنِ الْقَلْبِ لِنَهْيِ النَّبِيِّ ﷺ .
стр. 446
قَالَ: وَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى ذَلِكَ، فَقَالَ ابْنُ مَنْصُورٍ: قُلْتُ لِأَحْمَدَ: آكُلُ أُذُنَ الْقَلْبِ؟ فَقَالَ: لَا تُؤْكَلُ.
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: قُلْتُ لِأَبِي: الْغُدَّةُ؟ فَقَالَ: لَا تُؤْكَلُ، النَّبِيُّ ﷺ كَرِهَهَا.
وَقَدْ رَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ حَدِيثِ بَقِيَّةَ بْنِ الْوَلِيدِ عَنْ أَبِي الْمُنْذِرِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ «عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَأَلَهَا عَنْ أُذُنِ الْقَلْبِ، فَقَالَتْ: أَلْقَيْتُهَا، فَقَالَ: " طَابَتْ قِدْرُكِ وَحَلَّ أَكْلُهُ» ".
стр. 447
وَقَالَ أَبُو طَالِبٍ: قُلْتُ لِأَحْمَدَ: حَدِّثُونِي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، فَقَالَ: ثِقَةٌ، ثُمَّ قَالَ: مَنْ حَدَّثَكَ عَنْهُ؟ قُلْتُ: مُسَدَّدٌ، قَالَ: سَمِعَ مِنْهُ بِالْيَمَامَةِ، قُلْتُ: رَوَاهُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ أُذُنِ الْقَلْبِ.
قَالُوا: وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ الْقَصْدَ فِي الذَّكَاةِ مُعْتَبَرٌ، وَلِهَذَا اخْتَلَفَتْ بِاخْتِلَافِ الْمُذَكِّينَ، وَعَكْسُهُ إِزَالَةُ النَّجَاسَةِ، لَمَّا لَمْ يَكُنِ الْقَصْدُ فِيهَا مُعْتَبَرًا لَمْ يُعْتَبَرْ بِاخْتِلَافِ الْمُزِيلِينَ.
قَالُوا: وَأَمَّا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ فَجَوَابُهُ مِنْ وُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ: " فَأَخَذْتُهُ فَأَكَلْتُهُ " فَلَعَلَّهُ أَخَذَهُ لِغَيْرِ الْأَكْلِ.
стр. 448
الثَّانِي: أَنَّهُ لَعَلَّهُ كَانَتْ رَغْبَتُهُ فِي الظَّرْفِ لَا فِي الْمَظْرُوفِ.
الثَّالِثُ: لَعَلَّهُ كَانَ مُضْطَرًّا إِلَى أَكْلِهِ فَلَمْ يَنْهَهُ عَنْهُ.
الرَّابِعُ: أَنَّهُ لَعَلَّهُ مِنْ ذَبِيحَةِ مُسْلِمٍ، وَلَا يَتَعَيَّنُ أَنْ يَكُونَ مِنْ ذَبِيحَةِ كِتَابِيٍّ، وَهَذَا مِنْ أَفْسَدِ الْأَجْوِبَةِ فَإِنَّهُ دُلِّيَ مِنَ الْحِصْنِ وَالْمُسْلِمُونَ مُحَاصِرُوهُ.
الْخَامِسُ: - وَهُوَ أَصَحُّ الْأَجْوِبَةِ - أَنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ كَوْنُهُ مِنَ الشَّحْمِ الْمُحَرَّمِ عَلَيْهِمْ، بَلِ الظَّاهِرُ أَنَّهُمْ إِنَّمَا كَانُوا يَأْكُلُونَ الشُّحُومَ الْمُبَاحَةَ لَهُمْ، فَيَجُوزُ لَنَا أَكْلُهُ كَمَا يَجُوزُ لَنَا أَكْلُ ذَبَائِحِهِمْ وَأَطْعِمَتِهِمْ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مِنْ شَحْمِ الظَّهْرِ وَالْحَوَايَا وَمَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ، فَإِنَّهُ هُوَ الشَّحْمُ الَّذِي كَانُوا يَأْكُلُونَهُ.
وَأَمَّا أَكَلَ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ الشَّاةِ الَّتِي ذَبَحَتْهَا الْيَهُودِيَّةُ فَإِنَّهَا كَانَتْ شَاةً مَشْوِيَّةً، وَالشَّاةُ إِنَّمَا تُشْوَى بَعْدَ نَزْعِ شَحْمِهَا، وَهُوَ إِنَّمَا أَكَلَ مِنَ الذِّرَاعِ وَلَيْسَ بِحَرَامٍ.
وَأَمَّا قَوْلُكُمْ: إِنَّهُ مِنَ الْمُحَالِ أَنْ تَقَعَ التَّذْكِيَةُ عَلَى بَعْضِ الشَّاةِ دُونَ بَعْضٍ فَهَذَا لَيْسَ بِمُحَالٍ عَقْلًا وَلَا شَرْعًا أَنْ تَعْمَلَ الذَّكَاةُ فِيمَا يُبَاحُ مِنَ الشَّاةِ دُونَ مَا يَحْرُمُ مِنْهَا أَوْ يُكْرَهُ، وَالشَّرِيعَةُ طَافِحَةٌ مِنْ تَبَعُّضِ الْأَحْكَامِ وَهُوَ مَحْضُ الْفِقْهِ، وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ الْبِنْتَ مِنَ الرَّضَاعَةِ بِنْتًا فِي الْحُرْمَةِ وَالْمَحْرَمَةِ، وَأَجْنَبِيَّةً فِي الْمِيرَاثِ وَالْإِنْفَاقِ.
стр. 449
وَكَذَلِكَ بَنْتُ الزِّنَا عِنْدَ جُمْهُورِ الْأُمَّةِ بِنْتٌ فِي تَحْرِيمِ النِّكَاحِ، وَلَيْسَتْ بِنْتًا فِي الْمِيرَاثِ.
وَكَذَلِكَ جَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ ابْنَ وَلِيدَةِ زَمْعَةَ أَخًا لِسَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ فِي الْفِرَاشِ، وَأَجْنَبِيًّا فِي النَّظَرِ لِأَجْلِ الشَّبَهِ بِعُتْبَةَ.
стр. 450
فَلَا يَسْتَحِيلُ أَنْ تَكُونَ الشَّاةُ مُذَكَّاةً بِالنِّسْبَةِ إِلَى اللَّحْمِ وَالشَّحْمِ الْمُبَاحِ، غَيْرَ مُذَكَّاةٍ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الشَّحْمِ الْمُحَرَّمِ.
وَأَمَّا اسْتِدْلَالُكُمْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ [المائدة: ٥] ، وَأَنَّ هَذِهِ الشُّحُومَ مِنْ طَعَامِنَا، فَلَعَمْرُ اللَّهِ إِنَّهَا مِنْ طَعَامِنَا إِذَا ذَكَّاهَا الْمُسْلِمُ وَمَنْ تَحِلُّ لَهُ، فَأَمَّا إِذَا ذَكَّاهَا مَنْ يَعْتَقِدُ تَحْرِيمَهَا فَلَيْسَتْ فِي هَذِهِ الْحَالِ مِنْ طَعَامِهِ وَلَا مِنْ طَعَامِنَا.
стр. 451
وَأَمَّا اسْتِدْلَالُكُمْ بِقَوْلِ الْمَسِيحِ: ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [آل عمران: ٥٠] ، وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى عَنْ مُحَمَّدٍ ﷺ : ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧] ، فَهَذَا الْإِحْلَالُ إِنَّمَا هُوَ لِمَنْ آمَنَ بِالْمَسِيحِ وَبِمُحَمَّدٍ نِعْمَةً مِنَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَكَرَامَةً لَهُ لَا لِمَنْ أَصَرَّ عَلَى كُفْرِهِ وَتَكْذِيبِهِ، وَإِنَّمَا هُوَ لِمَنِ الْتَزَمَ الشَّرِيعَةَ الَّتِي جَاءَتْ بِالْحِلِّ.
وَأَمَّا سُؤَالُ ابْنِ حَزْمٍ: " هَلِ الْحَمْلُ وَالشَّحْمُ الْيَوْمَ حَرَامٌ عَلَيْهِمْ أَمْ حَلَالٌ لَهُمْ؟ فَإِنْ قَالُوا: حَرَامٌ عَلَيْهِمْ، كَفَرُوا وَإِنْ قَالُوا: حَلَالٌ، تَرَكُوا قَوْلَهُمْ "، فَكَلَامٌ مُتَهَوِّرٌ مُقَدَّمٌ عَلَى تَكْفِيرِ مَنْ لَمْ يُكَفِّرْهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَعَلَى التَّكْفِيرِ بِظَنِّهِ الْفَاسِدِ، وَلَا يَسْتَحِقُّ هَذَا الْكَلَامُ جَوَابًا لِخُلُوِّهِ عَنِ الْحُجَّةِ، وَهُمْ يَقْلِبُونَ عَلَيْهِ هَذَا السُّؤَالَ فَيَقُولُونَ لَهُ: نَحْنُ نَسْأَلُكَ هَلْ أَحَلَّ اللَّهُ لَهُمْ هَذِهِ الشُّحُومَ مَعَ إِقَامَتِهِمْ عَلَى كُفْرِهِمْ بِمُحَمَّدٍ ﷺ فَأَبَاحَهَا لَهُمْ وَطَيَّبَهَا فِي هَذِهِ الْحَالِ، أَمْ أَبْقَاهُمْ عَلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الْآصَارِ وَالْأَغْلَالِ؟ فَإِنْ قُلْتَ: بَلْ أَبَاحَهَا لَهُمْ وَطَيَّبَهَا وَأَحَلَّهَا مَعَ بَقَائِهِمْ عَلَى الْيَهُودِيَّةِ وَتَكْذِيبِ رَسُولِهِ، فَهَذَا كُفْرٌ وَكَذِبٌ عَلَى اللَّهِ وَعَلَى كِتَابِهِ، وَإِنْ قُلْتَ: أَبْقَاهُمْ عَلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ تَرَكْتَ قَوْلَكَ وَصِرْتَ إِلَى قَوْلِنَا، فَلَا بُدَّ لَكَ مِنْ وَاحِدٍ مِنْ هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ، وَأَحْسَنُ أَحْوَالِكَ أَنْ تَتَنَاقَضَ، لِتَسْلَمَ بِتَنَاقُضِكَ مِنَ الْكُفْرِ.
وَأَمَّا سُؤَالُكَ عَنْ ذَبِيحَةِ الْمُسْتَخِفِّ بِدِينِهِ الَّذِي يَعْتَقِدُ حِلَّ الشُّحُومِ، فَهَذَا السُّؤَالُ جَوَابُهُ فِيهِ، فَإِنَّهُ مَتَى اعْتَقَدَ حِلَّ الشُّحُومِ خَرَجَ عَنِ الْيَهُودِيَّةِ إِمَّا إِلَى الْإِسْلَامِ، وَإِمَّا إِلَى الزَّنْدَقَةِ، فَإِنَّ تَحْرِيمَ الشُّحُومِ ثَابِتٌ بِنَصِّ التَّوْرَاةِ، فَإِنْ
стр. 452
كَذَّبَ التَّوْرَاةَ وَأَقَامَ عَلَى يَهُودِيَّتِهِ فَلَيْسَ بِيَهُودِيٍّ وَلَا تَحِلُّ ذَبِيحَتُهُ، وَإِنْ آمَنَ بِالتَّوْرَاةِ وَاعْتَقَدَ حِلَّ الشُّحُومِ ; لِأَنَّ شَرِيعَةَ الْإِسْلَامِ أَبْطَلَتْ مَا سِوَاهَا مِنَ الشَّرَائِعِ، وَالْوَاجِبُ اتِّبَاعُهَا، فَهَذَا الِاعْتِقَادُ حَقٌّ وَلَكِنْ لَا يُبِيحُ لَهُ الشُّحُومَ الْمُحَرَّمَةَ إِلَّا بِالْتِزَامِ شَرِيعَةِ الْإِسْلَامِ الَّتِي رَفَعَ اللَّهُ بِهَا عَنْهُمُ الْآصَارَ وَالْأَغْلَالَ، فَإِذَا لَمْ يَلْتَزِمْ شَرِيعَةَ الْإِسْلَامِ وَأَقَامَ عَلَى الْيَهُودِيَّةِ لَمْ يَنْفَعْهُ اعْتِقَادُهُ دُونَ انْقِيَادِهِ شَيْئًا، كَمَا لَوِ اعْتَقَدَ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَمْ يَنْقَدْ لِلْإِسْلَامِ وَمُتَابَعَتِهِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَيَلْزَمُهُمْ أَلَّا يَأْكُلُوا مَا ذَبَحَهُ يَهُودِيٌّ يَوْمَ سَبْتٍ، فَهَذَا لَا يَمْنَعُ أَنْ يَلْتَزِمُوهُ، فَإِنَّهُمْ إِنِ اعْتَقَدُوا تَحْرِيمَ مَا ذَبَحُوهُ يَوْمَ السَّبْتِ كَانَ بِمَنْزِلَةِ مَا ذَبَحُوهُ مِنْ دَوَابِّ الظُّفُرِ، وَإِنْ لَمْ يَعْتَقِدُوا تَحْرِيمَهُ كَانَ مِنْ طَعَامِهِمْ، فَكَانَ حَلَالًا، وَلِأَصْحَابِ هَذَا الْقَوْلِ فِي بَقَاءِ تَحْرِيمِ السَّبْتِ عَلَيْهِمْ قَوْلَانِ.
وَأَمَّا صَيْدُهُمُ الْحِيتَانَ يَوْمَ السَّبْتِ فَخَفِيَ عَلَى أَبِي مُحَمَّدٍ أَنَّ غَايَتَهَا أَنْ تَكُونَ مَيْتَةً، وَمَيْتَةُ السَّمَكِ حَلَالٌ وَلِهَذَا لَا يَحْرُمُ مَا صَادَهُ مِنْهُ الْمَجُوسِيُّ وَالْوَثَنِيُّ فِي أَصَحِّ قَوْلَيِ الْعُلَمَاءِ، وَهُمَا رِوَايَتَانِ عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ فِي السَّمَكِ وَالْجَرَادِ، فَلَمْ يَتَنَاقَضُوا فِيهِ كَمَا زَعَمْتَ.
وَأَمَّا فَتَاوَى مَنْ ذَكَرْتَ مِنَ الصَّحَابَةِ بِحِلِّ ذَبَائِحِ أَهْلِ الْكِتَابِ فَنَعَمْ لَعَمْرُ اللَّهِ لَا يُعْرَفُ عَنْهُمْ فِيهَا خِلَافٌ، وَلَيْسَ الْكَلَامُ فِيهَا، وَالصَّحَابَةُ إِنَّمَا أَفْتَوْا بِحِلِّ جِنْسِ ذَبَائِحِهِمْ، وَأَنَّهَا تُخَالِفُ ذَبَائِحَ الْمَجُوسِ، وَلَمْ يُرِيدُوا بِذَلِكَ حِلَّ مَا لَا يَعْتَقِدُونَهُ حَلَالًا مِنْ ذَبَائِحِهِمْ وَأَطْعِمَتِهِمْ، فَلَا يُحْفَظُ عَنِ الصَّحَابَةِ التَّصْرِيحُ بِهَذَا وَلَا هَذَا، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
стр. 453
[الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ فِي الطَّرِيفَا وَهُوَ مَا لَصِقَتْ رِئَتُهُ بِالْجَنْبِ هَلْ يُحَرَّمُ عَلَيْنَا]
لِكَوْنِهِمْ لَا يَعْتَقِدُونَ حِلَّهُ أَمْ لَا؟ فَالْجُمْهُورُ لَا يُحَرِّمُونَهُ، وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ قَطْعًا ; لِأَنَّ تَحْرِيمَ هَذَا إِنَّمَا عُلِمَ مِنْ جِهَتِهِمْ لَا بِنَصِّ التَّوْرَاةِ، فَلَا يُقْبَلُ قَوْلَهُمْ فِيهِ، بِخِلَافِ تَحْرِيمِ ذِي الظُّفُرِ وَالشُّحُومِ الْمُحَرَّمَةِ.
وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي كِتَابِ " الْهِدَايَةِ " سَبَبَ هَذَا التَّحْرِيمِ، وَمِنْ أَيْنَ نَشَأَ
стр. 454
وَأَنَّ التَّوْرَاةَ لَمْ تُحَرِّمْهُ، وَأَنَّهُمْ غَلِطُوا عَلَى التَّوْرَاةِ فِي تَحْرِيمِهِ، وَذَكَرْنَا نَصَّ التَّوْرَاةِ وَأَنَّهُمْ حَمَلُوهُ عَلَى غَيْرِ مَحْمَلِهِ.
وَذَهَبَ أَصْحَابُ مَالِكٍ إِلَى تَحْرِيمِهِ طَرْدًا لِهَذَا الْأَصْلِ، وَأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ طَعَامِهِمْ، وَهَذَا لَيْسَ بِمَنْصُوصٍ عَنْ مَالِكٍ وَلَا هُوَ مُقْتَضَى أُصُولِهِ، وَالذَّابِحُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ اعْتَقَدَ حِلَّ الْمَذْبُوحِ، وَأَنَّهُ مِنْ طَعَامِهِ بِخِلَافِ ذَابِحِ ذِي الظُّفُرِ، وَتَحْرِيمُ هَذَا غَيْرُ ثَابِتٍ بِالنَّصِّ، بِخِلَافِ تَحْرِيمِ ذِي الظُّفُرِ، فَلَا يَصِحُّ إِلْحَاقُ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 455
[ذِكْرُ أَحْكَامِ مُعَامَلَة أهل الذمة] [ فصل الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ من أهل الذمة]
ذِكْرُ أَحْكَامِ مُعَامَلَتِهِمْ.
١٠٦ - فَصْلٌ
فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ مِنْهُمْ.
ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ اشْتَرَى مِنْ يَهُودِيٍّ سِلْعَةً إِلَى الْمَيْسَرَةِ.
وَثَبَتَ عَنْهُ أَنَّهُ أَخَذَ مِنْ يَهُودِيٍّ ثَلَاثِينَ وَسْقًا مِنْ شَعِيرٍ، وَرَهَنَهُ دِرْعَهُ.
وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ مُعَامَلَتِهِمْ، وَرَهْنِهِمُ السِّلَاحَ وَعَلَى الرَّهْنِ فِي الْحَضَرِ.
стр. 456
وَثَبَتَ عَنْهُ أَنَّهُ زَارَعَهُمْ وَسَاقَاهُمْ.
وَثَبَتَ عَنْهُ أَنَّهُ أَكَلَ مِنْ طَعَامِهِمْ، وَفِي ذَلِكَ كُلِّهِ قَبُولُ قَوْلِهِمْ: إِنَّ ذَلِكَ الشَّيْءَ مِلْكُهُمْ.
قَالَ حَنْبَلٌ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ فِي الرَّجُلِ يَجِيئُهُ الذِّمِّيُّ يَشْتَرِي مِنْهُ الْمَتَاعَ، فَيُمَاكِسُهُ مِكَاسًا شَدِيدًا، فَيَبِيعُهُ الْمَتَاعَ، ثُمَّ يَجِيءُ بَعْدَ ذَلِكَ الْمُسْلِمُ فَيَسْتَقْصِي أَيْضًا فِي شِدَّةِ الْمِكَاسِ، فَيَبِيعُهُ أَغْلَى مِمَّا يَبِيعُ الذِّمِّيُّ، وَرُبَّمَا بَاعَ الذِّمِّيُّ أَغْلَى، قَالَ: أَرْجُو أَلَّا يَكُونَ بِهِ بَأْسٌ.
[فَصْلٌ فِي شَرِكَتِهِمْ وَمُضَارَبَتِهِمْ]
١٠٧ - فَصْلٌ
فِي شَرِكَتِهِمْ وَمُضَارَبَتِهِمْ.
قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ شَارَكَهُمْ فِي زَرْعِ خَيْبَرَ وَثَمَرِهَا.
قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، وَسُئِلَ عَنِ الرَّجُلِ يُشَارِكُ الْيَهُودِيَّ وَالنَّصْرَانِيَّ، قَالَ: يُشَارِكُهُمْ، وَلَكِنْ يَلِي هُوَ الْبَيْعَ وَالشِّرَاءَ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ يَأْكُلُونَ الرِّبَا وَيَسْتَحِلُّونَ الْأَمْوَالَ ثُمَّ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ [آل عمران: ٧٥] .
стр. 457
وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ هَانِئٍ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ قَالَ فِي شَرِكَةِ الْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ: أَكْرَهُهُ، لَا يُعْجِبُنِي إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُسْلِمُ الَّذِي يَلِي الْبَيْعَ وَالشِّرَاءَ.
وَقَالَ الْأَثْرَمُ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَنْ مُشَارَكَةِ الْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ؟ قَالَ: شَارِكْهُمْ وَلَكِنْ لَا يَخْلُو الْيَهُودِيُّ وَالنَّصْرَانِيُّ بِالْمَالِ دُونَهُ، يَكُونُ هُوَ يَلِيهِ ; لِأَنَّهُ يَعْمَلُ بِالرِّبَا.
وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ: قِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: قِيلَ لِسُفْيَانَ: مَا تَرَى فِي مُشَارَكَةِ النَّصْرَانِيِّ؟ قَالَ: أَمَّا مَا يَغِيبُ عَنْكَ فَمَا يُعْجِبُنِي.
قَالَ أَحْمَدُ: حَسَنٌ.
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الْأَعْلَى، ثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ قَالَ: قَالَ إِيَاسُ بْنُ مُعَاوِيَةَ: إِذَا شَارَكَ الْمُسْلِمُ الْيَهُودِيَّ أَوِ النَّصْرَانِيَّ، وَكَانَتِ الدَّرَاهِمُ مَعَ الْمُسْلِمِ فَهُوَ الَّذِي يَتَصَرَّفُ بِهَا فِي الشِّرَاءِ وَالْبَيْعِ، فَلَا بَأْسَ، وَلَا يَدْفَعُهَا إِلَى الْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ يَعْمَلَانِ فِيهَا ; لِأَنَّهُمَا يُرْبِيَانِ.
стр. 458
قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: سَأَلْتُ أَبِي عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ مِثْلَ قَوْلِ إِيَاسٍ.
وَقَالَ الْعَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخَلَّالُ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ فِي الْمُسْلِمِ يَدْفَعُ إِلَى الذِّمِّيِّ مَالًا يُشَارِكُهُ، قَالَ: أَمَّا إِذَا كَانَ هُوَ يَلِي ذَلِكَ فَلَا، إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُسْلِمُ يَلِيهِ.
وَقَالَ حَنْبَلٌ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: مَا أُحِبُّ مُخَالَطَتَهُ بِسَبَبٍ مِنَ الْأَسْبَابِ فِي الشِّرَاءِ وَالْبَيْعِ، هَذَا لَفْظُهُ.
قَالَ الْخَلَّالُ فِي " الْجَامِعِ ": يَعْنِي الْمَجُوسِيَّ ; لِأَنَّ عِصْمَةَ بَيَّنَ ذَلِكَ.
أَخْبَرَنَا عِصْمَةُ بْنُ عِصَامٍ، حَدَّثَنَا حَنْبَلٌ أَنَّ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: أَمَّا الْمَجُوسِيُّ
стр. 459
فَمَا أُحِبُّ مُخَالَطَتَهُ وَلَا مُعَامَلَتَهُ.
قَالَ الْخَلَّالُ: وَأَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَنْبَلٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي - فِي مَوْضِعٍ آخَرَ، قَالَ: سَأَلْتُ عَمِّيَ - قُلْتُ لَهُ: تَرَى لِلرَّجُلِ أَنْ يُشَارِكَ الْيَهُودِيَّ وَالنَّصْرَانِيَّ؟ قَالَ: لَا بَأْسَ، إِلَّا أَنَّهُ لَا تَكُونُ الْمُعَامَلَةُ فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ إِلَيْهِ، يُشْرِفُ عَلَى ذَلِكَ، وَلَا يَدَعُهُ حَتَّى يَعْلَمَ مُعَامَلَتَهُ وَبَيْعَهُ، فَأَمَّا الْمَجُوسِيُّ فَلَا أُحِبُّ مُخَالَطَتَهُ وَلَا مُعَامَلَتَهُ ; لِأَنَّهُ يَسْتَحِلُّ مَا لَا يَسْتَحِلُّ هَذَا.
قَالَ حَنْبَلٌ: وَحَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ قَالَ: سُئِلَ حَمَّادٌ عَنْ مُشَارَكَةِ الْمَجُوسِيِّ قَالَ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ، قِيلَ لَهُ: فَيَدْفَعُ إِلَيْهِ مَالًا مُضَارَبَةً؟ قَالَ: لَا.
стр. 460
قَالَ [عَبْدُ اللَّهِ بْنُ] حَنْبَلٍ قَالَ عَمِّي: لَا يُشَارِكُهُ وَلَا يُضَارِبُهُ.
وَقَالَ حَرْبٌ: سَأَلْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ قُلْتُ: مَا قَوْلُكَ فِي شَرِكَةِ الْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ؟ فَكَرِهَهُ وَقَالَ: لَا يُعْجِبُنِي إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُسْلِمُ هُوَ الَّذِي يَلِي الشِّرَاءَ وَالْبَيْعَ.
قَالَ حَرْبٌ: وَحَدَّثَنَا أَبُو أُمَيَّةَ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ، حَدَّثَنَا بُكَيْرُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ عَطَاءٌ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ مُشَارَكَةِ الْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ الشِّرَاءُ وَالْبَيْعُ بِيَدِ الْمُسْلِمِ» .
وَهَذَا الْحَدِيثُ - عَلَى إِرْسَالِهِ - ضَعِيفُ السَّنَدِ.
следующие страницы →