Полный текст (1 326 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
وَأَجَابَ الْقَاضِي بِأَنَّ هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى جَوَازِ أَنْكِحَتِهِمْ لِذَوَاتِ الْمَحَارِمِ، فَإِنَّ الطَّلَاقَ لَا يَقَعُ فِيهَا. وَهَذَا مِنْ أَفْسَدِ الْأَجْوِبَةِ، وَكَيْفَ يَقُولُ لَهُ عُمَرُ فِي نِكَاحِ أُمِّهِ وَابْنَتِهِ: لَا آمُرُكَ وَلَا أَنْهَاكَ؟ وَكَيْفَ يَقُولُ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: لَكِنِّي آمُرُكَ، لَيْسَ طَلَاقُكَ بِشَيْءٍ، وَلَمْ يَكُنْ فِي الْعَرَبِ مَنْ يَسْتَحِلُّ نِكَاحَ ذَوَاتِ الْمَحَارِمِ كَالْمَجُوسِ؟
وَعِنْدِي جَوَابٌ آخَرُ، وَهُوَ أَنَّ الطَّلَاقَ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ بِغَيْرِ عَدَدٍ كَمَا «قَالَتْ عَائِشَةُ: كَانَ الرَّجُلُ يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ مَا شَاءَ أَنْ يُطَلِّقَهَا، وَهِيَ امْرَأَتُهُ إِذَا ارْتَجَعَهَا وَهِيَ فِي الْعِدَّةِ، وَإِنْ طَلَّقَهَا مِائَةَ مَرَّةٍ، أَوْ أَكْثَرَ، حَتَّى قَالَ رَجُلٌ لِامْرَأَتِهِ، وَاللَّهِ لَا أُطَلِّقُكِ فَتَبِينِي مِنِّي، وَلَا أُؤْوِيكِ أَبَدًا، قَالَتْ: وَكَيْفَ ذَلِكَ؟ قَالَ: أُطَلِّقُكِ فَكُلَّمَا هَمَّتْ عِدَّتُكِ أَنْ تَنْقَضِيَ رَاجَعْتُكِ: فَذَهَبَتِ الْمَرْأَةُ حَتَّى دَخَلَتْ عَلَى عَائِشَةَ ﵂ فَأَخْبَرَتْهَا، فَسَكَتَتْ عَائِشَةُ حَتَّى جَاءَ النَّبِيُّ ﷺ فَأَخْبَرَتْهُ فَسَكَتَ، حَتَّى نَزَلَ الْقُرْآنُ: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩] قَالَتْ: فَاسْتَأْنَفَ النَّاسُ الطَّلَاقَ مُسْتَقْبَلًا، مَنْ كَانَ طَلَّقَ وَمَنْ لَمْ يَكُنْ طَلَّقَ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مُتَّصِلًا، ثُمَّ رَوَاهُ عَنْ عُرْوَةَ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ عَائِشَةَ، وَقَالَ هَذَا أَصَحُّ.
стр. 527
وَأَمَّا قَوْلُهُ ﷺ : " «وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ» " فَمَا أَصَحَّهُ مِنْ حَدِيثٍ، وَمَا أَضْعَفَ الِاسْتِدْلَالَ بِهِ عَلَى بُطْلَانِ أَنْكِحَةِ الْكُفَّارِ، وَقَدْ أَجَابَ عَنْهُ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ بِأَنَّ " كَلِمَةَ اللَّهِ " هِيَ لَفْظُ الْإِنْكَاحِ.
стр. 528
وَالتَّزْوِيجِ اللَّذَيْنِ لَا يَنْعَقِدُ النِّكَاحُ إِلَّا بِهِمَا. وَهَذَا جَوَابٌ فِي غَايَةِ الْوَهَنِ، فَإِنَّ " كَلِمَةَ اللَّهِ " هِيَ الَّتِي تَكَلَّمَ بِهَا، وَلِهَذَا أُضِيفَتْ إِلَيْهِ.
وَأَمَّا الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ فَكَلِمَةُ الْمَخْلُوقِ، فَلَا تُضَافُ إِلَى اللَّهِ، وَإِلَّا كَانَ كُلُّ كَلَامٍ تَكَلَّمَ بِهِ الْعَبْدُ يُضَافُ إِلَى الرَّبِّ، وَهَذَا بَاطِلٌ قَطْعًا، فَإِنَّ كَلِمَةَ اللَّهِ كَسَمْعِ اللَّهِ، وَبَصَرِهِ، وَقُدْرَتِهِ، وَحَيَاتِهِ وَعِلْمِهِ، وَإِرَادَتِهِ، وَمَشِيئَتِهِ، كُلُّ ذَلِكَ لِلصِّفَاتِ الْقَائِمَةِ بِهِ، لَا لِلْمَخْلُوقِ الْمُنْفَصِلِ عَنْهُ.
وَالْجَوَابُ الصَّحِيحُ أَنَّ هَذَا خِطَابٌ لِلْمُسْلِمِينَ، وَلَا رَيْبَ أَنَّهُمْ إِنَّمَا اسْتَحَلُّوا فُرُوجَ نِسَائِهِمْ بِكَلِمَةِ اللَّهِ وَإِبَاحَتِهِ.
أَمَّا الْمُبْتَدَأُ نِكَاحُهَا فِي الْإِسْلَامِ فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا الْمُسْتَدَامُ نِكَاحُهَا فَإِنَّمَا اسْتُدِيمَ بِكَلِمَةِ اللَّهِ أَيْضًا، فَلَا يَمَسُّ الْحَدِيثُ مَحَلَّ النِّزَاعِ بِوَجْهٍ.
وَأَمَّا قَوْلُكُمْ: كُلُّ آيَةٍ أَبَاحَتِ النِّكَاحَ فِي الْقُرْآنِ فَالْخِطَابُ بِهَا لِلْمُسْلِمِينَ، فَهَذَا الِاسْتِدْلَالُ مِنْ أَعْجَبِ الْأَشْيَاءِ، فَإِنَّ الْأُمَّةَ بَعْدَ نُزُولِ الْقُرْآنِ مَأْخُوذَةٌ بِأَحْكَامِهِ، وَأَوَامِرِهِ، وَنَوَاهِيهِ، وَأَمَّا قَبْلَ ذَلِكَ فَمَا أَقَرَّهُ الْقُرْآنُ فَهُوَ عَلَى مَا أَقَرَّهُ، وَمَا غَيَّرَهُ وَأَبْطَلَهُ فَهُوَ كَمَا غَيَّرَهُ وَأَبْطَلَهُ، فَأَيْنَ أَبْطَلَ الْقُرْآنُ نِكَاحَ الْكُفَّارِ، وَلَمْ يُقِرَّهُمْ عَلَيْهِ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ؟ عَلَى أَنَّ الْبَيْعَ، وَالرَّهْنَ، وَالْمُدَايَنَةَ، وَالْقَرْضَ، وَغَيْرَهَا مِنَ الْعُقُودِ إِنَّمَا خُوطِبَ بِهَا الْمُؤْمِنُونَ، فَهَلْ يَقُولُ أَحَدٌ: إِنَّهَا بَاطِلَةٌ مِنَ الْكُفَّارِ؟ وَهَلِ النِّكَاحُ إِلَّا عَقْدٌ مِنْ عُقُودِهِمْ كَبِيَاعَاتِهِمْ، وَإِجَارَاتِهِمْ، وَرُهُونِهِمْ، وَسَائِرِ عُقُودِهِمْ؟ وَلَيْسَ النِّكَاحُ مِنْ قَبِيلِ الْعِبَادَاتِ الْمَحْضَةِ الَّتِي يُشْتَرَطُ فِي صِحَّتِهَا الْإِسْلَامُ، كَالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَالْحَجِّ، بَلْ هُوَ مِنْ عُقُودِ الْمُعَاوَضَاتِ الَّتِي تَصِحُّ مِنَ الْمُسْلِمِ، وَالْكَافِرِ.
стр. 529
وَأَمَّا قَوْلُهُمُ: الْمَسْأَلَةُ إِجْمَاعٌ مِنَ الصَّحَابَةِ، فَهُوَ ذَلِكَ الْأَثَرُ الَّذِي لَا يَصِحُّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَلَوْ صَحَّ لَمْ يَكُنْ فِيهِ حُجَّةٌ فَأَيْنَ قَوْلُ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، فَضْلًا عَنْ جَمِيعِهِمْ؟
وَأَمَّا قَوْلُكُمْ: كَيْفَ يُحْكَمُ بِصِحَّةِ نِكَاحٍ عَرِيَ عَنِ الْوَلِيِّ، وَالشُّهُودِ، وَشُرُوطِ النِّكَاحِ، فَمِنْ أَضْعَفِ الِاسْتِدْلَالِ، فَإِنَّ هَذِهِ إِنَّمَا صَارَتْ شُرُوطًا بِالْإِسْلَامِ، وَلَمْ تَكُنْ شُرُوطًا قَبْلَهُ حَتَّى نَحْكُمَ بِبُطْلَانِ كُلِّ نِكَاحٍ وَقَعَ قَبْلَهَا، وَإِنَّمَا اشْتُرِطَتْ فِي الْإِسْلَامِ فِي حَقِّ مَنِ الْتَزَمَ الْإِسْلَامَ، وَأَمَّا مَنْ لَمْ يَلْتَزِمْهُ فَإِنَّ حُكْمَ النِّكَاحِ بِدُونِهَا كَحُكْمِ مَا يَعْتَقِدُونَ صِحَّتَهُ مِنَ الْعُقُودِ الْفَاسِدَةِ الَّتِي لَا مَسَاغَ لَهَا فِي الْإِسْلَامِ، فَإِنَّهَا تَصِحُّ مِنْهُمْ، وَلَوْ أَسْلَمُوا وَقَدْ تَعَامَلُوا بِهَا وَتَقَايَضُوا لَمْ تُنْقَضْ وَأُمْضِيَتْ.
فَإِنْ قِيلَ: الْإِسْلَامُ صَحَّحَهَا لَهُمْ، وَهَكَذَا صَحَّحَ النِّكَاحَ، قُلْنَا: لَكِنَّ الْإِسْلَامَ لَمْ يُبْطِلْ تَرَتُّبَ آثَارِهَا عَلَيْهَا قَبْلَهُ، فَيَجِبُ أَلَّا يُبْطِلَ تَرَتُّبَ آثَارِ النِّكَاحِ عَلَيْهِ مِنَ الطَّلَاقِ، وَالظِّهَارِ، وَالْإِيلَاءِ.
وَأَمَّا اسْتِدْلَالُكُمْ بِقَوْلِهِ ﷺ : " «أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ نَفْسَهَا بِدُونِ إِذَنِ وَلَيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ» " فَهَذَا عَجَبٌ مِنْكُمْ، فَإِنَّهَا لَوْ زَوَّجَهَا الْوَلِيُّ كَانَ النِّكَاحُ فَاسِدًا عِنْدَكُمْ، فَإِنْ قُلْتُمُ: الْوَلِيُّ الْكَافِرُ كَلَا وَلِيٍّ، قِيلَ: نَعَمْ، هَذَا فِي نِكَاحِ الْمُسْلِمَةِ، فَأَمَّا الْكَافِرَةُ فَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٣] .
стр. 530
وَأَمَّا قَوْلُهُ ﷺ : " «كُلُّ عَمَلٍ لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» " فَفِي غَايَةِ الصِّحَّةِ، وَالِاسْتِدْلَالُ بِهِ ضَعِيفٌ مِنْ وُجُوهٍ.
أَحَدُهَا: أَنَّ هَذَا فِي حَقِّ الْمُسْلِمِينَ، وَأَمَّا الْكُفَّارُ فَإِنَّا لَا نَرُدُّ عَلَيْهِمْ كُلَّ مَا خَرَجَ عَنْ أَمْرِهِ ﷺ فَإِنَّا نُقِرُّهُمْ عَلَى عُقُودِهِمُ الَّتِي يَعْتَقِدُونَ صِحَّتَهَا، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ عَلَى أَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ .
الثَّانِي: أَنَّ إِقْرَارَ اللَّهِ تَعَالَى وَرَسُولِهِ ﷺ لَهُمْ عَلَى أَحْكَامِ هَذِهِ الْأَنْكِحَةِ هُوَ مِنْ أَمْرِ الشَّارِعِ، وَلَا جَرَمَ مَا كَانَ مِنْهَا عَلَى غَيْرِ أَمْرِهِ فَهُوَ رَدٌّ، كَنِكَاحِ الْمَحَارِمِ، وَمَا لَا يَعْتَقِدُونَ صِحَّتَهُ، فَأَمَّا مَا اعْتَقَدُوا صِحَّتَهُ فَإِقْرَارُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَمْرِهِ.
الثَّالِثُ: أَنَّ هَذَا لَا يُمْكِنُ أَنْ يُسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى بُطْلَانِ أَنْكِحَتِهِمْ، كَمَا لَمْ يُسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى بُطْلَانِ عُقُودِ مُعَاوَضَاتِهِمُ الَّتِي يَعْتَقِدُونَ صِحَّتَهَا، وَإِنْ وَقَعَتْ عَلَى غَيْرِ أَمْرِهِ.
وَأَمَّا اسْتِبْرَاءُ الْحَرْبِيَّةِ بِحَيْضَةٍ إِذَا سُبِيَتْ، وَحُكْمُنَا بِزَوَالِ النِّكَاحِ، فَلَيْسَ ذَلِكَ لِكَوْنِ أَنْكِحَتِهِمْ كَانَتْ بَاطِلَةً، وَلَكِنْ لِتَجْدِيدِ الْمِلْكِ عَلَى زَوْجَتِهِ، وَكَوْنِهَا صَارَتْ أَمَةً لِلثَّانِي، وَاسْتَوْلَى عَلَى مَحَلِّ حَقِّ الْكَافِرِ وَأَزَالَهُ، وَانْتَقَلَتْ مِنْ كَوْنِهَا زَوْجَةً إِلَى كَوْنِهَا أَمَةً رَقِيقَةً تُبَاعُ وَتُشْتَرَى.
وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى عَنْهُمْ: ﴿وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [التوبة: ٢٩] فَلَمْ يَزِيدُوا بِذَلِكَ عَلَى كَوْنِهِمْ كُفَّارًا. وَمَنْ نَازَعَ فِي كُفْرِهِمْ حَتَّى يُحْتَجَّ عَلَيْهِ بِذَلِكَ؟ وَهَلْ وَقَعَ النِّزَاعُ إِلَّا
стр. 531
فِي نِكَاحِ مَنْ هُوَ كَذَلِكَ؟ وَلَا رَيْبَ أَنَّ هَذَا الْقَدْرَ كَمَا لَمْ يُؤَثِّرْ فِي بُطْلَانِ عُقُودِ مُعَاوَضَاتِهِ مِنَ الْبَيْعِ، وَالشِّرَاءِ، وَالْإِجَارَةِ، وَالْقَرْضِ، وَالسَّلَمِ، وَالْجَعَالَةِ وَغَيْرِهَا لَمْ يُؤَثِّرْ فِي بُطْلَانِ نِكَاحِهِ.
[فَصْلٌ في طَلَاقِ الْكُفَّارِ الَّذِينَ لَا يَعْتَقِدُونَ وُقُوعَهُ]
١١٤ - فَصْلٌ
[في طَلَاقِ الْكُفَّارِ الَّذِينَ لَا يَعْتَقِدُونَ وُقُوعَهُ] .
وَأَمَّا إِنْ كَانَ الْكَافِرُ لَا يَعْتَقِدُ وُقُوعَ الطَّلَاقِ، وَلَا نُفُوذَهُ فَطَلَّقَ فَهَلْ يَصِحُّ طَلَاقُهُ؟
فَفِيهِ رِوَايَتَانِ مَنْصُوصَتَانِ عَنْ أَحْمَدَ، أَصَحُّهُمَا أَنَّهُ لَا يَصِحُّ طَلَاقُهُ، وَهَذَا هُوَ مُقْتَضَى أُصُولِهِ، فَإِنَّا نُقِرُّهُمْ عَلَى مَا يَعْتَقِدُونَ صِحَّتَهُ مِنَ الْعُقُودِ، فَإِذَا لَمْ يَعْتَقِدْ نُفُوذَ الطَّلَاقِ فَهُوَ يَعْتَقِدُ بَقَاءَ نِكَاحِهِ فَيُقَرُّ عَلَيْهِ وَإِنْ أَسْلَمَ.
وَأَيْضًا، فَإِنَّ وُجُودَ هَذَا الطَّلَاقِ وَعَدَمَهُ فِي حَقِّهِ وَاحِدٌ، فَإِنَّهُ لَمْ يَلْتَزِمْ حُكْمَ الطَّلَاقِ، وَلَا اعْتَقَدَ نُفُوذَهُ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ حُكْمُهُ، وَهَذَا التَّفْصِيلُ فِي طَلَاقِهِ هُوَ فَصْلُ الْخِطَابِ.
[فَصْلٌ الْمُسْلِمُ إِذَا طَلَّقَ الذِّمِّيَّةَ فَتَزَوَّجَتْ ذِمِّيًّا ثُمَّ طَلَّقَهَا فَهَلْ تَحِلُّ لِلْأَوَّلِ]
١١٥ - فَصْلٌ
[الْمُسْلِمُ إِذَا طَلَّقَ الذِّمِّيَّةَ فَتَزَوَّجَتْ ذِمِّيًّا، ثُمَّ طَلَّقَهَا فَهَلْ تَحِلُّ لِلْأَوَّلِ؟]
وَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: وَهِيَ إِذَا تَزَوَّجَهَا الذِّمِّيُّ، فَإِنَّهُ يُحِلُّهَا لِلْأَوَّلِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ؛ لِأَنَّهُ زَوْجٌ، وَهِيَ امْرَأَةٌ لَهُ فَيَدْخُلُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] ، فَأَطْلَقَ النِّكَاحَ وَالزَّوْجَ، وَلَمْ يُقَيِّدْهُ
стр. 532
بِحُرٍّ وَلَا عَبْدٍ، وَلَا مُسْلِمٍ وَلَا كَافِرٍ، وَهَذِهِ قَدْ نَكَحَتْ زَوْجًا غَيْرَهُ، فَتَحِلُّ لِلْأَوَّلِ. وَدَلِيلُ كَوْنِهِ زَوْجًا الْحَقِيقَةُ وَالْحُكْمُ.
أَمَّا الْحَقِيقَةُ: فَلِأَنَّ الزَّوْجَ وَالتَّزْوِيجَ حَاصِلٌ فِيهِ حِسًّا، وَكُفْرَهُ لَا يَمْنَعُ ثُبُوتَ حَقِيقَةِ الزَّوْجِيَّةِ.
وَأَمَّا الْحُكْمُ: فَثُبُوتُ النَّسَبِ، وَوُجُوبُ الْمَهْرِ وَالْعِدَّةِ، وَالتَّمْكِينُ مِنَ الْوَطْءِ، وَتَخْيِيرُهُ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِذَا أَسْلَمَ، وَفِي الْأَرْبَعِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَحْكَامِ النِّكَاحِ، وَثُبُوتُ الْأَحْكَامِ يَدُلُّ عَلَى ثُبُوتِ الْحَقِيقَةِ.
[فَصْلٌ إِذَا أَسْلَمَ الزَّوْجَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا]
١١٦ - فَصْلٌ: إِذَا ثَبَتَتْ صِحَّةُ نِكَاحِهِمْ فَهَاهُنَا مَسَائِلُ:
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: إِذَا أَسْلَمَ الزَّوْجَانِ، أَوْ أَحَدُهُمَا، فَإِنْ كَانَتِ الْمَرْأَةُ كِتَابِيَّةً لَمْ يُؤَثِّرْ إِسْلَامُهُ فِي فَسْخِ النِّكَاحِ، وَكَانَ بَقَاؤُهُ كَابْتِدَائِهِ، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ كِتَابِيَّةٍ، وَأَسْلَمَ الزَّوْجَانِ مَعًا، فَهُمَا عَلَى النِّكَاحِ سَوَاءٌ قَبْلَ الدُّخُولِ وَبَعْدَهُ، وَلَيْسَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي هَذَا اخْتِلَافٌ.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: " أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الزَّوْجَيْنِ إِذَا أَسْلَمَا مَعًا فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ أَنَّ لَهُمَا الْمُقَامَ عَلَى نِكَاحِهِمَا مَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا نَسَبٌ وَلَا رَضَاعٌ ".
стр. 533
وَقَدْ أَسْلَمَ خَلْقٌ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَنِسَاؤُهُمْ، وَأُقِرُّوا عَلَى أَنْكِحَتِهِمْ، وَلَمْ يَسْأَلْهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ شُرُوطِ النِّكَاحِ، وَلَا عَنْ كَيْفِيَّتِهِ، وَهَذَا أَمْرٌ عُلِمَ بِالتَّوَاتُرِ، وَالضَّرُورَةِ، فَكَانَ يَقِينًا.
ثُمَّ قَالَ كَثِيرٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ: الْمُعْتَبَرُ أَنْ يَتَلَفَّظَا بِالْإِسْلَامِ تَلَفُّظًا وَاحِدًا، يَكُونُ ابْتِدَاءُ أَحَدِهِمَا مَعَ ابْتِدَاءِ صَاحِبِهِ، وَانْتِهَاؤُهُ مَعَ انْتِهَائِهِ.
وَالصَّوَابُ أَنَّ هَذَا غَيْرُ مُعْتَبَرٍ، وَلَمْ يَدُلَّ عَلَى ذَلِكَ كِتَابٌ وَلَا سُنَّةٌ، وَلَا اشْتَرَطَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَلِكَ قَطُّ، وَلَا اعْتَبَرَهُ فِي وَاقِعَةٍ وَاحِدَةٍ مَعَ كَثْرَةِ مَنْ أَسْلَمَ فِي حَيَاتِهِ ﷺ ، وَلَمْ يَقُلْ يَوْمًا وَاحِدًا لِرَجُلٍ أَسْلَمَ هُوَ وَامْرَأَتُهُ: " تَلَفَّظَا بِالْإِسْلَامِ تَلَفُّظًا وَاحِدًا لَا يَسْبِقُ أَحَدُكُمَا الْآخَرَ "، وَهَلْ هَذَا إِلَّا مِنَ التَّكَلُّفِ الَّذِي أَلْغَتْهُ الشَّرِيعَةُ وَلَمْ تَعْتَبِرْهُ؟ وَلَيْسَ لِهَذَا نَظِيرٌ فِي الشَّرِيعَةِ، بَلْ إِذَا أَسْلَمَا فِي الْمَجْلِسِ الْوَاحِدِ فَقَدِ اجْتَمَعَا عَلَى الْإِسْلَامِ، وَلَا يُؤَثِّرُ سَبْقُ أَحَدِهِمَا الْآخَرَ بِالتَّلَفُّظِ بِهِ. وَهَذَا اخْتِيَارُ شَيْخِنَا.
وَإِنْ أَسْلَمَ أَحَدُهُمَا، ثُمَّ أَسْلَمَ الْآخَرُ بَعْدَهُ فَاخْتَلَفَ السَّلَفُ وَالْخَلَفُ فِي ذَلِكَ اخْتِلَافًا كَثِيرًا.
فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: مَتَى أَسْلَمَتِ الْمَرْأَةُ انْفَسَخَ نِكَاحُهَا مِنْهُ، سَوَاءٌ كَانَتْ كِتَابِيَّةً، أَوْ غَيْرَ كِتَابِيَّةٍ، وَسَوَاءٌ أَسْلَمَ بَعْدَهَا بِطَرْفَةِ عَيْنٍ، أَوْ أَكْثَرَ، وَلَا سَبِيلَ لَهُ عَلَيْهَا إِلَّا بِأَنْ يُسْلِمَا مَعًا فِي آنٍ وَاحِدٍ، فَإِنْ أَسْلَمَ هُوَ قَبْلَهَا انْفَسَخَ نِكَاحُهَا
стр. 534
سَاعَةَ إِسْلَامِهِ، وَلَوْ أَسْلَمَتْ بَعْدَهُ بِطَرْفَةِ عَيْنٍ، هَذَا قَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنَ التَّابِعِينَ وَجَمَاعَةٍ مِنْ أَهْلِ الظَّاهِرِ، وَحَكَاهُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَزْمٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، وَحَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ وَالْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، وَعَدِيِّ بْنِ عَدِيٍّ، وَقَتَادَةَ، وَالشَّعْبِيِّ.
стр. 535
قُلْتُ: وَحِكَايَةُ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ غَلَطٌ عَلَيْهِ، أَوْ يَكُونُ رِوَايَةً عَنْهُ، فَسَنَذْكُرُ مِنْ آثَارِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ خِلَافَ ذَلِكَ مِمَّا ذَكَرَهُ أَبُو مُحَمَّدٍ، وَغَيْرُهُ، فَهَذَا قَوْلٌ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: أَيُّهُمَا أَسْلَمَ قَبْلَ الْآخَرِ، فَإِنْ كَانَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ عُرِضَ الْإِسْلَامُ عَلَى الَّذِي لَمْ يُسْلِمْ، فَإِنْ أَسْلَمَا بَقِيَا عَلَى نِكَاحِهِمَا، وَإِنْ أَبَيَا فَحِينَئِذٍ تَقَعُ الْفُرْقَةُ، وَلَا تُرَاعَى الْعِدَّةُ فِي ذَلِكَ.
ثُمَّ اخْتَلَفُوا فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ: الْفَسْخُ هَاهُنَا طَلَاقٌ؛ لِأَنَّ الزَّوْجَ تَرَكَ الْإِمْسَاكَ بِالْمَعْرُوفِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ، فَيَنُوبُ الْقَاضِي مَنَابَهُ فِي التَّسْرِيحِ بِالْإِحْسَانِ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ كَقَوْلِ الزَّوْجِ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَا يَكُونُ طَلَاقًا؛ لِأَنَّهُ سَبَبٌ يَشْتَرِكُ فِيهِ الزَّوْجَانِ، فَلَا يَكُونُ طَلَاقًا، كَمَا لَوْ مَلَكَهَا أَوْ مَلَكَتْهُ، فَلَوْ كَانَتِ الْمَرْأَةُ مَجُوسِيَّةً كَانَتِ الْفُرْقَةُ فَسْخًا قَوْلًا وَاحِدًا.
قَالُوا: وَالْفَرْقُ أَنَّ الْمَجُوسِيَّةَ لَيْسَتْ مِنْ أَهْلِ الطَّلَاقِ بِخِلَافِ الذِّمِّيَّةِ، وَإِنْ
стр. 536
كَانَا فِي دَارِ الْحَرْبِ فَخَرَجَتِ الْمَرْأَةُ إِلَيْنَا مُسْلِمَةً، أَوْ مُعَاهِدَةً، فَسَاعَةَ حُصُولِهَا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ تَقَعُ الْفُرْقَةُ بَيْنَهُمَا، لَا قَبْلَ ذَلِكَ، فَإِنْ لَمْ تَخْرُجْ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ، بِأَنْ حَاضَتْ ثَلَاثَ حِيَضٍ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ هُوَ وَقَعَتِ الْفُرْقَةُ حِينَئِذٍ، وَعَلَيْهَا أَنْ تَبْتَدِئَ ثَلَاثَ حِيَضٍ أُخَرَ عِدَّةً مِنْهُ، وَهَلْ هَذِهِ الْفُرْقَةُ فَسْخٌ أَوْ طَلَاقٌ؟
فِيهِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رِوَايَتَانِ، وَهِيَ فَسْخٌ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ، وَلَوْ أَسْلَمَ الْآخَرُ قَبْلَ مُضِيِّ ثَلَاثِ حِيَضٍ فَهُمَا عَلَى نِكَاحِهِمَا، فَهَذَا قَوْلٌ ثَانٍ.
وَقَالَ مَالِكٌ: إِنْ أَسْلَمَتِ الْمَرْأَةُ، وَلَمْ يُسْلِمِ الرَّجُلُ، فَإِنْ كَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ وَقَعَتِ الْفُرْقَةُ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ فَإِنْ أَسْلَمَ فِي عِدَّتِهَا فَهُمَا عَلَى نِكَاحِهِمَا، وَإِنْ لَمْ يُسْلِمْ حَتَّى انْقَضَتْ عِدَّتُهَا فَقَدْ بَانَتْ مِنْهُ، فَإِنْ أَسْلَمَ هُوَ وَلَمْ تُسْلِمْ هِيَ عُرِضَ عَلَيْهَا الْإِسْلَامُ، فَإِنْ أَسْلَمَتْ بَقِيَا عَلَى نِكَاحِهِمَا وَإِنْ أَبَتِ انْفَسَخَ النِّكَاحُ سَاعَةَ إِبَائِهَا، سَوَاءٌ كَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ أَوْ بَعْدَهُ.
وَقَالَ أَشْهَبُ: إِنَّمَا تَتَعَجَّلُ الْفُرْقَةَ إِذَا كَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ، وَتَقِفُ عَلَى الْعِدَّةِ إِنْ كَانَ بَعْدَ الدُّخُولِ.
ثُمَّ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إِذَا عَقَلَ عَنْهَا حَتَّى مَضَى لَهَا شَهْرٌ وَمَا قَرُبَ مِنْهُ، وَلَيْسَ بِكَثِيرٍ وَهُمَا عَلَى نِكَاحِهِمَا، وَالْفُرْقَةُ حَيْثُ وَقَعَتْ فَسْخٌ.
стр. 537
وَعَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ رِوَايَةٌ أُخْرَى: أَنَّهَا طَلْقَةٌ ثَانِيَةٌ، فَهَذَا قَوْلٌ ثَالِثٌ.
وَقَالَ ابْنُ شُبْرُمَةَ عَكْسَ هَذَا، وَأَنَّهَا إِنْ أَسْلَمَتْ قَبْلَهُ وَقَعَتِ الْفُرْقَةُ فِي الْحِينِ، وَإِنْ أَسْلَمَ قَبْلَهَا فَأَسْلَمَتْ فِي الْعِدَّةِ فَهِيَ امْرَأَتُهُ، وَإِلَّا وَقَعَتِ الْفُرْقَةُ بِانْقِضَاء الْعِدَّةِ، فَهَذَا قَوْلٌ رَابِعٌ.
وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ، وَالزُّهْرِيُّ، وَاللَّيْثُ، وَالْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ: إِذَا سَبَقَ أَحَدُهُمَا بِالْإِسْلَامِ، فَإِنْ كَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ انْفَسَخَ النِّكَاحُ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ، فَأَسْلَمَ الْآخَرُ فِي الْعِدَّةِ فَهُمَا عَلَى نِكَاحِهِمَا، وَإِنِ
стр. 538
انْقَضَتِ الْعِدَّةُ قَبْلَ إِسْلَامِهِ انْفَسَخَ النِّكَاحُ، فَهَذَا قَوْلٌ خَامِسٌ.
وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ أَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيِّ وَقَتَادَةَ، كِلَاهُمَا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْخَطْمِيِّ أَنَّ نَصْرَانِيًّا أَسْلَمَتِ امْرَأَتُهُ، فَخَيَّرَهَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ إِنْ شَاءَتْ فَارَقَتْهُ، وَإِنْ شَاءَتْ أَقَامَتْ عَلَيْهِ، (وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ الْخَطْمِيُّ هَذَا لَهُ صُحْبَةٌ) ، وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّهَا تُقِيمُ تَحْتَهُ، وَهُوَ نَصْرَانِيٌّ، بَلْ تَنْتَظِرُ، وَتَتَرَبَّصُ، فَمَتَى أَسْلَمَ فَهِيَ امْرَأَتُهُ، وَلَوْ مَكَثَتْ سِنِينَ، فَهَذَا قَوْلٌ سَادِسٌ، وَهُوَ أَصَحُّ الْمَذَاهِبِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَعَلَيْهِ تَدُلُّ السُّنَّةُ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ، وَهُوَ اخْتِيَارُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ.
وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَالَ فِي الزَّوْجَيْنِ الْكَافِرَيْنِ يُسْلِمُ أَحَدُهُمَا: هُوَ أَمْلَكُ بِبُضْعِهَا مَا دَامَتْ فِي دَارِ هِجْرَتِهَا.
وَقَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ مُطَرِّفِ بْنِ طَرِيفٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عَلِيٍّ: هُوَ
стр. 539
أَحَقُّ بِهَا مَا لَمْ تَخْرُجْ مِنْ مِصْرِهَا. فَهَذَا قَوْلٌ سَابِعٌ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ: ثَنَا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: إِنْ أَسْلَمَتْ وَلَمْ يُسْلِمْ زَوْجُهَا فَهُمَا عَلَى نِكَاحِهِمَا مَا لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَهُمَا سُلْطَانٌ، فَهَذَا قَوْلٌ ثَامِنٌ.
وَقَالَ دَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ: إِذَا أَسْلَمَتْ زَوْجَةُ الذِّمِّيِّ وَلَمْ يُسْلِمْ فَإِنَّهَا تَقَرُّ عِنْدَهُ وَلَكِنْ يُمْنَعُ مِنْ وَطْئِهَا.
وَقَالَ شُعْبَةُ: ثَنَا حَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ فِي ذِمِّيَّةٍ أَسْلَمَتْ تَحْتَ ذِمِّيٍّ، فَقَالَ: تَقَرُّ عِنْدَهُ، وَبِهِ أَفْتَى حَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ.
стр. 540
قُلْتُ: وَمُرَادُهُمْ أَنَّ الْعِصْمَةَ بَاقِيَةٌ، فَتَجِبُ لَهَا النَّفَقَةُ وَالسُّكْنَى، وَلَكِنْ لَا سَبِيلَ لَهُ إِلَى وَطْئِهَا، كَمَا يَقُولُهُ الْجُمْهُورُ فِي أُمِّ وَلَدِ الذِّمِّيِّ إِذَا أَسْلَمَتْ سَوَاءً، فَهَذَا قَوْلٌ تَاسِعٌ.
وَنَحْنُ نَذْكُرُ مَآخَذَ هَذِهِ الْمَذَاهِبِ، وَمَا فِي تِلْكَ الْمَآخِذِ مِنْ قَوِيٍّ وَضَعِيفٍ وَمَا هُوَ الْأَوْلَى بِالصَّوَابِ.
فَأَمَّا أَصْحَابُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ - وَهُمُ الَّذِينَ يُوقِعُونَ الْفُرْقَةَ بِمُجَرَّدِ الْإِسْلَامِ - فَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا مِنَ الصَّحَابَةِ قَالَ بِهِ أَلْبَتَّةَ، وَمَا حَكَاهُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَزْمٍ، عَنْ عُمَرَ، وَجَابِرٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ فَبِحَسَبِ مَا فَهِمَهُ مِنْ آثَارٍ رُوِيَتْ عَنْهُمْ مُطْلَقَةً، وَنَحْنُ نَذْكُرُهَا:
قَالَ شُعْبَةُ: أَخْبَرَنِي أَبُو إِسْحَاقَ الشَّيْبَانِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ يَزِيدَ بْنَ عَلْقَمَةَ يَقُولُ: إِنَّ جَدَّهُ وَجَدَّتَهُ كَانَا نَصْرَانِيَّيْنِ، فَأَسْلَمَتْ جَدَّتُهُ فَفَرَّقَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ
стр. 541
بَيْنَهُمَا.
وَلَيْسَ فِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى تَعَجُّلِ الْفُرْقَةِ مُطْلَقًا بِنَفْسِ الْإِسْلَامِ، فَلَعَلَّهُ لَمْ يَكُنْ دَخَلَ فِيهَا، أَوْ لَعَلَّهُ فَرَّقَ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ، أَوْ لَعَلَّهَا اخْتَارَتِ الْفَسْخَ دُونَ انْتِظَارِ إِسْلَامِهِ، أَوْ لَعَلَّ هَذَا مَذْهَبُ مَنْ يَرَى أَنَّ النِّكَاحَ بَاقٍ حَتَّى يَفْسَخَ السُّلْطَانُ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ فِي هَذَا آثَارٌ يُظَنُّ أَنَّهَا مُتَعَارِضَةٌ، وَلَا تَعَارُضَ بَيْنَهَا، بَلْ هِيَ مُوَافِقَةٌ لِلسُّنَّةِ، فَمِنْهَا هَذَا.
وَمِنْهَا مَا تَقَدَّمَ حِكَايَتُهُ عَنْهُ أَنَّهُ خَيَّرَ الْمَرْأَةَ، إِنْ شَاءَتْ أَقَامَتْ عَلَيْهِ، وَإِنْ شَاءَتْ فَارَقَتْهُ.
وَمِنْهَا مَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ الْعَوَّامِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الشَّيْبَانِيِّ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَلْقَمَةَ أَنَّ عُبَادَةَ بْنَ النُّعْمَانِ الثَّعْلَبِيَّ كَانَ نَاكِحًا امْرَأَةً مِنْ بَنِي تَمِيمٍ فَأَسْلَمَتْ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁: إِمَّا أَنْ تُسْلِمَ وَإِمَّا أَنْ نَنْزِعَهَا مِنْكَ، فَأَبَى، فَنَزَعَهَا عُمَرُ ﵁.
стр. 542
وَقَدْ تَمَسَّكَ بِهَا مَنْ يَرَى عَرْضَ الْإِسْلَامِ عَلَى الثَّانِي، فَإِنْ أَبَى فَرَّقَ بَيْنَهُمَا.
وَهَذِهِ الْآثَارُ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ لَا تَعَارُضَ بَيْنَهَا، فَإِنَّ النِّكَاحَ بِالْإِسْلَامِ يَصِيرُ جَائِزًا بَعْدَ أَنْ كَانَ لَازِمًا، فَيَجُوزُ لِلْإِمَامِ أَنْ يُعَجِّلَ الْفُرْقَةَ، وَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَعْرِضَ الْإِسْلَامَ عَلَى الثَّانِي، وَيَجُوزُ إِبْقَاؤُهُ إِلَى انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ، وَيَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ التَّرَبُّصُ بِهِ إِلَى أَنْ يُسْلِمَ، وَلَوْ مَكَثَتْ سِنِينَ، كُلُّ هَذَا جَائِزٌ لَا مَحْذُورَ فِيهِ.
وَالنِّكَاحُ لَهُ ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ:
(١) حَالُ لُزُومٍ.
(٢) وَحَالُ تَحْرِيمٍ وَفَسْخٍ لَيْسَ إِلَّا، كَمَنْ أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ مَنْ لَا يَجُوزُ ابْتِدَاءُ الْعَقْدِ عَلَيْهَا.
(٣) وَحَالُ جَوَازٍ وَوَقْفٍ، وَهِيَ مَرْتَبَةٌ بَيْنَ الْمُرْتَبَتَيْنِ لَا يُحْكَمُ فِيهَا بِلُزُومِ النِّكَاحِ، وَلَا بِانْقِطَاعِهِ بِالْكُلِّيَّةِ، وَفِي هَذِهِ الْحَالِ تَكُونُ الزَّوْجَةُ بَائِنَةً مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ.
«وَلَمَّا قَدِمَ أَبُو الْعَاصِ بْنُ الرَّبِيعِ الْمَدِينَةَ فِي زَمَنِ الْهُدْنَةِ، وَهُوَ مُشْرِكٌ، سَأَلَتِ امْرَأَتُهُ زَيْنَبُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : هَلْ يَنْزِلُ فِي دَارِهَا؟ فَقَالَ: إِنَّهُ زَوْجُكِ، وَلَكِنْ لَا يَصِلُ إِلَيْكِ» .
стр. 543
فَالنِّكَاحُ فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ لَا يُحْكَمُ بِبُطْلَانِهِ، وَلَا بِلُزُومِهِ وَبَقَائِهِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَلِهَذَا خَيَّرَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ الْمَرْأَةَ تَارَةً، وَفَرَّقَ تَارَةً، وَعَرَضَ الْإِسْلَامَ عَلَى الثَّانِي تَارَةً، فَلَمَّا أَبَى فَرَّقَ بَيْنَهُمَا، وَلَمْ يُفَرِّقْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ رَجُلٍ وَامْرَأَتِهِ أَسْلَمَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ الْآخَرِ أَصْلًا، وَلَا فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ.
قَالَ مَالِكٌ: قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: كَانَ بَيْنَ إِسْلَامِ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ وَامْرَأَتِهِ بِنْتِ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ نَحْوٌ مِنْ شَهْرٍ، أَسْلَمَتْ يَوْمَ الْفَتْحِ، وَبَقِيَ صَفْوَانُ حَتَّى شَهِدَ " حُنَيْنًا " وَ " الطَّائِفَ "، وَهُوَ كَافِرٌ، ثُمَّ أَسْلَمَ، فَلَمْ يُفَرِّقِ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَهُمَا، وَاسْتَقَرَّتْ عِنْدَهُ امْرَأَتُهُ بِذَلِكَ النِّكَاحِ.
стр. 544
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَشُهْرَةُ هَذَا الْحَدِيثِ أَقْوَى مِنْ إِسْنَادِهِ.
стр. 545
وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: أَسْلَمَتْ أُمُّ حَكِيمٍ يَوْمَ الْفَتْحِ، وَهَرَبَ زَوْجُهَا عِكْرِمَةُ حَتَّى أَتَى الْيَمَنَ، فَارْتَحَلَتْ حَتَّى قَدِمَتْ عَلَيْهِ الْيَمَنَ، فَدَعَتْهُ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَأَسْلَمَ وَقَدِمَ فَبَايَعَ النَّبِيَّ ﷺ فَثَبَتَا عَلَى نِكَاحِهِمَا.
وَقَالَ ابْنُ شُبْرُمَةَ: «كَانَ النَّاسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُسْلِمُ الرَّجُلُ قَبْلَ الْمَرْأَةِ، وَالْمَرْأَةُ قَبْلَ الرَّجُلِ، فَأَيُّهُمَا أَسْلَمَ قَبْلَ انْقِضَاءِ عِدَّةِ الْمَرْأَةِ فَهِيَ امْرَأَتُهُ، فَإِنْ أَسْلَمَ بَعْدَ الْعِدَّةِ فَلَا نِكَاحَ بَيْنَهُمَا» .
стр. 546
«وَأَسْلَمَ أَبُو سُفْيَانَ عَامَ الْفَتْحِ قَبْلَ دُخُولِ النَّبِيِّ ﷺ مَكَّةَ، وَلَمْ تُسْلِمِ امْرَأَتُهُ هِنْدُ حَتَّى فَتَحَ النَّبِيُّ ﷺ مَكَّةَ فَثَبَتَا عَلَى نِكَاحِهِمَا» «وَخَرَجَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ [أَبِي] أُمَيَّةَ فَلَقِيَا
стр. 547
النَّبِيَّ ﷺ عَامَ الْفَتْحِ " بِالْأَبْوَاءِ " فَأَسْلَمَا قَبْلَ نِسَائِهِمَا» .
стр. 548
وَقَدْ ثَبَتَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَدَّ زَيْنَبَ ابْنَتَهُ عَلَى أَبِي الْعَاصِ بِالنِّكَاحِ الْأَوَّلِ بَعْدَ سِتِّ سِنِينَ» .
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ النُّفَيْلِيُّ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَدَّ زَيْنَبَ عَلَى أَبِي الْعَاصِ بِالنِّكَاحِ الْأَوَّلِ، لَمْ يُحْدِثْ شَيْئًا» .
стр. 549
وَفِي لَفْظٍ لَهُ: بَعْدَ سِتِّ سِنِينَ.
وَفِي لَفْظٍ: بَعْدَ سَنَتَيْنِ.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: هَذَا هُوَ الثَّابِتُ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ، وَالَّذِي رَوَى أَنَّهُ جَدَّدَ النِّكَاحَ ضَعِيفٌ.
قَالَ: وَكَذَلِكَ كَانَتِ الْمَرْأَةُ تُسْلِمُ، ثُمَّ يُسْلِمُ زَوْجُهَا بَعْدَهَا، وَالنِّكَاحُ بِحَالِهِ، مِثْلُ أُمِّ الْفَضْلِ امْرَأَةِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهَا أَسْلَمَتْ قَبْلَ الْعَبَّاسِ بِمُدَّةٍ.
قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ: كُنْتُ أَنَا وَأُمِّي مِمَّنْ عَذَرَ اللَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ﴾ [النساء: ٩٨] .
стр. 550
وَلَمَّا فَتَحَ النَّبِيُّ ﷺ مَكَّةَ أَسْلَمَ نِسَاءُ الطُّلَقَاءِ، وَتَأَخَّرَ إِسْلَامُ جَمَاعَةٍ مِنْهُمْ
стр. 551
مِثْلِ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ وَعِكْرِمَةَ بْنِ أَبِي جَهْلٍ، وَغَيْرِهِمَا، الشَّهْرَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ وَأَكْثَرَ، وَلَمْ يَذْكُرِ النَّبِيُّ ﷺ فَرْقًا بَيْنَ مَا قَبْلَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ وَمَا بَعْدَهَا، وَقَدْ أَفْتَى عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ بِأَنَّهَا تُرَدُّ إِلَيْهِ، وَإِنْ طَالَ الزَّمَانُ.
وَعِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ قِدَمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ الْمَدِينَةَ بَعْدَ رُجُوعِهِ مِنْ حِصَارِ الطَّائِفِ، وَقَسْمِ غَنَائِمِ حُنَيْنٍ فِي ذِي الْقَعْدَةِ، وَكَانَ فَتْحُ مَكَّةَ فِي رَمَضَانَ، فَهَذَا نَحْوُ ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ يُمْكِنُ انْقِضَاءُ الْعِدَّةِ فِيهَا، وَفِيمَا
стр. 552
دُونَهَا، فَأَبْقَاهُ عَلَى نِكَاحِهِ، وَلَمْ يَسْأَلِ امْرَأَتَهُ هَلِ انْقَضَتْ عِدَّتُكِ أَمْ لَا؟ وَلَا سَأَلَ عَنْ ذَلِكَ امْرَأَةً وَاحِدَةً مَعَ أَنَّ كَثِيرًا مِنْهُنَّ أَسْلَمَ بَعْدَ مُدَّةٍ يَجُوزُ انْقِضَاءُ الْعِدَّةِ فِيهَا، وَصَفْوَانُ ابْنُ أُمَيَّةَ شَهِدَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ " حُنَيْنًا "، وَهُوَ مُشْرِكٌ، وَشَهِدَ مَعَهُ " الطَّائِفَ " كَذَلِكَ إِلَى أَنْ قَسَّمَ غَنَائِمَ " حُنَيْنٍ " بَعْدَ الْفَتْحِ بِقَرِيبٍ مِنْ شَهْرَيْنِ، فَإِنَّ مَكَّةَ فُتِحَتْ لِعَشْرٍ بَقِينَ مِنْ رَمَضَانَ، وَغَنَائِمُ (حُنَيْنٍ) قُسِّمَتْ فِي ذِي الْقَعْدَةِ، وَيَجُوزُ انْقِضَاءُ الْعِدَّةِ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْمُدَّةِ.
قَالَ: وَبِالْجُمْلَةِ، فَتَجْدِيدُ رَدِّ الْمَرْأَةِ عَلَى زَوْجِهَا بِانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ لَوْ كَانَ هُوَ شَرْعُهُ الَّذِي جَاءَ بِهِ لَكَانَ هَذَا مِمَّا يَجِبُ بَيَانُهُ لِلنَّاسِ مِنْ قَبْلِ ذَلِكَ الْوَقْتِ، فَإِنَّهُمْ أَحْوَجُ مَا كَانُوا إِلَى بَيَانِهِ، وَهَذَا كُلُّهُ - مَعَ حَدِيثِ زَيْنَبَ - يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا أَسْلَمَتْ وَامْتَنَعَ زَوْجُهَا مِنَ الْإِسْلَامِ فَلَهَا أَنْ تَتَرَبَّصَ، وَتَنْتَظِرَ إِسْلَامَهُ، فَإِذَا اخْتَارَتْ أَنْ تُقِيمَ مُنْتَظِرَةً لِإِسْلَامِهِ، فَإِذَا أَسْلَمَ أَقَامَتْ مَعَهُ فَلَهَا ذَلِكَ، كَمَا كَانَ النِّسَاءُ يَفْعَلْنَ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ كَزَيْنَبَ ابْنَتِهِ وَغَيْرِهَا، وَلَكِنْ لَا يُمَكِّنُهُ مِنْ وَطْئِهَا، وَلَا حُكْمَ لَهُ عَلَيْهَا، وَلَا نَفَقَةَ، وَلَا قَسَمَ، وَالْأَمْرُ فِي ذَلِكَ إِلَيْهَا لَا إِلَيْهِ، فَلَيْسَ هُوَ فِي هَذِهِ الْحَالِ زَوْجًا مَالِكًا لِعِصْمَتِهَا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَلَا يَحْتَاجُ إِذَا أَسْلَمَ إِلَى ابْتِدَاءِ عَقْدٍ يَحْتَاجُ فِيهِ إِلَى وَلِيٍّ وَشُهُودٍ وَمَهْرٍ وَعَقْدٍ، بَلْ إِسْلَامُهُ بِمَنْزِلَةِ قَبُولِهِ لِلنِّكَاحِ، وَانْتِظَارُهَا بِمَنْزِلَةِ الْإِيجَابِ.
وَسِرُّ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الْعَقْدَ فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ جَائِزٌ لَا لَازِمٌ، وَلَا مَحْذُورَ فِي ذَلِكَ، وَلَا ضَرَرَ عَلَى الزَّوْجَةِ فِيهِ، وَلَا يُنَاقِضُ ذَلِكَ شَيْئًا مِنْ قَوَاعِدِ الشَّرْعِ.
стр. 553
وَأَمَّا الرَّجُلُ إِذَا أَسْلَمَ، وَامْتَنَعَتِ الْمُشْرِكَةُ أَنْ تُسْلِمَ، فَإِمْسَاكُهُ لَهَا يَضُرُّ بِهَا، وَلَا مَصْلَحَةَ لَهَا فِيهِ، فَإِنَّهُ إِذَا لَمْ يَقُمْ لَهَا بِمَا تَسْتَحِقُّهُ كَانَ ظَالِمًا، فَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠] ، فَنَهَى الرِّجَالَ أَنْ يَسْتَدِيمُوا نِكَاحَ الْكَافِرَةِ، فَإِذَا أَسْلَمَ الرَّجُلُ أُمِرَتِ امْرَأَتُهُ بِالْإِسْلَامِ، فَإِنْ لَمْ تُسْلِمْ فُرِّقَ بَيْنَهُمَا.
стр. 554
قَالَ شَيْخُنَا: " وَقَدْ يُقَالُ: بَلْ هَذَا النَّهْيُ لِلرِّجَالِ ثَابِتٌ فِي حَقِّ النِّسَاءِ، وَيُقَالُ: إِنَّ قَضِيَّةَ زَيْنَبَ مَنْسُوخَةٌ، فَإِنَّهَا كَانَتْ قَبْلَ نُزُولِ آيَةِ التَّحْرِيمِ لِنِكَاحِ الْمُشْرِكَاتِ، وَهَذَا مِمَّا قَالَهُ طَائِفَةٌ: مِنْهُمْ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ ".
قُلْتُ: وَهَذَا قَالَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَزْمٍ: أَمَّا خَبَرُ زَيْنَبَ فَصَحِيحٌ، وَلَا حُجَّةَ فِيهِ؛ لِأَنَّ إِسْلَامَ أَبِي الْعَاصِ كَانَ قَبْلَ الْحُدَيْبِيَةِ، وَلَمْ يَكُنْ نَزَلَ بَعْدُ تَحْرِيمُ الْمُسْلِمَةِ عَلَى الْمُشْرِكِ، وَكَذَلِكَ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ.
قَالَ شَيْخُنَا: " لَكِنْ يُقَالُ: فَهَذِهِ الْآيَةُ كَانَتْ قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ بَعْدَ الْحُدَيْبِيَةِ، «ثُمَّ لَمَّا فَتَحَ النَّبِيُّ ﷺ مَكَّةَ رَدَّ نِسَاءً كَثِيرًا عَلَى أَزْوَاجِهِنَّ بِالنِّكَاحِ الْأَوَّلِ، لَمْ يُحْدِثْ نِكَاحًا، وَقَدِ احْتَبَسَ أَزْوَاجُهُنَّ عَلَيْهِنَّ، وَلَمْ يَأْمُرْ رَجُلًا وَاحِدًا بِتَجْدِيدِ النِّكَاحَ أَلْبَتَّةَ» وَلَوْ وَقَعَ ذَلِكَ لَنُقِلَ وَلَمَا أَهْمَلَتِ الْأُمَّةُ نَقْلَهُ.
قُلْتُ: وَبِهَذَا يُعْلَمُ بُطْلَانُ مَا قَالَهُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَزْمٍ فَإِنَّهُ قَالَ: " وَلَا سَبِيلَ إِلَى خَبَرٍ صَحِيحٍ بِأَنَّ إِسْلَامَ رَجُلٍ يُقَدَّمُ عَلَى إِسْلَامِ امْرَأَتِهِ، أَوْ يُقَدَّمُ إِسْلَامُهَا عَلَيْهِ، وَأَقَرَّهُمَا عَلَى النِّكَاحِ الْأَوَّلِ، فَإِذْ لَا سَبِيلَ إِلَى هَذَا فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُطْلَقَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِأَنَّهُ إِطْلَاقُ الْكَذِبِ وَالْقَوْلِ بِغَيْرِ عِلْمٍ.
стр. 555
قَالَ: فَإِنْ قِيلَ: قَدْ رُوِيَ أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ أَسْلَمَ قَبْلَ هِنْدَ، وَامْرَأَةَ صَفْوَانَ أَسْلَمَتْ قَبْلَ صَفْوَانَ، قُلْنَا: مِنْ أَيْنَ لَكُمْ أَنَّهُمَا بَقِيَا عَلَى نِكَاحِهِمَا فَلَمْ يُجَدِّدَا عَقْدًا؟ وَهَلْ جَاءَ ذَلِكَ قَطُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ مُتَّصِلٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ عَرَفَ ذَلِكَ فَأَقَرَّهُ؟ حَاشَ لِلَّهِ مِنْ هَذَا " انْتَهَى كَلَامُهُ.
وَهَذَا مِنْ أَوَابِدِهِ، وَإِقْدَامِهِ عَلَى إِنْكَارِ الْمَعْلُومِ لِأَهْلِ الْحَدِيثِ، وَالسِّيَرِ بِالضَّرُورَةِ، بَلْ مَنْ لَهُ إِلْمَامٌ بِالسُّنَّةِ، وَأَيَّامِ الْإِسْلَامِ، وَسِيرَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَكَيْفِيَّةِ إِسْلَامِ الصَّحَابَةِ، وَنِسَائِهِمْ يَعْلَمُ عِلْمًا ضَرُورِيًّا لَا يَشْكُّ فِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَكُنْ يَعْتَبِرُ فِي بَقَاءِ النِّكَاحِ أَنْ يَتَلَفَّظَ الزَّوْجَانِ بِالْإِسْلَامِ تَلَفُّظًا وَاحِدًا، لَا يَتَقَدَّمُ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ بِحَرْفٍ، وَلَا يَتَأَخَّرُ عَنْهُ بِحَرْفٍ، لَا قَبْلَ الْفَتْحِ وَلَا بَعْدَهُ إِلَى أَنْ تَوَفَّاهُ اللَّهُ ، وَيَعْلَمُ عِلْمًا ضَرُورِيًّا أَنَّهُ لَمْ يُفْسَخْ عَقْدُ نِكَاحِ أَحَدٍ سَبَقَ امْرَأَتَهُ بِالْإِسْلَامِ، أَوْ سَبَقَتْهُ، ثُمَّ أَسْلَمَ الثَّانِي لَا فِي الْعِدَّةِ، وَلَا بَعْدَهَا.
وَكَذَلِكَ أَيْضًا يَعْلَمُ أَنَّهُ لَمْ يُجَدَّدْ نِكَاحُ أَحَدٍ سَبَقَتْهُ امْرَأَتُهُ بِالْإِسْلَامِ، أَوْ سَبَقَهَا، ثُمَّ أَسْلَمَ الثَّانِي لَا فِي الْعِدَّةِ، وَلَا بَعْدَهَا.
وَكَذَلِكَ أَيْضًا يَعْلَمُ أَنَّهُ لَمْ يُجَدَّدْ نِكَاحُ أَحَدٍ سَبَقَتْهُ امْرَأَتُهُ، أَوْ سَبَقَهَا بِالْإِسْلَامِ بِحَيْثُ أَحْضَرَ الْوَلِيَّ وَالشُّهُودَ وَجَدَّدَ الْعَقْدَ وَالْمَهْرَ، وَتَجْوِيزُ وُقُوعِ مِثْلِ هَذَا - وَلَا يَنْقُلُهُ بَشَرٌ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ - يَفْتَحُ بَابَ تَجْوِيزِ الْمُحَالَاتِ، وَأَنَّهُ كَانَ لَنَا صَلَاةٌ سَادِسَةٌ، وَلَمْ يَنْقُلْهَا أَحَدٌ وَأَذَانٌ زَائِدٌ، وَلَمْ يَنْقُلْهُ أَحَدٌ، وَمِنْ هَذَا النَّمَطِ، وَذَلِكَ مِنْ أَبْطَلِ الْبَاطِلِ وَأَبْيَنِ الْمُحَالِ، فَهَذِهِ سِيرَةُ رَسُولِ اللَّهِ
стр. 556
- ﷺ وَأَحْوَالُهُ وَأَحْوَالُ أَصْحَابِهِ بَيْنَ أَظْهَرِ الْأُمَّةِ تَشْهَدُ بِبُطْلَانِ مَا ذَكَرَهُ، وَأَنَّ إِضَافَتَهُ إِلَيْهِ مَحْضُ الْكَذِبِ، وَالْقَوْلِ عَلَيْهِ بِلَا عِلْمٍ.
فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَدَّ ابْنَتَهُ عَلَى أَبِي الْعَاصِ بِمَهْرٍ جَدِيدٍ، وَنِكَاحٍ جَدِيدٍ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، فَكَيْفَ تَقُولُونَ: إِنَّهُ لَمْ يُجَدِّدْ لِأَحَدٍ مِمَّنْ تَقَدَّمَ إِسْلَامُ امْرَأَتِهِ نِكَاحًا؟
قِيلَ: هَذَا الْحَدِيثُ لَا يَصِحُّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : قَالَهُ أَئِمَّةُ الْحَدِيثِ.
قَالَ التِّرْمِذِيُّ: " فِي إِسْنَادِهِ مَقَالٌ ".
стр. 557
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: " هَذَا حَدِيثٌ ضَعِيفٌ، وَالْحَدِيثُ الصَّحِيحُ: الَّذِي رُوِيَ أَنَّهُ أَقَرَّهَا عَلَى النِّكَاحِ الْأَوَّلِ " هَذَا لَفْظُهُ.
وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: " هَذَا حَدِيثٌ لَا يَثْبُتُ، وَالصَّوَابُ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَدَّهَا بِالنِّكَاحِ الْأَوَّلِ ".
وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ " «أَنَّهُ رَدَّهَا بِالنِّكَاحِ الْأَوَّلِ فَكَانَ إِسْلَامُهَا قَبْلَ إِسْلَامِهِ بِسِتِّ سِنِينَ، وَلَمْ يُحْدِثْ نِكَاحًا» " هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ لَيْسَ بِإِسْنَادِهِ بَأْسٌ.
стр. 558
فَإِنْ قِيلَ: الْكَلَامُ مَعَ مَنْ صَحَّحَ هَذَا الْحَدِيثَ، فَإِنَّهُ حَدِيثٌ مُضْطَرِبٌ: قَدْ رُوِيَ أَنَّهُ " كَانَ بَيْنَ إِسْلَامِهِمَا سَنَتَانِ "، وَرُوِيَ " سِتُّ سِنِينَ "، وَلَا يَصِحُّ وَاحِدٌ مِنَ الْأَمْرَيْنِ، فَإِنَّ زَيْنَبَ لَمْ تَزَلْ مُسْلِمَةً مِنْ بَعْثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَأَبُو الْعَاصِ أَسْلَمَ فِي السَّنَةِ السَّادِسَةِ فِي زَمَنِ الْهُدْنَةِ، فَبَيْنَ إِسْلَامِهِ، وَإِسْلَامِهَا ثَمَانِ عَشْرَةَ سَنَةً، أَوْ مَا يَزِيدُ عَلَيْهَا، وَكَذَلِكَ رِوَايَةُ مَنْ رَوَى " سَنَتَيْنِ " هِيَ غَلَطٌ قَطْعًا، فَإِنَّ زَيْنَبَ لَمْ تَبْقَ مُشْرِكَةً إِلَى السَّنَةِ الرَّابِعَةِ مِنَ الْهِجْرَةِ، وَالْحَدِيثُ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ، وَكَلَامُ الْأَئِمَّةِ فِيهِ مَعْرُوفٌ.
فَالْجَوَابُ أَنْ يُقَالَ: مِنْ أَيْنَ لَكُمْ تَقَدُّمُ إِسْلَامِ زَيْنَبَ مِنْ أَوَّلِ الْمَبْعَثِ، فَإِنَّهَا كَانَتْ تَحْتَ أَبِي الْعَاصِ بْنِ الرَّبِيعِ، وَهُوَ مُشْرِكٌ، وَأَصَحُّ مَا فِي تَقَدُّمِ إِسْلَامِهَا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ هَذَا، وَهُوَ يَقْتَضِي أَنَّهَا أَسْلَمَتْ حِينَ هَاجَرَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى الْمَدِينَةِ.
стр. 559
وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: أَسْلَمَتْ زَيْنَبُ، وَهَاجَرَتْ بَعْدَ هِجْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ وَسَيَأْتِي ذِكْرُ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ كَانَ إِسْلَامُهَا مِنْ حِينِ الْمَبْعَثِ كَمَا حَكَى فِيهِ الْإِجْمَاعَ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَزْمٍ، فَقَالَ: " وَقَدْ أَسْلَمَتْ زَيْنَبُ فِي أَوَّلِ مَبْعَثِ أَبِيهَا ﷺ لَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ، ثُمَّ هَاجَرَتْ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَزَوْجُهَا كَافِرٌ، فَكَانَ بَيْنَ إِسْلَامِهَا وَإِسْلَامِهِ أَزْيَدُ مِنْ ثَمَانِ عَشْرَةَ سَنَةً، وَقَدْ وَلَدَتْ فِي خِلَالِ ذَلِكَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي الْعَاصِ، " وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ أَبُو مُحَمَّدٍ هُوَ الْحَقُّ، وَأَنَّهَا لَمْ تَزَلْ مُسْلِمَةً مِنْ حِينِ بُعِثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَيُمْكِنُ التَّوْقِيتُ بِالسَّنَتَيْنِ أَوْ بِالسِّتِّ كَانَ بَيْنَ إِسْلَامِهِ، وَظُهُورِ إِسْلَامِهَا، وَإِعْلَانِهِ بِالْهِجْرَةِ، فَإِنَّ نِسَاءَ الْمُؤْمِنَاتِ كُنَّ يَسْتَخْفِينَ مِنْ أَزْوَاجِهِنَّ بِالْإِسْلَامِ فِي مَكَّةَ، فَلَمَّا هَاجَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَظْهَرَ مَنْ هَاجَرَ مَعَهُ مِنْهُنَّ إِسْلَامَهَا، وَزَيْنَبُ هَاجَرَتْ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَبَعْدَ وَقْعَةِ بَدْرٍ، فَكَانَ بَيْنَ ظُهُورِ إِسْلَامِهَا بِهِجْرَتِهَا، وَإِسْلَامِ أَبِي الْعَاصِ سَنَتَانِ.
وَأَمَّا السِّتُّ سِنِينَ فَهِيَ بَيْنَ ظُهُورِ الْإِسْلَامِ الْعَامِّ بِالْهِجْرَةِ، وَإِسْلَامِ أَبِي الْعَاصِ.
стр. 560
عَلَى أَنَّ عَبْدَ الرَّزَّاقِ قَدْ ذَكَرَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ رَجُلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ:
стр. 561
«أَسْلَمَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهَاجَرَتْ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْهِجْرَةِ الْأُولَى، وَزَوْجُهَا أَبُو الْعَاصِ بْنُ الرَّبِيعِ بِمَكَّةَ مُشْرِكٌ، ثُمَّ شَهِدَ أَبُو الْعَاصِ " بَدْرًا " مُشْرِكًا، فَأُسِرَ فَفُدِيَ، وَكَانَ مُوسِرًا، ثُمَّ شَهِدَ " أُحُدًا " مُشْرِكًا، وَرَجَعَ إِلَى مَكَّةَ، وَمَكَثَ بِهَا مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الشَّامِ تَاجِرًا فَأُسِرَ بِطَرِيقِ الشَّامِ، أَسَرَهُ نَفَرٌ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَدَخَلَتْ
стр. 562
زَيْنَبُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَتْ: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ يُجِيرُ عَلَيْهِمْ أَدْنَاهُمْ، فَقَالَ: وَمَا ذَاكَ يَا زَيْنَبُ؟ فَقَالَتْ: أَجَرْتُ أَبَا الْعَاصِ. فَقَالَ: " قَدْ أَجَرْتُ جِوَارَكِ " ثُمَّ لَمْ يُجِرْ جِوَارَ امْرَأَةٍ بَعْدَهَا، ثُمَّ أَسْلَمَا، فَكَانَا عَلَى نِكَاحِهِمَا» .
«وَكَانَ عُمَرُ خَطَبَهَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَذَكَرَ لَهَا النَّبِيُّ ﷺ ذَلِكَ، فَقَالَتْ: أَبُو الْعَاصِ يَا رَسُولَ اللَّهِ حَيْثُ عَلِمْتَ، وَقَدْ كَانَ نِعْمَ الصِّهْرُ، فَإِنْ رَأَيْتَ أَنْ تَنْتَظِرَهُ، فَسَكَتَ النَّبِيُّ ﷺ عِنْدَ ذَلِكَ» .
قُلْتُ: قَوْلُهُ: " ثُمَّ أَسْلَمَا " أَيِ اجْتَمَعَا عَلَى الْإِسْلَامِ، وَإِلَّا فَزَيْنَبُ أَسْلَمَتْ
стр. 563
قَبْلَهُ قَطْعًا، وَهَاجَرَتْ بَعْدَ " بَدْرٍ " قَطْعًا كَمَا فِي " الْمُسْنَدِ "، وَ " السُّنَنِ " مِنْ «حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: لَمَّا بَعَثَ أَهْلُ مَكَّةَ فِي فِدَاءِ أَسْرَاهُمْ بَعَثَتْ زَيْنَبُ فِي فِدَاءِ أَبِي الْعَاصِ بِمَالٍ، وَبَعَثَتْ فِيهِ بِقِلَادَةٍ لَهَا كَانَتْ عِنْدَ خَدِيجَةَ أَدْخَلَتْهَا بِهَا عَلَى أَبِي الْعَاصِ. قَالَتْ فَلَمَّا رَآهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَقَّ لَهَا رِقَّةً شَدِيدَةً، وَقَالَ: " إِنْ رَأَيْتُمْ أَنْ تُطْلِقُوا لَهَا أَسِيرَهَا وَتَرُدُّوا عَلَيْهَا الَّذِي لَهَا "، قَالُوا: نَعَمْ. وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَخَذَ عَلَيْهِ، أَوْ وَعَدَهُ، أَنْ يُخَلِّيَ سَبِيلَ زَيْنَبَ إِلَيْهِ، فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ وَرَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ، فَقَالَ: " كُونَا بِبَطْنِ يَأْجِجَ حَتَّى تَمُرَّ بِكُمَا زَيْنَبُ فَتَصْحَبَاهَا حَتَّى تَأْتِيَا بِهَا» .
стр. 564
وَأَمَّا تَعَلُّقُكُمْ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ فَتَعَلُّقٌ ضَعِيفٌ، وَقَدْ صَحَّحَ الْأَئِمَّةُ حَدِيثَهُ هَذَا، وَبَيَّنُوا أَنَّهُ أَوْلَى بِالصِّحَّةِ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ أَنَّهُ رَدَّهَا بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ، وَأَنَّ ذَلِكَ لَا يَثْبُتُ، كَمَا تَقَدَّمَ حِكَايَةُ كَلَامِهِمْ، وَثَنَاءُ الْأَئِمَّةِ عَلَى ابْنِ إِسْحَاقَ وَشَهَادَتُهُمْ لَهُ بِالْإِمَامَةِ، وَالْحِفْظِ، وَالصِّدْقِ أَضْعَافُ أَضْعَافِ الْقَدْحِ فِيهِ.
стр. 565
وَقَدْ أُجِيبَ عَنْ حَدِيثِ زَيْنَبَ ﵂ بِأَجْوِبَةٍ كُلُّهَا ضَعِيفَةٌ أَوْ فَاسِدَةٌ، وَنَحْنُ نَذْكُرُهَا.
قَالَ أَبُو عُمَرَ: " إِنْ صَحَّ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ هَذَا، فَلَا يَخْلُو مِنْ أَحَدِ وَجْهَيْنِ:
إِمَّا أَنَّهَا لَمْ تَحِضْ ثَلَاثَ حِيَضٍ حَتَّى أَسْلَمَ زَوْجُهَا.
وَإِمَّا أَنَّ الْأَمْرَ فِيهَا مَنْسُوخٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٢٨] ، يَعْنِي فِي عِدَّتِهِنَّ، وَهَذَا مَا لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ: أَنَّهُ عَنَى بِهِ الْعِدَّةَ.
وَقَالَ ابْنُ شِهَابٍ فِي قِصَّةِ زَيْنَبَ هَذِهِ: كَانَ هَذَا قَبْلَ أَنْ تَنْزِلَ الْفَرَائِضُ.
قَالَ قَتَادَةُ: كَانَ هَذَا قَبْلَ أَنْ تَنْزِلَ سُورَةُ " بَرَاءَةٌ " بِقَطْعِ الْعُهُودِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُشْرِكِينَ.
وَقَدْ رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَدَّ ابْنَتَهُ إِلَى أَبِي الْعَاصِ بْنِ الرَّبِيعِ بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ، وَإِذَا كَانَ هَذَا سَقَطَ الْقَوْلُ فِي قِصَّةِ زَيْنَبَ.
следующие страницы →