← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 21747

أحكام أهل الذمة - ط رمادي

ابن القيم

Полный текст (1 326 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

«أَسْلَمَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهَاجَرَتْ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْهِجْرَةِ الْأُولَى، وَزَوْجُهَا أَبُو الْعَاصِ بْنُ الرَّبِيعِ بِمَكَّةَ مُشْرِكٌ، ثُمَّ شَهِدَ أَبُو الْعَاصِ " بَدْرًا " مُشْرِكًا، فَأُسِرَ فَفُدِيَ، وَكَانَ مُوسِرًا، ثُمَّ شَهِدَ " أُحُدًا " مُشْرِكًا، وَرَجَعَ إِلَى مَكَّةَ، وَمَكَثَ بِهَا مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الشَّامِ تَاجِرًا فَأُسِرَ بِطَرِيقِ الشَّامِ، أَسَرَهُ نَفَرٌ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَدَخَلَتْ

стр. 562

زَيْنَبُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَتْ: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ يُجِيرُ عَلَيْهِمْ أَدْنَاهُمْ، فَقَالَ: وَمَا ذَاكَ يَا زَيْنَبُ؟ فَقَالَتْ: أَجَرْتُ أَبَا الْعَاصِ. فَقَالَ: " قَدْ أَجَرْتُ جِوَارَكِ " ثُمَّ لَمْ يُجِرْ جِوَارَ امْرَأَةٍ بَعْدَهَا، ثُمَّ أَسْلَمَا، فَكَانَا عَلَى نِكَاحِهِمَا» . «وَكَانَ عُمَرُ خَطَبَهَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَذَكَرَ لَهَا النَّبِيُّ ﷺ ذَلِكَ، فَقَالَتْ: أَبُو الْعَاصِ يَا رَسُولَ اللَّهِ حَيْثُ عَلِمْتَ، وَقَدْ كَانَ نِعْمَ الصِّهْرُ، فَإِنْ رَأَيْتَ أَنْ تَنْتَظِرَهُ، فَسَكَتَ النَّبِيُّ ﷺ عِنْدَ ذَلِكَ» . قُلْتُ: قَوْلُهُ: " ثُمَّ أَسْلَمَا " أَيِ اجْتَمَعَا عَلَى الْإِسْلَامِ، وَإِلَّا فَزَيْنَبُ أَسْلَمَتْ

стр. 563

قَبْلَهُ قَطْعًا، وَهَاجَرَتْ بَعْدَ " بَدْرٍ " قَطْعًا كَمَا فِي " الْمُسْنَدِ "، وَ " السُّنَنِ " مِنْ «حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: لَمَّا بَعَثَ أَهْلُ مَكَّةَ فِي فِدَاءِ أَسْرَاهُمْ بَعَثَتْ زَيْنَبُ فِي فِدَاءِ أَبِي الْعَاصِ بِمَالٍ، وَبَعَثَتْ فِيهِ بِقِلَادَةٍ لَهَا كَانَتْ عِنْدَ خَدِيجَةَ أَدْخَلَتْهَا بِهَا عَلَى أَبِي الْعَاصِ. قَالَتْ فَلَمَّا رَآهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَقَّ لَهَا رِقَّةً شَدِيدَةً، وَقَالَ: " إِنْ رَأَيْتُمْ أَنْ تُطْلِقُوا لَهَا أَسِيرَهَا وَتَرُدُّوا عَلَيْهَا الَّذِي لَهَا "، قَالُوا: نَعَمْ. وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَخَذَ عَلَيْهِ، أَوْ وَعَدَهُ، أَنْ يُخَلِّيَ سَبِيلَ زَيْنَبَ إِلَيْهِ، فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ وَرَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ، فَقَالَ: " كُونَا بِبَطْنِ يَأْجِجَ حَتَّى تَمُرَّ بِكُمَا زَيْنَبُ فَتَصْحَبَاهَا حَتَّى تَأْتِيَا بِهَا» .

стр. 564

وَأَمَّا تَعَلُّقُكُمْ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ فَتَعَلُّقٌ ضَعِيفٌ، وَقَدْ صَحَّحَ الْأَئِمَّةُ حَدِيثَهُ هَذَا، وَبَيَّنُوا أَنَّهُ أَوْلَى بِالصِّحَّةِ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ أَنَّهُ رَدَّهَا بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ، وَأَنَّ ذَلِكَ لَا يَثْبُتُ، كَمَا تَقَدَّمَ حِكَايَةُ كَلَامِهِمْ، وَثَنَاءُ الْأَئِمَّةِ عَلَى ابْنِ إِسْحَاقَ وَشَهَادَتُهُمْ لَهُ بِالْإِمَامَةِ، وَالْحِفْظِ، وَالصِّدْقِ أَضْعَافُ أَضْعَافِ الْقَدْحِ فِيهِ.

стр. 565

وَقَدْ أُجِيبَ عَنْ حَدِيثِ زَيْنَبَ ﵂ بِأَجْوِبَةٍ كُلُّهَا ضَعِيفَةٌ أَوْ فَاسِدَةٌ، وَنَحْنُ نَذْكُرُهَا. قَالَ أَبُو عُمَرَ: " إِنْ صَحَّ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ هَذَا، فَلَا يَخْلُو مِنْ أَحَدِ وَجْهَيْنِ: إِمَّا أَنَّهَا لَمْ تَحِضْ ثَلَاثَ حِيَضٍ حَتَّى أَسْلَمَ زَوْجُهَا. وَإِمَّا أَنَّ الْأَمْرَ فِيهَا مَنْسُوخٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٢٨] ، يَعْنِي فِي عِدَّتِهِنَّ، وَهَذَا مَا لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ: أَنَّهُ عَنَى بِهِ الْعِدَّةَ. وَقَالَ ابْنُ شِهَابٍ فِي قِصَّةِ زَيْنَبَ هَذِهِ: كَانَ هَذَا قَبْلَ أَنْ تَنْزِلَ الْفَرَائِضُ. قَالَ قَتَادَةُ: كَانَ هَذَا قَبْلَ أَنْ تَنْزِلَ سُورَةُ " بَرَاءَةٌ " بِقَطْعِ الْعُهُودِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُشْرِكِينَ. وَقَدْ رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَدَّ ابْنَتَهُ إِلَى أَبِي الْعَاصِ بْنِ الرَّبِيعِ بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ، وَإِذَا كَانَ هَذَا سَقَطَ الْقَوْلُ فِي قِصَّةِ زَيْنَبَ.

стр. 566

وَكَذَلِكَ قَالَ الشَّعْبِيُّ - مَعَ عِلْمِهِ بِالْمَغَازِي - " إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَرُدَّ زَيْنَبَ إِلَى أَبِي الْعَاصِ إِلَّا بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ "، وَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِي الْكَافِرَةِ تُسْلِمُ، وَيَأْبَى زَوْجُهَا الْإِسْلَامَ حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا، أَنَّهُ لَا سَبِيلَ لَهُ عَلَيْهَا إِلَّا بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ. وَهَذَا كُلُّهُ يَتَبَيَّنُ بِهِ أَنَّ قَوْلَ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: " رَدَّهَا عَلَى النِّكَاحِ الْأَوَّلِ " أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ عَلَى مِثْلِ الصَّدَاقِ الْأَوَّلِ إِنْ صَحَّ، وَحَدِيثُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عِنْدَنَا صَحِيحٌ " انْتَهَى كَلَامُهُ. قُلْتُ: أَمَّا كَوْنُهَا لَمْ تَحِضْ فِي تِلْكَ السِّنِينَ السِّتِّ إِلَّا ثَلَاثَ حِيَضٍ فَهَذَا - مَعَ أَنَّهُ فِي غَايَةِ الْبُعْدِ وَخِلَافُ مَا طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهِ النِّسَاءَ - فَمِثْلُهُ لَوْ وَقَعَ لَنُقِلَ، وَلَمْ يَنْقُلْ ذَلِكَ أَحَدٌ، وَلَمْ يَحُدَّ النَّبِيُّ ﷺ بَقَاءَ النِّكَاحِ بِمُدَّةِ الْعِدَّةِ حَتَّى يُقَالَ: لَعَلَّ عِدَّتَهَا تَأَخَّرَتْ، فَلَا التَّحْدِيدُ بِالثَّلَاثِ حِيَضٍ ثَابِتٌ، وَلَا تَأَخُّرُهَا سِتَّ سِنِينَ مُعْتَادٌ.

стр. 567

وَأَمَّا ادِّعَاءُ نَسْخِ الْحَدِيثِ فَأَبْعَدُ وَأَبْعَدُ، فَإِنَّ شُرُوطَ النَّسْخِ مُنْتَفِيَةٌ، وَهِيَ وُجُودُ الْمُعَارِضِ، وَمُقَاوَمَتُهُ، وَتَأَخُّرُهُ، فَأَيْنَ مَعَكُمْ وَاحِدٌ مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ؟ وَأَعْجَبُ مِنْ هَذَا دَعْوَى أَنْ يَكُونَ النَّاسِخُ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٢٨] ، فَإِنَّ هَذَا فِي الْمُطَلَّقَاتِ الرَّجْعِيَّاتِ بِنَصِّ الْقُرْآنِ، وَاتِّفَاقِ الْأُمَّةِ، وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ: أَنَّ إِسْلَامَ الْمَرْأَةِ طَلْقَةٌ رَجْعِيَّةٌ يَكُونُ بَعْلُهَا أَحَقَّ بِرَدِّهَا فِي عِدَّتِهَا، وَالَّذِينَ يَحْكُمُونَ بِالْفُرْقَةِ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ لَا يُوقِعُونَهَا مِنْ حِينِ الْإِسْلَامِ، بِخِلَافِ الطَّلَاقِ فَإِنَّهُ يَنْفُذُ مِنْ حِينِ التَّطْلِيقِ، وَيَكُونُ لِلزَّوْجِ الرَّجْعَةُ فِي زَمَنِ الْعِدَّةِ. وَأَمَّا قَوْلُ الزُّهْرِيِّ: " إِنَّ هَذَا كَانَ قَبْلَ أَنْ تَنْزِلَ الْفَرَائِضُ "، فَكَأَنَّهُ أَرَادَ أَنَّ الْحَدِيثَ مَنْسُوخٌ، فَيُقَالُ: وَأَيْنَ النَّاسِخُ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ أَوْ سُنَّةِ رَسُولِهِ؟ فَإِنْ قَالَ: النَّاسِخُ لَهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠] ، فَيُقَالُ: هَذِهِ الْآيَةُ نَزَلَتْ فِي قِصَّةِ صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ بِاتِّفَاقِ النَّاسِ، وَرَدُّ زَيْنَبَ عَلَى أَبِي الْعَاصِ كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَّا قَدِمَ مِنَ الشَّامِ فِي زَمَنِ الْهُدْنَةِ، وَلِهَذَا

стр. 568

قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِزَيْنَبَ " «أَكْرِمِي مَثْوَاهُ، وَلَكِنْ لَا يَصِلُ إِلَيْكِ» "، امْتِثَالًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠] ، ثُمَّ ذَهَبَ أَبُو الْعَاصِ إِلَى مَكَّةَ فَرَدَّ الْوَدَائِعَ، وَالْأَمَانَاتِ الَّتِي كَانَتْ عِنْدَهُ، ثُمَّ جَاءَ فَأَسْلَمَ، فَرَدَّهَا عَلَيْهِ بِالنِّكَاحِ الْأَوَّلِ. وَقَوْلُهُ: " إِنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ أَنْ تَنْزِلَ الْفَرَائِضُ " لَمْ يُرِدْ بِهِ فَرَائِضَ الْإِسْلَامِ، فَابْنُ شِهَابٍ أَعْلَمُ وَأَجَلُّ مِنْ أَنْ يُرِيدَ ذَلِكَ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ إِنَّمَا أَرَادَ فَرِيضَةَ تَحْرِيمِ نِكَاحِ الْمُشْرِكِ، وَالْمُشْرِكَةِ. وَأَقْصَى مَا يُقَالُ: إِنَّ رَدَّ زَيْنَبَ عَلَى أَبِي الْعَاصِ، وَنُزُولَ آيَةِ التَّحْرِيمِ كَانَا فِي زَمَنِ الْهُدْنَةِ، فَمِنْ أَيْنَ يُعْلَمُ تَأَخُّرُ نُزُولِ الْآيَةِ عَنْ قِصَّةِ الزَّوْجَيْنِ، لِتَكُونَ نَاسِخَةً لَهَا؟ وَلَا يُمْكِنُ دَعْوَى النَّسْخِ بِالِاحْتِمَالِ. وَأَمَّا قَوْلُ قَتَادَةَ: كَانَ هَذَا قَبْلَ أَنْ تَنْزِلَ سُورَةُ " بَرَاءَةٌ " بِقَطْعِ الْعُهُودِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، وَالْمُشْرِكِينَ فَلَا رَيْبَ أَنَّهُ كَانَ قَبْلَ نُزُولِ " بَرَاءَةٌ " وَلَكِنْ أَيْنَ فِي

стр. 569

سُورَةِ بَرَاءَةٌ مَا يَدُلُّ عَلَى إِبْطَالِ مَا مَضَتْ بِهِ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ حِينِ بُعِثَ إِلَى أَنْ تَوَفَّاهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ عَدَمِ التَّفْرِيقِ بَيْنَ الرَّجُلِ، وَالْمَرْأَةِ، إِذَا سَبَقَ أَحَدُهُمَا بِالْإِسْلَامِ؟ وَالْعُهُودُ الَّتِي نَبَذَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْمُشْرِكِينَ هِيَ عُهُودُ الصُّلْحِ الَّتِي كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ، فَهِيَ بَرَاءَةٌ مِنَ الْعَقْدِ، وَالْعَهْدِ الَّذِي كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ، وَلَا تَعَرُّضَ فِيهَا لِلنِّكَاحِ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ، وَقَدْ أَكَدَّ اللَّهُ سُبْحَانَهُ الْبَرَاءَةَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، وَالْكُفَّارِ قَبْلَ ذَلِكَ فِي سُورَةِ " الْمُمْتَحَنَةِ " وَغَيْرِهَا، وَلَكِنَّ هَذَا لَا يُنَاقِضُ تَرَبُّصَ الْمَرْأَةِ بِنِكَاحِهَا إِسْلَامَ زَوْجِهَا، فَإِنْ أَسْلَمَ كَانَتِ امْرَأَتَهُ وَإِلَّا فَهِيَ بَرِيئَةٌ مِنْهُ.

стр. 570

وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَقَدْ رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ: أَنَّهُ رَدَّهَا بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ، فَلَوْ وَصَلَ إِلَى عَمْرٍو لَكَانَ حُجَّةً، فَإِنَّا لَا نَدْفَعُ حَدِيثَ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، وَلَكِنْ دُونَ الْوُصُولِ إِلَيْهِ مَفَاوِزُ مُجْدِبَةٌ مُعْطِشَةٌ لَا تُسْلَكُ، فَلَا يُعَارَضُ بِحَدِيثِهِ الْحَدِيثُ الَّذِي شَهِدَ الْأَئِمَّةُ بِصِحَّتِهِ.

стр. 571

وَأَمَّا قَوْلُ الشَّعْبِيِّ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَرُدَّهَا إِلَّا بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ، فَهَذَا إِنْ صَحَّ عَنِ الشَّعْبِيِّ فَإِنْ كَانَ قَالَهُ بِرَأْيِهِ فَلَا حُجَّةَ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ قَالَهُ رِوَايَةً فَهُوَ مُنْقَطِعٌ لَا تَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ، فَبَيْنَ الشَّعْبِيِّ وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَفَازَةٌ لَا يُدْرَى حَالُهَا. وَأَمَّا قَوْلُهُ: لَا خِلَافَ بَيْنِ الْعُلَمَاءِ فِي الْكَافِرَةِ تُسْلِمُ، وَيَأْبَى زَوْجُهَا الْإِسْلَامَ حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا، أَنَّهُ لَا سَبِيلَ لَهُ عَلَيْهَا إِلَّا بِنِكَاحٍ، فَهَذَا قَالَهُ أَبُو عُمَرَ ﵀ بِحَسَبِ مَا بَلَغَهُ، وَإِلَّا فَقَدْ ذَكَرْنَا فِي الْمُسْلِمَةِ مَذَاهِبَ تِسْعَةً، وَذَكَرْنَا مَذْهَبَ عَلِيٍّ وَلَا يُحْفَظُ اعْتِبَارُ الْعِدَّةِ عَنْ صَاحِبٍ وَاحِدٍ أَلْبَتَّةَ، وَأَرْفَعُ مَا فِيهِ قَوْلُ الزُّهْرِيِّ الَّذِي رَوَاهُ مَالِكٌ عَنْهُ فِي " الْمُوَطَّأِ "، وَلَفْظُهُ: " «أَنَّ أُمَّ حَكِيمِ بِنْتَ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ أَسْلَمَتْ يَوْمَ الْفَتْحِ بِمَكَّةَ، وَهَرَبَ زَوْجُهَا عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ مِنَ الْإِسْلَامِ حَتَّى قَدِمَ الْيَمَنَ، فَارْتَحَلَتْ أُمُّ حَكِيمٍ حَتَّى قَدِمَتْ عَلَى زَوْجِهَا بِالْيَمَنِ، وَدَعَتْهُ إِلَى الْإِسْلَامِ فَأَسْلَمَ، وَقَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَبَايَعَهُ فَثَبَتَا عَلَى نِكَاحِهِمَا ذَلِكَ» ". قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَلَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّ امْرَأَةً هَاجَرَتْ إِلَى اللَّهِ، وَإِلَى رَسُولِهِ، وَزَوْجُهَا كَافِرٌ مُقِيمٌ بِدَارِ الْكُفْرِ إِلَّا فَرَّقَتْ هِجْرَتُهَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ زَوْجِهَا إِلَّا أَنْ يَقْدَمَ زَوْجُهَا مُهَاجِرًا قَبْلَ أَنْ تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا، وَأَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّ امْرَأَةً فُرِّقَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ زَوْجِهَا إِذَا قَدِمَ وَهِيَ فِي عِدَّتِهَا، فَلَا يُعْرَفُ فِي اعْتِبَارِ الْعِدَّةِ غَيْرُ هَذَا الْأَثَرِ.

стр. 572

وَأَمَّا قَوْلُهُ: إِنَّهُ رَدَّهَا عَلَى النِّكَاحِ الْأَوَّلِ: أَيْ عَلَى مِثْلِ الصَّدَاقِ الْأَوَّلِ، فَلَا يَخْفَى ضَعْفُهُ وَفَسَادُهُ، وَأَنَّهُ عَكْسُ الْمَفْهُومِ مِنْ لَفْظِ الْحَدِيثِ، وَقَوْلُهُ: " لَمْ يُحْدِثْ شَيْئًا " يَأْبَاهُ وَنَحْنُ نَذْكُرُ أَلْفَاظَ الْحَدِيثِ لِنُبَيِّنَ أَنَّهَا لَا تَحْتَمِلُ ذَلِكَ: فَفِي " الْمُسْنَدِ "، وَ " السُّنَنِ " مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ " «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَدَّ ابْنَتَهُ زَيْنَبَ عَلَى زَوْجِهَا أَبِي الْعَاصِ بْنِ الرَّبِيعِ بِالنِّكَاحِ الْأَوَّلِ لَمْ يُحْدِثْ شَيْئًا» ". وَفِي لَفْظٍ: " «بِنِكَاحِهَا الْأَوَّلِ لَمْ يُحْدِثْ صَدَاقًا» ". وَفِي لَفْظٍ: " «شَهَادَةً وَلَا صَدَاقًا» ". وَفِي لَفْظٍ: " «لَمْ يُحْدِثْ نِكَاحًا» ". فَهَذَا كُلُّهُ صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ أَبْقَاهُمَا عَلَى نَفْسِ النِّكَاحِ الْأَوَّلِ، لَا يَحْتَمِلُ الْحَدِيثُ غَيْرَ ذَلِكَ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: " فَحَدِيثُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عِنْدَنَا صَحِيحٌ " فَنَعَمْ، إِذَا وَصَلَ إِلَيْهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، وَهَذَا مُنْتَفٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ كَمَا تَقَدَّمَ.

стр. 573

قَالَ التِّرْمِذِيُّ فِي " كِتَابِ الْعِلَلِ ": سَأَلْتُ عَنْهُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيِّ [عَنْ هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ] ؟ فَقَالَ: حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ أَصَحُّ فِي هَذَا الْبَابِ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ [عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ] . وَذَكَرَ أَبُو عُبَيْدٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ: أَنَّ حَجَّاجَ بْنَ أَرْطَاةَ - وَهُوَ رَاوِيهِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ - لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْ عَمْرٍو، وَأَنَّهُ مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ الْعَرْزَمِيِّ، عَنْ عَمْرٍو. قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: " فَهَذَا الْحَدِيثُ لَا يَعْبَأُ بِهِ أَحَدٌ يَدْرِي مَا الْحَدِيثُ ". قَالَ: " وَالَّذِي ذَكَرَهُ بَعْضُ النَّاسِ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، وَحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، بِأَنْ قَالَ: عَلِمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو بِتَحْرِيمِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ رُجُوعَ الْمُؤْمِنَاتِ إِلَى الْكُفَّارِ، فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عِنْدَهُ إِلَّا بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ ". وَأَمَّا ابْنُ عَبَّاسٍ فَلَمْ يَعْلَمْ بِتَحْرِيمِ اللَّهِ الْمُؤْمِنَاتِ عَلَى الْكُفَّارِ حَتَّى عَلِمَ بِرَدِّ زَيْنَبَ عَلَى أَبِي الْعَاصِ فَقَالَ: رَدَّهَا بِالنِّكَاحِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا عِنْدَهُ فَسْخُ نِكَاحٍ ".

стр. 574

قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: " وَلَيْسَ هَذَا بِجَمْعٍ صَحِيحٍ، وَمَا هُوَ إِلَّا سُوءُ ظَنٍّ بِالصَّحَابَةِ، حَيْثُ نَسَبَهُمْ إِلَى الْمُجَازَفَةِ بِرِوَايَةِ الْحَدِيثِ عَلَى مَا وَقَعَ لَهُمْ مِنْ غَيْرِ سَمَاعٍ، وَحَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو لَمْ يُثْبِتْهُ الْحُفَّاظُ عَلَى مَا قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ، وَابْنُ عَبَّاسٍ لَمْ يَقُلْ: " رَدَّهَا عَلَيْهِ بِالنِّكَاحِ الْأَوَّلِ، وَلَمْ يُحْدِثْ شَيْئًا " إِلَّا بَعْدَ إِحَاطَةِ الْعِلْمِ بِهِ بِنَفْسِهِ، أَوْ عَمَّنْ يَثِقُ بِهِ، وَكَيْفَ يَشْتَبِهُ عَلَى مِثْلِهِ نُزُولُ الْآيَةِ فِي " الْمُمْتَحَنَةِ " قَبْلَ رَدِّ النَّبِيِّ ﷺ ابْنَتَهُ عَلَى أَبِي الْعَاصِ؟ وَإِنِ اشْتَبَهَ ذَلِكَ عَلَيْهِ فِي وَقْتِ نُزُولِهَا لَمْ يَشْتَبِهْ عَلَى مِثْلِهِ الْخَبَرُ بَعْدَ وَفَاةِ النَّبِيِّ ﷺ وَقَدْ عَلِمَ مَنَازِلَ الْقُرْآنِ، وَتَأْوِيلَهُ، هَذَا بَعِيدٌ لَا يَجُوزُ الْحَمْلُ عَلَيْهِ " انْتَهَى كَلَامُهُ. قَالَ أَصْحَابُ هَذَا الْقَوْلِ: ثُمَّ نَقُولُ: دَعُونَا مِنْ هَذَا كُلِّهِ، وَهَبْ أَنَّهُ صَحَّ لَكُمْ جَمِيعُ مَا ذَكَرْتُمْ فِي قِصَّةِ زَيْنَبَ، فَمِنْ أَيْنَ لَكُمْ أَنَّ الْمُرَاعَى فِي أَمْرِ أَبِي الْعَاصِ، وَأَمْرِ هِنْدَ، وَامْرَأَةِ صَفْوَانَ، وَأُمِّ حَكِيمٍ، وَسَائِرِ مَنْ أَسْلَمَ إِنَّمَا هُوَ الْعِدَّةُ؟ وَمَنْ أَخْبَرَكُمْ بِهَذَا، وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَحَادِيثِ الصِّحَاحِ وَلَا الْحِسَانِ ذِكْرُ عِدَّةٍ فِي ذَلِكَ، وَلَا دَلِيلَ عَلَيْهَا أَصْلًا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ، وَلَا سُنَّةِ رَسُولِهِ، وَلَا إِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ؟ قَالُوا: وَلَا عِدَّةَ فِي دِينِ اللَّهِ إِلَّا فِي طَلَاقٍ، أَوْ خُلْعٍ، أَوْ وَفَاةٍ، أَوْ عِتْقٍ تَحْتَ عَبْدٍ، أَوْ حُرٍّ، فَمِنْ أَيْنَ جِئْتُمُونَا بِهَذِهِ الْعِدَّةِ، وَجَعَلْتُمُوهَا حَدًّا فَاصِلًا بَيْنَ الزَّوْجِ الْمَالِكِ لِلْعِصْمَةِ، وَغَيْرِهِ؟ [فَصْلٌ حَجَّةُ الْمُعَجِّلُونَ لِلْفُرْقَةِ] ١١٧ - فَصْلٌ [حَجَّةُ الْمُعَجِّلُونَ لِلْفُرْقَةِ] . قَالَ الْمُعَجِّلُونَ لِلْفُرْقَةِ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:

стр. 575

﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الممتحنة: ١٠] . قَالُوا: فَهَذَا حُكْمُ اللَّهِ الَّذِي لَا يُحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَخْرُجَ عَنْهُ، وَقَدْ حَرَّمَ فِيهِ رُجُوعَ الْمُؤْمِنَةِ إِلَى الْكَافِرِ، وَصَرَّحَ سُبْحَانَهُ بِإِبَاحَةِ نِكَاحِهَا، وَلَوْ كَانَتْ فِي عِصْمَةِ الزَّوْجِ حَتَّى يُسْلِمَ فِي الْعِدَّةِ، أَوْ بَعْدَهَا لَمْ يَجُزْ نِكَاحُهَا، لَا سِيَّمَا وَالْمُهَاجِرَةُ تُسْتَبْرَأُ بِحَيْضَةٍ، وَهَذَا صَرِيحٌ فِي انْقِطَاعِ الْعِصْمَةِ بِالْهِجْرَةِ. وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠] ، صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْمُسْلِمَ مَأْمُورٌ أَلَّا يُمْسِكَ عِصْمَةَ امْرَأَتِهِ إِذَا لَمْ تُسْلِمْ، فَصَحَّ أَنَّ سَاعَةَ وُقُوعِ الْإِسْلَامِ مِنْهُ تَنْقَطِعُ عِصْمَةُ الْكَافِرَةِ مِنْهُ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠] ، صَرِيحٌ فِي تَحْرِيمِ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ فِي كُلِّ وَقْتٍ، فَهَذِهِ أَرْبَعَةُ أَدِلَّةٍ مِنَ الْآيَةِ، وَدَعُونَا مِنْ تِلْكَ الْمُنْقَطِعَاتِ، وَالْمَرَاسِيلِ وَالْآثَارِ الْمُخْتَلِفَةِ، فَفِي كِتَابِ اللَّهِ الشِّفَاءُ وَالْعِصْمَةُ. قَالَ الْآخَرُونَ: مَرْحَبًا، وَأَهْلًا، وَسَهْلًا بِكِتَابِ اللَّهِ، وَسَمْعًا، وَطَاعَةً لِقَوْلِ رَبِّنَا، وَلَكِنْ تَأَوَّلْتُمُ الْآيَةَ عَلَى غَيْرِ تَأْوِيلِهَا، وَوَضَعْتُمُوهَا عَلَى غَيْرِ مَوَاضِعِهَا، وَلَيْسَ فِيهَا مَا يَقْتَضِي تَعْجِيلَ الْفُرْقَةِ إِذَا سَبَقَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ بِإِلْغَائِهَا، وَلَا فَهِمَ

стр. 576

هَذَا مِنْهَا أَحَدٌ قَطُّ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَا مِنَ التَّابِعِينَ، وَلَا يَدُلُّ عَلَى مَا ذَهَبْتُمْ إِلَيْهِ أَصْلًا. أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ [الممتحنة: ١٠] فَإِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى النَّهْيِ عَنْ رَدِّ النِّسَاءِ الْمُهَاجِرَاتِ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الْكُفَّارِ، فَأَيْنَ فِي هَذَا مَا يَقْتَضِي أَنَّهَا لَا تَنْتَظِرُ زَوْجَهَا حَتَّى يَصِيرَ مُسْلِمًا مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، ثُمَّ تُرَدُّ إِلَيْهِ؟ وَلَقَدْ أَبْعَدَ النُّجْعَةَ كُلَّ الْإِبْعَادِ مَنْ فَهِمَ هَذَا مِنَ الْآيَةِ. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠] ، إِنَّمَا فِيهِ إِثْبَاتُ التَّحْرِيمِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، وَالْكُفَّارِ، وَأَنَّ أَحَدَهُمَا لَا يَحِلُّ لِلْآخَرِ، وَلَيْسَ فِيهِ أَنَّ أَحَدَهُمَا لَا يَتَرَبَّصُ بِصَاحِبِهِ الْإِسْلَامَ فَيَحِلُّ لَهُ إِذَا أَسْلَمَا. وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠] ، فَهَذَا خِطَابٌ لِلْمُسْلِمِينَ وَرَفْعٌ لِلْحَرَجِ عَنْهُمْ أَنْ يَنْكِحُوا الْمُؤْمِنَاتِ الْمُهَاجِرَاتِ إِذَا بِنَّ مِنْ أَزْوَاجِهِنَّ وَتَخَلَّيْنَ عَنْهُمْ، وَهَذَا إِنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّةِ الْمَرْأَةِ وَاخْتِيَارِهَا لِنَفْسِهَا، وَلَا رَيْبَ أَنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا انْقَضَتْ عَدَّتُهَا تُخَيَّرُ بَيْنَ أَنْ تَتَزَوَّجَ مَنْ شَاءَتْ وَبَيْنَ أَنْ تُقِيمَ حَتَّى يُسْلِمَ زَوْجُهَا، فَتَرْجِعُ إِلَيْهِ إِمَّا بِالْعَقْدِ الْأَوَّلِ عَلَى مَا نَصَرْنَاهُ، وَإِمَّا بِعَقْدٍ جَدِيدٍ عَلَى قَوْلِ مَنْ يَرَى انْفِسَاخَ النِّكَاحِ بِمُجَرَّدِ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ. فَلَوْ أَنَّا قُلْنَا: إِنَّ الْمَرْأَةَ تَبْقَى مَحْبُوسَةً عَلَى الزَّوْجِ، لَا نُمَكِّنُهَا أَنْ تَتَزَوَّجَ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ، شَاءَتْ أَمْ أَبَتْ، لَكَانَ فِي الْآيَةِ حُجَّةٌ عَلَيْنَا، وَنَحْنُ لَمْ نَقُلْ ذَلِكَ وَلَا غَيْرُنَا مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ، بَلْ هِيَ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا إِنْ شَاءَتْ تَزَوَّجَتْ، وَإِنْ شَاءَتْ تَرَبَّصَتْ.

стр. 577

فَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠] ، فَإِنَّمَا تَضَمَّنَ النَّهْيَ عَنِ اسْتِدَامَةِ نِكَاحِ الْمُشْرِكَةِ، وَالْتَمَسُّكِ بِهَا، وَهِيَ مُقِيمَةٌ عَلَى شِرْكِهَا وَكُفْرِهَا، وَلَيْسَ فِيهِ النَّهْيُ عَنْ الِانْتِظَارِ بِهَا أَنْ يُسْلِمَ، ثُمَّ يُمْسِكَ بِعِصْمَتِهَا. فَإِنْ قِيلَ: فَهُوَ فِي التَّرَبُّصِ مُمْسِكٌ بِعِصْمَتِهَا، قُلْنَا لَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ هِيَ مُتَمَكِّنَةٌ بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا مِنْ مُفَارَقَتِهِ، وَالتَّزَوُّجِ بِغَيْرِهِ، وَلَوْ كَانَتِ الْعِصْمَةُ بِيَدِهِ لَمَا أَمْكَنَهَا ذَلِكَ. وَأَيْضًا فَالْآيَةُ إِنَّمَا دَلَّتْ عَلَى أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا أَسْلَمَ وَلَمْ تُسْلِمِ الْمَرْأَةُ، أَنَّهُ لَا يُمْسِكُهَا بَلْ يُفَارِقُهَا، فَإِذَا أَسْلَمَتْ بَعْدَهُ فَلَهُ أَنْ يُمْسِكَ بِعِصْمَتِهَا، وَهُوَ إِنَّمَا أَمْسَكَ بِعِصْمَةِ مُسْلِمَةٍ لَا كَافِرَةٍ. وَأَيْضًا فَإِنَّ تَحْرِيمَ النِّسَاءِ الْمُشْرِكَاتِ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ لَمْ يُسْتَفَدْ بِهَذِهِ الْآيَةِ، بَلْ كَانَ ثَابِتًا قَبْلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١] ، وَإِنَّمَا اقْتَضَتْ هَذِهِ الْآيَةُ حُكْمَهُ سُبْحَانَهُ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْكُفَّارِ فِي النِّسَاءِ اللَّاتِي يَرْتَدِدْنَ إِلَى الْكُفَّارِ وَاللَّاتِي يُهَاجِرْنَ إِلَى الْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّ الشَّرْطَ كَانَ قَدْ وَقَعَ عَلَى أَنَّ مَنْ شَاءَ أَنْ يَدْخُلَ فِي دِينِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَعَهْدِهِ دَخَلَ، وَمَنْ شَاءَ أَنْ يَدْخُلَ فِي دِينِ قُرَيْشٍ وَعَهْدِهِمْ دَخَلَ، فَهَاجَرَ نِسْوَةٌ اخْتَرْنَ الْإِسْلَامَ، وَارْتَدَّ نِسْوَةٌ اخْتَرْنَ الشِّرْكَ، فَحَكَمَ اللَّهُ أَحْسَنَ حُكْمٍ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ، وَنَهَى الْمُسْلِمِينَ فِيهَا أَنْ يُمْسِكُوا بِعِصْمَةِ الْمَرْأَةِ الَّتِي

стр. 578

اخْتَارَتِ الْكُفْرَ وَالشِّرْكَ، فَإِنَّ ذَلِكَ مَنْعٌ لَهَا مِنَ التَّزَوُّجِ بِمَنْ شَاءَتْ وَهِيَ فِي عِصْمَةِ الْمُسْلِمِ، وَالْعَهْدُ اقْتَضَى أَنَّ مَنْ جَاءَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، رِجَالِهِمْ وَنِسَائِهِمْ إِلَى الْكُفَّارِ يُقَرُّ عَلَى ذَلِكَ، وَمَنْ جَاءَ مِنَ الْكُفَّارِ إِلَى الْمُسْلِمِينَ يُرَدُّ إِلَيْهِمْ، فَإِذَا جَاءَتِ امْرَأَةٌ كَافِرَةٌ إِلَى الْمُسْلِمِينَ زَالَتْ عِصْمَةُ نِكَاحِهَا، وَأُبِيحَ لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يُزَوِّجُوهَا، فَإِذَا فَاتَتِ امْرَأَةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَى الْكُفَّارِ فَلَوْ بَقِيَتْ فِي عِصْمَتِهِ مُمْسِكًا لَهَا لَكَانَ فِي ذَلِكَ ضَرَرٌ بِهَا إِنْ لَمْ يُمْكِنْهَا أَنْ تُزَوَّجَ، وَضَرَرٌ بِهِ إِنْ أَمْكَنَهَا أَنْ تَتَزَوَّجَ وَهِيَ فِي عِصْمَتِهِ، فَاقْتَضَى حُكْمُهُ الْعَدْلُ الَّذِي لَا أَحْسَنَ مِنْهُ تَعْجِيلَ التَّفْرِيقِ بَيْنَهُ، وَبَيْنَ الْمَرْأَةِ الْمُرْتَدَّةِ، أَوِ الْكَافِرَةِ عِنْدَهُمْ لِتَتَمَكَّنَ مِنَ التَّزْوِيجِ كَمَا تَتَمَكَّنُ الْمُسْلِمَةُ مِنَ التَّزْوِيجِ إِذَا هَاجَرَتْ، فَهَذَا مُقْتَضَى الْآيَةِ، وَهِيَ لَا تَقْتَضِي أَنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا أَسْلَمَتْ وَقَعَتِ الْفُرْقَةُ بِمُجَرَّدِ إِسْلَامِهَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ زَوْجِهَا، فَلَوْ أَسْلَمَ بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَيْهَا سَبِيلٌ، فَيَنْبَغِي أَنْ تُعْطَى النُّصُوصُ حَقَّهَا، وَالسُّنَّةُ حَقَّهَا، فَلَا تَعَارُضَ بَيْنَ هَذِهِ الْآيَةِ، وَبَيْنَ مَا جَاءَتْ بِهِ السُّنَّةُ بِوَجْهٍ مَا، وَالْكُلُّ مِنْ مِشْكَاةٍ وَاحِدَةٍ يُصَدِّقُ بَعْضُهَا بَعْضًا. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: " وَأَمَّا الْقَوْلُ بِأَنَّهُ بِمُجَرَّدِ إِسْلَامِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ الْمُشْرِكَيْنِ تَحْصُلُ الْفُرْقَةُ قَبْلَ الدُّخُولِ، أَوْ بَعْدَهُ، فَهَذَا قَوْلٌ فِي غَايَةِ الضَّعْفِ، فَإِنَّهُ خِلَافُ الْمَعْلُومِ الْمُتَوَاتِرِ مِنْ شَرِيعَةِ الْإِسْلَامِ، فَإِنَّهُ قَدْ عُلِمَ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ دَخَلُوا فِي الْإِسْلَامِ كَانَ يَسْبِقُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا بِالتَّكَلُّمِ بِالشَّهَادَتَيْنِ، فَتَارَةً يُسْلِمُ الرَّجُلُ وَتَبْقَى الْمَرْأَةُ مُدَّةً ثُمَّ تُسْلِمُ، كَمَا أَسْلَمَ كَثِيرٌ مِنْ نِسَاءِ قُرَيْشٍ وَغَيْرِهِمْ قَبْلَ الرِّجَالِ.

стр. 579

وَرُوِيَ أَنَّ أُمَّ سُلَيْمٍ امْرَأَةِ أَبِي طَلْحَةَ أَسْلَمَتْ قَبْلَ أَبِي طَلْحَةَ، وَتَارَةً

стр. 580

يُسْلِمُ الرَّجُلُ قَبْلَ الْمَرْأَةِ، ثُمَّ تُسْلِمُ بَعْدَهُ بِمُدَّةٍ قَرِيبَةٍ، أَوْ بَعِيدَةٍ وَلَيْسَ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: هَذَا كَانَ قَبْلَ تَحْرِيمِ نِكَاحِ الْمُشْرِكِينَ لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَوْ قُدِّرَ تَقَدُّمُ ذَلِكَ فَدَعْوَى الْمُدَّعِي أَنَّ هَذَا مَنْسُوخٌ تَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ. الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يُقَالَ: لَقَدْ أَسْلَمَ النَّاسُ، وَدَخَلُوا فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا بَعْدَ نُزُولِ تَحْرِيمِ الْمُشْرِكَاتِ، وَنُزُولِ النَّهْيِ عَنِ التَّمَسُّكِ بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ، فَأَسْلَمَ الطُّلَقَاءُ بِمَكَّةَ، وَهُمْ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَأَسْلَمَ أَهْلُ الطَّائِفِ، وَهُمْ أَهْلُ مَدِينَةٍ،

стр. 581

وَكَانَ إِسْلَامُهُمْ بَعْدَ أَنْ حَاصَرَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ وَنَصَبَ عَلَيْهِمُ الْمَنْجَنِيقَ، وَلَمْ يَفْتَحْهَا، ثُمَّ قَسَّمَ غَنَائِمَ حُنَيْنٍ بِالْجِعِرَّانَةِ، وَاعْتَمَرَ عُمْرَةَ الْجِعِرَّانَةِ، ثُمَّ رَجَعَ بِالْمُسْلِمِينَ إِلَى الْمَدِينَةِ، ثُمَّ وَفَدَ وَفْدُ الطَّائِفِ فَأَسْلَمُوا، وَنِسَاؤُهُمْ بِالْبَلَدِ لَمْ يُسْلِمْنَ، ثُمَّ رَجَعُوا، وَأَسْلَمَ نِسَاؤُهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ، فَمَنْ قَالَ: إِنَّ إِسْلَامَ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ قَبْلَ الْآخَرِ يُوجِبُ تَعْجِيلَ الْفُرْقَةِ قَبْلَ الدُّخُولِ أَوْ بَعْدَهُ، فَقَوْلُهُ مَقْطُوعٌ بِخَطَئِهِ، وَلَمْ يَسْأَلِ النَّبِيُّ ﷺ أَحَدًا مِمَّنْ أَسْلَمَ: هَلْ دَخَلْتَ بِامْرَأَتِكَ أَمْ لَا؟ بَلْ كُلُّ مَنْ أَسْلَمَ، وَأَسْلَمَتِ امْرَأَتُهُ بَعْدَهُ فَهِيَ امْرَأَتُهُ مِنْ غَيْرِ تَجْدِيدِ نِكَاحٍ، وَقَدْ قَدِمَ عَلَيْهِ وُفُودُ الْعَرَبِ، وَكَانُوا يُسْلِمُونَ، ثُمَّ يَرْجِعُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ، فَيُسْلِمُ

стр. 582

نِسَاؤُهُمْ عَلَى أَيْدِيهِمْ بَعْدَ إِسْلَامِ أَزْوَاجِهِنَّ، وَبَعَثَ عَلِيًّا، وَمُعَاذًا، وَأَبَا مُوسَى إِلَى الْيَمَنِ، فَأَسْلَمَ عَلَى أَيْدِيهِمْ مَنْ لَا يُحْصِيهِمْ إِلَّا اللَّهُ مِنَ الرِّجَالِ، وَالنِّسَاءِ، وَمَعْلُومٌ قَطْعًا أَنَّ الرَّجُلَ كَانَ يَأْتِيهِمْ فَيُسْلِمُ قَبْلَ امْرَأَتِهِ، وَالْمَرْأَةُ تَأْتِيهِمْ فَتُسْلِمُ قَبْلَ الرَّجُلِ، وَلَمْ يَقُولُوا لِأَحَدٍ: لِيَكُنْ تَلَفُّظُكَ وَتَلْفُّظُ امْرَأَتِكَ بِالْإِسْلَامِ فِي آنٍ وَاحِدٍ، لِئَلَّا يَنْفَسِخَ النِّكَاحُ، وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ مَنْ دَخَلَ بِامْرَأَتِهِ، وَبَيْنَ مَنْ لَمْ يَدْخُلْ، وَلَا حَدُّوا ذَلِكَ بِثَلَاثَةِ قُرُوءٍ، ثُمَّ يَقَعُ الْفَسْخُ بَعْدَهَا، بَلْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ وَقَدْ بَاشَرَ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَفِي غَيْبَتِهِ عَنْهُ - قَدْ قَالَ: " «هُوَ أَحَقُّ بِهَا مَا لَمْ تَخْرُجْ مِنْ مِصْرِهَا» "، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: " مَا لَمْ تَخْرُجْ مِنْ دَارِ هِجْرَتِهَا "، وَلَمْ يُعَجِّلِ الْفُرْقَةَ، وَلَا

стр. 583

حَدَّهَا بِثَلَاثَةِ قُرُوءٍ، وَفِي قَضِيَّةِ زَيْنَبَ الشِّفَاءُ وَالْعِصْمَةُ، وَكَانَتْ سُنَّتُهُ ﷺ أَنَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ إِذَا أَسْلَمَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ الْآخَرِ، وَتَرَاضَيَا بِبَقَائِهِمَا عَلَى النِّكَاحِ لَا يُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا، وَلَا يُحْوِجُهُمَا إِلَى عَقْدٍ جَدِيدٍ، فَإِذَا أَسْلَمَتِ الْمَرْأَةُ أَوَّلًا فَلَهَا أَنْ تَتَرَبَّصَ بِإِسْلَامِ زَوْجِهَا، أَيَّ وَقْتٍ أَسْلَمَ فَهِيَ امْرَأَتُهُ، وَإِذَا أَسْلَمَ الرَّجُلُ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَحْبِسَ الْمَرْأَةَ عَلَى نَفْسِهِ، وَيُمْسِكَ بِعِصْمَتِهَا، فَلَا يُكْرِهُهَا عَلَى الْإِسْلَامِ، وَلَا يَحْبِسُهَا عَلَى نَفْسِهِ، فَلَا يَظْلِمُهَا فِي الدِّينِ، وَلَا فِي النِّكَاحِ، بَلْ إِنِ اخْتَارَتْ هِيَ أَنْ تَتَرَبَّصَ بِإِسْلَامِهِ تَرَبَّصَتْ، طَالَتِ الْمُدَّةُ، أَوْ قَصُرَتْ، وَإِنِ اخْتَارَتْ أَنْ تَتَزَوَّجَ غَيْرَهُ بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا فَلَهَا ذَلِكَ، وَالْعِدَّةُ هَاهُنَا لِحِفْظِ مَاءِ الزَّوْجِ الْأَوَّلِ، وَأَيُّهُمَا أَسْلَمَ فِي الْعِدَّةِ، أَوْ بَعْدَهَا، فَالنِّكَاحُ بِحَالِهِ إِلَّا أَنْ يَخْتَارَ الرَّجُلُ الطَّلَاقَ فَيُطَلِّقُ كَمَا طَلَّقَ عُمَرُ ﵁ امْرَأَتَيْنِ لَهُ مُشْرِكَتَيْنِ لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠] ، أَوْ تَخْتَارُ الْمَرْأَةُ أَنْ تُزَوَّجَ بَعْدَ اسْتِبْرَائِهَا، فَلَهَا ذَلِكَ. وَأَيْضًا فَإِنَّ فِي هَذَا تَنْفِيرًا عَنِ الْإِسْلَامِ، فَإِنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا عَلِمَتْ أَوِ الزَّوْجُ أَنَّهُ بِمُجَرَّدِ الْإِسْلَامِ يَزُولُ النِّكَاحُ، وَيُفَارِقُ مَنْ يُحِبُّ، وَلَمْ يَبْقَ لَهُ عَلَيْهَا سَبِيلٌ إِلَّا بِرِضَاهَا وَرِضَا وَلِيِّهَا، وَمَهْرٍ جَدِيدٍ، نَفَرَ عَنِ الدُّخُولِ فِي الْإِسْلَامِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا عَلِمَ كُلٌّ مِنْهُمَا أَنَّهُ مَتَى أَسْلَمَ فَالنِّكَاحُ بِحَالِهِ، وَلَا فِرَاقَ بَيْنَهُمَا إِلَّا أَنْ يَخْتَارَ هُوَ الْمُفَارَقَةَ، كَانَ فِي ذَلِكَ مِنَ التَّرْغِيبِ فِي الْإِسْلَامِ، وَمَحَبَّتِهِ مَا هُوَ أَدْعَى إِلَى الدُّخُولِ فِيهِ.

стр. 584

وَأَيْضًا فَبَقَاءُ مُجَرَّدِ الْعَقْدِ جَائِزًا غَيْرَ لَازِمٍ مِنْ غَيْرِ تَمْكِينٍ مِنَ الْوَطْءِ خَيْرٌ مَحْضٌ وَمَصْلَحَةٌ بِلَا مَفْسَدَةٍ، فَإِنَّ الْمَفْسَدَةَ إِمَّا بِابْتِدَاءِ اسْتِيلَاءِ الْكَافِرِ عَلَى الْمُسْلِمَةِ، فَهَذَا لَا يَجُوزُ كَابْتِدَاءِ نِكَاحِهِ لِلْمُسْلِمَةِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ وَطْءٌ، كَمَا لَا يَجُوزُ اسْتِيلَاؤُهُ بِالِاسْتِرْقَاقِ، وَإِمَّا بِالْوَطْءِ بَعْدَ إِسْلَامِهَا، وَهَذَا لَا يَجُوزُ أَيْضًا، فَصَارَ إِبْقَاءُ النِّكَاحِ جَائِزًا فِيهِ مَصْلَحَةٌ رَاجِحَةٌ لِلزَّوْجَيْنِ فِي الدِّينِ، وَالدُّنْيَا مِنْ غَيْرِ مَفْسَدَةٍ، وَمَا كَانَ هَكَذَا فَإِنَّ الشَّرِيعَةَ لَا تَأْتِي بِتَحْرِيمِهِ، وَكَذَلِكَ الرِّدَّةُ. أَيْضًا الْقَوْلُ بِتَعْجِيلِ الْفُرْقَةِ فِيهَا خِلَافُ الْمَعْلُومِ مِنْ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَسُنَّةِ خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ فَقَدِ ارْتَدَّ عَلَى عَهْدِهِمْ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ تَرْتَدَّ امْرَأَتُهُ، ثُمَّ عَادُوا إِلَى الْإِسْلَامِ، وَعَادَتْ إِلَيْهِمْ نِسَاؤُهُمْ، وَمَا عُرِفَ أَنَّ أَحَدًا مِنْهُمْ أَمَرَ أَنْ يُجَدِّدَ عَقْدَ نِكَاحِهِ، مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّ مِنْهُمْ مَنْ عَادَ إِلَى الْإِسْلَامِ بَعْدَ مُدَّةٍ أَكْثَرَ مِنْ مُدَّةِ الْعِدَّةِ، وَمَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّ كَثِيرًا مِنْ نِسَائِهِمْ لَمْ تَرْتَدَّ، وَلَمْ يَسْتَفْصِلْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَا خُلَفَاؤُهُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الرِّدَّةِ هَلْ عَادَ إِلَى الْإِسْلَامِ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ أَمْ قَبْلَهَا؟ بَلِ الْمُرْتَدُّ إِنِ اسْتَمَرَّ عَلَى رِدَّتِهِ قُتِلَ، وَإِنْ عَادَ إِلَى الْإِسْلَامِ فَامْرَأَتُهُ وَمَالُهُ بَاقٍ عَلَيْهِ بِحَالِهِ، فَمَالُهُ وَامْرَأَتُهُ مَوْقُوفٌ، وَفِي تَعْجِيلِ الْفُرْقَةِ تَنْفِيرٌ لَهُمْ عَنِ الْعَوْدِ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَالْمَقْصُودُ تَأْلِيفُ الْقُلُوبِ عَلَى الْإِسْلَامِ بِكُلِّ طَرِيقٍ. [فَصْلٌ صِحَّةُ الْعُقُودِ الَّتِي وَقَعَتْ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ فِي الشِّرْكِ] ١١٨ - فَصْلٌ [صِحَّةُ الْعُقُودِ الَّتِي وَقَعَتْ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ فِي الشِّرْكِ] . وَمِنْ هَذَا أَمْرُ الْعُقُودِ الَّتِي وَقَعَتْ مِنْهُمْ فِي الشِّرْكِ فَإِنَّ الَّذِينَ أَسْلَمُوا

стр. 585

عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ لَمْ يَسْأَلْ أَحَدًا مِنْهُمْ: كَيْفَ كَانَ عَقْدُكَ عَلَى امْرَأَتِكَ؟ وَهَلْ نَكَحْتَهَا فِي عِدَّتِهَا أَمْ بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا؟ وَهَلْ نَكَحَتْ بِوَلِيٍّ وَشُهُودٍ أَمْ لَا؟ وَلَا سَأَلَ مَنْ كَانَ تَحْتَهُ أُخْتَانِ: هَلْ جَمَعْتَ بَيْنَهُمَا فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ أَمْ تَزَوَّجْتَ وَاحِدَةً بَعْدَ وَاحِدَةٍ؟ وَقَدْ أَسْلَمَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْخَلْقَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا، وَدَخَلُوا فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا، وَلَمْ يَسْأَلْ أَحَدًا مِنْهُمْ عَنْ صِفَةِ نِكَاحِهِ، بَلْ أَقَرَّهُمْ عَلَى أَنْكِحَتِهِمْ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ حِينَ الْإِسْلَامِ أَحَدُهُمْ عَلَى نِكَاحٍ مُحَرَّمٍ كَنِكَاحِ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعٍ، أَوْ نِكَاحِ أُخْتَيْنِ، فَكَانَ يَأْمُرُهُ أَنْ يَخْتَارَ أَرْبَعًا مِنْهُنَّ، وَإِحْدَى الْأُخْتَيْنِ، سَوَاءٌ وَقَعَ ذَلِكَ فِي عَقْدٍ، أَوْ عُقُودٍ، وَإِنْ كَانَ مُتَزَوِّجًا بِذَاتِ مَحْرَمٍ كَامْرَأَةِ أَبِيهِ أَمَرَهُ بِفِرَاقِهَا، وَهَذَا قَوْلُ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَجُمْهُورِ التَّابِعِينَ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ. وَأَبُو حَنِيفَةَ يَنْظُرُ إِلَى صِفَةِ الْعَقْدِ فِي الْكُفْرِ: هَلْ لَهُ مَسَاغٌ فِي الْإِسْلَامِ أَمْ لَا؟ فَإِنْ كَانَ لَهُ مَسَاغٌ صَحَّحَهُ، وَإِلَّا أَبْطَلَهُ، فَإِنْ تَزَوَّجَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعٍ فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ فَسَدَ نِكَاحُ الْجَمِيعِ، وَإِنْ كَانَ فِي عُقُودٍ ثَبَتَ نِكَاحُ الْأَرْبَعِ، وَقَدْ فَسَدَ نِكَاحُ مَنْ بَعَدَهُنَّ مِنْ غَيْرِ تَخْيِيرٍ، وَكَذَلِكَ الْأُخْتَانِ. وَالَّذِي مَضَتْ بِهِ السُّنَّةُ قَوْلُ الْجُمْهُورِ كَمَا فِي " السُّنَنِ " مِنْ حَدِيثِ

стр. 586

«الضَّحَّاكِ بْنِ فَيْرُوزٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَسْلَمْتُ وَعِنْدِي امْرَأَتَانِ أُخْتَانِ، فَأَمَرَنِي النَّبِيُّ ﷺ أَنْ أُطَلِّقَ إِحْدَاهُمَا» . وَفِي لَفْظٍ لِلتِّرْمِذِيِّ: " «اخْتَرْ أَيَّتَهُمَا شِئْتَ» ". قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ وَمُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، «عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ غَيْلَانَ بْنَ سَلَمَةَ الثَّقَفِيَّ أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ عَشْرُ نِسْوَةٍ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : " اخْتَرْ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا "،» فَلَمَّا كَانَ فِي عَهْدِ عُمَرَ طَلَّقَ نِسَاءَهُ، وَقَسَّمَ مَالَهُ بَيْنَ بَنِيهِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ عُمَرَ ﵁ فَقَالَ: إِنِّي لَأَظُنُّ الشَّيْطَانَ فِيمَا يَسْتَرِقُ مِنَ السَّمْعِ، سَمِعَ بِمَوْتِكَ فَقَذَفَهُ فِي نَفْسِكَ، وَلَعَلَّكَ أَلَّا تَمْكُثَ إِلَّا قَلِيلًا، وَايْمُ اللَّهِ لَتُرَاجِعَنَّ نِسَاءَكَ وَلَتَرْجِعَنَّ فِي مَالِكَ، أَوْ لَأُورِثَهُنَّ وَلَآمُرَنَّ بِقَبْرِكَ فَيُرْجَمُ كَمَا رُجِمَ قَبْرُ أَبِي رِغَالٍ. قَالَ أَحْمَدُ: وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، ثَنَا مَعْمَرٌ، أَخْبَرَنَا ابْنُ شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: «أَسْلَمَ غَيْلَانُ بْنُ سَلَمَةَ، وَتَحْتَهُ عَشْرُ نِسْوَةٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " اخْتَرْ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا» . وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ السَّلَامِ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ

стр. 587

عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي وَهْبٍ الْجَيْشَانِيِّ، عَنْ أَبِي خِرَاشٍ الرُّعَيْنِيِّ، «عَنِ الدَّيْلَمِيِّ قَالَ: قَدِمْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَعِنْدِي أُخْتَانِ تَزَوَّجْتُهُمَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَقَالَ: " إِذَا رَجَعْتَ فَطَلِّقْ إِحْدَاهُمَا» ". وَرَوَاهُ الشَّالَنْجِيُّ، «عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ فَيْرُوزٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَسْلَمْتُ، وَعِنْدِي امْرَأَتَانِ أُخْتَانِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " اخْتَرْ إِحْدَاهُمَا» ". وَفِي الْمُسْنَدِ مِنْ حَدِيثِ قَيْسِ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ: «أَسْلَمْتُ وَتَحْتِي

стр. 588

ثَمَانِ نِسْوَةٍ، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقُلْتُ لَهُ ذَلِكَ فَقَالَ: " اخْتَرْ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا» ". وَحَدِيثُ غَيْلَانَ قَدْ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَالشَّافِعِيُّ، وَمَالِكٌ، لَكِنَّ مَالِكًا أَرْسَلَهُ عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَمُعْمَرٌ وَصَلَهُ، وَحَكَمَ النَّاسُ لِمَالِكٍ فِي إِرْسَالِهِ، وَغَلَّطُوا مَعْمَرًا فِي وَصْلِهِ، وَقَالُوا: هُوَ غَيْرُ مَحْفُوظٍ. قَالَ الْأَثْرَمُ: ذَكَرْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْحَدِيثَ الَّذِي رَوَاهُ الْبَصْرِيُّونَ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ: " «أَنَّ غَيْلَانَ أَسْلَمَ وَعِنْدَهُ عَشْرُ نِسْوَةٍ» " أَصَحِيحٌ هُوَ؟ قَالَ: لَا مَا هُوَ صَحِيحٌ.

стр. 589

قَالَ مُهَنَّا: سَأَلْتُ أَحْمَدَ، عَنْ حَدِيثِ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : «أَنَّ غَيْلَانَ أَسْلَمَ وَعِنْدَهُ عَشْرُ نِسْوَةٍ» قَالَ: لَيْسَ بِصَحِيحٍ، وَالْعَمَلُ عَلَيْهِ. كَانَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ يَقُولُ: عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ مُرْسَلًا. وَقَالَ مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ: هَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ مَعْمَرٌ بِالْبَصْرَةِ مُتَّصِلًا هَكَذَا، فَإِنْ رَوَاهُ عَنْهُ ثِقَةٌ خَارِجَ الْبَصْرِيِّينَ حَكَمْنَا لَهُ بِالصِّحَّةِ، أَوْ قَالَ: صَارَ الْحَدِيثُ صَحِيحًا، وَإِلَّا فَالْإِرْسَالُ أَوْلَى. قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: فَوَجَدْنَا سُفْيَانَ بْنَ سَعِيدٍ الثَّوْرِيَّ، وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ مُحَمَّدٍ، وَعِيسَى بْنَ يُونُسَ وَثَلَاثَتُهُمْ كُوفِيُّونَ حَدَّثُوا بِهِ عَنْ مَعْمَرٍ مُتَّصِلًا. قَالَ: وَرَوَاهُ يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، وَهُوَ يَمَامِيٌّ، عَنِ الْفَضْلِ بْنِ مُوسَى، وَهُوَ خُرَاسَانِيُّ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَصَحَّ الْحَدِيثُ بِذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 590

وَقَدْ قَالَ النَّسَائِيُّ: ثَنَا عَمْرُو بْنُ يَزِيدَ الْجَرْمِيُّ، ثَنَا سَيْفُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، ثَنَا سَرَّارُ بْنُ مُجَشِّرٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، وَسَالِمٍ، عَنِ ابْنَ عُمَرَ: " «أَنَّ غَيْلَانَ بْنَ سَلَمَةَ كَانَ عِنْدَهُ عَشْرُ نِسْوَةٍ، فَأَسْلَمَ وَأَسْلَمْنَ مَعَهُ، فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَخْتَارَ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا» ". قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: قَالَ لَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: رُوَاةُ هَذَا الْحَدِيثِ كُلُّهُمْ ثِقَاتٌ،

стр. 591

تَقُومُ بِهِمُ الْحُجَّةُ. وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْحَافِظُ: تَفَرَّدَ بِهِ سَرَّارُ بْنُ مُجَشِّرٍ، وَهُوَ بَصْرِيٌّ ثِقَةٌ. وَبِالْجُمْلَةِ، فَشُهْرَةُ الْقِصَّةِ تُغْنِي عَنْ إِسْنَادِهَا، فَالنَّبِيُّ ﷺ خَيَّرَهُ، وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الْأَوَائِلِ وَالْأَوَاخِرِ، وَلَمْ يَسْتَفْصِلْهُ، وَلَوِ اخْتَلَفَ الْحَالُ لَتَعَيَّنَ الِاسْتِفْصَالُ، فَإِنَّ الرَّجُلَ حَدِيثُ عَهْدٍ بِالْإِسْلَامِ، غَيْرُ عَارِفٍ بِشَرَائِعِ الْأَحْكَامِ، وَتَفَاصِيلِ الْحَلَالِ مِنَ الْحَرَامِ، فَجُعِلَ الِاخْتِيَارُ إِلَيْهِ، وَلَمْ يَحُجَرْ فِي ذَلِكَ عَلَيْهِ. قَالَ الْمُنَازِعُونَ: قَدْ ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي حَدِيثِ بُرَيْدَةَ، وَمُعَاذٍ، وَغَيْرِهِمَا الْأَمْرُ بِدُعَاءِ الْكُفَّارِ إِلَى أَنْ يَكُونَ لَهُمْ مَا لِلْمُسْلِمِينَ، وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَالْمُسْلِمُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعٍ، وَلَا أُخْتَيْنِ فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ، وَقَدْ قَالَ ﷺ : " «كُلُّ عَمَلٍ لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» " وَهَذَا نَصٌّ فِي الْمَسْأَلَةِ قَاطِعٌ لِلنِّزَاعِ. قَالُوا: وَنِكَاحُ الْخَمْسِ فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ لَا يَخْتَلِفُ فِيهِ حُكْمُ الْبَقَاءِ وَالدَّوَامِ فِي الْمَنْعِ، فَكَانَ بَاطِلًا كَنِكَاحِ ذَوَاتِ الْمَحَارِمِ.

стр. 592

قَالُوا: وَلَا يَرِدُ عَلَيْنَا النِّكَاحُ بِغَيْرِ شُهُودٍ وَلَا وَلِيٍّ، وَالنِّكَاحُ فِي الْعِدَّةِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَمْنَعُ الِابْتِدَاءَ دُونَ الْبَقَاءِ. قَالُوا: وَلَيْسَ تَحْرِيمُ الْخَامِسَةِ مِنْ جِهَةِ الْجَمْعِ، فَلَمْ يَخْتَلِفْ فِيهِ حَالُ الِابْتِدَاءِ وَالِاسْتِدَامَةِ، وَالْإِسْلَامِ وَالْكُفْرِ، كَعَقْدِ الْمَرْأَةِ عَلَى زَوْجَيْنِ. قَالُوا: وَلَوْ بَاعَ ذِمِّيٌّ دِرْهَمًا بِدِرْهَمَيْنِ، ثُمَّ أَسْلَمَ قَبْلَ الْقَبْضِ لَمْ يُخَيَّرْ فِي أَحَدِ الدِّرْهَمَيْنِ، كَذَلِكَ إِذَا أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ أُخْتَانِ يَجِبُ أَلَّا يُخَيَّرَ فِي إِحْدَى الْأُخْتَيْنِ، وَبِأَنَّ الْعَقْدَ عَلَى الْخَمْسِ فِي حَالِ الشِّرْكِ لَا يَخْلُو مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنْ تَقُولُوا: إِنَّهُ صَحِيحٌ، أَوْ فَاسِدٌ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ صَحِيحٌ، إِذْ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَجُزْ نَقْضُهُ بَعْدَ الْإِسْلَامِ، فَثَبَتَ أَنَّهُ فَاسِدٌ، وَإِذَا كَانَ فَاسِدًا لَمْ يُصَحِّحْهُ الْإِسْلَامُ، كَنِكَاحِ ذَوَاتِ الْمَحَارِمِ. قَالُوا: وَلِأَنَّهُ عَقْدٌ عَلَى عَدَدٍ مُحَرَّمٍ، فَلَا يَثْبُتُ فِيهِ التَّخْيِيرُ، كَعَقْدِ السِّلْمِ.

стр. 593

قَالُوا: وَأَمَّا الْحَدِيثُ، فَنَحْنُ أَوَّلُ آخِذٍ بِهِ، إِذِ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: " «اخْتَرْ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا» "، تَعْقِدُ عَلَيْهِنَّ عَقْدًا جَدِيدًا. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ فِي الْأُخْتَيْنِ: " اخْتَرْ أَيَّتَهُمَا شِئْتَ "، إِنَّمَا هُوَ تَخْيِيرُ ابْتِدَاءٍ، لَا تَخْيِيرُ اسْتِدَامَةٍ، لِمَا ذَكَرْنَا مِنَ الْأَدِلَّةِ، وَلَوْ كَانَ تَخْيِيرَ اسْتِدَامَةٍ لَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ غَيْلَانُ عَقَدَ عَلَيْهِنَّ فِي الْحَالِ الَّتِي كَانَ يَجُوزُ فِيهَا الْعَقْدُ عَلَى أَكْثَرِ مِنْ أَرْبَعٍ، وَذَلِكَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ، فَإِنَّ الْقَصْرَ عَلَى أَرْبَعٍ إِنَّمَا وَقَعَ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ وَهِيَ مَدَنِيَّةٌ بِالِاتِّفَاقِ، سَلَّمْنَا انْتِفَاءَ

стр. 594

ذَلِكَ، فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ قَدْ عَلِمَ صُورَةَ الْحَالِ، وَأَنَّهُ تَزَوَّجَهُنَّ فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَخْتَارَ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا يَبْتَدِئُ نِكَاحَهُنَّ، وَلَا سَبِيلَ إِلَى الْعِلْمِ بِانْتِفَاءِ هَذَا. قَالَ الْمُصَحِّحُونَ: الْآنَ اشْتَدَّ اللِّزَامُ، وَاحْتَدَّ الْخِصَامُ، وَوَجَبَ التَّحَيُّزُ إِلَى فِئَةِ الْحَدِيثِ الَّذِينَ قَصْدُهُمُ الِانْتِصَارُ لَهُ أَيْنَ كَانَ، وَمَعَ مَنْ كَانَ. قَالُوا: وَأَمَّا احْتِجَاجُكُمْ بِقَوْلِهِ ﷺ : " «فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ لَهُمْ مَا لِلْمُسْلِمِينَ» " فَمَا أَصَحَّهُ مِنْ حَدِيثٍ، وَمَا أَضْعَفَهُ مِنِ اسْتِدْلَالٍ! وَهَلْ نَازَعَ فِي هَذَا مُسْلِمٌ حَتَّى تَحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِهِ؟ وَهَكَذَا نَقُولُ نَحْنُ، وَكُلُّ مُسْلِمٍ: إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا أَسْلَمَ فَحِينَئِذٍ يَصِيرُ لَهُ مَا لِلْمُسْلِمِينَ، وَعَلَيْهِ مَا عَلَيْهِمْ، وَأَمَّا قَبْلَ ذَلِكَ فَلَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، فَالْحَدِيثُ حُجَّةٌ عَلَيْكُمْ، فَإِنَّهُ لَمْ يَقُلْ: أَخْبَرَهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ مَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ قَبْلَ الْإِسْلَامِ. وَالَّذِي عَلَى الْمُسْلِمِ: أَنَّهُ لَا يُمَكَّنُ مِنَ الْعَقْدِ عَلَى أُخْتَيْنِ ابْتِدَاءً وَلَا اسْتِدَامَةً. وَهَكَذَا قَوْلُهُ ﷺ " «كُلُّ عَمَلٍ لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» "، وَلَيْسَ أَمْرُهُ ﷺ عَلَى الْجَمْعِ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ وَالتَّزَوُّجِ بِأَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعٍ، فَلِذَلِكَ كَانَ رَدًّا بِالْإِسْلَامِ، وَهُوَ ﷺ لَمْ يَقُلْ: إِنَّ مَا كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مِمَّا يُخَالِفُ أَمْرِي وَمَضَى، وَانْقَضَى فَهُوَ رَدٌّ، وَإِنَّمَا يُرَدُّ مِنْهُ مَا قَامَ الْإِسْلَامُ وَهُوَ عَلَى خِلَافِ أَمْرِهِ، وَهَكَذَا فَعَلَ سَوَاءً، فَإِنَّهُ أَبْطَلَ نِكَاحَ إِحْدَى الْأُخْتَيْنِ، وَمَا زَادَ عَلَى الْأَرْبَعِ، إِذْ ذَلِكَ خِلَافُ أَمْرِهِ، وَجَعَلَ الْخِيَرَةَ فِي الْمُمْسَكَاتِ إِلَى الزَّوْجِ، وَهَذَا نَفْسُ أَمْرِهِ، فَمَا خَالَفَ هَذَا وَهَذَا فَهُوَ رَدٌّ، فَالْحَدِيثُ حُجَّةٌ عَلَى بُطْلَانِ قَوْلِكُمْ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.

стр. 595

وَأَمَّا قَوْلُكُمْ: إِنَّ نِكَاحَ الْخَمْسِ فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ لَا يَخْتَلِفُ فِيهِ حُكْمُ الِابْتِدَاءِ، وَالدَّوَامِ، فَكَانَ بَاطِلًا كَنِكَاحِ ذَوَاتِ الْمَحَارِمِ، فَجَوَابُهُ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ تَحْرِيمَ مَا زَادَ عَلَى الْأَرْبَعِ إِنَّمَا كَانَ مِنْ جِهَةِ الزِّيَادَةِ عَلَى الْعَدَدِ الْمُبَاحِ، وَالزِّيَادَةُ يُمْكِنُ إِبْطَالُهَا دُونَ النِّصَابِ، فَإِنَّ الْمَفْسَدَةَ تَخْتَصُّ بِهَا، فَلَا مَعْنَى لِتَعْدِيَةِ الْإِبْطَالِ إِلَى النِّصَابِ، فَإِنَّ فِي ذَلِكَ إِضْرَارًا بِهِ، وَتَنْفِيرًا لَهُ عَنِ الْإِسْلَامِ مِنْ غَيْرِ مَصْلَحَةٍ، وَقَدْ أَمْكَنَ إِزَالَةُ الْمَفْسَدَةِ بِمُفَارَقَةِ مَا زَادَ عَلَى النِّصَابِ، فَيَبْقَى النِّكَاحُ فِي حَقِّ الْأَرْبَعِ صَحِيحًا، فَهَذَا مَحْضُ الْقِيَاسِ، كَمَا أَنَّهُ مُقْتَضَى السُّنَّةِ. وَهَذَا بِخِلَافِ نِكَاحِ ذَوَاتِ الْمَحَارِمِ، فَإِنَّ الْمَفْسَدَةَ الَّتِي فِيهِ لَا تَزُولُ إِلَّا بِبُطْلَانِ النِّكَاحِ، لِقِيَامِ سَبَبِ التَّحْرِيمِ. الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ تَحْرِيمَ الزَّائِدِ عَلَى أَرْبَعٍ إِنَّمَا نَشَأَ مِنْ جِهَةِ انْضِمَامِهِ إِلَى الْقَدْرِ الْجَائِزِ، وَإِلَّا فَكُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ لَوِ انْفَرَدَتْ صَحَّ الْعَقْدُ عَلَيْهَا، بِخِلَافِ تَحْرِيمِ ذَوَاتِ الْمَحَارِمِ، فَإِنَّهُ ثَابِتٌ لِذَاتِهَا وَعَيْنِهَا، فَقِيَاسُ أَحَدِ النَّوْعَيْنِ عَلَى الْآخَرِ فَاسِدٌ. الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّ تَحْرِيمَ الزَّائِدِ عَلَى الْأَرْبَعِ أَخَفُّ مِنْ تَحْرِيمِ ذَوَاتِ الْمَحَارِمِ، وَلِهَذَا أُبِيحَ لِنَبِيِّنَا ﷺ الزِّيَادَةُ عَلَى أَرْبَعٍ، وَلَمْ تُبَحْ

стр. 596

لَهُ ذَوَاتُ الْمَحَارِمِ، فَلَا يَصِحُّ اعْتِبَارُ أَحَدِ النَّوْعَيْنِ بِالْآخَرِ، وَنَحْنُ لَا نَنْظُرُ إِلَى ابْتِدَاءِ الْعَقْدِ كَيْفَ وَقَعَ، بَلْ إِلَى حَالِهِ عِنْدَ الْإِسْلَامِ، وَلِهَذَا قَدْ سَاعَدْتُمْ عَلَى أَنَّهُ لَوْ تَزَوَّجَهَا بِغَيْرٍ وَلِيٍّ وَلَا شُهُودٍ وَلَا مَهْرٍ، أَوْ فِي عِدَّةٍ، ثُمَّ انْقَضَتْ، أَوْ بِغَيْرِ تَرَاضٍ لَمْ يُبْطِلْهُ الْإِسْلَامُ، فَلِذَلِكَ إِذَا عَقَدَ عَلَى خَمْسٍ لَمْ نُبْطِلْهُ بِالْإِسْلَامِ، وَإِنَّمَا يُبْطَلُ الزَّائِدُ عَلَى النِّصَابِ. وَأَمَّا قَوْلُكُمْ: إِنَّ تَحْرِيمَ الزَّائِدِ عَلَى الْأَرْبَعِ إِنَّمَا كَانَ مِنْ جِهَةِ الْجَمْعِ، فَلَمْ يَفْتَرِقِ الْحَالُ فِيهِ بَيْنَ الِابْتِدَاءِ، وَالِاسْتِدَامَةِ، كَعَقْدِ الْمَرْأَةِ عَلَى زَوْجَيْنِ، فَمَا أَفْسَدَهُ مِنْ قِيَاسٍ! فَإِنَّ هَذَا مِمَّا لَمْ تَخْتَلِفُ فِيهِ الشَّرَائِعُ وَلَا الطَّبَائِعُ، وَلَا تُسَوِّغُهُ أُمَّةٌ مِنَ الْأُمَمِ عَلَى اخْتِلَافِ أَدْيَانِهَا وَآرَائِهَا. وَأَمَّا الْجَمْعُ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ، وَبَيْنَ أَكْثَرِ مِنْ أَرْبَعٍ فَقَدْ كَانَ جَائِزًا فِي بَعْضِ الشَّرَائِعِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٣] ، وَالْجَمْعُ بَيْنَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعٍ قَدْ فَعَلَهُ دَاوُدُ، وَسُلَيْمَانُ، وَخَاتَمُ الْأَنْبِيَاءِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ. وَبِالْجُمْلَةِ، فَعَقْدُ الرَّجُلِ عَلَى أَكْثَرَ مِنِ امْرَأَةٍ مَصْلَحَةٌ رَاجِحَةٌ، وَعَقْدُ الْمَرْأَةِ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ رَجُلٍ مَفْسَدَةٌ خَالِصَةٌ، أَوْ رَاجِحَةٌ، فَاعْتِبَارُ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ فَاسِدٌ عَقْلًا، وَطَبْعًا، وَشَرْعًا. وَأَمَّا قَوْلُكُمْ: لَوْ بَاعَ ذِمِّيٌّ دِرْهَمًا بِدِرْهَمَيْنِ، ثُمَّ أَسْلَمَ لَمْ يُخَيَّرْ فِي أَحَدِ الدِّرْهَمَيْنِ، كَذَلِكَ لَا يُخَيَّرُ فِي الْأُخْتَيْنِ، فَمَا أَفْسَدَهُ مِنْ قِيَاسٍ! فَإِنَّ الصَّرْفَ إِذَا لَمْ يُقْبَضْ لَمْ يَلْزَمْ فِي الْعَقْدِ إِنْ قَبَضَهُ، ثُمَّ أَسْلَمَ أَنْ يُفْسَخَ الْعَقْدُ، فَإِنَّهُمْ إِذَا

стр. 597

تَعَاقَدُوا عُقُودَ الرِّبَا وَتَقَابَضُوا، ثُمَّ أَسْلَمُوا لَمْ نَفْسَخْهَا، وَإِنْ لَمْ يَتَقَابَضُوا لَمْ نُمْضِهَا، وَهَكَذَا النِّكَاحُ، فَإِنَّهُ إِذَا اتَّصَلَ بِهِ الدُّخُولُ، وَسَبَبُ التَّحْرِيمِ قَائِمٌ، أَبْطَلْنَاهُ، وَإِنْ كَانَ قَدِ انْقَضَى لَمْ نَعْرِضْ لَهُ. وَإِنَّمَا لَمْ نُخَيِّرْهُ فِي أَحَدِ الدِّرْهَمَيْنِ، وَخَيَّرْنَاهُ فِي إِحْدَى الْأُخْتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ لَهُ فِي تَخْيِيرِهِ فِي أَحَدِ الدِّرْهَمَيْنِ، وَلَا غَرَضَ لَهُ فِي ذَلِكَ، وَلَا مَصْلَحَةَ، بِخِلَافِ تَخْيِيرِهِ بَيْنَ إِحْدَى الْأُخْتَيْنِ، عَلَى أَنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يُخَيَّرَ الْعَقْدَ فِي دِرْهَمٍ بِدِرْهَمٍ، وَيُجْعَلَ لَهُ الْخِيَارُ فِي أَيِّهِمَا شَاءَ، فَنَفْيُ الْحُكْمِ فِي ذَلِكَ غَيْرُ مَعْلُومٍ بِنَصٍّ وَلَا إِجْمَاعٍ. وَأَمَّا قَوْلُكُمُ: الْعَقْدُ عَلَى الْخَمْسِ فِي حَالِ الشِّرْكِ إِمَّا أَنْ يَقَعَ صَحِيحًا، أَوْ فَاسِدًا. . . إِلَى آخِرِهِ، فَجَوَابُهُ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ صَحِيحٌ فِي الْجَمِيعِ، فَإِذَا أَسْلَمَ فَسَخَ الْعَقْدَ فِي إِحْدَاهِنَّ: هَذَا جَوَابُ الْقَاضِي أَبِي يَعْلَى. قَالَ: " وَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى هَذَا: إِذَا تَزَوَّجَ الْحَرْبِيُّ أُمًّا وَبِنْتًا، ثُمَّ أَسْلَمَ قَبْلَ الدُّخُولِ، انْفَسَخَ نِكَاحُ الْأُمِّ ". قَالَ: " وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ قَدْ صَحَّ النِّكَاحُ فِي الْبِنْتِ حَتَّى صَارَتْ هِيَ مِنْ أُمَّهَاتِ النِّسَاءِ فَحَرُمَتْ عَلَيْهِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ صَحِيحًا فِيهِمَا كَانَ لَهُ أَنْ يَخْتَارَ أَيَّهُمَا شَاءَ، لِأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ مِنْ أُمَّهَاتِ النِّسَاءِ، وَالْجَمْعُ بَيْنَ الْأُمِّ وَالْبِنْتِ فِي الْعَقْدِ كَالْجَمْعِ بَيْنَ خَمْسَةٍ ". قَالَ: " وَإِنَّمَا حَكَمْنَا بِصِحَّةِ الْعَقْدِ فِي الْجَمِيعِ؛ لِأَنَّ لَهُ أَنْ يَخْتَارَ الْخَامِسَةَ بَعْدَ إِسْلَامِهِ، وَيَسْتَدِيمَ نِكَاحَهَا عَلَى حَدِيثِ غَيْلَانَ وَغَيْرِهِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَسْتَدِيمَ نِكَاحًا حَكَمْنَا بِفَسَادِهِ ".

стр. 598

وَقَوْلُكُمْ: إِنَّهُ لَوْ كَانَ صَحِيحًا لَمْ يَجُزْ تَغْيِيرُهُ، وَنَقْضُهُ بَعْدَ الْإِسْلَامِ، كَمَا لَوْ عَقَدَ عَلَى أَرْبَعٍ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ الْإِسْلَامَ لَا يُغَيِّرُ مَا يُطَابِقُ حُكْمَ الْإِسْلَامِ، وَمَا زَادَ عَلَى الْأَرْبَعِ يُخَالِفُ حُكْمَهُ، فَلِهَذَا غَيَّرَهُ كَمَا لَوْ تَعَاقَدَا عَقْدَ صَرْفٍ، وَأَسْلَمَا قَبْلَ التَّقَابُضِ حَكَمْنَا بِفَسَادِهِ، وَإِنْ كَانَ الصَّرْفُ فِي الْجُمْلَةِ جَائِزًا، وَلِأَنَّهُ لَوْ أَسْلَمَ الْوَثَنِيُّ قَبْلَ الدُّخُولِ انْفَسَخَ النِّكَاحُ بَعْدَ الْحُكْمِ بِصِحَّتِهِ، وَلِأَنَّ تَغْيِيرَهُ بَعْدَ الْإِسْلَامِ إِنَّمَا هُوَ إِلْزَامٌ، وَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يُوجِبَ الْإِسْلَامُ إِزَالَةَ أَشْيَاءَ لَمْ تَكُنْ حَالَ الْكُفْرِ كَالْعِبَادَاتِ. وَعِنْدِي جَوَابٌ آخَرُ: وَهُوَ أَنَّ الْعَقْدَ الَّذِي وَقَعَ فِي حَالِ الْكُفْرِ - عَلَى هَذَا الْوَجْهِ - لَا يُحْكَمُ لَهُ بِصِحَّةٍ، وَلَا فَسَادٍ، بَلْ يُقَرُّونَ عَلَيْهِ كَمَا يُقَرُّونَ عَلَى كُفْرِهِمْ، فَإِنِ اسْتَمَرُّوا عَلَى الْكُفْرِ لَمْ نَتَعَرَّضْ لِعُقُودِهِمْ، وَإِنْ أَسْلَمُوا حُكِمَ بِبُطْلَانِ مَا يَقْتَضِي الْإِسْلَامُ بُطْلَانَهُ - مِنْ حِينِ الْإِسْلَامِ لَا قَبْلَ ذَلِكَ - كَالْحُكْمِ فِي سَائِرِ عُقُودِهِمْ مِنْ بِيَاعَاتِهِمْ وَغَيْرِهَا، فَمَا كَانَ قَبْلَ الْإِسْلَامِ فَهُوَ عَفْوٌ لَا نَحْكُمُ لَهُ بِأَحْكَامِ الْإِسْلَامِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٨] ، فَأَمَرَ بِتَرْكِ مَا بَقِيَ دُونَ رَدِّ مَا قُبِضَ، وَلَمْ يَكُنْ صَحِيحًا، بَلْ كَانَ عَفْوًا كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] ، فَجَعَلَ لَهُ مَا سَلَفَ مِنَ الرِّبَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُبَاحًا لَهُ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْعُقُودِ لَهُ مَا سَلَفَ مِنْهَا، وَيَجِبُ عَلَيْهِ تَرْكُ مَا يُحَرِّمُهُ الْإِسْلَامُ، وَهَذِهِ الْآيَةُ هِيَ الْأَصْلُ فِي هَذَا الْبَابِ جَمِيعِهِ، فَإِنَّهُ تَعَالَى لَمْ يُبْطِلْ مَا وَقَعَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ عَلَى خِلَافِ شَرْعِهِ، وَأَمَرَ بِالْتِزَامِ شَرْعِهِ مِنْ حِينِ قَامَ

стр. 599

الشَّرْعُ، وَمَنْ تَأَمَّلَ حُكْمَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي بَابِ أَنْكِحَةِ الْكُفَّارِ إِذَا أَسْلَمُوا عَلَيْهَا وَجَدَهُ مُشْتَقًّا مِنَ الْقُرْآنِ مُطَابِقًا لَهُ. وَأَمَّا قَوْلُكُمْ: إِنَّهُ عَقَدَ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعٍ، فَلَمْ يَصِحَّ فِيهِ التَّخْيِيرُ، كَعَقْدِ السِّلْمِ، فَهَلْ فِي الْقِيَاسِ أَفْسَدُ مِنْ هَذَا؟ وَهَلْ يُمْكِنُ أَحَدًا أَنْ يَطْرُدَ هَذَا الْقِيَاسَ فَيَفْسَخَ كُلَّ نِكَاحٍ وَقَعَ فِي الشِّرْكِ، وَكُلَّ بَيْعٍ، وَكُلَّ إِجَارَةٍ، وَكُلَّ عَقْدٍ لَمْ يَسْتَوْفِ شُرُوطَهُ فِي الْإِسْلَامِ كَالنِّكَاحِ بِلَا وَلِيٍّ، وَلَا شُهُودٍ، وَلَا مَهْرٍ، وَكُلَّ عَقْدٍ فَاسِدٍ وَقَعَ فِيهِ التَّقَابُضُ؟ ! وَأَمَّا قَوْلُكُمْ: إِنَّكُمْ أَوَّلُ مَنْ أَخَذَ بِالْحَدِيثِ، فَكَلَّا بَلْ أَوَّلُ مَنْ تَلَطَّفَ فِي رَدِّهِ بِمَا لَا يُرَدُّ بِهِ، وَمَا تَأَوَّلْتُمْ بِهِ الْحَدِيثَ مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ " تَخْيِيرُهُ فِي ابْتِدَاءِ الْعَقْدِ عَلَى مَنْ شَاءَ مِنْهُنَّ " بَاطِلٌ لِوُجُوهٍ. أَحَدُهَا: قَوْلُهُ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِهِ: " «أَمْسِكْ أَرْبَعًا وَفَارِقْ سَائِرَهُنَّ» "، وَهَذَا يَقْتَضِي إِمْسَاكَهُنَّ بِالْعَقْدِ الْأَوَّلِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ [الأحزاب: ٣٧] ، وَقَوْلُهُ: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩] ، وَلَا يُعْقَلُ الْإِمْسَاكُ غَيْرُ هَذَا. فَإِنْ قُلْتُمْ: يَعْنِي: " «أَمْسِكْ أَرْبَعًا مِنْهُنَّ» " تَزَوَّجْ أَرْبَعًا، خَرَجَ اللَّفْظُ عَنِ الْقِيَاسِ إِلَى الْأَلْغَازِ وَاللَّبْسِ الَّذِي يَتَنَزَّهُ عَنْهُ كَلَامُ الْمُبِينِ عَنِ اللَّهِ.

стр. 600

الثَّانِي: أَنَّهُ جَعَلَ الْإِمْسَاكَ، وَالِاخْتِيَارَ إِلَيْهِ، وَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ بِهِ الْعَقْدَ لَكَانَ الِاخْتِيَارُ إِلَيْهِنَّ لَا إِلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَعْقِدُ عَلَيْهِنَّ إِلَّا بِرِضَاهُنَّ. الثَّالِثُ: أَنَّهُ أَمَرَهُ بِالِاخْتِيَارِ، وَذَلِكَ وَاجِبٌ عَلَيْهِ، وَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ تَجْدِيدَ الْعَقْدِ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ، وَلِهَذَا لَوْ أَبَى الِاخْتِيَارَ أَجْبَرَهُ عَلَيْهِ الْحَاكِمُ، فَإِنِ امْتَنَعَ ضَرَبَهُ حَتَّى يَخْتَارَ لِأَنَّهُ وَاجِبٌ عَلَيْهِ. الرَّابِعُ: أَنَّ هَذَا التَّأْوِيلَ لَا يَصِحُّ عِنْدَكُمْ إِلَّا إِذَا كَانَ قَدْ تَزَوَّجَهُنَّ فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ، فَأَمَّا إِذَا تَزَوَّجَهُنَّ بِعُقُودٍ مُتَفَرِّقَةٍ، فَإِنَّهُ يَصِحُّ نِكَاحُ الْأَرْبَعِ الْأُوَلِ، وَيَبْطُلُ نِكَاحُ مَنْ عَدَاهُنَّ، وَحِينَئِذٍ فَيَكُونُ الْمُرَادُ مِنَ الْحَدِيثِ: إِذَا كُنْتَ قَدْ تَزَوَّجْتَهُنَّ فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ، فَنِكَاحُ الْجَمِيعِ بَاطِلٌ، وَذَلِكَ أَنْ يَتَزَوَّجَ أَرْبَعًا مِنْهُنَّ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا لَا يُفْهَمُ أَصْلًا مِنْ قَوْلِهِ: " «اخْتَرْ أَرْبَعًا، وَفَارِقْ سَائِرَهُنَّ» "، وَلَا يَفْهَمُ الْمُخَاطَبُ وَلَا غَيْرُهُ هَذَا الْمَعْنَى مِنْ هَذَا اللَّفْظِ أَلْبَتَّةَ. الْخَامِسُ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَسْأَلْ هَذَا الْحَدِيثَ الْعَهْدَ بِالْإِسْلَامِ الْجَاهِلَ بِالْأَحْكَامِ عَنْ كَيْفِيَّةِ عَقْدِهِ، وَلَا اسْتَفْصَلَهُ. السَّادِسُ: مَا رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ:
следующие страницы →