← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 21747

أحكام أهل الذمة - ط رمادي

ابن القيم

Полный текст (1 326 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

[فَصْلٌ مِيرَاثُ مَنْ مَاتَ عَنْهُنَّ الْمُسْلِمُ وَهُنَّ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعٍ] ١٢٧ - فَصْلٌ [مِيرَاثُ مَنْ مَاتَ عَنْهُنَّ الْمُسْلِمُ وَهُنَّ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعٍ] . فَأَمَّا مِيرَاثُهُنَّ، فَقَالَ الْقَاضِي: " فِيهِنَّ أَرْبَعٌ يَسْتَحْقِقْنَ الْمِيرَاثَ، وَأَرْبَعٌ لَا يَسْتَحْقِقْنَهُ، فَيُنْظَرُ ; فَإِنِ اصْطَلَحُوا عَلَى أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بَيْنَهُنَّ عَلَى السَّوَاءِ، أَوْ عَلَى التَّفَاضُلِ، أَوْ يَكُونَ لِبَعْضِهِنَّ جَازَ، وَإِنْ تَشَاحُّوا فَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يَقْرَعُ بَيْنَهُنَّ، فَإِذَا وَقَعَتِ الْقَرْعَةُ لِأَرْبَعٍ مِنْهُنَّ، كَانَ الْمِيرَاثُ بَيْنَهُنَّ بِالسَّوِيَّةِ ". قَالَ: " وَأَصْلُ هَذَا مَا نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي مَنْ طَلَّقَ وَاحِدَةً مِنْ نِسَائِهِ لَا بِعَيْنِهَا - أَوْ بِعَيْنِهَا - لَكِنَّهُ أُنْسِيَهَا، فَإِنَّهُ يَقْرَعُ بَيْنَهُنَّ، وَتَخْرُجُ بِالْقُرْعَةِ، فَإِنْ مَاتَ قَبْلَ ذَلِكَ أَقْرَعُ الْوَرَثَةُ، وَكَانَ الْمِيرَاثُ لِلْبَوَاقِي مِنْهُنَّ ". وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْمِيرَاثَ يُوقَفُ حَتَّى يَصْطَلِحْنَ عَلَيْهِ. [فَصْلٌ الْمَهْرُ لِلنِّسْوَةِ إِذَا كُنَّ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعٍ] ١٢٨ - فَصْلٌ [الْمَهْرُ لِلنِّسْوَةِ إِذَا كُنَّ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعٍ] . وَأَمَّا الْمَهْرُ، فَيُنْظَرُ، فَإِنْ كَانَ بَعْدَ الدُّخُولِ فَالْمَهْرُ وَاجِبٌ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ لِأَجْلِ الدُّخُولِ، وَكَذَلِكَ إِنْ كَانَ قَدْ دَخَلَ بِبَعْضِهِنَّ كَانَ لَهَا الْمَهْرُ، وَإِنْ مَاتَ قَبْلَ الدُّخُولِ نُظِرَ فِي السَّابِقِ مِنْهُمَا إِلَى الْإِسْلَامِ، فَإِنْ كَانَ الزَّوْجُ

стр. 632

وَجَبَ عَلَيْهِ نِصْفُ الْمَهْرِ لِأَرْبَعٍ مِنْهُنَّ كَمَا أَوْجَبْنَا الْمِيرَاثَ لِأَرْبَعٍ مِنْهُنَّ، وَإِنْ كَانَ السَّابِقُ الزَّوْجَاتُ فَلَا مَهْرَ لِوَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ؛ لِأَنَّ الْفُرْقَةَ جَاءَتْ مِنْ جِهَتِهِنَّ قَبْلَ الدُّخُولِ. ١٢٩ - فَصْلٌ فَإِنْ طَلَّقَ الْجَمِيعَ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا: يَخْرُجُ مِنْهُنَّ أَرْبَعٌ بِالْقُرْعَةِ، فَيَكُنَّ الْمُخْتَارَاتِ وَيَقَعُ الطَّلَاقُ بِهِنَّ، وَيَنْفَسِخُ نِكَاحُ الْبَوَاقِي، وَلَهُ تَجْدِيدُ الْعَقْدِ عَلَيْهِنَّ، فَإِنْ كَانَ الطَّلَاقُ ثَلَاثًا فَمَتَى انْقَضَتْ عِدَّتُهُنَّ، فَلَهُ أَنْ يَنْكِحَ مِنَ الْبَاقِيَاتِ لِأَنَّهُنَّ لَمْ يُطَلَّقْنَ مِنْهُ، وَلَا يَحِلُّ لَهُ الْمُطَلَّقَاتُ إِلَّا بَعْدَ زَوْجٍ وَإِصَابَةٍ. قُلْتُ: وَهَذَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الطَّلَاقَ يَكُونُ اخْتِيَارًا لِلْمُطَلَّقَاتِ، فَيَكُنَّ هُنَّ الزَّوْجَاتِ وَمَنْ عَدَاهُنَّ أَجْنَبِيَّاتٌ، وَعَلَى أَنَّهُ إِذَا كَانَ تَحْتَهُ أَرْبَعٌ فَطَلَّقَهُنَّ لَمْ يَحِلَّ لَهُ نِكَاحُ خَامِسَةٍ حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّةُ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ. وَعِنْدِي يَنْفُذُ الطَّلَاقُ فِي الْجَمِيعِ لِأَنَّهُنَّ فِي حُكْمِ الزَّوْجَاتِ قَبْلَ الِاخْتِيَارِ، وَكُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ صَالِحَةٌ لِلْإِبْقَاءِ مِنْ غَيْرِ تَجْدِيدِ عَقْدٍ، وَكَوْنُ النِّكَاحِ فَاسِدًا لَا فِي الْجَمِيعِ، وَآيِلًا إِلَى الْفَسْخِ فِيمَا زَادَ عَلَى الْأَرْبَعِ لَا يَمْنَعُ وُقُوعَ الطَّلَاقِ، فَإِنَّ الطَّلَاقَ عِنْدَنَا يَقَعُ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ الَّذِي لَا سَبِيلَ إِلَى الِاسْتِمْرَارِ بِهِ، وَهُنَا لَهُ سَبِيلٌ إِلَى الِاسْتِمْرَارِ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ عَلَى انْفِرَادِهَا، وَمَعَ ثَلَاثٍ أُخَرَ.

стр. 633

[فَصْلٌ لَوْ أَسْلَمَ ثُمَّ طَلَّقَ الْجَمِيعَ قَبْلَ إِسْلَامِهِنَّ] ١٣٠ - فَصْلٌ فَلَوْ أَسْلَمَ، ثُمَّ طَلَّقَ الْجَمِيعَ قَبْلَ إِسْلَامِهِنَّ، ثُمَّ أَسْلَمْنَ فِي الْعِدَّةِ أُمِرَ أَنْ يَخْتَارَ أَرْبَعًا مِنْهُنَّ، فَإِذَا اخْتَارَهُنَّ تَبَيَّنَّا أَنَّ طَلَاقَهُ وَقَعَ بِهِنَّ لِأَنَّهُنَّ زَوْجَاتٌ، وَيَعْتَدِدْنَ مِنْ حِينِ طَلَاقِهِ، وَبَانَ الْبَوَاقِي بِاخْتِيَارِهِ لِغَيْرِهِنَّ، وَلَا يَقَعُ بِهِنَّ طَلَاقُهُ، وَلَهُ نِكَاحُ أَرْبَعٍ مِنْهُنَّ إِذَا انْقَضَتْ عِدَّةُ الْمُطَلَّقَاتِ؛ لِأَنَّ هَؤُلَاءِ غَيْرُ مُطَلَّقَاتٍ. وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَبَيْنَ الَّتِي قَبْلَهَا: أَنَّ طَلَاقَهُنَّ قَبْلَ إِسْلَامِهِنَّ فِي زَمَنٍ لَيْسَ لَهُ الِاخْتِيَارُ فِيهِ، فَإِذَا أَسْلَمَتْ تُجَدِّدُ لَهُ الِاخْتِيَارَ حِينَئِذٍ، وَفِي الَّتِي قَبْلَهَا طَلَّقَهُنَّ وَلَهُ الِاخْتِيَارُ، وَالطَّلَاقُ يَصْلُحُ اخْتِيَارًا، وَقَدْ أَوْقَعَهُ فِي الْجَمِيعِ، وَلَيْسَ بَعْضُهُنَّ أَوْلَى مِنْ بَعْضٍ، فَصِرْنَا إِلَى الْقُرْعَةِ لِتَسَاوِي الْحُقُوقِ. [فَصْلٌ مَتَّى تَبْدَأُ عِدَّةُ الْمُفَارَقَاتِ] ١٣١ - فَصْلٌ [مَتَّى تَبْدَأُ عِدَّةُ الْمُفَارَقَاتِ] . وَإِذَا اخْتَارَ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا وَفَارَقَ الْبَوَاقِيَ فَهَلِ الْعِدَّةُ مِنْ حِينِ الِاخْتِيَارِ أَمْ مِنْ حِينِ الْإِسْلَامِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ: أَشْهَرُهُمَا: أَنَّهَا مِنْ حِينِ الِاخْتِيَارِ، لِأَنَّهُنَّ إِنَّمَا بِنَّ مِنْهُ بِالِاخْتِيَارِ. وَوَجْهُ الْوَجْهِ الثَّانِيِ: أَنَّهُنَّ يَبِنَّ مِنْهُ بِالْإِسْلَامِ، وَإِنَّمَا يَتَبَيَّنُ ذَلِكَ بِالِاخْتِيَارِ، فَيَثْبُتُ حُكْمُ الْبَيْنُونَةِ مِنْ حِينِ الْإِسْلَامِ، كَمَا إِذَا أَسْلَمَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ، وَلَمْ يُسْلِمِ الْآخَرُ حَتَّى انْقَضَتْ عِدَّتُهَا، فَإِنَّهَا تَبِينُ بِانْقِضَاءِ عِدَّتِهَا مِنْ حِينِ الْإِسْلَامِ، وَفُرْقَتُهُنَّ فَسْخٌ لَا طَلَاقٌ.

стр. 634

وَأَمَّا عِدَّتُهُنَّ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا: كَعِدَّةِ الْمُطَلَّقَاتِ، ثَلَاثَةُ قُرُوءٍ؛ لِأَنَّ عِدَّةَ مَنِ انْفَسَخَ نِكَاحُهَا كَذَلِكَ. وَقَالَ شَيْخُنَا: " عِدَّتُهُنَّ حَيْضَةٌ وَاحِدَةٌ، وَكَذَلِكَ عِدَّةُ الْمُخْتَلِعَةِ، وَسَائِرِ مَنْ فُسِخَ نِكَاحُهَا: لِأَنَّ الْعِدَّةَ إِنَّمَا جُعِلَتْ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ لِتُمَكِّنَ الزَّوْجَ مِنَ الرَّجْعَةِ فِيهَا، وَأَمَّا الْفُسُوخُ - كَالْخُلْعِ، وَغَيْرِهِ - فَالْمَقْصُودُ مِنْهَا بَرَاءَةُ الرَّحِمِ، فَيُكْتَفَى فِيهَا بِحَيْضَةٍ ". قَالَ: " وَبِذَلِكَ أَفْتَى النَّبِيُّ ﷺ الْمُخْتَلِعَةَ ". قَالَ: " وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَلَا يُعْرَفُ لَهُ مُخَالِفٌ مِنَ الصَّحَابَةِ ". قُلْتُ لَهُ: فَمَا تَقُولُ فِي الْمُطَلَّقَةِ تَمَامَ الثَّلَاثِ، فَقَالَ: " الطَّلْقَةُ الثَّالِثَةُ مِنْ جِنْسِ الطَّلْقَتَيْنِ اللَّتَيْنِ قَبْلَهَا، فَكَانَ حُكْمُهَا حُكْمَهُمَا، هَذَا إِنْ كَانَ فِي الْمَسْأَلَةِ إِجْمَاعٌ " انْتَهَى. وَإِنْ مَاتَتْ إِحْدَى الْمُخْتَارَاتِ، أَوْ بَانَتْ مِنْهُ وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا فَلَهُ أَنْ يَنْكِحَ وَاحِدَةً مِنَ الْمُفَارَقَاتِ، وَتَكُونَ عِنْدَهُ عَلَى طَلَاقِ ثَلَاثٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُطَلِّقْهَا قَبْلَ ذَلِكَ.

стр. 635

[فَصْلٌ مَنْ أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ ثَمَانِ نِسْوَةٍ فَأَسْلَمَ مِنْهُنَّ أَرْبَعٌ] ١٣٢ - فَصْلٌ [مَنْ أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ ثَمَانِ نِسْوَةٍ فَأَسْلَمَ مِنْهُنَّ أَرْبَعٌ] . وَإِذَا أَسْلَمَ، وَتَحْتَهُ ثَمَانِ نِسْوَةٍ، فَأَسْلَمَ أَرْبَعٌ مِنْهُنَّ فَلَهُ اخْتِيَارُهُنَّ، وَلَهُ الْوُقُوفُ إِلَى أَنْ يُسْلِمَ الْبَوَاقِي، فَإِنْ مَاتَ اللَّاتِي أَسْلَمْنَ، ثُمَّ أَسْلَمَ الْبَاقِيَاتُ فَلَهُ اخْتِيَارُ الْمَيِّتَاتِ، وَلَهُ اخْتِيَارُ الْبَاقِيَاتِ، وَلَهُ اخْتِيَارُ بَعْضِ هَؤُلَاءِ، وَبَعْضِ هَؤُلَاءِ؛ لِأَنَّ الِاخْتِيَارَ لَيْسَ بِعَقْدٍ، وَإِنَّمَا هُوَ تَصْحِيحٌ لِلْعَقْدِ الْأَوَّلِ فِي الْمُخْتَارَاتِ، وَالِاعْتِبَارُ فِي الِاخْتِيَارِ بِحَالِ ثُبُوتِهِ وَصِحَّتِهِ، لَا بِحَالِ وُقُوعِهِ، وَحَالُ ثُبُوتِهِ كُنَّ أَحْيَاءً، وَإِنْ أَسْلَمَتْ وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ، فَقَالَ: " اخْتَرْتُهَا " جَازَ، فَإِذَا اخْتَارَ أَرْبَعًا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ انْفَسَخَ نِكَاحُ الْبَوَاقِي، وَإِنْ قَالَ: " اخْتَرْتُ فَسْخَ نِكَاحِهَا " لَمْ يَصِحَّ لِأَنَّ الْفَسْخَ إِنَّمَا يَكُونُ فِيمَا زَادَ عَلَى الْأَرْبَعِ، وَالِاخْتِيَارُ لِلْأَرْبَعِ، إِلَّا أَنْ يُرِيدَ بِالْفَسْخِ الطَّلَاقَ فَيَقَعُ لِأَنَّهُ كِنَايَةٌ، وَيَكُونُ طَلَاقُهُ لَهَا اخْتِيَارًا لَهَا، ذَكَرَهُ أَصْحَابُنَا. وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَصِحُّ، فَإِنَّهُ مَا مِنْهُنَّ وَاحِدَةٌ إِلَّا وَلَهُ أَنْ يَخْتَارَهَا، وَيَخْتَارَ مُفَارَقَتَهَا، فَإِذَا قَالَ: " فَسَخْتُ نِكَاحَ هَذِهِ " فَهُوَ اخْتِيَارٌ لِفِرَاقِهَا، وَلَهُ أَنْ يُفَارِقَهَا وَحْدَهَا، وَيُفَارِقَهَا مَعَ جُمْلَتِهِنَّ وَيُفَارِقَهَا مَعَ الزَّائِدَاتِ عَلَى النِّصَابِ. فَإِذَا قَالَ: " اخْتَرْتُ فَسْخَ نِكَاحِهَا "، فَكَأَنَّهُ قَالَ: هَذِهِ مِنَ الْمُفَارَقَاتِ، وَهُوَ لَوِ اخْتَارَ أَرْبَعًا سِوَاهَا وَلَمْ يُصَرِّحْ، نَفْسَخُ نِكَاحَهَا، فَكَيْفَ إِذَا صَرَّحَ بِهِ؟ ! فَإِنْ قِيلَ: هِيَ زَوْجَةٌ، وَالرَّجُلُ لَا يَسْتَقِلُّ بِفَسْخِ النِّكَاحِ فِي غَيْرِ الْمُعَيَّنَةِ،

стр. 636

قِيلَ: وَإِنْ كَانَتْ زَوْجَةً، لَكِنَّهُ يُخَيَّرُ فِي إِبْقَائِهَا، وَمُفَارَقَتِهَا، فَإِذَا عَجَّلَ مُفَارَقَتَهَا كَانَ اخْتِيَارًا مِنْهُ لِأَحَدِ الْأَمْرَيْنِ: وَقَوْلُهُمْ: " إِنَّ الْفَسْخَ إِنَّمَا يَكُونُ فِيمَا زَادَ عَلَى الْأَرْبَعِ "، قُلْنَا: إِنْ أَرَدْتُمْ الِانْفِسَاخَ فَصَحِيحٌ، فَإِنَّهُ إِذَا اخْتَارَ أَرْبَعًا انْفَسَخَ نِكَاحُ الزَّائِدِ عَلَيْهِنَّ، وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنَّ إِنْشَاءَ الْفَسْخِ بِالِاخْتِيَارِ لَا يَكُونُ إِلَّا فِيمَا زَادَ عَلَى الْأَرْبَعِ فَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَإِنَّ لَهُ أَنْ يُفَارِقَ الْجَمِيعَ بِغَيْرِ طَلَاقٍ، بَلْ مَتَى قَالَ: " فَارَقْتُ الْجَمِيعَ، أَوْ سَيَّبْتُهُنَّ، أَوْ فَسَخْتُ نِكَاحَهُنَّ " بِنَّ مِنْهُ كَمَا لَوْ قَالَ: " طَلَّقْتُهُنَّ ". [فَصْلٌ مَنْ أَسْلَمَ وَلَمْ تُسْلِمْ نِسَاؤُهُ حَتَّى انْقَضَتْ عِدَّتُهُنَّ] ١٣٣ - فَصْلٌ [مَنْ أَسْلَمَ وَلَمْ تُسْلِمْ نِسَاؤُهُ حَتَّى انْقَضَتْ عِدَّتُهُنَّ] . وَإِذَا أَسْلَمَ قَبْلَهُنَّ وَلَمْ يُسْلِمْنَ حَتَّى انْقَضَتْ عِدَّتُهُنَّ تَبَيَّنَّا أَنَّهُنَّ بِنَّ مِنْهُ مُنْذُ اخْتَلَفَ الدِّينَانِ، فَإِنْ كَانَ قَدْ طَلَّقَهُنَّ قَبْلَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهِنَّ تَبَيَّنَّا أَنَّ طَلَاقَهُ لَمْ يَقَعْ بِهِنَّ، وَلَهُ نِكَاحُ أَرْبَعٍ مِنْهُنَّ إِذَا أَسْلَمْنَ فَإِنْ كَانَ قَدْ وَطِئَهُنَّ فِي الْعِدَّةِ تَبَيَّنَّا أَنَّهُ وَطِئَ أَجْنَبِيَّاتٍ، وَكَذَلِكَ إِنْ آلَى مِنْهُنَّ، أَوْ ظَاهَرَ تَبَيَّنَّا أَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ فِي أَجْنَبِيَّةٍ، فَإِنْ أَسْلَمَ بَعْضُهُنَّ فِي الْعِدَّةِ تَبَيَّنَّا أَنَّهَا زَوْجَةٌ، فَيَقَعُ طَلَاقُهُ بِهَا، فَإِذَا وَطِئَهَا بَعْدَ ذَلِكَ كَانَ قَدْ وَطِئَ مُطَلَّقَتَهُ، وَإِنْ كَانَتِ الْمُطَلَّقَةُ غَيْرَهَا فَوَطْؤُهُ لَهَا وَطْءٌ لِامْرَأَتِهِ، وَإِنْ طَلَّقَ الْجَمِيعَ، فَأَسْلَمَ أَرْبَعٌ مِنْهُنَّ، أَوْ أَقَلُّ فِي عِدَّتِهِنَّ، وَلَمْ يُسْلِمِ الْبَوَاقِي تَعَيَّنَتِ الزَّوْجِيَّةُ فِي الْمُسْلِمَاتِ، وَوَقَعَ الطَّلَاقُ بِهِنَّ، فَإِذَا أَسْلَمَ الْبَوَاقِي فَلَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ مِنْهُنَّ لِأَنَّهُ لَمْ يَقَعْ طَلَاقُهُ بِهِنَّ. قُلْتُ: هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الطَّلَاقَ اخْتِيَارٌ، وَقَدْ عَلِمْتَ مَا فِيهِ، وَعَلَى أَنَّ

стр. 637

الْبَيْنُونَةَ إِذَا انْقَضَتِ الْعِدَّةُ تَكُونُ مِنْ حِينِ الْإِسْلَامِ لَا مِنْ حِينِ الِاخْتِيَارِ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ الْبَيْنُونَةَ إِنَّمَا تَقَعُ مِنْ حِينِ الِاخْتِيَارِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ قَبْلَ الِاخْتِيَارِ فِي حُكْمِ الزَّوْجَةِ، وَلِهَذَا لَهُ اخْتِيَارُهَا وَعَلَيْهِ نَفَقَتُهَا، وَإِنَّمَا عُلِمَ خُرُوجُهَا عَنْ زَوْجِيَّتِهِ بِاخْتِيَارِ غَيْرِهَا، فَكَانَ اخْتِيَارُ غَيْرِهَا فِرَاقًا لَهَا، فَتَكُونُ الْبَيْنُونَةُ مِنْ حِينِ تَثْبُتُ مُفَارَقَتُهَا، وَقَدْ صَرَّحَ الْأَصْحَابُ بِأَنَّهُ إِذَا اخْتَارَ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا، وَفَارَقَ الْبَوَاقِيَ فَعِدَّتُهُنَّ مِنْ حِينِ الِاخْتِيَارِ لَا مِنْ حِينِ إِسْلَامِهِ. [فَصْلٌ إِذَا مَاتَتْ إِحْدَى الْمُخْتَارَاتِ فَلَهُ أَنْ يَنْكِحَ أُخْرَى مِنَ الْبَواقِي] ١٣٤ - فَصْلٌ [إِذَا مَاتَتْ إِحْدَى الْمُخْتَارَاتِ فَلَهُ أَنْ يَنْكِحَ أُخْرَى مِنَ الْبَواقِي] . وَإِنِ اخْتَارَ أَرْبَعًا، وَفَارَقَ الْبَوَاقِيَ فَمَاتَتْ إِحْدَى الْمُخْتَارَاتِ، أَوْ بَانَتْ مِنْهُ، وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا فَلَهُ أَنْ يَنْكِحَ مِنَ الْمُفَارَقَاتِ تَمَامَ أَرْبَعٍ، وَتَكُونُ عِنْدَهُ عَلَى طَلَاقِ ثَلَاثٍ لِأَنَّهُنَّ لَمْ يُطَلِّقْهُنَّ قَبْلَ ذَلِكَ. وَإِنِ اخْتَارَ أَقَلَّ مِنْ أَرْبَعٍ، بِأَنِ اخْتَارَ وَاحِدَةً مِنْ ثَمَانٍ، أَوِ اخْتَارَ تَرْكَ الْجَمِيعِ فَقَالَ فِي " الْمُغْنِي ": أُمِرَ بِطَلَاقِ أَرْبَعٍ، أَوْ تَمَامِ أَرْبَعٍ، يَعْنِي: أُمِرَ بِطَلَاقِ أَرْبَعٍ فِيمَا إِذَا اخْتَارَ تَرْكَ الثَّمَانِ، أَوْ بِتَمَامِ أَرْبَعٍ فِيمَا إِذَا اخْتَارَ وَاحِدَةً وَتَرَكَ السَّبْعَ. قَالَ: لِأَنَّ الْأَرْبَعَ زَوْجَاتٍ لَا يَبِنَّ مِنْهُ إِلَّا بِطَلَاقٍ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ. قُلْتُ: اخْتِيَارُهُ تَرْكُ الْجَمِيعِ، أَوِ الْأَكْثَرِ كَافٍ فِي فَسْخِ نِكَاحِهِنَّ، فَلِأَيِّ شَيْءٍ يُؤْمَرُ بِطَلَاقِ أَرْبَعٍ فِي إِحْدَى الصُّورَتَيْنِ، وَتَمَامِ أَرْبَعٍ فِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ؟

стр. 638

أَمَّا قَوْلُهُ: " لِأَنَّ الْأَرْبَعَ زَوْجَاتٍ لَا يَبِنَّ مِنْهُ إِلَّا بِطَلَاقٍ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ " فَلَا رَيْبَ أَنَّ اخْتِيَارَهُ تَرْكَهُنَّ قَائِمٌ مَقَامَ الطَّلَاقِ فِي إِحْدَى الصُّورَتَيْنِ، فَإِنَّهُ إِذَا قَالَ: " اخْتَرْتُ تَرْكَهُنَّ " كَانَ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ: " اخْتَرْتُ فِرَاقَهُنَّ "، وَهَذَا كَافٍ فِي مُفَارَقَتِهِنَّ، وَاخْتِيَارُهُ بَعْضَهُنَّ فَسْخٌ لِنِكَاحِ مَنْ عَدَا الْمُخْتَارَاتِ، فَإِنَّ قَوْلَهُ: " اخْتَرْتُ هَذِهِ " هُوَ اخْتِيَارٌ لَهَا، وَمُفَارَقَةٌ لِمَنْ عَدَاهَا، كَمَا لَوْ قَالَ: " اخْتَرْتُ هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعِ " فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمْهُ أَنْ يُطَلِّقَ الْأَرْبَعَ الْبَوَاقِيَ، بَلْ بِمُجَرَّدِ اخْتِيَارِهِ لِلْأَرْبَعِ تَبِينُ مِنْهُ الْبَوَاقِي. فَإِنْ قِيلَ: الْفَرْقُ بَيْنَ الصُّورَتَيْنِ أَنَّهُ إِذَا اخْتَارَ أَرْبَعًا كُنَّ هُنَّ الزَّوْجَاتِ، فَانْفَسَخَ نِكَاحُ مَنْ سِوَاهُنَّ لِزِيَادَتِهِنَّ عَلَى النِّصَابِ فَلَا يَحْتَاجُ أَنْ يُطَلِّقَهُنَّ، وَلَا يُنْشِئَ مَا يَقُومُ مَقَامَ طَلَاقَهُنَّ، بِخِلَافِ مَا إِذَا اخْتَارَ وَاحِدَةً مِنْ ثَمَانٍ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ اخْتِيَارُهَا فِرَاقًا لِمَنْ عَدَاهَا، فَلِهَذَا أَمَرْنَاهُ بِطَلَاقِ أَرْبَعٍ أَوْ تَمَامِ أَرْبَعٍ، قِيلَ: هَذَا لَا يَصِحُّ أَوَّلًا لِأَنَّهُ قَدْ يُرِيدُ فِرَاقَ الْجَمِيعِ أَوْ مَنْ عَدَا الْمُخْتَارَةَ، فَكَيْفَ يُؤْمَرُ بِطَلَاقِ أَرْبَعٍ وَهُوَ يُرِيدُ فِرَاقَ الثَّمَانِ؟ هَذَا لَا مَعْنَى لَهُ. وَقَوْلُهُ: " اخْتَرْتُ تَرْكَهُنَّ وَمُفَارَقَتَهُنَّ " وَنَحْوُ ذَلِكَ قَائِمٌ مَقَامَ الطَّلَاقِ، وَكَافٍ فِي فَسْخِ نِكَاحِهِنَّ. وَأَيْضًا فَإِنَّ قَوْلَهُ: " اخْتَرْتُ هَذِهِ " جُعِلَ إِبْقَاءً لِنِكَاحِ الْمُخْتَارَةِ، وَفَسْخًا لِنِكَاحِ مَنْ عَدَاهَا كَمَا لَوْ قَالَ: " اخْتَرْتُ هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعِ ". [فَصْلٌ فَإِنْ قَالَ كُلَّمَا أَسْلَمَتْ وَاحِدَةٌ اخْتَرْتُهَا] ١٣٥ - فَصْلٌ فَإِنْ قَالَ: " كُلَّمَا أَسْلَمَتْ وَاحِدَةٌ اخْتَرْتُهَا "، فَقَالَ الْأَصْحَابُ: لَا يَصِحُّ لِأَنَّ الِاخْتِيَارَ لَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ عَلَى الشُّرُوطِ، وَلَا يَصِحُّ فِي غَيْرِ

стр. 639

مُعَيَّنٍ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَصِحَّ، وَلَا يَمْتَنِعُ تَعْلِيقُ الِاخْتِيَارِ عَلَى الشَّرْطِ، كَمَا يَصِحُّ تَعْلِيقُ الْجَعَالَةِ، وَالْوَلَايَةِ، وَالْوَكَالَةِ، وَالْعِتْقِ، وَالطَّلَاقِ، وَكَذَلِكَ يَصِحُّ أَيْضًا تَعْلِيقُ الرَّجْعَةِ بِالشَّرْطِ، وَإِنْ قَالَ كَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ: لَا يَصِحُّ. وَالْأَصْلُ فِي الشُّرُوطِ الصِّحَّةُ، وَالْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ إِلَّا شَرْطًا أَحَلَّ حَرَامًا، أَوْ حَرَّمَ حَلَالًا، وَكَذَلِكَ الْهِبَةُ يَجُوزُ تَعْلِيقُهَا بِالشَّرْطِ كَمَا ثَبَتَ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ ﷺ : " «أَمَّا مَا كَانَ لِي وَلِبَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَهُوَ لَكَ» ". وَكَذَلِكَ هِبَةُ الثَّوَابِ يَجُوزُ تَعْلِيقُهَا بِالشَّرْطِ، نَحْوُ: اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ قَبِلْتَ مِنِّي هَذَا الْعَمَلَ فَاجْعَلْ ثَوَابَهُ لِفُلَانٍ. وَكَذَلِكَ الدُّعَاءُ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ يَجُوزُ تَعْلِيقُهُ بِالشَّرْطِ نَحْوُ: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ مُحْسِنًا فَزِدْ فِي إِحْسَانِهِ، وَإِنْ كَانَ مُسِيئًا فَتَجَاوَزْ عَنْهُ.

стр. 640

وَكَذَلِكَ الْإِبْرَاءُ يَجُوزُ تَعْلِيقُهُ بِالشَّرْطِ، وَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، وَالْعَجَبُ مِمَّنْ مَنَعَ تَعْلِيقَهُ، وَهُوَ إِسْقَاطٌ مَحْضٌ، فَهُوَ كَالطَّلَاقِ، وَالْعِتْقِ. وَكَذَلِكَ الْفُسُوخُ كُلُّهَا يَجُوزُ تَعْلِيقُهَا بِالشَّرْطِ. وَقَدْ صَحَّ عَنْهُ ﷺ : " «أَمِيرُكُمْ زَيْدٌ، فَإِنْ قُتِلَ، فَجَعْفَرٌ، فَإِنْ قُتِلَ فَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ» ". وَفِي " سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ " مِنْ «حَدِيثِ طَارِقِ بْنِ الْمُرَقَّعِ أَنَّهُ قَالَ: " مَنْ

стр. 641

يُعْطِي رُمْحًا بِثَوَابِهِ؟ فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: وَمَا ثَوَابُهُ؟ قَالَ: أُزَوِّجُهُ أَوَّلَ بِنْتٍ تَكُونُ لِي ". فَلَمَّا وُلِدَتْ طَلَبَهَا مِنْهُ بَعْدَ كِبَرِهَا فَحَلَفَ أَلَّا يُعْطِيَهَا إِيَّاهُ إِلَّا بِصَدَاقٍ آخَرَ، وَحَلَفَ الزَّوْجُ أَلَّا يُصْدِقَهَا غَيْرَ ذَلِكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ " أَرَى أَنْ تَتْرُكَهَا " ثُمَّ قَالَ: " لَا تَأْثَمُ وَلَا يَأْثَمُ صَاحِبُكَ» وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ الشَّرْطَ وَلَمْ يَقُلْ لَهُ: لَا نِكَاحَ بَيْنَكُمَا. وَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ، وَقَبْلَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ عَلَى جَوَازِ تَعْلِيقِ النِّكَاحِ بِالشَّرْطِ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ. فَقَالَ الْأَثْرَمُ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَنِ الرَّجُلِ تَزَوَّجَ الْمَرْأَةَ عَلَى أَنَّهُ إِنْ جَاءَ بِالْمَهْرِ إِلَى كَذَا وَكَذَا، وَإِلَّا فَلَا نِكَاحَ بَيْنَنَا؟ فَقَالَ: لَا أَدْرِي، فَقِيلَ لَهُ: حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ: النِّكَاحُ ثَابِتٌ، وَالشَّرْطُ فَاسِدٌ؟ قَالَ: نَعَمْ. وَنَقَلَ عَنْهُ ابْنُ مَنْصُورٍ: إِذَا قَالَ: " إِنْ جِئْتَ بِالْمَهْرِ إِلَى كَذَا وَكَذَا، وَإِلَّا فَلَيْسَ بَيْنَنَا نِكَاحٌ " فَالنِّكَاحُ وَالشَّرْطُ جَائِزَانِ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي تَقْتَضِيهِ

стр. 642

أُصُولُهُ وَقَوَاعِدُ مَذْهَبِهِ، وَمَنْ ضَعَّفَ هَذِهِ الرِّوَايَةَ لَمْ يُضَعِّفْهَا بِمَا يَقْتَضِي تَضْعِيفَهَا. وَغَايَةُ مَا قَالُوا: إِنَّ النِّكَاحَ مِمَّا لَا يَدْخُلُهُ الْخِيَارُ، فَشَرْطُهُ فِيهِ يُفْسِدُهُ كَالصَّرْفِ وَالسَّلَمِ، فَيُقَالُ: نَقْنَعُ مِنْكُمْ بِسُؤَالِ الْمُطَالَبَةِ، وَهُوَ تَأْثِيرُ الْوَصْفِ فِي الْأَصْلِ، وَثُبُوتُهُ فِي الْفَرْعِ، ثُمَّ نَتَبَرَّعُ بِالْفَرْقِ بِأَنَّ السَّلَمَ، وَالصَّرْفَ يَجِبُ تَسْلِيمُ الْعِوَضِ فِيهِ فِي مَجْلِسِ الْعَقْدِ بِخِلَافِ النِّكَاحِ. قَالُوا: الْخِيَارُ يَنْفِي الْإِبَاحَةَ فِي وَقْتٍ يَقْتَضِي إِطْلَاقُ الْعَقْدِ ثُبُوتَهُ، فَصَارَ كَمَا لَوْ تَزَوَّجَهَا شَهْرًا، وَحَقِيقَةُ هَذَا الْقِيَاسِ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الْعَقْدِ الْمُطْلَقِ وَالْمُقَيَّدِ، وَهَذَا مُنْتَقَضٌ بِسَائِرِ الشُّرُوطِ الَّتِي ثَبَتَتْ فِي الْعَقْدِ الْمُقَيَّدِ دُونَ الْمُطْلَقِ، ثُمَّ يُقَالُ: كَوْنُ الْعَقْدِ الْمُطْلَقِ لَا يَقْتَضِي ثُبُوتَهَا لَا يَقْتَضِي أَنَّ الْعَقْدَ الْمُقَيَّدَ لَا يَقْتَضِي ثُبُوتَهَا، بَلْ مُقْتَضَى الْعَقْدِ الْمُقَيَّدِ مَا قُيِّدَ بِهِ، فَهَذَا إِذَنْ مُقْتَضَى هَذَا الْعَقْدِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُقْتَضَى الْعَقْدِ الْمُطْلَقِ. قَالُوا: فَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ: الْمُتْعَةُ حَرَامٌ وَكُلُّ نِكَاحٍ فِيهِ وَقْتٌ أَوْ شَرْطٌ فَهُوَ فَاسِدٌ. قِيلَ: هَذَا لَفْظٌ عَامٌّ، وَمَا ذَكَرْنَاهُ عَنْهُ فَهُوَ خَاصٌّ، وَكَلَامُ " الْمُغْنِي "

стр. 643

يُقَيَّدُ مُطْلَقُهُ بِمُقَيَّدِهِ، وَخَاصُّهُ بِعَامِّهِ، كَيْفَ وَقَدْ عُلِمَ مِنْ مَذْهَبِهِ تَخْصِيصُ هَذَا الْعَامِّ؟ فَإِنَّهُ يُصَحِّحُ النِّكَاحَ أَلَّا يُخْرِجَهَا مِنْ دَارِهَا، وَأَلَّا يَتَزَوَّجَ وَلَا يَتَسَرَّى عَلَيْهَا، وَمَتَى فَعَلَ ذَلِكَ فَلَهَا الْخِيَارُ، وَهَذَا نَظِيرُ إِنْ جَاءَهَا بِالْمَهْرِ إِلَى وَقْتِ كَذَا، وَإِلَّا فَلَهَا الْخِيَارُ، فَالصَّوَابُ التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُمَا. وَقَوْلُهُ: " كُلُّ نِكَاحٍ فِيهِ وَقْتٌ أَوْ شَرْطٌ فَهُوَ فَاسِدٌ " إِنَّمَا أَرَادَ بِهِ شَرْطَ التَّحْلِيلِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ، وَلِهَذَا قَرَنَهُ بِالْمُتْعَةِ، وَالْجَامِعُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْمُسْتَمْتِعَ، وَالْمُحَلِّلَ لَا غَرَضَ لَهُمَا فِي نِكَاحِ الرَّغْبَةِ. فَإِنْ قِيلَ: قِيَاسُ قَوَاعِدِهِ وَأُصُولِهِ بُطْلَانُ هَذَا النِّكَاحِ الْمَشْرُوطِ فِيهِ الْخِيَارُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَبْطَلَ نِكَاحَ الْمُحَلِّلِ لِمَا فِيهِ مِنَ الشَّرْطِ الْمَانِعِ مِنْ لُزُومِهِ، قِيلَ: هُوَ لَمْ يُبْطِلْ نِكَاحَ الْمُحَلِّلِ لِذَلِكَ، وَإِنَّمَا أَبْطَلَهُ لِأَنَّهُ نِكَاحٌ مُحَرَّمٌ، مَلْعُونٌ فَاعِلُهُ، مَنْهِيٌّ عَنْهُ، وَلِهَذَا لَوْ قَصَدَ بِقَلْبِهِ التَّحْلِيلَ، وَلَمْ يَشْرُطْهُ، أَوْ شَرَطَ أَنْ يُحِلَّهَا لِلْأَوَّلِ فَقَطْ، وَلَمْ يَشْرُطْ طَلَاقَهَا، كَانَ نِكَاحًا بَاطِلًا مَعَ أَنَّهُ لَا شَرْطَ هُنَاكَ يَمْنَعُ لُزُومَهُ. وَأَحْمَدُ عَنْهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ مَنْصُوصَاتٍ: الْأُولَى: صِحَّةُ النِّكَاحِ، وَالشَّرْطِ - وَهِيَ أَنَصُّ الرِّوَايَاتِ عَنْهُ، وَأَصْرَحُهَا، نَقَلَهَا ابْنُ مَنْصُورٍ كَمَا تَقَدَّمَ.

стр. 644

وَ [الثَّانِيَةُ:] صِحَّةُ النِّكَاحِ، وَفَسَادُ الشَّرْطِ كَمَا نَقَلَ الْأَثْرَمُ. وَ [الثَّالِثَةُ:] فَسَادُ الشَّرْطِ وَالنِّكَاحِ، وَهِيَ الَّتِي نَقَلَهَا حَنْبَلٌ بِاللَّفْظِ الْعَامِّ. وَالْمَقْصُودُ أَنَّ تَعْلِيقَ الِاخْتِيَارِ عَلَى الْإِسْلَامِ يَصِحُّ، وَيَصِحُّ تَعْلِيقُ الْفَسْخِ أَيْضًا عَلَى الشَّرْطِ، وَهُوَ أَوْلَى بِالصِّحَّةِ لِأَنَّهُ إِزَالَةُ مِلْكٍ، فَهُوَ كَتَعْلِيقِ الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ. وَقَالَ أَصْحَابُنَا: لَا يَصِحُّ، وَلَهُمْ فِي صِحَّةِ تَعْلِيقِ الطَّلَاقِ هَاهُنَا وَجْهَانِ: فَإِذَا قَالَ: " كُلُّ مَنْ تَمَسَّكَتْ بِدِينِهَا فَهِيَ طَالِقٌ " فَهَلْ يَصِحُّ؟ ! عَلَى وَجْهَيْنِ: وَوَجْهُ الْبُطْلَانِ أَنَّ الطَّلَاقَ يَتَضَمَّنُ الِاخْتِيَارَ، وَهُوَ مِمَّا لَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ بِالشَّرْطِ، وَالْمُقَدِّمَتَانِ مَمْنُوعَتَانِ كَمَا تَقَدَّمَ. [فَصْلٌ اخْتِيَارُهُ فِي حَالِ إِحْرَامِهِ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ] ١٣٦ - فَصْلٌ [اخْتِيَارُهُ فِي حَالِ إِحْرَامِهِ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ] . وَإِذَا أَسْلَمَ، ثُمَّ أَحْرَمَ بِحَجٍّ، أَوْ عُمْرَةٍ، ثُمَّ أَسْلَمْنَ فَلَهُ الِاخْتِيَارُ؛ لِأَنَّ الِاخْتِيَارَ اسْتِدَامَةٌ لِلنِّكَاحِ، وَتَعْيِينٌ لِلْمَنْكُوحَةِ، وَلَيْسَ بِابْتِدَاءٍ لَهُ. وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ: أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ الِاخْتِيَارُ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْقَاضِي، وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَالْخِلَافُ هَاهُنَا كَالْخِلَافِ فِي رَجْعَةِ الْمُحْرِمِ. وَالصَّحِيحُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ الْجَوَازُ، لِأَنَّهَا إِمْسَاكٌ فَلَا يُنَافِيهَا الْإِحْرَامُ.

стр. 645

[فَصْلٌ إِذَا مِتْنَ قَبْلَ الِاخْتِيَارِ فَلَهُ اخْتِيَارُ أَرْبَعٍ وَيَرِثُهُنَّ] ١٣٧ - فَصْلٌ [إِذَا مِتْنَ قَبْلَ الِاخْتِيَارِ فَلَهُ اخْتِيَارُ أَرْبَعٍ وَيَرِثُهُنَّ] . وَإِذَا أَسْلَمَ الْجَمِيعُ مَعَهُ ثُمَّ مِتْنَ قَبْلَ أَنْ يَخْتَارَ فَلَهُ أَنْ يَخْتَارَ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا، فَيَكُونُ لَهُ مِيرَاثُهُنَّ، وَلَا يَرِثُ مِنَ الْبَاقِيَاتِ لِأَنَّهُنَّ لَسْنَ بِزَوْجَاتٍ، وَإِنْ مَاتَ مِنْهُنَّ أَرْبَعٌ وَبَقِيَ أَرْبَعٌ فَلَهُ اخْتِيَارُ الْمَيِّتَاتِ، فَيَرِثُهُنَّ، وَتَبِينَ الْحَيَّاتُ، وَلَهُ اخْتِيَارُ الْحَيَّاتِ، فَيَسْتَمِرُّ بِهِنَّ وَلَا يَرِثُ الْمَيِّتَاتِ. وَلَهُ اخْتِيَارُ بَعْضِ هَؤُلَاءِ وَبَعْضِ هَؤُلَاءِ. [فَصْلٌ إِذَا أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ أُخْتَانِ مَتَى يَطَأُ الْأُخْتَ الْمُخْتَارَةَ] ١٣٨ - فَصْلٌ [إِذَا أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ أُخْتَانِ مَتَى يَطَأُ الْأُخْتَ الْمُخْتَارَةَ] . وَإِذَا تَزَوَّجَ أُخْتَيْنِ، وَدَخَلَ بِهِمَا، ثُمَّ أَسْلَمَ وَأَسْلَمَتَا مَعَهُ فَاخْتَارَ إِحْدَاهُمَا لَمْ يَطَأْهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّةُ أُخْتِهَا، لِئَلَّا يَكُونَ وَاطِئًا لِإِحْدَى الْأُخْتَيْنِ فِي عِدَّةِ الْأُخْرَى، وَكَذَلِكَ إِذَا أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ ثَمَانٍ قَدْ دَخَلَ بِهِنَّ فَأَسْلَمْنَ مَعَهُ فَاخْتَارَ أَرْبَعًا، وَفَارَقَ الْبَوَاقِيَ لَمْ يَطَأْ وَاحِدَةً مِنَ الْمُخْتَارَاتِ حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّةُ وَاحِدَةٍ مِنَ الْمُفَارَقَاتِ، فَإِذَا انْقَضَتْ عِدَّةُ وَاحِدَةٍ فَلَهُ وَطْءُ أَيِّ الْمُخْتَارَاتِ شَاءَ، فَإِنِ انْقَضَتْ عِدَّةُ اثْنَتَيْنِ فَلَهُ وَطْءُ اثْنَتَيْنِ، وَكَذَلِكَ إِلَى تَمَامِ الْأَرْبَعِ، فَإِنْ كُنَّ خَمْسًا فَفَارَقَ إِحْدَاهُنَّ فَلَهُ وَطْءُ ثَلَاثٍ مِنَ الْمُخْتَارَاتِ دُونَ الرَّابِعَةِ، وَإِنْ كُنَّ سِتًّا فَفَارَقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُ وَطْءُ اثْنَتَيْنِ مِنَ الْمُخْتَارَاتِ، وَإِنْ كُنَّ سَبْعًا فَفَارَقَ ثَلَاثًا فَلَهُ وَطْءُ وَاحِدَةٍ مِنَ الْمُخْتَارَاتِ، وَكُلَّمَا انْقَضَتْ عِدَّةُ وَاحِدَةٍ مِنَ الْمُفَارَقَاتِ فَلَهُ

стр. 646

وَطْءُ وَاحِدَةٍ مِنَ الْمُخْتَارَاتِ، وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ لَمْ يَنْكِحْ أُخْتَهَا، وَلَا الْخَامِسَةَ فِي عِدَّةِ الْمُطَلَّقَةِ، لِئَلَّا يَكُونَ جَامِعًا لِمَائِهِ فِي رَحِمِ أُخْتَيْنِ، أَوْ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعٍ، قَالَ ذَلِكَ أَصْحَابُنَا قِيَاسًا عَلَى نَصِّ أَحْمَدَ فِيمَا إِذَا طَلَّقَ إِحْدَى الْأُخْتَيْنِ، أَوِ الْخَامِسَةَ، وَذَلِكَ لِحَدِيثِ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى: " مَا أَجْمَعَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ عَلَى شَيْءٍ مَا أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْأُخْتَ لَا تُنْكَحُ فِي عِدَّةِ أُخْتِهَا "، وَلِأَنَّهُ بِذَلِكَ يَكُونُ جَامِعًا مَاءَهُ فِي رَحِمِ أُخْتَيْنِ فَلَا يَجُوزُ كَجَمْعِ الْعَقْدِ وَأَوْلَى. وَعِنْدِي أَنَّهُ إِذَا اخْتَارَ أَرْبَعًا جَازَ وَطْؤُهُنَّ مِنْ غَيْرِ انْتِظَارٍ لِانْقِضَاءِ عِدَّةِ الْمُفَارَقَاتِ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَهُ أَنْ يُمْسِكَ أَرْبَعًا، وَيُفَارِقَ سَائِرَهُنَّ، وَأَمَرَ مَنْ تَحْتَهُ أُخْتَانِ أَنْ يُفَارِقَ أَيَّتَهُمَا شَاءَ، وَهُوَ حَدِيثُ عَهْدٍ بِالْإِسْلَامِ، وَلَمْ يَأْمُرْهُ أَنْ يَنْتَظِرَ بِوَطْءِ مَنْ أَمْسَكَ انْقِضَاءَ عِدَّةِ مَنْ فَارَقَ، وَلَا ذَكَرَ لَهُ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ بِوَجْهٍ، وَتَأْخِيرُ الْبَيَانِ لَا يَجُوزُ

стр. 647

عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ، وَالْمُفَارَقَاتُ قَدْ بِنَّ عَنْهُ وَخَرَجْنَ عَنْ عِصْمَتِهِ، وَقَدْ يُسَافِرْنَ إِلَى أَهْلِيهِنَّ وَقَدْ يَذْهَبْنَ حَيْثُ شِئْنَ فَلَا تُعْلَمَ أَحْوَالُهُنَّ، فَمَا يَدْرِيهِ بِانْقِضَاءِ عِدَّتِهِنَّ؟ ! فَإِنْ قُلْتُمْ: " يَنْتَظِرُ عِلْمَهُ بِذَلِكَ، أَوْ يَنْتَظِرُ حَتَّى يَصِرْنَ إِلَى حَدِّ الْإِيَاسِ فَيَحْسِبُ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ "، كَانَ هَذَا فِي غَايَةِ الْبُعْدِ، وَلَا تَأْتِي الشَّرِيعَةُ بِهِ. وَإِنْ قُلْتُمْ: " يَنْتَظِرُ مِقْدَارَ ثَلَاثِ حِيَضٍ " فَالْحَيْضَةُ قَدْ يَطُولُ زَمَنُ مَجِيئِهَا، فَلَا يُعْلَمُ مَتَى تَجِيءُ، فَكَيْفَ تَنْقَضِي الْعِدَّةُ بِالشَّكِّ. فَإِنْ قُلْتُمْ: " هَذَا بِعَيْنِهِ وَارِدٌ فِيمَنْ طَلَّقَ إِحْدَى الْأُخْتَيْنِ، أَوْ وَاحِدَةً مِنْ أَرْبَعٍ "، فَالْجَوَابُ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْحُكْمَ فِي صُورَةِ النَّقْضِ لَمْ يَثْبُتْ بِنَصٍّ يَجِبُ التَّسْلِيمُ لَهُ، وَلَا إِجْمَاعٍ لَا تَجُوزُ مُخَالَفَتُهُ. وَأَمَّا مَا ذَكَرْتُمْ مِنْ إِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ فَسَأَلْتُ شَيْخَنَا عَنْهُ فَقَالَ لِي: " الظَّاهِرُ أَنَّهُ أَرَادَ عِدَّةَ " الرَّجْعِيَّةِ "، وَهَاهُنَا يَتَحَقَّقُ الْإِجْمَاعُ، وَأَمَّا الْبَائِنُ فَأَيْنَ الْإِجْمَاعُ فِيهَا؟ قَالَ الشَّافِعِيُّ: " وَالْحُجَّةُ عَلَى جَوَازِ ذَلِكَ: انْقِطَاعُ أَحْكَامِ الزَّوْجِيَّةِ بِانْقِطَاعِ أَحْكَامِهَا مِنَ الْإِيلَاءِ، وَالظِّهَارِ، وَاللِّعَانِ، وَالْمِيرَاثِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ ".

стр. 648

قَالَ: " وَهُوَ قَوْلُ الْقَاسِمِ، وَسَالِمٍ، وَعُرْوَةَ، وَأَكْثَرِ أَهْلِ دَارِ السُّنَّةِ، وَحَرَمِ اللَّهِ ". وَقَالَ مَالِكٌ فِي " الْمُوَطَّأِ " عَنْ رَبِيعَةَ أَنَّ عُرْوَةَ وَالْقَاسِمَ كَانَا يَقُولَانِ فِي الرَّجُلِ يَكُونُ عِنْدَهُ أَرْبَعٌ فَيُطَلِّقُ إِحْدَاهُنَّ [أَلْبَتَّةَ] : إِنَّهُ يَتَزَوَّجُ إِذَا شَاءَ، وَلَا يَنْتَظِرُ حَتَّى تَمْضِيَ عِدَّتُهَا. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ فِي رَجُلٍ كَانَ تَحْتَهُ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ: إِنْ شَاءَ

стр. 649

تَزَوَّجَ الْخَامِسَةَ فِي الْعِدَّةِ. وَكَذَلِكَ قَالَ فِي الْأُخْتَيْنِ فَطَلَّقَ إِحْدَاهُمَا: إِنْ شَاءَ تَزَوَّجَ الثَّانِيَةَ فِي الْعِدَّةِ. قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: وَرَوَيْنَاهُ عَنِ الْحَسَنِ، وَعَطَاءٍ، وَبَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَخِلَاسِ بْنِ عَمْرٍو. الْوَجْهُ الثَّانِي: الْفَرْقُ بَيْنَ الْمَسْأَلَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَبَيْنَ مَسْأَلَةِ الطَّلَاقِ بِأَنَّ فِي مَسْأَلَةِ الْإِسْلَامِ تَبَيَّنَّا أَنَّ الْمُفَارَقَاتِ لَمْ يَكُنَّ زَوْجَاتٍ بَيْنَ الْإِسْلَامِ وَالِاخْتِيَارِ، وَمَا قَبْلَ ذَلِكَ لَا نَحْكُمُ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ، فَيَجْرِي وَطْؤُهُنَّ قَبْلَ الْإِسْلَامِ مَجْرَى وَطْءِ الشُّبْهَةِ، بِخِلَافِ الْمُطَلَّقَةِ، فَإِنَّهَا كَانَتْ زَوْجَهُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، فَالْعِدَّةُ فِي حَقِّهَا أَثَرٌ مِنْ آثَارِ نِكَاحٍ صَحِيحٍ لَازِمٍ قَابِلٍ لِلدَّوَامِ، فَلَا يَلْحَقُ بِهِ الْوَطْءُ فِي نِكَاحٍ لَا يُجِيزُهُ الْإِسْلَامُ، وَلَا نَحْكُمُ لَهُ بِالصِّحَّةِ.

стр. 650

[فَصْلٌ نُقِرُّ أَهْلَ الذِّمَّةِ عَلَى الْأَنْكِحَةِ الْفَاسِدَةِ بِشَرْطَيْنِ] ١٣٩ - فَصْلٌ نُقِرُّ أَهْلَ الذِّمَّةِ عَلَى الْأَنْكِحَةِ الْفَاسِدَةِ بِشَرْطَيْنِ. أَحَدُهُمَا: أَلَّا يَتَحَاكَمُوا فِيهَا إِلَيْنَا، فَإِنْ تَحَاكَمُوا فِيهَا إِلَيْنَا لَمْ نُقِرَّهُمْ عَلَى مَا لَا مَسَاغَ لَهُ فِي الْإِسْلَامِ. الثَّانِي: أَنْ يَعْتَقِدُوا إِبَاحَةَ ذَلِكَ فِي دِينِهِمْ، فَإِنْ كَانُوا يَعْتَقِدُونَ تَحْرِيمَهُ وَبُطْلَانَهُ لَمْ نُقِرَّهُمْ عَلَيْهِ كَمَا لَا نُقِرُّهُمْ عَلَى الرِّبَا، وَقَتْلِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا وَسَرِقَةِ أَمْوَالِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، وَقَدْ رَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْيَهُودِيَّيْنِ لَمَّا زَنَيَا، وَلَمْ يُقِرَّهُمْ عَلَى ذَلِكَ. فَإِنْ قِيلَ: فَهَلْ تُقِرُّونَ الْمَجُوسَ عَلَى نِكَاحِ ذَوَاتِ مَحَارِمِهِمْ لِاعْتِقَادِهِمْ جَوَازَ ذَلِكَ إِذَا لَمْ يَتَرَافَعُوا إِلَيْنَا؟ قِيلَ: هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِيهَا رِوَايَتَانِ عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ: إِحْدَاهُمَا: أَنَّهُمْ يُقِرُّونَ عَلَى ذَلِكَ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا، وَقَدْ سَأَلَهُ عَنِ الْمَجُوسِيِّ هَلْ يُحَالُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّزْوِيجِ بِمَحْرَمٍ؟ وَذَكَرَ لَهُ حَدِيثَ عُمَرَ: " فَرِّقُوا بَيْنَ كُلِّ ذَاتِ مَحْرَمٍ مِنَ الْمَجُوسِ ". فَقَالَ: قَالَ الْحَسَنُ (يَعْنِي الْبَصْرِيَّ) بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ الْعَلَاءَ بْنَ الْحَضْرَمِيَّ إِلَى الْبَحْرَيْنِ، فَأَقَرَّهُمْ عَلَى ذَلِكَ وَلَمْ يَهْجُهُمْ.

стр. 651

وَقَالَ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ: لَا يُفَرَّقُ بَيْنَ حَرِيمِهِ وَبَيْنَهُ، إِنَّمَا قَالَ: " «سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ» " وَلَيْسَ هُمْ أَهْلَ كِتَابٍ. فَإِنْ قِيلَ: فَهَلْ تُقِرُّونَهُمْ عَلَى الزِّنَا وَاللِّوَاطِ وَالرِّبَا، وَهُوَ دُونَ نِكَاحِ الْأُمِّ وَالْبِنْتِ؟ قِيلَ: لَا نُقِرُّهُمْ عَلَيْهِ، نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَبَانٍ الْمَوْصِلِيِّ فِي مَجُوسِيٍّ فِي زُقَاقٍ لَيْسَ لَهُ مَنْفَذٌ، وَطَرِيقُ الْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِ، وَهُوَ يَزْنِي عَلَى الطَّرِيقِ، فَقَالَ: يُخْرَجُ وَلَا يُتْرَكُ؛ لِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ يَزْنُونَ مَعَهُ. وَالْفَرْقُ بَيْنَ إِقْرَارِهِ عَلَى نِكَاحِ مَحْرَمِهِ وَإِقْرَارِهِ عَلَى الزِّنَا، وَالرِّبَا، وَاللِّوَاطِ: أَنَّ ذَلِكَ يَتَعَدَّى ضَرَرُهُ إِلَى الْمُسْلِمِينَ، وَأَمَّا نِكَاحُ مَحْرَمِهِ فَيَخْتَصُّ ضَرَرُهُ بِهِ دُونَ الْمُسْلِمِينَ.

стр. 652

وَعَارَضَ أَحْمَدُ قَوْلَ عُمَرَ ﵁ بِإِقْرَارِ النَّبِيِّ ﷺ فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَخَذَ الْجِزْيَةَ مِنَ الْمَجُوسِ وَلَمْ يَشْتَرِطْ عَلَيْهِمْ تَرْكَ أَنْكِحَتِهِمْ، وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ أَزْوَاجِهِمْ مِنْ ذَوَاتِ الْمَحَارِمِ مَعَ عِلْمِهِ بِمَا هُمْ عَلَيْهِ. وَمَضَى عَلَى ذَلِكَ الصِّدِّيقُ ﵁ خَلْفَهُ، وَهُمْ إِنَّمَا بَذَلُوا الْجِزْيَةَ لِيُقَرُّوا عَلَى كُفْرِهِمْ، وَشِرْكِهِمُ الَّذِي هُوَ أَعْظَمُ مِنْ نِكَاحِ مَحَارِمِهِمْ، فَإِقْرَارُهُمْ كَإِقْرَارِ الْيَهُودِ عَلَى نِكَاحِ بَنَاتِ الْإِخْوَةِ، وَالْأَخَوَاتِ، وَعَلَى سَائِرِ أَنْكِحَتِهِمُ الْفَاسِدَةِ. وَالثَّانِيَةُ: لَا يُقَرُّونَ، فَإِنَّ أَحْمَدَ قَالَ فِي مَجُوسِيٍّ تَزَوَّجَ نَصْرَانِيَّةً، قَالَ: يُحَالُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا. قِيلَ: مَنْ يَحُولُ بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: الْإِمَامُ، ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ، ثُمَّ قَالَ: لِأَنَّ عَلَيْنَا ضَرَرًا فِي ذَلِكَ، يَعْنِي بِتَحْرِيمِ أَوْلَادِ النَّصْرَانِيَّةِ عَلَيْنَا. قَالَ: وَهَكَذَا يَجِيءُ عَلَى قَوْلِهِ فِي تَزْوِيجِ النَّصْرَانِيِّ الْمَجُوسِيَّةَ.

стр. 653

قَالَ فِي " الْمُغْنِي ": وَيَجِيءُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ أَنْ يُحَالَ بَيْنَهُمْ، وَبَيْنَ نِكَاحِ مَحَارِمِهِمْ، فَإِنَّ عُمَرَ ﵁ كَتَبَ " أَنْ فَرِّقُوا بَيْنَ كُلِّ ذِي رَحِمٍ مِنَ الْمَجُوسِيِّ "، وَقَالَ أَحْمَدُ فِي مَجُوسِيٍّ مَلَكَ أَمَةً نَصْرَانِيَّةً: يُحَالُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا، وَيُجْبَرُ عَلَى بَيْعِهَا؛ لِأَنَّ النَّصَارَى لَهُمْ دِينٌ فَإِنْ مَلَكَ نَصْرَانِيٌّ مَجُوسِيَّةً فَلَا بَأْسَ أَنْ يَطَأَهَا، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ [عَبْدُ الْعَزِيزِ] : لَا يَجُوزُ لَهُ وَطْؤُهَا أَيْضًا لِمَا ذَكَرْنَا مِنَ الضَّرَرِ. قُلْتُ: لَمْ يَمْنَعْ أَحْمَدُ مِنْ تَزَوُّجِ الْمَجُوسِيِّ بِالنَّصْرَانِيَّةِ لِمَا يَلْحَقْنَا مِنَ الضَّرَرِ بِتَحْرِيمِ ابْنَتِهَا عَلَيْنَا، وَلَا خَطَرَ هَذَا التَّعْلِيلُ بِبَالِ أَحْمَدَ! وَأَيُّ ضَرَرٍ عَلَيْنَا فِي تَرْكِ نِكَاحِ نِسَائِهِمْ بِالْكُلِّيَّةِ وَلَوْ كَانَ التَّسَبُّبُ إِلَى تَحْرِيمِ الْبِنْتِ ضَرَرًا عَلَيْنَا لَكَانَ فِي تَحْرِيمِ نِكَاحِ نِسَائِهِمْ مُطْلَقًا ضَرَرٌ وَلَا ضَرَرَ عَلَيْنَا بِحَمْدِ اللَّهِ مِنْ ذَلِكَ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ، وَإِنَّمَا مَأْخَذُ أَحْمَدَ أَنَّ دِينَ أَهْلِ الْكِتَابِ خَيْرٌ مِنْ دِينِ الْمَجُوسِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُمَكَّنَ الْمَجُوسِيُّ وَالْوَثَنِيُّ أَنْ يَعْلُوَ امْرَأَةً دِينُهَا خَيْرٌ مِنْهُ كَمَا لَا يُمَكَّنُ الذِّمِّيُّ مِنْ نِكَاحِ مُسْلِمَةٍ وَعَلَى هَذَا فَلَا يُمْنَعُ النَّصْرَانِيُّ مِنْ تَزْوِيجِ الْمَجُوسِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ أَعْلَى دِينًا مِنْهَا، وَإِنْ حَرُمَ عَلَيْنَا نَحْنُ نِكَاحُهَا، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ تَحْرِيمِهَا عَلَيْنَا تَحْرِيمُهَا عَلَى أَهْلِ الْكِتَابِ وَأَلَّا نُقِرَّهُمْ عَلَى نِكَاحِهَا كَمَا نُقِرُّهُمْ عَلَى أَكْلِ الْخِنْزِيرِ، وَشُرْبِ الْخَمْرِ. وَإِذَا أَقْرَرْنَا الْمَجُوسَ عَلَى نِكَاحِ ذَوَاتِ مَحَارِمِهِمْ فَإِقْرَارُ أَهْلِ الْكِتَابِ عَلَى مُنَاكَحَتِهِمْ أَوْلَى وَأَحْرَى.

стр. 654

وَلَا يَخْرُجُ مِنْ هَذَا النَّصِّ عَدَمُ إِقْرَارِ الْمَجُوسِ عَلَى نِكَاحِ ذَوَاتِ مَحَارِمِهِمْ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ مَأْخَذِهِ. وَكَذَلِكَ نَصُّهُ عَلَى مَجُوسِيٍّ مَلَكَ أَمَةً نَصْرَانِيَّةً يُحَالُ بَيْنَهُمَا، إِنَّمَا ذَلِكَ لِأَنَّ دِينَهَا أَعْلَى مِنْ دِينِهِ، وَقَدْ صَرَّحَ بِهَذَا التَّعْلِيلِ بِعَيْنِهِ، فَقَالَ: " لِأَنَّ النَّصَارَى لَهُمْ دِينٌ "، فَإِنْ كَانَ الْأَصْحَابُ إِنَّمَا أَخَذُوا هَذِهِ الرِّوَايَةَ مِنْ هَذَا النَّصِّ، فَلَيْسَتْ بِرِوَايَةٍ، وَالْمَسْأَلَةُ رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ، وَقَدْ تَأَمَّلْتُ نُصُوصَهُ فِي هَذَا الْبَابِ فِي " الْجَامِعِ " فَلَمْ أَجِدْ عَنْهُ نَصًّا بِأَنَّهُمْ لَا يُقَرُّونَ عَلَى نِكَاحِ ذَوَاتِ الْمَحَارِمِ. وَأَمَّا تَفْرِيقُ عُمَرَ ﵁ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ذَوَاتِ مَحَارِمِهِمْ فَاجْتِهَادٌ مِنْهُ ﵁ وَقَدْ أَقَرَّهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأُقِرُّوا زَمَنَ أَبِي بَكْرٍ ﵁ فَلَمَّا عَزَّ الْإِسْلَامُ، وَذَلَّ الْمَجُوسُ فِي عَهْدِ عُمَرَ ﵁ وَكَانُوا أَذَلَّ مَا كَانُوا، رَأَى أَنْ يُلْزِمَهُمْ بِتَرْكِ نِكَاحِ ذَوَاتِ الْمَحَارِمِ وَأَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُنَّ. وَعَلَى هَذَا، فَإِذَا قَوِيَتْ شَوْكَةُ قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَتَعَذَّرَ إِلْزَامُهُمْ بِأَحْكَامِ الْإِسْلَامِ أَقْرَرْنَاهُمْ وَمَا هُمْ عَلَيْهِ، فَإِذَا ذَلُّوا وَضَعُفَ أَمْرُهُمْ أَلْزَمْنَاهُمْ بِذَلِكَ، فَهَذَا لَهُ مَسَاغٌ. إِلَّا أَنَّهُ قَدْ يُقَالُ: فَقَدْ صَالَحَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ -

стр. 655

وَضَرَبَ عَلَيْهِمُ الْجِزْيَةَ، وَلَمْ يَشْتَرِطْ عَلَيْهِمُ التَّفْرِيقَ بَيْنَهُمْ، وَبَيْنَ ذَوَاتِ مَحَارِمِهِمْ، وَهُوَ لَا يُقِرُّ عَلَى مَا لَا يَسُوغُ الْإِقْرَارُ عَلَيْهِ، وَقَدْ يُجَابُ عَنْ ذَلِكَ: بِأَنَّهُ أَقَرَّهُمْ فِي ابْتِدَاءِ الْأَمْرِ، وَالْمُلْكُ فِيهِمْ، وَالشَّوْكَةُ لَهُمْ، وَبِلَادُ فَارِسَ وَمَا وَالَاهَا تَحْتَ قَهْرِهِمْ وَمُلْكِهِمْ، فَلَمَّا صَارَتْ مَمَالِكُهُمْ لِلْمُسْلِمِينَ، وَصَارُوا أَهْلَ ذِمَّةٍ مَنَعَهُمْ عُمَرُ ﵁ مِنْ ذَلِكَ، وَحَالَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ، وَهَذَا مِنْ أَحْسَنِ اجْتِهَادِهِ ﵁ وَأَقْوَاهُ، وَأَحَبِّهِ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَإِنَّ مِنْ أَعْظَمِ الْقَبَائِحِ الَّتِي يُبْغِضُهَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ نِكَاحَ الرَّجُلِ أُمَّهُ، وَابْنَتَهُ، وَعَمَّتَهُ، وَخَالَتَهُ، وَلَا رَيْبَ أَنَّ إِزَالَةَ هَذَا مِنَ الْوُجُودِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ مِنَ الْإِقْرَارِ عَلَيْهِ، وَيَكْفِينَا فِي ذَلِكَ النَّقْلُ الصَّحِيحُ عَمَّنْ ضَرَبَ اللَّهُ الْحَقَّ عَلَى لِسَانِهِ وَقَلْبِهِ، وَمَنْ كَانَتِ السَّكِينَةُ تَنْطِقُ عَلَى لِسَانِهِ، وَمَنْ وَافَقَ رَبَّهُ فِي غَيْرِ حُكْمٍ، وَمَنْ أَمَرَنَا نَبِيُّنَا ﷺ بِاتِّبَاعِ سُنَّتِهِ، وَهُوَ أَحَبُّ إِلَيْنَا مِنَ النَّقْلِ فِي ذَلِكَ عَنْ أَحْمَدَ، وَالشَّافِعِيِّ، وَمَالِكٍ، وَأَمْثَالِهِمْ مِنَ الْأَئِمَّةِ ﵃. [فَصْلٌ نَصْرَانِيٌّ تَزَوَّجَ يَهُودِيَّةً أَوِ الْعَكْسُ] ١٤٠ - فَصْلٌ [نَصْرَانِيٌّ تَزَوَّجَ يَهُودِيَّةً أَوِ الْعَكْسُ] . فَإِنْ قِيلَ: فَمَا تَقُولُونَ فِي نَصْرَانِيٍّ تَزَوَّجَ يَهُودِيَّةً أَوْ بِالْعَكْسِ، هَلْ

стр. 656

تُقِرُّونَهُمْ عَلَى ذَلِكَ أَمْ لَا؟ وَإِذَا فَعَلُوهُ فَمَا حُكْمُ هَذَا الْوَلَدِ؟ قِيلَ لَا يَخْلُو، إِمَّا أَنْ يَعْتَقِدُوا حِلَّ ذَلِكَ، أَوْ تَحْرِيمَهُ، فَإِنِ اعْتَقَدُوا حِلَّهُ جَازَ ذَلِكَ، وَلَمْ يُعْرَضْ لَهُمْ فِيهِ، وَإِنِ اعْتَقَدُوا تَحْرِيمَهُ لَمْ نُقِرَّهُمْ عَلَيْهِ، فَإِنَّا لَا نُقِرُّهُمْ عَلَى نِكَاحٍ يَعْتَقِدُونَ بُطْلَانَهُ، وَأَنَّهُ زَنًا. وَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ أَنَّهُ إِذَا تَزَوَّجَ الْمَجُوسِيُّ كِتَابِيَّةً يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا، وَأَطْلَقَ الْجَوَابَ، وَظَاهِرُهُ التَّفْرِيقُ، وَإِنْ لَمْ يَتَرَافَعُوا إِلَيْنَا. وَأَمَّا إِنْ تَزَوَّجَ الذِّمِّيُّ وَثَنِيَّةً أَوْ مَجُوسِيَّةً، فَهَلْ يُقَرُّ عَلَى ذَلِكَ؟ فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يُقَرُّ؛ لِأَنَّهُ أَعْلَى دِينًا مِنْهَا، فَيُقَرُّ عَلَى نِكَاحِهَا كَمَا يُقَرُّ الْمُسْلِمِ عَلَى نِكَاحِ الْكِتَابِيَّةِ. وَالثَّانِي: لَا يُقَرُّ، لِأَنَّهَا لَا يُقَرُّ الْمُسْلِمُ عَلَى نِكَاحِهَا، فَلَا يُقَرُّ الذِّمِّيُّ عَلَيْهِ. وَعِنْدِي أَنَّهُ إِنِ اعْتَقَدَ جَوَازَ هَذَا النِّكَاحِ أُقِرَّ عَلَيْهِ وَإِنِ اعْتَقَدَ تَحْرِيمَهُ لَمْ يُقَرَّ. فَإِنْ قِيلَ: فَإِنْ أَسْلَمُوا عَلَى ذَلِكَ فَهَلْ يَحْتَاجُ إِلَى تَجْدِيدِ النِّكَاحِ أَمْ يَسْتَمِرُّونَ عَلَيْهِ؟ قِيلَ: يُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: لَا بُدَّ مِنْ تَجْدِيدِ النِّكَاحِ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ لَمْ يَكُنْ نِكَاحًا يَعْتَقِدُونَ صِحَّتَهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ - وَهُوَ أَصَحُّ -: لَا يَحْتَاجُ إِلَى تَجْدِيدِ نِكَاحٍ، وَالْإِسْلَامُ صَحَّحَ ذَلِكَ النِّكَاحَ كَمَا يُصَحِّحُ الْأَنْكِحَةَ الْفَاسِدَةَ فِي حَالِ الْكُفْرِ إِذَا لَمْ يَكُنِ الْمُفْسِدُ قَائِمًا.

стр. 657

وَأَمَّا حُكْمُ الْوَلَدِ هَلْ يَتْبَعُ أَبَاهُ أَوْ أُمَّهُ، فَالْوَلَدُ يَتْبَعُ خَيْرَ أَبَوَيْهِ دِينًا، فَإِنْ نَكَحَ الْكِتَابِيُّ مَجُوسِيَّةً فَالْوَلَدُ كِتَابِيٌّ، وَإِنْ وَطِئَ مَجُوسِيٌّ كِتَابِيَّةً بِشُبْهَةٍ، فَالْوَلَدُ كِتَابِيٌّ أَيْضًا، وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا يَهُودِيًّا وَالْآخَرُ نَصْرَانِيًّا، فَالظَّاهِرُ أَنَّ الْوَلَدَ يَكُونُ نَصْرَانِيًّا، وَصَرَّحَ بِهِ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ، فَإِنَّ النَّصَارَى تُؤْمِنُ بِمُوسَى، وَالْمَسِيحِ، وَالْيَهُودَ تَكْفُرُ بِالْمَسِيحِ، فَالنَّصَارَى أَقْرَبُ إِلَى الْمُسْلِمِينَ، وَالْيَهُودُ خَيْرٌ مِنْ مُنْكِرِي النُّبُوَّاتِ، كُلَّمَا كَانَ إِيمَانُ الرَّجُلِ بِالنُّبُوَّاتِ أَكْثَرَ كَانَ خَيْرًا مِمَّنْ يُنْكِرُ مَا صَدَّقَ بِهِ. وَأَيْضًا فَإِنَّ الْيَهُودَ بَعْدَ مَبْعَثِ عِيسَى خَرَجُوا عَنْ شَرِيعَةِ مُوسَى، وَعِيسَى جَمِيعًا، فَإِنَّ شَرِيعَةَ مُوسَى مُوَقَّتَةٌ بِمَجِيءِ الْمَسِيحِ، فَكَانَ يَجِبُ عَلَيْهِمُ اتِّبَاعُهُ، وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾ [المائدة: ٨٢] ، وَلِذَلِكَ أَبْقَى اللَّهُ سُبْحَانَهُ لِلنَّصَارَى مَمْلَكَةً فِي الْعَالَمِ، وَسَلَبَ الْيَهُودَ مُلْكَهُمْ وَعِزَّهُمْ بِالْكُلِّيَّةِ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ.

стр. 658

١٤١ - فُصُولٌ فِي أَحْكَامِ مُهُورِهِمْ. قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: نَصَرَانِيٌّ تَزَوَّجَ نَصْرَانِيَّةً عَلَى قِلَّةٍ مِنْ خَمْرٍ، ثُمَّ أَسْلَمَا. قَالَ إِنْ دَخَلَ بِهَا فَهُوَ جَائِزٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ دَخَلَ بِهَا فَلَهَا صَدَاقُ مِثْلِهَا. وَقَالَ مُهَنَّا: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَنْ نَصْرَانِيٍّ تَزَوَّجَ نَصْرَانِيَّةً عَلَى خِنْزِيرٍ، أَوْ عَلَى دَنِّ خَمْرٍ، ثُمَّ أَسْلَمَا، فَحَدَّثَنِي عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، أَنَّهُ قَالَ لِعَطَاءٍ: أَبَلَغَكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «أَقَرَّ أَهْلَ الْجَاهِلِيَّةِ عَلَى مَا أَسْلَمُوا عَلَيْهِ مِنْ نِكَاحٍ، أَوْ طَلَاقٍ» ؟ فَقَالَ: مَا بَلَغَنَا إِلَّا ذَلِكَ. فَسَأَلْتُهُ: مَا قَوْلُهُ؟ نِكَاحٌ، أَوْ طَلَاقٌ؟ قَالَ: يُقَرُّونَ عَلَى نِكَاحِهِمْ، وَجَوَّزَ طَلَاقَهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ.

стр. 659

وَقَالَ الْخِرَقِيُّ: وَمَا سَمَّى لَهَا، وَهُمَا كَافِرَانِ فَقَبَضَتْهُ ثُمَّ أَسْلَمَا، وَإِنْ كَانَتْ حَرَامًا فَلَيْسَ لَهَا غَيْرُهُ، وَلَوْ لَمْ تَقْبِضْهُ، وَهُوَ حَرَامٌ فَلَهَا عَلَيْهِ مَهْرُ مِثْلِهَا أَوْ نِصْفُهُ حَيْثُ وَجَبَ ذَلِكَ. وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ هُوَ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَسِيرَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابِهِ فِي الْكُفَّارِ فِي هَذَا وَفِيمَا هُوَ أَعَمُّ مِنْهُ مِنْ عُقُودِهِمْ وَمُعَامَلَاتِهِمْ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٧٨] فَأَمَرَ تَعَالَى بِتَرْكِ مَا بَقِيَ دُونَ مَا قُبِضَ. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٧٥] ، وَقَدْ أَسْلَمَ الْخَلْقُ الْعَظِيمُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَخُلَفَائِهِ، وَأَصْحَابِهِ، فَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ فِي صَدَاقٍ أَصْدَقَهُ فِي حَالِ الْكُفْرِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُفْسِدُ مُقَارِنًا لِلْإِسْلَامِ كَنِكَاحِ أَكْثَرَ

стр. 660

مِنْ أَرْبَعٍ، وَنِكَاحِ الْأُخْتَيْنِ، وَكَذَلِكَ مَا مَضَى مِنْ بِيَاعَاتِهِمْ وَسَائِرِ عُقُودِهِمْ، وَمَوَارِيثِهِمْ، وَهَذَا مَعْلُومٌ بِالِاضْطِرَارِ مِنْ دِينِهِ وَسِيرَتِهِ. فَإِنْ لَمْ يَتَقَابَضَا، ثُمَّ أَسْلَمَا، أَوْ تَرَافَعَا إِلَيْنَا، فَإِنْ كَانَ الْمُسَمَّى صَحِيحًا حَكَمْنَا لَهَا بِهِ، أَوْ بِنِصْفِهِ حَيْثُ يَتَنَصَّفُ، وَإِنْ كَانَ حَرَامًا كَالْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ بَطَلَتْ تَسْمِيَتُهُ، وَلَمْ نَحْكُمْ بِهِ. ثُمَّ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ: بِمَاذَا نَحْكُمُ لَهَا بِهِ؟ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَأَصْحَابُهُمَا: لَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ أَوْ نِصْفُهُ؛ لِأَنَّ التَّسْمِيَةَ بَطَلَتْ بِالْإِسْلَامِ، فَصَارَتْ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ، فَتَعَيَّنَ الْمَصِيرُ إِلَى مَهْرِ الْمِثْلِ كَالتَّعْوِيضِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إِنْ كَانَ صَدَاقُهَا خَمْرًا، أَوْ خِنْزِيرًا مُعَيَّنَيْنِ فَلَيْسَ لَهَا إِلَّا ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَا غَيْرَ مُعَيَّنَيْنِ، فَلَهَا فِي الْخَمْرِ الْقِيمَةُ، وَفِي الْخِنْزِيرِ مَهْرُ الْمِثْلِ اسْتِحْسَانًا، قَالُوا: لِأَنَّ الْمِلْكَ فِي ذَلِكَ ثَابِتٌ فِي حَالِ الْكُفْرِ، وَمَعْنَى " الْيَدِ " - وَهُوَ التَّصَرُّفُ - ثَابِتٌ أَيْضًا، وَالْمُتَخَلِّفُ بِالْإِسْلَامِ صُورَةُ الْيَدِ، وَالْمُسْلِمُ غَيْرُ مَمْنُوعٍ مِنْ إِثْبَاتِ الْيَدِ صُورَةً، وَالَّذِي يَمْتَنِعُ إِثْبَاتُ الْيَدِ الصُّورِيَّةِ. وَأَيْضًا فَإِذَا عَيَّنَا خَمْرًا، أَوْ خِنْزِيرًا أُجْرِيَ تَعْيِينُهُ مَجْرَى قَبْضِهِ لِتَمَكُّنِهَا بِالْمُطَالَبَةِ مَتَى شَاءَتْ، وَلِإِقْرَارِنَا لَهُمْ عَلَى تَعْيِينِهِ، وَالتَّعَاقُدِ عَلَيْهِ. وَسِرُّ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ لَهَا حَقَّ الْقَبْضِ فِي الْعَيْنِ، وَأَمَّا إِذَا لَمْ تُعَيِّنْ فَلَيْسَ لَهَا حَقُّ الْقَبْضِ. ثُمَّ اخْتَلَفَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ، فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَجِبُ فِي الْخَمْرِ الْقِيمَةُ، وَفِي الْخِنْزِيرِ مَهْرُ الْمِثْلِ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ فِيهِمَا، وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَهَا الْقِيمَةُ فِيهِمَا.

стр. 661

وَوَجْهُ قَوْلِ مُحَمَّدٍ: أَنَّ التَّسْمِيَةَ صَحَّتْ فِي الْعَقْدِ، وَصِحَّةُ التَّسْمِيَةِ تَمْنَعُ الْمَصِيرَ إِلَى مَهْرِ الْمِثْلِ، لَكِنْ تَعَذَّرَ الْقَبْضُ بِالْإِسْلَامِ فَصَارَ كَمَا لَوْ تَعَذَّرَ بِالْهَلَاكِ، فَوَجَبَتِ الْقِيمَةُ. وَأَبُو يُوسُفَ يَقُولُ: لَوْ تَعَذَّرَ الْقَبْضُ كَانَ الْفَسَادُ فِي حَقِّ الْقَبْضِ بِمَنْزِلَةِ الْفَسَادِ فِي حَقِّ الْعَقْدِ، فَوَجَبَ مَهْرُ الْمِثْلِ. وَأَبُو حَنِيفَةَ يَقُولُ: الْأَصْلُ صِحَّةُ التَّسْمِيَةِ، وَهِيَ تَمْنَعُ الْمَصِيرَ إِلَى مَهْرِ الْمِثْلِ، إِلَّا أَنَّا اسْتَقْبَحْنَا فِي الْخِنْزِيرِ إِيجَابَ قِيمَتِهِ، فَأَوْجَبْنَا مَهْرَ الْمِثْلِ؛ لِأَنَّ الْقِيمَةَ كَانَتْ وَاجِبَةً قَبْلَ الْإِسْلَامِ أَصْلًا فِي حَقِّ التَّسْلِيمِ لَا خَلَفًا، فَإِنَّ الْقُدْرَةَ عَلَى الْأَصْلِ تَمْنَعُ الْمَصِيرَ إِلَى الْخَلْفِ، وَلَوْ جَاءَهَا بِالْقِيمَةِ هَاهُنَا أُجْبِرَتْ عَلَى الْقَبُولِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْخِنْزِيرِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهَا وَجَبَتْ أَصْلًا، فَلَا يُمْكِنُ إِيجَابُهَا بَعْدَ الْإِسْلَامِ خَلَفًا، وَلَا يُمْكِنُ الْإِيجَابُ عَلَى مَا كَانَ قَبْلَ الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا وَجَبَ قَبْلَهُ ضِمْنًا لِوُجُوبِ تَسْلِيمِ الْخِنْزِيرِ، وَقَدْ سَقَطَ وُجُوبُ التَّسْلِيمِ بِالْإِسْلَامِ. وَمَنْ أَوْجَبَ مَهْرَ الْمِثْلِ فِي هَذِهِ الْمُقَدِّمَاتِ، أَوْ فِي بَعْضِهَا يَقُولُ: الْخَمْرُ لَا قِيمَةَ لَهُ فِي الْإِسْلَامِ، فَهُوَ كَالْخِنْزِيرِ، فَصَارَ وُجُودُ تَسْمِيَتِهِ كَعَدَمِهَا، فَقَدْ خَلَا النِّكَاحُ مِنَ التَّسْمِيَةِ الْمُعْتَبَرَةِ شَرْعًا، فَيَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ. قَالُوا: وَلَيْسَ فِي شَرِيعَةِ الْإِسْلَامِ لِلْخَمْرِ قِيمَةٌ حَتَّى نَعْتَبِرَهَا هَاهُنَا، وَإِنَّمَا يُقَوِّمُهُ الْكُفَّارُ، وَنَحْنُ لَا نَعْتَبِرُ قِيمَتَهُ عِنْدَهُمْ، وَلَيْسَ لَهُ عِنْدَنَا قِيمَةٌ أَلْبَتَّةَ. وَيُقَوِّي قَوْلَ مُحَمَّدٍ أَنَّهَا قَدْ رَضِيَتْ بِإِخْرَاجِ بُضْعِهَا عَلَى هَذَا الْمُسَمَّى، وَالزَّوْجُ إِنَّمَا دَخَلَ عَلَى ذَلِكَ، فَلَا يَلْزَمُهُ أَكْثَرُ مِنْهُ، وَلَمْ يَلْزَمْهُ، وَلَا أَلْزَمَهُ بِهِ الشَّارِعُ، وَكَوْنُ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ لَا قِيمَةَ لَهُ عِنْدَنَا لَا يَمْنَعُ مِنِ اعْتِبَارِ قِيمَتِهِ

стр. 662

وَقْتَ الْعَقْدِ، فَإِنَّهَا رَضِيَتْ بِمَالِيَّتِهِ، وَانْحِصَارِ الْمَالِيَّةِ فِي هَذَا الْجِنْسِ، فَإِذَا فَاتَ مَا انْحَصَرَتْ فِيهِ الْمَالِيَّةُ بِالْإِسْلَامِ صِرْنَا إِلَى قِيمَتِهِ وَقْتَ الْعَقْدِ كَمَا لَوْ عُدِمَ ذَلِكَ الْجِنْسُ، وَلَا مَحْذُورَ فِي تَقْوِيمِ ذَلِكَ لِتَعْيِينِ مِقْدَارِ الْوَاجِبِ لِلضَّرُورَةِ كَمَا تُقَوِّمُ الْحُرَّ عَبْدًا فِي " بَابِ الْأَرْشِ " لِتَعْيِينِ مِقْدَارِ الْوَاجِبِ. يُوَضِّحُهُ أَنَّ الْمُسَمَّى حَالَ الْعَقْدِ كَانَ مَالًا بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِمْ، فَكَانَ مُتَقَوِّمًا بِالنِّسْبَةِ إِلَى هَذَا الْعَقْدِ وَالْمُتَعَاقِدِينَ، وَبِالْإِسْلَامِ فَاتَتْ مَالِيَّتُهُ، فَتَعَيَّنَتْ قِيمَتُهُ حِينَ الْعَقْدِ، وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الَّذِي نَخْتَارُهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. [فَصْلٌ قَبْضُ بَعْضِ الْمَهْرِ وَوُجُوبُ مَهْرِ الْمِثْلِ فِيمَا بَقِيَ كَيْفَ يَكُونُ] ١٤٢ - فَصْلٌ [قَبْضُ بَعْضِ الْمَهْرِ، وَوُجُوبُ مَهْرِ الْمِثْلِ فِيمَا بَقِيَ كَيْفَ يَكُونُ؟] . فَإِنْ قَبَضَتْ مِنَ الْمَهْرِ بَعْضَهُ وَبَقِيَ بَعْضُهُ سَقَطَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَا قُبِضَ، وَوَجَبَ بِحِصَّةِ مَا بَقِيَ مِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ أَوْ مِنَ الْقِيمَةِ عَلَى الْخِلَافِ، فَإِنْ أَصْدَقَهَا عَشَرَةَ زِقَاقِ خَمْرٍ مُتَسَاوِيَةً، فَقَبَضَتْ خَمْسَةً، وَجَبَ نِصْفُ مَهْرِ الْمِثْلِ أَوْ قِيمَةُ الْخَمْسَةِ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ. فَإِنْ كَانَ بَعْضُهَا أَكْبَرَ مِنْ بَعْضٍ فَفِيهِ وَجْهَانِ لِلْقَائِلِينَ بِمَهْرِ الْمِثْلِ: أَحَدُهُمَا: يُعْتَبَرُ الْمَقْبُوضُ، وَالْبَاقِي بِالْكَيْلِ. وَالثَّانِي: يُعْتَبَرُ الْعَدَدُ لِأَنَّهُ لَا قِيمَةَ لَهَا فَاسْتَوَى كِبَرُهَا وَصِغَرُهَا. وَهَذَا فَاسِدٌ، فَإِنَّهُ إِذَا أَصْدَقَهَا زِقًّا كَبِيرًا، وَآخَرَ صَغِيرًا، فَقَبَضَتِ الْكَبِيرَ لَمْ يَكُنِ الصَّغِيرُ نِصْفَ الْمَهْرِ، كَمَا لَوْ أَصْدَقَهَا زِقًّا فَقَبَضَتْ أَرْبَعَةَ أَخْمَاسِهِ وَبَقِيَ خُمْسُهُ.

стр. 663

وَكَذَلِكَ الْوَجْهَانِ: فِيمَا لَوْ أَصْدَقَهَا عَشَرَةَ خَنَازِيرَ بَعْضُهَا شَرٌّ مِنْ بَعْضٍ، فَقَبَضَتْ مَا خَيْرُهُ دُونَهُ وَأَخَسُّ مِنْهُ. فَإِنْ أَصْدَقَهَا كَلْبًا، وَخِنْزِيرَيْنِ، وَثَلَاثَةَ زِقَاقِ خَمْرٍ فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ لِأَصْحَابِ أَحْمَدَ وَالشَّافِعِيِّ: أَحَدُهَا: يُقَسَّمُ عَلَى قَدْرِ قِيمَتِهَا عِنْدَهُمْ. وَالثَّانِي: يُقَسَّمُ عَلَى عَدَدِ الْأَجْنَاسِ، فَيُجْعَلُ لِكُلِّ جِنْسٍ ثُلُثُ الْمَهْرِ، فَلِلْكَلْبِ ثُلُثُهُ، وَلِلْخَمْرِ ثُلُثُهُ. وَالثَّالِثُ: يُقَسَّمُ عَلَى الْعَدَدِ كُلِّهِ: فَلِلْكَلْبِ سُدُسُ الْمَهْرِ، وَلِلْخِنْزِيرِ ثُلُثُهُ، وَلِلْخَمْرِ نِصْفُهُ. [فَصْلٌ التَّحَاكُمُ إِلَيْنَا فِي أَنْكِحَةٍ لَا يُقَرُّونَ عَلَيْهَا قَبْلَ الدُّخُولِ] ١٤٣ - فَصْلٌ [التَّحَاكُمُ إِلَيْنَا فِي أَنْكِحَةٍ لَا يُقَرُّونَ عَلَيْهَا قَبْلَ الدُّخُولِ] . فَإِنْ نَكَحَهَا نِكَاحًا لَا يُقَرُّونَ عَلَيْهِ إِذَا أَسْلَمُوا، كَنِكَاحِ ذَوَاتِ الْمَحَارِمِ، فَأَسْلَمَا قَبْلَ الدُّخُولِ، وَتَرَافَعَا إِلَيْنَا، فُرِّقَ بَيْنَهُمَا وَلَا مَهْرَ لَهَا، وَإِنْ دَخَلَ بِهَا فَهَلْ يَقْضِي لَهَا بِالْمَهْرِ؟ فَهُوَ عَلَى الْخِلَافِ فِيمَنْ وَطِئَ ذَاتَ مَحْرَمَةٍ بِشُبْهَةٍ، وَفِيهِ عَنْ أَحْمَدَ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ: إِحْدَاهُنَّ: لَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ؛ لِأَنَّهُ اسْتَوْفَى مِنْهَا مَا يُقَابِلُهُ. وَالثَّانِيَةُ: لَا مَهْرَ لَهَا؛ لِأَنَّ تَحْرِيمَهَا تَحْرِيمٌ أَصْلِيٌّ لَا يَزُولُ بِحَالٍ، فَلَمْ يُوجِبْ وَطْؤُهَا مَهْرًا، كَاللِّوَاطِ. وَالثَّالِثَةُ: يَجِبُ لِمَنْ تَحِلُّ ابْنَتُهَا كَالْعَمَّةِ، وَالْخَالَةِ، وَلَا يَجِبُ لِمَنْ تَحْرُمُ

стр. 664

ابْنَتُهَا كَالْأُمِّ، وَالْأُخْتِ لِغِلَظِ التَّحْرِيمِ فِي هَذِهِ وَخِفَّتِهِ فِي تِلْكَ، وَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرِ بْنِ صَدَقَةَ، فِي الْمَجُوسِيَّةِ تَكُونُ تَحْتَ أَخِيهَا، أَوْ أَبِيهَا فَيُطَلِّقُهَا، أَوْ يَمُوتُ عَنْهَا، فَتَرْتَفِعُ إِلَى الْمُسْلِمِينَ تَطْلُبُ مَهْرَهَا: أَنَّهُ لَا مَهْرَ لَهَا، وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ مَا قَبْلَ الدُّخُولِ وَبَعْدَهُ بَلْ صَرَّحَ بِسُقُوطِ الْمَهْرِ فِي الْحَالَةِ الَّتِي يَكْمُلُ بِهَا وَهُوَ الْمَوْتُ. وَكَذَلِكَ نَصَّ فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ بْنِ هِشَامٍ فِي الْمَجُوسِيَّةِ تَكُونُ تَحْتَ أَخِيهَا، أَوْ أَبِيهَا، فَتَمُوتُ أَوْ يُطَلِّقُهَا، فَلَا صَدَاقَ لَهَا. [فَصْلٌ نِكَاحُ الذِّمِّيِّ الذِّمِّيَّةَ بِلَا صَدَاقٍ] ١٤٤ - فَصْلٌ [نِكَاحُ الذِّمِّيِّ الذِّمِّيَّةَ بِلَا صَدَاقٍ] . فَإِنْ تَزَوَّجَ ذِمِّيٌّ ذِمِّيَّةً عَلَى أَنْ لَا صَدَاقَ لَهَا، أَوْ سَكَتَ عَنْ ذِكْرِهِ، فَلَهَا الْمُطَالَبَةُ بِعِوَضِهِ إِنْ كَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ فَلَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ كَمَا فِي نِكَاحِ الْمُسْلِمِينَ: هَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إِنْ تَزَوَّجَهَا عَلَى أَنْ لَا مَهْرَ لَهَا فَلَا شَيْءَ لَهَا، وَإِنْ سَكَتَ عَنْ ذِكْرِهِ فَعَنْهُ رِوَايَتَانِ:

стр. 665

إِحْدَاهُمَا: لَا مَهْرَ لَهَا. وَالْأُخْرَى: لَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ. قَالَ مَنْ رَجَّحَ هَذَا الْقَوْلَ: الْمَهْرُ وَجَبَ فِي النِّكَاحِ لِحَقِّ اللَّهِ، وَلِهَذَا لَوْ أَسْقَطَاهُ، وَتَعَاقَدَا عَلَى أَنْ لَا مَهْرَ لَهَا لَمْ يَسْقُطْ، وَالذِّمِّيُّ لَا يُطَالَبُ بِحُقُوقِ اللَّهِ مِنْ زَكَاةٍ، وَلَا حَجٍّ، وَلَا غَيْرِ ذَلِكَ. وَأَيْضًا فَنَحْنُ نُقِرُّهُمْ عَلَى أَنْكِحَتِهِمْ مَا لَمْ يَكُنِ الْمُفْسِدُ مُقَارِنًا لِلْإِسْلَامِ، فِي حَالَةِ التَّرَافُعِ إِلَيْنَا، وَعَدَمُ ثُبُوتِ الْمَهْرِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لَا يَقْتَضِي فَرْضُهُ فِيهَا، وَمَا قَبْلَ ذَلِكَ لَا يَتَعَرَّضُ لَهُمْ فِيهِ، وَهَذَا قَوْلٌ قَوِيٌّ جِدًّا. [فَصْلٌ فِي ضَابِطِ مَا يَصِحُّ مِنْ أَنْكِحَتِهِمْ وَمَا لَا يَصِحُّ] إِذَا ارْتَفَعُوا إِلَى الْحَاكِمِ فِي ابْتِدَاءِ الْعَقْدِ لَمْ نُزَوِّجْهُمْ إِلَّا بِشُرُوطِ نِكَاحِ الْإِسْلَامِ لِقَوْلِهِ : ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ [المائدة: ٤٢] ، وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [المائدة: ٤٩] . وَإِنْ أَسْلَمُوا وَتَرَافَعُوا إِلَيْنَا بَعْدَ الْعَقْدِ لَمْ نَنْظُرْ إِلَى الْحَالِ الَّتِي وَقَعَ الْعَقْدُ عَلَيْهَا وَلَمْ نَسْأَلْهُمْ عَنْهَا، وَنَظَرْنَا إِلَى الْحَالِ الَّتِي أَسْلَمُوا أَوْ تَرَافَعُوا فِيهَا، فَإِنْ كَانَتِ الْمَرْأَةُ مِمَّنْ يَجُوزُ عَقْدُ النِّكَاحِ عَلَيْهَا الْآنَ أَقْرَرْنَاهُمَا، وَإِنْ كَانَتْ مِمَّنْ لَا يَجُوزُ ابْتِدَاءُ نِكَاحِهَا فُرِّقَ بَيْنَهُمَا.

стр. 666

وَعَنْ أَحْمَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّا نَنْظُرُ فِي الْمُفْسِدِ، فَإِنْ كَانَ مُؤَبَّدًا أَوْ مُجْمَعًا عَلَى تَحْرِيمِهِ لَمْ نُقِرَّهُمْ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُؤَبَّدًا، وَلَا مُجْمَعًا عَلَى تَحْرِيمِهِ أَقْرَرْنَاهُمْ، فَإِذَا أَسْلَمَا، وَالْمَرْأَةُ بِنْتُهُ مِنْ رَضَاعٍ، أَوْ زِنًا، أَوْ هِيَ فِي عِدَّةٍ مِنْ مُسْلِمِ مُتَقَدِّمَةٍ عَلَى الْعَقْدِ فُرِّقَ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ تَحْرِيمَ الرَّضَاعِ مُؤَبَّدٌ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ، وَتَحْرِيمَ ابْنَتِهِ مِنَ الزِّنَا - وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُجْمَعًا عَلَيْهِ - فَهُوَ مُؤَبَّدٌ وَالْمُعْتَدَّةُ مِنْ مُسْلِمٍ تَحْرِيمُهَا - وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُؤَبَّدًا - فَهُوَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ. وَإِنْ كَانَتِ الْعِدَّةُ مِنْ كَافِرٍ فَرِوَايَتَانِ مَنْصُوصَتَانِ عَنْ أَحْمَدَ: مَأْخَذُ الْإِقْرَارِ أَنَّ الْمُفْسِدَ غَيْرُ مُؤَبَّدٍ وَلَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ، فَإِنَّ مَنْ لَا يَرَى صِحَّةَ نِكَاحِ الْكُفَّارِ لَا يُوجِبُ عَلَى مَنْ تُوُفِّيَ زَوْجُهَا الْكَافِرُ عِدَّةَ الْوَفَاةِ. وَإِنْ كَانَتِ الزَّوْجَةُ حُبْلَى قَبْلَ الْعَقْدِ، أَوْ قَدْ شَرَطَ فِيهِ الْخِيَارَ مُطْلَقًا، أَوْ إِلَى مُدَّةٍ هُمَا فِيهَا فَوَجْهَانِ. أَحَدُهُمَا: لَا يُقَرُّ عَلَيْهِ لِقِيَامِ الْمُفْسِدِ لَهُ. وَالثَّانِي: يُقَرُّ؛ لِأَنَّ الْمُفْسِدَ غَيْرُ مُجْمَعٍ عَلَيْهِ، فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَرَى جَوَازَ نِكَاحِ الْحُبْلَى مِنَ الزِّنَا، وَمِنْهُمْ مَنْ يَرَى صِحَّةَ النِّكَاحِ الْمَشْرُوطِ فِيهِ الْخِيَارُ كَمَا هِيَ إِحْدَى الرِّوَايَاتِ عَنْ أَحْمَدَ، بَلْ أَنَصُّهَا كَمَا تَقَدَّمَ. وَإِنْ أَسْلَمَا وَكَانَ الْعَقْدُ بِلَا وَلِيٍّ أَوْ بِلَا شُهُودٍ، أَوْ فِي عِدَّةٍ قَدِ انْقَضَتْ، أَوْ عَلَى أُخْتٍ وَقَدْ مَاتَتْ، أُقِرَّا عَلَيْهِ لِعَدَمِ مُقَارَنَةِ الْمُفْسِدِ لِلْإِسْلَامِ، وَحُكْمُ حَالَةِ التَّرَافُعِ إِلَى الْحَاكِمِ حُكْمُ حَالَةِ الْإِسْلَامِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ. قَالَ مُهَنَّا: سَأَلْتُ أَحْمَدَ عَنْ يَهُودِيٍّ، أَوْ نَصْرَانِيٍّ، أَوْ مَجُوسِيٍّ تَزَوَّجَ بِغَيْرِ شُهُودٍ؟ قَالَ: هُوَ كَذَلِكَ، يُقَرُّونَ عَلَى مَا أَسْلَمُوا عَلَيْهِ.

стр. 667

قُلْتُ: فَإِنَّهُ تَزَوَّجَ امْرَأَةً فِي عِدَّتِهَا ثُمَّ أَسْلَمَا، أَيُقَرَّانِ عَلَى ذَلِكَ؟ قَالَ: نَعَمْ، يُقَرَّانِ عَلَى ذَلِكَ الْيَهُودِيُّ وَالنَّصْرَانِيُّ إِذَا تَزَوَّجَ امْرَأَةً فِي عِدَّتِهَا ثُمَّ أَسْلَمَا جَمِيعًا يُقَرَّانِ عَلَى نِكَاحِهِمَا. قُلْتُ لِأَحْمَدَ: بَلَغَكَ فِي هَذَا شَيْءٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: قُلْتُ لِعَطَاءٍ: بَلَغَكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَقَرَّ أَهْلَ الْجَاهِلِيَّةِ عَلَى مَا أَسْلَمُوا عَلَيْهِ؟ قَالَ مَا بَلَغَنَا إِلَّا ذَلِكَ. قَالَ مُهَنَّا: وَسَأَلْتُ أَحْمَدَ عَنْ حَرْبِيٍّ تَزَوَّجَ حَرْبِيَّةً بِغَيْرِ شُهُودٍ، ثُمَّ أَسْلَمَا؟ قَالَ: نَعَمْ، يُقَرَّانِ عَلَى مَا أَسْلَمَا عَلَيْهِ، مَنْ أَسْلَمَ عَلَى شَيْءٍ أُقِرَّ عَلَيْهِ، قُلْتُ لِأَحْمَدَ: حَرْبِيٌّ تَزَوَّجَ حَرْبِيَّةً فِي عِدَّتِهَا مِنْ طَلَاقٍ، أَوْ وَفَاةٍ بِغَيْرِ شُهُودٍ، ثُمَّ أَسْلَمَا؟ قَالَ: هُمَا عَلَى نِكَاحِهِمَا، مَنْ أَسْلَمَ عَلَى شَيْءٍ فَهُوَ عَلَيْهِ. قَالَ الْخَلَّالُ: أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَقَرَّ النَّاسَ عَلَى مَا أَسْلَمُوا عَلَيْهِ مِنْ طَلَاقٍ، أَوْ نِكَاحٍ، أَوْ مِيرَاثٍ تَوَارَثُوا عَلَيْهِ» . قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِعَطَاءٍ، فَقَالَ: مَا بَلَغَنَا إِلَّا ذَلِكَ.

стр. 668

[فَصْلٌ فِي الْكَافِرِ يَكُونُ وَلِيًّا لِوَلِيَّتِهِ الْكَافِرَةِ دُونَ الْمُسْلِمَةِ] قَالَ تَعَالَى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١] ، وَقَالَ: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٣] . قَالَ حَنْبَلٌ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: " لَا يُزَوَّجُ النَّصْرَانِيُّ، وَلَا الْيَهُودِيُّ، وَلَا يَكُونُ النَّصْرَانِيُّ وَالْيَهُودِيُّ وَلِيًّا ". قَالَ: وَسَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: " لَا يَعْقِدُ نَصْرَانِيٌّ، وَلَا يَهُودِيٌّ عُقْدَةَ نِكَاحٍ لِمُسْلِمٍ، وَلَا مُسْلِمَةٍ، وَلَا يَكُونَانِ وَلِيَّيْنِ، وَلَا يَكُونُ إِلَّا مُسْلِمًا ". وَقَالَ فِي رِوَايَةِ الْمَيْمُونِيِّ، وَقَدْ سَأَلَهُ رَجُلٌ عَنِ النَّصْرَانِيِّ يَكُونُ وَلِيًّا إِذَا كَانَتِ ابْنَتُهُ مُسْلِمَةً؟ قَالَ: السُّلْطَانُ أَوْلَى.

стр. 669

وَقَالَ مُهَنَّا: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَنْ نَصْرَانِيٍّ، أَوْ يَهُودِيٍّ أَسْلَمَتِ ابْنَتُهُ أَيُزَوِّجُهَا أَبُوهَا، وَهُوَ نَصْرَانِيٌّ، أَوْ يَهُودِيٌّ؟ قَالَ: لَا يُزَوِّجُهَا إِذَا كَانَ نَصْرَانِيًّا، أَوْ يَهُودِيًّا، فَقُلْتُ لَهُ: فَإِنْ زَوَّجَهَا؟ قَالَ: لَا يَجُوزُ النِّكَاحُ، يَعْنِي يُرَدُّ النِّكَاحُ. قُلْتُ: فَعَلَ، وَأَذِنَتِ الِابْنَةُ؟ قَالَ: يُعِيدُ النِّكَاحَ. قُلْتُ: يُسَافِرُ مَعَهَا؟ قَالَ: لَا يُسَافِرُ مَعَهَا، ثُمَّ قَالَ لِي أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: لَيْسَ هُوَ بِمَحْرَمٍ! قَالَ الْخَلَّالُ: وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: قُلْتُ لَا يُسَافِرُ مَعَهَا؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَهُوَ الصَّوَابُ وَبَيَّنَهَا مُهَنَّا مَرَّةً فِي قَوْلِهِ: لَا، قُلْتُ: فَكَيْفَ يُسَافِرُ مَعَهَا، وَيَقُولُ: يُعِيدُ النِّكَاحَ إِذَا أَنْكَحَهَا بِأَمْرِهَا؟ قَالَ: نَعَمْ، هُوَ يُعِيدُ نِكَاحَهَا إِذَا أَنْكَحَهَا. قُلْتُ: فَإِنْ كَانَتْ مُسْلِمَةً وَأَبُوهَا نَصْرَانِيٌّ وَهِيَ مُحْتَاجَةٌ يُجْبَرُ أَبُوهَا عَلَى النَّفَقَةِ عَلَيْهَا؟ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ فِي هَذَا شَيْئًا. قُلْتُ لَهُ: فَإِنَّ قَوْمًا يَقُولُونَ: لَا يُجْبَرُ عَلَى النَّفَقَةِ عَلَيْهَا، فَكَيْفَ تَقُولُ أَنْتَ؟ قَالَ: يُعْجِبُنِي أَنْ يُنْفِقَ عَلَيْهَا، فَقُلْتُ لَهُ: يُجْبَرُ؟ فَقَالَ: يُعْجِبُنِي، وَلَمْ يَقُلْ: يُجْبَرُ. وَقَدْ تَضَمَّنَ هَذَا النَّصُّ ثَلَاثَةَ أُمُورٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ الْكَافِرَ لَا يَصِحُّ أَنْ يُزَوِّجَ وَلِيَّتَهُ الْمُسْلِمَةَ.

стр. 670

وَالثَّانِي: أَنَّهُ يَكُونُ مَحْرَمًا. وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ لَا يُجْبَرُ عَلَى النَّفَقَةِ مَعَ اخْتِلَافِ الدِّينِ، وَسَنَذْكُرُ الْكَلَامَ فِي هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ عَنْ قُرْبٍ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. قَالَ حَنْبَلٌ: حَدَّثَنَا شُرَيْحُ بْنُ النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي وَحْشِيَّةَ أَنَّ هَانِئَ بْنَ قَبِيصَةَ زَوَّجَ ابْنَتَهُ مِنْ عُرْوَةَ الْبَارِقِيِّ عَلَى أَرْبَعِينَ أَلْفًا، وَهُوَ نَصْرَانِيٌّ، فَأَتَاهَا الْقَعْقَاعُ بْنُ سُورٍ، فَقَالَ: إِنَّ أَبَاكِ زَوَّجَكِ وَهُوَ نَصْرَانِيٌّ لَا يَجُوزُ نِكَاحُهُ، زَوِّجِينِي نَفْسَكِ، فَتَزَوَّجَهَا عَلَى ثَمَانِينَ أَلْفًا، فَأَتَى عُرْوَةُ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ﵁ فَقَالَ: إِنَّ الْقَعْقَاعَ تَزَوَّجَ بِامْرَأَتِي، فَقَالَ: لَئِنْ كُنْتَ تَزَوَّجْتَ امْرَأَتَهُ لَأَرْجُمَنَّكَ. فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ أَبَاهَا زَوَّجَهَا، وَهُوَ نَصْرَانِيٌّ لَا يَجُوزُ نِكَاحُهُ. قَالَ: فَمَنْ زَوَّجَكَ؟ قَالَ: هِيَ زَوَّجَتْنِي نَفْسَهَا، فَأَجَازَ نِكَاحَهَا، وَأَبْطَلَ نِكَاحَ الْأَبِ، وَقَالَ لِعُرْوَةَ: خُذْ صَدَاقَكَ مِنْ أَبِيهَا. قَالَ حَنْبَلٌ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: إِنَّمَا جُعِلَ الْأَمْرُ إِلَيْهَا لِأَنَّ الْأَبَ نَصْرَانِيٌّ لَا يَجُوزُ حُكْمُهُ فِيهَا، فَرُدَّ الْأَمْرُ إِلَيْهَا، وَلَا بُدَّ أَنْ يُجَدَّدَ هَذَا النِّكَاحُ الْأَخِيرُ إِذَا رَضِيَتْ، وَإِنَّمَا صُيِّرَ لَهَا الْأَمْرُ بِالرِّضَا، وَلَا يَجُوزُ أَنْ تُزَوِّجَ نَفْسَهَا إِلَّا بِوَلِيٍّ. وَعَلِيٌّ حِينَئِذٍ السُّلْطَانُ، فَأَجَازَ ذَلِكَ وَلِيُّهَا، وَقَالَ: خُذْ مَهْرَكَ مِنْ أَبِيهَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ دَخَلَ بِهَا، وَلَوْ كَانَ دَخَلَ بِهَا لَكَانَ الْمَهْرُ لَهَا وَالْعِدَّةُ عَلَيْهَا.
следующие страницы →