Полный текст (1 326 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.
стр. 596
لَهُ ذَوَاتُ الْمَحَارِمِ، فَلَا يَصِحُّ اعْتِبَارُ أَحَدِ النَّوْعَيْنِ بِالْآخَرِ، وَنَحْنُ لَا نَنْظُرُ إِلَى ابْتِدَاءِ الْعَقْدِ كَيْفَ وَقَعَ، بَلْ إِلَى حَالِهِ عِنْدَ الْإِسْلَامِ، وَلِهَذَا قَدْ سَاعَدْتُمْ عَلَى أَنَّهُ لَوْ تَزَوَّجَهَا بِغَيْرٍ وَلِيٍّ وَلَا شُهُودٍ وَلَا مَهْرٍ، أَوْ فِي عِدَّةٍ، ثُمَّ انْقَضَتْ، أَوْ بِغَيْرِ تَرَاضٍ لَمْ يُبْطِلْهُ الْإِسْلَامُ، فَلِذَلِكَ إِذَا عَقَدَ عَلَى خَمْسٍ لَمْ نُبْطِلْهُ بِالْإِسْلَامِ، وَإِنَّمَا يُبْطَلُ الزَّائِدُ عَلَى النِّصَابِ.
وَأَمَّا قَوْلُكُمْ: إِنَّ تَحْرِيمَ الزَّائِدِ عَلَى الْأَرْبَعِ إِنَّمَا كَانَ مِنْ جِهَةِ الْجَمْعِ، فَلَمْ يَفْتَرِقِ الْحَالُ فِيهِ بَيْنَ الِابْتِدَاءِ، وَالِاسْتِدَامَةِ، كَعَقْدِ الْمَرْأَةِ عَلَى زَوْجَيْنِ، فَمَا أَفْسَدَهُ مِنْ قِيَاسٍ! فَإِنَّ هَذَا مِمَّا لَمْ تَخْتَلِفُ فِيهِ الشَّرَائِعُ وَلَا الطَّبَائِعُ، وَلَا تُسَوِّغُهُ أُمَّةٌ مِنَ الْأُمَمِ عَلَى اخْتِلَافِ أَدْيَانِهَا وَآرَائِهَا.
وَأَمَّا الْجَمْعُ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ، وَبَيْنَ أَكْثَرِ مِنْ أَرْبَعٍ فَقَدْ كَانَ جَائِزًا فِي بَعْضِ الشَّرَائِعِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٣] ، وَالْجَمْعُ بَيْنَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعٍ قَدْ فَعَلَهُ دَاوُدُ، وَسُلَيْمَانُ، وَخَاتَمُ الْأَنْبِيَاءِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ.
وَبِالْجُمْلَةِ، فَعَقْدُ الرَّجُلِ عَلَى أَكْثَرَ مِنِ امْرَأَةٍ مَصْلَحَةٌ رَاجِحَةٌ، وَعَقْدُ الْمَرْأَةِ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ رَجُلٍ مَفْسَدَةٌ خَالِصَةٌ، أَوْ رَاجِحَةٌ، فَاعْتِبَارُ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ فَاسِدٌ عَقْلًا، وَطَبْعًا، وَشَرْعًا.
وَأَمَّا قَوْلُكُمْ: لَوْ بَاعَ ذِمِّيٌّ دِرْهَمًا بِدِرْهَمَيْنِ، ثُمَّ أَسْلَمَ لَمْ يُخَيَّرْ فِي أَحَدِ الدِّرْهَمَيْنِ، كَذَلِكَ لَا يُخَيَّرُ فِي الْأُخْتَيْنِ، فَمَا أَفْسَدَهُ مِنْ قِيَاسٍ! فَإِنَّ الصَّرْفَ إِذَا لَمْ يُقْبَضْ لَمْ يَلْزَمْ فِي الْعَقْدِ إِنْ قَبَضَهُ، ثُمَّ أَسْلَمَ أَنْ يُفْسَخَ الْعَقْدُ، فَإِنَّهُمْ إِذَا
стр. 597
تَعَاقَدُوا عُقُودَ الرِّبَا وَتَقَابَضُوا، ثُمَّ أَسْلَمُوا لَمْ نَفْسَخْهَا، وَإِنْ لَمْ يَتَقَابَضُوا لَمْ نُمْضِهَا، وَهَكَذَا النِّكَاحُ، فَإِنَّهُ إِذَا اتَّصَلَ بِهِ الدُّخُولُ، وَسَبَبُ التَّحْرِيمِ قَائِمٌ، أَبْطَلْنَاهُ، وَإِنْ كَانَ قَدِ انْقَضَى لَمْ نَعْرِضْ لَهُ. وَإِنَّمَا لَمْ نُخَيِّرْهُ فِي أَحَدِ الدِّرْهَمَيْنِ، وَخَيَّرْنَاهُ فِي إِحْدَى الْأُخْتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ لَهُ فِي تَخْيِيرِهِ فِي أَحَدِ الدِّرْهَمَيْنِ، وَلَا غَرَضَ لَهُ فِي ذَلِكَ، وَلَا مَصْلَحَةَ، بِخِلَافِ تَخْيِيرِهِ بَيْنَ إِحْدَى الْأُخْتَيْنِ، عَلَى أَنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يُخَيَّرَ الْعَقْدَ فِي دِرْهَمٍ بِدِرْهَمٍ، وَيُجْعَلَ لَهُ الْخِيَارُ فِي أَيِّهِمَا شَاءَ، فَنَفْيُ الْحُكْمِ فِي ذَلِكَ غَيْرُ مَعْلُومٍ بِنَصٍّ وَلَا إِجْمَاعٍ.
وَأَمَّا قَوْلُكُمُ: الْعَقْدُ عَلَى الْخَمْسِ فِي حَالِ الشِّرْكِ إِمَّا أَنْ يَقَعَ صَحِيحًا، أَوْ فَاسِدًا. . . إِلَى آخِرِهِ، فَجَوَابُهُ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ صَحِيحٌ فِي الْجَمِيعِ، فَإِذَا أَسْلَمَ فَسَخَ الْعَقْدَ فِي إِحْدَاهِنَّ: هَذَا جَوَابُ الْقَاضِي أَبِي يَعْلَى.
قَالَ: " وَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى هَذَا: إِذَا تَزَوَّجَ الْحَرْبِيُّ أُمًّا وَبِنْتًا، ثُمَّ أَسْلَمَ قَبْلَ الدُّخُولِ، انْفَسَخَ نِكَاحُ الْأُمِّ ".
قَالَ: " وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ قَدْ صَحَّ النِّكَاحُ فِي الْبِنْتِ حَتَّى صَارَتْ هِيَ مِنْ أُمَّهَاتِ النِّسَاءِ فَحَرُمَتْ عَلَيْهِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ صَحِيحًا فِيهِمَا كَانَ لَهُ أَنْ يَخْتَارَ أَيَّهُمَا شَاءَ، لِأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ مِنْ أُمَّهَاتِ النِّسَاءِ، وَالْجَمْعُ بَيْنَ الْأُمِّ وَالْبِنْتِ فِي الْعَقْدِ كَالْجَمْعِ بَيْنَ خَمْسَةٍ ".
قَالَ: " وَإِنَّمَا حَكَمْنَا بِصِحَّةِ الْعَقْدِ فِي الْجَمِيعِ؛ لِأَنَّ لَهُ أَنْ يَخْتَارَ الْخَامِسَةَ بَعْدَ إِسْلَامِهِ، وَيَسْتَدِيمَ نِكَاحَهَا عَلَى حَدِيثِ غَيْلَانَ وَغَيْرِهِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَسْتَدِيمَ نِكَاحًا حَكَمْنَا بِفَسَادِهِ ".
стр. 598
وَقَوْلُكُمْ: إِنَّهُ لَوْ كَانَ صَحِيحًا لَمْ يَجُزْ تَغْيِيرُهُ، وَنَقْضُهُ بَعْدَ الْإِسْلَامِ، كَمَا لَوْ عَقَدَ عَلَى أَرْبَعٍ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ الْإِسْلَامَ لَا يُغَيِّرُ مَا يُطَابِقُ حُكْمَ الْإِسْلَامِ، وَمَا زَادَ عَلَى الْأَرْبَعِ يُخَالِفُ حُكْمَهُ، فَلِهَذَا غَيَّرَهُ كَمَا لَوْ تَعَاقَدَا عَقْدَ صَرْفٍ، وَأَسْلَمَا قَبْلَ التَّقَابُضِ حَكَمْنَا بِفَسَادِهِ، وَإِنْ كَانَ الصَّرْفُ فِي الْجُمْلَةِ جَائِزًا، وَلِأَنَّهُ لَوْ أَسْلَمَ الْوَثَنِيُّ قَبْلَ الدُّخُولِ انْفَسَخَ النِّكَاحُ بَعْدَ الْحُكْمِ بِصِحَّتِهِ، وَلِأَنَّ تَغْيِيرَهُ بَعْدَ الْإِسْلَامِ إِنَّمَا هُوَ إِلْزَامٌ، وَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يُوجِبَ الْإِسْلَامُ إِزَالَةَ أَشْيَاءَ لَمْ تَكُنْ حَالَ الْكُفْرِ كَالْعِبَادَاتِ.
وَعِنْدِي جَوَابٌ آخَرُ: وَهُوَ أَنَّ الْعَقْدَ الَّذِي وَقَعَ فِي حَالِ الْكُفْرِ - عَلَى هَذَا الْوَجْهِ - لَا يُحْكَمُ لَهُ بِصِحَّةٍ، وَلَا فَسَادٍ، بَلْ يُقَرُّونَ عَلَيْهِ كَمَا يُقَرُّونَ عَلَى كُفْرِهِمْ، فَإِنِ اسْتَمَرُّوا عَلَى الْكُفْرِ لَمْ نَتَعَرَّضْ لِعُقُودِهِمْ، وَإِنْ أَسْلَمُوا حُكِمَ بِبُطْلَانِ مَا يَقْتَضِي الْإِسْلَامُ بُطْلَانَهُ - مِنْ حِينِ الْإِسْلَامِ لَا قَبْلَ ذَلِكَ - كَالْحُكْمِ فِي سَائِرِ عُقُودِهِمْ مِنْ بِيَاعَاتِهِمْ وَغَيْرِهَا، فَمَا كَانَ قَبْلَ الْإِسْلَامِ فَهُوَ عَفْوٌ لَا نَحْكُمُ لَهُ بِأَحْكَامِ الْإِسْلَامِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٨] ، فَأَمَرَ بِتَرْكِ مَا بَقِيَ دُونَ رَدِّ مَا قُبِضَ، وَلَمْ يَكُنْ صَحِيحًا، بَلْ كَانَ عَفْوًا كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] ، فَجَعَلَ لَهُ مَا سَلَفَ مِنَ الرِّبَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُبَاحًا لَهُ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْعُقُودِ لَهُ مَا سَلَفَ مِنْهَا، وَيَجِبُ عَلَيْهِ تَرْكُ مَا يُحَرِّمُهُ الْإِسْلَامُ، وَهَذِهِ الْآيَةُ هِيَ الْأَصْلُ فِي هَذَا الْبَابِ جَمِيعِهِ، فَإِنَّهُ تَعَالَى لَمْ يُبْطِلْ مَا وَقَعَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ عَلَى خِلَافِ شَرْعِهِ، وَأَمَرَ بِالْتِزَامِ شَرْعِهِ مِنْ حِينِ قَامَ
стр. 599
الشَّرْعُ، وَمَنْ تَأَمَّلَ حُكْمَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي بَابِ أَنْكِحَةِ الْكُفَّارِ إِذَا أَسْلَمُوا عَلَيْهَا وَجَدَهُ مُشْتَقًّا مِنَ الْقُرْآنِ مُطَابِقًا لَهُ.
وَأَمَّا قَوْلُكُمْ: إِنَّهُ عَقَدَ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعٍ، فَلَمْ يَصِحَّ فِيهِ التَّخْيِيرُ، كَعَقْدِ السِّلْمِ، فَهَلْ فِي الْقِيَاسِ أَفْسَدُ مِنْ هَذَا؟ وَهَلْ يُمْكِنُ أَحَدًا أَنْ يَطْرُدَ هَذَا الْقِيَاسَ فَيَفْسَخَ كُلَّ نِكَاحٍ وَقَعَ فِي الشِّرْكِ، وَكُلَّ بَيْعٍ، وَكُلَّ إِجَارَةٍ، وَكُلَّ عَقْدٍ لَمْ يَسْتَوْفِ شُرُوطَهُ فِي الْإِسْلَامِ كَالنِّكَاحِ بِلَا وَلِيٍّ، وَلَا شُهُودٍ، وَلَا مَهْرٍ، وَكُلَّ عَقْدٍ فَاسِدٍ وَقَعَ فِيهِ التَّقَابُضُ؟ !
وَأَمَّا قَوْلُكُمْ: إِنَّكُمْ أَوَّلُ مَنْ أَخَذَ بِالْحَدِيثِ، فَكَلَّا بَلْ أَوَّلُ مَنْ تَلَطَّفَ فِي رَدِّهِ بِمَا لَا يُرَدُّ بِهِ، وَمَا تَأَوَّلْتُمْ بِهِ الْحَدِيثَ مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ " تَخْيِيرُهُ فِي ابْتِدَاءِ الْعَقْدِ عَلَى مَنْ شَاءَ مِنْهُنَّ " بَاطِلٌ لِوُجُوهٍ.
أَحَدُهَا: قَوْلُهُ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِهِ: " «أَمْسِكْ أَرْبَعًا وَفَارِقْ سَائِرَهُنَّ» "، وَهَذَا يَقْتَضِي إِمْسَاكَهُنَّ بِالْعَقْدِ الْأَوَّلِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ [الأحزاب: ٣٧] ، وَقَوْلُهُ: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩] ، وَلَا يُعْقَلُ الْإِمْسَاكُ غَيْرُ هَذَا.
فَإِنْ قُلْتُمْ: يَعْنِي: " «أَمْسِكْ أَرْبَعًا مِنْهُنَّ» " تَزَوَّجْ أَرْبَعًا، خَرَجَ اللَّفْظُ عَنِ الْقِيَاسِ إِلَى الْأَلْغَازِ وَاللَّبْسِ الَّذِي يَتَنَزَّهُ عَنْهُ كَلَامُ الْمُبِينِ عَنِ اللَّهِ.
стр. 600
الثَّانِي: أَنَّهُ جَعَلَ الْإِمْسَاكَ، وَالِاخْتِيَارَ إِلَيْهِ، وَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ بِهِ الْعَقْدَ لَكَانَ الِاخْتِيَارُ إِلَيْهِنَّ لَا إِلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَعْقِدُ عَلَيْهِنَّ إِلَّا بِرِضَاهُنَّ.
الثَّالِثُ: أَنَّهُ أَمَرَهُ بِالِاخْتِيَارِ، وَذَلِكَ وَاجِبٌ عَلَيْهِ، وَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ تَجْدِيدَ الْعَقْدِ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ، وَلِهَذَا لَوْ أَبَى الِاخْتِيَارَ أَجْبَرَهُ عَلَيْهِ الْحَاكِمُ، فَإِنِ امْتَنَعَ ضَرَبَهُ حَتَّى يَخْتَارَ لِأَنَّهُ وَاجِبٌ عَلَيْهِ.
الرَّابِعُ: أَنَّ هَذَا التَّأْوِيلَ لَا يَصِحُّ عِنْدَكُمْ إِلَّا إِذَا كَانَ قَدْ تَزَوَّجَهُنَّ فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ، فَأَمَّا إِذَا تَزَوَّجَهُنَّ بِعُقُودٍ مُتَفَرِّقَةٍ، فَإِنَّهُ يَصِحُّ نِكَاحُ الْأَرْبَعِ الْأُوَلِ، وَيَبْطُلُ نِكَاحُ مَنْ عَدَاهُنَّ، وَحِينَئِذٍ فَيَكُونُ الْمُرَادُ مِنَ الْحَدِيثِ: إِذَا كُنْتَ قَدْ تَزَوَّجْتَهُنَّ فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ، فَنِكَاحُ الْجَمِيعِ بَاطِلٌ، وَذَلِكَ أَنْ يَتَزَوَّجَ أَرْبَعًا مِنْهُنَّ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا لَا يُفْهَمُ أَصْلًا مِنْ قَوْلِهِ: " «اخْتَرْ أَرْبَعًا، وَفَارِقْ سَائِرَهُنَّ» "، وَلَا يَفْهَمُ الْمُخَاطَبُ وَلَا غَيْرُهُ هَذَا الْمَعْنَى مِنْ هَذَا اللَّفْظِ أَلْبَتَّةَ.
الْخَامِسُ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَسْأَلْ هَذَا الْحَدِيثَ الْعَهْدَ بِالْإِسْلَامِ الْجَاهِلَ بِالْأَحْكَامِ عَنْ كَيْفِيَّةِ عَقْدِهِ، وَلَا اسْتَفْصَلَهُ.
السَّادِسُ: مَا رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ:
стр. 601
عَنْ عَوْفِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ نَوْفَلِ بْنِ مُعَاوِيَةَ الدِّيلِيِّ قَالَ: " «أَسْلَمْتُ وَعِنْدِي خَمْسُ نِسْوَةٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " أَمْسِكْ أَرْبَعًا، وَفَارِقِ الْأُخْرَى " فَعَمَدْتُ إِلَى أَقْدَمِهِنَّ صُحْبَةً: عَجُوزٍ عَاقِرٍ، مَعِي مُنْذُ سِتِّينَ سَنَةً، فَفَارَقْتُهَا» ". فَفَهِمَ الْمُخَاطَبُ مِنْ هَذَا اللَّفْظِ حَقِيقَتَهُ، وَعَمِلَ بِهَا.
стр. 602
السَّابِعُ: أَنَّهُ قَالَ لِلَّذِي أَسْلَمَ عَلَى أُخْتَيْنِ: " «طَلِّقْ أَيَّتَهُمَا شِئْتَ» "، وَهَذَا لَا مَعْنَى لَهُ عَلَى قَوْلِ الْمُنَازِعِ، فَإِنَّهُ إِنْ تَزَوَّجَ إِحْدَاهُمَا بَعْدَ الْأُخْرَى فَنِكَاحُ الثَّانِيَةِ بَاطِلٌ، وَلَيْسَتْ مَحَلًّا لِلطَّلَاقِ، وَإِنْ تَزَوَّجَهُمَا مَعًا فَنِكَاحُهُمَا عِنْدَهُ بَاطِلٌ، وَلَيْسَتْ وَاحِدَةً مِنْهُمَا مَحَلًّا لِلطَّلَاقِ.
الثَّامِنُ: أَنَّ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ: " «أَمْسِكْ إِحْدَاهُمَا» "، وَهَذَا عَلَى قَوْلِكُمْ لَا يَتَأَتَّى، فَإِنَّهُ إِنْ جَمَعَهُمَا فِي عَقْدٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ سَبِيلٌ عَلَى وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا حَتَّى يُمْسِكَهُمَا، وَإِنْ سَبَقَ عَقْدُ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى كَانَ الْوَاجِبُ عِنْدَكُمْ أَنْ يُقَالَ: أَمْسِكِ الْأُولَى دُونَ الثَّانِيَةِ، وَهَذَا لَا يَصِحُّ أَنْ يُعَبَّرَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: " «أَمْسِكْ إِحْدَاهُمَا وَأَيَّتَهُمَا شِئْتَ» ".
وَأَمَّا قَوْلُكُمْ: إِنَّ هَذَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي الْوَقْتِ الَّذِي كَانَ يَجُوزُ فِيهِ الْعَقْدُ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعٍ، فَجَوَابُهُ مِنْ وُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ أَنَّهُ كَانَ الْعَقْدُ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعٍ جَائِزًا فِي وَقْتٍ مِنَ الْأَوْقَاتِ فِي الْإِسْلَامِ، لَا قَبْلَ الْهِجْرَةِ، وَلَا بَعْدَهَا، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ لَنُقِلَ مَعَ مَا نُقِلَ مِنَ النَّاسِخِ، وَالْمَنْسُوخِ، وَلَمْ يَنْقُلْ أَحَدٌ هَذَا قَطُّ.
فَإِنْ قِيلَ: نَحْنُ لَمْ نَدَّعِ أَنَّ ذَلِكَ أُبِيحُ لَفْظًا، ثُمَّ نُسِخَ، بَلْ كَانَ عَلَى أَصْلِ الْإِبَاحَةِ وَالْعَفْوِ حَتَّى حَرَّمَهُ الْقُرْآنُ، قِيلَ: هَذَا لَا يَصِحُّ، فَإِنَّ الْأَصْلَ فِي الْفُرُوجِ التَّحْرِيمُ إِلَّا مَا أَبَاحَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، كَمَا أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْعِبَادَاتِ الْبُطْلَانُ إِلَّا مَا شَرَعَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَعَكْسُ هَذَا الْعُقُودُ وَالْمَطَاعِمُ، الْأَصْلُ فِيهَا الصِّحَّةُ وَالْحَلُّ إِلَّا مَا أَبْطَلَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَحَرَّمَهُ، وَهَذَا تَقَرَّرَ فِي مَوْضِعِهِ.
стр. 603
الثَّانِي: أَنَّ هَذَا لَوْ كَانَ مَشْرُوعًا، أَوْ مُبَاحًا إِبَاحَةَ الْعَفْوِ لَكَانَ فِي الْمُسْلِمِينَ وَلَوْ رَجُلٌ وَاحِدٌ يَفْعَلُهُ فِي الْإِسْلَامِ قَبْلَ التَّحْرِيمِ، مَعَ حِرْصِهِمْ عَلَى النِّكَاحِ، وَالِاسْتِكْثَارِ مِنْهُ. أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ فَعَلُوا الْمُتْعَةَ لَمَّا كَانَتْ مُبَاحَةً، وَشَرِبَ الْخَمْرَ مِنْهُمْ مَنْ شَرِبَهَا قَبْلَ التَّحْرِيمِ.
الثَّالِثُ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَسْأَلْهُ عَنْ وَقْتِ الْعَقْدِ: هَلْ كَانَ قَبْلَ التَّحْرِيمِ، أَوْ بَعْدَهُ؟ كَمَا لَمْ يَسْأَلْهُ عَنْ كَيْفِيَّتِهِ.
الرَّابِعُ: أَنَّ هَذَا لَا يَصِحُّ عَلَى أُصُولِ الْمُنَازِعِ، فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ: إِذَا تَزَوَّجَ الْحُرُّ بِأَرْبَعِ نِسْوَةٍ ثُمَّ اسْتُرِقَّ، فَإِنَّهُ يَبْطُلُ نِكَاحُهُنَّ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ إِنَّمَا حَرُمَ عَلَيْهِ نِكَاحُ مَا زَادَ عَلَى الثِّنْتَيْنِ بِالِاسْتِرْقَاقِ، وَنِكَاحُ الْأَرْبَعِ وَقَعَ فِي الْوَقْتِ الَّذِي كَانَ يَجُوزُ لَهُ فِيهِ نِكَاحُهُنَّ، فَكَانَ يَجِبُ - عَلَى مَا ذَكَرُوا مِنَ التَّأْوِيلَاتِ - أَنْ يَخْتَارَ مِنْهُنَّ اثْنَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ عَقَدَ عَلَى أَرْبَعٍ فِي حَالٍ كَانَ ذَلِكَ مُبَاحًا لَهُ فِيهَا، ثُمَّ وَرَدَ التَّحْرِيمُ. وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ ذَكَرَهَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ فِي " الْجَامِعِ الْكَبِيرِ ".
وَأَمَّا قَوْلُكُمْ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَلِمَ الْحَالَ، وَأَنَّهُ تَزَوَّجَهُنَّ فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ، فَخَيَّرَهُ بَيْنَ أَرْبَعٍ يَبْتَدِئُ نِكَاحَهُنَّ، فَهُوَ بَاطِلٌ مِنَ الْوُجُوهِ الَّتِي تَقَدَّمَتْ.
وَنَزِيدُهَا هَاهُنَا وَجْهًا آخَرَ: وَهُوَ أَنَّ ذَلِكَ يَتَضَمَّنُ تَعْلِيقَ الْحُكْمِ عَلَى غَيْرِ السَّبَبِ الْمَذْكُورِ فِي الْحَدِيثِ، وَإِلْغَاءَ السَّبَبِ الَّذِي ذُكِرَ فِيهِ، وَهَذَا بَاطِلٌ مِنَ الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا، فَإِنَّهُ إِنَّمَا عَلَّقَ الِاخْتِيَارَ بِكَوْنِهِ أَسْلَمَ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعٍ،
стр. 604
وَعِنْدَكُمْ الِاخْتِيَارُ إِنَّمَا عُلِّقَ عَلَى اجْتِمَاعِهِنَّ فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ لَوْ كَانَ اخْتِيَارًا. وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
[مَنْ أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ أُمٌّ وَابْنَتُهَا] .
فَإِنْ قِيلَ: مَا تَقُولُونَ لَوْ أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ أُمٌّ وَبِنْتُهَا؟ قِيلَ: إِنْ أَسْلَمَ قَبْلَ دُخُولِهِ بِوَاحِدَةٍ مِنْهُمَا فَسَدَ نِكَاحُ الْأُمِّ، لِأَنَّهَا صَارَتْ مِنْ أُمَّهَاتِ نِسَائِهِ، وَثَبَتَ نِكَاحُ الْبِنْتِ لِأَنَّهَا رَبِيبَةٌ غَيْرُ مَدْخُولٍ بِأُمِّهَا، هَذَا مَذْهَبُ أَحْمَدَ، وَأَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ، اخْتَارَهُ الْمُزَنِيُّ.
وَقَالَ فِي الْقَوْلِ الْآخَرِ: لَهُ أَنْ يَخْتَارَ أَيَّتَهُمَا شَاءَ؛ لِأَنَّ عَقْدَ الشِّرْكِ إِنَّمَا يُثْبِتُ لَهُ حُكْمَ الصِّحَّةِ إِذَا انْضَمَّ إِلَيْهِ الِاخْتِيَارُ، فَإِذَا اخْتَارَ الْأُمَّ، فَكَأَنَّهُ لَمْ يَعْقِدْ عَلَى الْبِنْتِ، فَلَا تَكُونُ مِنْ أُمَّهَاتِ نِسَائِهِ.
وَالْمُنَازِعُونَ لَهُ يُنَازِعُونَهُ فِي هَذِهِ الْمُقَدِّمَةِ وَيَقُولُونَ: أَنْكِحَةُ الْكُفَّارِ صَحِيحَةٌ يُثْبَتُ لَهَا أَحْكَامُ الصِّحَّةِ، وَلِذَلِكَ لَوِ انْفَرَدَتْ إِحْدَاهُمَا بِالنِّكَاحِ كَانَ صَحِيحًا لَازِمًا مِنْ غَيْرِ اخْتِيَارٍ، وَلِهَذَا فُوِّضَ إِلَيْهِ الِاخْتِيَارُ هَاهُنَا، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَخْتَارَ مَنْ لَيْسَ نِكَاحُهَا صَحِيحًا.
قَالُوا: وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] ، وَهَذِهِ مِنْ أُمَّهَاتِ
стр. 605
نِسَائِهِ، فَتَكُونُ مُحَرَّمَةً.
قَالُوا: وَلِأَنَّهَا زَوْجَتُهُ، فَتَحْرُمُ عَلَيْهِ كَمَا لَوْ طَلَّقَ ابْنَتَهَا فِي حَالِ الشِّرْكِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ تَزَوَّجَ الْبِنْتَ وَحْدَهَا، ثُمَّ طَلَّقَهَا حَرُمَتْ عَلَيْهِ أُمُّهَا إِذَا أَسْلَمَ، فَإِذَا لَمْ يُطَلِّقْهَا، وَتَمَسَّكَ بِنِكَاحِهَا فَأَوْلَى بِالتَّحْرِيمِ، وَإِنَّمَا اخْتَصَّتِ الْأُمُّ بِفَسَادِ نِكَاحِهَا لِأَنَّهَا تَحْرُمُ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ عَلَى الْبِنْتِ، فَلَمْ يُمْكِنِ اخْتِيَارُهَا، وَالْبِنْتُ لَا تَحْرُمُ قَبْلَ الدُّخُولِ بِأُمِّهَا، فَيَتَعَيَّنُ النِّكَاحُ فِيهَا.
[فَصْلٌ إِذَا أَسْلَمَ الذِّمِّيُّ وَتَحْتَهُ أُمٌّ وَابْنَتُهَا وَقَدْ دَخَلَ بِهِمَا أَوْ بِإِحْدَاهُمَا]
١١٩ - فَصْلٌ
[إِذَا أَسْلَمَ الذِّمِّيُّ وَتَحْتَهُ أُمٌّ وَابْنَتُهَا وَقَدْ دَخَلَ بِهِمَا أَوْ بِإِحْدَاهُمَا] .
وَإِنْ كَانَ قَدْ دَخَلَ حُرِّمَتَا عَلَى التَّأْبِيدِ: أَمَّا الْأُمُّ فَلِكَوْنِهَا أُمَّ زَوْجَتِهِ، وَأَمَّا الْبِنْتُ فَلِأَنَّهَا رَبِيبَتُهُ مِنْ زَوْجَتِهِ الَّتِي دَخَلَ بِهَا.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: " أَجْمَعَ عَلَى هَذَا كُلُّ مَنْ يُحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ".
وَكَذَلِكَ إِنْ كَانَ دَخَلَ بِالْأُمِّ وَحْدَهَا؛ لِأَنَّ الْبِنْتَ رَبِيبَتُهُ الْمَدْخُولُ بِأُمِّهَا، وَالْأُمُّ حَرُمَتْ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ عَلَى الْبِنْتِ.
وَإِنْ دَخَلَ بِالْبِنْتِ وَحْدَهَا ثَبَتَ نِكَاحُهَا وَفَسَدَ نِكَاحُ أُمِّهَا كَمَا لَوْ لَمْ يَدْخُلْ بِهِمَا.
وَلَوْ أَسْلَمَ وَلَهُ جَارِيَتَانِ إِحْدَاهُمَا أُمُّ الْأُخْرَى، وَقَدْ وَطِئَهُمَا جَمِيعًا حَرُمَتَا عَلَيْهِ عَلَى التَّأْبِيدِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ وَطِئَ إِحْدَاهُمَا حَرُمَتِ الْأُخْرَى عَلَى التَّأْبِيدِ
стр. 606
وَلَمْ تَحْرُمِ الْمَوْطُوءَةُ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يَطَأْ وَاحِدَةً مِنْهُمَا فَلَهُ وَطْءُ أَيَّتَهُمَا شَاءَ، فَإِذَا وَطِئَهَا حَرُمَتِ الْأُخْرَى عَلَى التَّأْبِيدِ.
[فَصْلٌ إِذَا طَلَّقَ إِحْدَاهُمَا أَوْ مَا زَادَ عَلَى الْأَرْبَعِ]
١٢٠ - فَصْلٌ
[إِذَا طَلَّقَ إِحْدَاهُمَا أَوْ مَا زَادَ عَلَى الْأَرْبَعِ] .
فَإِنْ طَلَّقَ إِحْدَاهُمَا أَوْ طَلَّقَ مَا زَادَ عَلَى الْأَرْبَعِ ثَبَتَ النِّكَاحُ فِي غَيْرِ الْمُطَلَّقَةِ، وَكَانَتِ الْمُطَلَّقَةُ هِيَ الْمُفَارِقَةُ: ذَكَرَهُ شَيْخُنَا، وَهَذَا أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِ أَحْمَدَ وَالشَّافِعِيِّ.
وَقَالَ الْأَصْحَابُ: تَكُونُ الْمُطَلَّقَةُ هِيَ الْمُخْتَارَةُ، وَيَنْفَسِخُ نِكَاحُ الْبَوَاقِي، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ، وَأَظُنُّهُ نَصَّهُ.
وَقَالَ أَصْحَابُ مَالِكٍ، وَلَكِنَّهُ غَيْرُ مَنْصُوصٍ عَنْهُ، وَحُجَّتُهُمْ أَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَكُونُ إِلَّا فِي زَوْجَةٍ. قَالُوا: فَتَطْلِيقُهُ لَهَا اخْتِيَارٌ لَهَا، وَيَقَعُ عَلَيْهَا الطَّلَاقُ لِأَنَّهَا زَوْجَةٌ، وَقَدْ أَوْقَعَ عَلَيْهَا الطَّلَاقَ، فَتُطَلَّقُ، وَيَنْفَسِخُ نِكَاحُ الْبَوَاقِي بِاخْتِيَارِ الْمُطَلَّقَاتِ.
قَالَ الْقَاضِي: فَإِذَا قَالَ أَمْسَكْتُ هَذِهِ، أَوْ أَمْسَكْتُ نِكَاحَهَا، أَوِ اخْتَرْتُهَا، أَوِ اخْتَرْتُ نِكَاحَهَا " لَزِمَ نِكَاحُهَا وَانْفَسَخَ نِكَاحُ مَنْ عَدَاهَا. وَإِنْ قَالَ: " فَسَخْتُ نِكَاحَ هَذِهِ أَوْ عَقْدَهَا، أَوْ أَخْرَجْتُهَا مِنْ حِبَالِي، أَوْ تَرَكْتُهَا، وَنَحْوَ ذَلِكَ " كَانَ ذَلِكَ فِرَاقًا لَهَا، فَإِنْ قَالَ: " فَارَقْتُهَا، أَوْ فَارَقْتُ عَقْدَهَا، أَوْ سَرَّحْتُهَا "، احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ فَسْخًا؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُهُ فَتَبِينُ مِنْهُ، وَيَبْقَى نِكَاحُ
стр. 607
الْبَوَاقِي، وَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ اخْتِيَارًا لَهَا، وَيَقَعُ الطَّلَاقُ؛ لِأَنَّهُ صَرِيحٌ فِي الطَّلَاقِ، وَإِنْ قَالَ: " طَلَّقْتُ هَذِهِ " كَانَ ذَلِكَ اخْتِيَارًا لِنِكَاحِهَا وَطَلَاقًا؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ لَا يُوقَعُ إِلَّا فِي زَوْجَةٍ، فَتَطْلِيقُهُ لَهَا يَكُونُ اخْتِيَارًا وَتَطْلِيقًا.
فَإِنْ وَطِئَ وَاحِدَةً فَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يَكُونُ اخْتِيَارًا لَهَا؛ لِأَنَّهُ قَدْ نَصَّ عَلَى أَنَّ الْوَطْءَ يَكُونُ رَجْعَةً؛ لِأَنَّ الْوَطْءَ يَدُلُّ عَلَى الرِّضَا بِهَا، فَحَصَلَ بِذَلِكَ الْإِمْسَاكُ، وَلِهَذَا قُلْنَا فِي الْأَمَةِ إِذَا أُعْتِقَتْ تَحْتَ عَبْدٍ: لَهَا الْخِيَارُ، فَإِنْ وَطِئَهَا قَبْلَ الْخِيَارِ بَطَلَ خِيَارُهَا؛ لِأَنَّ تَمْكِينَهَا يَدُلُّ عَلَى الرِّضَا، وَكَذَلِكَ إِذَا خَيَّرَهَا، ثُمَّ وَطِئَهَا كَانَ وَطْؤُهَا قَطْعًا لِخِيَارِهَا؛ لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى الرَّغْبَةِ فِيهَا وَالرُّجُوعِ فِي طَلَاقِهَا، خِلَافًا لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ: لَا يَكُونُ الْوَطْءُ اخْتِيَارًا عِنْدَهُمْ لِأَنَّهُ لَمْ يُوضَعْ لِذَلِكَ، وَكَذَلِكَ لَا تَحْصُلُ بِهِ الرَّجْعَةُ.
وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْوَطْءَ اخْتِيَارٌ: أَنَّهُ يُوجِبُ الِاخْتِيَارَ بِاللَّفْظِ، وَمَقْصُودَهُ وَمِثَالَهُ، فَهُوَ أَقْوَى مِنْ مُجَرَّدِ قَوْلِهِ: " اخْتَرْتُهَا "؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: " اخْتَرْتُهَا " جَعَلَ اخْتِيَارًا لِدَلَالَتِهِ عَلَى إِيثَارِهِ لَهَا وَرِضَاهُ بِهَا، فَوَطْؤُهَا أَقْوَى فِي الدَّلَالَةِ مِنْ مُجَرَّدِ اللَّفْظِ، وَلِهَذَا كَانَ الْوَطْءُ رَجْعَةً عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ، وَإِنَّمَا نَازَعَ فِيهِ الشَّافِعِيُّ وَحْدَهُ.
إِذَا عُرِفَ هَذَا فَالصَّوَابُ أَنَّ تَطْلِيقَ إِحْدَاهُنَّ لَا يَكُونُ اخْتِيَارًا لَهَا، بَلِ اخْتِيَارًا لِغَيْرِ الْمُطَلَّقَةِ، وَالنَّبِيُّ ﷺ لَمَّا قَالَ لِلدَّيْلَمِيِّ: " طَلِّقْ إِحْدَاهُمَا " لَمْ يُرِدْ بِهَذَا: أَمْسِكْهَا، وَلَا فَهِمَ هُوَ إِمْسَاكَهَا مِنْ هَذَا اللَّفْظِ، وَلَا فَهِمَهُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ التَّخَاطُبِ، وَإِنَّمَا فُهِمَ مِنْ قَوْلِهِ: " طَلِّقْ أَيَّتَهُمَا شِئْتَ "
стр. 608
اخْتِيَارًا لَهَا لَنُفِّذَ الطَّلَاقُ عَلَيْهَا وَانْفَسَخَ نِكَاحُ الْأُخْرَى بِأَنَّهُ لَمْ يَخْتَرْهَا، فَيَكُونُ أَمْرًا لَهُ بِإِرْسَالِ الِاثْنَتَيْنِ: هَذِهِ بِالتَّطْلِيقِ، وَالْأُخْرَى بِاخْتِيَارِ غَيْرِهَا، وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ أَصْحَابُ هَذَا الْقَوْلِ فَقَالُوا: لَا يَكُونُ الطَّلَاقُ إِلَّا فِي زَوْجَةٍ، فَفِي ضِمْنِ تَطْلِيقِهِ لَهَا اخْتِيَارٌ مِنْهُ لَهَا، فَيُنَفَّذُ الطَّلَاقُ وَتَنْقَطِعُ الْعِصْمَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَوَاقِي، وَهَذَا بَاطِلٌ قَطْعًا، وَكَيْفَ يَكُونُ الطَّلَاقُ الَّذِي جُعِلَ لِرَفْعِ النِّكَاحِ وَإِزَالَتِهِ، وَحَلِّ قَيْدِهِ دَالًّا عَلَى ضِدِّ مَوْضُوعِهِ مِنَ الْإِمْسَاكِ وَالِاخْتِيَارِ؟ ! وَهَلْ هَذَا إِلَّا قَلْبُ الْحَقَائِقِ! وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ جَعْلِ الْإِمْسَاكِ وَالِاخْتِيَارِ دَلِيلًا عَلَى الْفِرَاقِ وَالطَّلَاقِ، وَأَيُّ فَرْقٍ حَقِيقَةً أَوْ لُغَةً بَيْنَ قَوْلِهِ: " أَرْسَلْتُكِ "، وَ " سَيَّبْتُكِ "، وَ " أَخْرَجْتُكِ مِنْ نِكَاحِي "، وَ " طَلَّقْتُكِ "؟ !
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: " إِنَّ الطَّلَاقَ لَا يَكُونُ إِلَّا فِي زَوْجَةٍ " فَجَوَابُهُ مِنْ وُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ الطَّلَاقَ الْمُضَافَ إِلَى زَوْجَةٍ لَا يَكُونُ إِلَّا فِي زَوْجَةٍ، وَأَمَّا الطَّلَاقُ الَّذِي هُوَ عِبَارَةٌ عَنِ اخْتِيَارِ غَيْرِ الْمُطَلَّقَةِ، وَإِخْرَاجِ الْمُطَلَّقَةِ مِنْ نِكَاحِهِ فَلَا يَلْزَمُ أَنْ يُصَادِفَ زَوْجَةً.
الثَّانِي: أَنَّ الطَّلَاقَ هَاهُنَا كِنَايَةٌ عَنِ التَّسَيُّبِ وَالْإِرْسَالِ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ " رَغِبْتُ عَنْكِ "، " أَرْسَلْتُكِ " فَهُوَ طَلَاقٌ مُقَيَّدٌ بِقَيْدِ الْقَرِينَةِ، وَهِيَ مِنْ أَقْوَى الْقَرَائِنِ.
الثَّالِثُ: أَنَّهُ كَيْفَ يُمْكِنُ أَنْ يَقُولَ هَذَا الْقَوْلَ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ أَنْكِحَةَ الْكُفَّارِ صَحِيحَةٌ؟ وَلِهَذَا قَالَ يَنْفُذُ الطَّلَاقُ فِي الْمُطَلَّقَةِ، وَإِذَا كَانَتْ صَحِيحَةً فَطَلَّقَ وَاحِدَةً صَارَتْ كَأَنَّهَا لَمْ يَعْقِدْ عَلَيْهَا، وَصَارَ الْبَوَاقِي هُنَّ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِنَّ، فَكَأَنَّهُ أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ أَرْبَعٌ أَوْ إِحْدَى الْأُخْتَيْنِ فَقَطْ.
стр. 609
فَإِنْ قِيلَ: بِالْإِسْلَامِ زَالَ صِحَّةُ نِكَاحِ الْجَمِيعِ، فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: نِكَاحُ الْخَمْسِ صَحِيحٌ بَعْدَ إِسْلَامِهِ، وَلَا يُحْكَمُ بِبُطْلَانِ نِكَاحِهِنَّ، فَإِذَا طَلَّقَ وَاحِدَةً عَلِمْنَا أَنَّهَا حِينَئِذٍ زَوْجَةٌ، وَمِنْ ضَرُورَةِ كَوْنِهَا زَوْجَةً بُطْلَانُ نِكَاحِ مَنْ عَدَاهَا، فَإِذَا كَانَ تَحْتَهُ ثَمَانٍ فَطَلَّقَ أَرْبَعًا عَلِمْنَا أَنَّهُنَّ حِينَ الطَّلَاقِ زَوْجَاتُهُ، فَبِالضَّرُورَةِ يَكُونُ نِكَاحُ مَنْ عَدَاهُنَّ مَفْسُوخًا، إِذْ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ حَالَ الطَّلَاقِ نِكَاحُ الثَّمَانِ صَحِيحًا، قِيلَ: هَذِهِ الشُّبْهَةُ الَّتِي لِأَجْلِهَا قَالُوا: إِنَّ الطَّلَاقَ يَكُونُ اخْتِيَارًا.
وَجَوَابُ هَذِهِ الشُّبْهَةِ أَنَّ النِّكَاحَ بَيْنَ الْإِسْلَامِ وَالِاخْتِيَارِ مَوْقُوفٌ لَمْ يَنْفَسِخْ بِنَفْسِ الْإِسْلَامِ، وَلَا بَقِيَ صَحِيحًا لَازِمًا، إِذْ لَوِ انْفَسَخَ بِنَفْسِ الْإِسْلَامِ لَمْ يَخْتَرْ، وَهَذَا وَاضِحٌ وَلِهَذَا لَهُ أَنْ يُمْسِكَ مَنْ شَاءَ مِنَ الثَّمَانِ إِلَى تَمَامِ النِّصَابِ، فَمَا مِنْهُنَّ وَاحِدَةٌ إِلَّا وَالنِّكَاحُ فِي حَقِّهَا صَحِيحٌ إِذَا اخْتَارَهَا، وَبَاطِلٌ إِذَا أَخْرَجَهُ عَنْ عِصْمَتِهِ، فَالطَّلَاقُ صَادَفَ هَذِهِ الزَّوْجَةَ الْمَوْقُوفَةَ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ اجْتِمَاعُ الثَّمَانِ فِي الْإِسْلَامِ فِي عَقْدٍ لَازِمٍ، وَلَيْسَ الْمَحْذُورُ سِوَى ذَلِكَ.
[فَصْلٌ اخْتِلَافُ الدَّارَيْنِ لَا يُوقِعُ الْفُرْقَةَ]
١٢١ - فَصْلٌ
[اخْتِلَافُ الدَّارَيْنِ لَا يُوقِعُ الْفُرْقَةَ] .
وَاخْتِلَافُ الدَّارَيْنِ لَا يُوقِعُ الْفُرْقَةَ، وَإِنَّمَا التَّأْثِيرُ لِاخْتِلَافِ الدِّينِ.
قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ: الزَّوْجَانِ عَلَى نِكَاحِهِمَا مَا دَامَتْ
стр. 610
فِي الْعِدَّةِ، فَإِذَا أَسْلَمَتْ فَهُمَا عَلَى نِكَاحِهِمَا لَا يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا، وَكَانَ الشَّافِعِيُّ يَحْتَجُّ عَلَى أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ إِذَا أَسْلَمَتْ وَهِيَ فِي دَارِ الْحَرْبِ، ثُمَّ أَسْلَمَ هُوَ: " أَنَّهَا امْرَأَتُهُ، وَكَذَلِكَ أَقُولُ ".
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: اخْتِلَافُ الدَّارَيْنِ يُوقِعُ الْفُرْقَةَ، فَعِنْدَهُ إِذَا خَرَجَتِ الْحَرْبِيَّةُ إِلَيْنَا مُسْلِمَةً وَخَلَّفَتْ زَوْجَهَا فِي دَارِ الْحَرْبِ كَافِرًا وَقَدْ دَخَلَ بِهَا وَقَعَتِ الْفُرْقَةُ بَيْنَهُمَا فِي الْحَالِ.
وَقَدْ تَنَاظَرَ الشَّافِعِيُّ هُوَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَسَاقَ الرَّبِيعُ الْمُنَاظَرَةَ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إِنْ قَالَ قَائِلٌ: مَا دَلِيلُكَ عَلَى
стр. 611
ذَلِكَ؟ قِيلَ لَهُ: أَسْلَمَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ بِمَرِّ الظَّهْرَانِ، وَهِيَ دَارُ خُزَاعَةَ، وَخُزَاعَةُ مُسْلِمُونَ قَبْلَ الْفَتْحِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، وَرَجَعَ إِلَى مَكَّةَ، وَهِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ مُقِيمَةٌ عَلَى غَيْرِ الْإِسْلَامِ، فَأَخَذَتْ بِلِحْيَتِهِ، وَقَالَتْ: اقْتُلُوا الشَّيْخَ الضَّالَّ، ثُمَّ أَسْلَمَتْ هِنْدُ بَعْدَ إِسْلَامِ أَبِي سُفْيَانَ بِأَيَّامٍ كَثِيرَةٍ، وَكَانَتْ كَافِرَةً مُقِيمَةً بِدَارٍ لَيْسَتْ بِدَارِ الْإِسْلَامِ يَوْمَئِذٍ، وَزَوْجُهَا مُسْلِمٌ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، وَهِيَ فِي دَارِ حَرْبٍ.
ثُمَّ صَارَتْ مَكَّةُ دَارَ إِسْلَامٍ، وَأَبُو سُفْيَانَ بِهَا مُسْلِمٌ، وَهِنْدُ كَافِرَةٌ، ثُمَّ أَسْلَمَتْ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ فَاسْتَقَرَّا عَلَى النِّكَاحِ؛ لِأَنَّ عِدَّتَهَا لَمْ تَنْقَضِ حَتَّى أَسْلَمَتْ.
وَكَانَ كَذَلِكَ حَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ وَإِسْلَامُهُ، وَأَسْلَمَتِ امْرَأَةُ صَفْوَانَ بْنِ
стр. 612
أُمَيَّةَ، وَامْرَأَةُ عِكْرِمَةَ بْنِ أَبِي جَهْلٍ بِمَكَّةَ، فَصَارَتْ دَارُهُمَا دَارَ الْإِسْلَامِ، وَظَهَرَ حُكْمُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمَكَّةَ، وَهَرَبَ عِكْرِمَةُ إِلَى الْيَمَنِ، وَهِيَ دَارُ حَرْبٍ
[وَصَفْوَانُ يُرِيدُ الْيَمَنَ، وَهِيَ دَارُ حَرْبٍ،] ثُمَّ رَجَعَ صَفْوَانُ
стр. 613
إِلَى مَكَّةَ وَهِيَ دَارُ الْإِسْلَامِ، وَشَهِدَ حُنَيْنًا وَهُوَ كَافِرٌ، ثُمَّ أَسْلَمَ، وَاسْتَقَرَّتْ عِنْدَهُ امْرَأَتُهُ بِالنِّكَاحِ الْأَوَّلِ
[وَرَجَعَ عِكْرِمَةُ، وَأَسْلَمَ، فَاسْتَقَرَّتْ عِنْدَهُ امْرَأَتُهُ بِالنِّكَاحِ الْأَوَّلِ،] وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ تَنْقَضِ عِدَّتُهَا.
فَقُلْتُ لَهُ: مَا وَصَفْتُ لَكَ مِنْ أَمْرِ أَبِي سُفْيَانَ، وَحَكِيمٍ، وَأَزْوَاجِهِمَا
[وَأَمْرِ صَفْوَانَ، وَعِكْرِمَةَ، وَأَزْوَاجِهِمَا] أَمْرٌ مَعْرُوفٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْمَغَازِي
[فَهَلْ تَرَى مَا احْتَجَجْتُ بِهِ مِنْ أَنَّ الدَّارَ لَا تُغَيِّرُ مِنَ الْحُكْمِ شَيْئًا إِذَا دَلَّتِ السُّنَّةُ عَلَى مَا قُلْتُ؟] وَقَدْ حَفِظَ أَهْلُ الْمَغَازِي أَنَّ امْرَأَةً مِنَ الْأَنْصَارِ كَانَتْ عِنْدَ رَجُلٍ بِمَكَّةَ، فَأَسْلَمَتْ، وَهَاجَرَتْ إِلَى الْمَدِينَةِ
[فَقَدِمَ زَوْجُهَا] ، وَهِيَ فِي الْعِدَّةِ
[فَأَسْلَمَ] فَاسْتَقَرَّا عَلَى النِّكَاحِ. انْتَهَى كَلَامُهُ.
وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ فِي " صَحِيحِهِ " «عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: " كَانَ الْمُشْرِكُونَ عَلَى مَنْزِلَتَيْنِ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ وَالْمُؤْمِنِينَ: مُشْرِكِي أَهْلِ حَرْبٍ يُقَاتِلُهُمْ وَيُقَاتِلُونَهُ،
[وَمُشْرِكِي أَهْلِ عَهْدٍ لَا يُقَاتِلُهُمْ، وَلَا يُقَاتِلُونَهُ» ]
[وَكَانَ إِذَا] هَاجَرَتِ امْرَأَةٌ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ لَمْ تُخْطَبْ حَتَّى تَحِيضَ، وَتَطْهُرَ، فَإِذَا طَهُرَتْ حَلَّ
[لَهَا] النِّكَاحُ، فَإِنْ هَاجَرَ زَوْجُهَا قَبْلَ أَنْ تَنْكِحَ رُدَّتْ إِلَيْهِ. . . " فَهَذَا هُوَ الْفَصْلُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَهُوَ الصَّوَابُ.
وَلَيْسَ هَذَا الْحَيْضُ هُوَ الْعِدَّةَ الَّتِي قَدَّرَهَا كَثِيرٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ أَجَلًا
стр. 614
لِانْقِضَاءِ النِّكَاحِ، بَلْ هُوَ اسْتِبْرَاءٌ بِحَيْضَةٍ تَحِلُّ بَعْدَهَا لِلْأَزْوَاجِ، فَإِنْ شَاءَتْ نَكَحَتْ وَإِنْ شَاءَتْ أَقَامَتْ، وَانْتَظَرَتْ إِسْلَامَ زَوْجِهَا، فَمَتَى أَسْلَمَ فَهِيَ امْرَأَتُهُ انْقَضَتِ الْعِدَّةُ أَوْ لَمْ تَنْقَضِ، هَذَا الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ أَمْرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ الصَّوَابُ بِلَا رَيْبٍ.
قَالَتِ الْحَنَفِيَّةُ: مَرُّ الظَّهْرَانِ لَمْ تَكُنْ صَارَتْ مِنْ بِلَادِ الْإِسْلَامِ لِأَنَّهَا قَرِيبَةٌ مِنْ مَكَّةَ، وَهِيَ كَانَتْ دَارَ حَرْبٍ، فَكَانَ حُكْمُ مَا قَرُبَ مِنْهَا حُكْمَهَا إِلَى أَنِ اسْتَوْلَى النَّبِيُّ ﷺ عَلَى مَكَّةَ، وَقَهَرَ أَهْلَهَا، وَغَلَبَهُمْ، فَصَارَتْ هِيَ وَمَا حَوْلَهَا مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ، فَثَبَتَ بِهَذَا أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ أَسْلَمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ، فَلَمْ تَخْتَلِفْ بِهِ وَبِامْرَأَتِهِ الدَّارُ.
قَالَ الْجُمْهُورُ: أَبُو سُفْيَانَ أَسْلَمَ بِمَرِّ الظَّهْرَانِ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ وَقَدْ نَزَلَهَا الْمُسْلِمُونَ الَّذِينَ مَعَهُ وَثَبَتَتْ أَيْدِيهِمْ عَلَيْهَا، وَجَرَتْ أَحْكَامُ الْإِسْلَامِ فِيهِمْ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَتْ مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ، وَكَانَتْ فِي ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْمَدِينَةِ، وَسَائِرِ مُدُنِ الْإِسْلَامِ.
قَالَتِ الْحَنَفِيَّةُ: وَلَا حُجَّةَ لَكُمْ فِي هُرُوبِ عِكْرِمَةَ بْنِ أَبِي جَهْلٍ يَوْمَ الْفَتْحِ، وَصَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ إِلَى الْيَمَنِ، أَوِ الطَّائِفِ، أَوِ السَّاحِلِ، حَتَّى وَافَاهُمَا نِسَاؤُهُمَا، وَأَخَذْنَ لَهُمَا الْأَمَانَ، فَإِنَّ مَكَّةَ لَمَّا فُتِحَتْ صَارَ مَا قَرُبَ مِنْهَا مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ، فَسَاحِلِ الْبَحْرِ قَرِيبٌ مِنْهَا، وَالطَّائِفُ - وَإِنْ كَانَتْ دَارَ كُفْرٍ إِذْ
стр. 615
ذَاكَ - فَلَيْسَ فِي الْقِصَّةِ أَنَّهُ وَصَلَ إِلَيْهَا بَلْ قَصَدَهَا، وَلَعَلَّهُ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ، وَلَمْ يَصِلْ إِلَيْهَا.
وَأَمَّا الْيَمَنُ فَإِنَّهَا كَانَتْ قَدْ صَارَتْ دَارَ إِسْلَامٍ، وَأَقَرَّ أَهْلُ الْكِتَابِ مِنْهُمْ بِالْجِزْيَةِ، وَأَمَّا عُبَّادُ الْأَوْثَانِ فَأَسْلَمُوا عَلَى يَدِ عَلِيٍّ وَمُعَاذٍ وَأَبِي مُوسَى، فَلَمْ تَخْتَلِفِ الدَّارُ بَيْنَ هَؤُلَاءِ وَبَيْنَ نِسَائِهِمْ.
قَالَ الْجُمْهُورُ: دَارُ الْإِسْلَامِ هِيَ الَّتِي نَزَلَهَا الْمُسْلِمُونَ، وَجَرَتْ عَلَيْهَا أَحْكَامُ الْإِسْلَامِ، وَمَا لَمْ تَجْرِ عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْإِسْلَامِ لَمْ يَكُنْ دَارَ إِسْلَامٍ، وَإِنْ لَاصَقَهَا، فَهَذِهِ الطَّائِفُ قَرِيبَةٌ إِلَى مَكَّةَ جِدًّا وَلَمْ تَصِرْ دَارَ إِسْلَامٍ بِفَتْحِ مَكَّةَ، وَكَذَلِكَ السَّاحِلُ.
وَأَمَّا الْيَمَنُ فَلَا رَيْبَ أَنَّهُ كَانَ قَدْ فَشَا فِيهِمُ الْإِسْلَامُ، وَلَمْ يَسْتَوْثِقْ كُلُّ بِلَادِهَا بِالْإِسْلَامِ إِلَّا بَعْدَ وَفَاةِ النَّبِيِّ ﷺ فِي زَمَنِ خُلَفَائِهِ، وَلِهَذَا أَتَوْا بَعْدَ مَوْتِ النَّبِيِّ ﷺ أَرْسَالًا، وَفَتَحُوا الْبِلَادَ مَعَ
стр. 616
الصَّحَابَةِ، وَعِكْرِمَةُ لَمْ يَهْرُبْ مِنَ الْإِسْلَامِ إِلَى بَلَدِ إِسْلَامٍ، وَإِنَّمَا هَرَبَ إِلَى مَوْضِعٍ يَرَى أَنَّ أَهْلَهُ عَلَى دِينِهِ.
نَزَلْنَا عَنْ هَذَا كُلِّهِ، فَالَّذِينَ أَسْلَمُوا، وَهَاجَرُوا قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ لَمْ يُفَرِّقْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ نِسَائِهِمْ قَطْعًا مَعَ اخْتِلَافِ الدَّارِ قَطْعًا، وَلَوْ لَمْ تَكُنِ الْآثَارُ مُتَضَافِرَةً بِذَلِكَ لَكَانَ الْقِيَاسُ يَقْتَضِي عَدَمَ التَّفْرِيقِ بِاخْتِلَافِ الدَّارِ، فَإِنَّ الْمُسْلِمَ لَوْ دَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ، وَأَقَامَ بِهَا، وَامْرَأَتُهُ مُسْلِمَةٌ، أَوْ أَقَامَتِ امْرَأَةُ الْحَرْبِيِّ فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَخَرَجَ هُوَ إِلَى دَارِ الْإِسْلَامِ بِأَمَانٍ لِتِجَارَةٍ، أَوْ رِسَالَةٍ، فَإِنَّ النِّكَاحَ لَا يَنْفَسِخُ.
فَإِنْ قُلْتُمُ: الدَّارُ لَمْ تَخْتَلِفْ بِهِمَا هَاهُنَا فِعْلًا وَحُكْمًا، وَإِنَّمَا اخْتَلَفَتْ فِعْلًا؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْمُسْلِمَةِ فِي دَارِ الْحَرْبِ حُكْمُهَا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، وَكَذَلِكَ حُكْمُ الْمُسْلِمِ فِعْلًا.
قِيلَ لَكُمْ: إِذَا اسْتَوْطَنَهَا كَانَ مِنْ أَهْلِهَا، وَلِهَذَا إِذَا قَتَلَهُ جَيْشُ الْمُسْلِمِينَ، وَلَمْ يَعْلَمُوا حَالَهُ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِمُ الدِّيَةُ؛ لِأَنَّ الدَّارَ دَارُ إِبَاحَةٍ، فَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِالْقَتْلِ وُجُوبُ الدِّيَةِ، وَلَوْ تَعَمَّدَ قَتْلَ مُسْلِمٍ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الْقَوَدُ عِنْدَكُمْ، وَلَكَانَ الْحَرْبِيُّ إِذَا دَخَلَ إِلَيْنَا مُسْتَأْمِنًا ثَبَتَ لَهُ حُكْمُ الدَّارِ، وَلِهَذَا مَنْ قَتَلَهُ وَجَبَتْ عَلَيْهِ دِيَتُهُ، وَلَمْ يَجُزْ سَبْيُهُ، وَاسْتِرْقَاقُهُ، وَأَخْذُ مَالِهِ.
стр. 617
وَأَيْضًا فَالنِّكَاحُ عَقْدٌ مِنَ الْعُقُودِ فَلَمْ يَنْفَسِخْ بِاخْتِلَافِ الدَّارَيْنِ كَالْبَيْعِ وَغَيْرِهِ.
وَأَيْضًا فَإِنَّ الْمُسْلِمَ لَوْ دَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ، وَتَزَوَّجَ حَرْبِيَّةً صَحَّ النِّكَاحُ، وَلَوْ كَانَ اخْتِلَافُ الدَّارَيْنِ يُوجِبُ فَسْخَ النِّكَاحِ لَوَجَبَ أَلَّا يَصِحَّ النِّكَاحُ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ الْمُسْلِمَ مِنْ أَهْلِ دَارِ الْإِسْلَامِ، وَإِنْ كَانَ فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَالْحَرْبِيَّةُ مِنْ أَهْلِ دَارِ الْحَرْبِ، فَالدَّارُ مُخْتَلِفَةٌ بَيْنَهُمَا فِي الْحَقِيقَةِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُمَا مُقِيمَانِ فِي دَارٍ وَاحِدَةٍ فَلَمْ تَخْتَلِفْ بِهِمَا؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَوَجَبَ أَنْ تَقَعَ الْفُرْقَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ الَّتِي فِي دَارِ الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّهُ قَدِ اخْتَلَفَتْ بِهِمَا الدَّارُ، وَلَوَجَبَ إِذَا دَخَلَ الْحَرْبِيُّ دَارَ الْإِسْلَامِ، وَلَهُ زَوْجَةٌ فِي دَارِ الْحَرْبِ أَنْ يَنْفَسِخَ النِّكَاحُ بَيْنَهُمَا لِاخْتِلَافِ الدَّارِ، فَلَمَّا لَمْ يَنْفَسِخْ عُلِمَ أَنَّ الْمُسْلِمَ إِذَا كَانَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، فَهُوَ مِنْ أَهْلِ دَارِ الْإِسْلَامِ، وَالْحَرْبِيُّ إِذَا كَانَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ دَارِ الْحَرْبِ، وَمَعَ هَذَا النِّكَاحُ لَا يَنْفَسِخُ، كَذَلِكَ هَاهُنَا.
قَالَتِ الْحَنَفِيَّةُ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ﴾ [الممتحنة: ١٠] الْآيَةَ، فَالدَّلَالَةُ فِيهَا مِنْ وُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: قَوْلُهُ: ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠] وَعِنْدَكُمْ إِذَا خَرَجَ مُسْلِمًا قَبْلَ أَنْ تَحِيضَ ثَلَاثَ حِيَضٍ فَهِيَ حِلٌّ لَهُ، وَهُوَ حِلٌّ لَهَا.
الثَّانِي: قَوْلُهُ: ﴿وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا﴾ [الممتحنة: ١٠] ، وَلَوْ لَمْ تَقَعِ الْفُرْقَةُ بَيْنَهُمَا بِاخْتِلَافِ الدَّارَيْنِ لَمْ تُؤْمَرْ بِرَدِّ الْمَهْرِ عَلَيْهِ.
الثَّالِثُ: قَوْلُهُ: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠] ، فَأَبَاحَ نِكَاحَهُنَّ
стр. 618
عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَعِنْدَكُمْ لَا يُبَاحُ نِكَاحُهَا فِي الْحَالِ إِذَا كَانَتْ مَدْخُولًا بِهَا.
الرَّابِعُ: قَوْلُهُ: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠] ، وَفِي الْمَنْعِ مِنَ الْعَقْدِ عَلَيْهَا تَمَسُّكٌ بِعِصْمَةِ الْكَوَافِرِ.
قَالَ الْجُمْهُورُ: لَا حُجَّةَ لَكُمْ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، فَإِنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ﴾ [الممتحنة: ١٠] ، إِنَّمَا هُوَ فِي حَالِ الْكُفْرِ، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ [الممتحنة: ١٠] ، ثُمَّ قَالَ: ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠] .
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا﴾ [الممتحنة: ١٠] ، فَقَدْ تَنَازَعَ النَّاسُ فِيهِ فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: هَذَا مَنْسُوخٌ وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ فِي الْوَقْتِ الَّذِي كَانَ يَجِبُ فِيهِ رَدُّ الْمَهْرِ إِلَى الزَّوْجِ الْكَافِرِ إِذَا أَسْلَمَتِ امْرَأَتُهُ، وَهَذَا عِنْدَكُمْ أَيْضًا مَنْسُوخٌ.
وَأَمَّا مَنْ لَمْ يَرَهُ مَنْسُوخًا فَلَمْ يَجِبْ عِنْدَهُ رَدُّ الْمَهْرِ لِاخْتِلَافِ الدَّارَيْنِ، بَلْ لِاخْتِلَافِ الدِّينِ وَرَغْبَةِ الْمَرْأَةِ عَنِ التَّرَبُّصِ بِإِسْلَامِهِ، فَإِنَّهَا إِذَا حَاضَتْ حَيْضَةً مَلَكَتْ نَفْسَهَا، فَإِنْ شَاءَتْ تَزَوَّجَتْ، وَحِينَئِذٍ تَرُدُّ عَلَيْهِ مَهْرَهُ، وَإِنْ شَاءَتْ أَقَامَتْ، وَانْتَظَرَتْ إِسْلَامَهُ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠] ، فَإِنَّمَا ذَلِكَ بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا وَرَغْبَتِهَا عَنْ زَوْجِهَا، وَعَنِ التَّرَبُّصِ بِإِسْلَامِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا﴾ [البقرة: ٢٣٠] ، وَالْمُرَادُ بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا وَرِضَاهَا.
стр. 619
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠] ، فَهَذَا لَا يَدُلُّ عَلَى وُقُوعِ الْفُرْقَةِ بِاخْتِلَافِ الدَّارِ، وَإِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُسْلِمَ مَمْنُوعٌ مِنْ نِكَاحِ الْكَافِرَةِ الْمُشْرِكَةِ، وَنَحْنُ لَا نَقُولُ بِبَقَاءِ النِّكَاحِ مَعَ شِرْكِهَا، بَلْ نَقُولُ إِنَّهُ مَوْقُوفٌ، فَإِنْ أَسْلَمَتْ فِي عِدَّتِهَا، أَوْ بَعْدَهَا فَهِيَ امْرَأَتُهُ.
قَالَتِ الْحَنَفِيَّةُ: زَوْجَانِ اخْتَلَفَتْ بِهِمَا الدَّارُ فِعْلًا وَحُكْمًا، فَوَجَبَ أَنْ تَقَعَ الْفُرْقَةُ بَيْنَهُمَا، أَصْلُهُ الْحَرْبِيَّةُ إِذَا دَخَلَتْ دَارَ الْإِسْلَامِ بِأَمَانٍ، ثُمَّ أَسْلَمَتْ قَبْلَ الدُّخُولِ، وَإِذَا سُبِيَ الزَّوْجُ وَأُخْرِجَ إِلَى دَارِ الْإِسْلَامِ فَإِنَّ الْفُرْقَةَ تَقَعُ كَذَلِكَ هَاهُنَا.
قَالَ الْجُمْهُورُ: هَذَا مُنْتَقَضٌ بِمَا ذَكَرْنَا مِنِ انْتِقَالِ الْمُسْلِمِ إِلَى دَارِ الْحَرْبِ، وَدُخُولِ الْحَرْبِيَّةِ إِلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، وَدُخُولِ الْحَرْبِيِّ بِأَمَانٍ لِتِجَارَةٍ، أَوْ رِسَالَةٍ.
وَأَمَّا الْحَرْبِيَّةُ إِذَا دَخَلَتْ دَارَ الْإِسْلَامِ، وَأَسْلَمَتْ فَالْمُوجِبُ لِلْفُرْقَةِ هُنَاكَ اخْتِلَافُ الدِّينِ دُونَ اخْتِلَافِ الدَّارَيْنِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ وُجِدَ ذَلِكَ فِي دَارٍ وَاحِدَةٍ كَانَ الْحُكْمُ كَذَلِكَ.
وَأَمَّا السِّبَاءُ فَلَيْسَتِ الْعِلَّةُ فِي الْفُرْقَةِ فِيهِ اخْتِلَافُ الدَّارَيْنِ، وَلَا طَرَيَانِ الرِّقِّ، لِأَنَّا نَحْكُمُ بِالْفُرْقَةِ قَبْلَ حُصُولِ الْمَرْأَةِ فِي دَارِنَا بِظُهُورِ الْإِمَامِ عَلَيْهَا وَلِأَنَّا لَا نَحْكُمُ بِالْفُرْقَةِ بِسَبَبِ طَرَيَانِ الرِّقِّ عَلَيْهِمَا، وَلِهَذَا لَوْ سُبِيَ الزَّوْجَانِ مَعًا فَهُمَا عَلَى نِكَاحِهِمَا، وَإِنَّمَا نَحْكُمُ بِالْفُرْقَةِ لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّ السِّبَاءَ إِذَا وَقَعَ فِي أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ فَلَا سَبِيلَ إِلَى مَعْرِفَةِ بَقَاءِ الزَّوْجِ، أَوْ هَلَاكِهِ، فَيَنْزِلُ الْمَجْهُولُ الْمَشْكُوكُ فِيهِ كَالْمَعْدُومِ.
стр. 620
قَالُوا: وَلَا يَلْزَمُنَا هَذَا إِذَا عَلِمْنَا وُجُودَ الزَّوْجِ فِي دَارِ الْحَرْبِ؛ لِأَنَّهُ نَادِرٌ، وَالْغَالِبُ عَدَمُ الْعِلْمِ بِهِ.
قَالُوا: وَلِهَذَا الْمَعْنَى حَكَمْنَا بِإِسْلَامِ الطِّفْلِ بِإِسْلَامِ سَابِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَا سَبِيلَ إِلَى مَعْرِفَةِ أَبَوَيْهِ غَالِبًا، فَجَعَلْنَاهُ كَالْمُتَحَقِّقِ، وَإِنْ عَلِمْنَا وُجُودَهُمَا حَكَمْنَا بِإِسْلَامِهِ أَيْضًا لِأَنَّهُ نَادِرٌ، هَذَا جَوَابُ الْقَاضِي وَأَصْحَابِهِ، وَهُوَ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الزَّوْجَيْنِ إِذَا سُبِيَا مَعًا فَهُمَا عَلَى نِكَاحِهِمَا، وَأَنَّ الْفَسْخَ لَمْ يَكُنْ لِلِاسْتِيلَاءِ عَلَى بُضْعِ الْمَرْأَةِ، وَمِلْكِهِ، وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ أَحْمَدَ.
وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْفَسْخَ لَمْ يَكُنْ لِهَذِهِ الْعِلَّةِ، بَلْ لِلِاسْتِيلَاءِ عَلَى جَمِيعِ مِلْكِ الرَّجُلِ وَحُقُوقِهِ - وَبُضْعُ زَوْجَتِهِ مِنْ أَمْلَاكِهِ - وَقَدِ اسْتَوْلَى عَلَيْهِ وَمَلَكَهُ السَّابِي كَمَا مَلَكَ رَقَبَتَهَا، فَلَا مَعْنَى لِبَقَاءِ الْعِصْمَةِ فِي الْبُضْعِ وَحْدَهُ دُونَ سَائِرِ أَمْلَاكِهِ وَدُونَ سَائِرِ أَجْزَاءِ الْمَرْأَةِ، وَمَنَافِعِهَا، وَعَلَى هَذَا فَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ تُسْبَى وَحْدَهَا أَوْ مَعَ الزَّوْجِ، وَعَلَى هَذَا دَلَّ الْقُرْآنُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] ، نَزَلَتْ فِي السَّبَايَا فَحَرَّمَ اللَّهُ نِكَاحَ الْمُتَزَوِّجَاتِ إِلَّا الْمَسْبِيَّاتِ إِذَا انْقَضَتْ عِدَّتُهُنَّ.
стр. 621
لِذَلِكَ قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: وَلَمْ يُفَرَّقْ بَيْنَ أَنْ تُسْبَى وَحْدَهَا أَوْ مَعَ زَوْجِهَا، وَبَيْنَ أَنْ يُعْلَمَ هَلَاكُ الزَّوْجِ، أَوْ يُعْلَمَ بَقَاؤُهُ، أَوْ يُشَكَّ فِيهِ. وَلَوْ كَانَتِ الْعِلَّةُ إِنَّمَا هِيَ الْجَهْلُ بِبَقَاءِ الزَّوْجِ، وَتَنْزِيلُ الْمَجْهُولِ كَالْمَعْدُومِ لَمَا انْفَسَخَ النِّكَاحُ مَعَ الْعِلْمِ بِوُجُودِهِ فِي دَارِ الْحَرْبِ.
وَقَوْلُهُمْ: " إِنَّ هَذَا نَادِرٌ، وَالْحُكْمُ لِلْغَالِبِ " قَوْلٌ فِي غَايَةِ الْفَسَادِ، فَإِنَّ الْحُكْمَ إِذَا ثَبَتَ لِعِلَّةٍ زَالَ بِزَوَالِهَا، وَلَيْسَ بَقَاءُ الزَّوْجِ فِي دَارِ الْحَرْبِ نَادِرًا، وَلَوْ كَانَ نَادِرًا - وَهُوَ مَعْلُومٌ - كَانَ بِمَنْزِلَةِ الْمَفْقُودِ فِي الْمَهْلَكَةِ إِذَا عُلِمَ بَقَاؤُهُ، وَمِثْلُ هَذَا لَا يُقَالُ فِيهِ: نَادِرٌ، نِكَاحُ الْأَوَّلِ قَائِمٌ، وَوُجُودُ الزَّوْجِ مَقْطُوعٌ بِهِ، هَذَا فِي غَايَةِ الْفَسَادِ.
وَالصَّوَابُ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ، وَسِيرَةُ النَّبِيِّ ﷺ فِي السَّبَايَا، وَالْقِيَاسُ أَنَّ النِّكَاحَ يَنْفَسِخُ بِسِبَاءِ الْمَرْأَةِ مُطْلَقًا، فَإِنَّهَا قَدْ صَارَتْ مِلْكًا لِلسَّابِي، وَزَالَتِ الْعِصْمَةُ عَنْ مِلْكِ الزَّوْجِ لَهَا، كَمَا زَالَتْ عَنْ مِلْكِهِ لِرَقَبَتِهَا وَمَنَافِعِهَا، وَهَذَا اخْتِيَارُ أَبِي الْخَطَّابِ،
стр. 622
وَشَيْخِنَا، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: " إِنَّا إِنَّمَا حَكَمْنَا بِإِسْلَامِ الطِّفْلِ بِإِسْلَامِ سَابِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَا سَبِيلَ إِلَى مَعْرِفَةِ أَبَوَيْهِ غَالِبًا، فَجَعَلْنَاهُ كَالْمُحَقَّقِ، وَإِنْ عَلِمْنَا وُجُودَهُمَا حَكَمْنَا بِإِسْلَامِهِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ نَادِرٌ "، فَالصَّحِيحُ خِلَافُ هَذَا الْقَوْلِ، وَأَنَّهُ يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ تَبَعًا لِسَابِيهِ، وَلَوْ كَانَ مَعَ الْأَبَوَيْنِ، أَوْ أَحَدِهِمَا، فَهَذَا نَصُّ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْأَوْزَاعِيِّ وَأَهْلِ الشَّامِ، فَإِنَّ السَّابِيَ لَهُ أَحَقُّ بِهِ مِنْ أَبَوَيْهِ وَقَدِ انْقَطَعَتْ تَبَعِيَّتُهُ لِلْأَبَوَيْنِ بِسِبَاءِ الْمُسْلِمِ لَهُ، وَهُوَ مَوْلُودٌ عَلَى الْفِطْرَةِ، وَإِنَّمَا
стр. 623
جَعَلْنَاهُ عَلَى دِينِ أَبَوَيْهِ تَبَعًا لَهُمَا، فَإِذَا زَالَتِ التَّبَعِيَّةُ صَارَ مَالِكُهُ أَوْلَى بِهِ، وَصَارَ تَابِعًا لَهُ.
قَالَتِ الْحَنَفِيَّةُ: إِنَّ اخْتِلَافَ الدَّارَيْنِ يُؤَثِّرُ فِي قَطْعِ الْعِصْمَةِ، أَلَا تَرَى أَنَّ ذِمِّيًّا لَوْ مَاتَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ وَخَلَّفَ مَالًا وَلَهُ وَرَثَةٌ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ فِي دَارِ الْحَرْبِ لَمْ يَسْتَحِقُّوا مِنْ إِرْثِهِ شَيْئًا وَجُعِلَ مَالُهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ لِاخْتِلَافِ الدَّارَيْنِ، وَلَوْ كَانَ وَرَثَتُهُ ذِمِّيِّينَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ لَكَانُوا هُمْ أَحَقَّ بِتَرِكَتِهِ مِنْ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ لِأَنَّهُ لَمْ يَخْتَلِفْ بِهِ وَبِهِمُ الدَّارُ، وَكَذَلِكَ لَوْ سُبِيَ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ دُونَ أَبَوَيْهِ فَمَاتَ صُلِّيَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ اخْتَلَفَ بِهِ وَبِأَبَوَيْهِ الدَّارُ فَانْقَطَعَتِ الْعِصْمَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمَا فَصَارَ مُسْلِمًا بِالدَّارِ كَاللَّقِيطِ، وَلَوْ سُبِيَ مَعَ أَبَوَيْهِ أَوْ أَحَدِهِمَا، فَمَاتَ لَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَخْتَلِفْ بِهِ وَبِهِمَا، أَوْ بِأَحَدِهِمَا الدَّارُ.
قَالَ الْآخَرُونَ: انْقِطَاعُ الْإِرْثِ بَيْنَهُمَا لَمْ يَرْجِعْ إِلَى اخْتِلَافِ الدَّارَيْنِ، لَكِنْ رَجَعَ إِلَى قَطْعِ الْمُوَالَاةِ وَالنُّصْرَةِ، وَلِهَذَا لَوْ كَانَ ذِمِّيًّا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فَدَخَلَ قَرِيبُهُ الْحَرْبِيُّ مُسْتَأْمِنًا لِيُقِيمَ مُدَّةً وَيَرْجِعَ إِلَى دَارِ الْحَرْبِ لَمْ يَتَوَارَثَا، وَإِنْ كَانَتِ الدَّارُ وَاحِدَةً.
وَكَذَلِكَ إِذَا سُبِيَ الصَّبِيُّ دُونَ أَبَوَيْهِ، وَمَاتَ فَإِنَّهُ يُصَلَّى عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ مَوْتُهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ لِأَنَّا نَحْكُمُ بِإِسْلَامِهِ بِإِسْلَامِ سَابِيهِ، وَعَلَى أَنَّا لَا نُسَلِّمُ انْقِطَاعَ التَّوَارُثِ بَيْنَهُمَا، فَإِنَّ يَعْقُوبَ بْنَ بُخْتَانَ سَأَلَ أَحْمَدَ عَنْ رَجُلٍ مِنْ
стр. 624
أَهْلِ الذِّمَّةِ دَخَلَ بِأَمَانٍ فَقَتَلَهُ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَقَالَ: يُبْعَثُ بِدِيَتِهِ إِلَى أَهْلِ بِلَادِهِ، فَقَدْ نَصَّ عَلَى أَنَّ دِيَتَهُ يُنْفَذُ بِهَا إِلَى بِلَادِهِ، وَإِنَّمَا أَرَادَ بِذَلِكَ إِلَى وَرَثَتِهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَرَثَةٌ كَانَتْ دِيَتُهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ، وَقَدْ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ فِي النَّصْرَانِيِّ إِذَا مَاتَ، وَلَيْسَ لَهُ وَارِثٌ جُعِلَ مَالُهُ فِي بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ.
وَالْوَجْهُ فِيهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: ٩٢] ، وَهَذَا عَامٌّ فِي الذِّمِّيِّ، وَالْمُسْلِمِ، وَعَامٌّ فِيهِ إِذَا كَانَ أَهْلُهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، أَوْ دَارِ الْحَرْبِ، وَلِأَنَّهُمَا قَدِ اتَّفَقَا فِي الدِّينِ، فَجَازَ أَنْ يَتَوَارَثَا كَمَا لَوْ كَانَا فِي دَارٍ وَاحِدَةٍ، وَلِأَنَّهُمَا لَوِ اجْتَمَعَا فِي دَارٍ تَوَارَثَا فَيَجِبُ أَنْ يَتَوَارَثَا، وَإِنِ اخْتَلَفَتْ بِهِمَا الدَّارُ، دَلِيلُهُ الْمُسْتَأْمِنُ.
يُبَيِّنُ صِحَّةَ هَذَا: أَنَّ أَحْكَامَ الْمُسْتَأْمِنِ، وَالْحَرْبِيِّ مُخْتَلِفَةٌ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَأْمِنَ يَحْرُمُ قَتْلُهُ، وَتُضْمَنُ نَفْسُهُ، وَيُقْطَعُ بِسَرِقَةِ مَالِهِ، وَالْحَرْبِيُّ بِخِلَافِهِ، وَلِأَنَّ اخْتِلَافَ الدَّارَيْنِ لَا يُوجِبُ انْقِطَاعَ الْعِصْمَةِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يُوجِبُ فَسْخَ الْأَنْكِحَةِ.
وَقَوْلُهُمْ: " إِنَّ الْمِيرَاثَ يَثْبُتُ بِالْمُوَالَاةِ، وَالنُّصْرَةِ، وَاخْتِلَافُ الدَّارَيْنِ يَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ " لَا يَصِحُّ كَمَا لَمْ يَصِحَّ إِذَا اخْتَلَفَتِ الدَّارَانِ بِالْمُسْلِمِينَ، وَلِأَنَّ هَذَا يُبْطَلُ بِالْيَهُودِ، وَالنَّصَارَى، فَإِنَّهُمْ لَا يَتَنَاصَرُونَ، وَيَتَوَارَثُونَ عِنْدَ الْمُنَازِعِ لَنَا: وَعِنْدَنَا عَلَى إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَلَا يَتَوَارَثُونَ عَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى، لَا لِهَذِهِ
стр. 625
الْعِلَّةِ لَكِنْ لِاخْتِلَافِ الدِّينِ، فَإِنَّ دِينَهُمْ مُخْتَلِفٌ، وَلِأَنَّ الصَّبِيَّ، وَالْمَجْنُونَ وَالنِّسَاءَ يَرِثُونَ، وَلَا نُصْرَةَ فِيهِمْ، وَلِهَذَا لَمَّا كَانَ لِلْعَقْلِ طَرِيقَةُ النُّصْرَةِ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مَدْخَلٌ فِيهِ.
[فَصْلٌ عَلَى الْمُسْلِمِ نَفَقَةُ جَمِيعِ نِسَائِهِ قَبْلَ الِاخْتِيَارِ]
١٢٢ - فَصْلٌ
[عَلَى الْمُسْلِمِ نَفَقَةُ جَمِيعِ نِسَائِهِ قَبْلَ الِاخْتِيَارِ] .
وَمِنْ فُرُوعِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ قَبْلَ الِاخْتِيَارِ هُنَّ عَلَى النِّكَاحِ فِي حُكْمِ الْإِنْفَاقِ، فَعَلَيْهِ نَفَقَةُ الْجَمِيعِ إِلَى أَنْ يَخْتَارَ، لِأَنَّهُنَّ مَحْبُوسَاتٌ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنِ النِّكَاحُ صَحِيحًا لَازِمًا بَعْدَ الْإِسْلَامِ، وَلِأَنَّهُنَّ فِي حُكْمِ الزَّوْجَاتِ، وَلِهَذَا أَيَّتُهُنَّ اخْتَارَهَا كَانَتْ زَوْجَةً مِنْ غَيْرِ تَجْدِيدِ عَقْدٍ.
[فَصْلٌ إِذَا زَوَّجَ الْكَافِرُ ابْنَهُ الصَّغِيرَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ مَتَى يَخْتَارُ]
١٢٣ - فَصْلٌ
[إِذَا زَوَّجَ الْكَافِرُ ابْنَهُ الصَّغِيرَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ مَتَى يَخْتَارُ] .
وَلَوْ زَوَّجَ الْكَافِرُ ابْنَهُ الصَّغِيرَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ، ثُمَّ أَسْلَمَ الزَّوْجُ وَالزَّوْجَاتُ لَمْ يَكُنْ لَهُ الِاخْتِيَارُ قَبْلَ بُلُوغِهِ، فَإِنَّهُ لَا حُكْمَ لِقَوْلِهِ، وَلَيْسَ لِأَبِيهِ الِاخْتِيَارُ لِأَنَّ ذَلِكَ حَقٌّ يَتَعَلَّقُ بِالشَّهْوَةِ، فَلَا يَقُومُ غَيْرُهُ مَقَامَهُ فِيهِ، وَتُحْبَسُ عَلَيْهِ الزَّوْجَاتُ إِلَى أَنْ يَبْلُغَ، فَيَخْتَارُ حِينَئِذٍ، وَعَلَيْهِ نَفَقَتُهُنَّ إِلَى أَنْ يَخْتَارَ، هَكَذَا قَالَ أَصْحَابُنَا، وَالشَّافِعِيَّةُ، وَهُوَ فِي غَايَةِ الْإِشْكَالِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي الْإِسْلَامِ مُسْلِمٌ تَحْتَهُ عَشْرُ نِسْوَةٍ مُسْلِمَاتٍ يَبْقَى نِكَاحُهُنَّ عِدَّةَ سِنِينَ، وَفِي ذَلِكَ إِضْرَارٌ بِالزَّوْجَاتِ فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ بِحَيْثُ تَبْقَى الْمَرْأَةُ مَمْنُوعَةً مِنَ الزَّوْجِ عِدَّةَ سِنِينَ،
стр. 626
مَحْبُوسَةً عَلَى صَبِيٍّ لَا تَدْرِي أَيَخْتَارُهَا أَمْ يُفَارِقُهَا، وَفِي ذَلِكَ إِضْرَارٌ عَظِيمٌ بِهَا، وَهُوَ مُنْتَفٍ شَرْعًا، وَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنْ يَخْتَارَ عَنْهُ وَلِيُّهُ كَمَا لَوْ كَانَ مَجْنُونًا.
فَإِنْ قُلْتُمْ: " وَالْحُكْمُ فِي الْمَجْنُونِ كَذَلِكَ "، فَهُوَ فِي غَايَةِ الْفَسَادِ، إِذْ تَبْقَى الْمَرْأَةُ مَا شَاءَ اللَّهُ مِنَ السِّنِينَ مَحْبُوسَةً عَلَيْهِ، وَإِنْ فَرَّقْتُمْ بِأَنَّ الْبُلُوغَ لَهُ حَدٌّ يَنْتَهِي الصَّبِيُّ إِلَيْهِ، فَلَا يَشُقُّ انْتِظَارُهُ بِخِلَافِ الْجُنُونِ.
قِيلَ أَوَّلًا: لَا بُدَّ لِهَذَا الْفَرْقِ مِنْ شَاهِدٍ بِالِاعْتِبَارِ.
وَقِيلَ ثَانِيًا: لَا رَيْبَ أَنَّهُ يَشُقُّ عَلَى الْمَرْأَةِ الِانْتِظَارُ بِضْعَ عَشْرَةَ سَنَةً لَا يُدْرَى أَيَعِيشُ الزَّوْجُ حَتَّى يَصِلَ إِلَيْهَا، أَمْ يَمُوتَ قَبْلَ ذَلِكَ.
وَقِيلَ ثَالِثًا: وَالْجُنُونُ قَدْ يَزُولُ عَنْ قُرْبٍ، أَوْ بَعْدُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِزَوَالِهِ أَمَدٌ شَرْعِيٌّ، وَقَدْ صَرَّحَ الْأَصْحَابُ بِأَنَّهُ إِذَا جُنَّ انْتُظِرَ بِهِ عَوْدُ عَقْلِهِ، ثُمَّ يَخْتَارُ.
وَالصَّوَابُ أَنَّ الْوَلِيَّ يَقُومُ مَقَامَهُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ.
[فَصْلٌ الِاخْتِيَارُ وَاجِبٌ عَلَى الْفَوْرِ]
١٢٤ - فَصْلٌ
وَالِاخْتِيَارُ وَاجِبٌ عَلَى الْفَوْرِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِهِ، وَالْأَمْرُ الْمُطْلَقُ عَلَى الْفَوْرِ، وَلَا سِيَّمَا إِذَا تَضَمَّنَ التَّأْخِيرُ إِمْسَاكَ الْمُسْلِمِ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعٍ، وَهَذَا لَا يَجُوزُ، فَإِنْ أَبَى الِاخْتِيَارَ أُجْبِرَ عَلَيْهِ بِالْحَبْسِ، وَالضَّرْبِ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ عَلَيْهِ، وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى الْإِتْيَانِ بِهِ، فَأُجْبِرَ عَلَيْهِ كَإِيفَاءِ الدَّيْنِ.
стр. 627
قَالَ الشَّيْخُ فِي " الْكَافِي ": وَهَكَذَا كُلُّ مَنْ عَلَيْهِ حَقٌّ إِذَا امْتَنَعَ مِنْ أَدَائِهِ.
قَالَ الْقَاضِي فِي " الْجَامِعِ ": فَإِنْ لَمْ يَخْتَرْ حَبَسَهُ، وَيَكُونُ الْحَبْسُ ضَرْبًا مِنَ التَّعْزِيرِ، فَإِنْ لَمْ يَخْتَرْ ضَرَبَهُ وَعَزَّرَهُ، وَيَفْعَلُ ذَلِكَ ثَانِيًا، وَثَالِثًا حَتَّى يَخْتَارَ؛ لِأَنَّ هَذَا حَقٌّ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ، وَلَا يَقُومُ غَيْرُهُ مَقَامَهُ فَوَجَبَ حَبْسُهُ، وَتَعْزِيرُهُ حَتَّى يَفْعَلَهُ.
وَهَكَذَا إِذَا كَانَ عَلَى رَجُلٍ دَيْنٌ، وَلَهُ مَالٌ فَائِضٌ لَا يَعْرِفُ بِمَكَانِهِ، وَامْتَنَعَ مِنْ قَضَاءِ دَيْنِهِ، فَإِنَّ الْحَاكِمَ يَحْبِسُهُ وَيَضْرِبُهُ.
[فَصْلٌ هَلْ الِاخْتِيَارُ يُعَدُّ فِرَاقًا لِلْبَوَاقِي]
١٢٥ - فَصْلٌ
[هَلْ الِاخْتِيَارُ يُعَدُّ فِرَاقًا لِلْبَوَاقِي؟]
فَإِذَا اخْتَارَ أَرْبَعًا فَهَلْ يَكُونُ اخْتِيَارُهُ لَهُنَّ فِرَاقًا لِسَائِرِهِنَّ أَمْ لَا يَبِنَّ مِنْهُ
стр. 628
حَتَّى يُفَارِقَهُنَّ بِفِعْلِهِ؟ فَصَرَّحَ الشَّيْخُ فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَصَاحِبُ " الْمُغْنِي " أَنَّهُنَّ يَبِنَّ مِنْهُ بِنَفْسِ الِاخْتِيَارِ، وَوَقَعَ فِي كَلَامِ بَعْضِ الْأَصْحَابِ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُفَارِقَ غَيْرَ الْمُخْتَارَاتِ.
وَهَذِهِ الْعِبَارَةُ تُوهِمُ أَنَّهُنَّ لَا يَبِنَّ حَتَّى يُنْشِئَ لَهُنَّ فِرَاقًا.
وَحَكَاهُ الْخَطَّابِيُّ، عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ قَالَ: " وَحَدِيثُ فَيْرُوزٍ
стр. 629
الدَّيْلَمِيِّ حُجَّةٌ لِمَنْ قَالَ ذَلِكَ "، يَعْنِي قَوْلَهُ: " وَفَارِقْ سَائِرَهُنَّ "، وَلَوْ بِنَّ مِنْهُ بِنَفْسِ الِاخْتِيَارِ لَمْ يَأْمُرْهُ بِتَحْصِيلِ الْحَاصِلِ، وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ، وَالْمَسْأَلَةُ مُحْتَمَلَةٌ.
[فَصْلٌ إِذَا مَاتَ الْمُسْلِمُ قَبْلَ الِاخْتِيَارِ]
١٢٦ - فَصْلٌ
[إِذَا مَاتَ الْمُسْلِمُ قَبْلَ الِاخْتِيَارِ.]
فَإِنْ مَاتَ قَبْلَ الِاخْتِيَارِ، فَقَالَ الْقَاضِي: " قِيَاسُ الْمَذْهَبِ يَقْتَضِي أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى جَمَاعَتِهِنَّ عِدَّةُ الْوَفَاةِ؛ لِأَنَّ أَكْثَرَ مَا فِيهِ أَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنِ اسْتِدَامَةِ نِكَاحٍ مَا
стр. 630
زَادَ عَلَى أَرْبَعٍ، وَهَذَا لَا يَمْنَعُ مِنْ عِدَّةِ الْوَفَاةِ كَالنِّكَاحِ الْفَاسِدِ إِذَا اتَّصَلَ بِهِ الْمَوْتُ وَجَبَ فِيهِ عِدَّةُ الْوَفَاةِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَهَذَا أَوْلَى لِأَنَّا نَحْكُمُ بِصِحَّةِ الْعَقْدِ فِي الْجَمِيعِ ".
وَتَبِعَهُ الشَّيْخُ فِي " الْمُقْنِعِ "، وَقَالَ فِي " الْكَافِي "، وَ " الْمُغْنِي ": وَالْأَوْلَى أَنَّ مَنْ كَانَتْ مِنْهُنَّ حَامِلًا فَعِدَّتُهَا بِوَضْعِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ تَنْقَضِي بِهِ الْعِدَّةُ فِي كُلِّ حَالٍ، وَمَنْ كَانَتْ آيِسَةً أَوْ صَغِيرَةً فَعِدَّتُهَا عِدَّةُ الْوَفَاةِ لِأَنَّهَا أَطْوَلُ الْعِدَّتَيْنِ فِي حَقِّهَا، وَمَنْ كَانَتْ مِنْ ذَوَاتِ الْأَقْرَاءِ اعْتَدَّتْ أَطْوَلَ الْأَجَلَيْنِ مِنْ ثَلَاثَةِ قُرُوءٍ، أَوْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرٍ، لِتَنْقَضِيَ الْعِدَّةُ بِيَقِينٍ، وَلِأَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ مُخْتَارَةً أَوْ مُفَارِقَةً، وَعِدَّةُ الْمُخْتَارَةِ عِدَّةُ الْوَفَاةِ، وَعِدَّةُ الْمُفَارَقَةِ ثَلَاثَةُ قُرُوءٍ، فَأَوْجَبْنَا أَطْوَلَهُمَا لِتَنْقَضِيَ الْعِدَّةُ بِيَقِينٍ كَمَا قُلْنَا فِيمَنْ نَسِيَ صَلَاةً مِنْ يَوْمٍ لَا يَعْلَمُ عَيْنَهَا عَلَيْهِ خَمْسُ صَلَوَاتٍ، وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
وَلَوْ قِيلَ: إِنَّ مَنْ كَانَتْ مِنْهُنَّ حَامِلًا اعْتَدَّتْ بِالْوَضْعِ، وَمَنْ كَانَتْ حَائِلًا فَعِدَّتُهَا عِدَّةُ الْوَفَاةِ بِكُلِّ حَالٍ، لَكَانَ قَوِيًّا؛ لِأَنَّ وَضْعَ الْحَمْلِ يَأْتِي عَلَى جَمِيعِ الْعِدَّةِ، فَلَا عِدَّةَ بَعْدَهُ.
وَأَمَّا الْحَائِلُ فَلِأَنَّ النِّكَاحَ قَبْلَ الِاخْتِيَارِ فِي حُكْمِ الثَّابِتِ، بِدَلِيلِ أَنَّ مَنِ اخْتَارَهَا مِنْهُنَّ فَهِيَ زَوْجَةٌ مِنْ غَيْرِ تَجْدِيدِ عَقْدٍ، وَمَنْ طَلَّقَهَا نَفَذَ طَلَاقُهُ، وَغَايَتُهُ أَنَّهُ نِكَاحٌ غَيْرُ مُسْتَقِرٍّ، وَهُوَ آيِلٌ إِلَى الْفَسْخِ فِي حَقِّ بَعْضِهِنَّ، وَلَمْ يَتَعَيَّنِ الْمَفْسُوخُ نِكَاحُهَا، وَالْأَصْلُ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ بَقَاءُ النِّكَاحِ، وَهَذَا أَوْلَى إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
стр. 631
[فَصْلٌ مِيرَاثُ مَنْ مَاتَ عَنْهُنَّ الْمُسْلِمُ وَهُنَّ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعٍ]
١٢٧ - فَصْلٌ
[مِيرَاثُ مَنْ مَاتَ عَنْهُنَّ الْمُسْلِمُ وَهُنَّ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعٍ] .
فَأَمَّا مِيرَاثُهُنَّ، فَقَالَ الْقَاضِي: " فِيهِنَّ أَرْبَعٌ يَسْتَحْقِقْنَ الْمِيرَاثَ، وَأَرْبَعٌ لَا يَسْتَحْقِقْنَهُ، فَيُنْظَرُ ; فَإِنِ اصْطَلَحُوا عَلَى أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بَيْنَهُنَّ عَلَى السَّوَاءِ، أَوْ عَلَى التَّفَاضُلِ، أَوْ يَكُونَ لِبَعْضِهِنَّ جَازَ، وَإِنْ تَشَاحُّوا فَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يَقْرَعُ بَيْنَهُنَّ، فَإِذَا وَقَعَتِ الْقَرْعَةُ لِأَرْبَعٍ مِنْهُنَّ، كَانَ الْمِيرَاثُ بَيْنَهُنَّ بِالسَّوِيَّةِ ".
قَالَ: " وَأَصْلُ هَذَا مَا نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي مَنْ طَلَّقَ وَاحِدَةً مِنْ نِسَائِهِ لَا بِعَيْنِهَا - أَوْ بِعَيْنِهَا - لَكِنَّهُ أُنْسِيَهَا، فَإِنَّهُ يَقْرَعُ بَيْنَهُنَّ، وَتَخْرُجُ بِالْقُرْعَةِ، فَإِنْ مَاتَ قَبْلَ ذَلِكَ أَقْرَعُ الْوَرَثَةُ، وَكَانَ الْمِيرَاثُ لِلْبَوَاقِي مِنْهُنَّ ".
وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْمِيرَاثَ يُوقَفُ حَتَّى يَصْطَلِحْنَ عَلَيْهِ.
[فَصْلٌ الْمَهْرُ لِلنِّسْوَةِ إِذَا كُنَّ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعٍ]
١٢٨ - فَصْلٌ
[الْمَهْرُ لِلنِّسْوَةِ إِذَا كُنَّ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعٍ] .
وَأَمَّا الْمَهْرُ، فَيُنْظَرُ، فَإِنْ كَانَ بَعْدَ الدُّخُولِ فَالْمَهْرُ وَاجِبٌ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ لِأَجْلِ الدُّخُولِ، وَكَذَلِكَ إِنْ كَانَ قَدْ دَخَلَ بِبَعْضِهِنَّ كَانَ لَهَا الْمَهْرُ، وَإِنْ مَاتَ قَبْلَ الدُّخُولِ نُظِرَ فِي السَّابِقِ مِنْهُمَا إِلَى الْإِسْلَامِ، فَإِنْ كَانَ الزَّوْجُ
стр. 632
وَجَبَ عَلَيْهِ نِصْفُ الْمَهْرِ لِأَرْبَعٍ مِنْهُنَّ كَمَا أَوْجَبْنَا الْمِيرَاثَ لِأَرْبَعٍ مِنْهُنَّ، وَإِنْ كَانَ السَّابِقُ الزَّوْجَاتُ فَلَا مَهْرَ لِوَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ؛ لِأَنَّ الْفُرْقَةَ جَاءَتْ مِنْ جِهَتِهِنَّ قَبْلَ الدُّخُولِ.
١٢٩ - فَصْلٌ
فَإِنْ طَلَّقَ الْجَمِيعَ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا: يَخْرُجُ مِنْهُنَّ أَرْبَعٌ بِالْقُرْعَةِ، فَيَكُنَّ الْمُخْتَارَاتِ وَيَقَعُ الطَّلَاقُ بِهِنَّ، وَيَنْفَسِخُ نِكَاحُ الْبَوَاقِي، وَلَهُ تَجْدِيدُ الْعَقْدِ عَلَيْهِنَّ، فَإِنْ كَانَ الطَّلَاقُ ثَلَاثًا فَمَتَى انْقَضَتْ عِدَّتُهُنَّ، فَلَهُ أَنْ يَنْكِحَ مِنَ الْبَاقِيَاتِ لِأَنَّهُنَّ لَمْ يُطَلَّقْنَ مِنْهُ، وَلَا يَحِلُّ لَهُ الْمُطَلَّقَاتُ إِلَّا بَعْدَ زَوْجٍ وَإِصَابَةٍ.
قُلْتُ: وَهَذَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الطَّلَاقَ يَكُونُ اخْتِيَارًا لِلْمُطَلَّقَاتِ، فَيَكُنَّ هُنَّ الزَّوْجَاتِ وَمَنْ عَدَاهُنَّ أَجْنَبِيَّاتٌ، وَعَلَى أَنَّهُ إِذَا كَانَ تَحْتَهُ أَرْبَعٌ فَطَلَّقَهُنَّ لَمْ يَحِلَّ لَهُ نِكَاحُ خَامِسَةٍ حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّةُ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ.
وَعِنْدِي يَنْفُذُ الطَّلَاقُ فِي الْجَمِيعِ لِأَنَّهُنَّ فِي حُكْمِ الزَّوْجَاتِ قَبْلَ الِاخْتِيَارِ، وَكُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ صَالِحَةٌ لِلْإِبْقَاءِ مِنْ غَيْرِ تَجْدِيدِ عَقْدٍ، وَكَوْنُ النِّكَاحِ فَاسِدًا لَا فِي الْجَمِيعِ، وَآيِلًا إِلَى الْفَسْخِ فِيمَا زَادَ عَلَى الْأَرْبَعِ لَا يَمْنَعُ وُقُوعَ الطَّلَاقِ، فَإِنَّ الطَّلَاقَ عِنْدَنَا يَقَعُ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ الَّذِي لَا سَبِيلَ إِلَى الِاسْتِمْرَارِ بِهِ، وَهُنَا لَهُ سَبِيلٌ إِلَى الِاسْتِمْرَارِ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ عَلَى انْفِرَادِهَا، وَمَعَ ثَلَاثٍ أُخَرَ.
стр. 633
[فَصْلٌ لَوْ أَسْلَمَ ثُمَّ طَلَّقَ الْجَمِيعَ قَبْلَ إِسْلَامِهِنَّ]
١٣٠ - فَصْلٌ
فَلَوْ أَسْلَمَ، ثُمَّ طَلَّقَ الْجَمِيعَ قَبْلَ إِسْلَامِهِنَّ، ثُمَّ أَسْلَمْنَ فِي الْعِدَّةِ أُمِرَ أَنْ يَخْتَارَ أَرْبَعًا مِنْهُنَّ، فَإِذَا اخْتَارَهُنَّ تَبَيَّنَّا أَنَّ طَلَاقَهُ وَقَعَ بِهِنَّ لِأَنَّهُنَّ زَوْجَاتٌ، وَيَعْتَدِدْنَ مِنْ حِينِ طَلَاقِهِ، وَبَانَ الْبَوَاقِي بِاخْتِيَارِهِ لِغَيْرِهِنَّ، وَلَا يَقَعُ بِهِنَّ طَلَاقُهُ، وَلَهُ نِكَاحُ أَرْبَعٍ مِنْهُنَّ إِذَا انْقَضَتْ عِدَّةُ الْمُطَلَّقَاتِ؛ لِأَنَّ هَؤُلَاءِ غَيْرُ مُطَلَّقَاتٍ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَبَيْنَ الَّتِي قَبْلَهَا: أَنَّ طَلَاقَهُنَّ قَبْلَ إِسْلَامِهِنَّ فِي زَمَنٍ لَيْسَ لَهُ الِاخْتِيَارُ فِيهِ، فَإِذَا أَسْلَمَتْ تُجَدِّدُ لَهُ الِاخْتِيَارَ حِينَئِذٍ، وَفِي الَّتِي قَبْلَهَا طَلَّقَهُنَّ وَلَهُ الِاخْتِيَارُ، وَالطَّلَاقُ يَصْلُحُ اخْتِيَارًا، وَقَدْ أَوْقَعَهُ فِي الْجَمِيعِ، وَلَيْسَ بَعْضُهُنَّ أَوْلَى مِنْ بَعْضٍ، فَصِرْنَا إِلَى الْقُرْعَةِ لِتَسَاوِي الْحُقُوقِ.
[فَصْلٌ مَتَّى تَبْدَأُ عِدَّةُ الْمُفَارَقَاتِ]
١٣١ - فَصْلٌ
[مَتَّى تَبْدَأُ عِدَّةُ الْمُفَارَقَاتِ] .
وَإِذَا اخْتَارَ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا وَفَارَقَ الْبَوَاقِيَ فَهَلِ الْعِدَّةُ مِنْ حِينِ الِاخْتِيَارِ أَمْ مِنْ حِينِ الْإِسْلَامِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ:
أَشْهَرُهُمَا: أَنَّهَا مِنْ حِينِ الِاخْتِيَارِ، لِأَنَّهُنَّ إِنَّمَا بِنَّ مِنْهُ بِالِاخْتِيَارِ.
وَوَجْهُ الْوَجْهِ الثَّانِيِ: أَنَّهُنَّ يَبِنَّ مِنْهُ بِالْإِسْلَامِ، وَإِنَّمَا يَتَبَيَّنُ ذَلِكَ بِالِاخْتِيَارِ، فَيَثْبُتُ حُكْمُ الْبَيْنُونَةِ مِنْ حِينِ الْإِسْلَامِ، كَمَا إِذَا أَسْلَمَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ، وَلَمْ يُسْلِمِ الْآخَرُ حَتَّى انْقَضَتْ عِدَّتُهَا، فَإِنَّهَا تَبِينُ بِانْقِضَاءِ عِدَّتِهَا مِنْ حِينِ الْإِسْلَامِ، وَفُرْقَتُهُنَّ فَسْخٌ لَا طَلَاقٌ.
стр. 634
وَأَمَّا عِدَّتُهُنَّ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا: كَعِدَّةِ الْمُطَلَّقَاتِ، ثَلَاثَةُ قُرُوءٍ؛ لِأَنَّ عِدَّةَ مَنِ انْفَسَخَ نِكَاحُهَا كَذَلِكَ.
وَقَالَ شَيْخُنَا: " عِدَّتُهُنَّ حَيْضَةٌ وَاحِدَةٌ، وَكَذَلِكَ عِدَّةُ الْمُخْتَلِعَةِ، وَسَائِرِ مَنْ فُسِخَ نِكَاحُهَا: لِأَنَّ الْعِدَّةَ إِنَّمَا جُعِلَتْ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ لِتُمَكِّنَ الزَّوْجَ مِنَ الرَّجْعَةِ فِيهَا، وَأَمَّا الْفُسُوخُ - كَالْخُلْعِ، وَغَيْرِهِ - فَالْمَقْصُودُ مِنْهَا بَرَاءَةُ الرَّحِمِ، فَيُكْتَفَى فِيهَا بِحَيْضَةٍ ".
قَالَ: " وَبِذَلِكَ أَفْتَى النَّبِيُّ ﷺ الْمُخْتَلِعَةَ ".
قَالَ: " وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَلَا يُعْرَفُ لَهُ مُخَالِفٌ مِنَ الصَّحَابَةِ ".
قُلْتُ لَهُ: فَمَا تَقُولُ فِي الْمُطَلَّقَةِ تَمَامَ الثَّلَاثِ، فَقَالَ: " الطَّلْقَةُ الثَّالِثَةُ مِنْ جِنْسِ الطَّلْقَتَيْنِ اللَّتَيْنِ قَبْلَهَا، فَكَانَ حُكْمُهَا حُكْمَهُمَا، هَذَا إِنْ كَانَ فِي الْمَسْأَلَةِ إِجْمَاعٌ " انْتَهَى.
وَإِنْ مَاتَتْ إِحْدَى الْمُخْتَارَاتِ، أَوْ بَانَتْ مِنْهُ وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا فَلَهُ أَنْ يَنْكِحَ وَاحِدَةً مِنَ الْمُفَارَقَاتِ، وَتَكُونَ عِنْدَهُ عَلَى طَلَاقِ ثَلَاثٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُطَلِّقْهَا قَبْلَ ذَلِكَ.
стр. 635
[فَصْلٌ مَنْ أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ ثَمَانِ نِسْوَةٍ فَأَسْلَمَ مِنْهُنَّ أَرْبَعٌ]
١٣٢ - فَصْلٌ
[مَنْ أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ ثَمَانِ نِسْوَةٍ فَأَسْلَمَ مِنْهُنَّ أَرْبَعٌ] .
وَإِذَا أَسْلَمَ، وَتَحْتَهُ ثَمَانِ نِسْوَةٍ، فَأَسْلَمَ أَرْبَعٌ مِنْهُنَّ فَلَهُ اخْتِيَارُهُنَّ، وَلَهُ الْوُقُوفُ إِلَى أَنْ يُسْلِمَ الْبَوَاقِي، فَإِنْ مَاتَ اللَّاتِي أَسْلَمْنَ، ثُمَّ أَسْلَمَ الْبَاقِيَاتُ فَلَهُ اخْتِيَارُ الْمَيِّتَاتِ، وَلَهُ اخْتِيَارُ الْبَاقِيَاتِ، وَلَهُ اخْتِيَارُ بَعْضِ هَؤُلَاءِ، وَبَعْضِ هَؤُلَاءِ؛ لِأَنَّ الِاخْتِيَارَ لَيْسَ بِعَقْدٍ، وَإِنَّمَا هُوَ تَصْحِيحٌ لِلْعَقْدِ الْأَوَّلِ فِي الْمُخْتَارَاتِ، وَالِاعْتِبَارُ فِي الِاخْتِيَارِ بِحَالِ ثُبُوتِهِ وَصِحَّتِهِ، لَا بِحَالِ وُقُوعِهِ، وَحَالُ ثُبُوتِهِ كُنَّ أَحْيَاءً، وَإِنْ أَسْلَمَتْ وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ، فَقَالَ: " اخْتَرْتُهَا " جَازَ، فَإِذَا اخْتَارَ أَرْبَعًا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ انْفَسَخَ نِكَاحُ الْبَوَاقِي، وَإِنْ قَالَ: " اخْتَرْتُ فَسْخَ نِكَاحِهَا " لَمْ يَصِحَّ لِأَنَّ الْفَسْخَ إِنَّمَا يَكُونُ فِيمَا زَادَ عَلَى الْأَرْبَعِ، وَالِاخْتِيَارُ لِلْأَرْبَعِ، إِلَّا أَنْ يُرِيدَ بِالْفَسْخِ الطَّلَاقَ فَيَقَعُ لِأَنَّهُ كِنَايَةٌ، وَيَكُونُ طَلَاقُهُ لَهَا اخْتِيَارًا لَهَا، ذَكَرَهُ أَصْحَابُنَا.
وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَصِحُّ، فَإِنَّهُ مَا مِنْهُنَّ وَاحِدَةٌ إِلَّا وَلَهُ أَنْ يَخْتَارَهَا، وَيَخْتَارَ مُفَارَقَتَهَا، فَإِذَا قَالَ: " فَسَخْتُ نِكَاحَ هَذِهِ " فَهُوَ اخْتِيَارٌ لِفِرَاقِهَا، وَلَهُ أَنْ يُفَارِقَهَا وَحْدَهَا، وَيُفَارِقَهَا مَعَ جُمْلَتِهِنَّ وَيُفَارِقَهَا مَعَ الزَّائِدَاتِ عَلَى النِّصَابِ.
فَإِذَا قَالَ: " اخْتَرْتُ فَسْخَ نِكَاحِهَا "، فَكَأَنَّهُ قَالَ: هَذِهِ مِنَ الْمُفَارَقَاتِ، وَهُوَ لَوِ اخْتَارَ أَرْبَعًا سِوَاهَا وَلَمْ يُصَرِّحْ، نَفْسَخُ نِكَاحَهَا، فَكَيْفَ إِذَا صَرَّحَ بِهِ؟ !
فَإِنْ قِيلَ: هِيَ زَوْجَةٌ، وَالرَّجُلُ لَا يَسْتَقِلُّ بِفَسْخِ النِّكَاحِ فِي غَيْرِ الْمُعَيَّنَةِ،
следующие страницы →