Полный текст (1 326 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.
стр. 701
لَهُمْ كِتَابٌ، وَلَا تُؤْكَلُ ذَبِيحَتُهُمْ وَلَا يُنْكَحُونَ.
وَقَالَ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ مُوسَى، وَقَدْ سُئِلَ: " أَيَصِحُّ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّ الْمَجُوسَ أَهْلُ كِتَابٍ؟ " فَقَالَ: هَذَا بَاطِلٌ، وَاسْتَعْظَمَهُ جِدًّا، وَقَالَ: إِنَّ قَوْمًا قَدْ أَسَاءُوا، يَقُولُونَ هَذَا الْقَوْلَ، وَهُوَ قَوْلُ سُوءٍ: فَقَدْ نَصَّ عَلَى تَحْرِيمِ مُنَاكَحَتِهِمْ، وَعَلَى أَنَّهُ لَا كِتَابَ لَهُمْ.
وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ الْمُنْذِرِ، عَنْ حُذَيْفَةَ أَنَّهُ تَزَوَّجَ بِمَجُوسِيَّةٍ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: طَلِّقْهَا، وَلَكِنْ ضَعَّفَهُ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيِّ. وَقَدْ سَأَلَهُ عَنْ حَدِيثِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّ حُذَيْفَةَ تَزَوَّجَ مَجُوسِيَّةً، فَأَنْكَرَهُ، وَقَالَ الْأَخْبَارُ عَلَى خِلَافِهِ. قَالَ الْمَرُّوذِيُّ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: ثَبَتَ عِنْدَكَ؟ قَالَ: لَا.
وَقَالَ فِي رِوَايَةِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ: رَوَى الدَّانَاجُ، وَأَبُو وَائِلٍ أَنَّهُ تَزَوَّجَ يَهُودِيَّةً.
стр. 702
وَرَوَى الْمَرْوَزِيُّ، عَنِ الشَّافِعِيِّ قَوْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: تَجُوزُ مُنَاكَحَتُهُمْ، وَبَنَاهُمَا عَلَى أَنَّهُ هَلْ لَهُمْ كِتَابٌ أَمْ لَا؟ وَأَنْكَرَ غَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ هَذَا النَّقْلَ وَالْبِنَاءَ، وَقَالَ: لَوْ قُلْنَا: تَحِلُّ مُنَاكَحَتُهُمْ - إِذَا قُلْنَا لَهُمْ كِتَابٌ - لَوَجَبَ أَنْ نَقُولَ: لَا يُقَرُّونَ بِالْجِزْيَةِ إِذَا قُلْنَا لَا كِتَابَ لَهُمْ.
وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ: تَجُوزُ مُنَاكَحَتُهُمْ وَأَكْلُ ذَبَائِحِهِمْ، قَالَ الْمَرُّوذِيُّ: قُلْتُ لِأَحْمَدَ: إِنَّ أَبَا ثَوْرٍ يَحْتَجُّ بِأَنَّهُمْ أَهْلُ كِتَابٍ. فَقَالَ: وَأَيُّ كِتَابٍ لَهُمْ؟
قَالَ الْقَاضِي: فَإِنْ قِيلَ: فَكَيْفَ اسْتَجَازَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ إِبْرَاهِيمَ أَنْ يَدْعُوَ عَلَى مَنْ يُجِيزُ نِكَاحَ الْمَجُوسِ وَهُوَ مِمَّا يُسَوَّغُ فِيهِ الِاجْتِهَادُ، لِأَنَّكُمْ قَدْ رَوَيْتُمْ ذَلِكَ عَنْ حُذَيْفَةَ وَأَبِي ثَوْرٍ؟ - وَخَرَّجَهُ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ قَوْلًا لَهُ - قِيلَ لَهُ: أَمَّا مَا رُوِيَ عَنْ حُذَيْفَةَ فَقَدْ بَيَّنَّا ضَعْفَهُ، وَأَمَّا أَبُو ثَوْرٍ فَيُحْتَمَلُ أَنَّ أَحْمَدَ لَمْ يَظْهَرْ لَهُ خِلَافُهُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ.
وَكَذَلِكَ هَذَا الْقَائِلُ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ حَدَثَ بَعْدَ أَحْمَدَ، وَلَمْ يَظْهَرْ هَذَا فِي وَقْتِهِ عَنِ الشَّافِعِيِّ. وَالَّذِي يُبَيِّنُ هَذَا مَا قَالَهُ فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيِّ: " مَا
стр. 703
اخْتَلَفَ أَحَدٌ فِي نِكَاحِ الْمَجُوسِ، أَوْ ذَبَائِحِهِمْ، اخْتَلَفُوا فِي الْيَهُودِ، وَالنَّصَارَى، فَأَمَّا الْمَجُوسُ فَلَمْ يَخْتَلِفُوا " وَضَعُفَ مَا جَاءَ فِيهِ.
قُلْتُ: قَوْلُهُ " لَعَلَّهُ لَمْ يَظْهَرْ لَهُ خِلَافُهُ " جَوَابٌ فَاسِدٌ، فَإِنَّهُ قَدْ حُكِيَ لَهُ أَنَّ أَبَا ثَوْرٍ يُجِيزُ نِكَاحَ الْمَجُوسِ، فَقَالَ: أَبُو ثَوْرٍ كَاسْمِهِ، وَدَعَا عَلَيْهِ، وَقَالَ: لَا فَرَّجَ اللَّهُ عَمَّنْ يَقُولُ بِهَذَا الْقَوْلِ.
وَالْمَسْأَلَةُ عِنْدَهُ مِمَّا لَا يَسُوغُ فِيهَا الِاجْتِهَادُ، لِظُهُورِ إِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ عَلَى تَحْرِيمِ مُنَاكَحَتِهِمْ. وَهَذَا مِمَّا يَدُلُّ عَلَى فِقْهِ الصَّحَابَةِ، وَأَنَّهُمْ أَفْقَهُ الْأُمَّةِ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَنِسْبَةُ فِقْهِ مَنْ بَعْدَهُمْ إِلَى فِقْهِهِمْ كَنِسْبَةِ فَضْلِهِمْ إِلَى فَضْلِهِمْ، فَإِنَّهُمْ أَخَذُوا فِي دِمَائِهِمْ بِالْعِصْمَةِ، وَفِي ذَبَائِحِهِمْ، وَمُنَاكَحَتِهِمْ بِالْحُرْمَةِ، فَرَدُّوا الدِّمَاءَ إِلَى أُصُولِهَا، وَالْفُرُوجَ وَالذَّبَائِحَ إِلَى أُصُولِهَا.
[فَصْلٌ إِجْبَارُ الزَّوْجَةِ الذِّمِّيَّةِ عَلَى الطَّهَارَةِ]
١٥٩ - فَصْلٌ
[إِجْبَارُ الزَّوْجَةِ الذِّمِّيَّةِ عَلَى الطَّهَارَةِ] .
لِلْمُسْلِمِ إِجْبَارُ زَوْجَتِهِ الذِّمِّيَّةِ عَلَى الْغُسْلِ مِنَ الْحَيْضِ، وَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ: يَأْمُرُهَا بِالْغُسْلِ مِنَ الْجَنَابَةِ، فَإِنْ أَبَتْ لَمْ يَتْرُكْهَا.
وَقَدْ عَلَّقَ الْقَوْلَ فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ فِي الْمُشْرِكَةِ: يَجِبُ عَلَيْهَا الْغُسْلُ مِنَ الْجَنَابَةِ وَالْحَيْضِ، فَإِنْ لَمْ تَغْتَسِلْ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهَا، الشِّرْكُ أَعْظَمُ.
стр. 704
قَالَ الْقَاضِي: وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ لَمْ يُوجِبْ ذَلِكَ عَلَيْهَا عِنْدَ امْتِنَاعِهَا، قَالَ: وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهَا امْتَنَعَتْ وَلَمْ يُوجَدْ مِنَ الزَّوْجِ مُطَالَبَةٌ بِالْغُسْلِ، قَالَ: وَالدَّلَالَةُ عَلَى أَنَّ لَهُ إِجْبَارَهَا عَلَى ذَلِكَ: أَنَّ بَقَاءَ الْغُسْلِ يُحَرِّمُ عَلَيْهِ الْوَطْءَ الَّذِي يَسْتَحِقُّهُ، وَكَانَ لَهُ إِجْبَارُهَا عَلَيْهِ، لِاسْتِيفَاءِ حَقِّهِ، كَمَا لَهُ إِجْبَارُهَا عَلَى مُلَازَمَةِ الْمَنْزِلِ، وَالتَّمْكِينُ مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ، لِيَتَوَصَّلَ بِذَلِكَ إِلَى اسْتِيفَاءِ حَقِّهِ.
فَأَمَّا الْغُسْلُ مِنَ الْجَنَابَةِ، فَهَلْ لِلزَّوْجِ أَنْ يُجْبِرَهَا عَلَيْهِ؟ فَقَدْ أَطْلَقَ الْقَوْلَ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ وَقَالَ: يَأْمُرُهَا بِالْغُسْلِ مِنَ الْجَنَابَةِ، فَإِنْ أَبَتْ لَمْ يَتْرُكْهَا، وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّ لَهُ إِجْبَارَهَا، وَقَالَ فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا فِي رَجُلٍ تَزَوَّجَ نَصْرَانِيَّةً فَأَمَرَهَا بِتَرْكِهِ (يَعْنِي شُرْبَ الْخَمْرِ) : فَإِنْ لَمْ تَقْبَلْ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَمْنَعَهَا.
وَظَاهِرُ هَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ إِجْبَارَهَا عَلَى الْغُسْلِ مِنَ الْجَنَابَةِ، كَمَا لَمْ يَمْلِكْ إِجْبَارَهَا عَلَى الِامْتِنَاعِ مِنْ شُرْبِ الْخَمْرِ؛ لِأَنَّهُ يَمْنَعُ مِنْ كَمَالِ الْوَطْءِ، وَلَا يَمْنَعُ مِنْ أَصْلِهِ.
وَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى أَنَّ بَقَاءَ الْغُسْلِ عَلَيْهَا يَمْنَعُهُ مِنْ كَمَالِ الِاسْتِمْتَاعِ، فَإِنَّ النَّفْسَ تَعَافُ وَطْءَ مَنْ لَا تَغْتَسِلُ مِنَ الْجَنَابَةِ، فَيَفُوتُهُ بِذَلِكَ بَعْضُ حَقِّهِ، فَكَانَ لَهُ إِجْبَارُهَا كَمَا كَانَ لَهُ فِي الِاغْتِسَالِ مِنَ الْحَيْضِ.
стр. 705
وَوَجْهُ الثَّانِيَةِ أَنَّ بَقَاءَ غُسْلِ الْجَنَابَةِ عَلَيْهَا لَا يُحَرِّمُ عَلَيْهِ وَطْأَهَا، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ إِجْبَارُهَا عَلَى ذَلِكَ، وَيُفَارِقُ هَذَا غُسْلُ الْحَيْضِ؛ لِأَنَّ بَقَاءَهُ مُحَرَّمٌ عَلَيْهَا، وَهَاتَانِ الرِّوَايَتَانِ أَصْلٌ لِكُلِّ مَا لَمْ يَمْنَعْهُ مِنْ أَصْلِ الِاسْتِمْتَاعِ، لَكِنَّهُ يَمْنَعُهُ مِنْ كَمَالِهِ، هَلْ لَهُ إِجْبَارُهَا عَلَيْهِ أَمْ لَا؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ فِي ذَلِكَ:
إِحْدَاهُمَا: لَهُ ذَلِكَ إِذَا كَانَ عَلَيْهَا وَسَخٌ، وَدَرَنٌ، وَأَرَادَ إِجْبَارَهَا عَلَى إِزَالَتِهِ لِأَنَّ النَّفْسَ تَعَافُ الِاسْتِمْتَاعَ مَعَ وُجُودِهِ.
وَالثَّانِيَةُ: لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ.
وَأَمَّا أَخْذُ الشَّعْرِ، وَتَقْلِيمُ الْأَظْفَارِ، فَيَنْظُرُ، فَإِنْ طَالَ الشَّعْرُ وَاسْتَرْسَلَ بِحَيْثُ يُسْتَقْذَرُ، وَيَمْنَعُ الِاسْتِمْتَاعَ، فَلَهُ إِجْبَارُهَا عَلَى إِزَالَتِهِ: رِوَايَةً وَاحِدَةً، وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ حَدِّ الْعَادَةِ، لَكِنَّهُ طَالَ قَلِيلًا، وَكَانَتِ النَّفْسُ تَعَافُهُ فَعَلَى الرِّوَايَتَيْنِ.
وَكَذَلِكَ الْأَظْفَارُ: إِنْ طَالَتْ وَخَرَجَتْ عَنْ حَدِّ الْعَادَةِ، فَصَارَ يُسْتَقْبَحُ مَنْظَرُهَا، وَيَتَعَذَّرُ الِاسْتِمْتَاعُ مَعَهَا، كَانَ لَهُ إِجْبَارُهَا عَلَى إِزَالَتِهَا: رِوَايَةً وَاحِدَةً، وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ حَدِّ الْعَادَةِ، لَكِنَّ النَّفْسَ تَعَافُهَا، فَعَلَى الرِّوَايَتَيْنِ.
[فَصْلٌ مَنْعُ الزَّوْجِ زَوْجَتَهُ الْكِتَابِيَّةَ مِنْ دُورِ الْعِبَادَةِ]
١٦٠ - فَصْلٌ
[مَنْعُ الزَّوْجِ زَوْجَتَهُ الْكِتَابِيَّةَ مِنْ دُورِ الْعِبَادَةِ] .
وَأَمَّا الْخُرُوجُ إِلَى الْكَنِيسَةِ، وَالْبِيعَةِ، فَلَهُ مَنْعُهَا مِنْهُ: نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ يَعْقُوبَ بْنِ بُخْتَانَ فِي الرَّجُلِ تَكُونُ لَهُ الْمَرْأَةُ النَّصْرَانِيَّةُ: لَا يَأْذَنُ لَهَا فِي الْخُرُوجِ إِلَى عِيدِ النَّصَارَى أَوِ الْبِيعَةِ.
стр. 706
وَقَالَ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الْكَحَّالِ، وَأَبِي الْحَارِثِ فِي الرَّجُلِ تَكُونُ لَهُ الْجَارِيَةُ النَّصْرَانِيَّةُ تَسْأَلُهُ الْخُرُوجَ إِلَى أَعْيَادِهِمْ وَكَنَائِسِهِمْ، وَجُمُوعِهِمْ لَا يَأْذَنُ لَهَا فِي ذَلِكَ.
وَقَدْ عَلَّلَ الْقَاضِي الْمَنْعَ بِأَنَّهُ يَفُوتُ حَقُّهُ مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ، وَهُوَ عَلَيْهَا لَهُ فِي كُلِّ وَقْتٍ: وَهَذَا غَيْرُ مُرَادِ أَحْمَدَ، وَلَا يَدُلُّ لَفْظُهُ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ مَنَعَهُ مِنَ الْإِذْنِ لَهَا، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ لِحَقِّهِ لَقَالَ: لَا تَخْرُجُ إِلَّا بِإِذْنِهِ، وَإِنَّمَا وَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يُعِينُهَا عَلَى أَسْبَابِ الْكُفْرِ وَشَعَائِرِهِ، وَلَا يَأْذَنُ لَهَا فِيهِ.
قَالَ الْقَاضِي: وَإِذَا كَانَ لَهُ مَنْعُ الْمُسْلِمَةِ مِنْ إِتْيَانِ الْمَسَاجِدِ، فَمَنْعُ الذِّمِّيَّةِ مِنَ الْكَنِيسَةِ أَوْلَى.
وَهَذَا دَلِيلٌ فَاسِدٌ، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ مَنْعُ الْمُسْلِمَةِ مِنَ الْمَسَاجِدِ، وَأَعْجَبُ مِنْ هَذَا أَنَّهُ أَوْرَدَ الْحَدِيثَ، وَأَجَابَ عَنْهُ بِجَوَابَيْنِ فَاسِدَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ صَلَاةُ الْعِيدِ خَاصَّةً.
وَالثَّانِي: الْمُرَادُ بِهِ مَنْعُهَا مِنَ الْحَجِّ إِلَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَلَا يَخْفَى بُطْلَانُ الْجَوَابَيْنِ.
стр. 707
[فَصْلٌ مَنْعُ الزَّوْجَةِ الْكِتَابِيَّةِ مِنَ السُّكْرِ]
١٦١ - فَصْلٌ
[مَنْعُ الزَّوْجَةِ الْكِتَابِيَّةِ مِنَ السُّكْرِ] .
وَلَهُ مَنْعُهَا مِنَ السُّكْرِ؛ لِأَنَّهُ يَتَأَذَّى بِهِ، وَهَلْ لَهُ مَنْعُهَا مِنْ شُرْبِ مَا لَا يُسْكِرُهَا؟ خَرَّجَهُ الْقَاضِي عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِيمَا يَمْنَعُ كَمَالَ الِاسْتِمْتَاعِ دُونَ أَصْلِهِ.
وَالْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا: أَنَّهُ لَا يَمْنَعُهَا، فَإِنَّهُ قَالَ فِي رَجُلٍ تَزَوَّجَ نَصْرَانِيَّةً، أَلَهُ أَنْ يَمْنَعَهَا مِنْ شُرْبِ الْخَمْرِ؟ قَالَ: يَأْمُرُهَا قِيلَ لَهُ: لَا تَقْبَلُ مِنْهُ، أَلَهُ أَنْ يَمْنَعَهَا؟ قَالَ: لَا.
وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ لَهُ مَنْعَهَا، فَإِنْ شَرِبَتْ كَانَ لَهُ إِجْبَارُهَا عَلَى غَسْلِ فَمِهَا مِنَ الْخَمْرِ؛ لِأَنَّهُ نَجِسٌ يَتَعَذَّرُ مَعَ ذَلِكَ تَقْبِيلُهَا، وَالِاسْتِمْتَاعُ بِهَا فِيهِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَلَوْ أَرَادَتِ الْمُسْلِمَةُ أَنْ تَشْرَبَ مِنَ النَّبِيذِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ مَا لَا يُسْكِرُهَا، هَلْ لَهُ مَنْعُهَا؟ قِيلَ: نَعَمْ، لَهُ مَنْعُهَا: هَذَا الَّذِي لَا يَحْتَمِلُ الْمَذْهَبُ غَيْرَهُ، فَإِنَّ أَحْمَدَ يَحُدُّ عَلَيْهِ، فَكَيْفَ تُقَرُّ عَلَى شُرْبِهَا؟ وَالْإِنْكَارُ بِالْحَدِّ مِنْ أَقْوَى مَرَاتِبِ الْإِنْكَارِ.
وَقَالَ الْقَاضِي: إِنْ كَانَا حَنْبَلِيَّيْنِ، أَوْ شَافِعِيَّيْنِ لَهُمَا مَنْعُهَا مِنْهُ، لِأَنَّهُمَا يَعْتَقِدَانِ تَحْرِيمَهُ، وَإِنْ كَانَا حَنَفِيَّيْنِ فَهَذَا لَا يَمْنَعُهُ الِاسْتِمْتَاعَ، وَلَكِنْ يَمْنَعُهُ مَالَهُ، فَيُخَرَّجُ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ.
قَالَ: وَهَلْ لَهُ مَنْعُهَا مِنَ الثُّومِ وَالْبَصَلِ وَالْكُرَّاثِ؟ يُخَرَّجُ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَكَذَلِكَ هَلْ لَهُ مَنْعُهَا مِنَ الثِّيَابِ الْوَسِخَةِ؟ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ.
стр. 708
[فَصْلٌ أَدَاءُ الزَّوْجَةِ الْكِتَابِيَّةِ شَعَائِرَهَا التَّعَبُّدِيَّةَ]
١٦٢ - فَصْلٌ
[أَدَاءُ الزَّوْجَةِ الْكِتَابِيَّةِ شَعَائِرَهَا التَّعَبُّدِيَّةَ] .
وَقَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا، وَقَدْ سَأَلَهُ: هَلْ يَمْنَعُهَا أَنْ تُدْخِلَ مَنْزِلَهُ الصَّلِيبَ؟ قَالَ: يَأْمُرُهَا، فَأَمَّا أَنْ يَمْنَعَهَا فَلَا.
وَقَالَ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الْكَحَّالِ: فِي الرَّجُلِ تَكُونُ لَهُ امْرَأَةٌ أَوْ أَمَةٌ نَصْرَانِيَّةٌ تَقُولُ: اشْتَرِ لِي زُنَّارًا، فَلَا يَشْتَرِي لَهَا تَخْرُجُ هِيَ تَشْتَرِي. فَقِيلَ لَهُ: جَارِيَتُهُ تَعْمَلُ الزَّنَانِيرَ؟ قَالَ: لَا.
قَالَ الْقَاضِي: " أَمَّا قَوْلُهُ: " لَا يَشْتَرِي هُوَ الزُّنَّارَ " لِأَنَّهُ يُرَادُ لِإِظْهَارِ شَعَائِرِ الْكُفْرِ، فَلِذَلِكَ مَنَعَهُ مِنْ شِرَائِهِ، وَأَنْ يُمَكِّنَ جَارِيَتَهُ مِنْ عَمَلِهِ؛ لِأَنَّ الْعِوَضَ الَّذِي يَحْصُلُ لَهَا صَائِرٌ إِلَيْهِ، وَمِلْكٌ لَهُ، وَقَدْ مَنَعَ مِنْ بَيْعِ ثِيَابِ الْحَرِيرِ مِنَ الرِّجَالِ إِذَا عُلِمَ أَنَّهُمْ يَلْبَسُونَهَا، وَكَذَلِكَ بَيْعُ الْعَصِيرِ لِمَنْ يَتَّخِذُهُ خَمْرًا " انْتَهَى.
وَلَيْسَ لَهُ مَنْعُهَا مِنْ صِيَامِهَا الَّذِي تَعْتَقِدُ وُجُوبَهُ، وَإِنْ فَوَّتَ عَلَيْهِ الِاسْتِمْتَاعَ فِي وَقْتِهِ، وَلَا مِنْ صَلَاتِهَا فِي بَيْتِهِ إِلَى الشَّرْقِ، وَقَدْ مَكَّنَ النَّبِيُّ ﷺ وَفْدَ نَصَارَى نَجْرَانَ مِنْ صَلَاتِهِمْ فِي مَسْجِدِهِ إِلَى
стр. 709
قِبْلَتِهِمْ. وَلَيْسَ لَهُ إِلْزَامُ الْيَهُودِيَّةِ إِذَا حَاضَتْ بِمُضَاجَعَتِهِ، وَالِاسْتِمْتَاعِ بِمَا دُونَ الْفَرْجِ: هَذَا قِيَاسُ الْمَذْهَبِ.
وَلَيْسَ لَهُ حَمْلُهَا عَلَى كَسْرِ السَّبْتِ وَنَحْوِهِ مِمَّا هُوَ وَاجِبٌ فِي دِينِهِمْ، وَقَدْ أَقْرَرْنَاهُمْ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ لَهُ حَمْلُهَا عَلَى أَكْلِ الشُّحُومِ وَاللُّحُومِ الْمُحَرَّمَةِ عَلَيْهِمْ، وَهَلْ لَهُ مَنْعُهَا مِنْ أَكْلِ لَحْمِ الْخِنْزِيرِ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ:
وَهَلْ لَهُ مَنْعُهَا مِنَ الْخَلْوَةِ بِابْنِهَا، وَأَبِيهَا وَأَخِيهَا؟ فَإِنْ كَانَتْ مَجُوسِيَّةً فَلَهُ ذَلِكَ، لِأَنَّهُمْ يَعْتَقِدُونَ حِلَّهَا لَهُمْ، فَلَيْسُوا بِذَوِي مَحْرَمٍ، وَإِنْ كَانَتْ يَهُودِيَّةً، أَوْ نَصْرَانِيَّةً فَلَيْسَ لَهُ مَنْعُهَا مِنْ ذَلِكَ إِذَا كَانُوا مَأْمُونِينَ عَلَيْهَا، وَإِنْ كَانَ لَهُ مَنْعُهَا مِنَ السَّفَرِ مَعَهُمْ كَمَا تَقَدَّمَ نَصُّهُ، وَذَكَرْنَا الْفَرْقَ بَيْنَ الْمَوْضِعَيْنِ، وَلَيْسَ لَهُ مَنْعُهَا مِنْ قِرَاءَةِ كِتَابِهَا إِذَا لَمْ تَرْفَعُ صَوْتَهَا بِهِ.
فَإِنْ أَرَادَتْ أَنْ تَصُومَ مَعَهُ رَمَضَانَ فَهَلْ لَهُ مَنْعُهَا مِنْ ذَلِكَ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: لَهُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهَا، وَلَهُ مَنْعُهَا مِنْهُ كَمَا لَهُ مَنْعُ الْمُسْلِمَةِ مِنْ صَوْمِ التَّطَوُّعِ تَرْفِيهًا لَهَا.
وَالثَّانِي: لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ فِي الِاسْتِمْتَاعِ بِهَا فِي نَهَارِ رَمَضَانَ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَنْعُهَا مِنَ الصَّوْمِ الْمَنْسُوخِ الْبَاطِلِ فَأَنْ لَا يَمْنَعَهَا مِنْ صَوْمِ رَمَضَانَ أَوْلَى وَأَحْرَى.
وَقَدْ يُقَالُ: الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّهَا تَعْتَقِدُ وُجُوبَ صِيَامِ دِينِهَا عَلَيْهَا، وَقَدْ أَقْرَرْنَاهُمْ عَلَى ذَلِكَ، فَلَيْسَ لَنَا أَنْ نَمْنَعَهُمْ مِنْهُ بِخِلَافِ مَا لَا يَعْتَقِدُونَ وُجُوبَهُ.
стр. 710
[ذِكْرُ أَحْكَامِ مَوَارِيثِهِمْ بَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ] [ فصل هَلْ يَجْرِي التَّوَارُثُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَبَيْنَهُمْ]
ٍ، وَهَلْ يَجْرِي التَّوَارُثُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، وَبَيْنَهُمْ، وَالْخِلَافِ فِي ذَلِكَ، وَحُجَّةِ كُلِّ قَوْلٍ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٣] ، وَقَالَ: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ [النساء: ٣٣] ، وَصَحَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " «لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ، وَلَا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ» " وَأَنَّهُ قَالَ: " «لَا يَتَوَارَثُ أَهْلُ مِلَّتَيْنِ شَتَّى» ".
وَاتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ أَهْلَ الدِّينِ الْوَاحِدِ يَتَوَارَثُونَ: يَرِثُ الْيَهُودِيُّ الْيَهُودِيَّ، وَالنَّصْرَانِيُّ النَّصْرَانِيَّ، وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " «وَهَلْ تَرَكَ لَنَا عَقِيلٌ مِنْ رِبَاعٍ» ؟ " وَكَانَ عَقِيلٌ وَرِثَ أَبَا طَالِبٍ دُونَ عَلِيٍّ وَجَعْفَرٍ؛ لِأَنَّهُ كَانَ عَلَى دِينِهِ، مُقِيمًا بِمَكَّةَ، فَوَرِثَ رِبَاعَهُ بِمَكَّةَ وَبَاعَهَا، فَقِيلَ لِلنَّبِيِّ
стр. 711
- ﷺ يَوْمَ الْفَتْحِ: " «أَيْنَ تَنْزِلُ غَدًا فِي دَارِكَ بِمَكَّةَ؟» " فَقَالَ: " «وَهَلْ تَرَكَ لَنَا عَقِيلٌ مِنْ رِبَاعٍ؟» "
وَقَالَ عُمَرُ فِي عَمَّةِ الْأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ لَمَّا مَاتَتْ: يَرِثُهَا أَهْلُ دِينِهَا.
وَيَتَوَارَثُونَ، وَإِنِ اخْتَلَفَتْ دِيَارُهُمْ، فَيَرِثُ الْحَرْبِيُّ الْمُسْتَأْمِنَ وَالذِّمِّيَّ، وَيَرِثَانِهِ.
قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ، فِيمَنْ دَخَلَ إِلَيْنَا بِأَمَانٍ فَقُتِلَ: إِنَّهُ يُبْعَثُ بِدِيَتِهِ إِلَى مَلِكِهِمْ حَتَّى يَدْفَعَهَا إِلَى وَرَثَتِهِ.
وَفِي " الْمُسْنَدِ "، وَغَيْرِهِ: أَنَّ عَمْرَو بْنَ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيَّ كَانَ مَعَ أَهْلِ بِئْرِ
стр. 712
مَعُونَةَ، فَلَمَّا قُتِلُوا أَسْلَمَ هُوَ وَرَجَعَ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَوَجَدَ فِي طَرِيقِهِ رَجُلَيْنِ مِنَ الْحَيِّ الَّذِينَ قَتَلُوهُمْ، وَكَانَ مَعَهُمَا عَهْدٌ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ وَأَمَانٌ، فَلَمْ يَعْلَمْ بِهِ عَمْرٌو فَقَتَلَهُمَا، فَوَدَاهُمَا النَّبِيُّ ﷺ ، وَلَا رَيْبَ أَنَّهُ بَعَثَ بِدِيَتِهِمَا إِلَى أَهْلِهِمَا.
وَهَذَا اخْتِيَارُ الشَّيْخَيْنِ: أَبِي مُحَمَّدٍ وَأَبِي الْبَرَكَاتِ، وَاحْتَجَّ مَنْ نَصَرَ هَذَا الْقَوْلَ بِالْعُمُومَاتِ الْمُقْتَضِيَةِ لِتَوْرِيثِ الْمِلَّةِ الْوَاحِدَةِ بَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ مِنْ غَيْرِ تَخْصِيصٍ.
قَالُوا: وَمَفْهُومُ قَوْلِهِ: " «لَا يَتَوَارَثُ أَهْلُ مِلَّتَيْنِ» " يَقْتَضِي تَوَارُثَ أَهْلِ الْمِلَّةِ، وَإِنِ اخْتَلَفَتْ دِيَارُهُمْ، وَلِأَنَّ مُقْتَضَى التَّوْرِيثِ قَائِمٌ، وَهُوَ الْقَرَابَةُ، فَيَعْمَلُ عَمَلَهُ مَا لَمْ يَمْنَعْ مِنْهُ مَانِعٌ.
وَقَالَ الْقَاضِي، وَأَصْحَابُهُ: لَا يَرِثُ حَرْبِيٌّ ذِمِّيًّا، وَلَا ذِمِّيٌّ حَرْبِيًّا؛ لِأَنَّ الْمُوَالَاةَ بَيْنَهُمَا مُنْقَطِعَةٌ، وَهِيَ سَبَبُ التَّوَارُثِ، فَأَمَّا الْمُسْتَأْمِنُ فَيَرِثُهُ أَهْلُ الْحَرْبِ، وَأَهْلُ الذِّمَّةِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: الْمُسْتَأْمِنُ لَا يَرِثُهُ الذِّمِّيُّ لِاخْتِلَافِ دَارِهِمَا، وَيَرِثُ
стр. 713
أَهْلُ الْحَرْبِ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، سَوَاءٌ اتَّفَقَتْ دِيَارُهُمْ أَوِ اخْتَلَفَتْ، وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إِذَا اخْتَلَفَتْ دِيَارُهُمْ بِحَيْثُ كَانَ لِكُلِّ طَائِفَةٍ مَلِكٌ، وَيَرَى بَعْضُهُمْ قَتْلَ بَعْضٍ، لَمْ يَتَوَارَثُوا لِأَنَّهُمْ لَا مُوَالَاةَ بَيْنَهُمْ، فَجَعَلُوا اتِّفَاقَ الدَّارِ وَاخْتِلَافَهَا ضَابِطَ التَّوَارُثِ وَعَدَمِهِ، وَهَذَا أَصْلٌ لَهُمْ فِي اخْتِلَافِ الدَّارِ انْفَرَدُوا بِهِ.
قَالَ فِي " الْمُغْنِي ": وَلَا نَعْلَمُ لِهَذَا حُجَّةً مِنْ كِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ، مَعَ مُخَالَفَتِهِ لِعُمُومِ السُّنَنِ الْمُقْتَضِي لِلتَّوْرِيثِ، وَلَمْ يَعْتَبِرُوا الدِّينَ فِي اتِّفَاقِهِ وَلَا اخْتِلَافِهِ مَعَ وُرُودِ الْخَبَرِ فِيهِ، وَصِحَّةِ الْعِبْرَةِ بِهِ، فَإِنَّ الْمُسْلِمِينَ يَرِثُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَإِنِ اخْتَلَفَتِ الدَّارُ بِهِمْ، وَكَذَلِكَ الْكُفَّارُ، وَلَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ كَافِرًا، وَلَا كَافِرٌ مُسْلِمًا، لِاخْتِلَافِ الدِّينِ، وَإِنِ اتَّحَدَتْ دَارَاهُمَا، يَعْنِي: اخْتِلَافُ الدَّارِ مُلْغًى فِي الشَّرْعِ، وَاخْتِلَافُ الدِّينِ هُوَ الْمُعْتَبَرُ.
[فَصْلٌ تَوَارُثُ أَهْلِ مِلَّتَيْنِ]
١٦٣ - فَصْلٌ
[تَوَارُثُ أَهْلِ مِلَّتَيْنِ] .
فَإِنِ اخْتَلَفَتْ أَدْيَانُهُمْ فَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ: هَلْ يَتَوَارَثُونَ أَمْ لَا؟
فَقَالَ الْخَلَّالُ فِي " الْجَامِعِ ": بَابُ قَوْلِهِ: " لَا يَتَوَارَثُ أَهْلُ مِلَّتَيْنِ ":
стр. 714
أَخْبَرَنِي الْمَيْمُونِيُّ أَنَّ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: أَمَّا الْأَحَادِيثُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ " «أَنَّهُ لَا يَرِثُ مُسْلِمٌ كَافِرًا» "، فَإِنَّمَا عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ فَقَطْ يَرْوِيهِ: " «لَا يَتَوَارَثُ أَهْلُ مِلَّتَيْنِ» ".
قَالَ: وَاحْتَجَّ قَوْمٌ فِي الْمِلَّتَيْنِ قَالُوا: وَإِنْ كَانُوا أَهْلَ كِتَابٍ، وَهِيَ مِلَلٌ مُخْتَلِفَةٌ أَحْكَامُهُمْ، لِهَؤُلَاءِ حُكْمٌ، وَلِهَؤُلَاءِ حُكْمٌ، فَلَمْ يُوَرِّثُوا بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ.
قَالَ الْمَيْمُونِيُّ: وَرَأَيْتُ أَكْثَرَ مَذْهَبِهِ أَنَّهُ لَا يُوَرَّثُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ.
ثُمَّ ذَكَرَ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ مَنْصُورٍ أَنَّهُ قَالَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: لَا يَتَوَارَثُ أَهْلُ مِلَّتَيْنِ
[شَتَّى] لَا يَرِثُ الْيَهُودِيُّ النَّصْرَانِيَّ؟ قَالَ: لَا يَرِثُ هُمَا مِلَّتَانِ مُخْتَلِفَتَانِ.
ثُمَّ ذَكَرَ مِنْ مَسَائِلِ الْحَسَنِ بْنِ ثَوَّابٍ قَالَ: سُئِلَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ وَأَنَا أَسْمَعُ: هَلْ يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ؟ قَالَ: لَا يَتَوَارَثُ أَهْلُ مِلَّتَيْنِ.
أَخْبَرَنِي حَرْبٌ أَنَّهُ قَالَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: وَالْيَهُودِيُّ يَرِثُ النَّصْرَانِيَّ؟ فَرَخَّصَ فِي ذَلِكَ.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ الْخَلَّالُ: لَا يَتَوَارَثُ أَهْلُ مِلَّتَيْنِ، فَحَكَى الْمَيْمُونِيُّ، عَنْ
стр. 715
أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، وَاحْتِجَاجُهُ أَنَّهُ قَالَ بِتَوْرِيثِهِمْ.
قَالَ: وَهَذَا كَلَامٌ غَيْرُ مُحْكَمٍ، إِنَّمَا هُوَ شَيْءٌ ظَنَّهُ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، وَالْحَسَنِ بْنِ ثَوَابٍ قَالَ عَنْهُ: لَا يَتَوَارَثُ أَهْلُ مِلَّتَيْنِ، وَأَمَّا حَرْبٌ فَقَدْ قَالَ: إِنِّي قُلْتُ لَهُ: لَا يَتَوَارَثُ أَهْلُ مِلَّتَيْنِ؟ قَالَ: " لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ "، وَحَكَى إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ أَنَّهُ لَا يُوَرِّثُهُمْ، وَهُوَ قَدِيمُ السَّمَاعِ.
وَحَكَى حَرْبٌ أَنَّهُ يُوَرِّثُ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ، وَلَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ وَلَا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ، وَهَذَا الَّذِي اخْتَارَهُ الْخَلَّالُ هُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَأَهْلِ الظَّاهِرِ.
وَاخْتَارَ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ الرِّوَايَةَ الْأُخْرَى، وَأَنَّ الْكُفْرُ مِلَلٌ مُخْتَلِفَةٌ لَا يَرِثُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَهُوَ الَّذِي نَصَرَهُ الْقَاضِي وَاخْتَارَهُ فِي " تَعْلِيقِهِ "، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَهُوَ قَوْلُ كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَقَوْلُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ، لِقَوْلِهِ ﷺ : " «لَا يَتَوَارَثُ أَهْلُ مِلَّتَيْنِ شَتَّى» وَلِأَنَّهُمْ لَا يَتَنَاصَرُونَ وَلَا يَتَعَاقَلُونَ، وَلَا يُوَالِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا.
قَالَ الشَّيْخُ فِي " الْمُغْنِي ": وَلَمْ يُسْمَعْ عَنْ أَحْمَدَ تَصْرِيحٌ بِذِكْرِ أَقْسَامِ الْمِلَلِ.
قَالَ الْقَاضِي: الْكُفْرُ ثَلَاثُ مِلَلٍ: الْيَهُودِيَّةُ وَالنَّصْرَانِيَّةُ، وَدِينُ مَنْ عَدَاهُمْ؛ لِأَنَّ مَنْ عَدَاهُمْ يَجْمَعُهُمْ أَنَّهُمْ لَا كِتَابَ لَهُمْ، وَهَذَا قَوْلُ شُرَيْحٍ، وَعَطَاءٍ، وَعُمَرَ
стр. 716
بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَالثَّوْرِيِّ، وَاللَّيْثِ، وَشَرِيكٍ، وَالْحَكَمِ، وَمُغِيَرَةَ الضَّبِّيِّ، وَابْنِ أَبِي لَيْلَى، وَالْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ، وَوَكِيعٍ.
قَالَ الشَّيْخُ: وَيَحْتَمِلُ كَلَامُ أَحْمَدَ أَنَّ الْكُفْرَ مِلَلٌ كَثِيرَةٌ، فَتَكُونُ الْمَجُوسِيَّةُ مِلَّةً، وَعُبَّادُ الْأَوْثَانِ مِلَّةً، وَعُبَّادُ الشَّمْسِ مِلَّةً، فَلَا يَرِثُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ، وَبِهِ قَالَ الزُّهْرِيُّ، وَرَبِيعَةُ، وَبَعْضُ فُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ، وَأَهْلُ الْبَصْرَةِ، وَإِسْحَاقُ.
قَالَ الشَّيْخُ فِي " الْمُغْنِي ": وَهُوَ أَصَحُّ الْأَقْوَالِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : " «لَا يَتَوَارَثُ أَهْلُ مِلَّتَيْنِ شَيْئًا» "، وَلِأَنَّ كُلَّ فَرِيقَيْنِ مِنْهُمْ لَا مُوَالَاةَ بَيْنَهُمْ، وَلَا اتِّفَاقَ فِي دِينٍ، فَلَمْ يَرِثْ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، كَالْمُسْلِمِينَ، وَالْكُفَّارِ، وَالْعُمُومَاتُ فِي التَّوْرِيثِ مَخْصُوصَةٌ، فَيُخَصُّ مِنْهَا مَحَلُّ النِّزَاعِ بِالْخَبَرِ، وَالْقِيَاسِ، وَلِأَنَّ مُخَالِفِينَا قَطَعُوا التَّوْرِيثَ بَيْنَ أَهْلِ الْحَرْبِ، وَأَهْلِ دَارِ الْإِسْلَامِ مَعَ اتِّفَاقِهِمْ فِي الْمِلَّةِ لِانْقِطَاعِ الْمُوَالَاةِ، فَمَعَ اخْتِلَافِ الْمِلَّةِ
стр. 717
أَوْلَى، وَقَوْلُ مَنْ خَصَّ الْمِلَّةَ بِعَدَمِ الْكِتَابِ غَيْرُ صَحِيحٍ، فَإِنَّ هَذَا وَصْفٌ عَدَمِيٌّ لَا يَقْتَضِي حُكْمًا، وَلَا جَمْعًا، ثُمَّ لَا بُدَّ لِهَذَا الضَّابِطِ مِنْ دَلِيلٍ يَدُلُّ عَلَى اعْتِبَارِهِ، ثُمَّ قَدِ افْتَرَقَ حُكْمُهُمْ، فَإِنَّ الْمَجُوسَ يُقِرُّونَ بِالْجِزْيَةِ، وَغَيْرُهُمْ لَا يُقِرُّ بِهَا، وَهُمْ مُخْتَلِفُونَ فِي مَعْبُودَاتِهِمْ، وَمُعْتَقَدَاتِهِمْ، وَآرَائِهِمْ، يَسْتَحِلُّ بَعْضُهُمْ دِمَاءَ بَعْضٍ، وَيُكَفِّرُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، فَكَانُوا مِلَلًا كَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ، فَإِنَّ إِسْمَاعِيلَ بْنَ أَبِي خَالِدٍ رَوَى عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ جَعَلَ الْكُفْرَ مِلَلًا مُخْتَلِفَةً، وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُ مِنَ الصَّحَابَةِ مُخَالِفٌ، فَكَانَ إِجْمَاعًا.
وَاحْتَجَّ الْقَاضِي عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: (لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا) ، فَأَثْبَتَ لِكُلِّ شَرِيعَةٍ دِينًا، وَقَالَ تَعَالَى: (مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ) ،: (وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ) ، فَلَوْ كَانَ مَنْ خَالَفَ
стр. 718
دِينَ النَّبِيِّ ﷺ أَهْلَ مِلَّةٍ وَاحِدَةٍ لَمْ يَخُصَّ إِبْرَاهِيمَ بِمِلَّةٍ، وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لَا: " يُقْبَلُ شَهَادَةُ مِلَّةٍ عَلَى مِلَّةٍ، إِلَّا مِلَّةَ الْإِسْلَامِ "، هَذَا يَقْتَضِي أَنَّ هُنَاكَ مِلَلًا غَيْرَ مِلَّةِ الْإِسْلَامِ، وَلِأَنَّ أَحْكَامَهُمْ مُخْتَلِفَةٌ، بِدَلِيلِ أَنَّ الْمَجُوسَ لَا تُؤْكَلُ ذَبِيحَتُهُمْ، وَلَا تُنْكَحُ نِسَاؤُهُمْ، وَلَا كِتَابَ لَهُمْ، وَالْيَهُودُ وَالنَّصَارَى بِخِلَافِ ذَلِكَ، وَلِأَنَّهُمْ مُخْتَلِفُونَ فِي النَّبِيِّ ﷺ وَالْكِتَابُ كَاخْتِلَافِ الْمُسْلِمِينَ وَالْكُفَّارِ.
стр. 719
[فَصْلٌ فِي ذِكْرِ أَحَادِيثِ هَذَا الْبَابِ وَعِلَلِهَا]
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: ثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «لَا يَتَوَارَثُ أَهْلُ مِلَّتَيْنِ شَتَّى» ": يَعْقُوبُ هَذَا لَيْسَ بِالْقَوِيِّ.
وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ، ثَنَا حُصَيْنُ بْنُ نُمَيْرٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " «لَا يَتَوَارَثُ أَهْلُ مِلَّتَيْنِ» ".
قَالَ التِّرْمِذِيُّ: لَا يُعْرَفُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، وَفِيهِ ضَعْفٌ.
وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، ثَنَا عَلِيُّ بْنُ حَرْبٍ، ثَنَا
стр. 720
الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، ثَنَا عُمَرُ بْنُ رَاشِدٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «لَا يَرِثُ أَهْلُ مِلَّةٍ مِلَّةً» ".
وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ النَّيْسَابُورِيُّ، ثَنَا بَحْرُ بْنُ نَصْرٍ، ثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، قَالَ أَخْبَرَنِي ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " «لَا يَرِثُ الْكَافِرُ الْمُسْلِمُ، وَلَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ» ".
وَذَكَرَ الْقَاضِي فِي " التَّعْلِيقِ " حَدِيثَيْنِ لَا أَعْرِفُ حَالَهُمَا.
أَحَدُهُمَا: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَا يَرِثُ أَهْلُ مِلَّةٍ مِلَّةً، وَلَا تَجُوزُ شَهَادَةُ مِلَّةٍ عَلَى مِلَّةٍ إِلَّا أُمَّتِي، تَجُوزُ شَهَادَتُهُمْ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ» "، قَالَ: رَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ فِي " أَدَبِ الْقَضَاءِ " بِإِسْنَادِهِ.
стр. 721
الثَّانِي: قَالَ: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَا يَرِثُ الْكَافِرُ الْمُسْلِمُ، وَلَا الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ، وَلَا يَتَوَارَثُ أَهْلُ مِلَّتَيْنِ» ". وَهَذَا السِّيَاقُ إِنْ صَحَّ فَهُوَ ظَاهِرٌ جِدًّا، وَصَرِيحٌ فِي الْمَسْأَلَةِ، وَأَظُنُّهُ جَمَعَ الْحَدِيثَيْنِ فِي سِيَاقٍ وَاحِدٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ الَّذِينَ جَعَلُوا الْكُفْرَ مِلَّةً وَاحِدَةً: قَالَ اللَّهُ : ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٠] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ - لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ - وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ - وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ - وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ - لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون: ١ - ٦] ، فَجَعَلَ لَهُمْ دِينًا وَاحِدًا كَمَا جَعَلَ لِلْيَهُودِ، وَالنَّصَارَى مِلَّةً وَاحِدَةً.
وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " «النَّاسُ حَيِّزٌ، وَأَنَا وَأَصْحَابِي حَيِّزٌ» "، وَاللَّهُ تَعَالَى قَسَّمَ خَلْقَهُ إِلَى كُفَّارٍ وَمُؤْمِنِينَ، فَهَؤُلَاءِ سُعَدَاءُ وَهَؤُلَاءِ أَشْقِيَاءُ، وَالْكُفْرُ وَإِنِ اخْتَلَفَتْ شُعَبُهُ فَيَجْمَعُهُ خَصْلَتَانِ:
стр. 722
[الْأُولَى:] تَكْذِيبُ الرَّسُولِ فِي خَبَرِهِ.
وَ
[الثَّانِيَةُ:] عَدَمُ الِانْقِيَادِ لِأَمْرِهِ.
كَمَا أَنَّ الْإِيمَانَ يَرْجِعُ إِلَى أَصْلَيْنِ:
[الْأُولَى:] طَاعَةُ الرَّسُولِ فِيمَا أَمَرَ.
وَ
[الثَّانِيَةُ:] تَصْدِيقُهُ بِمَا أَخْبَرَ.
قَالَ الْآخَرُونَ: اشْتِرَاكُهُمْ فِي الْكُفْرِ الْعَامِّ لَا يُوجِبُ تَسَاوِيهِمْ فِي مِلَلِهِ، فَإِنَّهُمْ كُلَّهُمْ يَشْتَرِكُونَ فِي الْجَحِيمِ عَلَى اخْتِلَافِ مَرَاتِبِهِمْ فِي الْكُفْرِ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٠] ، لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مِلَّةَ الْيَهُودِ هِيَ مِلَّةُ النَّصَارَى، بَلْ إِضَافَةُ الْمِلَّةِ إِلَى جَمِيعِهِمْ لَا يَقْتَضِي اشْتِرَاكُهُمْ فِي عَيْنِ الْمِلَّةِ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون: ٦] ، لَا يَقْتَضِي اشْتِرَاكَهُمْ فِي دِينٍ وَاحِدٍ بِحَيْثُ يَدِينُ هَؤُلَاءِ بِعَيْنِ مَا يَدِينُ بِهِ هَؤُلَاءِ، بَلِ الْمَعْنَى: لِكُلٍّ مِنْكُمْ دِينُهُ وَمِلَّتُهُ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ يَذْكُرُ الْحَقَّ وَالْهُدَى وَالْإِسْلَامَ، وَيَجْعَلُهُ وَاحِدًا، وَيَذْكُرُ الْبَاطِلَ وَالضَّلَالَ وَالْكُفْرَ وَيَجْعَلُهُ مُتَعَدِّدًا، قَالَ تَعَالَى:
стр. 723
﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾ [البقرة: ٢٥٧] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ - فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٢ - ٥٣] ، وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ ﵁: «خَطَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَطًّا، وَقَالَ: هَذَا سَبِيلُ اللَّهِ، ثُمَّ خَطَّ خُطُوطًا عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ، وَقَالَ: هَذِهِ سُبُلٌ، عَلَى كُلِّ سَبِيلٍ شَيْطَانٌ يَدْعُو إِلَيْهِ، ثُمَّ قَرَأَ قَوْلَهُ: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٣] » .
стр. 724
[فَصْلٌ لَا يَرِثُ الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ بِلَا خِلَافٍ]
١٦٥ - فَصْلٌ
[لَا يَرِثُ الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ بِلَا خِلَافٍ] .
وَأَمَّا تَوْرِيثُ الْكَافِرِ مِنَ الْمُسْلِمِ فَلَمْ يَخْتَلِفْ فِيهِ أَحَدٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ: أَنَّهُ لَا يَرِثُهُ، وَلَكِنْ تَنَازَعُوا فِي مَسْأَلَةٍ، وَهِيَ أَنْ يُسْلِمَ الْكَافِرُ بَعْدَ مَوْتِ قَرِيبِهِ الْمُسْلِمِ، وَقَبْلَ قَسْمِ تَرِكَتِهِ، فَيُسْلِمُ بَيْنَ الْمَوْتِ وَقَسْمِ التَّرِكَةِ.
وَفِي ذَلِكَ رِوَايَتَانِ عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ: إِحْدَاهُمَا: أَنَّهُ يَرِثُهُ، نَقَلَهَا عَنْهُ الْأَثْرَمُ وَابْنُ مَنْصُورٍ، وَبَكْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ
[عَنْ أَبِيهِ] ، وَهِيَ اخْتِيَارُ الْخِرَقِيِّ، وَبِهَا قَالَ الْحَسَنُ وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ، وَنَقَلَ أَبُو طَالِبٍ عَنْهُ: لَا يَرِثُ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمَالِكٍ، وَالشَّافِعِيُّ.
стр. 725
قَالَ الْخَلَّالُ فِي " الْجَامِعِ ": (بَابُ مَنْ أَسْلَمَ عَلَى مِيرَاثٍ قَبْلَ أَنْ يُقَسَّمَ) .
أَخْبَرَنِي حَرْبٌ قَالَ: سَأَلْتُ أَحْمَدَ عَمَّنْ أَسْلَمَ عَلَى مِيرَاثٍ قَبْلَ أَنْ يُقَسَّمَ؟ قَالَ: دَعْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ، لَا أَقُولُ فِيهَا شَيْئًا.
أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا حَنْبَلٌ قَالَ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: مَنْ أَسْلَمَ عَلَى مِيرَاثٍ قَبْلَ أَنْ يُقَسَّمَ يُوَرَّثُ مِنْ ذَلِكَ الْمِيرَاثِ.
أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا الْأَثْرَمُ، قَالَ: مَذْهَبُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ مَنْ أَسْلَمَ عَلَى مِيرَاثٍ قَبْلَ أَنْ يُقَسَّمَ
[أَنَّهُ يُوَرَّثُ] .
[حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ أَنَّهُ قَالَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: إِنَّ مَنْ أَسْلَمَ عَلَى مِيرَاثٍ قَبْلَ أَنْ يُقَسَّمَ؟] قَالَ: يُقْسَمُ لَهُ مَا لَمْ يُقَسَّمِ الْمِيرَاثُ.
أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا صَالِحٌ أَنَّهُ قَالَ لِأَبِيهِ: الرَّجُلُ يُسْلِمُ عَلَى
стр. 726
مِيرَاثٍ، هَلْ يَرِثُ؟ قَالَ: يُرْوَى عَنْ عُمَرَ، وَعُثْمَانَ أَنَّهُمَا كَانَا يُوَرِّثَانِهِ، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: يُوَرَّثُ الْمَوَارِيثَ.
أَخْبَرَنِي الْمَيْمُونِيُّ أَنَّهُ سَأَلَ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ: مَنْ أَسْلَمَ عَلَى مِيرَاثٍ؟ قَالَ: مَسْأَلَةٌ مُشْتَبِهَةٌ، مَنْ يَحْتَجُّ فِيهَا يَقُولُ، الْكَفَنُ مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ، ثُمَّ الْوَصِيَّةُ، ثُمَّ الْمِيرَاثُ، وَيُحْتَجُّ فِيهَا بِقَوْلِ مَنْ قَالَ: الْحَامِلُ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا نَفَقَتُهَا مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ، هَذِهِ حُجَّةٌ لِمَنْ وَرَّثَهُ، يَحْتَجُّ بَعْدَ الْمَوْتِ بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ، يَقُولُ: أَلَيْسَ إِنَّمَا وَجَبَتِ الْوَصِيَّةُ، وَالْكَفَنُ بَعْدَ الْمَوْتِ؟ فَإِسْلَامُ هَذَا أَكْبَرُ إِذَا أَسْلَمَ قَبْلَ أَنْ يُقَسَّمَ.
قَالَ الْخَلَّالُ: وَمَذْهَبُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ فِي مَسْأَلَةِ عَبْدِ الْمَلِكِ أَيْضًا: أَنَّهُ يَرِثُ إِذَا أَسْلَمَ عَلَى مِيرَاثٍ قَبْلَ أَنْ يُقَسَّمَ؛ لِأَنَّهُ يَذْهَبُ إِلَى هَذِهِ الْأَشْيَاءِ الَّتِي احْتَجَّ بِهَا مِنَ الْكَفَنِ وَالْوَصِيَّةِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ.
أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، وَسَأَلَهُ عَمَّنْ أَسْلَمَ عَلَى مِيرَاثٍ قَبْلَ أَنْ يُقَسَّمَ، فَلَهُ الْمِيرَاثُ؟ قَالَ: فَإِذَا أَعْتَقَ الْعَبْدَ عَلَى مِيرَاثٍ لَمْ يُقْسَمْ لَهُ.
ثُمَّ ذَكَرَ مِنْ مَسَائِلِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: سُئِلَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَقْوَامٍ
стр. 727
نَصَارَى أَوْقَفُوا عَلَى الْبِيعَةِ ضِيَاعًا كَثِيرَةً، فَمَاتَ النَّصَارَى، وَلَهُمْ أَبْنَاءٌ نَصَارَى، ثُمَّ أَسْلَمَ بَعْدَ ذَلِكَ الْأَبْنَاءُ، وَالضِّيَاعُ بِيَدِ النَّصَارَى، أَلْهُمْ أَنْ يَأْخُذُوهَا مِنْ أَيْدِي النَّصَارَى؟ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: نَعَمْ، يَأْخُذُونَهَا مِنْ أَيْدِيهِمْ، وَلِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يُعِينُوهُمْ حَتَّى يَسْتَخْرِجُوهَا مِنْ أَيْدِيهِمْ.
فَهَذَا مَجْمُوعُ مَا ذَكَرَهُ الْخَلَّالُ مِنْ نُصُوصِ أَحْمَدَ، وَلَمْ أَجِدْ عَنْهُ نَصًّا " أَنَّهُ لَا يَرِثُ " غَيْرَ تَوَقُّفِهِ فِي رِوَايَةِ حَرْبٍ، فَكَأَنَّهُمْ جَعَلُوا تَوَقُّفَهُ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، وَعُمُومُ أَجْوِبَتِهِ يَقْتَضِي التَّسْوِيَةَ بَيْنَ الزَّوْجَةِ وَغَيْرِهَا.
وَقَدْ فَصَّلَ، فَقَالَ: الزَّوْجَةُ لَا تَرِثُ قَوْلًا وَاحِدًا، وَالْخِلَافُ فِي غَيْرِهَا، وَنَازَعَهُ فِي ذَلِكَ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ.
قَالَ الْمُوَرِّثُونَ: قَالَ أَبُو دَاوُدَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ أَبِي يَعْقُوبَ، ثَنَا مُوسَى بْنُ دَاوُدَ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أَبِي الشَّعْثَاءِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " «كُلُّ قَسْمٍ قُسِمَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَهُوَ عَلَى مَا قُسِمَ، وَكُلُّ قَسْمٍ أَدْرَكَهُ الْإِسْلَامُ فَهُوَ عَلَى قَسْمِ الْإِسْلَامِ» "، فَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ أَبُو الشَّعْثَاءِ، وَتَأَوَّلَهُ عَلَى عُمُومِهِ، وَذَهَبَ إِلَيْهِ. وَهَذَا قَسْمٌ أَدْرَكَهُ الْإِسْلَامُ فَيُقْسَمُ عَلَى حُكْمِهِ.
стр. 728
وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ مَاجَهْ فِي " سُنَنِهِ ": حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ عُقَيْلٍ أَنَّهُ سَمِعَ نَافِعًا يُخْبِرُ عَنْ عَبْدِ اللَّهَ بْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «مَا كَانَ مِنْ مِيرَاثٍ قُسِمَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَهُوَ عَلَى قِسْمَةِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَمَا كَانَ مِنْ مِيرَاثٍ أَدْرَكَهُ الْإِسْلَامُ فَهُوَ عَلَى قِسْمَةِ الْإِسْلَامِ» ".
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، ثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي حَكِيمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ الدِّيلِيِّ قَالَ: كَانَ مُعَاذٌ بِالْيَمَنِ، فَارْتَفَعُوا إِلَيْهِ فِي يَهُودِيٍّ مَاتَ، وَتَرَكَ أَخَاهُ مُسْلِمًا، فَقَالَ مُعَاذٌ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «إِنَّ الْإِسْلَامَ يَزِيدُ وَلَا يَنْقُصُ» " فَوَرِثَهُ.
стр. 729
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ حَيْوَةَ بْنِ شُرَيْحٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَوْفَلٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَنْ أَسْلَمَ عَلَى شَيْءٍ فَهُوَ لَهُ» "، وَهَذَا قَدْ أَسْلَمَ عَلَى
стр. 730
مِيرَاثٍ قَبْلَ أَنْ يُقَسَّمَ، فَيَكُونُ لَهُ، قَالُوا: وَهَذَا اتِّفَاقٌ مِنَ الصَّحَابَةِ، فَذَكَرَ النِّجَادُ أَنَّ
[يَزِيدَ] بْنَ قَتَادَةَ مَاتَتْ أُمُّهُ، فَأَسْلَمَ بَعْضُ أَوْلَادِهَا، فَرُفِعَ ذَلِكَ إِلَى عُثْمَانَ، فَسَأَلَ عَنْ ذَلِكَ أَصْحَابَ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالُوا: يَرِثُونَ مَا لَمْ يُقَسَّمْ.
وَذَكَرَ ابْنُ اللَّبَّانِ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ حَسَّانَ بْنِ بِلَالٍ الْمُزَنِيِّ: أَنَّ
[يَزِيدَ]
стр. 731
بْنَ قَتَادَةَ
[الْعَنَزِيَّ] حَدَّثَ أَنَّ إِنْسَانًا مِنْ أَهْلِهِ مَاتَ وَهُوَ عَلَى غَيْرِ دِينِ الْإِسْلَامِ، فَوَرِثَتْهُ أُخْتِي وَكَانَتْ عَلَى دِينِهِ، قَالَ: ثُمَّ إِنَّ
[أَبِي] أَسْلَمَ، وَشَهِدَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ خَيْبَرَ، فَتُوُفِّيَ فَلَبِثَتْ سَنَةً، وَكَانَ تَرَكَ نَخْلًا، ثُمَّ إِنَّ أُخْتِي أَسْلَمَتْ فَخَاصَمَتْنِي فِي الْمِيرَاثِ إِلَى عُثْمَانَ، فَحَدَّثَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَرْقَمَ أَنَّ عُمَرَ قَضَى أَنَّهُ مَنْ أَسْلَمَ عَلَى مِيرَاثٍ قَبْلَ أَنْ يُقَسَّمَ فَلَهُ نَصِيبُهُ، فَقَضَى بِهِ عُثْمَانُ، فَذَهَبَتْ بِذَلِكَ الْأَوَّلِ، وَشَارَكَتْنِي فِي هَذَا.
стр. 732
وَرَوَى ابْنُ اللَّبَّانِ أَيْضًا عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: لَهُ مِيرَاثُهُ.
فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ لَمْ يُوَرِّثْ مَنْ أَسْلَمَ، وَأُعْتِقَ عَلَى مِيرَاثٍ.
قُلْنَا: فَقَدْ رَوَى ابْنُ اللَّبَّانِ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: إِذَا أَسْلَمَ النَّصْرَانِيُّ قَبْلَ أَنْ يُقَسَّمَ الْمِيرَاثُ، فَإِنَّهُ يَرِثُ، وَإِذَا اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ عَنْهُ
стр. 733
فَإِمَّا أَنْ تَتَعَارَضَا، وَتَتَسَاقَطَا، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الْأَخْذُ بِرِوَايَةِ التَّوْرِيثِ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ يُوَافِقُ قَوْلَ غَيْرِهِ مِنَ الصَّحَابَةِ.
فَإِنْ قِيلَ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: " مَنْ أَسْلَمَ عَلَى مِيرَاثٍ قَبْلَ أَنْ يُقَسَّمَ " مَعْنَاهُ: مَنْ أَسْلَمَ عِنْدَ حَضْرَةِ الْمَوْتِ لِمَوْرُوثِهِ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ، وَيُقَسِّمَ مِيرَاثَهُ، قِيلَ: هَذَا فَاسِدٌ مِنْ وُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ سِيَاقَ الْآثَارِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا صَرِيحٌ فِي أَنَّ إِسْلَامَهُ كَانَ بَعْدَ الْمَوْتِ لَا قَبْلَهُ.
الثَّانِي: أَنَّهُ عَلَّقَ الِاسْتِحْقَاقَ بِالْقِسْمَةِ، فَقَالَ: مَنْ أَسْلَمَ عَلَى مِيرَاثٍ قَبْلَ أَنْ يُقَسَّمَ، وَلَمْ يَقُلْ: قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ الْمَوْرُوثُ، وَلَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى (قَبْلَ أَنْ يُقَسَّمَ) هُوَ مَعْنَى (قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ مَوْرُوثُهُ) ، وَالتَّأْوِيلُ إِذَا خَرَجَ إِلَى هَذَا الْحَدِّ فَحُشَ جِدًّا.
الثَّالِثُ: أَنَّهُ لَيْسَ فِي هَذَا كَبِيرُ فَائِدَةٍ أَنْ يُقَالَ: مَنْ أَسْلَمَ قَبْلَ مَوْتِ مَوْرُوثِهِ وَرِثَهُ، فَهَذَا أَمْرٌ لَا يَخْفَى عَلَى أَحَدٍ حَتَّى يَحْتَاجَ إِلَى بَيَانٍ، وَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يُوجَدَ الِاسْتِحْقَاقُ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَيَكُونُ فِي حُكْمِهِ قَبْلَهُ، كَمَا قُلْتُمْ فِيمَنْ حَفَرَ بِئْرًا، وَمَاتَ، ثُمَّ وَقَعَ فِيهَا إِنْسَانٌ: فَإِنَّ الضَّمَانَ مُتَعَلِّقٌ بِتَرِكَتِهِ كَمَا لَوْ وَجَدَ
стр. 734
الْوُقُوعَ فِي حَالِ حَيَاتِهِ، فَالْحَفْرُ سَبَبُ الضَّمَانِ وُجِدَ فِي حَالِ الْحَيَاةِ، وَالْوُقُوعُ شَرْطٌ فِي الضَّمَانِ وُجِدَ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَالنَّسَبُ سَبَبُ الْإِرْثِ وُجِدَ قَبْلَ الْمَوْتِ، وَالْإِسْلَامُ شَرْطٌ فِي اسْتِحْقَاقِهِ وُجِدَ بَعْدَ الْمَوْتِ، فَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا، وَلِأَنَّ لِعَدَمِ الْقِسْمَةِ تَأْثِيرًا فِي الِاسْتِحْقَاقِ، بِدَلِيلِ أَنَّ الْكُفَّارَ إِذَا ظَهَرُوا عَلَى أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ ظَهَرَ عَلَيْهَا الْمُسْلِمُونَ قَبْلَ الْقِسْمَةِ كَانَ صَاحِبُهُ أَحَقَّ بِهِ، وَبَعْدَ الْقِسْمَةِ لَا حَقَّ لَهُ فِيهِ، يُبَيِّنُ هَذَا أَنَّ الْمَالَ قَبْلَ الْقِسْمَةِ لَا تَتَعَيَّنُ حُقُوقُ الْوَرَثَةِ فِيهِ حَتَّى تَسْتَقِرَّ الْوَصِيَّةُ، إِنْ كَانَتْ، إِمَّا بِقَبُولٍ، أَوْ رَدٍّ، فَتَتَعَيَّنُ بِالْقِسْمَةِ.
وَأَيْضًا، فَقَدْ قَالَ الْمُنَازِعُونَ لَنَا: إِنَّ مَا يَنْتَقِلُ إِلَى بَيْتِ الْمَالِ عَنْ مَيِّتٍ لَا وَارِثَ لَهُ يَنْتَقِلُ إِرْثًا، فَلَوْ أَسْلَمَ رَجُلٌ بَعْدَ انْتِقَالِ الْمَالِ عَنْ مَيِّتٍ إِلَى بَيْتِ الْمَالِ اسْتَحَقَّ جُزْءًا مِنْهُ كَمَا لَوْ كَانَ مُسْلِمًا قَبْلَ الِانْتِقَالِ، كَذَلِكَ هَاهُنَا، وَهَذَا مِنْ فِقْهِ الصَّحَابَةِ ﵃ الَّذِي عَجَزَ عَنْهُ كَثِيرٌ مِمَّنْ بَعْدَهُمْ، فَإِنَّهُمْ أَجْرَوْا حَالَةَ الْمَوْتِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ مَجْرَى مَا قَبْلَ الْمَوْتِ، فَإِنَّ التَّرِكَةَ لَمْ يَقَعْ عَلَيْهَا اسْتِيلَاءُ الْوَرَثَةِ، وَحَوْزُهُمْ وَتَصَرُّفُهُمْ، فَكَأَنَّهَا فِي يَدِ الْمَيِّتِ حُكْمًا، فَهِيَ مَا بَيْنَ الْمَوْتِ وَالْقِسْمَةِ لَهَا حَالَةٌ وَسَطٌ، فَأُلْحِقَتْ بِمَا قَبْلَ الْمَوْتِ، وَكَانَ أَوْلَى، اسْتِصْحَابًا لِحَالِ بَقَائِهَا.
وَأَيْضًا، فَإِنَّ التَّرِكَةَ قَبْلَ الْقِسْمَةِ عَلَى مِلْكِ الْمَيِّتِ، فَلَوْ زَادَتْ وَنَمَتْ وُفِّيَتْ دُيُونُهُ مِنَ الزِّيَادَةِ، وَلَوْ نَصَبَ مَنَاجِلَ وَشَبَكَةً قَبْلَ الْمَوْتِ، فَوَقَعَ فِيهَا صَيْدٌ بَعْدَهُ، وَقَبْلَ الْقِسْمَةِ كَانَ عَلَى مِلْكِهِ، فَتُوَفَّى مِنْهُ دُيُونُهُ، وَتُنَفَّذُ مِنْهُ وَصَايَاهُ.
стр. 735
وَأَيْضًا فَإِنَّ تَوْرِيثَ الْمُسْلِمِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ مِمَّا يُرَغِّبُ فِي الْإِسْلَامِ، وَيَزِيدُ فِيهِ، وَيَدْعُو إِلَيْهِ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ إِلَّا مُجَرَّدُ الِاسْتِحْسَانِ لَكَانَ ذَلِكَ مِنْ مَحَاسِنِ الشَّرِيعَةِ، وَكَمَالِهَا، أَلَّا يُحْرَمَ وَلَدُ رَجُلٍ مِيرَاثَهُ بِمَانِعٍ قَدْ زَالَ فِعْلُ الْمُقْتَضِي عَمَلَهُ، فَإِنَّ النَّسَبَ هُوَ مُقْتَضٍ لِلْمِيرَاثِ، وَلَكِنْ عَاقَبَهُ الشَّارِعُ بِالْحِرْمَانِ عَلَى كُفْرِهِ، فَإِذَا أَسْلَمَ لَمْ يَبْقَ مَحَلًّا لِلْعُقُوبَةِ، بَلْ صَارَ بِالثَّوَابِ أَوْلَى مِنْهُ بِالْعِقَابِ.
يُوَضِّحُهُ أَنَّ زَوَالَ الْمَانِعِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ يَجْعَلُهُ فِي حُكْمِ مَا لَمْ يَكُنْ أَصْلًا، فَالتَّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ، وَالنَّازِعُ عَنِ الْكُفْرِ كَمَنْ لَمْ يَكْفُرْ، فَلَا مَعْنَى لِحِرْمَانِهِ، وَقَدْ أَكْرَمَهُ اللَّهُ بِالْإِسْلَامِ، وَمَالُ مَوْرُوثِهِ لَمْ يَتَعَيَّنْ بَعْدُ لِغَيْرِهِ، بَلْ هُوَ فِي حُكْمِ الْبَاقِي عَلَى مِلْكِهِ مِنْ وَجْهٍ، وَفِي حُكْمِ الزَّائِلِ مِنْ وَجْهٍ.
يُوَضِّحُهُ أَنَّهُ - إِذَا أَسْلَمَ قَبْلَ الْقِسْمَةِ، وَقَبْلَ حِيَازَةِ بَيْتِ الْمَالِ التَّرِكَةَ - سَاوَى الْمُسْلِمِينَ فِي الْإِسْلَامِ، وَامْتَازَ عَنْهُمْ بِقَرَابَةِ الْمَيِّتِ، فَكَانَ أَحَقَّ بِمَالِهِ.
وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مِمَّا بَرَزَ بِهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِ، وَهِيَ مِنْ مَحَاسِنِ الشَّرِيعَةِ، وَعِنْدَ أَحْمَدَ فِيهَا مِنَ الْآثَارِ عَنِ الصَّحَابَةِ مَا لَمْ يَبْلُغْ غَيْرُهُ.
قَالَ الْمَانِعُونَ مِنَ التَّوْرِيثِ: التَّرِكَةُ تَنْتَقِلُ بِالْمَوْتِ إِلَى مِلْكِ الْوَرَثَةِ، وَيَسْتَقِرُّ مِلْكُهُمْ عَلَيْهَا، فَيَجِبُ أَلَّا يَزُولَ مِلْكُهُمْ عَنْهَا بِالْإِسْلَامِ، كَمَا لَا يَزُولُ بِحُدُوثِ وَارِثٍ آخَرَ، وَهُوَ أَنْ يَمُوتَ وَيُخَلِّفَ أُمًّا وَأُخْتًا، فَتَتَعَلَّقُ الْأُمُّ بِوَلَدٍ آخَرَ، فَإِنَّهُ لَا يَرِثُ لِحُدُوثِهِ بَعْدَ الْحُكْمِ بِالْمِيرَاثِ لِلْمَوْجُودِ.
قَالُوا: وَلِأَنَّ مَنْ لَمْ يَكُنْ وَارِثًا عِنْدَ الْمَوْتِ لَمْ يَصِرْ وَارِثًا بَعْدَهُ؛ لِأَنَّ فِيهِ صَيْرُورَتَهُ وَارِثًا بَعْدَ مَوْتِ مُوَرِّثِهِ، وَهَذَا لَا يُعْقَلُ.
قَالُوا: وَلِأَنَّهُ لَا يَصِيرُ وَارِثًا بَعْدَ الْقِسْمَةِ، فَكَذَلِكَ قَبْلَهَا.
стр. 736
قَالُوا: وَلِأَنَّهُ لَوْ عَتَقَ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَقَبْلَ الْقِسْمَةِ لَمْ يَرِثْ، كَذَلِكَ هَاهُنَا. وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الصُّورَتَيْنِ.
قَالَ الْمُوَرِّثُونَ: إِنَّمَا حَكَمْنَا بِالْمِلْكِ لِلْمَوْجُودِينَ مِنَ الْوَرَثَةِ فِي الظَّاهِرِ مِلْكًا مُرَاعًى، كَمَا حَكَمْنَا بِالْمِلْكِ لَهُمْ إِذَا كَانَ الْوَارِثُ قَدْ حَفَرَ بِئْرًا، وَنَصَبَ سِكِّينًا، فَإِنَّا نَحْكُمُ بِهِ فِي الظَّاهِرِ، فَلَوْ وَقَعَ فِي الْبِئْرِ إِنْسَانٌ بَعْدَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ عَلَيْهِمْ بِالْأَرْشِ.
وَتَبَيَّنَّا أَنَّ ذَلِكَ الْحُكْمَ لَمْ يَكُنْ صَحِيحًا كَذَلِكَ هَاهُنَا، وَيُفَارِقُ هَذَا إِذَا حَدَثَ لَهُ وَارِثٌ بَعْدَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ سَبَبَ الْإِرْثِ لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا حَالَ الْمَوْتِ، وَالسَّبَبُ هَاهُنَا مَوْجُودٌ وَهُوَ النَّسَبُ، فَجَازَ أَنْ يَرِثَ بَعْدَ الْمَوْتِ وَالْإِسْلَامِ.
يُبَيِّنُ صِحَّةَ هَذَا أَنَّهُ لَوْ حَفَرَ الْعَبْدُ بِئْرًا فِي حَيَاةِ السَّيِّدِ، وَمَاتَ السَّيِّدُ، فَوَقَعَ فِيهَا إِنْسَانٌ بَعْدَ مَوْتِهِ، تَعَلَّقَ الضَّمَانُ بِتَرِكَتِهِ، وَلَوْ حَفَرَهَا الْعَبْدُ بَعْدَ مَوْتِ السَّيِّدِ، وَوَقَعَ فِيهَا إِنْسَانٌ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِتَرِكَتِهِ، وَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ مُضَافًا إِلَيْهِ فِي الْحَالَيْنِ، وَكَانَ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا مَا ذَكَرْنَا، وَلِأَنَّهُمْ قَدْ قَالُوا: لَوْ أَعْتَقَ الْمُسْلِمُ عَبْدًا نَصْرَانِيًّا كَانَ مِيرَاثُهُ مُرَاعًى، فَإِنْ أَسْلَمَ قَبْلَ مَوْتِهِ وَرِثَهُ بِالْوَلَاءِ، وَإِنْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ لَمْ يَرِثْهُ. وَهَذَا إِلْزَامٌ جَيِّدٌ، لِأَنَّهُمْ جَعَلُوا الْمِيرَاثَ مُرَاعًى عَلَى مَا يَحْدُثُ بَعْدَ الْعِتْقِ.
وَأَمَّا إِلْزَامُهُمْ فِي مَسْأَلَةِ الْعَبْدِ إِذَا عَتَقَ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَقَبْلَ الْقِسْمَةِ، فَإِلْزَامٌ قَوِيٌّ جِدًّا، وَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَرِثُ، مُفَرِّقًا بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ مَسْأَلَةِ إِسْلَامِ الْكَافِرِ فِي جَوَابٍ وَاحِدٍ، وَلَكِنْ قَدْ سَوَّى بَيْنَهُمَا فِي الْمِيرَاثِ الْحَسَنُ وَأَبُو
стр. 737
الشَّعْثَاءِ، حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْهُمَا.
فَالْمَسْأَلَتَانِ مِنْ مَسَائِلِ النِّزَاعِ، وَفِيهِمَا ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ:
أَحَدُهَا: عَدَمُ الْمِيرَاثِ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَمَالِكٍ.
وَالثَّانِي: ثُبُوتُ التَّوَارُثِ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ، وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ.
وَالثَّالِثُ: ثُبُوتُ التَّوَارُثِ فِي مَسْأَلَةِ الْكَافِرِ إِذَا أَسْلَمَ، دُونَ الْعَبْدِ إِذَا عَتَقَ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، وَمَنْ وَافَقَهُ.
وَفَرَّقَ أَصْحَابُ هَذَا الْقَوْلِ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ: بِأَنَّ الْكَافِرَ أَقْوَى سَبَبًا مِنَ الْعَبْدِ؛ لِأَنَّ الْكَافِرَ فِي حَالِ كُفْرِهِ عَلَى صِفَةِ مَنْ يَرِثُ كَافِرًا مِثْلَهُ، وَيَعْقِلُ وَيَنْصُرُ، وَالْعَبْدُ لَيْسَ عَلَى صِفَةِ مَنْ يَرِثُ، وَلَا يَعْقِلُ، وَلَا يَنْصُرُ، فَضَعُفَ فِي بَابِهِ: بِهَذَا فَرَّقَ الْقَاضِي وَجُمْهُورُ أَصْحَابِهِ.
وَفَرَّقَ غَيْرُهُ بِأَنَّ الْكَافِرَ حُرٌّ فَمَعَهُ مُقْتَضِي الْمِيرَاثِ، وَالْكُفْرُ مَانِعٌ، بِخِلَافِ الْعَبْدِ فَإِنَّهُ لَيْسَ مَعَهُ مُقْتَضِي الْمِيرَاثِ، وَلَيْسَ بِأَهْلٍ، فَبِالْعِتْقِ تَجَدَّدَ الْمُقْتَضِي، وَبِالْإِسْلَامِ زَالَ الْمَانِعُ.
وَفَرَّقَ آخَرُونَ بِأَنَّ الصَّحَابَةَ حَكَمُوا بِتَوْرِيثِ الْكَافِرِ يُسْلِمُ، دُونَ الْعَبْدِ يَعْتِقُ، وَيَكْفِي تَفْرِيقُهُمْ عَنْ تَكَلُّفِ طَلَبِ الْفَرْقِ!
وَفَرَّقَ آخَرُونَ بِأَنَّ الْإِسْلَامَ وُجِدَ مِنْ جِهَتِهِ، فَهُوَ مَمْدُوحٌ عَلَيْهِ، وَمُثَابٌ
стр. 738
عَلَيْهِ، وَالْعِتْقُ وُجِدَ مِنْ غَيْرِ جِهَتِهِ، فَلَا مِنَّةَ لَهُ فِيهِ، وَلَا ثَوَابَ، وَإِنَّمَا هُوَ لِسَيِّدِهِ، فَجَازَ أَنْ يَسْتَحِقَّ بِمَا يُمْدَحُ عَلَيْهِ عِوَضًا يَكُونُ تَرْغِيبًا لَهُ فِي الْإِسْلَامِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَمَا تَقُولُونَ فِي الزَّوْجَةِ تَسْلِمُ قَبْلَ قِسْمَةِ الْمِيرَاثِ؟ قِيلَ: قَدْ ذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ فِي كِتَابِ " الطَّلَاقِ " هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ، فَقَالَ: " إِذَا أَسْلَمَ عَلَى مِيرَاثٍ قَبْلَ أَنْ يُقَسَّمَ كَانَ دَاخِلًا فِي الْمِيرَاثِ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ، وَالْقَوْلُ الْآخَرُ لَا يَرِثُ، وَأَمَّا الزَّوْجَةُ فَخَارِجَةٌ عَنِ الْمِيرَاثِ فِي الْقَوْلَيْنِ جَمِيعًا ".
قَالَ الْقَاضِي: " وَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ، وَالْخِرَقِيِّ أَنَّهَا تَرِثُ، وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدِي؛ لِأَنَّ الْمَانِعَ مِنَ الْمِيرَاثِ إِذَا كَانَ لِاخْتِلَافِ الدِّينِ، فَإِذَا زَالَ قَبْلَ الْقِسْمَةِ لَمْ يَمْنَعِ الْإِرْثَ كَالنَّسَبِ.
وَوَجْهُ قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ: أَنَّ إِرْثَ الزَّوْجَةِ بِعَقْدِ النِّكَاحِ عَلَى صِفَةٍ: وَهِيَ الِاتِّفَاقُ فِي الدِّينِ، وَبِالْمَوْتِ قَدْ زَالَ الْعَقْدُ، فَإِذَا وُجِدَ الِاتِّفَاقُ بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ يُؤَثِّرْ كَعَدَمِ الْعَقْدِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ النَّسَبُ؛ لِأَنَّهُ يُوَرَّثُ بِهِ عَلَى صِفَةٍ، وَبِالْمَوْتِ لَمْ يَزُلِ النَّسَبُ، فَإِذَا وُجِدَ الِاتِّفَاقُ فِي الدِّينِ صَادَفَ سَبَبًا ثَابِتًا، فَلِهَذَا وَرِثَ ".
يُبَيِّنُ صِحَّةَ هَذَا مَا قُلْنَاهُ فِي الْمَوْلَى الْمُنَاسِبِ: إِذَا فَسَقَ سَقَطَتْ وِلَايَتُهُ، فَإِذَا صَارَ عَدْلًا عَادَتْ وِلَايَتُهُ؛ لِأَنَّ النَّسَبَ بَاقٍ لَمْ يَزُلْ وَلَوِ اسْتَفَادَ الْوِلَايَةَ بِالْحُكْمِ، وَفَسَقَ الْحَاكِمُ سَقَطَتْ وِلَايَتُهُ، فَإِنْ صَارَ عَدْلًا فِي الثَّانِي لَمْ تُعَدْ وِلَايَتُهُ، لِأَنَّهَا إِنَّمَا اسْتَفَادَهَا بِالْعَقْدِ، وَالْعَقْدُ قَدْ بَطَلَ، فَلَمْ يُؤَثِّرْ وُجُودُ الْعَدَالَةِ فِي الثَّانِي.
стр. 739
وَأَجَابَ آخَرُونَ بِالْجَوَابِ الْمُرَكَّبِ: وَهُوَ إِنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الصُّورَتَيْنِ فَرْقٌ فِي مَسْأَلَةِ الْعَبْدِ، وَالزَّوْجَةِ، وَالْكَافِرِ، فَالصَّوَابُ التَّسْوِيَةُ، وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا فَرْقٌ بَطَلَ الْإِلْزَامُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَصْلٌ ذِكْرُ الْخِلَافِ فِي تَوْرِيثِ الْمُسْلِمِ مِنَ الْكَافِرِ]
١٦٦ - فَصْلٌ
[ذِكْرُ الْخِلَافِ فِي تَوْرِيثِ الْمُسْلِمِ مِنَ الْكَافِرِ] .
وَأَمَّا تَوْرِيثُ الْمُسْلِمِ مِنَ الْكَافِرِ فَاخْتَلَفَ فِيهِ السَّلَفُ، فَذَهَبَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ إِلَى أَنَّهُ لَا يَرِثُ كَمَا لَا يَرِثُ الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ: وَهَذَا هُوَ الْمَعْرُوفُ عِنْدَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ، وَأَتْبَاعِهِمْ.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ: بَلْ يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ، دُونَ الْعَكْسِ، وَهَذَا قَوْلُ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، وَمُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ، وَمُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَمَسْرُوقِ بْنِ الْأَجْدَعِ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ، وَيَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ، وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ. وَهُوَ اخْتِيَارُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيَةَ. قَالُوا: نَرِثُهُمْ وَلَا يَرِثُونَنَا، كَمَا نَنْكِحُ نِسَاءَهُمْ، وَلَا يَنْكِحُونَ نِسَاءَنَا.
وَالَّذِينَ مَنَعُوا الْمِيرَاثَ: عُمْدَتُهُمُ الْحَدِيثُ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ: " «لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ، وَلَا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ» ". وَهُوَ عُمْدَةٌ مِنْ مَنْعِ مِيرَاثِ الْمُنَافِقِ الزِّنْدِيقِ، وَمِيرَاثِ الْمُرْتَدِّ.
قَالَ شَيْخُنَا: وَقَدْ ثَبَتَ بِالسُّنَّةِ الْمُتَوَاتِرَةِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُجْرِي الزَّنَادِقَةَ الْمُنَافِقِينَ فِي الْأَحْكَامِ الظَّاهِرَةِ مَجْرَى الْمُسْلِمِينَ فَيَرِثُونَ
стр. 740
وَيُورَثُونَ. وَقَدْ مَاتَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ، وَغَيْرُهُ مِمَّنْ شَهِدَ الْقُرْآنُ بِنِفَاقِهِمْ، وَنُهِيَ الرَّسُولُ ﷺ عَنِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ، وَالِاسْتِغْفَارِ لَهُ، وَوَرِثَهُمْ وَرَثَتُهُمُ الْمُؤْمِنُونَ: كَمَا وَرِثَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ ابْنُهُ، وَلَمْ يَأْخُذِ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ تَرِكَةِ أَحَدٍ مِنَ الْمُنَافِقِينَ شَيْئًا، وَلَا جَعَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَيْئًا، بَلْ أَعْطَاهُ لِوَرَثَتِهِمْ، وَهَذَا أَمْرٌ مَعْلُومٌ بِيَقِينٍ، فَعُلِمَ أَنَّ الْمِيرَاثَ مَدَارُهُ عَلَى النُّصْرَةِ الظَّاهِرَةِ لَا عَلَى إِيمَانِ الْقُلُوبِ، وَالْمُوَالَاةِ الْبَاطِنَةِ، وَالْمُنَافِقُونَ فِي الظَّاهِرِ يَنْصُرُونَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَعْدَائِهِمْ، وَإِنْ كَانُوا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ يَفْعَلُونَ خِلَافَ ذَلِكَ، فَالْمِيرَاثُ مَبْنَاهُ عَلَى الْأُمُورِ الظَّاهِرَةِ لَا عَلَى إِيمَانِ الْقُلُوبِ، وَالْمُوَالَاةِ الْبَاطِنَةِ، وَالْمُنَافِقُونَ فِي الظَّاهِرِ يَنْصُرُونَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَعْدَائِهِمْ، وَإِنْ كَانُوا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ يَفْعَلُونَ خِلَافَ ذَلِكَ، فَالْمِيرَاثُ مَبْنَاهُ عَلَى الْأُمُورِ الظَّاهِرَةِ لَا عَلَى مَا فِي الْقُلُوبِ.
وَأَمَّا الْمُرْتَدُّ فَالْمَعْرُوفُ عَنِ الصَّحَابَةِ مِثْلِ عَلِيٍّ، وَابْنِ مَسْعُودٍ: أَنَّ مَالَهُ
следующие страницы →