Полный текст (1 326 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.
стр. 736
قَالُوا: وَلِأَنَّهُ لَوْ عَتَقَ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَقَبْلَ الْقِسْمَةِ لَمْ يَرِثْ، كَذَلِكَ هَاهُنَا. وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الصُّورَتَيْنِ.
قَالَ الْمُوَرِّثُونَ: إِنَّمَا حَكَمْنَا بِالْمِلْكِ لِلْمَوْجُودِينَ مِنَ الْوَرَثَةِ فِي الظَّاهِرِ مِلْكًا مُرَاعًى، كَمَا حَكَمْنَا بِالْمِلْكِ لَهُمْ إِذَا كَانَ الْوَارِثُ قَدْ حَفَرَ بِئْرًا، وَنَصَبَ سِكِّينًا، فَإِنَّا نَحْكُمُ بِهِ فِي الظَّاهِرِ، فَلَوْ وَقَعَ فِي الْبِئْرِ إِنْسَانٌ بَعْدَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ عَلَيْهِمْ بِالْأَرْشِ.
وَتَبَيَّنَّا أَنَّ ذَلِكَ الْحُكْمَ لَمْ يَكُنْ صَحِيحًا كَذَلِكَ هَاهُنَا، وَيُفَارِقُ هَذَا إِذَا حَدَثَ لَهُ وَارِثٌ بَعْدَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ سَبَبَ الْإِرْثِ لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا حَالَ الْمَوْتِ، وَالسَّبَبُ هَاهُنَا مَوْجُودٌ وَهُوَ النَّسَبُ، فَجَازَ أَنْ يَرِثَ بَعْدَ الْمَوْتِ وَالْإِسْلَامِ.
يُبَيِّنُ صِحَّةَ هَذَا أَنَّهُ لَوْ حَفَرَ الْعَبْدُ بِئْرًا فِي حَيَاةِ السَّيِّدِ، وَمَاتَ السَّيِّدُ، فَوَقَعَ فِيهَا إِنْسَانٌ بَعْدَ مَوْتِهِ، تَعَلَّقَ الضَّمَانُ بِتَرِكَتِهِ، وَلَوْ حَفَرَهَا الْعَبْدُ بَعْدَ مَوْتِ السَّيِّدِ، وَوَقَعَ فِيهَا إِنْسَانٌ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِتَرِكَتِهِ، وَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ مُضَافًا إِلَيْهِ فِي الْحَالَيْنِ، وَكَانَ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا مَا ذَكَرْنَا، وَلِأَنَّهُمْ قَدْ قَالُوا: لَوْ أَعْتَقَ الْمُسْلِمُ عَبْدًا نَصْرَانِيًّا كَانَ مِيرَاثُهُ مُرَاعًى، فَإِنْ أَسْلَمَ قَبْلَ مَوْتِهِ وَرِثَهُ بِالْوَلَاءِ، وَإِنْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ لَمْ يَرِثْهُ. وَهَذَا إِلْزَامٌ جَيِّدٌ، لِأَنَّهُمْ جَعَلُوا الْمِيرَاثَ مُرَاعًى عَلَى مَا يَحْدُثُ بَعْدَ الْعِتْقِ.
وَأَمَّا إِلْزَامُهُمْ فِي مَسْأَلَةِ الْعَبْدِ إِذَا عَتَقَ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَقَبْلَ الْقِسْمَةِ، فَإِلْزَامٌ قَوِيٌّ جِدًّا، وَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَرِثُ، مُفَرِّقًا بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ مَسْأَلَةِ إِسْلَامِ الْكَافِرِ فِي جَوَابٍ وَاحِدٍ، وَلَكِنْ قَدْ سَوَّى بَيْنَهُمَا فِي الْمِيرَاثِ الْحَسَنُ وَأَبُو
стр. 737
الشَّعْثَاءِ، حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْهُمَا.
فَالْمَسْأَلَتَانِ مِنْ مَسَائِلِ النِّزَاعِ، وَفِيهِمَا ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ:
أَحَدُهَا: عَدَمُ الْمِيرَاثِ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَمَالِكٍ.
وَالثَّانِي: ثُبُوتُ التَّوَارُثِ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ، وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ.
وَالثَّالِثُ: ثُبُوتُ التَّوَارُثِ فِي مَسْأَلَةِ الْكَافِرِ إِذَا أَسْلَمَ، دُونَ الْعَبْدِ إِذَا عَتَقَ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، وَمَنْ وَافَقَهُ.
وَفَرَّقَ أَصْحَابُ هَذَا الْقَوْلِ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ: بِأَنَّ الْكَافِرَ أَقْوَى سَبَبًا مِنَ الْعَبْدِ؛ لِأَنَّ الْكَافِرَ فِي حَالِ كُفْرِهِ عَلَى صِفَةِ مَنْ يَرِثُ كَافِرًا مِثْلَهُ، وَيَعْقِلُ وَيَنْصُرُ، وَالْعَبْدُ لَيْسَ عَلَى صِفَةِ مَنْ يَرِثُ، وَلَا يَعْقِلُ، وَلَا يَنْصُرُ، فَضَعُفَ فِي بَابِهِ: بِهَذَا فَرَّقَ الْقَاضِي وَجُمْهُورُ أَصْحَابِهِ.
وَفَرَّقَ غَيْرُهُ بِأَنَّ الْكَافِرَ حُرٌّ فَمَعَهُ مُقْتَضِي الْمِيرَاثِ، وَالْكُفْرُ مَانِعٌ، بِخِلَافِ الْعَبْدِ فَإِنَّهُ لَيْسَ مَعَهُ مُقْتَضِي الْمِيرَاثِ، وَلَيْسَ بِأَهْلٍ، فَبِالْعِتْقِ تَجَدَّدَ الْمُقْتَضِي، وَبِالْإِسْلَامِ زَالَ الْمَانِعُ.
وَفَرَّقَ آخَرُونَ بِأَنَّ الصَّحَابَةَ حَكَمُوا بِتَوْرِيثِ الْكَافِرِ يُسْلِمُ، دُونَ الْعَبْدِ يَعْتِقُ، وَيَكْفِي تَفْرِيقُهُمْ عَنْ تَكَلُّفِ طَلَبِ الْفَرْقِ!
وَفَرَّقَ آخَرُونَ بِأَنَّ الْإِسْلَامَ وُجِدَ مِنْ جِهَتِهِ، فَهُوَ مَمْدُوحٌ عَلَيْهِ، وَمُثَابٌ
стр. 738
عَلَيْهِ، وَالْعِتْقُ وُجِدَ مِنْ غَيْرِ جِهَتِهِ، فَلَا مِنَّةَ لَهُ فِيهِ، وَلَا ثَوَابَ، وَإِنَّمَا هُوَ لِسَيِّدِهِ، فَجَازَ أَنْ يَسْتَحِقَّ بِمَا يُمْدَحُ عَلَيْهِ عِوَضًا يَكُونُ تَرْغِيبًا لَهُ فِي الْإِسْلَامِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَمَا تَقُولُونَ فِي الزَّوْجَةِ تَسْلِمُ قَبْلَ قِسْمَةِ الْمِيرَاثِ؟ قِيلَ: قَدْ ذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ فِي كِتَابِ " الطَّلَاقِ " هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ، فَقَالَ: " إِذَا أَسْلَمَ عَلَى مِيرَاثٍ قَبْلَ أَنْ يُقَسَّمَ كَانَ دَاخِلًا فِي الْمِيرَاثِ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ، وَالْقَوْلُ الْآخَرُ لَا يَرِثُ، وَأَمَّا الزَّوْجَةُ فَخَارِجَةٌ عَنِ الْمِيرَاثِ فِي الْقَوْلَيْنِ جَمِيعًا ".
قَالَ الْقَاضِي: " وَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ، وَالْخِرَقِيِّ أَنَّهَا تَرِثُ، وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدِي؛ لِأَنَّ الْمَانِعَ مِنَ الْمِيرَاثِ إِذَا كَانَ لِاخْتِلَافِ الدِّينِ، فَإِذَا زَالَ قَبْلَ الْقِسْمَةِ لَمْ يَمْنَعِ الْإِرْثَ كَالنَّسَبِ.
وَوَجْهُ قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ: أَنَّ إِرْثَ الزَّوْجَةِ بِعَقْدِ النِّكَاحِ عَلَى صِفَةٍ: وَهِيَ الِاتِّفَاقُ فِي الدِّينِ، وَبِالْمَوْتِ قَدْ زَالَ الْعَقْدُ، فَإِذَا وُجِدَ الِاتِّفَاقُ بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ يُؤَثِّرْ كَعَدَمِ الْعَقْدِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ النَّسَبُ؛ لِأَنَّهُ يُوَرَّثُ بِهِ عَلَى صِفَةٍ، وَبِالْمَوْتِ لَمْ يَزُلِ النَّسَبُ، فَإِذَا وُجِدَ الِاتِّفَاقُ فِي الدِّينِ صَادَفَ سَبَبًا ثَابِتًا، فَلِهَذَا وَرِثَ ".
يُبَيِّنُ صِحَّةَ هَذَا مَا قُلْنَاهُ فِي الْمَوْلَى الْمُنَاسِبِ: إِذَا فَسَقَ سَقَطَتْ وِلَايَتُهُ، فَإِذَا صَارَ عَدْلًا عَادَتْ وِلَايَتُهُ؛ لِأَنَّ النَّسَبَ بَاقٍ لَمْ يَزُلْ وَلَوِ اسْتَفَادَ الْوِلَايَةَ بِالْحُكْمِ، وَفَسَقَ الْحَاكِمُ سَقَطَتْ وِلَايَتُهُ، فَإِنْ صَارَ عَدْلًا فِي الثَّانِي لَمْ تُعَدْ وِلَايَتُهُ، لِأَنَّهَا إِنَّمَا اسْتَفَادَهَا بِالْعَقْدِ، وَالْعَقْدُ قَدْ بَطَلَ، فَلَمْ يُؤَثِّرْ وُجُودُ الْعَدَالَةِ فِي الثَّانِي.
стр. 739
وَأَجَابَ آخَرُونَ بِالْجَوَابِ الْمُرَكَّبِ: وَهُوَ إِنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الصُّورَتَيْنِ فَرْقٌ فِي مَسْأَلَةِ الْعَبْدِ، وَالزَّوْجَةِ، وَالْكَافِرِ، فَالصَّوَابُ التَّسْوِيَةُ، وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا فَرْقٌ بَطَلَ الْإِلْزَامُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَصْلٌ ذِكْرُ الْخِلَافِ فِي تَوْرِيثِ الْمُسْلِمِ مِنَ الْكَافِرِ]
١٦٦ - فَصْلٌ
[ذِكْرُ الْخِلَافِ فِي تَوْرِيثِ الْمُسْلِمِ مِنَ الْكَافِرِ] .
وَأَمَّا تَوْرِيثُ الْمُسْلِمِ مِنَ الْكَافِرِ فَاخْتَلَفَ فِيهِ السَّلَفُ، فَذَهَبَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ إِلَى أَنَّهُ لَا يَرِثُ كَمَا لَا يَرِثُ الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ: وَهَذَا هُوَ الْمَعْرُوفُ عِنْدَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ، وَأَتْبَاعِهِمْ.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ: بَلْ يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ، دُونَ الْعَكْسِ، وَهَذَا قَوْلُ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، وَمُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ، وَمُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَمَسْرُوقِ بْنِ الْأَجْدَعِ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ، وَيَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ، وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ. وَهُوَ اخْتِيَارُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيَةَ. قَالُوا: نَرِثُهُمْ وَلَا يَرِثُونَنَا، كَمَا نَنْكِحُ نِسَاءَهُمْ، وَلَا يَنْكِحُونَ نِسَاءَنَا.
وَالَّذِينَ مَنَعُوا الْمِيرَاثَ: عُمْدَتُهُمُ الْحَدِيثُ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ: " «لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ، وَلَا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ» ". وَهُوَ عُمْدَةٌ مِنْ مَنْعِ مِيرَاثِ الْمُنَافِقِ الزِّنْدِيقِ، وَمِيرَاثِ الْمُرْتَدِّ.
قَالَ شَيْخُنَا: وَقَدْ ثَبَتَ بِالسُّنَّةِ الْمُتَوَاتِرَةِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُجْرِي الزَّنَادِقَةَ الْمُنَافِقِينَ فِي الْأَحْكَامِ الظَّاهِرَةِ مَجْرَى الْمُسْلِمِينَ فَيَرِثُونَ
стр. 740
وَيُورَثُونَ. وَقَدْ مَاتَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ، وَغَيْرُهُ مِمَّنْ شَهِدَ الْقُرْآنُ بِنِفَاقِهِمْ، وَنُهِيَ الرَّسُولُ ﷺ عَنِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ، وَالِاسْتِغْفَارِ لَهُ، وَوَرِثَهُمْ وَرَثَتُهُمُ الْمُؤْمِنُونَ: كَمَا وَرِثَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ ابْنُهُ، وَلَمْ يَأْخُذِ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ تَرِكَةِ أَحَدٍ مِنَ الْمُنَافِقِينَ شَيْئًا، وَلَا جَعَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَيْئًا، بَلْ أَعْطَاهُ لِوَرَثَتِهِمْ، وَهَذَا أَمْرٌ مَعْلُومٌ بِيَقِينٍ، فَعُلِمَ أَنَّ الْمِيرَاثَ مَدَارُهُ عَلَى النُّصْرَةِ الظَّاهِرَةِ لَا عَلَى إِيمَانِ الْقُلُوبِ، وَالْمُوَالَاةِ الْبَاطِنَةِ، وَالْمُنَافِقُونَ فِي الظَّاهِرِ يَنْصُرُونَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَعْدَائِهِمْ، وَإِنْ كَانُوا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ يَفْعَلُونَ خِلَافَ ذَلِكَ، فَالْمِيرَاثُ مَبْنَاهُ عَلَى الْأُمُورِ الظَّاهِرَةِ لَا عَلَى إِيمَانِ الْقُلُوبِ، وَالْمُوَالَاةِ الْبَاطِنَةِ، وَالْمُنَافِقُونَ فِي الظَّاهِرِ يَنْصُرُونَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَعْدَائِهِمْ، وَإِنْ كَانُوا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ يَفْعَلُونَ خِلَافَ ذَلِكَ، فَالْمِيرَاثُ مَبْنَاهُ عَلَى الْأُمُورِ الظَّاهِرَةِ لَا عَلَى مَا فِي الْقُلُوبِ.
وَأَمَّا الْمُرْتَدُّ فَالْمَعْرُوفُ عَنِ الصَّحَابَةِ مِثْلِ عَلِيٍّ، وَابْنِ مَسْعُودٍ: أَنَّ مَالَهُ
стр. 741
لِوَرَثَتِهِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَيْضًا، وَلَمْ يُدْخِلُوهُ فِي قَوْلِهِ ﷺ : " «لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ» ". وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ.
وَأَمَّا أَهْلُ الذِّمَّةِ فَمَنْ قَالَ بِقَوْلِ مُعَاذٍ، وَمُعَاوِيَةَ، وَمَنْ وَافَقَهُمَا: يَقُولُ قَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ : " «لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ» " الْمُرَادُ بِهِ الْحَرْبِيُّ لَا الْمُنَافِقُ، وَلَا الْمُرْتَدُّ، وَلَا الذِّمِّيُّ: فَإِنَّ لَفْظَ " الْكَافِرِ " - وَإِنْ كَانَ قَدْ يَعُمُّ كُلَّ كَافِرٍ - فَقَدْ يَأْتِي لَفْظُهُ، وَالْمُرَادُ بِهِ بَعْضُ أَنْوَاعِ الْكُفَّارِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ [النساء: ١٤٠] ، فَهُنَا لَمْ يَدْخُلِ الْمُنَافِقُونَ فِي لَفْظِ " الْكَافِرِينَ "، وَكَذَلِكَ الْمُرْتَدُّ، فَالْفُقَهَاءُ لَا يُدْخِلُونَهُ فِي لَفْظِ " الْكَافِرِ " عِنْدَ الْإِطْلَاقِ، وَلِهَذَا يَقُولُونَ: إِذَا أَسْلَمَ الْكَافِرُ لَمْ يَقْضِ مَا فَاتَهُ مِنَ الصَّلَاةِ، وَإِذَا أَسْلَمَ الْمُرْتَدُّ فَفِيهِ قَوْلَانِ.
وَقَدْ حَمَلَ طَائِفَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ قَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ : " «لَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ» "، عَلَى الْحَرْبِيِّ دُونَ الذِّمِّيِّ، وَلَا رَيْبَ أَنَّ حَمْلَ قَوْلِهِ: " «لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ» " عَلَى الْحَرْبِيِّ أَوْلَى، وَأَقْرَبُ مَحْمَلًا، فَإِنَّ فِي تَوْرِيثِ الْمُسْلِمِينَ مِنْهُمْ تَرْغِيبًا فِي الْإِسْلَامِ لِمَنْ أَرَادَ الدُّخُولَ فِيهِ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ، فَإِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ يَمْنَعُهُمْ مِنَ الدُّخُولِ فِي الْإِسْلَامِ خَوْفُ أَنْ يَمُوتَ أَقَارِبُهُمْ، وَلَهُمْ أَمْوَالٌ فَلَا يَرِثُونَ مِنْهُمْ شَيْئًا.
وَقَدْ سَمِعْنَا ذَلِكَ مِنْهُمْ مِنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْهُمْ شَفَاهَا، فَإِذَا عَلِمَ أَنَّ إِسْلَامَهُ لَا يُسْقِطُ مِيرَاثَهُ ضَعُفَ الْمَانِعُ مِنَ الْإِسْلَامِ وَصَارَتْ رَغْبَتُهُ فِيهِ قَوِيَّةً، وَهَذَا
стр. 742
وَحْدَهُ كَافٍ فِي التَّخْصِيصِ، وَهُمْ يَخُصُّونَ الْعُمُومَ بِمَا هُوَ دُونَ ذَلِكَ بِكَثِيرٍ، فَإِنَّ هَذِهِ مَصْلَحَةٌ ظَاهِرَةٌ يَشْهَدُ لَهَا الشَّرْعُ بِالِاعْتِبَارِ فِي كَثِيرٍ مِنْ تَصَرُّفَاتِهِ، وَقَدْ تَكُونُ مَصْلَحَتُهَا أَعْظَمَ مِنْ مَصْلَحَةِ نِكَاحِ نِسَائِهِمْ، وَلَيْسَ فِي هَذَا مَا يُخَالِفُ الْأُصُولَ، فَإِنَّ أَهْلَ الذِّمَّةِ إِنَّمَا يَنْصُرُهُمْ، وَيُقَاتِلُ عَنْهُمُ الْمُسْلِمُونَ، وَيَفْتَدُونَ أَسْرَاهُمْ، وَالْمِيرَاثُ يُسْتَحَقُّ بِالنُّصْرَةِ، فَيَرِثُهُمُ الْمُسْلِمُونَ، وَهُمْ لَا يَنْصُرُونَ الْمُسْلِمِينَ، فَلَا يَرِثُونَهُمْ، فَإِنَّ أَصْلَ الْمِيرَاثِ لَيْسَ هُوَ بِمُوَالَاةِ الْقُلُوبِ، وَلَوْ كَانَ هَذَا مُعْتَبَرًا فِيهِ كَانَ الْمُنَافِقُونَ لَا يَرِثُونَ، وَلَا يُورَثُونَ، وَقَدْ مَضَتِ السُّنَّةُ بِأَنَّهُمْ يَرِثُونَ وَيُورَثُونَ.
وَأَمَّا الْمُرْتَدُّ فَيَرِثُهُ الْمُسْلِمُونَ، وَأَمَّا هُوَ فَإِنْ مَاتَ لَهُ مَيِّتٌ مُسْلِمٌ فِي زَمَنِ الرِّدَّةِ وَمَاتَ مُرْتَدًّا لَمْ يَرِثْهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَاصِرًا لَهُ، وَإِنْ عَادَ إِلَى الْإِسْلَامِ قَبْلَ قِسْمَةِ الْمِيرَاثِ فَهَذَا فِيهِ نِزَاعٌ بَيْنَ النَّاسِ.
وَظَاهِرُ مَذْهَبِ أَحْمَدَ: أَنَّ الْكَافِرَ الْأَصْلِيَّ وَالْمُرْتَدَّ إِذَا أَسْلَمَا قَبْلَ قِسْمَةِ الْمِيرَاثِ، وَرِثَا، كَمَا هُوَ مَذْهَبُ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَهَذَا يُؤَيِّدُ هَذَا الْأَصْلَ، فَإِنَّ هَذَا فِيهِ تَرْغِيبٌ فِي الْإِسْلَامِ، وَقَدْ نُقِلَ عَنْ عَلِيٍّ فِي الرَّقِيقِ إِذَا كَانَ ابْنًا لِلْمَيِّتِ: " أَنَّهُ يُشْتَرَى مِنَ التَّرِكَةِ وَيَرِثُ! ".
قَالَ شَيْخُنَا: " وَمِمَّا يُؤَيِّدُ الْقَوْلَ بِأَنَّ الْمُسْلِمَ يَرِثُ الذِّمِّيَّ، وَلَا يَرِثُهُ الذِّمِّيُّ، أَنَّ الِاعْتِبَارَ فِي الْإِرْثِ بِالْمُنَاصَرَةِ، وَالْمَانِعَ هُوَ الْمُحَارَبَةُ. وَلِهَذَا قَالَ أَكْثَرُ
стр. 743
الْفُقَهَاءِ: إِنَّ الذِّمِّيَّ لَا يَرِثُ الْحَرْبِيَّ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى فِي الدِّيَةِ: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] ، فَالْمَقْتُولُ - إِنْ كَانَ مُسْلِمًا - فَدِيَتُهُ لِأَهْلِهِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْمِيثَاقِ فَدِيَتُهُ لِأَهْلِهِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لِلْمُسْلِمِينَ فَلَا دِيَةَ لَهُ؛ لِأَنَّ أَهْلَهُ عَدُوٌّ لِلْمُسْلِمِينَ وَلَيْسُوا بِمُعَاهَدِينَ، فَلَا يُعْطَوْنَ دِيَتَهُ، وَلَوْ كَانُوا مُعَاهَدِينَ لَأُعْطُوا الدِّيَةَ، وَلِهَذَا لَا يَرِثُ هَؤُلَاءِ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّهُمْ لَيْسَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُمْ إِيمَانٌ وَلَا أَمَانٌ، وَلِهَذَا لَمَّا مَاتَ أَبُو طَالِبٍ وَرِثَهُ عَقِيلٌ دُونَ عَلِيٍّ وَجَعْفَرٍ، مَعَ أَنَّ هَذَا كَانَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ، وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ: " «أَلَا تَنْزِلُ فِي دَارِكَ؟ " فَقَالَ: " وَهَلْ تَرَكَ لَنَا عَقِيلٌ مِنْ رِبَاعٍ» ؟ " وَذَلِكَ لِاسْتِيلَاءِ عَقِيلٍ عَلَى رِبَاعِ بَنِي هَاشِمٍ لَمَّا هَاجَرَ النَّبِيُّ ﷺ لَيْسَ هُوَ لِأَجْلِ مِيرَاثِهِ، فَإِنَّهُ أَخَذَ دَارَ النَّبِيِّ ﷺ الَّتِي كَانَتْ لَهُ، الَّتِي وَرِثَهَا مِنْ أَبِيهِ، وَدَارَهُ الَّتِي كَانَتْ لِخَدِيجَةَ، وَغَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا لَمْ يَكُنْ لِأَبِي طَالِبٍ، فَاسْتَوْلَى عَلَى رِبَاعِ بَنِي هَاشِمٍ بِغَيْرِ طَرِيقِ الْإِرْثِ، بَلْ كَمَا اسْتَوْلَى سَائِرُ الْمُشْرِكِينَ عَلَى دِيَارِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ، وَأَمْوَالِهِمْ، كَمَا اسْتَوْلَى أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ عَلَى دَارِ أَبِي أَحْمَدَ بْنِ جَحْشٍ، وَكَانَتْ دَارًا عَظِيمَةً، فَكَانَ الْمُشْرِكُونَ - لَمَّا هَاجَرَ الْمُسْلِمُونَ - مَنْ
стр. 744
كَانَ لَهُ قَرِيبٌ أَوْ حَلِيفٌ اسْتَوْلَى عَلَى مَالِهِ، ثُمَّ لَمَّا أَسْلَمُوا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " «مَنْ أَسْلَمَ عَلَى شَيْءٍ فَهُوَ لَهُ» "، وَلَمْ يَرُدَّ إِلَى الْمُهَاجِرِينَ دُورَهُمُ الَّتِي أُخِذَتْ مِنْهُمْ، بَلْ قَالَ: " «هَذِهِ أُخِذَتْ فِي اللَّهِ، أُجُورُهُمْ فِيهَا عَلَى اللَّهِ» "، وَقَالَ لِابْنِ جَحْشٍ: " «أَلَا تَرْضَى أَنْ يَكُونَ لَكَ مِثْلُهَا فِي الْجَنَّةِ» ؟ ! "
وَكَانَ الْمُسْلِمُونَ يَنْتَظِرُونَ مَا يَأْمُرُ بِهِ فِي دَارِ ابْنِ جَحْشٍ، فَإِنْ رَدَّهَا عَلَيْهِ طَلَبُوا هُمْ أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ مَعَ عُثْمَانَ هَذِهِ الرِّسَالَةَ، فَسَكَتَ وَسَكَتَ الْمُسْلِمُونَ، وَهَذَا كَانَ عَامَ الْفَتْحِ، فَلَمَّا دَخَلَ مَكَّةَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ قِيلَ لَهُ: «أَلَا تَنْزِلُ فِي دَارِكَ؟ فَقَالَ: " وَهَلْ تَرَكَ لَنَا عَقِيلٌ مِنْ دَارٍ» ؟ ! "
قَالَ الشَّيْخُ: " وَهَذَا الْحَدِيثُ قَدِ اسْتَدَلَّ بِهِ طَوَائِفُ مِنْ مَسَائِلَ:
[الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى:] فَالشَّافِعِيُّ احْتَجَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ بَيْعِ رِبَاعِ مَكَّةَ، وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ بَاعَهَا. قُلْتُ: الشَّافِعِيُّ إِنَّمَا احْتَجَّ بِإِضَافَةِ الدَّارِ إِلَيْهِ، بِقَوْلِهِ " فِي دَارِكَ " وَأَرْدَفَهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٩٥] ، وَالْمُنَازِعُونَ لَهُ يَقُولُونَ: الْإِضَافَةُ قَدْ تَصِحُّ بِأَدْنَى مُلَابَسَةٍ، فَهِيَ إِضَافَةُ اخْتِصَاصٍ لَا إِضَافَةُ مِلْكٍ؛ لِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ جَعَلَ النَّاسَ فِي الْحَرَمِ سَوَاءً، الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادُ.
стр. 745
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: الْمَنْعُ مِنْ تَوْرِيثِ الْمُسْلِمِ مِنَ الْكَافِرِ، فَإِنَّهُ قَدْ رُوِيَ أَنَّهُ قَالَهُ عَقِيبَ هَذَا الْقَوْلِ، وَكَانَ قَدِ اسْتَوْلَى عَلَى بَعْضِهَا بِطَرِيقِ الْإِرْثِ مِنْ أَبِي طَالِبٍ، وَعَلَى بَعْضِهَا بِطَرِيقِ الْقَهْرِ وَالْغَلَبَةِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ اسْتَوْلَى عَلَى نَفْسِ مِلْكِ النَّبِيِّ ﷺ وَدَارِهِ الَّتِي هِيَ لَهُ، فَإِنَّهُ قِيلَ لَهُ: «أَلَا تَنْزِلُ فِي دَارِكَ؟ فَقَالَ: " وَهَلْ تَرَكَ لَنَا عَقِيلٌ مِنْ دَارٍ» ؟ "
يَقُولُ: هُوَ أَخَذَ دَارِي وَدَارَ غَيْرِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ.
وَكَانَ عَقِيلٌ لَمْ يُسْلِمْ بَعْدُ، بَلْ كَانَ عَلَى دِينِ قَوْمِهِ، وَكَانَ حَمْزَةُ، وَعُبَيْدَةُ بْنُ الْحَارِثِ، وَعَلِيٌّ، وَغَيْرُهُمْ قَدْ هَاجَرُوا إِلَى الْمَدِينَةِ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَجَعْفَرٌ هَاجَرَ إِلَى الْحَبَشَةِ، فَاسْتَوْلَى عَقِيلٌ عَلَى رِبَاعِ النَّبِيِّ ﷺ وَعَلَى رِبَاعِ آلِ أَبِي طَالِبٍ.
وَأَمَا رِبَاعُ الْعَبَّاسِ فَالْعَبَّاسُ كَانَ مُسْتَوْلِيًا عَلَيْهَا، وَكَذَلِكَ الْحَارِثُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ كَانَ بِمَكَّةَ ابْنُهُ أَبُو سُفْيَانَ، وَابْنُهُ رَبِيعَةُ.
وَأَمَّا أَبُو طَالِبٍ فَلَمْ يَبْقَ لَهُ بِمَكَّةَ إِلَّا عَقِيلٌ، وَالنَّبِيُّ ﷺ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَخٌ فَاسْتَوْلَى عَقِيلٌ عَلَى هَذَا وَهَذَا ; فَلِهَذَا قَالَ: " «وَهَلْ تَرَكَ لَنَا
стр. 746
عَقِيلٌ مِنْ رِبَاعٍ» ؟ " وَإِلَّا فَبِأَيِّ طَرِيقٍ يَأْخُذُ مِلْكَ النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ حَيٌّ، وَلَمْ يَكُنْ هُوَ وَارِثَهُ لَوْ كَانَ يُوَرَّثُ؟
فَتَبَيَّنَ بِهَذَا أَنَّ الْكُفَّارَ الْمُحَارِبِينَ إِذَا اسْتَوْلَوْا عَلَى أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ أَسْلَمُوا كَانَتْ لَهُمْ، وَلَمْ تُرَدَّ إِلَى الْمُسْلِمِينَ، لِأَنَّهَا أُخِذَتْ فِي اللَّهِ، وَأُجُورُهُمْ فِيهَا عَلَى اللَّهِ لِمَا أَتْلَفَهُ الْكُفَّارُ مِنْ دِمَائِهِمْ، وَأَمْوَالِهِمْ، فَالشُّهَدَاءُ لَا يُضْمَنُونَ، وَلَوْ أَسْلَمَ قَاتِلُ الشَّهِيدِ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ دِيَةٌ وَلَا كَفَّارَةٌ بِالسُّنَّةِ الْمُتَوَاتِرَةِ، وَاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ، وَقَدْ أَسْلَمَ جَمَاعَةٌ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ وَقَدْ عَرَفَ مَنْ قَتَلُوهُ مِثْلَ وَحْشِيِّ بْنِ حَرْبٍ قَاتِلِ حَمْزَةَ وَمِثْلَ قَاتِلِ النُّعْمَانِ بْنِ قَوْقَلٍ وَغَيْرِهِمَا، فَلَمْ يَطْلُبِ النَّبِيُّ ﷺ أَحَدًا بِشَيْءٍ عَمَلًا بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨] .
стр. 747
وَكَذَلِكَ الْمُرْتَدُّونَ: قَدْ أَسْلَمَ طُلَيْحَةُ الْأَسَدِيُّ بَعْدَ رِدَّتِهِ، وَقَدْ قَتَلَ عُكَاشَةَ بْنَ مِحْصَنٍ، فَلَمْ يُضَمِّنْهُ أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَسَائِرُ الصَّحَابَةِ لَا دِيَةً وَلَا كَفَّارَةً. وَكَذَلِكَ سَائِرُ مَنْ قَتَلَهُ الْمُرْتَدُّونَ، وَالْمُحَارِبُونَ لَمَّا عَادُوا إِلَى الْإِسْلَامِ لَمْ يُضَمِّنْهُمُ الْمُسْلِمُونَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ.
وَهَذَا فِيهِ نِزَاعٌ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ، وَطَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِمَا يَنْصُرُونَ الضَّمَانَ، وَكَثِيرٌ مِنْ مُتَأَخِّرِي أَصْحَابِ أَحْمَدَ يَظُنُّ أَنَّ هَذَا هُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِهِ، وَأَنَّ عَدَمَ الضَّمَانِ هُوَ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَلَمْ يُعْلَمْ أَنَّ أَحْمَدَ نَصَّ عَلَى قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ، وَأَنَّ أَهْلَ الرِّدَّةِ، وَالْمُحَارِبِينَ لَا يَضْمَنُونَ مَا أَتْلَفُوهُ مِنَ النُّفُوسِ، وَالْأَمْوَالِ كَأَهْلِ الْحَرْبِ الْكُفَّارِ الْأَصْلِيِّينَ، فَإِنَّ فِيهِنَّ نِزَاعًا فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ، وَالصَّوَابُ فِيهِمْ: الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ، وَأَبِي حَنِيفَةَ وَغَيْرِهِمَا.
وَكَذَلِكَ الْبُغَاةُ الْمُتَأَوِّلُونَ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ كَالْمُقْتَتِلِينَ " بِالْجَمَلِ "
стр. 748
" وَصِفِّينَ " لَا يُضَمَّنُونَ مَا أَتْلَفَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الْقِتَالِ، وَهَذَا هُوَ الْمَنْصُورُ عِنْدَ أَصْحَابِ أَحْمَدَ.
стр. 749
قَالَ الزُّهْرِيُّ: " وَقَعَتِ الْفِتْنَةُ وَأَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُتَوَافِرُونَ، فَأَجْمَعُوا أَنَّ كُلَّ دَمٍ أَوْ جُرْحٍ أُصِيبَ بِتَأْوِيلِ الْقُرْآنِ فَإِنَّهُ هَدَرٌ، أَنْزَلُوهُمْ مَنْزِلَةَ الْجَاهِلِيَّةِ. " يَعْنِي: لَمَّا كَانُوا مُتَأَوِّلِينَ أَنْزَلُوهُمْ مَنْزِلَةَ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَإِنْ كَانُوا مُخْطِئِينَ فِي التَّأْوِيلِ كَالْكُفَّارِ وَالْمُرْتَدِّينَ، وَإِنَّمَا يَضْمَنُ مَنْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَقْتُلَ، وَيُؤَاخَذُ كَالطَّائِفَتَيْنِ الْمُقْتَتِلَتَيْنِ عَلَى عَصَبِيَّةٍ.
стр. 750
وَكُلٌّ مِنْهُمَا يَعْلَمُ أَنَّهُ يُقَاتِلُ عَصَبِيَّةً لَا عَلَى حَقٍّ: فَهَؤُلَاءِ تَضْمَنُ كُلُّ طَائِفَةٍ مَا أَتْلَفَتْهُ عَلَى الْأُخْرَى، وَفِي ذَلِكَ نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾ [البقرة: ١٧٨] .
وَالْمُحَارِبُونَ قُطَّاعُ الطَّرِيقِ الْعَالِمُونَ بِأَنَّ مَا فَعَلُوهُ مُحَرَّمٌ يَضْمَنُونَ، وَإِذَا تَابُوا قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِمْ سَقَطَتْ عَنْهُمْ حُدُودُ اللَّهِ كَمَا تَسْقُطُ عَنِ الْكُفَّارِ الْمُمْتَنِعِينَ إِذَا أَسْلَمُوا قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِمْ.
وَهَلْ يُعَاقَبُونَ بِحُدُودِ الْآدَمِيِّينَ مِثْلَ أَنْ يُقْتَلَ أَحَدُهُمْ قِصَاصًا؟ فِيهِ قَوْلَانِ لِلْعُلَمَاءِ: قِيلَ: يُؤْخَذُونَ بِحُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ كَالْقَوَدِ، وَقِيلَ: لَا يُؤْخَذُونَ، وَمَا كَانَ مَعَهُمْ مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ يُؤْخَذُ بِلَا نِزَاعٍ.
وَمَا أَتْلَفُوهُ هَلْ يَضْمَنُونَهُ مَعَ الْعُقُوبَاتِ الْبَدَنِيَّةِ؟ فِيهِ نِزَاعٌ، كَالسَّارِقِ فَإِنَّهُ إِذَا وُجِدَ مَعَهُ الْمَالُ أُخِذَ سَوَاءٌ قُطِعَتْ يَدُهُ، أَوْ لَمْ تُقْطَعْ.
وَإِنْ كَانَ قَدْ أَتْلَفَهُ، فَهَلْ يَغْرَمُ مَعَ الْقَطْعِ؟ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ، قِيلَ: يَغْرَمُ كَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ، وَقِيلَ: لَا يَغْرَمُ كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقِيلَ: يَغْرَمُ مَعَ الْيَسَارِ دُونَ الْإِعْسَارِ كَقَوْلِ مَالِكٍ.
وَالْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] ، دَلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْمُحَارِبِينَ لَا يَرِثُونَ الْمُسْلِمِينَ
стр. 751
وَلَا يُعْطَوْنَ دِيَتَهُمْ، فَإِنَّهُمْ كُفَّارٌ وَالْكُفَّارُ لَا يَرِثُونَ الْمُسْلِمِينَ، وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ هَذَا فِيمَنْ أَسْلَمَ وَلَمْ يُهَاجِرْ، فَتَثْبُتُ فِي حَقِّهِ الْعِصْمَةُ الْمُوَرِّثَةُ دُونَ الْمُضَمِّنَةِ كَمَا يَقُولُ ذَلِكَ أَبُو حَنِيفَةَ وَغَيْرُهُ.
وَقِيلَ: بَلْ فِيمَنْ ظَنَّهُ الْقَاتِلُ كَافِرًا، وَكَانَ مَأْمُورًا بِقَتْلِهِ، فَسَقَطَتْ عَنْهُ الدِّيَةُ لِذَلِكَ، كَمَا يَقُولُهُ الشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ.
وَهَؤُلَاءِ يَخُصُّونَ الْآيَةَ بِمَنْ ظَاهِرُهُ الْإِسْلَامُ، وَأُولَئِكَ يَخُصُّونَهَا بِمَنْ أَسْلَمَ، وَلَمْ يُهَاجِرْ. وَالْآيَةُ فِي الْمُؤْمِنِ إِذَا قَتَلَ، وَهُوَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَنَا، وَهُوَ سُبْحَانَهُ قَالَ: ﴿مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ﴾ [النساء: ٩٢] ، وَلَمْ يَقُلْ: (مِنْ عَدُوِّكُمْ) ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْقَتْلَ إِذَا كَانَ خَطَأً كَمَنْ رَمَى عِرْضًا، فَأَصَابَ مُسْلِمًا فَإِنَّهُ لَا دِيَةَ فِيهِ، وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ مُسْلِمٌ لِأَنَّ أَهْلَهُ لَا يَسْتَحِقُّونَ الدِّيَةَ، وَلَا يَسْتَحِقُّهَا الْمُسْلِمُونَ، وَلَا بَيْتُ الْمَالِ، فَهَؤُلَاءِ الْكُفَّارُ لَا يَرِثُونَ مِثْلَ هَذَا الْمُسْلِمِ، كَمَا قَالَ: " «لَا يَرِثُ الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ» " لِأَنَّهُ حَرْبِيٌّ، وَالْمُنَاصَرَةُ بَيْنَهُمْ مُنْقَطِعَةٌ، فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِلْمُسْلِمِينَ، وَالْمِيرَاثُ لَا يَكُونُ مَعَ الْعَدَاوَةِ الظَّاهِرَةِ، بَلْ مَعَ الْمُنَاصَرَةِ الظَّاهِرَةِ، وَأَهْلُ الذِّمَّةِ لَيْسُوا عَدُوًّا مُحَارِبًا، وَقَتِيلُهُمْ مَضْمُونٌ، فَإِذَا وَرِثَ الْمُسْلِمُ مِنْهُمْ كَانَ هَذَا مُوَافِقًا لِلْأُصُولِ، وَقَوْلُهُ: " الْكَافِرُ " أُرِيدَ بِهِ الْكَافِرُ الْمُطْلَقُ، وَهُوَ الْمُعَادِي الْمُحَارِبُ لَمْ يَدْخُلْ فِيهِ الْمُنَافِقُ، وَلَا الْمُرْتَدُّ، وَلَا الذِّمِّيُّ. فَإِذَا كَانَ الْمُؤْمِنُ يَرِثُ الْمُنَافِقَ لِكَوْنِهِ مُسَالِمًا لَهُ مُنَاصِرًا لَهُ فِي الظَّاهِرِ، فَكَذَلِكَ الذِّمِّيُّ، وَبَعْضُ الْمُنَافِقِينَ شَرٌّ مِنْ بَعْضِ أَهْلِ الذِّمَّةِ.
وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّهُ يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ بِالْمُوَالَاةِ، وَهُوَ أَحَدُ
стр. 752
الْقَوْلَيْنِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ: نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ: حَنْبَلٌ، وَأَبِي طَالِبٍ، وَالْمَرُّوذِيُّ، وَالْفَضْلُ بْنُ زِيَادٍ فِي الْمُسْلِمِ يُعْتِقُ الْعَبْدَ النَّصْرَانِيَّ، ثُمَّ يَمُوتُ الْعَتِيقُ: يَرِثُهُ بِالْوَلَاءِ.
وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ ﷺ : " «الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» ".
قَالَ الْمَانِعُونَ مِنَ التَّوْرِيثِ: لَهُ عَلَيْهِ الْوَلَاءُ وَلَكِنْ لَا يَرِثُ بِهِ.
قَالَ الْمُوَرِّثُونَ: ثُبُوتُ الْوَلَاءِ يَقْتَضِي ثُبُوتَ حُكْمِهِ، وَالْمِيرَاثُ مِنْ حُكْمِهِ.
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ النَّصْرَانِيَّ إِلَّا أَنْ يَكُونَ عَبْدَهُ، أَوْ أَمَتَهُ» ".
стр. 753
قَالُوا: وَهُوَ إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ أَفْتَى بِهِ عَلِيٌّ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، وَجَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: فَرَوَى أَبُو بَكْرٍ بِإِسْنَادِهِ، عَنِ الْحَارِثِ، عَنْ عَلِيٍّ ﵁: " لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ، وَلَا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لَهُ أَوْ أَمَتَهُ ".
стр. 754
وَكَذَلِكَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄.
قَالَ الْمَانِعُونَ: الْمُرَادُ بِهَذَا الْعَبْدِ الْقِنُّ إِذَا كَانَ لَهُ مَالٌ وَمَاتَ فَإِنَّ سَيِّدَهُ يَأْخُذُ مَالَهُ.
قَالَ الْمُوَرِّثُونَ: لَا يَصِحُّ هَذَا؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ الْقِنَّ لَا مَالَ لَهُ فَيُورَثُ عَنْهُ، فَعُلِمَ أَنَّهُ أَرَادَ مَنْ كَانَ عَبْدَهُ فَأَعْتَقَهُ كَمَا حَمَلْتُمْ عَلَيْهِ قَوْلَهُ ﷺ : " «مَنْ قَتَلَ عَبْدَهُ قَتَلْنَاهُ» "، وَقُلْتُمْ: مَعْنَاهُ الَّذِي كَانَ عَبْدَهُ.
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ فِي بِلَالٍ: " «أَلَا إِنَّ الْعَبْدَ قَدْ نَامَ» ".
стр. 755
قَالُوا: وَلِأَنَّ الْمِيرَاثَ بِالْوَلَاءِ مِنْ حُقُوقِ الْمِلْكِ، فَلَمْ يَمْنَعْ مِنْهُ اخْتِلَافُ الدِّينِ، لِوِلَايَةِ الْكَافِرِ عَلَى أَمَتِهِ، وَلِأَنَّ الشَّارِعَ لَمْ يَجْعَلْهُ أَحَقَّ بِمِيرَاثِهِ لَنَسَبٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ جَزَاءٌ عَلَى نِعْمَةِ الْمُعْتِقِ، وَهَذَا مِنْ مَحَاسِنِ الشَّرِيعَةِ، وَكَمَالِهَا: فَأَحَقُّ النَّاسِ بِهَذَا الْمِيرَاثِ أَحَقُّهُمْ بِالْإِنْعَامِ عَلَيْهِ بِالْعِتْقِ.
يُؤَكِّدُهُ: أَنَّ الْمِيرَاثَ بِالْوَلَاءِ يَجْرِي مَجْرَى الْمُعَاوَضَةِ، وَلِهَذَا يَرِثُ بِهِ الْمَوْلَى الْمُعْتِقُ، دُونَ الْعَتِيقِ عِوَضًا عَنْ إِحْسَانِهِ إِلَيْهِ بِالْعِتْقِ.
قَالَ الْمَانِعُونَ: الْكُفْرُ يَمْنَعُ التَّوَارُثَ، فَلَمْ يَرِثْ بِهِ الْمُعْتِقُ، كَالْقَتْلِ.
قَالَ الْمُوَرِّثُونَ: الْقَاتِلُ يُحْرَمُ الْمِيرَاثَ لِأَجْلِ التُّهْمَةِ، وَمُعَاقَبَةٌ لَهُ بِنَقِيضِ قَصْدِهِ. وَهَاهُنَا عِلَّةُ الْمِيرَاثِ الْإِنْعَامُ، وَاخْتِلَافُ الدِّينِ لَا يَكُونُ مِنْ عِلَلِهِ، وَهَذِهِ الْمَسَائِلُ الثَّلَاثُ مِنْ مَحَاسِنِ الشَّرِيعَةِ، وَهِيَ:
[الْأُولَى:] تَوْرِيثُ مَنْ أَسْلَمَ عَلَى مِيرَاثٍ قَبْلَ قِسْمَتِهِ.
[الثَّانِيَةُ:] وَتَوْرِيثُ الْمُعْتِقِ عَبْدَهُ الْكَافِرَ بِالْوَلَاءِ.
[الثَّالِثَةُ:] وَتَوْرِيثُ الْمُسْلِمِ قَرِيبَهُ الذِّمِّيَّ، وَهِيَ مَسْأَلَةُ نِزَاعٍ بَيْنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ.
وَأَمَّا الْمَسْأَلَتَانِ الْأَخِيرَتَانِ فَلَمْ يُعْلَمْ عَنِ الصَّحَابَةِ فِيهِمَا نِزَاعٌ، بَلِ
стр. 756
الْمَنْقُولُ عَنْهُمُ التَّوْرِيثُ.
قَالَ شَيْخُنَا: " وَالتَّوْرِيثُ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ عَلَى وَفْقِ أُصُولِ الشَّرْعِ، فَإِنَّ الْمُسْلِمِينَ لَهُمْ إِنْعَامٌ وَحَقٌّ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ بِحَقْنِ دِمَائِهِمْ، وَالْقِتَالِ عَنْهُمْ، وَحِفْظِ دِمَائِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ، وَفِدَاءِ أَسْرَاهُمْ، فَالْمُسْلِمُونَ يَمْنَعُونَهُمْ، وَيَنْصُرُونَهُمْ، وَيَدْفَعُونَ عَنْهُمْ، فَهُمْ أَوْلَى بِمِيرَاثِهِمْ مِنَ الْكُفَّارِ.
وَالَّذِينَ مَنَعُوا الْمِيرَاثَ قَالُوا: مَبْنَاهُ عَلَى الْمُوَالَاةِ: وَهِيَ مُنْقَطِعَةٌ بَيْنَ الْمُسْلِمِ، وَالْكَافِرِ، فَأَجَابَهُمُ الْآخَرُونَ بِأَنَّهُ لَيْسَ مَبْنَاهُ عَلَى الْمُوَالَاةِ الْبَاطِنَةِ الَّتِي تُوجِبُ الثَّوَابَ فِي الْآخِرَةِ، فَإِنَّهُ ثَابِتٌ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، وَبَيْنَ أَعْظَمِ أَعْدَائِهِمْ، وَهُمُ الْمُنَافِقُونَ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ﴾ [المنافقون: ٤] .
فَوِلَايَةُ الْقُلُوبِ لَيْسَتْ هِيَ الْمَشْرُوطَةُ فِي الْمِيرَاثِ، وَإِنَّمَا هُوَ بِالتَّنَاصُرِ وَالْمُسْلِمُونَ يَنْصُرُونَ أَهْلَ الذِّمَّةِ فَيَرِثُونَهُمْ، وَلَا يَنْصُرُهُمْ أَهْلُ الذِّمَّةِ فَلَا يَرِثُونَهُمْ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 757
[فَصْلٌ أَقْسَامُ أَهْلِ الْعَهْدِ مِنَ الْكُفَّارِ]
١٦٧ - فَصْلٌ
[أَقْسَامُ أَهْلِ الْعَهْدِ مِنَ الْكُفَّارِ] .
الْكُفَّارُ إِمَّا أَهْلُ حَرْبٍ وَإِمَّا أَهْلُ عَهْدٍ، وَأَهْلُ الْعَهْدِ ثَلَاثَةُ أَصْنَافٍ:
[١ -] أَهْلُ ذِمَّةٍ.
[٢ -] وَأَهْلُ هُدْنَةٍ.
[٣ -] وَأَهْلُ أَمَانٍ.
وَقَدْ عَقَدَ الْفُقَهَاءُ لِكُلِّ صِنْفٍ بَابًا، فَقَالُوا: بَابُ الْهُدْنَةِ، بَابُ الْأَمَانِ، بَابُ عَقْدِ الذِّمَّةِ.
وَلَفْظُ " الذِّمَّةِ وَالْعَهْدِ " يَتَنَاوَلُ هَؤُلَاءِ كُلَّهُمْ فِي الْأَصْلِ.
وَكَذَلِكَ لَفْظُ " الصُّلْحِ "، فَإِنَّ الذِّمَّةَ مِنْ جِنْسِ لَفْظِ الْعَهْدِ، وَالْعَقْدِ.
وَقَوْلُهُمْ: " هَذَا فِي ذِمَّةِ فُلَانٍ " أَصْلُهُ مِنْ هَذَا: أَيْ فِي عَهْدِهِ، وَعَقْدِهِ، أَيْ فَأَلْزَمَهُ بِالْعَقْدِ، وَالْمِيثَاقِ، ثُمَّ صَارَ يُسْتَعْمَلُ فِي كُلِّ مَا يُمْكِنُ أَخْذُ الْحَقِّ مِنْ جِهَتِهِ، سَوَاءٌ وَجَبَ بِعَقْدِهِ، أَوْ بِغَيْرِ عَقْدِهِ، كَبَدَلِ الْمُتْلَفِ فَإِنَّهُ يُقَالُ: هُوَ فِي ذِمَّتِهِ، وَسَوَاءٌ وَجَبَ بِفِعْلِهِ، أَوْ بِفِعْلِ وَلَيِّهِ، أَوْ وَكِيلِهِ، كَوَلِيِّ الصَّبِيِّ، وَالْمَجْنُونِ، وَوَلِيِّ بَيْتِ الْمَالِ وَالْوَقْفِ، فَإِنَّ بَيْتَ الْمَالِ، وَالْوَقْفِ يَثْبُتُ لَهُ حَقٌّ وَعَلَيْهِ حَقٌّ، كَمَا يَثْبُتُ لِلصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ، وَيُطَالِبُ وَلِيُّهُ الَّذِي لَهُ أَنْ يَقْبِضَ لَهُ، وَيَقْبِضَ مَا عَلَيْهِ.
стр. 758
وَهَكَذَا لَفْظُ " الصُّلْحِ " عَامٌّ فِي كُلِّ صُلْحٍ، وَهُوَ يَتَنَاوَلُ صُلْحَ الْمُسْلِمِينَ بَعْضِهِمْ مَعَ بَعْضٍ، وَصُلْحَهُمْ مَعَ الْكُفَّارِ، وَلَكِنْ صَارَ - فِي اصْطِلَاحِ كَثِيرٍ مِنَ الْفُقَهَاءِ - " أَهْلُ الذِّمَّةِ " عِبَارَةً عَمَّنْ يُؤَدِّي الْجِزْيَةَ، وَهَؤُلَاءِ لَهُمْ ذِمَّةٌ مُؤَبَّدَةٌ، وَهَؤُلَاءِ قَدْ عَاهَدُوا الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنْ يَجْرِيَ عَلَيْهِمْ حُكْمُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، إِذْ هُمْ مُقِيمُونَ فِي الدَّارِ الَّتِي يَجْرِي فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، بِخِلَافِ أَهْلِ الْهُدْنَةِ، فَإِنَّهُمْ صَالَحُوا الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنْ يَكُونُوا فِي دَارِهِمْ، سَوَاءٌ كَانَ الصُّلْحُ عَلَى مَالٍ، أَوْ غَيْرِ مَالٍ، لَا تَجْرِي عَلَيْهِمْ أَحْكَامُ الْإِسْلَامِ كَمَا تَجْرِي عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ، لَكِنْ عَلَيْهِمُ الْكَفُّ عَنْ مُحَارَبَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَهَؤُلَاءِ يُسَمَّوْنَ أَهْلَ الْعَهْدَ، وَأَهْلَ الصُّلْحِ، وَأَهْلَ الْهُدْنَةِ.
وَأَمَّا الْمُسْتَأْمِنُ فَهُوَ الَّذِي يَقْدَمُ بِلَادَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ غَيْرِ اسْتِيطَانٍ لَهَا، وَهَؤُلَاءِ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ: رُسُلٌ، وَتُجَّارٌ، وَمُسْتَجِيرُونَ حَتَّى يُعْرَضَ عَلَيْهِمُ الْإِسْلَامُ وَالْقُرْآنُ، فَإِنْ شَاءُوا دَخَلُوا فِيهِ، وَإِنْ شَاءُوا رَجَعُوا إِلَى بِلَادِهِمْ، وَطَالِبُوا حَاجَةٍ مِنْ زِيَارَةٍ، أَوْ غَيْرِهَا، وَحُكْمُ هَؤُلَاءِ أَلَّا يُهَاجِرُوا، وَلَا يُقْتَلُوا، وَلَا تُؤْخَذُ مِنْهُمُ الْجِزْيَةُ، وَأَنْ يُعْرَضَ عَلَى الْمُسْتَجِيرِ مِنْهُمُ الْإِسْلَامُ وَالْقُرْآنُ، فَإِنْ دَخَلَ فِيهِ فَذَاكَ، وَإِنْ أَحَبَّ اللَّحَاقَ بِمَأْمَنِهِ أُلْحِقَ بِهِ، وَلَمْ يُعْرَضْ لَهُ قَبْلَ وُصُولِهِ إِلَيْهِ، فَإِذَا وَصَلَ مَأْمَنُهُ عَادَ حَرْبِيًّا كَمَا كَانَ.
[فَصْلٌ هَلْ تَجُوزُ الْهُدْنَةُ الْمُطْلَقَةُ دُونَ تَحْدِيدِ مُدَّةٍ]
١٦٨ - فَصْلٌ
[هَلْ تَجُوزُ الْهُدْنَةُ الْمُطْلَقَةُ دُونَ تَحْدِيدِ مُدَّةٍ] .
إِذَا عُرِفَ هَذَا فَهَلْ يَجُوزُ لِوَلِيِّ الْأَمْرِ أَنْ يَعْقِدَ الْهُدْنَةَ مَعَ الْكُفَّارِ عَقْدًا مُطْلَقًا لَا يُقَدِّرُهُ بِمُدَّةٍ، بَلْ يَقُولُ: " نَكُونُ عَلَى الْعَهْدِ مَا شِئْنَا "، وَمَنْ أَرَادَ فَسْخَ
стр. 759
الْعَقْدِ فَلَهُ ذَلِكَ إِذَا أَعْلَمَ الْآخَرَ، وَلَمْ يَغْدِرِ بِهِ، " أَوْ يَقُولُ: " نُعَاهِدُكُمْ مَا شِئْنَا، وَنُقِرُّكُمْ مَا شِئْنَا؟ "
فَهَذَا فِيهِ لِلْعُلَمَاءِ قَوْلَانِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ:
أَحَدُهُمَا: لَا يَجُوزُ، قَالَ بِهِ الشَّافِعِيُّ فِي مَوْضِعٍ، وَوَافَقَهُ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَدَ كَالْقَاضِي فِي " الْمُجَرَّدِ "، وَالشَّيْخِ فِي " الْمُغْنِي "، وَلَمْ يَذْكُرُوا غَيْرَهُ.
وَالثَّانِي: يَجُوزُ ذَلِكَ، وَهُوَ الَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي " الْمُخْتَصَرِ "، وَقَدْ ذَكَرَ الْوَجْهَيْنِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ طَائِفَةٌ آخِرُهُمُ ابْنُ حَمْدَانَ.
وَالْمَذْكُورُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهَا لَا تَكُونُ لَازِمَةً بَلْ جَائِزَةً، فَإِنَّهُ جَوَّزَ لِلْإِمَامِ فَسْخَهَا مَتَى شَاءَ. وَهَذَا الْقَوْلُ فِي الطَّرَفِ الْمُقَابِلِ لِقَوْلِ الشَّافِعِيِّ الْأَوَّلِ.
وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: وَسَطٌ بَيْنَ هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ.
стр. 760
وَأَجَابَ الشَّافِعِيُّ عَنْ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ لِأَهْلِ خَيْبَرَ: " «نُقِرُّكُمْ مَا أَقَرَّكُمُ اللَّهُ» " بِأَنَّ الْمُرَادَ: نُقِرُّكُمْ مَا أَذِنَ اللَّهُ فِي إِقْرَارِكُمْ بِحُكْمِ الشَّرْعِ.
قَالَ: وَهَذَا لَا يُعْلَمُ إِلَّا بِالْوَحْيِ، فَلَيْسَ هَذَا لِغَيْرِ النَّبِيِّ ﷺ .
وَأَصْحَابُ هَذَا الْقَوْلِ كَأَنَّهُمْ ظَنُّوا أَنَّهَا إِذَا كَانَتْ مُطْلَقَةً تَكُونُ لَازِمَةً مُؤَبَّدَةً كَالذِّمَّةِ، فَلَا تَجُوزُ بِالِاتِّفَاقِ وَلِأَجْلِ أَنْ تَكُونَ الْهُدْنَةُ لَازِمَةً مُؤَبَّدَةً فَلَا بُدَّ مِنْ تَوْفِيَتِهَا، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ أَمَرَ بِالْوَفَاءِ، وَنَهَى عَنِ الْغَدْرِ، وَالْوَفَاءُ لَا يَكُونُ إِلَّا إِذَا كَانَ الْعَقْدُ لَازِمًا.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي - وَهُوَ الصَّوَابُ - أَنَّهُ يَجُوزُ عَقْدُهَا مُطْلَقَةً وَمُؤَقَّتَةً، فَإِذَا كَانَتْ مُؤَقَّتَةً جَازَ أَنْ تُجْعَلَ لَازِمَةً، وَلَوْ جُعِلَتْ جَائِزَةً بِحَيْثُ يَجُوزُ لِكُلٍّ مِنْهُمَا فَسْخُهَا مَتَى شَاءَ كَالشَّرِكَةِ، وَالْوَكَالَةِ، وَالْمُضَارَبَةِ وَنَحْوِهَا جَازَ ذَلِكَ، لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ يُنْبَذَ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ.
وَيَجُوزُ عَقْدُهَا مُطْلَقَةً، وَإِذَا كَانَتْ مُطْلَقَةً لَمْ يُمْكِنْ أَنْ تَكُونَ لَازِمَةَ التَّأْبِيدِ، بَلْ مَتَى شَاءَ نَقَضَهَا، وَذَلِكَ أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْعُقُودِ أَنْ تُعْقَدَ عَلَى أَيِّ صِفَةٍ كَانَتْ فِيهَا الْمَصْلَحَةُ، وَالْمَصْلَحَةُ قَدْ تَكُونُ فِي هَذَا وَهَذَا.
وَلِلْعَاقِدِ أَنْ يَعْقِدَ الْعَقْدَ لَازِمًا مِنَ الطَّرَفَيْنِ، وَلَهُ أَنْ يَعْقِدَهُ جَائِزًا يُمْكِنُ فَسْخُهُ إِذَا لَمْ يَمْنَعْ مِنْ ذَلِكَ مَانِعٌ شَرْعِيٌّ، وَلَيْسَ هَنَا مَانِعٌ، بَلْ هَذَا قَدْ يَكُونُ هُوَ الْمَصْلَحَةَ، فَإِنَّهُ إِذَا عَقَدَ عَقْدًا إِلَى مُدَّةٍ طَوِيلَةٍ فَقَدْ تَكُونُ مَصْلَحَةُ الْمُسْلِمِينَ
стр. 761
فِي مُحَارَبَتِهِمْ قَبْلَ تِلْكَ الْمُدَّةِ، فَكَيْفَ إِذَا كَانَ ذَلِكَ قَدْ دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ؟
وَعَامَّةُ عُهُودِ النَّبِيِّ ﷺ مَعَ الْمُشْرِكِينَ كَانَتْ كَذَلِكَ مُطْلَقَةً غَيْرَ مُؤَقَّتَةٍ، جَائِزَةً غَيْرَ لَازِمَةٍ، مِنْهَا عَهْدُهُ مَعَ أَهْلِ خَيْبَرَ، مَعَ أَنَّ خَيْبَرَ فُتِحَتْ، وَصَارَتْ لِلْمُسْلِمِينَ، لَكِنَّ سُكَّانَهَا كَانُوا هُمُ الْيَهُودَ، وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ مُسْلِمٌ، وَلَمْ تَكُنْ بَعْدُ نَزَلَتْ آيَةُ الْجِزْيَةِ، إِنَّمَا نَزَلَتْ فِي " بَرَاءَةٌ " عَامَ تَبُوكَ سَنَةَ تِسْعٍ مِنَ الْهِجْرَةِ، وَخَيْبَرُ فُتِحَتْ قَبْلَ مَكَّةَ بَعْدَ الْحُدَيْبِيَةِ سَنَةَ سَبْعٍ. وَمَعَ هَذَا، فَالْيَهُودُ كَانُوا تَحْتَ حُكْمِ النَّبِيِّ ﷺ فَإِنَّ الْعَقَارَ مِلْكُ الْمُسْلِمِينَ دُونَهُمْ.
وَقَدْ ثَبَتَ فِي " الصَّحِيحَيْنِ " أَنَّهُ قَالَ لَهُمْ: " «نُقِرُّكُمْ مَا شِئْنَا» "، أَوْ " «مَا أَقَرَّكُمُ اللَّهُ» ".
وَقَوْلُهُ: " «مَا أَقَرَّكُمُ اللَّهُ» " يُفَسِّرُهُ اللَّفْظُ الْآخَرُ، وَأَنَّ الْمُرَادَ: أَنَّا مَتَى شِئْنَا أَخْرَجْنَاكُمْ مِنْهَا.
وَلِهَذَا أَمَرَ عِنْدَ مَوْتِهِ بِإِخْرَاجِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَأَنْفَذَ ذَلِكَ عُمَرُ ﵁ فِي خِلَافَتِهِ.
وَقَدْ ذَكَرَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ: أَنَّ كُلَّ ذِمَّةٍ عُقِدَتْ لِلْكُفَّارِ
стр. 762
فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فَهِيَ عَلَى هَذَا الْحُكْمِ، يُقِرُّهُمُ الْمُسْلِمُونَ مَا احْتَاجُوا إِلَيْهِمْ، فَإِذَا اسْتَغْنَوْا عَنْهُمْ أَخْرَجُوهُمْ مِنْ دِيَارِ الْمُسْلِمِينَ.
وَهَذَا قَوْلٌ قَوِيٌّ، لَهُ حَظٌّ مِنَ الْفِقْهِ.
وَقَوْلُهُ ﷺ : " «نُقِرُّكُمْ مَا أَقَرَّكُمُ اللَّهُ» " أَرَادَ بِهِ مَا شَاءَ اللَّهُ إِقْرَارَكُمْ، وَقَدَّرَ ذَلِكَ وَقَضَى بِهِ، أَيْ: فَإِذَا قَدَّرَ إِخْرَاجَكُمْ، بِأَنْ يُرِيدَ إِخْرَاجَكُمْ فَنُخْرِجَكُمْ، لَمْ نَكُنْ ظَالِمِينَ لَكُمْ، كَمَا يَقُولُ الْقَائِلُ: أَنَا أُقِيمُ فِي هَذَا الْمَكَانِ مَا شَاءَ اللَّهُ وَمَا أَقَامَنِي. وَلَمْ يُرِدْ بِقَوْلِهِ: " «مَا أَقَرَّكُمُ اللَّهُ» ": إِنَّا نُقِرُّكُمْ مَا أَبَاحَ اللَّهُ بِوَحْيٍ، وَإِنْ كَانَ أَرَادَ ذَلِكَ فَهَذَا مَعْنًى صَحِيحٍ، وَهَذَا لَا يُمْكِنُ مِنْ غَيْرِ النَّبِيِّ ﷺ ، لَكِنَّهُ لَمْ يُرِدْ إِلَّا الْإِقْرَارَ الْمَقْضِيَّ كَمَا قَالَ: " مَا شِئْنَا ".
وَأَيْضًا فَقَدْ ثَبَتَ بِالْقُرْآنِ، وَالتَّوَاتُرِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَبَذَ إِلَى الْمُشْرِكِينَ عُهُودَهُمْ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ لَمَّا حَجَّ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ﵁ عَامَ تِسْعٍ، فَنَبَذَ إِلَى الْمُشْرِكِينَ عُهُودَهُمْ ذَلِكَ الْعَامَ، وَلِذَلِكَ أَرْدَفَ أَبَا بَكْرٍ بِعَلِيٍّ ﵄ لِأَنَّ عَادَتَهُمْ كَانَتْ أَنَّهُ لَا يَعْقِدُ الْعُقُودَ وَيُحِلُّهَا إِلَّا الْمُطَاعُ أَوْ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَقَدْ أُنْزِلَتْ فِي ذَلِكَ سُورَةُ بَرَاءَةٌ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ - فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ﴾ [التوبة: ١ - ٢] الْآيَاتِ، فَهُوَ سُبْحَانُهُ أَنْزَلَ الْبَرَاءَةَ إِلَى الْمُشْرِكِينَ، وَجَعَلَ لَهُمْ سِيَاحَةَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ: وَهِيَ الْحُرُمُ الْمَذْكُورَةُ فِي
стр. 763
قَوْلِهِ: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] ، وَلَيْسَتْ هَذِهِ الْحُرُمُ هِيَ الْحُرُمَ الْمَذْكُورَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ [التوبة: ٣٦] .
قَالَ شَيْخُنَا: وَمَنْ جَعَلَ هَذِهِ هِيَ تِلْكَ فَقَوْلُهُ خَطَأٌ، وَذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ قَدْ بَيَّنَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ بِأَنَّهَا " «ذُو الْقَعْدَةِ وَذُو الْحِجَّةِ، وَالْمُحَرَّمُ، وَرَجَبُ مُضَرَ الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ» " وَهَذِهِ لَيْسَتْ مُتَوَالِيَةً فَلَا يُقَالُ فِيهَا: " فَإِذَا انْسَلَخَتْ " فَإِنَّ الثَّلَاثَةَ إِذَا انْسَلَخَتْ بَقِيَ رَجَبٌ، فَإِذَا انْسَلَخَ رَجَبٌ بَقِيَ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ، ثُمَّ يَأْتِي الْحُرُمُ، فَلَيْسَ جَعْلُ هَذَا انْسِلَاخًا بِأَوْلَى مِنْ ذَلِكَ، وَلَا يُقَالُ لِمِثْلِ هَذَا: (انْسَلَخَ) إِنَّمَا يُسْتَعْمَلُ هَذَا فِي الزَّمَنِ الْمُتَّصِلِ.
ثُمَّ إِنَّ جُمْهُورَ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّ الْقِتَالَ فِي تِلْكَ الْحُرُمِ مُبَاحٌ، فَكَيْفَ يَقُولُ: فَإِذَا انْسَلَخَ ذُو الْقَعْدَةِ، وَذُو الْحِجَّةِ، وَالْمُحَرَّمُ، وَرَجَبٌ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ، وَهُوَ قَدْ أَبَاحَ فِيهَا قِتَالَ الْمُشْرِكِينَ؟
وَأَيْضًا فَهَذِهِ الْآيَةُ نَزَلَتْ عَامَ حَجَّةِ الصِّدِّيقِ ﵁، وَكَانَ حَجُّهُ فِي ذِي الْقَعْدَةِ عَلَى الْعَادَةِ لِأَجْلِ النَّسِيءِ الَّذِي كَانُوا يَنْسَئُونَ فِيهَا
стр. 764
لِأَشْهُرٍ، وَإِنَّمَا اسْتَدَارَ الزَّمَانُ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَمَّا حَجَّ النَّبِيُّ ﷺ حَجَّةَ الْوَدَاعِ فِي الْعَامِ الْمُقْبِلِ سَنَةَ عَشْرٍ، وَاللَّهُ تَعَالَى سَيَّرَ الْمُشْرِكِينَ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ يَأْمَنُونَ فِيهَا، وَتِلْكَ لَا تَنْقَضِي إِلَّا عَاشِرَ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي هَذِهِ الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ - وَهِيَ أَشْهُرُ التَّسْيِيرِ - عَلَى أَقْوَالٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّهَا هِيَ الْحُرُمُ الْمَذْكُورَةُ فِي قَوْلِهِ: ﴿مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ [التوبة: ٣٦] .
وَهَذَا يُحْكَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَلَا يَصِحُّ عَنْهُ.
стр. 765
الثَّانِي: أَنَّ أَوَّلَهَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ كَمَا نُقِلَ عَنْ مُجَاهِدٍ، وَالسُّدِّيِّ وَغَيْرِهِمَا، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ.
стр. 766
وَعَلَى هَذَا فَيَكُونُ آخِرُهَا الْعَاشِرَ مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الْآخَرِ.
الْقَوْلُ الثَّالِثُ: أَنَّ آخِرَهَا عَاشِرُ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ.
قَالَ شَيْخُنَا: وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ، فَإِنَّهُ بِاتِّفَاقِ النَّاسِ أَنَّ الصِّدِّيقَ ﵁ نَادَى بِذَلِكَ فِي الْمَوْسِمِ فِي الْمُشْرِكِينَ: إِنَّ لَكُمْ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ تَسِيحُونَ فِيهَا، وَيَوْمَ النَّحْرِ كَانَ ذَلِكَ الْعَامُ بِالِاتِّفَاقِ عَاشِرَ ذِي الْقَعْدَةِ، فَانْقِضَاءُ الْأَرْبَعَةِ عَاشِرَ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَنْسِئُونَ الْأَشْهُرَ، فَذُو الْقَعْدَةِ يَجْعَلُونَهُ مَوْضِعَ ذِي الْحِجَّةِ، وَصَفَرٌ مَوْضِعَ الْمُحَرَّمِ، وَرَبِيعٌ الْأَوَّلُ مَوْضِعَ صَفَرٍ، وَرَبِيعٌ الْآخِرُ مَوْضِعَ الْأَوَّلِ، فَالَّذِي كَانُوا يَجْعَلُونَهُ ذَا الْحِجَّةِ هُوَ ذُو الْقَعْدَةِ، وَالَّذِي جَعَلُوهُ رَبِيعًا الْآخِرَ هُوَ رَبِيعٌ الْأَوَّلُ فَمِنَ الْمُفَسِّرِينَ مَنْ تَكَلَّمَ بِعِبَارَتِهِمْ إِذْ ذَاكَ، وَمِنْهُمْ مَنْ غَيَّرَ الْعِبَارَةَ إِلَى مَا اسْتَقَرَّ الْأَمْرُ عَلَيْهِ، وَالْمَقْصُودُ: أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ قَسَّمَ الْمُشْرِكِينَ فِي هَذِهِ السُّورَةِ إِلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ:
[الْأَوَّلُ:] أَهْلُ عَهْدٍ مُؤَقَّتٍ، لَهُمْ مُدَّةٌ وَهُمْ مُقِيمُونَ عَلَى الْوَفَاءِ بِعَهْدِهِمْ لَمْ يَنْقُصُوا الْمُسْلِمِينَ شَيْئًا مِمَّا شَرَطُوا لَهُمْ، وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْهِمْ أَحَدًا، فَأَمَرَهُمْ بِأَنْ يُوفُوا لَهُمْ بِعَهْدِهِمْ مَا دَامُوا كَذَلِكَ.
[الثَّانِي:] قَوْمٌ لَهُمْ عُهُودٌ مُطْلَقَةٌ غَيْرُ مُؤَقَّتَةٍ، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَنْبِذُوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ، وَأَنْ يُؤَجِّلُوهُمْ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، فَإِذَا انْقَضَتِ الْأَشْهُرُ الْمَذْكُورَةُ حَلَّتْ
стр. 767
لَهُمْ دِمَاؤُهُمْ وَأَمْوَالُهُمْ.
الْقِسْمُ الثَّالِثُ: قَوْمٌ لَا عُهُودَ لَهُمْ، فَمَنِ اسْتَأْمَنَ مِنْهُمْ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ أَمَّنَهُ، ثُمَّ رَدَّهُ إِلَى مَأْمَنِهِ، فَهَؤُلَاءِ يُقَاتَلُونَ مِنْ غَيْرِ تَأْجِيلٍ.
وَمَنْ لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ هَذَا وَهَذَا وَظَنَّ أَنَّ الْعُهُودَ كُلَّهَا كَانَتْ مُؤَجَّلَةً فَهُوَ بَيْنَ أَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَقُولَ: يَجُوزُ لِلْإِمَامِ أَنْ يَنْبِذَ إِلَى كُلِّ ذِي عَهْدٍ عَهْدَهُ، وَإِنْ كَانَ مُؤَقَّتًا، فَهَذَا مُخَالِفٌ لِنَصِّ الْقُرْآنِ بِقَوْلِهِ: ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ﴾ [التوبة: ٤] ، وَقَدِ احْتَجُّوا بِقَوْلِهِ: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ [الأنفال: ٥٨] ، وَالْآيَةُ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا أَبَاحَ نَبْذَ عَهْدِهِمْ إِلَيْهِمْ إِذَا خَافَ مِنْهُمْ خِيَانَةً، فَإِذَا لَمْ يَخَفْ مِنْهُمْ خِيَانَةً لَمْ يَجُزِ النُّبَذُ إِلَيْهِمْ، بَلْ مَفْهُومُ هَذِهِ الْآيَةِ مُطَابِقٌ لِمَنْطُوقِ تِلْكَ.
الْأَمْرُ الثَّانِي: أَنْ يَقُولَ: بَلِ الْعَهْدُ الْمُؤَقَّتُ لَازِمٌ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ، وَهُوَ قَوْلُ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ، فَيُقَالُ لَهُ: فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلِمَ نَبَذَ النَّبِيُّ ﷺ الْعَهْدَ إِلَى جَمِيعِ الْمُعَاهَدِينَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ؟ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ﴾ [التوبة: ٤] ، فَقَدْ حَرَّمَ
стр. 768
نَبْذَ عَهْدِ هَؤُلَاءِ، وَأَوْجَبَ إِتْمَامَ عَهْدِهِمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ، فَكَيْفَ يُقَالُ: إِنَّ اللَّهَ أَمَرَ بِنَبْذِ الْعُهُودِ الْمُؤَقَّتَةِ؟ فَقَوْلُ مَنْ لَا يُجَوِّزُ الْعَهْدَ الْمُطْلَقَ قَوْلٌ فِي غَايَةِ الضَّعْفِ، كَقَوْلِ مَنْ يُجَوِّزُ نَبْذَ كُلِّ عَهْدٍ، وَإِنْ كَانَ مُؤَجَّلًا بِلَا سَبَبٍ، فَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ بَعْدَ هَذَا: ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: ٧] ، فَهَؤُلَاءِ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - هُمُ الْمُسْتَثْنَوْنَ فِي تِلْكَ الْآيَةِ، وَهُمُ الَّذِينَ لَهُمْ عَهْدٌ إِلَى مُدَّةٍ، فَإِنَّ هَؤُلَاءِ لَوْ كَانَ عَهْدُهُمْ مُطْلَقًا لَنَبَذَ إِلَيْهِمْ كَمَا نَبَذَ إِلَى غَيْرِهِمْ، وَإِنْ كَانُوا مُسْتَقِيمِينَ كَافِّينَ عَنْ قِتَالِهِ، فَإِنَّهُ نَبَذَ إِلَى جَمِيعِ الْمُشْرِكِينَ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ عَهْدٌ مُؤَجَّلٌ يَسْتَحِقُّونَ بِهِ الْوَفَاءَ، وَإِنَّمَا كَانَتْ عُهُودُهُمْ مُطْلَقَةً غَيْرَ لَازِمَةٍ، كَالْمُشَارَكَةِ، وَالْوَكَالَةِ، وَكَانَ عَهْدُهُمْ لِأَجْلِ الْمَصْلَحَةِ، فَلَمَّا فَتَحَ اللَّهُ مَكَّةَ، وَأَعَزَّ الْإِسْلَامَ وَأَذَلَّ أَهْلَ الْكُفْرِ لَمْ يَبْقَ فِي الْإِمْسَاكِ عَنْ جِهَادِهِمْ مَصْلَحَةٌ، فَأَمَرَ اللَّهُ بِهِ، وَلَمْ يَأْمُرْ بِهِ حَتَّى نَبَذَ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ لِئَلَّا يَكُونَ قِتَالُهُمْ قَبْلَ إِعْلَامِهِمْ غَدْرًا.
وَهَذَا قَدْ يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْعَقْدَ الْجَائِزَ كَالشَّرِكَةِ، وَالْوَكَالَةِ لَا يَثْبُتُ حُكْمُ فَسْخِهِ فِي حَقِّ الْآخَرِ حَتَّى يَعْلَمَ بِالْفَسْخِ، وَيَحْتَجَّ بِهِ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ الْوَكِيلَ لَا يَنْعَزِلُ حَتَّى يَعْلَمَ بِعَزْلِهِ.
قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ: الْأَشْهُرُ الْأَرْبَعَةُ أَمَانٌ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَمَانٌ وَلَا عَهْدٌ، فَأَمَّا أَرْبَابُ الْعُهُودِ فَهُمْ عَلَى عُهُودِهِمْ إِلَى انْقِضَاءِ مُدَّتِهِمْ، وَهَذَا لَا يُخَالِفُ قَوْلَ مَنْ قَالَ مِنْهُمْ: إِنَّهَا لِلْمُشْرِكِينَ كَافَّةً: مَنْ لَهُ عَهْدٌ، وَمَنْ لَيْسَ لَهُ
стр. 769
عَهْدٌ، كَمَا قَالَهُ مُجَاهِدٌ، وَالسُّدِّيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، فَإِنَّ أَرْبَابَ الْعَهْدِ الْمُؤَقَّتِ يَصِيرُ لَهُمْ عَهْدٌ مِنْ وَجْهَيْنِ، وَقَدْ قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: " هَذِهِ الْأَرْبَعَةُ أَجَلُّ لِمَنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ أَمَّنَهُ أَقَلَّ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، وَكَانَ أَمَانُهُ غَيْرَ مَحْدُودٍ، فَأَمَّا مَنْ لَا أَمَانَ لَهُ فَهُوَ حَرْبِيٌّ "، فَبَيَّنَ ابْنُ إِسْحَاقَ أَنَّهَا لِأَصْحَابِ الْأَمَانِ الْمُطْلَقِ، وَإِنَّمَا خَالَفَ مَنْ قَبْلَهُ: هَلْ دَخَلَ فِيهَا مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عُهَدٌ أَصْلًا؟
وَأَمَّا مَا يُرْوَى عَنِ الضَّحَّاكِ، وَقَتَادَةَ أَنَّهَا " أَمَانٌ لِأَصْحَابِ الْعَهْدِ، فَمَنْ
стр. 770
كَانَ عَهْدُهُ أَكْثَرَ مِنْهَا حُطَّ إِلَيْهَا، وَمَنْ كَانَ عَهْدُهُ أَقَلَّ مِنْهَا رُفِعَ إِلَيْهَا، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَهْدٌ فَأَجَلُهُ انْسِلَاخُ الْمُحَرَّمِ: خَمْسُونَ لَيْلَةً " فَهَذَا قَوْلٌ ضَعِيفٌ، وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى فَهْمَيْنِ ضَعِيفَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْحُرُمَ آخِرُهَا الْمُحَرَّمُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فَسَادُهُ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ يَجُوزُ نَقْضُ الْعَهْدِ الْمُؤَجَّلِ الْمَحْدُودِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بُطْلَانُهُ.
وَالَّذِينَ ظَنُّوا أَنَّ الْعَهْدَ لَا يَكُونُ إِلَّا مُؤَقَّتًا، وَالْوَفَاءَ وَاجِبٌ، حَارُوا فِي جَوَازِ الْبَرَاءَةِ إِلَى الْمُشْرِكِينَ، فَصَارُوا إِلَى مَا يَظْهَرُ فَسَادُهُ، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: إِنَّمَا يَبْرَأُ مِنْ نَقْضِ الْعَهْدِ، وَهَذَا بَاطِلٌ مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ، فَإِنَّ مَنْ نَقَضَ الْعَهْدَ فَلَا عَهْدَ لَهُ، وَلَا يَحْتَاجُ هَذَا إِلَى بَرَاءَةٍ وَلَا أَذَانٍ، فَإِنَّ أَهْلَ مَكَّةَ الَّذِينَ صَالَحَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ لَمَّا نَقَضُوا الْعَهْدَ سَارَ إِلَيْهِمْ، وَكَتَمَ مَسِيرَهُ، وَدَعَا اللَّهَ أَنْ يَكْتُمَ خَبَرَهُ عَنْهُمْ، وَلَمَّا كَتَبَ إِلَيْهِمْ حَاطِبُ بْنُ أَبِي بَلْتَعَةَ بِخَبَرِهِ أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ
стр. 771
مَا أَنْزَلَ، وَلَمْ يَفْجَأْ أَهْلَ مَكَّةَ إِلَّا وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَجُنُودُ اللَّهِ قَدْ نَزَلُوا بِسَاحَتِهِمْ، وَهَذَا كَانَ عَامَ ثَمَانٍ قَبْلَ نُزُولِ " بَرَاءَةٌ ".
وَأَيْضًا فَالنَّبِيُّ ﷺ أَرْسَلَ أَبَا بَكْرٍ، وَأَرْدَفَهُ بِعَلِيٍّ ﵄ يُؤْذِنُ بِسُورَةِ " بَرَاءَةٌ "، فَنَبَذَ الْعُهُودَ إِلَى جَمِيعِ الْمُشْرِكِينَ مُطْلَقًا، لَمْ يَنْبِذْهَا إِلَى مَنْ نَقَضَ دُونَ مَنْ لَمْ يَنْقُضْ.
وَأَيْضًا، فَالْقُرْآنُ نَبَذَهَا إِلَى الْمُشْرِكِينَ، وَإِنَّمَا اسْتَثْنَى مَنْ كَانَ لَهُ مُدَّةٌ وَوَفَاءٌ، فَمَنْ كَانَ فِيهِ هَذَانِ الشَّرْطَانِ لَمْ يَنْبِذْ إِلَيْهِ.
وَأَيْضًا، فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ قَالَ: ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾ [التوبة: ٧] ، فَجَعَلَ نَفْسَ الشِّرْكِ مَانِعًا مِنَ الْعَهْدِ إِلَّا الَّذِينَ لَهُمْ عَهْدٌ مُؤَقَّتٌ وَهُمْ بِهِ مُوفُونَ.
стр. 772
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ: بَلِ الْعَهْدُ الَّذِي أُمِرَ بِنَبْذِهِ إِنَّمَا هُوَ مَنْعُهُمْ مِنَ الْبَيْتِ، وَقِتَالُهُمْ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ. قَالُوا: وَهَذَا لَفْظُ الْقَاضِي أَبِي يَعْلَى.
وَفَصْلُ الْخِطَابِ فِي هَذَا الْبَابِ: أَنَّهُ قَدْ كَانَ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَبَيْنَ جَمِيعِ الْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ، وَهُوَ أَنْ لَا يُصَدَّ أَحَدٌ عَنِ الْبَيْتِ، وَلَا يَخَافُ أَحَدٌ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ، فَجَعَلَ اللَّهُ عَهْدَهُمْ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، وَكَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَقْوَامٍ مِنْهُمْ عُهُودٌ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى، فَأُمِرَ بِالْوَفَاءِ لَهُمْ، وَإِتْمَامِ عَهْدِهِمْ إِذَا لَمْ يَخْشَ غَدْرَهُمْ.
وَهَذَا أَيْضًا ضَعِيفٌ جِدًّا: وَذَلِكَ أَنَّ مَنْعَهُمْ مِنَ الْبَيْتِ حُكْمٌ أُنْزِلَ فِي غَيْرِ هَذِهِ الْآيَةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨] : وَهَذَا الْمَعْنَى غَيْرُ مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١] .
وَأَيْضًا، فَمَنْعُهُمْ مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ عَامٌّ فِيمَنْ كَانَ لَهُ عَهْدٌ وَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَهْدٌ، وَالْبَرَاءَةُ خَاصَّةٌ بِالْمُعَاهَدِينَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١] ، وَلَمْ يَقُلْ: (إِلَى جَمِيعِ الْمُشْرِكِينَ) كَمَا قَالَ هُنَاكَ: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ [التوبة: ٢٨] .
стр. 773
وَأَيْضًا فَمَنْ لَهُ أَجَلٌ يُوَفَّى لَهُ إِلَى أَجَلِهِ، وَهُمُ الَّذِينَ عَاهَدُوهُ، فَمَا اسْتَقَامُوا لَهُمْ يَسْتَقِيمُ لَهُمْ، وَمَعَ هَذَا فَهُمْ مَمْنُوعُونَ مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ.
وَأَيْضًا فَالْمَنْعُ مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَانَ يُنَادِي بِهِ أَبُو بَكْرٍ وَأَعْوَانُهُ عَلَيٌّ وَغَيْرُهُ ﵃ أَجْمَعِينَ -، فَيُنَادُونَ يَوْمَ النَّحْرِ: " «لَا يَحُجَّنَّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ، وَلَا يَطُوفَنَّ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ» ".
وَأَمَّا نَبْذُ الْعُهُودِ فَإِنَّمَا تَوَلَّاهُ عَلِيٌّ ﵁ لِأَجْلِ الْعَادَةِ الَّتِي كَانَتْ فِي الْعَرَبِ.
وَأَيْضًا، فَالْأَمَانُ الَّذِي كَانَ لِحُجَّاجِ الْبَيْتِ لَمْ يَكُنْ بِعَهْدٍ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ وَأَمَانٍ مِنْهُ، بَلْ كَانَ هَذَا دِينُهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَقَامَ الْإِسْلَامُ عَلَيْهِ حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨] ، فَبِهَذِهِ الْآيَةِ مُنِعُوا، لَا بِالْبَرَاءَةِ مِنَ الْمُعَاهَدِينَ، وَقَدْ كَانَ أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا﴾ [المائدة: ٢] ، فَنُهُوا عَنِ التَّعَرُّضِ لِقَاصِدِيهِ مُطْلَقًا، ثُمَّ لَمَّا مُنِعَ مِنْهُ الْمُشْرِكُونَ، وَعَلِمُوا أَنَّهُمْ مَمْنُوعُونَ مِنْ جِهَةِ اللَّهِ تَعَالَى، كَانَ مَنْ أَمَّنَهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ ظَالِمًا لِنَفْسِهِ مُحَارِبًا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ.
стр. 774
وَأَمَّا الْقَتْلُ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ فَقَدْ كَانَ مُحَرَّمًا بِقَوْلِهِ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢١٧] .
وَفِي نَسْخِهِ قَوْلَانِ لِلسَّلَفِ: فَإِنْ كَانَ لَمْ يُنْسَخْ لَمْ يَكُنْ فِي الْآيَةِ إِذَنْ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ مَنْسُوخًا فَلَيْسَ فِي " الْبَرَاءَةِ " مَا يَدُلُّ عَلَى نَسْخِهِ، وَلَا قَالَ أَحَدٌ مِنَ السَّلَفِ: إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ أَبَاحَتِ الْقِتَالَ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ، وَإِنَّهَا النَّاسِخَةُ لِتَحْرِيمِهِ، فَإِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ إِنَّمَا فِيهَا الْبَرَاءَةُ مِنَ الْمُعَاهَدِينَ، وَالشَّهْرُ الْحَرَامُ، كَانَ تَحْرِيمُهُ عَامًّا، فَلَمْ يَكُنْ يَجُوزُ أَنْ يُقَاتِلَ فِيهِ الْمُحَارِبُونَ وَآيَةُ تَحْرِيمِ الْقِتَالِ فِيهِ إِنَّمَا نَزَلَتْ بِسَبَبِ ابْنِ الْحَضْرَمِيِّ قَبْلُ، وَلَمْ يَكُونُوا مُعَاهَدِينَ، وَإِنَّمَا عَاهَدَهُمْ بَعْدَ بَدْرٍ بِأَرْبَعِ سِنِينَ.
وَأَيْضًا، فَإِنَّهُ اسْتَثْنَى مِنَ الَّذِينَ تَبَرَّأَ إِلَيْهِمْ مَنْ عَاهَدَهُ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَأُولَئِكَ لَا يُبَاحُ قِتَالُهُمْ لَا فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ وَلَا غَيْرِهِ، فَكَيْفَ يَكُونُ الَّذِي
стр. 775
أَبَاحَهُ إِنَّمَا هُوَ الْقِتَالُ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ؟
وَأَيْضًا، فَالْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ﴾ [التوبة: ٥] ، إِنْ كَانَتِ " الثَّلَاثَةَ وَرَجَبًا "، فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى بَقَاءِ التَّحْرِيمِ فِيهَا، فَبَطَلَ هَذَا الْقَوْلُ، وَإِنْ كَانَتِ " الْأَرْبَعَةَ الَّتِي أَوَّلُهَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ عَامَ حَجَّ أَبُو بَكْرٍ ﵁، وَآخِرُهَا رَبِيعٌ "، فَقَدْ حَرَّمَ فِيهَا قِتَالَ مَنْ لَيْسَ لَهُ عَهْدٌ، وَأَبَاحَ قِتَالَهُمْ إِذَا انْقَضَتْ، فَلَوْ كَانَ إِنَّمَا أَبَاحَ قِتَالَ مَنْ كَانَ يُبَاحُ قِتَالُهُ فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ وَلَا عَهْدَ لَهُ، فَهَذَا مُحَارِبٌ مَحْضٌ لَا حَاجَةَ إِلَى تَأْجِيلِهِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، فَإِنَّ قِتَالَهُ كَانَ مُبَاحًا عِنْدَ هَؤُلَاءِ فِي غَيْرِ الْأَرْبَعَةِ.
وَأَيْضًا فَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ، إِنَّمَا أَبَاحَ اللَّهُ قَتْلَ مَنْ نَبَذَ إِلَيْهِ الْعَهْدَ إِذَا انْقَضَتْ هَذِهِ الْأَرْبَعَةُ، كَمَا قَالَ: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] .
فَلَوْ كَانَ قِتَالُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ نَبَذَ إِلَيْهِمُ الْعُهُودَ مُبَاحًا فِي غَيْرِهَا لَمْ يَشْتَرِطْ فِي حِلِّهِ انْقِضَاءَ الْأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ: فَإِنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّ قِتَالَهُمْ مُبَاحٌ إِذَا انْقَضَتِ الْأَرْبَعَةُ، فَإِنَّ الْمُعَلَّقَ بِالشَّرْطِ عُدِمَ عِنْدَ عَدَمِهِ، فَكَيْفَ يُقَالُ: إِنَّ قِتَالَهُمْ كَانَ مُبَاحًا، سَوَاءٌ انْقَضَتْ هَذِهِ أَوْ لَمْ تَنْقَضِ؟ وَإِنَّمَا كَانَ يُحَرِّمُ قِتَالَهُمْ فِي تِلْكَ الْأَرْبَعَةِ لَا مُطْلَقًا.
فَهَذِهِ التَّكَلُّفَاتُ الَّتِي يَظْهَرُ فِيهَا مِنْ تَحْرِيفِ الْقُرْآنِ مَا يُبَيِّنُ فَسَادَهَا بَنَاهَا أَصْحَابُهَا عَلَى أَصْلٍ فَاسِدٍ، وَهُوَ أَنَّ الْمُعَاهَدِينَ لَا يَكُونُ عَهْدُهُمْ إِلَّا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى! وَهُوَ خِلَافُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَخِلَافُ الْأُصُولِ وَخِلَافُ مَصْلَحَةِ
следующие страницы →