← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 21747

أحكام أهل الذمة - ط رمادي

ابن القيم

Полный текст (1 326 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

وَقَالَتِ الْمَالِكِيَّةُ: مَتَى سُبِيَ مَعَ أَبِيهِ تَبِعَهُ، وَإِنْ سُبِيَ مُنْفَرِدًا، أَوْ مَعَ أُمِّهِ تَبِعَ سَابِيهِ. وَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ: إِذَا سُبِيَ الطِّفْلُ فَمَا دَامَ فِي دَارِ الْحَرْبِ، فَهُوَ عَلَى دِينِ أَبَوَيْهِ، فَإِنْ أُدْخِلَ إِلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، فَإِنْ كَانَ مَعَهُ أَبَوَاهُ، أَوْ أَحَدُهُمَا فَهُوَ عَلَى دِينِهِمَا، وَلَوْ مَاتَ الْأَبَوَانِ بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ عَلَى مَا كَانَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا حَتَّى دَخَلَ دَارَ الْإِسْلَامِ فَهُوَ مُسْلِمٌ تَبَعًا لِلدَّارِ. وَلَوْ أَسْلَمَ أَحَدُ الْأَبَوَيْنِ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَالصَّبِيُّ مُسْلِمٌ بِإِسْلَامِهِ، كَذَلِكَ لَوْ أَسْلَمَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ سُبِيَ الصَّبِيُّ بَعْدَهُ وَصَارَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فَهُوَ مُسْلِمٌ. وَالصَّحِيحُ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ أَنَّهُ يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ تَبَعًا لِسَابِيهِ مُطْلَقًا، وَهَذَا مَذْهَبُ الْأَوْزَاعِيِّ، وَهُوَ إِحْدَى الرِّوَايَاتِ عَنْ أَحْمَدَ؛ لِأَنَّهُ مَوْلُودٌ عَلَى الْفِطْرَةِ، وَإِنَّمَا حُكِمَ بِكُفْرِهِ تَبَعًا لِأَبَوَيْهِ لِثُبُوتِ وِلَايَتِهِمَا عَلَيْهِ، فَإِذَا انْقَطَعَتْ وِلَايَتُهُمَا بِالسِّبَاءِ عَمِلَ مُقْتَضَى الْفِطْرَةِ عَمَلَهُ إِذْ لَمْ يَبْقَ لَهُ مُعَارِضٌ فَكَيْفَ يُحْكَمُ بِكُفْرِهِ، وَقَدْ زَالَ حُكْمُ الْأَبَوِيَّةِ عَنْهُ؟ وَهُوَ لَمْ يَصِفِ الْكُفْرَ وَلَمْ يَعْرِفْهُ، وَإِنَّمَا كَانَ كَافِرًا تَبَعًا لَهُمَا، وَالْمَتْبُوعُ قَدْ زَالَ حُكْمُ اسْتِتْبَاعِهِ إِذْ لَمْ يَبْقَ لَهُ تَصَرُّفٌ فِي نَفْسِهِ، وَلَا وِلَايَةٌ عَلَى وَلَدِهِ، وَمِنْ هَاهُنَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَمَنْ تَبِعَهُ: إِنَّهُ يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ بِمَوْتِ الْأَبَوَيْنِ، إِذْ عَدَمُهُمَا أَقْوَى فِي زَوَالِ التَّبَعِيَّةِ مِنْ سَابِيهِ، مُنْفَرِدًا عَنْهُمَا، أَوْ مَعَهُمَا، أَوْ مَعَ أَحَدِهِمَا.

стр. 807

[فَصْلٌ فِي ذِكْرِ نُصُوصِ أَحْمَدَ فِي هَذَا الْبَابِ] قَالَ عَلِيُّ بْنُ سَعِيدٍ: سَمِعْتُ أَحْمَدَ، وَسُئِلَ عَنِ السَّرِيَّةِ فِي أَرْضِ الْعَدُوِّ يَأْخُذُونَ صِبْيَانًا، قَالَ: قَدْ «نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ قَتْلِ الْوِلْدَانِ إِنْ كَانَ مَعَهُمْ غَنَمٌ يَسُقُونَهُ» وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ غَنَمٌ فَلَا أَعْلَمَ لَهُ وَجْهًا إِلَّا أَنْ يُدْفَعَ إِلَى بَعْضِ الْحُصُونِ مِنَ الرُّومِ. وَقَالَ الْمَرُّوذِيُّ: سُئِلَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عَنِ الرَّضِيعِ يُؤْسَرُ، وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَنْ يُرْضِعُهُ، قَالَ: لَا يُتْرَكُ، يُحْمَلُ وَيُطْعَمُ، وَيُسْقَى، وَإِنْ مَاتَ مَاتَ. وَقَالَ يَعْقُوبُ بْنُ بُخْتَانَ: سَأَلْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ عَنِ الصَّبِيِّ الصَّغِيرِ وُجِدَ فِي بِلَادِ الرُّومِ، فَلَا يَكُونُ مَعَهُمْ مَنْ يُرْضِعُهُ قَالَ: يَحْمِلُونَهُ مَعَهُمْ حَتَّى يَمُوتَ. وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَنِ الصَّبِيِّ الصَّغِيرِ الرَّضِيعِ يَخْرُجُ مِنْ بِلَادِ الرُّومِ، وَلَيْسَ مَعَهُمْ أَحَدٌ يُرْضِعُهُ، أَيُخْرَجُ بِهِ، أَوْ لَا يُخْرَجُ بِهِ؟ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: يُخْرَجُ فَإِنْ مَاتَ مَاتَ، وَهُوَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ، وَإِنْ عَاشَ عَاشَ، فَإِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُهُ وَهُوَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ.

стр. 808

قَالَ الْخَلَّالُ: رَوَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ أَرْبَعَةُ أَنْفُسٍ بِخِلَافِ مَا قَالَ عَلِيُّ بْنُ سَعِيدٍ، وَمَا رَوَى عَلِيُّ بْنُ سَعِيدٍ فَأَظُنُّ أَنَّهُ قَوْلٌ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ أَوَّلُ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى أَنْ يُحْمَلَ، وَلَا يُتْرَكُ، وَهُوَ مُسْلِمٌ إِنْ مَاتَ أَوْ بَقِيَ، وَهُوَ أَشْبَهُ بِقَوْلِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ وَمَذْهَبِهِ لِأَنَّ الطِّفْلَ عِنْدَهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ أَبَوَاهُ فَهُوَ مُسْلِمٌ، فَكَيْفَ يُتْرَكُ مُسْلِمٌ فِي أَيْدِيهِمْ يُنَصِّرُونَهُ؟ وَالَّذِي أَخْتَارُ مِنْ قَوْلِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مَا رَوَى عَنْهُ الْجَمَاعَةُ أَنْ لَا يُتْرَكَ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ. وَكَذَلِكَ الصِّغَارُ وَمَنْ لَمْ يَبْلُغِ الْإِدْرَاكَ مِمَّنْ يُسْبَى، أَوْ يَكُونُ هَاهُنَا، فَإِنَّ الْحُكْمَ فِيهِمْ أَنْ يَكُونُوا مُسْلِمِينَ إِذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ آبَاؤُهُمْ، فَإِذَا كَانَ مَعَهُمْ آبَاؤُهُمْ، أَوْ أَحَدُهُمْ كَانَ حُكْمٌ آخَرُ أَنَا أُبَيِّنُهُ بَعْدَ هَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَقَالَ الْمَرُّوذِيُّ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: فَإِنْ مَاتُوا - يَعْنِي الصِّغَارَ - فِي أَيْدِينَا، أَيُّ شَيْءٍ يَكُونُ حُكْمُهُمْ؟ قَالَ: حُكْمَ الْإِسْلَامِ. قِيلَ لَهُ: غُلَامٌ ابْنُ سَبْعِ سِنِينَ أُسِرَ، فَرَأَى أَنَّهُ لَا يُقْتَلُ، وَأَنْ يُجْبَرَ عَلَى الْإِسْلَامِ، قَالَ: وَهَكَذَا الْجَارِيَةُ، قِيلَ لَهُ: يُبَاعُ عَلَى أَنَّهُ مُسْلِمٌ؟ قَالَ: نَعَمْ. وَقَالَ أَبُو الْحَارِثِ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: إِذَا سُبِيَ الصَّغِيرُ، وَلَيْسَ مَعَهُ أَبَوَاهُ صُلِّيَ عَلَيْهِ.

стр. 809

وَقَالَ أَبُو طَالِبٍ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، فَقَالَ: إِذَا كَانَ الصَّغِيرُ لَيْسَ مَعَهُ أَبَوَاهُ يُصَلَّى عَلَيْهِ. وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: فَإِنْ سُبِيَ مَوْلُودٌ وَحْدَهُ مَا يَكُونُ؟ قَالَ: مُسْلِمًا. وَقَالَ الْفَضْلُ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ الصَّبِيِّ مِنْ صِبْيَانِ الْعَدُوِّ يُسْبَى فَيَمُوتُ أَيُصَلَّى عَلَيْهِ؟ فَقَالَ: إِنْ كَانَ مَعَ أَبَوَيْهِ لَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ وَحْدَهُ وَقَدْ أُحْرِزَ صُلِّيَ عَلَيْهِ، قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَ أَبَوَيْهِ، وَكَانَ مَعَ جَمَاعَةِ السَّبْيِ؟ قَالَ: يُصَلَّى عَلَيْهِ. وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: قَالَ الثَّوْرِيُّ إِذَا كَانَ الْعَجَمُ صِغَارًا عِنْدَ الْمُسْلِمِ صُلِّيَ عَلَيْهِمْ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ خُرِجَ بِهِمْ مِنْ بِلَادِهِمْ فَإِنَّهُ يُصَلَّى عَلَيْهِمْ. وَقَالَ حَمَّادٌ: إِذَا مُلِكَ الصَّغِيرُ فَهُوَ مُسْلِمٌ.

стр. 810

قَالَ أَحْمَدُ إِذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ أَبَوَاهُ فَهُوَ مُسْلِمٌ. وَظَاهِرُ هَذَا النَّصِّ أَنَّهُ يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ تَبَعًا لِمَالِكِهِ. وَهَذَا مَحْضُ الْفِقْهِ: إِذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ مِلْكِهِ بِالسِّبَاءِ، وَمِلْكِهِ بِالشِّرَاءِ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى الَّذِي حُكِمَ لِأَجْلِهِ بِإِسْلَامِهِ إِذَا مُلِكَ بِالسِّبَاءِ هُوَ بِعَيْنِهِ مَوْجُودٌ فِي صُورَةِ الْمِلْكِ بِالشِّرَاءِ، فَيَجِبُ التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُمَا لِاسْتِوَائِهِمَا فِي عِلَّةِ الْحُكْمِ، وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ فِي رِوَايَةِ الْفَضْلِ بْنِ زِيَادٍ، فَقَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، وَسُئِلَ عَنِ الْمَمْلُوكِ الصَّغِيرِ يُشْتَرَى، فَإِذَا كَبِرَ عِنْدَ سَيِّدِهِ أَبَى الْإِسْلَامَ؟ قَالَ: يُجْبَرُ عَلَى الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ رَبَّاهُ الْمُسْلِمُونَ، وَلَيْسَ مَعَهُ أَبَوَاهُ. قِيلَ لَهُ: فَكَيْفَ يُجْبَرُ؟ قَالَ: يُعَذَّبُ، قِيلَ لَهُ: يُضْرَبُ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَقَالَ رَجُلٌ عِنْدَهُ: سَمِعْتُ [بَقِيَّةَ] يَقُولُ: يَغُوصُ فِي الْمَاءِ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى الْإِسْلَامِ! فَضَحِكَ مِنْ ذَلِكَ وَعَجِبَ مِنْهُ: فَقَدْ صَرَّحَ بِأَنَّهُ تَابِعٌ لِمَالِكِهِ. وَقَالَ أَبُو زَكَرِيَّا النَّيْسَابُورِيُّ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ فِي غُلَامٍ سُبِيَ، وَهُوَ صَغِيرٌ، فَلَمَّا أَدْرَكَ عُرِضَ عَلَيْهِ الْإِسْلَامُ فَأَبَى. فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: يُقْهَرُ عَلَيْهِ. قَالَ: كَيْفَ يُقْهَرُ عَلَيْهِ؟ قَالَ: يُضْرَبُ.

стр. 811

فَحَكَى مُهَنَّا، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ قَالَ: يَغُوصُ فِي الْمَاءِ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى الْإِسْلَامِ، قَالَ: فَرَأَيْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يَسْتَعِيدُ مُهَنَّا: كَيْفَ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ؟ وَجَعَلَ يَبْتَسِمُ. وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: السَّبْيُ يَمُوتُونَ فِي بِلَادِ الرُّومِ، قَالَ: مَعَهُمْ آبَاؤُهُمْ؟ قُلْتُ: لَا، قَالَ: يُصَلَّى عَلَيْهِمْ؟ قُلْتُ: لَمْ يُقَسَّمُوا وَنَحْنُ فِي السَّرِيَّةِ؟ قَالَ: إِذَا صَارُوا إِلَى الْمُسْلِمِينَ، وَلَيْسَ مَعَهُمْ آبَاؤُهُمْ فَإِنْ مَاتُوا يُصَلَّى عَلَيْهِمْ، وَهُمْ مُسْلِمُونَ، قُلْتُ: فَإِنْ كَانَ مَعَهُمْ آبَاؤُهُمْ؟ قَالَ: لَا، قُلْتُ: لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: إِنَّ أَهْلَ الثَّغْرِ يُجْبِرُونَهُمْ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَإِنْ كَانَ مَعَهُمْ آبَاؤُهُمْ. قَالَ: لَا أَدْرِي. وَسَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ مَرَّةً أُخْرَى يَسْأَلُ عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، أَوْ ذَكَرَهَا، فَقَالَ: أَهْلُ الثَّغْرِ يَصْنَعُونَ أَشْيَاءَ مَا أَدْرِي مَا هِيَ!

стр. 812

وَقَالَ صَالِحٌ: قُلْتُ لِأَبِي: الصَّبِيُّ إِذَا أَسَرَهُ الْمُسْلِمُونَ؟ قَالَ: يُجْبَرُ عَلَى الْإِسْلَامِ، قُلْتُ: وَإِنْ كَانَ مَعَ أَبَوَيْهِ؟ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ أَهْلَ الثَّغْرِ يُجْبِرُونَهُ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَمَا أُحِبُّ أَنْ أُجِيبَ فِيهَا، قُلْتُ: إِنَّ بَعْضَ مَنْ يَقُولُ لَا يُجْبَرُ يَقُولُ: إِنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ فَادَى بِصَبِيٍّ صَغِيرٍ. قَالَ أَبِي: هَذَا فَادَى بِهِ وَهُوَ مُسْلِمٌ، وَاسْتَشْنَعَ قَوْلَ مَنْ قَالَ: لَا يُجْبَرُ. وَقَالَ بَكْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّهُ سَأَلَ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَهْلِ الشِّرْكِ يُسْبَوْنَ وَهُمْ صِغَارٌ، وَمَعَهُمُ الْأَبُ وَالْأُمُّ؟ قَالَ: هُمْ مَعَ آبَائِهِمْ نَصَارَى، وَإِنْ كَانُوا مَعَ أَحَدِ الْأَبَوَيْنِ فَهَكَذَا، هُمْ نَصَارَى، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ مَعَ أَبَوَيْهِ، وَلَا مَعَ أَحَدِهِمَا فَهُوَ مُسْلِمٌ. قَالَ: وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ فَادَى بِصَبِيٍّ، وَلَا يُعْجِبُنِي أَنْ يُفَادِيَ بِصَبِيٍّ، وَلَا إِنْ كَانَ مَعَهُ أَبَوَاهُ، وَلَا يُجْبَرُ أَبَوَاهُ؛ لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ مَعَ أَبَوَيْهِ، أَوْ مَعَ أَحَدِ أَبَوَيْهِ يَطْمَعُ أَنْ يَمُوتَ أَبَوَاهُ، وَهُوَ صَغِيرٌ فَيَكُونَ مُسْلِمًا، وَأَهْلُ الثَّغْرِ، وَالْأَوْزَاعِيُّ يَقُولُونَ: إِذَا كَانُوا صِغَارًا مَعَ آبَائِهِمْ فَهُمْ مُسْلِمُونَ. وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ ثَوَابٍ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: سَأَلْتُ بَعْضَ أَصْحَابِ مَالِكٍ عَنْ قَوْمٍ مُشْرِكِينَ سُبُوا، وَمَعَهُمْ أَبْنَاؤُهُمْ صِغَارًا مَا يَصْنَعُ بِهِمُ الْإِمَامُ إِذَا مَاتُوا؟ يَأْمُرُ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِمْ، أَوْ يُجْبِرُهُمْ عَلَى الْإِسْلَامِ؟ قَالَ لِي: إِذَا كَانَ مَعَ أَبِيهِ لَمْ أُجْبِرْهُ عَلَى الْإِسْلَامِ حَتَّى يَعْرِفَ الْإِسْلَامَ وَيَصِفَهُ، فَإِنْ أَسْلَمَ، وَإِلَّا أُجْبِرَ عَلَيْهِ، قُلْتُ: لَا [يَفْعَلُ] ، قَالَ: أَضْرِبُهُ مَا دُونَ نَفْسِهِ.

стр. 813

وَإِذَا أُخِذَ أَطْفَالٌ صِغَارٌ وَلَيْسَ مَعَهُمْ آبَاؤُهُمْ حَتَّى يَصِيرُوا فِي حَيِّزِ الْمُسْلِمِينَ إِلَى بَلَدِهِمْ، ثُمَّ مَاتُوا صُلِّيَ عَلَيْهِمْ، وَدُفِنُوا. قُلْتُ: وَسَأَلْتُ بَعْضَ أَصْحَابِ مَالِكٍ عَنْ رَجُلٍ سُبِيَ وَامْرَأَتُهُ وَمَعَهُمَا صَبِيٌّ صَغِيرٌ مَا يُصْنَعُ بِهِ؟ قَالَ: أَدَعُهُ حَتَّى يَعْقِلَ الْإِسْلَامَ، فَإِذَا عَقَلَهُ فَإِمَّا أَنْ يُسْلِمَ وَإِلَّا السَّيْفُ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: إِنَّ قَوْمًا يَقُولُونَ: إِذَا سُبِيَ وَهُوَ بَيْنَ أَبَوَيْهِ أُجْبِرَ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَإِذَا سُبِيَ وَلَيْسَ مَعَهُ أَبَوَاهُ فَمَاتَ كُفِّنَ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ، وَإِذَا كَانَ مَعَهُ أَبَوَاهُ لَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ، وَتَبَسَّمَ، ثُمَّ ضَحِكَ. [أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَنْبَلٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: قَالَ عَمِّي] فِي السَّبْيِ يُسْبَى مَعَ الْعَدُوِّ، فَيَمُوتُ، قَالَ: إِذَا صَلَّى، وَعَرَفَ الْإِسْلَامَ صُلِّيَ عَلَيْهِ، وَدُفِنَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ، وَإِذَا لَمْ يُسْلِمْ وَيُصَلِّ لَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ، وَفِي الصَّغِيرِ يُسْلِمُ

стр. 814

ثُمَّ يَمُوتُ قَالَ: يُصَلَّى عَلَيْهِ. قَالَ حَنْبَلٌ: وَحَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ نَصْرٍ، ثَنَا الْأَشْجَعِيُّ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ الرَّبِيعِ، عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ فِي السَّبْيِ يُسْبَى مَعَ أَبَوَيْهِ، فَيَمُوتُ. قَالَ: يُكَفَّنُ، ثُمَّ يُصَلَّى عَلَيْهِ. وَقَالَ الْمَرُّوذِيُّ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: إِنِّي كُنْتُ بِوَاسِطَ فَسَأَلُونِي عَمَّنْ يَمُوتُ هُوَ وَامْرَأَتُهُ وَيَدَعَانِ طِفْلَيْنِ، وَلَهُمَا عَمٌّ مَا تَقُولُ فِيهِمَا؟ فَإِنَّهُمْ كَتَبُوا إِلَى الْبَصْرَةِ فِيهَا، وَقَالُوا: إِنَّهُمْ قَدْ كَتَبُوا إِلَيْكَ، فَقَالَ: أَكْرَهُ أَنْ أَقُولَ فِيهَا بِرَأْيِي، دَعْ حَتَّى أَنْظُرَ لَعَلَّ فِيهَا شَيْئًا عَمَّنْ تَقَدَّمَ.

стр. 815

فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ شَهْرٍ عَاوَدْتُهُ، فَقَالَ: قَدْ نَظَرْتُ فِيهَا فَإِذَا قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ : " «فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ، وَيُنَصِّرَانِهِ» "، وَهَذَا لَيْسَ لَهُ أَبَوَانِ، قُلْتُ: يُجْبَرُ عَلَى الْإِسْلَامِ؟ قَالَ: نَعَمْ، هَؤُلَاءِ مُسْلِمُونَ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ . وَقَالَ أَبُو الْحَارِثِ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: وَلَوْ أَنَّ صَبِيًّا لَهُ أَبَوَانِ نَصْرَانِيَّانِ فَمَاتَا، وَهُوَ صَغِيرٌ، فَكَفَلَهُ الْمُسْلِمُونَ فَهُوَ مُسْلِمٌ. وَقَالَ يَعْقُوبُ بْنُ بُخْتَانَ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: الذِّمِّيُّ إِذَا مَاتَ أَبَوَاهُ، وَهُوَ صَغِيرٌ أُجْبِرَ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ: " «فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ» ". وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَنْ نَصْرَانِيَّيْنِ يَكُونُ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ فَيَمُوتُ الْأَبُ، هَلْ يُجْبَرُ عَلَى الْإِسْلَامِ؟ قَالَ: نَعَمْ، يُجْبَرُ عَلَى الْإِسْلَامِ. وَقَالَ أَبُو طَالِبٍ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَنْ وَلَدٍ يَهُودِيٍّ، أَوْ نَصْرَانِيٍّ مَاتَ

стр. 816

أَبُوهُ، وَهُوَ صَغِيرٌ؟ قَالَ: هُوَ مُسْلِمٌ إِذَا مَاتَ أَبَوَاهُ، قُلْتُ: يَرِثُ أَبَوَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، يَرِثُهُمَا، وَيُجْبَرُ عَلَى الْإِسْلَامِ. قُلْتُ: فَلَهُ عَمٌّ أَوْ أَخٌ، أَرَادُوا أَنْ يَأْخُذُوهُ؟ قَالَ: لَا يَأْخُذُونَهُ وَهُوَ مُسْلِمٌ، قُلْتُ: فَمَاتَ عَمُّهُ، أَوْ أَخُوهُ، يَرِثُهُ؟ قَالَ: لَا. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ: قُلْتُ لِأَبِي: اشْتَرَى رَجُلٌ عَبْدًا يَهُودِيًّا، أَوْ نَصْرَانِيًّا، وَلَيْسَ مَعَهُ أَبَوَاهُ، يُجْبَرُ عَلَى الْإِسْلَامِ؟ قَالَ: يُعْجِبُنِي ذَلِكَ إِذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ أَبَوَاهُ. [فَصْلٌ الصَّبِيُّ يَخْرُجُ مِنْ دَارِ الشِّرْكِ إِلَى أَبَوَيْهِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ وَهُمَا نَصْرَانِيَّانِ] ١٧٥ - فَصْلٌ [الصَّبِيُّ يَخْرُجُ مِنْ دَارِ الشِّرْكِ إِلَى أَبَوَيْهِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، وَهُمَا نَصْرَانِيَّانِ] . قَالَ الْخَلَّالُ فِي " الْجَامِعِ ": (بَابُ الصَّبِيِّ يَخْرُجُ مِنْ دَارِ الشِّرْكِ إِلَى أَبَوَيْهِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، وَهُمَا نَصْرَانِيَّانِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ) . أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الْكَحَّالُ أَنَّهُ قَالَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: الصَّبِيُّ يَخْرُجُ إِلَى أَبَوَيْهِ، وَهُمَا نَصْرَانِيَّانِ؟ قَالَ: هُوَ مُسْلِمٌ، قُلْتُ: فَإِنْ مَاتَ يُصَلِّي عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ؟ قَالَ: نَعَمْ.

стр. 817

فَقَدْ حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ مَعَ وُجُودِ أَبَوَيْهِ الْكَافِرَيْنِ مِنْ غَيْرِ سِبَاءٍ، وَلَا رِقٍّ حَادِثٍ عَلَيْهِ، وَوَجْهُ هَذَا - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّهُ لَمَّا كَانَ مُنْفَرِدًا عَنْ أَبَوَيْهِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُمَا عَلَيْهِ حُكْمٌ فِي الدَّارِ الَّتِي حُكْمُ الْمُسْلِمِينَ فِيهَا عَلَيْهِ دُونَ أَبَوَيْهِ، كَانَ مَحْكُومًا بِإِسْلَامِهِ بِانْقِطَاعِ تَبَعِيَّتِهِ لَهُمَا، فَإِذَا خَرَجَ إِلَيْهِمَا، وَهُمَا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ خَرَجَ إِلَيْهَا، وَهُوَ مُسْلِمٌ، فَلَمْ يَجْرِ الْحُكْمُ بِكُفْرِهِ، فَالدَّارُ فَرَّقَتْ بَيْنَهُمَا حُكْمًا كَمَا فَرَّقَتْ بَيْنَهُمَا حِسًّا. فَإِنْ قِيلَ: فَيَلْزَمُكُمْ هَذَا فِيمَا إِذَا كَانَ الطِّفْلُ فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَأَبَوَاهُ فِي دَارٍ أُخْرَى مِنْ دُورِ الْحَرْبِ غَيْرِهَا، قِيلَ: مَا دَامَ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَنَحْنُ لَا نَحْكُمُ لَهُ بِحُكْمِ الْإِسْلَامِ، وَدَارُ الْحَرْبِ دَارٌ وَاحِدَةٌ، وَإِنْ تَعَدَّدَتْ بِلَادُهَا، فَمَا دَامَ فِي دَارِ الْحَرْبِ، فَلَيْسَ لَنَا عَلَيْهِ حُكْمٌ، فَإِذَا صَارَ إِلَى دَارِ الْإِسْلَامِ ظَهَرَ حُكْمُ الدَّارِ فِي الْحَالِ الَّتِي لَمْ يَكُنْ لِأَبَوَيْهِ عَلَيْهِ فِيهَا حُكْمٌ، وَكَانَ حُكْمُهُ فِيهَا حُكْمَ مَنِ انْقَطَعَتْ تَبَعِيَّتُهُ لِأَبَوَيْهِ، فَإِنَّهُ لَمَّا صَارَ إِلَى دَارِ الْإِسْلَامِ كَانَ الْحُكْمُ عَلَيْهِ، وَوِلَايَتُهُ لِلْمُسْلِمِينَ دُونَ أَبَوَيْهِ. وَسِرُّ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ حُكِمَ بِتَبَعِيَّةِ الدَّارِ فِي الْحَالِ الَّتِي لَا وِلَايَةَ لِأَبَوَيْهِ عَلَيْهِ فِيهَا. [فَصْلٌ اخْتِلَاطُ أَبْنَاءِ الْمُسْلِمِينَ بِأَبْنَاءِ أَهْلِ الذِّمَّةِ] ١٧٦ - فَصْلٌ [اخْتِلَاطُ أَبْنَاءِ الْمُسْلِمِينَ بِأَبْنَاءِ أَهْلِ الذِّمَّةِ] . الْجِهَةُ الرَّابِعَةُ: تَبَعِيَّةُ الدَّارِ، وَذَلِكَ فِي صُوَرٍ: إِحْدَاهَا: هَذِهِ الصُّورَةُ الَّتِي نَصَّ عَلَيْهَا أَحْمَدُ.

стр. 818

الثَّانِيَةُ: اخْتِلَاطُ أَوْلَادِ الْمُسْلِمِينَ بِأَوْلَادِ الْكُفَّارِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَتَمَيَّزُونَ، قَالَ الْمَرُّوذِيُّ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: مَا تَقُولُ فِي رَجُلٍ مُسْلِمٍ، وَنَصْرَانِيٍّ فِي دَارٍ، وَلَهُمَا أَوْلَادٌ، فَلَمْ يُعْرَفْ وَلَدُ النَّصْرَانِيِّ مِنْ وَلَدِ الْمُسْلِمِ؟ قَالَ: يُجْبَرُونَ عَلَى الْإِسْلَامِ. الثَّالِثَةُ: الِالْتِقَاطُ: فَكُلُّ لَقِيطٍ وُجِدَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فَهُوَ مُسْلِمٌ، وَإِنْ كَانَ فِي دَارِ الْكُفْرِ وَلَا مُسْلِمَ فِيهَا فَهُوَ كَافِرٌ، وَإِنْ كَانَ فِيهَا مُسْلِمٌ فَهَلْ يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ أَوْ يَكُونُ كَافِرًا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: هَذَا تَحْصِيلُ مَذْهَبِ أَحْمَدَ. وَقَالَ أَصْحَابُ مَالِكٍ: كُلُّ لَقِيطٍ وُجِدَ فِي قُرَى الْإِسْلَامِ وَمَوَاضِعِهِمْ فَهُوَ مُسْلِمٌ، وَإِنْ كَانَ فِي قُرَى الشِّرْكِ وَأَهْلِ الذِّمَّةِ، وَمَوَاضِعِهِمْ فَهُوَ مُشْرِكٌ. وَقَالَ أَشْهَبُ: إِنِ الْتَقَطَهُ مُسْلِمٌ فَهُوَ مُسْلِمٌ، وَلَوْ وُجِدَ فِي قَرْيَةٍ لَيْسَ فِيهَا إِلَّا الِابْنَانِ، وَالثَّلَاثَةُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَهُوَ مُشْرِكٌ، وَلَا يُعْرَضُ لَهُ إِلَّا أَنْ يَلْتَقِطَهُ مُسْلِمٌ فَيَجْعَلَهُ عَلَى دِينِهِ. وَقَالَ أَشْهَبُ: حُكْمُهُ فِي هَذِهِ أَيْضًا الْإِسْلَامُ الْتَقَطَهُ ذِمِّيٌّ، أَوْ مُسْلِمٌ، لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ لِمَنْ فِيهَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ. قَالَ: كَمَا أَجْعَلُهُ حُرًّا، وَإِنْ كُنْتُ لَمْ أَعْلَمْ حُرٌّ هُوَ أَمْ عَبْدٌ، لِاحْتِمَالِ الْحُرِّيَّةِ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ رَجَّحَ جَانِبَهَا هَذَا تَحْصِيلُ مَذْهَبِهِمْ. وَقَالَتِ الشَّافِعِيَّةُ: إِمَّا أَنْ يُوجَدَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، أَوْ دَارِ الْكُفْرِ، فَإِنْ وُجِدَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فَهِيَ ثَلَاثَةُ أَضْرُبٍ:

стр. 819

أَحَدُهَا: دَارٌ يَسْكُنُهَا الْمُسْلِمُونَ، فَاللَّقِيطُ الْمَوْجُودُ فِيهَا مُسْلِمٌ، وَإِنْ كَانَ فِيهَا أَهْلُ الذِّمَّةِ، تَغْلِيبًا لِلْإِسْلَامِ. الضَّرْبُ الثَّانِي: دَارٌ فَتَحَهَا الْمُسْلِمُونَ وَأَقَرُّوهَا فِي يَدِ الْكُفَّارِ بِجِزْيَةٍ، أَوْ مَلَكُوهَا، أَوْ صَالَحُوهُمْ، وَلَمْ يَمْلِكُوهَا، فَاللَّقِيطُ فِيهَا مُسْلِمٌ إِذَا كَانَ ثَمَّ مُسْلِمٌ وَاحِدٌ فَأَكْثَرُ، وَإِلَّا فَكَافِرٌ عَلَى الصَّحِيحِ. وَقِيلَ: مُسْلِمٌ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ فِيهَا مَنْ يَكْتُمُ إِسْلَامَهُ. الثَّالِثُ: دَارٌ كَانَ الْمُسْلِمُونَ يَسْكُنُونَهَا ثُمَّ رَحَلُوا عَنْهَا، وَغَلَبَ عَلَيْهَا الْكُفَّارُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا مَنْ يُعْرَفُ بِالْإِسْلَامِ فَهُوَ كَافِرٌ عَلَى الصَّحِيحِ. وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: هُوَ مُسْلِمٌ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ فِيهَا مَنْ يَكْتُمُ إِسْلَامَهُ، وَإِنْ كَانَ فِيهَا مَعْرُوفٌ بِالْإِسْلَامِ، وَفِيهِ احْتِمَالٌ لِلْجُوَيْنِيِّ. وَإِنْ وُجِدَ فِي دَارِ الْكُفْرِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا مُسْلِمٌ فَاللَّقِيطُ مَحْكُومٌ بِكُفْرِهِ، وَإِنْ كَانَ فِيهَا تُجَّارٌ مُسْلِمُونَ سَاكِنِينَ فَهَلْ نَحْكُمُ بِكُفْرِهِ تَبَعًا لِلدَّارِ، أَوْ بِإِسْلَامِهِ تَغْلِيبًا لِلْإِسْلَامِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ، وَكَذَا الْوَجْهَانِ لَوْ كَانَ فِيهَا أُسَارَى مُسْلِمُونَ. فَأَمَّا الْمَحْبُوسُونَ فِي الْمَطَامِيرِ فَلَا أَثَرَ لَهُمْ، كَمَا لَا أَثَرَ لِلْمُجْتَازِينَ الْمَارِّينَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، هَذَا تَحْصِيلُ مَذْهَبِهِمْ. وَقَالَتِ الْحَنَفِيَّةُ: إِنِ الْتَقَطَهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، فَهُوَ مُسْلِمٌ تَبَعًا لِلدَّارِ، إِلَّا أَنْ

стр. 820

يَلْتَقِطَهُ مِنْ بِيعَةٍ، أَوْ كَنِيسَةٍ، أَوْ قَرْيَةٍ مِنْ قُرَاهُمْ، فَيَكُونُ ذِمِّيًّا؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ أَوْلَادَ الْمُسْلِمِينَ لَا يَكُونُونَ فِي مَوَاضِعِ أَهْلِ الذِّمَّةِ، وَكَذَلِكَ بِالْعَكْسِ. قَالُوا: فَفِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ اعْتُبِرَ الْمَكَانُ دُونَ الْوَاجِدِ، كَاللَّقِيطِ إِذَا وَجَدَهُ مُسْلِمٌ فِي دَارِ الْحَرْبِ. وَرَوَى أَبُو سُلَيْمَانَ، عَنْ مُحَمَّدٍ: أَنَّهُ اعْتُبِرَ الْوَاجِدُ دُونَ الْمَكَانِ؛ لِأَنَّ الْيَدَ أَقْوَى، وَفِي رِوَايَةٍ اعْتُبِرَ الْإِسْلَامُ نَظَرًا لِلصَّغِيرِ. [فَصْلٌ الذِّمِّيُّ يَجْعَلُ وَلَدَهُ الصَّغِيرَ مُسْلِمًا] ١٧٧ - فَصْلٌ [الذِّمِّيُّ يَجْعَلُ وَلَدَهُ الصَّغِيرَ مُسْلِمًا] . فَإِنْ قِيلَ: فَمَا تَقُولُونَ فِي الذِّمِّيِّ يَجْعَلُ وَلَدَهُ الصَّغِيرَ مُسْلِمًا، فَهَلْ يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ بِذَلِكَ أَمْ لَا؟ قِيلَ: قَدْ قَالَ الْخَلَّالُ فِي " الْجَامِعِ ": (بَابٌ فِي الذِّمِّيِّينَ يَجْعَلُونَ أَوْلَادَهُمْ مُسْلِمِينَ) : أَخْبَرَنِي عَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ الْهَيْثَمِ الْعَاقُولِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ فِي الْمَجُوسِيَّيْنِ يُولَدُ لَهُمَا وَلَدٌ فَيَقُولَانِ: هَذَا مُسْلِمٌ، فَيَمْكُثُ خَمْسَ سِنِينَ، ثُمَّ يُتَوَفَّى، قَالَ: ذَاكَ يَدْفِنُهُ الْمُسْلِمُونَ.

стр. 821

وَقَالَ عَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ الْهَيْثَمِ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ الصَّبِيِّ الْمَجُوسِيِّ يَجْعَلُهُ أَبُوهُ وَأُمُّهُ مُسْلِمًا، ثُمَّ يَمُوتُ، أَيْنَ يُدْفَنُ؟ قَالَ: " «يُهَوِّدَانِهِ، وَيُنَصِّرَانِهِ» " إِنَّ مَعْنَاهُ أَنْ يُدْفَنَ فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ. هَذَا لَفْظُهُ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ إِنَّمَا حُكِمَ بِكُفْرِهِ لِأَنَّ الْأَبَوَيْنِ يُهَوِّدَانِهِ، وَيُنَصِّرَانِهِ، فَإِذَا جَعَلَاهُ مُسْلِمًا صَارَ مُسْلِمًا. [فَصْلٌ وَالِدُ الْمَمْلُوكَيْنِ الْكَافِرَيْنِ يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ] ١٧٨ - فَصْلٌ [وَالِدُ الْمَمْلُوكَيْنِ الْكَافِرَيْنِ يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ] . فَإِنْ قِيلَ: فَمَا تَقُولُونَ فِي الْمَمْلُوكِ الْكَافِرِ يَكُونُ تَحْتَهُ جَارِيَةٌ كَافِرَةٌ، وَهُمَا مِلْكُ مُسْلِمٍ، إِذَا وُلِدَ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ هَلْ يَكُونُ تَبَعًا لِأَبَوَيْهِ، أَوْ لِسَيِّدِ الْأَبَوَيْنِ؟ قِيلَ: سُئِلَ أَحْمَدُ عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَتَرْجَمَ عَلَيْهَا الْخَلَّالُ، فَقَالَ فِي " الْجَامِعِ ": (بَابُ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ يُسْبَيَانِ فَيَكُونَانِ عِنْدَ الْمُسْلِمِ فَيُوَلَدُ لَهُمَا، أَوْ يُزَوِّجُهُمَا الْمُسْلِمُ فَيُولَدُ لَهُمَا فِي مِلْكِ سَيِّدِهِمَا، أَوْ لَا، مَا الْحُكْمُ فِيهِ؟) أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْمَرُّوذِيُّ أَنَّ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: إِذَا وُلِدَ لَهُمَا، وَهُمَا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فِي مِلْكِ مَوْلَاهُمَا، لَا أَقُولُ فِي وَلَدِهِمَا شَيْئًا. قُلْتُ: هَذِهِ هِيَ الْمَسْأَلَةُ الْمُتَقَدِّمَةُ: وَهِيَ تَبَعُ الْوَلَدِ لِمَالِكِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ نَصُّ أَحْمَدَ عَلَى أَنَّهُ يَتْبَعُ مَالِكَهُ فِي الْإِسْلَامِ، وَإِنَّمَا تُوُقِّفَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ - وَإِنْ

стр. 822

كَانَ مَالِكُهُ مُسْلِمًا - لِأَنَّ أَبَوَيِ الطِّفْلِ مَعَهُ، وَهُمَا كَافِرَانِ لَكِنْ لَمَّا لَمْ يَكُنْ لَهُمَا عَلَيْهِ وِلَايَةٌ، وَكَانَتِ الْوِلَايَةُ لِسَيِّدِهِ، وَمَالِكِهِ تَبِعَهُ فِي الْإِسْلَامِ، وَهَذَا أَوْجَهُ، وَأَطْرَدُ عَلَى أُصُولِهِ. فَإِنْ قِيلَ: فَهُوَ لَوْ سُبِيَ مَعَ أَبَوَيْهِ كَانَ مَمْلُوكًا لِسَابِيهِ، وَكَانَ عَلَى دِينِهِمَا، فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ؟ قِيلَ: قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الصَّحِيحَ كَوْنُهُ مُسْلِمًا وَإِنْ كَانَ مَعَ أَبَوَيْهِ. وَعَلَى هَذَا فَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا، وَإِنْ قُلْنَا بِالرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ، وَأَنْ يَكُونَ عَلَى دِينِهِمَا، فَالْفَرْقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَا لَوْ وُلِدَ بَيْنَ مَمْلُوكَيْنِ لِمُسْلِمٍ أَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ لَهُ حُكْمُ تَبَعِيَّةِ الْأَبَوَيْنِ بِطَرِيقِ الْأَصَالَةِ قَبْلَ السِّبَاءِ، وَهُنَا لَمْ يَثْبُتْ لَهُ حُكْمُ تَبَعِيَّةِ الْمَالِكِ، وَقَدْ نَصَّ عَلَى أَنَّهُ يَكُونُ الْوَلَدُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ مُسْلِمًا، إِذَا مَاتَتْ أُمُّهُ وَكَفَلَهُ الْمُسْلِمُونَ. فَقَالَ أَبُو الْحَارِثِ: سُئِلَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عَنْ جَارِيَةٍ نَصْرَانِيَّةٍ لِرَجُلٍ مُسْلِمٍ، لَهَا زَوْجٌ نَصْرَانِيٌّ، فَوَلَدَتْ عِنْدَهُ وَمَاتَتْ عِنْدَ الْمُسْلِمِ، وَبَقِيَ وَلَدُهَا عِنْدَهُ مَا يَكُونُ حُكْمُ هَذَا الصَّبِيِّ؟ فَقَالَ: إِذَا كَفَلَهُ الْمُسْلِمُونَ فَهُوَ مُسْلِمٌ. فَهَذَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ لِمَوْتِ أُمِّهِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ لِكَفَالَةِ الْمُسْلِمِينَ لَهُ، وَلَا أَثَرَ لِوُجُودِ أُمِّهِ. وَقَدْ صَرَّحَ بِهَذَا الْمَأْخَذِ، وَهُوَ كَفَالَةُ الْمُسْلِمِينَ، فِي رِوَايَةٍ لِيَعْقُوبَ بْنِ بُخْتَانَ: فَإِنَّهُ قَالَ: سُئِلَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ جَارِيَةٍ نَصْرَانِيَّةٍ لِقَوْمٍ، فَوُلِدَتْ عِنْدَهُمْ، ثُمَّ مَاتَتْ مَا يَكُونُ الْوَلَدُ؟ قَالَ: إِذَا كَفَلَهُ الْمُسْلِمُونَ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَنْ يَكْفُلُهُ إِلَّا

стр. 823

هُمْ فَهُوَ مُسْلِمٌ. قِيلَ لَهُ: فَإِنْ مَاتَ بَعْدَ الْأُمِّ بِقَلِيلٍ؟ قَالَ: يَدْفِنُهُ الْمُسْلِمُونَ. وَهَذَا تَقْيِيدٌ مُطْلَقٌ أَجْوِبَتُهُ فِي الْحُكْمِ بِإِسْلَامِهِ بِمُجَرَّدِ مَوْتِ الْأَبَوَيْنِ، وَإِنْ كَفَلَهُ أَهْلُ دِينِهِ. وَهَذَا التَّفْصِيلُ هُوَ الصَّوَابُ فِي الْمَسْأَلَةِ، وَهُوَ الَّذِي نَخْتَارُهُ، وَهُوَ وَسَطٌ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ الْمُتَقَابِلَيْنِ، وَبِهِ يَجْتَمِعُ شَمْلُ الْأَدِلَّةِ مِنَ الْجَانِبَيْنِ، فَإِنَّ الْقَائِلِينَ بِبَقَائِهِ عَلَى الْكُفْرِ قَالُوا: لَا يُعْرَفُ أَنَّهُ عُمِلَ فِي الْإِسْلَامِ بِقَوْلِ مَنْ قَالَ: يَصِيرُ أَطْفَالُ أَهْلِ الذِّمَّةِ مُسْلِمِينَ بِمَوْتِ آبَائِهِمْ، مَعَ الْعِلْمِ الْقَطْعِيِّ بِأَنَّهُ لَمْ يَزَلْ فِي أَهْلِ الذِّمَّةِ الْأَيْتَامُ فِي الْأَعْصَارِ وَالْأَمْصَارِ، مِنْ عَهْدِ الصَّحَابَةِ إِلَى وَقْتِنَا، وَهُمْ يَرَوْنَ أَيْتَامَ أَهْلِ الذِّمَّةِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَيُشَاهِدُونَهُمْ عَيْنًا، وَيَتَصَدَّقُونَ عَلَيْهِمْ، فَلَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ عِنْدَهُمْ لَمَا سَاغَ لَهُمْ إِقْرَارُهُمْ عَلَى الْكُفْرِ، وَأَلَّا يَحُولُوا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْكُفَّارِ. قَالُوا: وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّ هَذَا لَوْ كَانَ حُكْمَ أَوْلَادِهِمْ لَكَانَ مِنْ أَهَمِّ الْأُمُورِ، وَكَانَ ذِكْرُهُ فِيمَا شَرَطَ عَلَيْهِمْ آكَدَ وَأَوْلَى مِنْ تَغْيِيرِ لِبَاسِهِمْ، وَهَيْئَةِ رُكُوبِهِمْ، وَخَفْضِ أَصْوَاتِهِمْ بِكَنَائِسِهِمْ، وَبِالنَّاقُوسِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الشُّرُوطِ، فَأَيْنَ هَذَا مِنْ بَقَاءِ أَطْفَالِهِمْ كُفَّارًا، وَقَدْ صَارُوا مُسْلِمِينَ بِمُجَرَّدِ مَوْتِ الْآبَاءِ؟ قَالُوا: وَهَذَا يَقْرُبُ مِنَ الْقَطْعِ. وَالَّذِينَ حَكَمُوا بِإِسْلَامِهِمْ قَالُوا: مِنَ الْمُمْتَنِعِ أَنْ يَجْعَلَ مَنْ فَطَرَهُ اللَّهُ

стр. 824

عَلَى الْإِسْلَامِ كَافِرًا بَعْدَ مَوْتِ أَبَوَيْهِ اللَّذَيْنِ جَعَلَهُ اللَّهُ تَابِعًا لَهُمَا شَرْعًا، وَقَدَرًا، فَإِذَا زَالَ الْأَبَوَانِ كَانَ مِنَ الْمُمْتَنِعِ نَقْلُ الْوَلَدِ عَنْ حُكْمِ الْفِطْرَةِ بِلَا مُوجِبٍ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم: ٣٠] ، فَمَا الْمُوجِبُ لِتَبْدِيلِ الْفِطْرَةِ، وَقَدْ زَالَ مَنْ كَانَ يُبَدِّلُهَا مِمَّنْ هُوَ أَوْلَى النَّاسِ بِهِ وَبِكَفَالَتِهِ، وَتَرْبِيَتِهِ، وَحَضَانَتِهِ؟ فَإِذَا كَفَلَهُ الْمُسْلِمُونَ، وَقَامُوا بِتَرْبِيَتِهِ، وَحَضَانَتِهِ، وَمَعَهُ الْفِطْرَةُ الْأَصْلِيَّةُ، وَالْمُغَيِّرُ لَهَا قَدْ زَالَ، فَكَيْفَ يُحْكَمُ بِكُفْرِهِ؟ وَهَذَا أَيْضًا قَرِيبٌ مِنَ الْقَطْعِيِّ، وَنَحْنُ نَجْمَعُ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ، وَنَقُولُ بِمُوجِبِ الدَّلِيلَيْنِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. [فَصْلٌ فِي مَعْنَى الْفِطْرَةِ] ١٧٩ - فَصْلٌ [فِي مَعْنَى الْفِطْرَةِ] . فَإِنْ قِيلَ: فَهَذَا كُلُّهُ بِنَاءً مِنْكُمْ عَلَى أَنَّ الْفِطْرَةَ الْأُولَى هِيَ فِطْرَةُ الْإِسْلَامِ، وَأَحْمَدُ قَدْ نَصَّ عَلَى أَنَّ الْفِطْرَةَ هِيَ مَا فُطِرَ عَلَيْهِ مِنَ الشَّقَاوَةِ، وَالسَّعَادَةِ، فَقَالَ فِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ بْنِ ثَوَابٍ: كُلُّ مَوْلُودٍ مِنْ أَطْفَالِ الْمُشْرِكِينَ عَلَى الْفِطْرَةِ، يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ الَّتِي خَلَقَهُ اللَّهُ عَلَيْهَا مِنَ الشَّقَاوَةِ، وَالسَّعَادَةِ الَّتِي سَبَقَتْ فِي الْكِتَابِ، ارْجِعْ فِي ذَلِكَ إِلَى الْأَصْلِ هَذَا مَعْنَاهُ. وَقَالَ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ، وَأَبِي الْحَارِثِ، وَالْفَضْلِ بْنِ زِيَادٍ: الْفِطْرَةُ الَّتِي فُطِرَ

стр. 825

الْعِبَادُ عَلَيْهَا مِنَ [الشَّقَاوَةِ] ، وَالسَّعَادَةِ. وَقَالَ فِي رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ سَعِيدٍ، وَقَدْ سَأَلَهُ عَنِ الْحَدِيثِ: " «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ» "، قَالَ: عَلَى السَّعَادَةِ وَالشَّقَاوَةِ، وَإِلَيْهِ يَرْجِعُ عَلَى مَا خُلِقَ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الْكَحَّالُ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: " «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ» " مَا تَفْسِيرُهَا؟ قَالَ: هِيَ الْفِطْرَةُ الَّتِي فَطَرَ اللَّهُ النَّاسَ عَلَيْهَا شَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ، وَإِذَا كَانَ هَذَا نَصَّهُ فِي الْفِطْرَةِ، فَكَيْفَ يَكْتُمُ مَعَ مَذْهَبِهِ فِي الْأَطْفَالِ أَنَّهُمْ عَلَى الْإِسْلَامِ بِمَوْتِ آبَائِهِمْ؟ قِيلَ: هَذَا مَوْضِعٌ قَدِ اضْطَرَبَتْ فِيهِ الْأَقْدَامُ، وَطَالَ فِيهِ النِّزَاعُ، وَالْخِصَامُ، وَنَحْنُ نَذْكُرُ فِيهِ بَعْضَ مَا انْتَهَى إِلَيْنَا مِنْ كَلَامِ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ فِي كِتَابِ " غَرِيبِ الْحَدِيثِ " الَّذِي هُوَ لِمَا بَعْدَهُ مِنْ كُتُبِ الْغَرِيبِ إِمَامٌ: " سَأَلْتُ مُحَمَّدَ بْنَ الْحَسَنِ عَنْ تَفْسِيرِ هَذَا الْحَدِيثِ، فَقَالَ: كَانَ هَذَا فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ قَبْلَ أَنْ تَنْزِلَ الْفَرَائِضُ، وَقَبْلَ أَنْ يُؤْمَرَ الْمُسْلِمُونَ بِالْجِهَادِ ". قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: " فَأَمَّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ فَإِنَّهُ سُئِلَ عَنْ تَأْوِيلِ هَذَا الْحَدِيثِ

стр. 826

الْآخَرِ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِلَ عَنْ أَطْفَالِ الْمُشْرِكِينَ، فَقَالَ: " اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ» . قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: فَذَهَبَ إِلَى أَنَّهُمْ يُولَدُونَ عَلَى مَا يَصِيرُونَ إِلَيْهِ مِنْ كُفْرٍ، أَوْ إِسْلَامٍ. قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: حَكَى أَبُو عُبَيْدٍ هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ، وَلَمْ يُحِلَّ عَلَى نَفْسِهِ فِي هَذَا قَوْلًا وَلَا اخْتِيَارًا. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ الْمَرْوَزِيُّ فِي كِتَابِ " الرَّدُّ عَلَى ابْنِ قُتَيْبَةَ ": فَيُقَالُ لَهُ: وَمَا عَلَى رَجُلٍ حَكَى اخْتِلَافًا فِي شَيْءٍ، وَلَمْ يَتَبَيَّنْ لَهُ الصَّوَابُ فَأَمْسَكَ عَنِ التَّقَدُّمِ عَلَى مَا لَمْ يَتَبَيَّنْ لَهُ صَوَابُهُ، مَا عَلَى هَذَا مِنْ سَبِيلٍ، بَلْ هُوَ مَحْمُودٌ عَلَى التَّوَقُّفِ عَمَّا لَمْ يَتَبَيَّنْ لَهُ عَسَى أَنْ يَتَبَيَّنَ لَهُ، بَلِ الْعَيْبُ الْمَذْمُومُ مَنِ اجْتَرَأَ

стр. 827

عَلَى الْقَوْلِ فِيمَا لَا عِلْمَ لَهُ، فَفَسَّرَ حَدِيثَ النَّبِيِّ ﷺ تَفْسِيرًا خَالَفَ فِيهِ حُكْمَ الْكِتَابِ، وَخَرَجَ مِنْ قَوْلِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَتَرَكَ الْقِيَاسَ وَالنَّظَرَ، فَقَالَ قَوْلًا لَا يَصْلُحُ فِي خَبَرٍ، وَلَا يَقُومُ عَلَى نَظَرٍ. وَهُوَ هَذَا الْعَائِبُ عَلَى أَبِي عُبَيْدٍ: زَعَمَ أَنَّ الْفِطْرَةَ الَّتِي أَخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِأَنَّ كُلَّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَيْهَا: هِيَ خَلْقُهُ فِي كُلِّ مَوْلُودٍ مَعْرِفَةً بِرَبِّهِ، وَزَعَمَ أَنَّهُ عَلَى مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢] الْآيَةَ، قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [النحل: ٧٨] ، فَزَعَمَ هَذَا أَنَّهُمْ يَعْرِفُونَ أَعْظَمَ الْأَشْيَاءِ، وَهُوَ اللَّهُ تَعَالَى، فَمَنْ أَعْظَمُ جُرْمًا، وَأَشَدُّ مُخَالَفَةً لِلْكِتَابِ مَنْ سَمِعَ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [النحل: ٧٨] ، فَزَعَمَ أَنَّهُمْ يَعْلَمُونَ أَعْظَمَ الْأَشْيَاءِ، وَهَذَا هُوَ الْمُعَانِدُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ، وَالْجَاهِلُ بِالْكِتَابِ. قُلْتُ: إِنْ أَرَادَ أَبُو مُحَمَّدٍ " الْمَعْرِفَةَ " الْمَعْرِفَةَ الثَّانِيَةَ بِالْفِعْلِ الَّتِي هِيَ لِلْكِبَارِ، فَإِنْكَارُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عَلَيْهِ مُتَوَجِّهٌ، وَإِنْ أَرَادَ أَنَّهُ مُهَيَّأٌ لِلْمَعْرِفَةِ، وَأَنَّ الْمَعْرِفَةَ فِيهِ بِالْقُوَّةِ كَمَا هُوَ مُهَيَّأٌ لِلْفِعْلِ وَالنُّطْقِ لَمْ يَلْزَمْهُ مَا ذَكَرَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ

стр. 828

كَمَا إِذَا قِيلَ: يُولَدُ نَاطِقًا عَاقِلًا بِحَيْثُ إِذَا عَقَلَ عَرَفَ رَبَّهُ بِتِلْكَ الْقُوَّةِ الَّتِي أَوْدَعَهَا اللَّهُ فِيهِ دُونَ الْجَمَادَاتِ، بِحَيْثُ لَوْ خُلِّيَ وَمَا فُطِرَ عَلَيْهِ وَلَمْ تُغَيَّرْ فِطْرَتُهُ لَكَانَ عَارِفًا بِرَبِّهِ، مُوَحِّدًا لَهُ، مُحِبًّا لَهُ. فَإِنْ قِيلَ: أَبُو عَبْدِ اللَّهِ لَمْ يُنْكِرْ هَذَا، وَإِنَّمَا أَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْفِطْرَةِ الْمِيثَاقَ الْأَوَّلَ الَّذِي أَخَذَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ حِينَ أَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢] ، فَأَقَرُّوا بِذَلِكَ، وَلَا رَيْبَ أَنَّ هَذِهِ الْمَعْرِفَةَ، وَالْإِقْرَارَ غَيْرُ حَاصِلَيْنِ مِنَ الطِّفْلِ، فَصَحَّ إِنْكَارُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ. قِيلَ: ابْنُ قُتَيْبَةَ إِنَّمَا قَالَ: الْفِطْرَةُ هِيَ خَلْقُهُ فِي كُلِّ مَوْلُودٍ مَعْرِفَةً بِرَبِّهِ عَلَى مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢] الْآيَةَ، وَهَذَا لَا يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ تَكُونَ الْمَعْرِفَةُ حَاصِلَةً فِي الْمَوْلُودِ بِالْفِعْلِ، وَتَشْبِيهُهُ الْحَدِيثَ بِالْآيَةِ فِي هَذَا الْمَعْنَى لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمِيثَاقَ الَّذِي ذَكَرَ فِي الْآيَةِ هُوَ الْمَعْرِفَةُ الْفِعْلِيَّةُ قَبْلَ خُرُوجِهِمْ إِلَى الدُّنْيَا أَحْيَاءً نَاطِقِينَ، وَإِنْ كَانَ هَذَا قَدْ قَالَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ فَلَا يَلْزَمُ ابْنُ قُتَيْبَةَ أَنْ يَخْتَارَ هَذَا الْقَوْلَ، بَلْ هَذَا مِنْ حُسْنِ فَهْمِهِ فِي الْقُرْآنِ، وَالسُّنَّةِ: إِذْ حَمَلَ الْحَدِيثَ عَلَى الْآيَةِ، وَفَسَّرَ كُلًّا مِنْهُمَا بِالْآخَرِ. وَقَدْ قَالَ هَذَا غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ قَبْلَهُ وَبَعْدَهُ، وَأَحْسَنُ مَا فُسِّرَتْ بِهِ الْآيَةُ قَوْلُهُ ﷺ : " «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ: فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ» " فَالْمِيثَاقُ الَّذِي أَخَذَهُ سُبْحَانَهُ عَلَيْهِمْ، وَالْإِشْهَادُ الَّذِي أَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ، وَالْإِقْرَارُ الَّذِي أَقَرُّوا بِهِ هُوَ الْفِطْرَةُ الَّتِي فُطِرُوا عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ احْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ، وَهُوَ لَا يَحْتَجُّ

стр. 829

عَلَيْهِمْ بِمَا لَا يَعْرِفُهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ وَلَا يَذْكُرُهُ، بَلْ بِمَا يُشْرَكُونَ فِي مَعْرِفَتِهِ، وَالْإِقْرَارِ بِهِ. وَأَيْضًا، فَإِنَّهُ قَالَ: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢] ، وَلَمْ يَقُلْ " مِنْ آدَمَ "، ثُمَّ قَالَ: ﴿مِنْ ظُهُورِهِمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢] ، وَلَمْ يَقُلْ: " مِنْ ظَهْرِهِمْ "، ثُمَّ قَالَ: (ذُرِّيَّتَهُمْ) ، وَلَمْ يَقُلْ: (ذُرِّيَّتَهُ) ، ثُمَّ قَالَ: ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢] وَهَذَا يَقْتَضِي إِقْرَارَهُمْ بِرُبُوبِيَّتِهِ إِقْرَارًا تَقُومُ عَلَيْهِمْ بِهِ الْحُجَّةُ، وَهَذَا إِنَّمَا هُوَ الْإِقْرَارُ الَّذِي احْتَجَّ بِهِ عَلَيْهِمْ عَلَى أَلْسِنَةِ رُسُلِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ﴾ [إبراهيم: ١٠] ، وَقَوْلِهِ: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧] ،: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥] ،: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ - سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ [المؤمنون: ٨٤ - ٨٥] ، وَنَظَائِرُ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ: يَحْتَجُّ عَلَيْهِمْ بِمَا فُطِرُوا عَلَيْهِ مِنَ الْإِقْرَارِ بِرَبِّهِمْ وَفَاطِرِهِمْ، وَيَدْعُوهُمْ بِهَذَا الْإِقْرَارِ إِلَى عِبَادَتِهِ وَحْدَهُ، وَأَلَّا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، هَذِهِ طَرِيقَةُ الْقُرْآنِ. وَمِنْ ذَلِكَ هَذِهِ الْآيَةُ الَّتِي فِي " الْأَعْرَافِ " وَهِيَ قَوْلُهُ: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ﴾ [الأعراف: ١٧٢] الْآيَةَ، وَلِهَذَا قَالَ فِي آخِرِهَا: ﴿أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ - أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٢ - ١٧٣]

стр. 830

فَاحْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِمَا أَقَرُّوا بِهِ مِنْ رُبُوبِيَّتِهِ عَلَى بُطْلَانِ شِرْكِهِمْ وَعِبَادَةِ غَيْرِهِ، وَأَلَّا يَعْتَذِرُوا، إِمَّا بِالْغَفْلَةِ عَنِ الْحَقِّ، وَإِمَّا بِالتَّقْلِيدِ فِي الْبَاطِلِ، فَإِنَّ الضَّلَالَ لَهُ سَبَبَانِ: إِمَّا غَفْلَةٌ عَنِ الْحَقِّ، وَإِمَّا تَقْلِيدُ أَهْلِ الضَّلَالِ، فَيُطَابِقُ الْحَدِيثَ مَعَ الْآيَةِ، وَيُبَيِّنُ مَعْنَى كُلٍّ مِنْهُمَا بِالْآخَرِ، فَلَمْ يَقَعِ ابْنُ قُتَيْبَةَ فِي مُعَانَدَةِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَلَا جَهِلَ الْكِتَابَ، وَلَا خَرَجَ عَنِ الْمَعْقُولِ، وَلَكِنْ لَمَّا ظَنَّ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ مَعْنَى الْآيَةِ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ أَخْرَجَهُمْ أَحْيَاءً نَاطِقِينَ مِنْ صُلْبِ آدَمَ فِي آنٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ خَاطَبَهُمْ، وَكَلَّمَهُمْ وَأَخَذَ عَلَيْهِمُ الْمِيثَاقَ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِرُبُوبِيَّتِهِ، ثُمَّ رَدَّهُمْ فِي ظَهْرِهِ، وَأَنَّ أَبَا مُحَمَّدٍ فَسَّرَ الْفِطْرَةَ بِهَذَا الْمَعْنَى بِعَيْنِهِ أَلْزَمَهُ مَا أَلْزَمَهُ. ثُمَّ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ: وَاحْتَجَّ - يَعْنِي ابْنَ قُتَيْبَةَ - بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ﴾ [فاطر: ١] خَالِقِهَا، وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى عَنْ مُؤْمِنِ آلِ فِرْعَوْنَ فِي سُورَةِ يس: ﴿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي﴾ [يس: ٢٢] ، أَيْ خَلَقَنِي، وَبِقَوْلِهِ: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠] ، قَالَ: وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ يُسْرِعُ بِهَذِهِ الْآيَةِ عِنْدَ رِوَايَتِهِ لِهَذَا الْحَدِيثِ لِيَدُلَّ عَلَى أَنَّ الْفِطْرَةَ خِلْقَةٌ.

стр. 831

قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ: فَيُقَالُ لَهُ: لَسْنَا نُخَالِفُكَ فِي أَنَّ الْفِطْرَةَ خِلْقَةٌ فِي اللُّغَةِ وَأَنَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ خَالِقُهُمَا، وَلَكِنْ مَا [الدَّلِيلُ] عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْخِلْقَةَ هِيَ مَعْرِفَةٌ؟ هَلْ عِنْدَكَ مِنْ دَلِيلٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ، أَوْ سُنَّةِ رَسُولِهِ أَنَّ الْخِلْقَةَ هِيَ الْمَعْرِفَةُ؟ فَإِنْ أَتَيْتَ بِحُجَّةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ أَوْ سُنَّةِ رَسُولِهِ أَنَّ الْخِلْقَةَ هِيَ الْمَعْرِفَةُ، وَإِلَّا فَأَنْتَ مُبْطِلٌ فِي دَعْوَاكَ، وَقَائِلٌ مَا لَا عِلْمَ لَكَ بِهِ. قُلْتُ: لَمْ يُرِدِ ابْنُ قُتَيْبَةَ وَلَا مَنْ قَالَ بِقَوْلِهِ: " إِنَّ الْفِطْرَةَ خِلْقَةٌ " أَنَّهَا مَعْرِفَةٌ حَاصِلَةٌ بِالْفِعْلِ مَعَ الْمَوْلُودِ حِينَ يُولَدُ، فَهَذَا لَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ، وَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ الْمَيْمُونِيِّ: الْفِطْرَةُ الْأُولَى الَّتِي فُطِرَ النَّاسُ عَلَيْهَا، فَقَالَ لَهُ الْمَيْمُونِيُّ: الْفِطْرَةُ الدِّينُ؟ قَالَ: نَعَمْ. وَقَدْ نَصَّ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ أَنَّ الْكَافِرَ إِذَا مَاتَ أَبَوَاهُ، أَوْ أَحَدُهُمَا حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ، وَاسْتَدَلَّ بِالْحَدِيثِ: " «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ» " فَفَسَّرَ الْحَدِيثَ بِأَنَّهُ يُولَدُ عَلَى فِطْرَةِ الْإِسْلَامِ كَمَا جَاءَ ذَلِكَ مُصَرَّحًا بِهِ فِي الْحَدِيثِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مَعْنَاهُ عِنْدَهُ لَمَا صَحَّ اسْتِدْلَالُهُ بَعْدُ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِهِ " «مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى هَذِهِ الْمِلَّةِ» ". وَأَمَّا قَوْلُ أَحْمَدَ فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ: " يُولَدُ عَلَى مَا فُطِرَ عَلَيْهِ مِنْ شَقَاوَةٍ، أَوْ سَعَادَةٍ " فَلَا تَنَافِيَ بَيْنَهُ، وَبَيْنَ قَوْلِهِ: إِنَّهَا الدِّينُ، فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ قَدَّرَ الشَّقَاوَةَ وَالسَّعَادَةَ وَكَتَبَهُمَا، وَإِنَّهَا تَكُونُ بِالْأَسْبَابِ الَّتِي تَحْصُلُ بِهَا كَفِعْلِ

стр. 832

الْأَبَوَيْنِ: فَتَهْوِيدُهُمَا، وَتَنْصِيرُهُمَا، وَتَمْجِيسُهُمَا، هُوَ بِمَا قَدَّرَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَالْمَوْلُودُ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ مُسْلِمًا، وَيُولَدُ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْفِطْرَةَ السَّلِيمَةَ قَدْ يُغَيِّرُهَا الْأَبَوَانِ كَمَا قَدَّرَ اللَّهُ ذَلِكَ، وَكَتَبَهُ، كَمَا مَثَّلَ النَّبِيُّ ﷺ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: " «كَمَا تُنْتَجُ الْبَهِيمَةُ جَمْعَاءَ هَلْ تُحِسُّونَ فِيهِمَا مِنْ جَدْعَاءَ» ". فَبَيَّنَ أَنَّ الْبَهِيمَةَ تُولَدُ سَلِيمَةً، ثُمَّ يَجْدَعُهَا النَّاسُ، وَذَلِكَ أَيْضًا بِقَضَاءِ اللَّهِ، وَقَدَرِهِ، فَكَذَلِكَ الْمَوْلُودُ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ مُسْلِمًا، ثُمَّ يُفْسِدُهُ أَبَوَاهُ، وَإِنَّمَا قَالَ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ: وُلِدَ عَلَى مَا فُطِرَ عَلَيْهِ مِنْ شَقَاوَةٍ وَسَعَادَةٍ؛ لِأَنَّ الْقَدَرِيَّةَ كَانُوا يَحْتَجُّونَ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ الْكُفْرَ وَالْمَعَاصِيَ لَيْسَتْ بِقَدَرِ اللَّهِ، بَلْ بِمَا فَعَلَهُ النَّاسُ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، وَكُفْرَهُ بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ النَّاسِ، وَلِهَذَا لَمَّا قِيلَ لِمَالِكٍ: إِنَّ الْقَدَرِيَّةَ يَحْتَجُّونَ عَلَيْنَا بِأَوَّلِ الْحَدِيثِ. قَالَ: احْتَجُّوا عَلَيْهِمْ بِآخِرِهِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: " «اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ» " فَبَيَّنَ الْأَئِمَّةُ أَنَّهُ لَا حُجَّةَ فِيهِ لِلْقَدَرِيَّةِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَقُلْ: إِنَّ الْأَبَوَيْنِ خَلَقَا تَهْوِيدَهُ وَتَنْصِيرَهُ، وَالْقَدَرِيَّةُ لَا تَقُولُ ذَلِكَ بَلْ عِنْدَهُمْ أَنَّهُ تَهَوَّدَ وَتَنَصَّرَ بِاخْتِيَارِهِ، وَلَكِنْ كَانَ الْأَبَوَانِ سَبَبًا فِي حُصُولِ ذَلِكَ بِالتَّعْلِيمِ، وَالتَّلْقِينِ، وَهَذَا حَقٌّ لَا يَقْتَضِي نَفْيَ الْقَدَرِ السَّابِقِ مِنَ الْعِلْمِ، وَالْكِتَابِ، وَالْمَشِيئَةِ، بَلْ ذَلِكَ مُضَافٌ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى عِلْمًا، وَكِتَابَةً، وَمَشِيئَةً، وَإِلَى الْأَبَوَيْنِ تَسَبُّبًا، وَتَعْلِيمًا، وَتَلْقِيَنًا، وَإِلَى الشَّيْطَانِ تَزْيِينًا، وَوَسْوَسَةً، وَإِلَى الْعَبْدِ رِضًا، وَاخْتِيَارًا، وَمَحَبَّةً. وَلَا يُنَافِي هَذَا قَوْلَهُ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ إِنَّ الْغُلَامَ

стр. 833

الَّذِي قَتَلَهُ الْخَضِرُ طُبِعَ يَوْمَ طُبِعَ كَافِرًا، وَلَوْ عَاشَ لَأَرْهَقَ أَبَوَيْهِ طُغْيَانًا وَكُفْرًا "، فَإِنَّ مَعْنَاهُ أَنَّهُ قُضِيَ عَلَيْهِ وَقُدِّرَ فِي أُمِّ الْكِتَابِ أَنَّهُ يَكُونُ كَافِرًا، فَهِيَ حَالٌ مُقَدَّرَةٌ كَقَوْلِهِ: ﴿فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [النحل: ٢٩] ، وَقَوْلِهِ: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا﴾ [الصافات: ١١٢] ، وَنَظَائِرِ ذَلِكَ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ: أَنَّ كُفْرَهُ كَانَ مَوْجُودًا بِالْفِعْلِ مَعَهُ حَتَّى طُبِعَ، كَمَا يُقَالُ: وُلِدَ مَلِكًا، وَوُلِدَ عَالِمًا، وَوُلِدَ جَبَّارًا وَمَنْ ظَنَّ أَنَّ " الطَّبْعَ " الْمَذْكُورَ فِي الْحَدِيثِ هُوَ " الطَّبْعُ " فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [النحل: ١٠٨] ، فَقَدْ غَلِطَ غَلَطًا ظَاهِرًا، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يُقَالُ فِيهِ: طُبِعَ يَوْمَ طُبِعَ فَإِنَّ الطَّبْعَ عَلَى الْقَلْبِ إِنَّمَا يُوجَدُ بَعْدَ كُفْرِهِ. [فَصْلٌ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْفِطْرَةِ الدِّينُ] ١٨٠ - فَصْلٌ [الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْفِطْرَةِ (الدِّينُ) ] . وَيَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ مَا فَسَّرَ بِهِ الْأَئِمَّةُ الْفِطْرَةَ أَنَّهَا " الدِّينُ " مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي " صَحِيحِهِ " مِنْ حَدِيثِ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ الْمُجَاشِعِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِيمَا يَرْوِي عَنْ رَبِّهِ ﵎: " «إِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ، وَإِنَّهُمْ أَتَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ فَاجْتَالَتْهُمْ عَنْ دِينِهِمْ، وَحَرَّمَتْ عَلَيْهِمْ مَا

стр. 834

أَحْلَلْتُ لَهُمْ، وَأَمَرَتْهُمْ أَنْ يُشْرِكُوا بِي مَا لَمْ أُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا» " وَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّهُمْ خُلِقُوا عَلَى الْحَنِيفِيَّةِ، وَأَنَّ الشَّيَاطِينَ اقْتَطَعَتْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ عَنْهَا، وَأَخْرَجُوهُمْ مِنْهَا، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾ [البقرة: ٢٥٧] ، وَهَذَا يَتَنَاوَلُ إِخْرَاجَ الشَّيَاطِينِ لَهُمْ مِنْ نُورِ الْفِطْرَةِ إِلَى ظُلْمَةِ الْكُفْرِ وَالشِّرْكِ، وَمِنَ النُّورِ الَّذِي جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ مِنَ الْهُدَى، وَالْعِلْمِ إِلَى ظُلُمَاتِ الْجَهْلِ وَالضَّلَالِ. وَفِي " الْمُسْنَدِ "، وَغَيْرِهِ مِنْ حَدِيثِ الْأَسْوَدِ بْنِ سَرِيعٍ قَالَ: «بَعَثَ

стр. 835

رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَرِيَّةً، فَأَفْضَى بِهِمُ الْقَتْلُ إِلَى الذُّرِّيَّةِ، فَقَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ : " مَا حَمَلَكُمْ عَلَى قَتْلِ الذُّرِّيَّةِ "؟ [قَالُوا] : يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَيْسُوا أَوْلَادَ الْمُشْرِكِينَ؟ قَالَ: " أَوَلَيْسَ خِيَارُكُمْ أَوْلَادَ الْمُشْرِكِينَ؟ " ثُمَّ قَامَ النَّبِيُّ ﷺ خَطِيبًا، فَقَالَ: " أَلَا إِنَّ كُلَّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ حَتَّى يُعْرِبَ عَنْهُ لِسَانُهُ» فَخُطْبَتُهُ لَهُمْ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَقِيبَ نَهْيِهِ لَهُمْ عَنْ قَتْلِ أَوْلَادِ الْمُشْرِكِينَ، وَقَوْلُهُ لَهُمْ: " «أَوَلَيْسَ خِيَارُكُمْ أَوْلَادَ الْمُشْرِكِينَ» ؟ " نَصَّ أَنَّهُ أَرَادَ أَنَّهُمْ وُلِدُوا غَيْرَ كُفَّارٍ، ثُمَّ الْكُفْرُ طَرَأَ بَعْدَ ذَلِكَ، وَلَوْ أَرَادَ: أَنَّ الْمَوْلُودَ حِينَ يُولَدُ يَكُونُ إِمَّا كَافِرًا وَإِمَّا مُسْلِمًا عَلَى مَا سَبَقَ بِهِ الْقَدَرُ، لَمْ يَكُنْ فِيمَا ذَكَرَهُ حُجَّةٌ عَلَى مَا قَصَدَهُ مِنْ نَهْيِهِ لَهُمْ عَنْ قَتْلِ أَوْلَادِ الْمُشْرِكِينَ. وَقَدْ ظَنَّ بَعْضُهُمْ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: " «أَوَ لَيْسَ خِيَارُكُمْ أَوْلَادَ الْمُشْرِكِينَ» " مَعْنَاهُ: لَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ قَدْ سَبَقَ فِي عِلْمِ اللَّهِ أَنَّهُمْ لَوْ بَقُوا لَآمَنُوا، فَيَكُونُ النَّهْيُ رَاجِعًا إِلَى هَذَا الْمَعْنَى مِنَ التَّجْوِيزِ، وَلَيْسَ هَذَا مَعْنَى الْحَدِيثِ، وَلَكِنْ مَعْنَاهُ: أَنَّ خِيَارَكُمْ هُمُ السَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، وَالْأَنْصَارِ، وَهَؤُلَاءِ مِنْ

стр. 836

أَوْلَادِ الْمُشْرِكِينَ، فَإِنَّ آبَاؤُهُمْ كَانُوا كُفَّارًا، ثُمَّ إِنَّ الْبَنِينَ أَسْلَمُوا بَعْدَ ذَلِكَ، فَلَا يَضُرُّ الطِّفْلَ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَوْلَادِ الْمُشْرِكِينَ إِذَا كَانَ مُؤْمِنًا، فَإِنَّ اللَّهَ إِنَّمَا يَجْزِيهِ بِعَمَلِهِ لَا بِعَمَلِ أَبَوَيْهِ، وَهُوَ سُبْحَانَهُ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ، وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ، وَالْمُؤْمِنَ مِنَ الْكَافِرِ، وَالْكَافِرَ مِنَ الْمُؤْمِنِ. وَهَذَا الْحَدِيثُ - وَهُوَ حَدِيثُ الْفِطْرَةِ - أَلْفَاظُهُ يُفَسِّرُ بَعْضُهَا بَعْضًا، فَفِي الصَّحِيحَيْنِ - وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ - عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَا مِنْ مَوْلُودٍ يُولَدُ إِلَّا عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ، أَوْ يُنَصِّرَانِهِ، أَوْ يُمَجِّسَانِهِ كَمَا تُنْتِجُ الْبَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ، هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ؟ ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ اقْرَءُوا: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ [الروم: ٣٠] ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَرَأَيْتَ مَنْ يَمُوتُ صَغِيرًا؟ قَالَ: " اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ» ". وَفِي " الصَّحِيحِ "، قَالَ الزُّهْرِيُّ: يُصَلَّى عَلَى كُلِّ مَوْلُودٍ يُتَوَفَّى، وَإِنْ كَانَ لِغَيَّةٍ، مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ وُلِدَ عَلَى فِطْرَةِ الْإِسْلَامِ إِذَا اسْتَهَلَّ خَارِجًا، وَلَا يُصَلَّى عَلَى مَنْ لَمْ يَسْتَهِلَّ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ سَقَطَ، وَأَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ يُحَدِّثُ أَنَّ النَّبِيَّ

стр. 837

- ﷺ قَالَ: " «مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا وَيُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ، أَوْ يُنَصِّرَانِهِ، أَوْ يُمَجِّسَانِهِ كَمَا تُنْتِجُ الْبَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ؟ " ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠] » . وَفِي " الصَّحِيحِ " مِنْ رِوَايَةِ الْأَعْمَشِ: " «مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا وَهُوَ عَلَى الْمِلَّةِ» ". وَفِي رِوَايَةِ أَبِي مُعَاوِيَةَ عَنْهُ " «إِلَّا عَلَى هَذِهِ الْمِلَّةِ، حَتَّى يُبِينَ عَنْهُ لِسَانُهُ» ": فَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ يُولَدُ عَلَى مِلَّةِ الْإِسْلَامِ كَمَا فَسَّرَهُ ابْنُ شِهَابٍ رَاوِي الْحَدِيثِ، وَاسْتِشْهَادُ أَبِي هُرَيْرَةَ بِالْآيَةِ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَسُئِلَ ابْنُ شِهَابٍ عَنْ رَجُلٍ عَلَيْهِ رَقَبَةٌ مُؤْمِنَةٌ: أَيُجْزِئُ عَنْهُ الصَّبِيُّ أَنْ يُعْتِقَهُ، وَهُوَ رَضِيعٌ؟ قَالَ: نَعَمْ؛ لِأَنَّهُ وُلِدَ عَلَى الْفِطْرَةِ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، وَقَدْ ذَكَرَ أَقْوَالَ النَّاسِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ. وَقَالَ آخَرُونَ: الْفِطْرَةُ هَاهُنَا هِيَ الْإِسْلَامُ. قَالُوا: وَهُوَ الْمَعْرُوفُ عِنْدَ عَامَّةِ السَّلَفِ، وَأَهْلُ التَّأْوِيلِ قَدْ أَجْمَعُوا فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ : ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠] ، عَلَى أَنْ قَالُوا: فِطْرَةُ اللَّهِ دِينُ الْإِسْلَامِ. وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: " «اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ:

стр. 838

﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠] » . قَالَ: وَذَكَرُوا عَنْ عِكْرِمَةَ وَمُجَاهِدٍ وَالْحَسَنِ وَإِبْرَاهِيمَ وَالضَّحَّاكِ وَقَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠] ، قَالُوا: فِطْرَةُ اللَّهِ دِينُ الْإِسْلَامِ: ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠] ، قَالُوا: لِدِينِ اللَّهِ. وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ يَحْيَى بْنِ جَابِرٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَائِذٍ الْأَزْدِيِّ، عَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ الْمُجَاشِعِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِلنَّاسِ يَوْمًا: " «أَلَا أُحَدِّثُكُمْ بِمَا حَدَّثَنِي اللَّهُ فِي الْكِتَابِ؟ إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ وَبَنِيهِ حُنَفَاءَ مُسْلِمِينَ، وَأَعْطَاهُمُ الْمَالَ حَلَالًا لَا حَرَامَ فِيهِ، فَجَعَلُوا مَا أَعْطَاهُمُ اللَّهُ حَرَامًا وَحَلَالًا» " الْحَدِيثَ. قَالَ: وَكَذَلِكَ رَوَى بَكْرُ بْنُ مُهَاجِرٍ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ يَزِيدَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: " «حُنَفَاءَ مُسْلِمِينَ» ". قَالَ أَبُو عُمَرَ: رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ مُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ، وَلَمْ يَسْمَعْهُ قَتَادَةُ مِنْ مُطَرِّفٍ، وَلَكِنْ قَالَ: حَدَّثَنِي ثَلَاثَةٌ: عُقْبَةُ بْنُ عَبْدِ الْغَافِرِ، وَيَزِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ، وَالْعَلَاءُ بْنُ زِيَادٍ، كُلُّهُمْ يَقُولُ: حَدَّثَنِي مُطَرِّفٌ، عَنْ عِيَاضٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ -

стр. 839

فَقَالَ فِيهِ: " «وَإِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ» " لَمْ يَقُلْ " مُسْلِمِينَ ". وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الْحَسَنُ، عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنْ عِيَاضٍ. وَرَوَاهُ ابْنُ إِسْحَاقَ عَمَّنْ لَا يُتَّهَمُ، عَنْ قَتَادَةَ بِإِسْنَادِهِ قَالَ فِيهِ: " «وَإِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ» "، وَلَمْ يَقُلْ " مُسْلِمِينَ ". قَالَ: فَدَلَّ هَذَا عَلَى حِفْظِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، وَإِتْقَانِهِ، وَضَبْطِهِ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَ " مُسْلِمِينَ " فِي رِوَايَتِهِ عَنْ ثَوْرِ بْنِ يَزِيدَ لِهَذَا الْحَدِيثِ، وَأَسْقَطَهُ مِنْ رِوَايَةِ قَتَادَةَ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ النَّاسُ عَنْ قَتَادَةَ: قَصَّرَ فِيهِ عَنْ قَوْلِهِ " مُسْلِمِينَ " وَزَادَهُ ثَوْرٌ بِإِسْنَادِهِ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ أَبُو عُمَرَ: وَالْحَنِيفُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ الْمُسْتَقِيمُ الْمُخْلِصُ، وَلَا اسْتِقَامَةَ أَكْبَرُ مِنَ الْإِسْلَامِ، قَالَ: وَقَدْ رُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: " الْحَنِيفِيَّةُ حَجُّ الْبَيْتِ " وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ الْإِسْلَامَ، وَكَذَلِكَ رُوِيَ عَنِ الضَّحَّاكِ،

стр. 840

وَالسُّدِّيِّ " حُنَفَاءَ: حُجَّاجًا "، وَعَنْ مُجَاهِدٍ: " حُنَفَاءَ مُتَّبِعِينَ "، قَالَ: وَهَذَا كُلُّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْحَنِيفِيَّةَ: الْإِسْلَامُ. قَالَ: وَقَالَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ: الْحَنِيفُ الْمُخْلِصُ. وَقَالَ اللَّهُ : ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾ [آل عمران: ٦٧]

стр. 841

وَقَالَ تَعَالَى: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ﴾ [الحج: ٧٨] ، قَالَ الرَّاعِي: أَخَلِيفَةَ الرَّحْمَنِ إِنَّا مَعْشَرٌ ... حُنَفَاءُ نَسْجُدُ بُكْرَةً وَأَصِيلَا عَرَبٌ نَرَى اللَّهَ فِي أَمْوَالِنَا ... حَقَّ الزَّكَاةِ مُنَزَّلًا تَنْزِيلَا قَالَ: فَوَصَفَ الْحَنِيفِيَّةَ بِالْإِسْلَامِ، وَهُوَ أَمْرٌ وَاضِحٌ لَا خَفَاءَ بِهِ، قَالَ: وَمِمَّا احْتَجَّ بِهِ مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ الْفِطْرَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: " الْإِسْلَامُ " قَوْلُهُ ﷺ : " «خَمْسٌ مِنَ الْفِطْرَةِ» "، وَيُرْوَى: " «عَشْرٌ مِنَ الْفِطْرَةِ» " يَعْنِي: فِطْرَةَ الْإِسْلَامِ. انْتَهَى. قَالَ شَيْخُنَا: فَالْأَدِلَّةُ الدَّالَّةُ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ فِطْرَةَ الْإِسْلَامِ كَثِيرَةٌ: كَأَلْفَاظِ الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الْمُتَقَدِّمَةِ، كَقَوْلِهِ: " «عَلَى الْمِلَّةِ» ": وَ " «عَلَى هَذِهِ الْمِلَّةِ» "،

стр. 842

وَقَوْلُهُ: " «خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ» " وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى: " «حُنَفَاءَ مُسْلِمِينَ» "، وَمِثْلُ تَفْسِيرِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا سَمِعَ. وَلَوْ لَمْ يَكُنِ الْمُرَادُ بِالْفِطْرَةِ الْإِسْلَامَ لَمَا سَأَلُوا عَقِيبَ ذَلِكَ: " «أَرَأَيْتَ مَنْ يَمُوتُ مِنْ أَطْفَالِ الْمُشْرِكِينَ وَهُوَ صَغِيرٌ» ؟ " لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مَا يُغَيِّرُ تِلْكَ الْفِطْرَةَ لَمَا سَأَلُوهُ، وَالْعِلْمُ الْقَدِيمُ وَالْكِتَابُ السَّابِقُ لَا يَتَغَيَّرُ. وَقَوْلُهُ: " «فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ، وَيُنَصِّرَانِهِ وَيُمَجِّسَانِهِ» " بَيِّنٌ فِيهِ أَنَّهُمْ يُغَيِّرُونَ الْفِطْرَةَ الْمَخْلُوقَ عَلَيْهَا بِذَلِكَ. وَأَيْضًا، فَإِنَّهُ شَبَّهَ ذَلِكَ بِالْبَهِيمَةِ الَّتِي تُولَدُ مُجْتَمِعَةَ الْخَلْقِ لَا نَقْصَ فِيهَا، ثُمَّ تُجْدَعُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَعُلِمَ أَنَّ التَّغَيُّرَ وَارِدٌ عَلَى الْفِطْرَةِ السَّلِيمَةِ الَّتِي وُلِدَ الْعَبْدُ عَلَيْهَا. وَأَيْضًا، فَالْحَدِيثُ مُطَابِقٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠] ، وَهَذَا يَعُمُّ جَمِيعَ النَّاسِ، فَعُلِمَ أَنَّ اللَّهَ فَطَرَ النَّاسَ كُلَّهُمْ عَلَى فِطْرَتِهِ الْمَذْكُورَةِ، وَفِطْرَةُ اللَّهِ أَضَافَهَا إِلَيْهِ إِضَافَةَ مَدْحٍ لَا إِضَافَةَ ذَمٍّ، فَعُلِمَ أَنَّهَا فِطْرَةٌ مَحْمُودَةٌ لَا مَذْمُومَةٌ يُبَيِّنُ ذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠] ، وَهَذَا نُصِبَ عَلَى الْمَصْدَرِ

стр. 843

الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الْفِعْلُ الْأَوَّلُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ وَأَصْحَابِهِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ إِقَامَةَ الْوَجْهِ لِلدِّينِ حَنِيفًا هُوَ فِطْرَةُ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا كَمَا فِي نَظَائِرِهِ مِثْلِ قَوْلِهِ: ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] ، وَقَوْلِهِ: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: ٦٢] ، فَهَذَا عِنْدَهُمْ مَصْدَرٌ مَنْصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ لَازِمٍ إِضْمَارُهُ دَلَّ عَلَيْهِ الْفِعْلُ الْمُتَقَدِّمُ، كَأَنَّهُ قَالَ: كَتَبَ اللَّهُ ذَلِكَ عَلَيْكُمْ، وَكَذَلِكَ هُنَا فَطَرَ اللَّهُ النَّاسَ عَلَى ذَلِكَ: عَلَى إِقَامَةِ الدِّينِ حَنِيفًا. وَكَذَلِكَ فَسَّرَهُ السَّلَفُ، قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: يَقُولُ: فَسَدِّدْ وَجْهَكَ نَحْوَ الْوَجْهِ الَّذِي وَجَّهَكَ اللَّهُ يَا مُحَمَّدُ لِطَاعَتِهِ، وَهُوَ الدِّينُ حَنِيفًا، يَقُولُ: " مُسْتَقِيمًا لِدِينِهِ وَطَاعَتِهِ "، ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠] ، يَقُولُ: " صَنْعَةَ اللَّهِ الَّتِي خَلَقَ النَّاسَ عَلَيْهَا " وَنَصْبُ فِطْرَةٍ عَلَى الْمَصْدَرِ مِنْ مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا﴾ [الروم: ٣٠] ، وَذَلِكَ أَنَّ مَعْنَى الْآيَةِ: فَطَرَ اللَّهُ النَّاسَ عَلَى ذَلِكَ فِطْرَةً. قَالَ: وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ، ثُمَّ رَوَى عَنِ ابْنِ زَيْدٍ قَالَ: " فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا قَالَ: هِيَ الْإِسْلَامُ مُنْذُ خَلَقَهُمُ اللَّهُ مِنْ

стр. 844

آدَمَ جَمِيعًا، يُقِرُّونَ بِذَلِكَ، وَقَرَأَ: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٧٢] ، فَهَذَا قَوْلُ اللَّهِ: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ [البقرة: ٢١٣] [بَعْدُ] . ثُمَّ ذَكَرَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠] ، قَالَ: الدِّينُ الْإِسْلَامُ.

стр. 845

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، ثَنَا يَحْيَى بْنُ وَاضِحٍ، ثَنَا يُونُسُ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ قَالَ: مَرَّ عُمَرُ بِمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، فَقَالَ: مَا قِوَامُ هَذِهِ الْأُمَّةِ؟ قَالَ مُعَاذٌ: ثَلَاثٌ وَهُنَّ الْمُنْجِيَاتُ: الْإِخْلَاصُ، وَهُوَ الْفِطْرَةُ ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠] ، وَالصَّلَاةُ، وَهِيَ الْمِلَّةُ، وَالطَّاعَةُ، وَهِيَ الْعِصْمَةُ. فَقَالَ عُمَرُ: صَدَقْتَ. ثُمَّ قَالَ: حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ الدَّوْرَقِيُّ، ثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، ثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ أَنَّ عُمَرَ قَالَ لِمُعَاذٍ: مَا قِوَامُ هَذِهِ الْأُمَّةِ؟ فَذَكَرَ نَحْوَهُ.
следующие страницы →