Полный текст (1 326 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.
стр. 771
مَا أَنْزَلَ، وَلَمْ يَفْجَأْ أَهْلَ مَكَّةَ إِلَّا وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَجُنُودُ اللَّهِ قَدْ نَزَلُوا بِسَاحَتِهِمْ، وَهَذَا كَانَ عَامَ ثَمَانٍ قَبْلَ نُزُولِ " بَرَاءَةٌ ".
وَأَيْضًا فَالنَّبِيُّ ﷺ أَرْسَلَ أَبَا بَكْرٍ، وَأَرْدَفَهُ بِعَلِيٍّ ﵄ يُؤْذِنُ بِسُورَةِ " بَرَاءَةٌ "، فَنَبَذَ الْعُهُودَ إِلَى جَمِيعِ الْمُشْرِكِينَ مُطْلَقًا، لَمْ يَنْبِذْهَا إِلَى مَنْ نَقَضَ دُونَ مَنْ لَمْ يَنْقُضْ.
وَأَيْضًا، فَالْقُرْآنُ نَبَذَهَا إِلَى الْمُشْرِكِينَ، وَإِنَّمَا اسْتَثْنَى مَنْ كَانَ لَهُ مُدَّةٌ وَوَفَاءٌ، فَمَنْ كَانَ فِيهِ هَذَانِ الشَّرْطَانِ لَمْ يَنْبِذْ إِلَيْهِ.
وَأَيْضًا، فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ قَالَ: ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾ [التوبة: ٧] ، فَجَعَلَ نَفْسَ الشِّرْكِ مَانِعًا مِنَ الْعَهْدِ إِلَّا الَّذِينَ لَهُمْ عَهْدٌ مُؤَقَّتٌ وَهُمْ بِهِ مُوفُونَ.
стр. 772
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ: بَلِ الْعَهْدُ الَّذِي أُمِرَ بِنَبْذِهِ إِنَّمَا هُوَ مَنْعُهُمْ مِنَ الْبَيْتِ، وَقِتَالُهُمْ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ. قَالُوا: وَهَذَا لَفْظُ الْقَاضِي أَبِي يَعْلَى.
وَفَصْلُ الْخِطَابِ فِي هَذَا الْبَابِ: أَنَّهُ قَدْ كَانَ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَبَيْنَ جَمِيعِ الْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ، وَهُوَ أَنْ لَا يُصَدَّ أَحَدٌ عَنِ الْبَيْتِ، وَلَا يَخَافُ أَحَدٌ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ، فَجَعَلَ اللَّهُ عَهْدَهُمْ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، وَكَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَقْوَامٍ مِنْهُمْ عُهُودٌ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى، فَأُمِرَ بِالْوَفَاءِ لَهُمْ، وَإِتْمَامِ عَهْدِهِمْ إِذَا لَمْ يَخْشَ غَدْرَهُمْ.
وَهَذَا أَيْضًا ضَعِيفٌ جِدًّا: وَذَلِكَ أَنَّ مَنْعَهُمْ مِنَ الْبَيْتِ حُكْمٌ أُنْزِلَ فِي غَيْرِ هَذِهِ الْآيَةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨] : وَهَذَا الْمَعْنَى غَيْرُ مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١] .
وَأَيْضًا، فَمَنْعُهُمْ مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ عَامٌّ فِيمَنْ كَانَ لَهُ عَهْدٌ وَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَهْدٌ، وَالْبَرَاءَةُ خَاصَّةٌ بِالْمُعَاهَدِينَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١] ، وَلَمْ يَقُلْ: (إِلَى جَمِيعِ الْمُشْرِكِينَ) كَمَا قَالَ هُنَاكَ: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ [التوبة: ٢٨] .
стр. 773
وَأَيْضًا فَمَنْ لَهُ أَجَلٌ يُوَفَّى لَهُ إِلَى أَجَلِهِ، وَهُمُ الَّذِينَ عَاهَدُوهُ، فَمَا اسْتَقَامُوا لَهُمْ يَسْتَقِيمُ لَهُمْ، وَمَعَ هَذَا فَهُمْ مَمْنُوعُونَ مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ.
وَأَيْضًا فَالْمَنْعُ مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَانَ يُنَادِي بِهِ أَبُو بَكْرٍ وَأَعْوَانُهُ عَلَيٌّ وَغَيْرُهُ ﵃ أَجْمَعِينَ -، فَيُنَادُونَ يَوْمَ النَّحْرِ: " «لَا يَحُجَّنَّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ، وَلَا يَطُوفَنَّ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ» ".
وَأَمَّا نَبْذُ الْعُهُودِ فَإِنَّمَا تَوَلَّاهُ عَلِيٌّ ﵁ لِأَجْلِ الْعَادَةِ الَّتِي كَانَتْ فِي الْعَرَبِ.
وَأَيْضًا، فَالْأَمَانُ الَّذِي كَانَ لِحُجَّاجِ الْبَيْتِ لَمْ يَكُنْ بِعَهْدٍ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ وَأَمَانٍ مِنْهُ، بَلْ كَانَ هَذَا دِينُهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَقَامَ الْإِسْلَامُ عَلَيْهِ حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨] ، فَبِهَذِهِ الْآيَةِ مُنِعُوا، لَا بِالْبَرَاءَةِ مِنَ الْمُعَاهَدِينَ، وَقَدْ كَانَ أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا﴾ [المائدة: ٢] ، فَنُهُوا عَنِ التَّعَرُّضِ لِقَاصِدِيهِ مُطْلَقًا، ثُمَّ لَمَّا مُنِعَ مِنْهُ الْمُشْرِكُونَ، وَعَلِمُوا أَنَّهُمْ مَمْنُوعُونَ مِنْ جِهَةِ اللَّهِ تَعَالَى، كَانَ مَنْ أَمَّنَهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ ظَالِمًا لِنَفْسِهِ مُحَارِبًا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ.
стр. 774
وَأَمَّا الْقَتْلُ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ فَقَدْ كَانَ مُحَرَّمًا بِقَوْلِهِ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢١٧] .
وَفِي نَسْخِهِ قَوْلَانِ لِلسَّلَفِ: فَإِنْ كَانَ لَمْ يُنْسَخْ لَمْ يَكُنْ فِي الْآيَةِ إِذَنْ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ مَنْسُوخًا فَلَيْسَ فِي " الْبَرَاءَةِ " مَا يَدُلُّ عَلَى نَسْخِهِ، وَلَا قَالَ أَحَدٌ مِنَ السَّلَفِ: إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ أَبَاحَتِ الْقِتَالَ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ، وَإِنَّهَا النَّاسِخَةُ لِتَحْرِيمِهِ، فَإِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ إِنَّمَا فِيهَا الْبَرَاءَةُ مِنَ الْمُعَاهَدِينَ، وَالشَّهْرُ الْحَرَامُ، كَانَ تَحْرِيمُهُ عَامًّا، فَلَمْ يَكُنْ يَجُوزُ أَنْ يُقَاتِلَ فِيهِ الْمُحَارِبُونَ وَآيَةُ تَحْرِيمِ الْقِتَالِ فِيهِ إِنَّمَا نَزَلَتْ بِسَبَبِ ابْنِ الْحَضْرَمِيِّ قَبْلُ، وَلَمْ يَكُونُوا مُعَاهَدِينَ، وَإِنَّمَا عَاهَدَهُمْ بَعْدَ بَدْرٍ بِأَرْبَعِ سِنِينَ.
وَأَيْضًا، فَإِنَّهُ اسْتَثْنَى مِنَ الَّذِينَ تَبَرَّأَ إِلَيْهِمْ مَنْ عَاهَدَهُ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَأُولَئِكَ لَا يُبَاحُ قِتَالُهُمْ لَا فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ وَلَا غَيْرِهِ، فَكَيْفَ يَكُونُ الَّذِي
стр. 775
أَبَاحَهُ إِنَّمَا هُوَ الْقِتَالُ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ؟
وَأَيْضًا، فَالْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ﴾ [التوبة: ٥] ، إِنْ كَانَتِ " الثَّلَاثَةَ وَرَجَبًا "، فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى بَقَاءِ التَّحْرِيمِ فِيهَا، فَبَطَلَ هَذَا الْقَوْلُ، وَإِنْ كَانَتِ " الْأَرْبَعَةَ الَّتِي أَوَّلُهَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ عَامَ حَجَّ أَبُو بَكْرٍ ﵁، وَآخِرُهَا رَبِيعٌ "، فَقَدْ حَرَّمَ فِيهَا قِتَالَ مَنْ لَيْسَ لَهُ عَهْدٌ، وَأَبَاحَ قِتَالَهُمْ إِذَا انْقَضَتْ، فَلَوْ كَانَ إِنَّمَا أَبَاحَ قِتَالَ مَنْ كَانَ يُبَاحُ قِتَالُهُ فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ وَلَا عَهْدَ لَهُ، فَهَذَا مُحَارِبٌ مَحْضٌ لَا حَاجَةَ إِلَى تَأْجِيلِهِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، فَإِنَّ قِتَالَهُ كَانَ مُبَاحًا عِنْدَ هَؤُلَاءِ فِي غَيْرِ الْأَرْبَعَةِ.
وَأَيْضًا فَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ، إِنَّمَا أَبَاحَ اللَّهُ قَتْلَ مَنْ نَبَذَ إِلَيْهِ الْعَهْدَ إِذَا انْقَضَتْ هَذِهِ الْأَرْبَعَةُ، كَمَا قَالَ: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] .
فَلَوْ كَانَ قِتَالُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ نَبَذَ إِلَيْهِمُ الْعُهُودَ مُبَاحًا فِي غَيْرِهَا لَمْ يَشْتَرِطْ فِي حِلِّهِ انْقِضَاءَ الْأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ: فَإِنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّ قِتَالَهُمْ مُبَاحٌ إِذَا انْقَضَتِ الْأَرْبَعَةُ، فَإِنَّ الْمُعَلَّقَ بِالشَّرْطِ عُدِمَ عِنْدَ عَدَمِهِ، فَكَيْفَ يُقَالُ: إِنَّ قِتَالَهُمْ كَانَ مُبَاحًا، سَوَاءٌ انْقَضَتْ هَذِهِ أَوْ لَمْ تَنْقَضِ؟ وَإِنَّمَا كَانَ يُحَرِّمُ قِتَالَهُمْ فِي تِلْكَ الْأَرْبَعَةِ لَا مُطْلَقًا.
فَهَذِهِ التَّكَلُّفَاتُ الَّتِي يَظْهَرُ فِيهَا مِنْ تَحْرِيفِ الْقُرْآنِ مَا يُبَيِّنُ فَسَادَهَا بَنَاهَا أَصْحَابُهَا عَلَى أَصْلٍ فَاسِدٍ، وَهُوَ أَنَّ الْمُعَاهَدِينَ لَا يَكُونُ عَهْدُهُمْ إِلَّا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى! وَهُوَ خِلَافُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَخِلَافُ الْأُصُولِ وَخِلَافُ مَصْلَحَةِ
стр. 776
الْعَالَمِينَ.
فَإِذَا عُلِمَ أَنَّ الْمُعَاهَدِينَ يَتَنَاوَلُ النَّوْعَيْنِ، وَأَنَّ اللَّهَ أَمَرَ بِنَبْذِ الْعَهْدِ الَّذِي لَيْسَ بِعَقْدٍ لَازِمٍ، وَأَمَرَ بِالْوَفَاءِ بِالْعَهْدِ اللَّازِمِ، كَانَ فِي هَذَا إِقْرَارٌ لِلْقُرْآنِ عَلَى مَا دَلَّ عَلَيْهِ، وَوَافَقَتْهُ عَلَيْهِ السُّنَّةُ وَأُصُولُ الشَّرْعِ، وَمَصَالِحُ الْإِسْلَامِ، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ.
стр. 777
[ذكر أَحْكَامِ أَطْفَال أهل الذمة] [ الْبَابُ الْأَوَّلُ ذِكْرِ أَحْكَامْ أَطْفَالهم فِي الدُّنْيَا]
ذِكْرُ أَحْكَامِ أَطْفَالِهِمْ
وَفِيهِ بَابَانِ:
الْبَابُ الْأَوَّلُ: فِي ذِكْرِ أَحْكَامِهِمْ فِي الدُّنْيَا
وَالْبَابُ الثَّانِي: فِي ذِكْرِ أَحْكَامِهِمْ فِي الْآخِرَةِ
стр. 778
الْبَابُ الْأَوَّلُ
[ذِكْرُ أَحْكَامِهِمْ فِي الدُّنْيَا] .
لَمَّا كَانَ الطِّفْلُ غَيْرَ مُسْتَقِلٍّ بِنَفْسِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ بُدٌّ مِنْ وَلِيٍّ يَقُومُ بِمَصَالِحِهِ، وَيَكُونُ تَابِعًا لَهُ، وَأَحَقُّ مَنْ نُصِبَ لِذَلِكَ الْأَبَوَانِ، إِذْ هُمَا السَّبَبُ فِي وُجُودِهِ، وَهُوَ جُزْءٌ مِنْهُمَا، وَلِهَذَا كَانَ لَهُمَا مِنَ الْحَقِّ عَلَيْهِ مَا لَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ سِوَاهُمَا، فَكَانَا أَخَصَّ بِهِ، وَأَحَقَّ بِكَفَالَتِهِ، وَتَرْبِيَتِهِ مِنْ كُلِّ أَحَدٍ، وَكَانَ مِنْ ضَرُورَةِ ذَلِكَ أَنْ يَنْشَأَ عَلَى دِينِهِمَا كَمَا يَنْشَأُ عَلَى لُغَتِهِمَا، " «فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ، وَيُنَصِّرَانِهِ، وَيُمَجِّسَانِهِ» "، فَإِنْ كَانَا مُوَحِّدِينَ مُسْلِمِينَ رَبَّيَاهُ عَلَى التَّوْحِيدِ، فَاجْتَمَعَ لَهُ الْفِطْرَةُ الْخُلُقِيَّةُ وَتَرْبِيَةُ الْأَبَوَيْنِ، وَإِنْ كَانَا كَافِرَيْنِ أَخْرَجَاهُ عَنِ الْفِطْرَةِ الَّتِي فَطَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهَا بِتَعْلِيمِهِ الشِّرْكَ وَتَرْبِيَتِهِ عَلَيْهِ، لِمَا سَبَقَ لَهُ فِي " أُمِّ الْكِتَابِ ".
فَإِذَا نَشَأَ الطِّفْلُ بَيْنَ أَبَوَيْهِ كَانَ عَلَى دِينِهِمَا شَرْعًا وَقَدَرًا، فَإِنْ تَعَذَّرَ تَبَعِيَّتُهُ لِلْأَبَوَيْنِ بِمَوْتٍ، أَوِ انْقِطَاعِ نِسَبٍ كَوَلَدِ الزِّنَا، وَالْمَنْفِيِّ بِاللِّعَانِ، وَاللَّقِيطِ، وَالْمَسْبِيِّ، وَالْمَمْلُوكِ: فَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ الطِّفْلِ فِي هَذِهِ الْحَالِ، وَنَحْنُ نَذْكُرُ ذَلِكَ مَسْأَلَةً مَسْأَلَةً.
стр. 779
[فصل مَوْتُ الْأَبَوَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا]
فَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى وَهِيَ مَوْتُ الْأَبَوَيْنِ، أَوْ أَحَدِهِمَا.
فَاخْتُلِفَ فِيهَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ لَا يَصِيرُ بِذَلِكَ مُسْلِمًا، بَلْ هُوَ عَلَى دِينِهِ، وَهَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ، وَرُبَّمَا ادَّعَى فِيهِ أَنَّهُ إِجْمَاعٌ مَعْلُومٌ مُتَيَقَّنٌ، لِأَنَّا نَعْلَمُ أَنَّ أَهْلَ الذِّمَّةِ لَمْ يَزَالُوا يَمُوتُونَ، وَيُخَلِّفُونَ أَوْلَادًا صِغَارًا، وَلَا نَعْرِفُ قَطُّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَلَا أَحَدًا مِنَ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ بَعْدَهُ، وَلَا مَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ الْأَئِمَّةِ حَكَمُوا بِإِسْلَامِ أَوْلَادِ الْكُفَّارِ بِمَوْتِ آبَائِهِمْ، وَلَا نَعْرِفُ أَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ فِي الْإِسْلَامِ مَعَ امْتِنَاعِ إِهْمَالِ هَذَا الْأَمْرِ، وَإِضَاعَتِهِ عَلَيْهِمْ، وَهُمْ أَحْرَصُ النَّاسِ عَلَى الزِّيَادَةِ فِي الْإِسْلَامِ وَالنُّقْصَانِ مِنَ الْكُفْرِ، وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ - فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ - اخْتَارَهَا شَيْخُنَا، ﵀.
الثَّانِي: أَنَّهُ يُحْكَمُ بِإِسْلَامِ الْأَطْفَالِ بِمَوْتِ الْأَبَوَيْنِ، أَوْ أَحَدِهِمَا، سَوَاءٌ مَاتَا فِي دَارِ الْحَرْبِ، أَوْ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، وَهَذَا قَوْلٌ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ، اخْتَارَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ، وَهُوَ مَعْلُومُ الْفَسَادِ بِيَقِينٍ لِمَا سَنَذْكُرُهُ.
وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِمْ إِنْ مَاتَ الْأَبَوَانِ، أَوْ أَحَدُهُمَا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، وَلَا يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِمْ إِنْ مَاتَا فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَهَذَا هُوَ الْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ، وَهُوَ اخْتِيَارُ عَامَّةِ أَصْحَابِهِ، وَاحْتَجُّوا عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : " «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ: فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ
стр. 780
وَيُنَصِّرَانِهِ وَيُمَجِّسَانِهِ» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
قَالُوا: فَجُعِلَ كُفْرُهُ بِفِعْلِ أَبَوَيْهِ، فَإِذَا مَاتَ أَحَدُهُمَا انْقَطَعَتِ التَّبَعِيَّةُ، فَوَجَبَ إِبْقَاؤُهُ عَلَى الْفِطْرَةِ الَّتِي وُلِدَ عَلَيْهَا.
قَالُوا: وَلِأَنَّ الْمَسْأَلَةَ مَفْرُوضَةٌ فِيمَنْ مَاتَ أَبَوَاهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، وَقَضِيَّةُ الدَّارِ الْحُكْمُ بِإِسْلَامِ أَهْلِهَا، وَلِذَلِكَ حَكَمْنَا بِإِسْلَامِ لَقِيطِهَا، وَإِنَّمَا ثَبَتَ الْكُفْرُ لِلطِّفْلِ الَّذِي لَهُ أَبَوَانِ، تَغْلِيبًا لِتَبَعِيَّةِ الْأَبَوَيْنِ عَلَى حُكْمِ الدَّارِ، فَإِذَا عُدِمَا، أَوْ أَحَدُهُمَا وَجَبَ إِبْقَاؤُهُ عَلَى حُكْمِ الدَّارِ، لِانْقِطَاعِ تَبَعِيَّتِهِ لِلْكَافِرِ.
قَالُوا: وَمِمَّا يُوَضِّحُ ذَلِكَ أَنَّ الطِّفْلَ يَصِيرُ مُسْلِمًا - تَبَعًا لِإِسْلَامِ أَبِيهِ - فَكَذَلِكَ إِنَّمَا صَارَ كَافِرًا، تَبَعًا لِكُفْرِ أَبِيهِ، فَإِذَا مَاتَ الْأَبُ زَالَ مَنْ يَتْبَعُهُ فِي كُفْرِهِ، فَكَانَ الْإِسْلَامُ أَوْلَى بِهِ لِثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ مُقْتَضَى الْفِطْرَةِ الْأَصْلِيَّةِ الَّتِي فَطَرَ اللَّهُ عَلَيْهَا عِبَادَهُ، وَإِنَّمَا عَارَضَهَا فِعْلُ الْأَبَوَيْنِ، وَقَدْ زَالَ الْعَارِضُ، فَعَمِلَ الْمُقْتَضَى عَمَلَهُ.
الثَّانِي: أَنَّ الدَّارَ دَارُ الْإِسْلَامِ، وَلَوِ اخْتَلَطَ فِيهَا وَلَدُ الْكَافِرِ بِوَلَدِ الْمُسْلِمِ - عَلَى وَجْهٍ لَا يَتَمَيَّزَانِ - حَكَمْنَا بِإِسْلَامِهِمَا تَغْلِيبًا لِلدَّارِ، وَلَوْ وُجِدَ فِيهَا لَقِيطٌ فِي مَحَلَّةِ الْكُفَّارِ لَا يُعْرَفُ لَهُ أَبٌ حَكَمْنَا بِإِسْلَامِهِ تَغْلِيبًا لِلدَّارِ، وَإِنَّمَا عَارَضَ الدَّارَ قُوَّةُ تَبَعِيَّةِ الْأَبَوَيْنِ، وَقَدْ زَالَتْ بِالْمَوْتِ، فَعَمِلَ مُقْتَضَى الدَّارِ عَمَلَهُ.
الثَّالِثُ: أَنَّهُ لَوْ سُبِيَ الطِّفْلُ مُنْفَرِدًا عَنْ أَبَوَيْهِ كَانَ مُسْلِمًا عِنْدَ الْأَئِمَّةِ
стр. 781
الْأَرْبَعَةِ، وَغَيْرِهِمْ، بَلْ وَلَوْ سُبِيَ مَعَ أَحَدِ أَبَوَيْهِ لَكَانَ مُسْلِمًا فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ، بَلْ أَصَحُّ الْقَوْلَيْنِ أَنَّهُ يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ، وَلَوْ سُبِيَ مَعَهُمَا، وَهُوَ مَذْهَبُ الْأَوْزَاعِيِّ، وَأَهْلِ الشَّامِ، وَإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ، فَإِذَا حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ فِي بَعْضِ هَذِهِ الصُّوَرِ اتِّفَاقًا، وَفِي بَعْضِهِمَا بِالدَّلِيلِ الصَّحِيحِ، كَمَا سَنَذْكُرُهُ - مَعَ تَحَقُّقِ وُجُودِ الْأَبَوَيْنِ، وَإِمْكَانِ عَوْدِهِ إِلَى تَبَعِيَّتِهِمَا - فَلَأَنْ نَحْكُمُ بِإِسْلَامِهِ مَعَ تَحَقُّقِ عَدَمِ الْأَبَوَيْنِ، وَاسْتِحَالَةُ تَبَعِيَّتِهِمَا أَوْلَى وَأَحْرَى.
وَسِرُّ الْمَسْأَلَةِ: أَنَّهُ تَبِعٌ لَهُمَا فِي الْإِسْلَامِ، وَالْكُفْرِ، فَإِذَا عُدِمَا زَالَتْ تَبَعِيَّتُهُ، وَكَانَتِ الْفِطْرَةُ الْأُولَى أَوْلَى بِهِ.
يُوَضِّحُهُ أَنَّهُ لَوْ مَاتَ أَقَارِبُهُ جَمِيعًا، وَرَبَّاهُ الْأَجَانِبُ مِنَ الْكُفَّارِ، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ جَعْلُهُ كَافِرًا، إِذْ فِيهِ إِخْرَاجٌ عَنِ الْفِطْرَةِ الَّتِي فَطَرَ اللَّهُ عَلَيْهَا خَلْقَهُ بِلَا مُوجِبٍ، وَهَذَا مُمْتَنِعٌ إِذْ يَتَضَمَّنُ إِدْخَالَ مَنْ فُطِرَ عَلَى التَّوْحِيدِ فِي الْكُفْرِ مِنْ غَيْرِ تَبَعِيَّةٍ لِأَحَدٍ مِنْ أَقَارِبِهِ وَهَذَا فِي غَايَةِ الْفَسَادِ، فَإِذَا عُدِمَ الْأَبَوَانِ لَمْ تَكُنِ الْوِلَايَةُ عَلَى الطِّفْلِ لِغَيْرِهِمَا مِنْ أَقَارِبِهِ، كَمَا لَا تَثْبُتُ عَلَى أَطْفَالِ الْمُسْلِمِينَ، بَلْ تَكُونُ الْوِلَايَةُ عَلَيْهِ لِلْمُسْلِمِينَ، وَحِينَئِذٍ فَيَكُونُ مَحْكُومًا بِإِسْلَامِهِ كَالْمَسْبِيِّ بِدُونِ أَبَوَيْهِ، وَأَوْلَى.
فَإِنْ قِيلَ: فَهَلْ تُوَرِّثُونَهُ مِنَ الْمَيِّتِ مِنْهُمَا؟ قُلْنَا: نَعَمْ، نُوَرِّثُهُ.
نَقَلَهُ الْحَرْبِيُّ، فَقَالَ: " وَكَذَلِكَ مَنْ مَاتَ مِنَ الْأَبَوَيْنِ عَلَى كُفْرِهِ قُسِمَ لَهُ - يَعْنِي لِلطِّفْلِ - الْمِيرَاثُ، وَكَانَ مُسْلِمًا بِمَوْتِ مَنْ مَاتَ مِنْهُمَا " وَذَلِكَ
стр. 782
كَافٍ؛ لِأَنَّ إِسْلَامَهُ إِنَّمَا يَثْبُتُ بِمَوْتِ أَبِيهِ الَّذِي اسْتَحَقَّ بِهِ الْمِيرَاثَ، فَلَمْ يَتَقَدَّمِ الْإِسْلَامُ الْمَانِعُ عَنِ الْمِيرَاثِ عَلَى سَبَبِ اسْتِحْقَاقِهِ، وَلِأَنَّ الْحُرِّيَّةَ الْمُعَلَّقَةَ بِالْمَوْتِ لَا تُوجِبُ الْمِيرَاثَ فِيمَا إِذَا قَالَ سَيِّدٌ لِعَبْدٍ لَهُ: إِذَا مَاتَ أَبُوكَ فَأَنْتَ حُرٌّ، فَمَاتَ أَبُوهُ، فَإِنَّهُ يَعْتِقُ وَلَا يَرِثُ، فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْإِسْلَامُ الْمُعَلَّقُ بِالْمَوْتِ لَا يَمْنَعُ الْمِيرَاثَ، فَهُنَاكَ مُوجِبُ الْمِيرَاثِ فَلَمْ يُوجِبْهُ، وَهُنَا مَانِعُ الْمِيرَاثِ عُلِّقَ بِالْمَوْتِ فَلَمْ يَمْنَعْهُ.
وَأَيْضًا فَكَوْنُهُ " وَارِثًا " أَمْرٌ ثَابِتٌ لَهُ قَبْلَ الْمَوْتِ، وَلِهَذَا يُمْنَعُ الْمَرِيضُ مِنَ التَّصَرُّفِ فِي الزَّائِدِ عَلَى الثُّلُثِ مِنْ مَالِهِ، فَبِالْمَوْتِ عَمِلَ الْمُقْتَضَى الْمُتَقَدِّمُ لِأَخْذِ الْمَالِ عَمَلَهُ، وَهُوَ الْبَعْضِيَّةُ وَالْبُنُوَّةُ، وَهَذَا بِخِلَافِ الْإِسْلَامِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ ثَابِتًا لَهُ قَبْلَ الْمَوْتِ، بَلْ كَانَ كَافِرًا حُكْمًا، وَإِنَّمَا تَجَدَّدَ لَهُ الْإِسْلَامُ بِمَوْتِ الْأَبِ، وَهُنَاكَ لَمْ يَتَجَدَّدْ كَوْنُهُ وَارِثًا بِمَوْتِ الْأَبِ، وَإِنَّمَا تَجَدَّدَ بِالْمَوْتِ انْتِقَالُ التَّرِكَةِ إِلَيْهِ وَهَذَا ظَاهِرٌ جِدًّا.
فَإِنْ قِيلَ: فَمَا تَقُولُونَ لَوْ مَاتَ أَبُوهُ الْكَافِرُ وَهُوَ حَمْلٌ، هَلْ يَرِثُهُ؟ قُلْنَا: لَا يَرِثُهُ، لِأَنَّا نَحْكُمُ بِإِسْلَامِهِ بِمُجَرَّدِ مَوْتِهِ قَبْلَ الْوَضْعِ، نَصَّ عَلَى هَذَا أَحْمَدُ، فَيَسْبِقُ الْإِسْلَامُ الْمَانِعَ مِنَ الْمِيرَاثِ لِاسْتِحْقَاقِ الْمِيرَاثِ، وَهَذَا بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ، وَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ الَّذِي اخْتَارَهُ شَيْخُنَا فَإِنَّهُ يَرِثُهُ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الْحَمْلُ مِنْ غَيْرِهِ، فَأَسْلَمَتْ أُمُّهُ قَبْلَ وَضْعِهِ، بِأَنْ يَمُوتَ الذِّمِّيُّ، وَيَتْرُكَ امْرَأَةَ أَخِيهِ حَامِلًا مِنْ أَخِيهِ الذِّمِّيِّ، فَتُسْلِمُ أُمُّهُ قَبْلَ وَضْعِهِ، فَنَحْكُمُ بِإِسْلَامِهِ قَبْلَ اسْتِحْقَاقِهِ الْمِيرَاثَ.
فَإِنْ قِيلَ: فَيَلْزَمُكُمْ أَنْ تَحْكُمُوا بِإِسْلَامِ أَوْلَادِ الزِّنَا مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ، لِانْقِطَاعِ أَنْسَابِهِمْ مِنْ آبَائِهِمْ، قِيلَ: قَدِ الْتَزَمَهُ أَصْحَابُ هَذَا الْقَوْلِ، وَحَكَمُوا
стр. 783
بِإِسْلَامِهِمْ طَرْدًا لِهَذِهِ الْقَاعِدَةِ، وَهَذَا لَيْسَ بِجَيِّدٍ، فَإِنَّ مَنِ انْقَطَعَ نَسَبُهُ مِنْ جِهَةِ أَبِيهِ قَامَتْ أُمُّهُ مَقَامَ أَبِيهِ فِي التَّعْصِيبِ، وَلِهَذَا تَكُونُ أُمُّهُ وَعَصَبَاتُهَا عَصَبَةً لَهُ، يَرِثُونَ مِنْهُ كَمَا يَرِثُ الْأَبُ وَعَصَبَاتُهُ، لِانْقِطَاعِ نَسَبِهِ مِنْ جِهَةِ الْأَبِ، وَيَلْزَمُهُمْ عَلَى هَذَا أَنْ يَحْكُمُوا بِإِسْلَامِ وَلَدِ الذِّمِّيِّ إِذَا لَاعَنَ عَلَيْهِ، لِانْقِطَاعِ نَسَبِهِ مِنْ جِهَةِ الْأَبِ، وَهَذَا لَا نَعْلَمُ قَائِلَهُ مِنَ السَّلَفِ.
وَأَمَّا إِذَا اخْتَلَطَ أَوْلَادُ الذِّمَّةِ بِأَوْلَادِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَمْ يَتَمَيَّزُوا، فَإِنَّهُ يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِمْ، نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيِّ، فَإِنَّهُ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: مَا تَقُولُ فِي رَجُلٍ مُسْلِمٍ وَنَصْرَانِيٍّ فِي دَارٍ، وَلَهُمَا أَوْلَادٌ، فَلَمْ يُعْرَفْ وَلَدُ النَّصْرَانِيِّ مِنْ وَلَدِ الْمُسْلِمِ؟ قَالَ: " يُجْبَرُونَ عَلَى الْإِسْلَامِ ".
أَحْمَدُ حَكَمَ بِإِسْلَامِ الْأَوْلَادِ هَاهُنَا؛ لِأَنَّ بَعْضَهُمْ مُسْلِمٌ قَطْعًا، وَقَدِ اشْتَبَهَ بِالْكَافِرِ فَغَلَبَ جَانِبُ الْإِسْلَامِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ هَذَا الْحُكْمِ بِإِسْلَامِ مَنِ انْقَطَعَ نَسَبُهُ مِنْ جِهَةِ أَبِيهِ لِكَوْنِهِ وَلَدَ زِنًا أَوْ مَنْفِيًّا بِلِعَانٍ، إِذْ لَمْ يُوجَدْ هُنَاكَ مَنْ يَغْلِبُ لِأَجْلِهِ الْإِسْلَامُ، بَلْ وَلَا شُبْهَةَ إِسْلَامٍ.
[فَصْلٌ مَتَى يُحْكَمُ بِإِسْلَامِ الطِّفْلِ]
١٦٩ - فَصْلٌ
[مَتَى يُحْكَمُ بِإِسْلَامِ الطِّفْلِ] .
وَنَحْنُ نَذْكُرُ قَاعِدَةً فِيمَا يَقْتَضِي الْحُكْمَ بِإِسْلَامِ الطِّفْلِ، وَمَا لَا يَقْتَضِيهِ،
стр. 784
فَنَقُولُ: إِسْلَامُ الصَّبِيِّ يَحْصُلُ بِخَمْسَةِ أَشْيَاءَ، مُتَّفَقٌ عَلَى بَعْضِهَا، وَمُخْتَلَفٌ فِي بَعْضِهَا:
الْأَوَّلُ: إِسْلَامُهُ بِنَفْسِهِ إِذَا عَقَلَ الْإِسْلَامَ، فَيَصِحُّ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمَالِكٍ، وَأَحْمَدَ، وَأَصْحَابِهِمْ.
وَالَّذِينَ قَالُوا بِصِحَّةِ إِسْلَامِهِ قَالُوا: يَصِحُّ بَاطِنًا، وَظَاهِرًا، حَتَّى لَوْ رَجَعَ عَنْهُ أُجْبِرَ عَلَيْهِ، وَلَوْ أَقَامَ عَلَى رُجُوعِهِ كَانَ مُرْتَدًّا، وَمَنْصُوصٌ عَنِ الشَّافِعِيِّ: أَنَّهُ لَا يَصِحُّ إِسْلَامُهُ، وَلِأَصْحَابِهِ وَجْهَانِ آخَرَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يُوقَفُ إِسْلَامُهُ، فَإِنْ بَلَغَ وَاسْتَمَرَّ عَلَى حُكْمِ الْإِسْلَامِ تَيَقَّنَّا أَنَّهُ كَانَ مُسْلِمًا مِنْ يَوْمِئِذٍ، وَإِنْ وَصَفَ الْكُفْرَ تَبَيَّنَّا أَنَّهُ كَانَ لَغْوًا، وَقَدْ عَبَّرَ عَنْ هَذَا بِصِحَّةِ إِسْلَامِهِ ظَاهِرًا لَا بَاطِنًا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ يَصِحُّ إِسْلَامُهُ، حَتَّى يُفَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ زَوْجَتِهِ الْكَافِرَةِ، وَيُوَرَّثَ مِنْ قَرِيبِهِ الْمُسْلِمِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْإِصْطَخْرِيِّ.
قَالُوا: وَعَلَى هَذَا لَوِ ارْتَدَّ صَحَّتْ رِدَّتُهُ، وَلَكِنْ لَا يُقْتَلُ حَتَّى يَبْلُغَ فَإِنْ رَجَعَ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَإِلَّا قُتِلَ، وَأَمَّا عَلَى مَنْصُوصِ الشَّافِعِيِّ فَقَدْ يُقَالُ: يُحَالُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَبَوَيْهِ وَأَهْلِهِ الْكُفَّارِ لِئَلَّا يَفْتِنُوهُ، فَإِنْ بَلَغَ وَوَصَفَ الْكُفْرَ هُدِّدَ وَطُولِبَ بِالْإِسْلَامِ، فَإِنْ أَصَرَّ رُدَّ إِلَيْهِمْ، وَهَلْ هَذِهِ الْحَيْلُولَةُ مُسْتَحَبَّةٌ أَوْ وَاجِبَةٌ؟ فِيهِ وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا: أَنَّهَا مُسْتَحَبَّةٌ، فَيُتَلَطَّفُ بِوَالِدَيْهِ لِيُؤْخَذَ مِنْهُمَا، فَإِنْ أَبَيَا فَلَا حَيْلُولَةَ.
هَذَا فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا، فَأَمَّا مَا يَتَعَلَّقُ بِالْآخِرَةِ، فَقَالَ الْأُسْتَاذُ
стр. 785
أَبُو إِسْحَاقَ: إِذَا أَضْمَرَ كَمَا أَظْهَرَ كَانَ مِنَ الْفَائِزِينَ بِالْجَنَّةِ، وَيُعَبَّرُ عَنْ هَذَا بِصِحَّةِ إِسْلَامِهِ بَاطِنًا لَا ظَاهِرًا.
قَالَ فِي " النِّهَايَةِ ": وَفِي هَذَا إِشْكَالٌ؛ لِأَنَّ مَنْ حَكَمَ لَهُ بِالْفَوْزِ لِإِسْلَامِهِ كَيْفَ لَا نَحْكُمُ بِإِسْلَامِهِ؟ وَأُجِيبَ عَنْهُ: بِأَنَّهُ قَدْ نَحْكُمُ لَهُ بِالْفَوْزِ فِي الْآخِرَةِ، وَإِنْ لَمْ تَجْرِ عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْإِسْلَامِ فِي الدُّنْيَا، كَمَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ.
وَالَّذِينَ قَالُوا: " لَا يَصِحُّ إِسْلَامُهُ " احْتَجُّوا بِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : " «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ: عَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَبْلُغَ، وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ، وَعَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ» " وَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ.
стр. 786
قَالُوا: وَلِأَنَّهُ قَوْلٌ تَثْبُتُ بِهِ الْأَحْكَامُ فِي حَقِّهِ، فَلَمْ يَصِحَّ مِنْهُ كَالْهِبَةِ، وَالْبَيْعِ، وَالْعِتْقِ، وَالْإِقْرَارِ، قَالُوا: وَلِأَنَّهُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ، فَلَمْ يَصِحَّ إِسْلَامُهُ كَالْمَجْنُونِ، وَالنَّائِمِ.
قَالُوا: وَلِأَنَّهُ قَبْلَ الْبُلُوغِ فِي حُكْمِ الطِّفْلِ الَّذِي لَا يَعْقِلُ مَا يَقُولُ، وَلِهَذَا كَانَتْ أَقْوَالُهُ هَدَرًا.
قَالُوا: وَلِأَنَّهُ لَوْ صَحَّ إِسْلَامُهُ لَصَحَّتْ رِدَّتُهُ.
قَالَ الْمُصَحِّحُونَ لِإِسْلَامِهِ: هُوَ مِنْ أَهْلِ قَوْلِ: " لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ "، وَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَى النَّارِ مَنْ قَالَ: " لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ "، وَمَنْ قَالَ: " لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ " دَخَلَ الْجَنَّةَ.
قَالُوا: وَهُوَ مَوْلُودٌ عَلَى الْفِطْرَةِ الَّتِي فَطَرَ اللَّهُ عَلَيْهَا عِبَادَهُ، فَإِذَا تَكَلَّمَ بِكَلِمَةِ الْإِسْلَامِ فَقَدْ نَطَقَ بِمُوجِبِ الْفِطْرَةِ، فَعَمِلَتِ الْفِطْرَةُ وَالْكَلِمَةُ عَمَلَهُمَا.
стр. 787
قَالُوا: وَقَدْ أَشَارَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى هَذَا الْمَعْنَى بِقَوْلِهِ: " «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ» " وَفِي لَفْظٍ " «عَلَى هَذِهِ الْمِلَّةِ: فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ، وَيُنَصِّرَانِهِ، وَيُمَجِّسَانِهِ حَتَّى يُعْرِبَ عَنْهُ لِسَانُهُ، فَإِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا» "، فَجَعَلَ الْغَايَةَ إِعْرَابَ لِسَانِهِ عَنْهُ: أَيْ بَيَانَ لِسَانِهِ عَنْهُ، فَإِذَا أَعْرَبَ لِسَانُهُ عَنْهُ صَارَ إِمَّا شَاكِرًا، وَإِمَّا كَفُورًا بِالنَّصِّ، وَلِأَنَّهُ إِذَا بَلَغَ سِنَّ التَّمْيِيزِ، وَعَقَلَ مَا يَقُولُ، صَارَ لَهُ إِرَادَةٌ، وَاخْتِيَارٌ، وَنُطْقٌ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ بِهِ الثَّوَابُ، وَإِنْ تَأَخَّرَ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ الْعِقَابُ إِلَى مَا بَعْدَ الْبُلُوغِ، فَلَا يَلْزَمُ مِنِ انْتِفَاءِ صِحَّةِ أَسْبَابِ الْعِقَابِ انْتِفَاءُ صِحَّةِ أَسْبَابِ الثَّوَابِ، فَإِنَّ الصَّبِيَّ يَصِحُّ حَجُّهُ، وَطَهَارَتُهُ، وَصَلَاتُهُ، وَصِيَامُهُ، وَصَدَقَتُهُ، وَذِكْرُهُ، وَيُثَابُ عَلَى ذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يُعَاقِبْهُ عَلَى تَرْكِهِ فَبَابُ الثَّوَابِ لَا يَعْتَمِدُ عَلَى الْبُلُوغِ، وَلَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ شَرْعِيٌّ عَلَى إِهْدَارِ أَقْوَالِ الصَّبِيِّ بِالْكُلِّيَّةِ، بَلِ الْأَدِلَّةُ الشَّرْعِيَّةُ تَقْتَضِي اعْتِبَارَ أَقْوَالِهِ فِي الْجُمْلَةِ.
وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِابْتِلَاءِ الْيَتَامَى، وَهُوَ اخْتِبَارُهُمْ فِي عُقُودِهِمْ وَمُعَامَلَاتِهِمْ، وَلِهَذَا كَانَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ، أَنَّ ذَلِكَ يَحْصُلُ بِإِذْنِهِ لَهُ فِي الْعَقْدِ، وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى أَنْ يَأْذَنَ لَهُ فِي الْمُرَاوَضَةِ، ثُمَّ بِعَقْدِ وَلِيِّهِ.
وَقَدْ ذَهَبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ، وَأَحْمَدُ فِي إِحْدَى الرِّوَايَاتِ إِلَى قَبُولِ شَهَادَةِ الصِّبْيَانِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ فِي جِرَاحَاتِهِمْ إِذَا كَانُوا مُنْفَرِدِينَ.
стр. 788
وَقَدْ ذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ إِلَى صِحَّةِ وَصِيَّةِ الصَّبِيِّ، وَطَلَاقِهِ، وَظِهَارِهِ، وَإِيلَائِهِ، وَلَمْ يَزَلِ الصِّبْيَانُ يَذْهَبُونَ فِي حَوَائِجِ أَوْلِيَائِهِمْ وَغَيْرِهِمْ، وَيَقْبَلُونَ قَوْلَهُمْ فِي ثُبُوتِ الْأَسْبَابِ الَّتِي تَقْتَضِي الْحِلَّ، وَالْحُرْمَةَ وَيَعْتَمِدُونَ فِي وَطْءِ الْفَرْجِ فِي الْأَمَةِ وَالزَّوْجَةِ عَلَى قَوْلِ الصَّبِيِّ، فَلَمْ يُهْدِرِ الشَّارِعُ أَقْوَالَ الصَّبِيِّ كُلَّهَا.
بَلْ إِذَا تَأَمَّلْنَا الشَّرْعَ رَأَيْنَا اعْتِبَارَهُ لِأَقْوَالِهِ أَكْثَرَ مِنْ إِهْدَارِهِ لَهَا، وَإِنَّمَا تُهْدَرُ فِيمَا فِيهِ عَلَيْهِ ضَرَرٌ، كَالْإِقْرَارِ بِالْحُدُودِ، وَالْحُقُوقِ، فَأَمَّا مَا هُوَ نَفْعٌ مَحْضٌ لَهُ فِي الدُّنْيَا، وَالْآخِرَةِ كَالْإِسْلَامِ، فَاعْتِبَارُ قَوْلِهِ فِيهِ أَوْلَى مِنْ إِهْدَارِهِ، إِذْ أَنَّ أُصُولَ الشَّرْعِ تَشْهَدُ بِاعْتِبَارِ قَوْلِهِ فِيهِ.
وَأَيْضًا فَإِنَّ الْإِسْلَامَ عِبَادَةٌ مَحْضَةٌ، وَطَاعَةٌ لِلَّهِ، وَقُرْبَةٌ لَهُ، فَلَمْ يَكُنِ الْبُلُوغُ شَرْطًا فِي صِحَّتِهَا: كَحَجِّهِ وَصَوْمِهِ، وَصَلَاتِهِ، وَقِرَاءَتِهِ، وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى دَعَا عِبَادَهُ إِلَى دَارِ السَّلَامِ، وَجَعَلَ طَرِيقَهَا الْإِسْلَامَ، وَجَعَلَ مَنْ لَمْ يُجِبْ دَعْوَتَهُ فِي الْجَحِيمِ، وَالْعَذَابِ الْأَلِيمِ، فَكَيْفَ يَجُوزُ مَنْعُ الصَّبِيِّ مِنْ إِجَابَةِ دَعْوَةِ اللَّهِ مَعَ مُسَارَعَتِهِ، وَمُبَادَرَتِهِ إِلَيْهَا، وَسُلُوكِهِ طَرِيقَهَا، وَإِلْزَامِهِ بِطَرِيقِ أَهْلِ الْجَحِيمِ، وَالْكَوْنِ مَعَهُمْ، وَالْحُكْمِ عَلَيْهِ بِالنَّارِ، وَسَدِّ طَرِيقِ النَّجَاةِ عَلَيْهِ مَعَ فِرَارِهِ إِلَى اللَّهِ مِنْهَا؟ هَذَا مِنْ أَمْحَلِ الْمُحَالِ، وَلِأَنَّ هَذَا إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ، فَإِنَّ عَلِيًّا ﵁ أَسْلَمَ صَبِيًّا، وَكَانَ يَفْتَخِرُ بِذَلِكَ، وَيَقُولُ.
سَبَقْتُكُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ طُرًّا ... صَبِيًّا مَا بَلَغْتُ أَوَانَ حِلْمِي
فَكَيْفَ يُقَالُ: إِنَّ إِسْلَامَهُ كَانَ بَاطِلًا لَا يَصِحُّ؟ وَلِهَذَا قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ التَّابِعِينَ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ: أَوَّلُ مَنْ أَسْلَمَ مِنَ الرِّجَالِ أَبُو بَكْرٍ، وَمِنَ الصِّبْيَانِ عَلِيٌّ، وَمِنَ النِّسَاءِ خَدِيجَةُ، وَمِنَ الْعَبِيدِ بِلَالٌ، وَمِنَ الْمَوَالِي زَيْدٌ.
стр. 789
وَقَالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: أَسْلَمَ عَلِيٌّ، وَالزُّبَيْرُ وَهُمَا ابْنَا ثَمَانِ سِنِينَ، وَبَايَعَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ وَعُمْرُهُ سَبْعُ سِنِينَ، أَوْ ثَمَانٍ، فَضَحِكَ النَّبِيُّ ﷺ لَمَّا رَآهُ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: كُنْتُ أَنَا وَأُمِّي مِنَ الْمُسْتَضْعَفِينَ بِمَكَّةَ "، وَمَاتَ النَّبِيُّ ﷺ وَلَمْ يَحْتَلِمْ، وَلَمْ يَرُدَّ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى أَحَدٍ مِنَ الصِّبْيَانِ إِسْلَامَهُ قَطُّ، بَلْ كَانَ يَقْبَلُ إِسْلَامَ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ، وَالْحُرِّ وَالْعَبْدِ، وَالذَّكَرِ وَالْأُنْثَى، وَلَمْ يَأْمُرْ هُوَ، وَلَا أَحَدٌ مِنْ خُلَفَائِهِ، وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ صَبِيًّا أَسْلَمَ قَبْلَ الْبُلُوغِ - عِنْدَ الْبُلُوغِ - أَنْ يُجَدِّدَ إِسْلَامَهُ، وَلَا عُرِفَ هَذَا فِي الْإِسْلَامِ قَطُّ.
стр. 790
وَأَمَّا قَوْلُهُ ﷺ : " «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ» " فَلَمْ يَرُدَّ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ : أَنَّهُ لَا يَصِحُّ إِسْلَامُهُ، وَلَا ذِكْرُهُ، وَلَا قِرَاءَتُهُ، وَلَا صَلَاتُهُ، وَلَا صِيَامُهُ، فَإِنَّهُ لَمْ يُخْبِرْ أَنَّ قَلَمَ الثَّوَابِ مَرْفُوعٌ عَنْهُ، وَإِنَّمَا مُرَادُهُ بِهَذَا الْحَدِيثِ رَفْعُ قَلَمِ التَّأْثِيمِ، وَأَنَّهُ لَا يُكْتَبُ عَلَيْهِ ذَنْبٌ، وَالْإِسْلَامُ أَعْظَمُ الْحَسَنَاتِ، وَهُوَ لَهُ لَا عَلَيْهِ، فَكَيْفَ يُفْهَمُ مِنْ رَفْعِ الْقَلَمِ عَنِ الصَّبِيِّ بُطْلَانُهُ، وَعَدَمُ اعْتِبَارِهِ، وَالْإِسْلَامُ لَهُ لَا عَلَيْهِ، وَيَسْعَدُ بِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ؟
فَإِنْ قِيلَ: فَالْإِسْلَامُ يُوجِبُ الزَّكَاةَ فِي مَالِهِ، وَنَفَقَةَ قَرِيبِهِ الْمُسْلِمِ، وَيَحْرِمُهُ مِيرَاثَ قَرِيبِهِ الْكَافِرِ، وَيَفْسَخُ نِكَاحَهُ، وَهَذِهِ أَحْكَامٌ عَلَيْهِ لَا لَهُ، فَتَكُونُ مَرْفُوعَةً عَنْهُ بِالنَّصِّ، وَيَسْتَحِيلُ رَفْعُهَا مَعَ قِيَامِ سَبَبِهَا، فَيَلْزَمُ مِنْ رَفْعِهَا رَفْعُ سَبَبِهَا: وَهُوَ الْإِسْلَامُ، فَالْجَوَابُ مِنْ وُجُوهٍ.
أَحَدُهَا: أَنْ يُقَالَ: لِلنَّاسِ فِي وُجُوبِ الزَّكَاةِ عَلَيْهِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: لَا تَجِبُ عَلَيْهِ، فَلَا يَصِحُّ الْإِلْزَامُ بِهَا.
وَالثَّانِي: تَجِبُ فِي مَالِهِ، وَهِيَ نَفْعٌ مَحْضٌ لَهُ، تَعُودُ عَلَيْهِ بَرَكَتُهَا فِي الْعَاجِلِ، وَالْآجِلِ، فَهِيَ الْحَقِيقَةُ لَهُ لَا عَلَيْهِ.
وَأَمَّا نَفَقَةُ قَرِيبِهِ فَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ الصَّحِيحَ وُجُوبُهَا مَعَ اخْتِلَافِ الدِّينِ، فَلَمْ يَتَجَدَّدْ وُجُوبُهَا بِالْإِسْلَامِ، وَإِنْ تَجَدَّدَ وُجُوبُهَا بِالْإِسْلَامِ، فَالنَّفْعُ الْحَاصِلُ لَهُ بِالْإِسْلَامِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ أَضْعَافُ أَضْعَافِ الضَّرَرِ الْحَاصِلِ بِتِلْكَ النَّفَقَةِ،
стр. 791
وَلَيْسَ فِي شَرْعِ اللَّهِ، وَلَا فِي قَدَرِهِ إِضَاعَةُ الْخَيْرِ الْعَظِيمِ لِمَا فِي ضِمْنِهِ مِنْ شَرٍّ يَسِيرٍ لَا نِسْبَةَ لَهُ إِلَى ذَلِكَ الْخَيْرِ أَلْبَتَّةَ، بَلْ مَدَارُ الشَّرْعِ، وَالْقَدَرِ عَلَى تَحْصِيلِ أَعْلَى الْمَصْلَحَتَيْنِ بِتَفْوِيتِ أَدْنَاهُمَا، وَارْتِكَابِ أَدْنَى الْمَفْسَدَتَيْنِ لِدَفْعِ أَعْلَاهُمَا.
وَأَمَّا حِرْمَانُهُ الْمِيرَاثَ مِنْ قَرِيبِهِ الْكَافِرِ فَجَوَابُهُ مِنْ وُجُوهٍ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ هَذَا يَلْزَمُهُمْ نَظِيرُهُ، إِذْ قَدْ يَكُونُ لَهُ قَرِيبٌ مُسْلِمٌ، فَإِنْ لَمْ يُصَحِّحْ إِسْلَامَهُ مُنِعَ مِيرَاثَهُ مِنْهُ، وَفِي ذَلِكَ تَفْوِيتُ مَصْلَحَةِ دُنْيَاهُ وَآخِرَتِهِ.
الثَّانِي: أَنَّا قَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ مَذْهَبَ كَثِيرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَجَمَاعَةٍ مِنَ التَّابِعِينَ: أَنَّ الْمُسْلِمَ يَرِثُ الْكَافِرَ دُونَ الْعَكْسِ، وَبَيَّنَّا رُجْحَانَ هَذَا الْقَوْلِ بِمَا فِيهِ كِفَايَةٌ.
الثَّالِثُ: أَنَّهُ وَلَوْ حُرِمَ الْمِيرَاثَ فَمَا حَصَلَ لَهُ مِنْ عِزِّ الْإِسْلَامِ، وَغِنَاهُ، وَالْفَوْزِ بِهِ خَيْرٌ لَهُ مِمَّا فَاتَهُ مِنْ شَيْءٍ لَا يُسَاوِي جَمِيعُهُ، وَأَضْعَافٌ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ مِنَ الْإِيمَانِ.
الرَّابِعُ: أَنَّ هَذَا أَمْرٌ مُتَوَهَّمٌ، فَإِنَّهُ قَدْ لَا يَكُونُ لَهُ مَالٌ يُزَكِّيهِ، وَلَا قَرَابَةٌ يُنْفِقُ عَلَيْهِ، وَلَا مَالٌ يُنْفِقُ مِنْهُ عَلَى قَرَابَتِهِ، فَكَيْفَ يَجُوزُ مَنْعُ صِحَّةِ الْإِسْلَامِ الْمُتَحَقِّقِ النَّفْعِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ خَوْفًا مِنْ حُصُولِ هَذَا الْأَمْرِ الْمُتَوَهَّمِ الَّذِي قَدْ لَا يَكُونُ لَهُ حَقِيقَةً أَصْلًا فِي حَقِّ كَثِيرٍ مِنَ الْأَطْفَالِ؟ وَلَوْ كَانَ مُحَقَّقًا فَهُوَ مَجْبُورٌ بِمِيرَاثِهِ مِنْ أَقَارِبِهِ الْمُسْلِمِينَ، وَمَجْبُورٌ بِعِزِّ الْإِسْلَامِ، وَفَوَائِدِهِ الَّتِي لَا يُحْصِيهَا إِلَّا اللَّهُ. وَمِثَالُ تَعْطِيلِ هَذَا النَّفْعِ الْعَظِيمِ لِأَجْلِ هَذَا الضَّرَرِ الْمُتَوَهَّمِ الَّذِي لَوْ كَانَ مَوْجُودًا لَكَانَ يَسِيرًا جِدًّا، مِثَالُ مَنْ عَطَّلَ مَنْفَعَةَ الْأَكْلِ لِمَا فِيهَا
стр. 792
مِنْ تَعَبِ تَحْرِيكِ الْفَمِ، وَخَسَارَةِ الْمَالِ، وَعَطَّلَ مَنْفَعَةَ اللُّبْسِ لِمَا فِيهَا مِنْ مَفْسَدَةِ خَسَارَةِ الثَّمَنِ، وَتَوْسِيخِ الثِّيَابِ وَتَقْطِيعِهَا، بَلِ الْأَمْرُ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ، فَلَوْ فَرَضَ فِي الْإِسْلَامِ أَعْظَمَ مَضَرَّةٍ تُقَدَّرُ فِي الْمَالِ، وَالْبَدَنِ لَكَانَتْ هَبَاءً مَنْثُورًا بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَصْلَحَتِهِ، وَمَنْفَعَتِهِ.
[فَصْلٌ شُرُوطُ إِسْلَامِ الصَّبِيِّ]
١٧٠ - فَصْلٌ
[شُرُوطُ إِسْلَامِ الصَّبِيِّ] .
إِذَا ثَبَتَ هَذَا فَقَالَ الْخِرَقِيُّ: " وَالصَّبِيُّ إِذَا كَانَ لَهُ عَشْرُ سِنِينَ، وَعَقَلَ الْإِسْلَامَ فَهُوَ مُسْلِمٌ، فَشَرَطَ لِصِحَّةِ إِسْلَامِهِ شَرْطَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ لَهُ عَشْرُ سِنِينَ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَعْقِلَ الْإِسْلَامَ.
فَأَمَّا هَذَا الثَّانِي فَلَا خِلَافَ فِي اشْتِرَاطِهِ، فَإِنَّ الطِّفْلَ الَّذِي لَا يَعْقِلُ لَا يَتَحَقَّقُ فِيهِ اعْتِقَادُ الْإِسْلَامِ، وَكَلَامُهُ لَا عِبْرَةَ بِهِ، فَلَا يَدُلُّ عَلَى إِرَادَتِهِ، وَقَصْدِهِ.
وَأَمَّا الشَّرْطُ الْأَوَّلُ، فَقَالَ الشَّيْخُ فِي " الْمُغْنِي ": " أَكْثَرُ الْمُصَحِّحِينَ لِإِسْلَامِهِ لَمْ يَشْتَرِطُوا ذَلِكَ، وَلَمْ يَحُدُّوا لَهُ حَدًّا مِنَ السِّنِينَ. وَهَكَذَا حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ أَحْمَدَ: يَعْنِي أَنَّهُ يَصِحُّ إِسْلَامُهُ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِحَدٍّ، وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ: إِذَا كَانَ لَهُ سَبْعُ سِنِينَ فَإِسْلَامُهُ إِسْلَامٌ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
стр. 793
وَسَلَّمَ - قَالَ: " «مُرُوهُمْ بِالصَّلَاةِ لِسَبْعٍ» " فَدَلَّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ حَدٌّ لِأَمْرِهِمْ وَصِحَّةِ عِبَادَاتِهِمْ فَيَكُونُ حَدًّا لِصِحَّةِ إِسْلَامِهِمْ " انْتَهَى.
وَالْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ: أَنَّ الصَّبِيَّ إِذَا عَقَلَ الْإِسْلَامَ صَحَّ إِسْلَامُهُ مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ حَدٍّ مِنَ السِّنِينَ، وَالْخِرَقِيُّ قَيَّدَهُ بِعَشْرٍ، وَقَيَّدَهُ غَيْرُهُ بِتِسْعٍ، حَكَاهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ حَمْدَانَ، وَنَصَّ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ عَلَى السَّبْعِ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ: " إِذَا أَسْلَمَ وَلَهُ خَمْسُ سِنِينَ جُعِلَ إِسْلَامُهَ إِسْلَامًا ".
стр. 794
قَالَ فِي " الْمُغْنِي ": " وَلَعَلَّهُ يَقُولُ: إِنَّ عَلِيًّا أَسْلَمَ، وَهُوَ ابْنُ خَمْسِ سِنِينَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ قِيلَ: إِنَّهُ مَاتَ وَهُوَ ابْنُ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ إِسْلَامُهُ لِخَمْسِ سِنِينَ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَقَامَ مِنْ حَيْثُ بُعِثَ إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ ثَلَاثًا وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَعَاشَ عَلِيٌّ ﵁ بَعْدَ ذَلِكَ ثَلَاثِينَ سَنَةً، فَذَلِكَ ثَلَاثٌ وَخَمْسُونَ سَنَةً، فَإِذَا مَاتَ عَنْ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ لَزِمَ قَطْعًا أَنْ يَكُونَ وَقْتَ الْمَبْعَثِ لَهُ خَمْسُ سِنِينَ " انْتَهَى.
وَهَذَا مِمَّا اخْتُلِفَ فِيهِ فَرَوَى قَتَادَةُ، عَنِ الْحَسَنِ، وَغَيْرِهِ، قَالَ: أَوَّلُ مَنْ أَسْلَمَ بَعْدَ خَدِيجَةَ عَلِيٌّ، وَهُوَ ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً أَوْ سِتَّ عَشْرَةَ.
стр. 795
قُلْتُ: وَصَاحِبُ هَذَا الْقَوْلِ يَلْزَمُهُ أَنْ يَكُونَ سِنُّهُ يَوْمَ مَاتَ سَبْعِينَ سَنَةً إِلَّا سَنَتَيْنِ، وَهَذَا لَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ كَمَا سَيَأْتِي.
وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ زَيْدِ بْنِ الْحَسَنِ: أَسْلَمَ عَلِيٌّ، وَلَهُ تِسْعُ سِنِينَ.
وَذَكَرَ اللَّيْثُ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ قَالَ: أَسْلَمَ عَلِيٌّ وَهُوَ ابْنُ ثَمَانِ سِنِينَ.
وَذَكَرَ مِقْسَمٌ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ «النَّبِيَّ ﷺ دَفَعَ الرَّايَةَ إِلَى عَلِيٍّ وَلَهُ عِشْرُونَ سَنَةً» أَرَادَ الرَّايَةَ يَوْمَ بَدْرٍ، وَكَانَتْ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ مِنَ الْهِجْرَةِ، وَأَقَامَ بِمَكَّةَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً، فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ إِسْلَامَهُ كَانَ لِخَمْسِ سِنِينَ، فَإِنَّهُ إِذَا كَانَ لَهُ يَوْمَ بَدْرٍ عِشْرُونَ سَنَةً كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَبْعَثِ خَمْسَ عَشْرَةَ، وَلَا يَصِحُّ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ رَايَةَ فَتْحِ خَيْبَرَ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَقْتَ الْمَبْعَثِ سَنَةٌ وَاحِدَةٌ.
стр. 796
وَلِذَلِكَ قَالَ مِسْعَرٌ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ مِقْسَمٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ «رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَفَعَ الرَّايَةَ إِلَى عَلِيٍّ يَوْمَ بَدْرٍ، وَهُوَ ابْنُ عِشْرِينَ سَنَةً» .
قَالَ الْحَاكِمُ: هَذَا عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ.
وَأَمَّا حَدِيثُ الْأَجْلَحِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي الْهُذَيْلِ، عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ
стр. 797
عَنْهُ قَالَ: " مَا أَعْرِفُ أَحَدًا مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ عَبَدَ اللَّهَ بَعْدَ نَبِيِّهَا غَيْرِي، عَبَدْتُ اللَّهَ قَبْلَ أَنْ يَعْبُدَهُ أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ سَبْعَ سِنِينَ "، فَالْأَجْلَحُ وَإِنْ كَانَ صَدُوقًا، فَإِنَّهُ شِيعِيٌّ.
стр. 798
وَهَذَا الْحَدِيثُ مَعْلُومٌ بُطْلَانُهُ بِالضَّرُورَةِ: فَإِنَّ عَلِيًّا ﵁ لَمْ يَعْبُدِ اللَّهَ قَبْلَ جَمِيعِ الصَّحَابَةِ سَبْعَ سِنِينَ بِحَيْثُ بَقِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ الْمَبْعَثِ سَبْعَ سِنِينَ لَمْ يَسْتَجِبْ لَهُ أَحَدٌ فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ، هَذَا مَعْلُومٌ بُطْلَانُهُ قَطْعًا عِنْدَ الْخَاصَّةِ، وَالْعَامَّةِ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُرِيدَ قَبْلَ الْمَبْعَثِ كَمَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَعَبَّدُ بِغَارِ حِرَاءٍ قَبْلَ أَنْ يُوحَى إِلَيْهِ، وَمَعَ
стр. 799
ذَلِكَ فَلَا يَصِحُّ هَذَا؛ لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ قَدْ عَبَدَ اللَّهَ قَبْلَ الْمَبْعَثِ سَبْعَ سِنِينَ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ فِي سِنِّ مَنْ يُمَيِّزُ عِنْدَ الْعِبَادَةِ، فَأَقَلُّ مَا يَكُونُ لَهُ سَبْعُ سِنِينَ إِذْ ذَاكَ فَيَكُونُ الْمَبْعَثُ قَدْ قَامَ، وَلَهُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَأَقَامَ بِمَكَّةَ بَعْدَ الْمَبْعَثِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ، فَهَذِهِ سَبْعٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً، وَكَانَتْ بَدْرٌ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ، فَيَكُونُ سِنُّهُ يَوْمَ أَخَذَ الرَّايَةَ ثَلَاثِينَ إِلَّا سَنَةً، فَيَكُونُ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ قَدْ حَطَّهُ مِنْ عُمْرِهِ إِذْ ذَاكَ تِسْعَ سِنِينَ.
قُلْتُ: وَلَعَلَّ لَفْظَهُ " صَلَّيْتُ قَبْلَ النَّاسِ لِسَبْعِ سِنِينَ " فَقُصِرَتِ اللَّامُ فَأَسْقَطَهَا الْكَاتِبُ فَصَارَتْ " سَبْعَ سِنِينَ "، فَهَذَا مُحْتَمَلٌ وَهُوَ أَقْرَبُ مَا يُحْمَلُ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ إِنْ صَحَّ.
وَبِالْجُمْلَةِ، فَلَا رَيْبَ أَنَّهُ أَسْلَمَ قَبْلَ الْبُلُوغِ.
أَمَّا عَلَى قَوْلِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ: إِنَّ عَلِيًّا قُتِلَ وَهُوَ ابْنُ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ سَنَةً، فَظَاهِرٌ، فَإِنَّهُ قُتِلَ سَنَةَ أَرْبَعِينَ، فَيَكُونُ لَهُ وَقْتَ
стр. 800
الْمَبْعَثِ خَمْسُ سِنِينَ، وَلَعَلَّ هَذَا مَأْخَذُ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ: إِذْ صَحَّحَ إِسْلَامَ الصَّبِيِّ لِخَمْسِ سِنِينَ.
وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ حَسَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ: إِنَّهُ قُتِلَ وَلَهُ ثَلَاثٌ وَسِتُّونَ سَنَةً، فَيَكُونُ لَهُ وَقْتَ الْمَبْعَثِ عَشْرُ سِنِينَ: تَابَعَهُ أَبُو إِسْحَاقَ السَّبِيعِيُّ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ.
وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ: أَنَّ عَلِيًّا تُوُفِّيَ لِثَلَاثٍ وَسِتِّينَ أَوْ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ.
стр. 801
وَأَرْفَعُ مَا قِيلَ فِي وَفَاتِهِ مَا رَوَاهُ خَبَّابُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ مَعْرُوفٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ أَنَّهُ هَلَكَ وَلَهُ خَمْسٌ وَسِتُّونَ سَنَةً، وَعَلَى هَذَا، فَيَكُونُ لَهُ عِنْدَ الْمَبْعَثِ اثْنَتَا عَشْرَةَ سَنَةً، وَلَكِنْ يُبْطِلُ هَذَا مَا قَدَّمْنَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ «رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَفَعَ الرَّايَةَ إِلَى عَلِيٍّ ﵁ يَوْمَ بَدْرٍ، وَلَهُ عِشْرُونَ سَنَةً» وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 802
[فَصْلٌ يَتْبَعُ الْوَلَدُ أَبَوَيْهِ إِذَا أَسْلَمَاَ]
١٧١ - فَصْلٌ
[يَتْبَعُ الْوَلَدُ أَبَوَيْهِ إِذَا أَسْلَمَاَ] .
الْجِهَةُ الثَّانِيَةُ: إِسْلَامُ الْأَبَوَيْنِ، أَوْ أَحَدُهُمَا، فَيَتْبَعُهُ الْوَلَدُ قَبْلَ الْبُلُوغِ. وَالْمَجْنُونُ لَا يَتْبَعُ جَدَّهُ، وَلَا جَدَّتَهُ فِي الْإِسْلَامِ، هَذَا مَذْهَبُ أَحْمَدَ، وَأَبِي حَنِيفَةَ.
وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يَتْبَعُ أُمَّهُ فِي الْإِسْلَامِ، بَلْ تَخْتَصُّ التَّبَعِيَّةُ بِالْأَبِ؛ لِأَنَّ النَّسَبَ لَهُ وَالْوِلَايَةَ عَلَى الطِّفْلِ لَهُ، وَهُوَ عَصَبَةٌ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الطور: ٢١] ، وَالذُّرِّيَّةُ إِنَّمَا تُنْسَبُ إِلَى الْأَبِ، وَخَالَفَهُ ابْنُ وَهْبٍ فَوَافَقَ الْجُمْهُورَ فِي تَبَعِيَّةِ الْأَبِ وَالْأُمِّ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَتْبَعُ الْأَبَوَيْنِ، وَإِنْ عَلَوَا سَوَاءٌ كَانَا وَارِثَيْنِ، أَوْ لَمْ يَكُونَا وَارِثَيْنِ، قَالَ أَصْحَابُهُ: فَإِذَا أَسْلَمَ الْجَدُّ، أَوِ الْأَبُ، أَوْ أَبُو الْأُمِّ تَبِعَهُ الصَّبِيُّ إِنْ لَمْ يَكُنْ أَبُو الصَّبِيِّ حَيًّا قَطْعًا، وَإِنْ كَانَ حَيًّا فَعَلَى وَجْهَيْنِ: الْأَصَحُّ أَنَّهُ يَتْبَعُهُ.
قَالُوا: فَإِذَا بَلَغَ الصَّبِيُّ، فَإِنْ أَفْصَحَ بِالْإِسْلَامِ تَأَكَّدَ مَا حَكَمْنَا بِهِ، وَإِنْ أَفْصَحَ بِالْكُفْرِ فَقَوْلَانِ: الْمَشْهُورُ أَنَّهُ مُرْتَدٌّ؛ لِأَنَّهُ سَبَقَ الْحُكْمُ بِإِسْلَامِهِ، فَأَشْبَهَ الْإِسْلَامَ اخْتِيَارًا، وَكَمَا إِذَا حَصَلَ الْعُلُوقُ فِي حَالِ الْإِسْلَامِ.
стр. 803
وَالثَّانِي: أَنَّهُ كَافِرٌ أَصْلِيٌّ؛ لِأَنَّهُ مَحْكُومٌ بِكُفْرِهِ أَوَّلًا، وَأُزِيلَ تَبَعًا، فَإِذَا اسْتَقَلَّ زَالَتِ التَّبَعِيَّةُ.
وَالدَّلِيلُ عَلَى تَبَعِيَّتِهِ لِأُمِّهِ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ : " «فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ، وَيُنَصِّرَانِهِ» "، وَإِنَّمَا أَرَادَ مَنْ وُجِدَ مِنْ أَبَوَيْهِ، فَإِذَا تَبِعَ أَحَدَ الْأَبَوَيْنِ فِي كُفْرِهِ فَلَأَنْ يَتْبَعَهُ فِي الْإِسْلَامِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى.
وَقَوْلُهُمْ: إِنَّ الْوِلَايَةَ، وَالتَّعْصِيبَ لِلْأَبِ، فَتَكُونُ التَّبَعِيَّةُ لَهُ دُونَ الْأُمِّ، فَيُقَالُ: وِلَايَةُ التَّرْبِيَةِ، وَالْحَضَانَةِ وَالْكَفَالَةِ لِلْأُمِّ دُونَ الْأَبِ، وَإِنَّمَا قُوَّةُ وِلَايَةِ الْأَبِ عَلَى الطِّفْلِ فِي حِفْظِ مَالِهِ، وَوِلَايَةُ الْأُمِّ فِي التَّرْبِيَةِ، وَالْحَضَانَةِ أَقْوَى: فَتَبَعِيَّةُ الطِّفْلِ لِأُمِّهِ فِي الْإِسْلَامِ إِنْ لَمْ تَكُنْ أَقْوَى مِنْ تَبَعِيَّةِ الْأَبِ فَهِيَ مُسَاوِيَةٌ لَهُ.
وَأَيْضًا، فَالْوَلَدُ جُزْءٌ مِنْهَا حَقِيقَةً، وَلِهَذَا تَبِعَهَا فِي الْحُرِّيَّةِ، وَالرِّقِّ اتِّفَاقًا دُونَ الْأَبِ، فَإِذَا أَسْلَمَتْ تَبِعَهَا سَائِرُ أَجْزَائِهَا، وَالْوَلَدُ جُزْءٌ مِنْ أَجْزَائِهَا، يُوَضِّحُهُ أَنَّهَا لَوْ أَسْلَمَتْ وَهِيَ حَامِلٌ بِهِ حُكِمَ بِإِسْلَامِ الطِّفْلِ تَبَعًا لِإِسْلَامِهَا؛ لِأَنَّهُ جُزْءٌ مِنْ أَجْزَائِهَا، فَيَمْتَنِعُ بَقَاؤُهُ عَلَى كُفْرِهِ مَعَ الْحُكْمِ بِإِسْلَامِ أُمِّهِ.
١٧٢ - فَصْلٌ
[تَبَعِيَّةُ الطِّفْلِ لِجَدِّهِ وَجَدَّتِهِ] .
وَأَمَّا تَبَعِيَّتُهُ لِجَدِّهِ، وَجَدَّتِهِ فَالْجُمْهُورُ مَنَعُوا مِنْهُ، وَالشَّافِعِيُّ قَالَ بِهِ طَرْدًا لِأَصْلِهِ فِي إِقَامَةِ الْجَدِّ مَقَامَ الْأَبِ، وَلَكِنْ قَدْ نَقَضَ هَذَا الْأَصْلَ فِي عِدَّةِ مَوَاضِعَ، فَلَمْ يَطْرُدْهُ فِي إِسْقَاطِهِ لِلْإِخْوَةِ، وَلَا فِي تَوْرِيثِ الْأُمِّ مَعَهُ ثُلُثَ الْبَاقِي إِذَا كَانَ مَعَهَا أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ.
стр. 804
وَقَدْ أَلْزَمَ الشَّافِعِيُّ إِسْلَامَ الْخَلْقِ كُلِّهِمْ تَبَعًا لِآدَمَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَقْتَصِرْ بِذَلِكَ عَلَى الْجَدِّ الْأَدْنَى، وَلَا يُغْنِي الِاعْتِذَارُ بِحَيَاةِ الْأَبِ لِوَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَطْفَالِ يَمُوتُ آبَاؤُهُمْ مَعَ إِسْلَامِ أَجْدَادِهِمْ.
وَالثَّانِي: أَنَّ وُجُودَ الْأَبِ عِنْدَهُمْ لَيْسَ بِمَانِعٍ مِنْ تَبَعِيَّةِ الطِّفْلِ لِجَدِّهِ فِي الْإِسْلَامِ فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ. لَكِنْ لَا يُلْزِمُ الشَّافِعِيُّ هَذَا الْإِلْزَامَ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يُحْكَمُ بِتَبَعِيَّةِ الطِّفْلِ جَدَّهُ فِي الْإِسْلَامِ إِذَا أَسْلَمَ الْجَدُّ، وَالطِّفْلُ مَوْجُودٌ، فَأَمَّا إِذَا وُلِدَ الطِّفْلُ كَافِرًا بَعْدَ مَوْتِ الْجَدِّ فَلَا يَحْكُمُ أَحَدٌ بِإِسْلَامِهِ، وَإِلَّا كَانَ كُلُّ وَلَدٍ مِنْ أَوْلَادِ الْكُفَّارِ يَكُونُ مُسْلِمًا، وَهَذَا بَاطِلٌ قَطْعًا.
[فَصْلٌ هَلْ يُحْكَمُ بِإِسْلَامِ الطِّفْلِ الْمَسْبِيِّ]
١٧٣ - فَصْلٌ
[هَلْ يُحْكَمُ بِإِسْلَامِ الطِّفْلِ الْمَسْبِيِّ؟]
الْجِهَةُ الثَّالِثَةُ: تَبَعِيَّةُ السَّابِي، فَإِذَا سُبِيَ الطِّفْلُ مُنْفَرِدًا عَنْ أَبَوَيْهِ حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ لِأَنَّهُ صَارَ تَحْتَ وِلَايَتِهِ، وَانْقَطَعَتْ وِلَايَةُ الْأَبَوَيْنِ عَنْهُ، هَذَا مَذْهَبُ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ، وَقَالَ صَاحِبُ " الْمُهَذَّبِ ": فِي الْحُكْمِ بِإِسْلَامِهِ وَجْهَانِ:
قَالَ: وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ.
وَقَالَ صَاحِبُ " الرَّوْضَةِ "، وَشَذَّ بِهَذَا، وَلَيْسَ بِشَيْءٍ، وَالصَّوَابُ - الْمَقْطُوعُ بِهِ فِي كُتُبِ الْمَذْهَبِ - الْحُكْمُ بِإِسْلَامِهِ، قَالَ: وَإِنَّمَا ذَكَرْتُ هَذَا لِئَلَّا
стр. 805
يُغْتَرَّ بِهِ، فَلَوْ سَبَاهُ ذِمِّيٌّ لَمْ نَحْكُمْ بِإِسْلَامِهِ.
وَلِلشَّافِعِيَّةِ وَجْهَانِ هَذَا أَحَدُهُمَا.
وَالثَّانِي: نَحْكُمُ بِإِسْلَامِهِ لِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الدَّارِ.
قَالُوا: وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ؛ لِأَنَّ كَوْنَهُ مِنْ أَهْلِ دَارِ الْإِسْلَامِ لَا يُؤَثِّرُ فِيهِ، وَلَا فِي أَوْلَادِهِ، قَالُوا: وَعَلَى هَذَا، لَوْ بَاعَهُ الذِّمِّيُّ لِمُسْلِمٍ لَا يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ التَّبَعِيَّةَ إِنَّمَا تَثْبُتُ فِي ابْتِدَاءِ السَّبْيِ، فَإِنْ سُبِيَ مَعَ أَبَوَيْهِ - أَوْ مَعَ أَحَدِهِمَا - فَلِأَصْحَابِ أَحْمَدَ فِيهِ طُرُقٌ:
إِحْدَاهَا: أَنَّهُ إِنْ سُبِيَ مَعَ أَبَوَيْهِ فَهُوَ عَلَى دِينِهِمَا، وَإِنْ سُبِيَ مَعَ أَحَدِهِمَا تَبِعَ سَابِيهِ، وَهَذِهِ طَرِيقَةُ أَبِي الْخَطَّابِ وَغَيْرِهِ.
وَالثَّانِيَةُ: أَنَّهُ إِنْ سُبِيَ مُنْفَرِدًا تَبِعَ سَابِيهِ، وَإِنْ سُبِيَ مَعَ أَحَدِ أَبَوَيْهِ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ:
إِحْدَاهُمَا: يَتْبَعُ سَابِيهِ.
وَالثَّانِيَةُ: يَتْبَعُ مَنْ سُبِيَ مَعَهُ، وَهِيَ طَرِيقَةُ الْقَاضِي، وَأَبِي الْبَرَكَاتِ وَغَيْرِهِمَا.
الطَّرِيقَةُ الثَّالِثَةُ: أَنَّ الرِّوَايَتَيْنِ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ أَعْنِي إِذَا سُبِيَ مَعَ أَبَوَيْهِ، أَوْ مَعَ أَحَدِهِمَا: وَهَذِهِ طَرِيقَةُ ابْنِ أَبِي مُوسَى.
стр. 806
وَقَالَتِ الْمَالِكِيَّةُ: مَتَى سُبِيَ مَعَ أَبِيهِ تَبِعَهُ، وَإِنْ سُبِيَ مُنْفَرِدًا، أَوْ مَعَ أُمِّهِ تَبِعَ سَابِيهِ.
وَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ: إِذَا سُبِيَ الطِّفْلُ فَمَا دَامَ فِي دَارِ الْحَرْبِ، فَهُوَ عَلَى دِينِ أَبَوَيْهِ، فَإِنْ أُدْخِلَ إِلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، فَإِنْ كَانَ مَعَهُ أَبَوَاهُ، أَوْ أَحَدُهُمَا فَهُوَ عَلَى دِينِهِمَا، وَلَوْ مَاتَ الْأَبَوَانِ بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ عَلَى مَا كَانَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا حَتَّى دَخَلَ دَارَ الْإِسْلَامِ فَهُوَ مُسْلِمٌ تَبَعًا لِلدَّارِ.
وَلَوْ أَسْلَمَ أَحَدُ الْأَبَوَيْنِ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَالصَّبِيُّ مُسْلِمٌ بِإِسْلَامِهِ، كَذَلِكَ لَوْ أَسْلَمَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ سُبِيَ الصَّبِيُّ بَعْدَهُ وَصَارَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فَهُوَ مُسْلِمٌ.
وَالصَّحِيحُ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ أَنَّهُ يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ تَبَعًا لِسَابِيهِ مُطْلَقًا، وَهَذَا مَذْهَبُ الْأَوْزَاعِيِّ، وَهُوَ إِحْدَى الرِّوَايَاتِ عَنْ أَحْمَدَ؛ لِأَنَّهُ مَوْلُودٌ عَلَى الْفِطْرَةِ، وَإِنَّمَا حُكِمَ بِكُفْرِهِ تَبَعًا لِأَبَوَيْهِ لِثُبُوتِ وِلَايَتِهِمَا عَلَيْهِ، فَإِذَا انْقَطَعَتْ وِلَايَتُهُمَا بِالسِّبَاءِ عَمِلَ مُقْتَضَى الْفِطْرَةِ عَمَلَهُ إِذْ لَمْ يَبْقَ لَهُ مُعَارِضٌ فَكَيْفَ يُحْكَمُ بِكُفْرِهِ، وَقَدْ زَالَ حُكْمُ الْأَبَوِيَّةِ عَنْهُ؟ وَهُوَ لَمْ يَصِفِ الْكُفْرَ وَلَمْ يَعْرِفْهُ، وَإِنَّمَا كَانَ كَافِرًا تَبَعًا لَهُمَا، وَالْمَتْبُوعُ قَدْ زَالَ حُكْمُ اسْتِتْبَاعِهِ إِذْ لَمْ يَبْقَ لَهُ تَصَرُّفٌ فِي نَفْسِهِ، وَلَا وِلَايَةٌ عَلَى وَلَدِهِ، وَمِنْ هَاهُنَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَمَنْ تَبِعَهُ: إِنَّهُ يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ بِمَوْتِ الْأَبَوَيْنِ، إِذْ عَدَمُهُمَا أَقْوَى فِي زَوَالِ التَّبَعِيَّةِ مِنْ سَابِيهِ، مُنْفَرِدًا عَنْهُمَا، أَوْ مَعَهُمَا، أَوْ مَعَ أَحَدِهِمَا.
стр. 807
[فَصْلٌ فِي ذِكْرِ نُصُوصِ أَحْمَدَ فِي هَذَا الْبَابِ]
قَالَ عَلِيُّ بْنُ سَعِيدٍ: سَمِعْتُ أَحْمَدَ، وَسُئِلَ عَنِ السَّرِيَّةِ فِي أَرْضِ الْعَدُوِّ يَأْخُذُونَ صِبْيَانًا، قَالَ: قَدْ «نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ قَتْلِ الْوِلْدَانِ إِنْ كَانَ مَعَهُمْ غَنَمٌ يَسُقُونَهُ» وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ غَنَمٌ فَلَا أَعْلَمَ لَهُ وَجْهًا إِلَّا أَنْ يُدْفَعَ إِلَى بَعْضِ الْحُصُونِ مِنَ الرُّومِ.
وَقَالَ الْمَرُّوذِيُّ: سُئِلَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عَنِ الرَّضِيعِ يُؤْسَرُ، وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَنْ يُرْضِعُهُ، قَالَ: لَا يُتْرَكُ، يُحْمَلُ وَيُطْعَمُ، وَيُسْقَى، وَإِنْ مَاتَ مَاتَ.
وَقَالَ يَعْقُوبُ بْنُ بُخْتَانَ: سَأَلْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ عَنِ الصَّبِيِّ الصَّغِيرِ وُجِدَ فِي بِلَادِ الرُّومِ، فَلَا يَكُونُ مَعَهُمْ مَنْ يُرْضِعُهُ قَالَ: يَحْمِلُونَهُ مَعَهُمْ حَتَّى يَمُوتَ.
وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَنِ الصَّبِيِّ الصَّغِيرِ الرَّضِيعِ يَخْرُجُ مِنْ بِلَادِ الرُّومِ، وَلَيْسَ مَعَهُمْ أَحَدٌ يُرْضِعُهُ، أَيُخْرَجُ بِهِ، أَوْ لَا يُخْرَجُ بِهِ؟ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: يُخْرَجُ فَإِنْ مَاتَ مَاتَ، وَهُوَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ، وَإِنْ عَاشَ عَاشَ، فَإِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُهُ وَهُوَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ.
стр. 808
قَالَ الْخَلَّالُ: رَوَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ أَرْبَعَةُ أَنْفُسٍ بِخِلَافِ مَا قَالَ عَلِيُّ بْنُ سَعِيدٍ، وَمَا رَوَى عَلِيُّ بْنُ سَعِيدٍ فَأَظُنُّ أَنَّهُ قَوْلٌ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ أَوَّلُ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى أَنْ يُحْمَلَ، وَلَا يُتْرَكُ، وَهُوَ مُسْلِمٌ إِنْ مَاتَ أَوْ بَقِيَ، وَهُوَ أَشْبَهُ بِقَوْلِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ وَمَذْهَبِهِ لِأَنَّ الطِّفْلَ عِنْدَهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ أَبَوَاهُ فَهُوَ مُسْلِمٌ، فَكَيْفَ يُتْرَكُ مُسْلِمٌ فِي أَيْدِيهِمْ يُنَصِّرُونَهُ؟
وَالَّذِي أَخْتَارُ مِنْ قَوْلِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مَا رَوَى عَنْهُ الْجَمَاعَةُ أَنْ لَا يُتْرَكَ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
وَكَذَلِكَ الصِّغَارُ وَمَنْ لَمْ يَبْلُغِ الْإِدْرَاكَ مِمَّنْ يُسْبَى، أَوْ يَكُونُ هَاهُنَا، فَإِنَّ الْحُكْمَ فِيهِمْ أَنْ يَكُونُوا مُسْلِمِينَ إِذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ آبَاؤُهُمْ، فَإِذَا كَانَ مَعَهُمْ آبَاؤُهُمْ، أَوْ أَحَدُهُمْ كَانَ حُكْمٌ آخَرُ أَنَا أُبَيِّنُهُ بَعْدَ هَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَقَالَ الْمَرُّوذِيُّ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: فَإِنْ مَاتُوا - يَعْنِي الصِّغَارَ - فِي أَيْدِينَا، أَيُّ شَيْءٍ يَكُونُ حُكْمُهُمْ؟ قَالَ: حُكْمَ الْإِسْلَامِ.
قِيلَ لَهُ: غُلَامٌ ابْنُ سَبْعِ سِنِينَ أُسِرَ، فَرَأَى أَنَّهُ لَا يُقْتَلُ، وَأَنْ يُجْبَرَ عَلَى الْإِسْلَامِ، قَالَ: وَهَكَذَا الْجَارِيَةُ، قِيلَ لَهُ: يُبَاعُ عَلَى أَنَّهُ مُسْلِمٌ؟ قَالَ: نَعَمْ.
وَقَالَ أَبُو الْحَارِثِ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: إِذَا سُبِيَ الصَّغِيرُ، وَلَيْسَ مَعَهُ أَبَوَاهُ صُلِّيَ عَلَيْهِ.
стр. 809
وَقَالَ أَبُو طَالِبٍ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، فَقَالَ: إِذَا كَانَ الصَّغِيرُ لَيْسَ مَعَهُ أَبَوَاهُ يُصَلَّى عَلَيْهِ.
وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: فَإِنْ سُبِيَ مَوْلُودٌ وَحْدَهُ مَا يَكُونُ؟ قَالَ: مُسْلِمًا.
وَقَالَ الْفَضْلُ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ الصَّبِيِّ مِنْ صِبْيَانِ الْعَدُوِّ يُسْبَى فَيَمُوتُ أَيُصَلَّى عَلَيْهِ؟ فَقَالَ: إِنْ كَانَ مَعَ أَبَوَيْهِ لَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ وَحْدَهُ وَقَدْ أُحْرِزَ صُلِّيَ عَلَيْهِ، قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَ أَبَوَيْهِ، وَكَانَ مَعَ جَمَاعَةِ السَّبْيِ؟ قَالَ: يُصَلَّى عَلَيْهِ.
وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: قَالَ الثَّوْرِيُّ إِذَا كَانَ الْعَجَمُ صِغَارًا عِنْدَ الْمُسْلِمِ صُلِّيَ عَلَيْهِمْ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ خُرِجَ بِهِمْ مِنْ بِلَادِهِمْ فَإِنَّهُ يُصَلَّى عَلَيْهِمْ.
وَقَالَ حَمَّادٌ: إِذَا مُلِكَ الصَّغِيرُ فَهُوَ مُسْلِمٌ.
стр. 810
قَالَ أَحْمَدُ إِذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ أَبَوَاهُ فَهُوَ مُسْلِمٌ.
وَظَاهِرُ هَذَا النَّصِّ أَنَّهُ يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ تَبَعًا لِمَالِكِهِ.
وَهَذَا مَحْضُ الْفِقْهِ: إِذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ مِلْكِهِ بِالسِّبَاءِ، وَمِلْكِهِ بِالشِّرَاءِ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى الَّذِي حُكِمَ لِأَجْلِهِ بِإِسْلَامِهِ إِذَا مُلِكَ بِالسِّبَاءِ هُوَ بِعَيْنِهِ مَوْجُودٌ فِي صُورَةِ الْمِلْكِ بِالشِّرَاءِ، فَيَجِبُ التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُمَا لِاسْتِوَائِهِمَا فِي عِلَّةِ الْحُكْمِ، وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ فِي رِوَايَةِ الْفَضْلِ بْنِ زِيَادٍ، فَقَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، وَسُئِلَ عَنِ الْمَمْلُوكِ الصَّغِيرِ يُشْتَرَى، فَإِذَا كَبِرَ عِنْدَ سَيِّدِهِ أَبَى الْإِسْلَامَ؟ قَالَ: يُجْبَرُ عَلَى الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ رَبَّاهُ الْمُسْلِمُونَ، وَلَيْسَ مَعَهُ أَبَوَاهُ. قِيلَ لَهُ: فَكَيْفَ يُجْبَرُ؟ قَالَ: يُعَذَّبُ، قِيلَ لَهُ: يُضْرَبُ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَقَالَ رَجُلٌ عِنْدَهُ: سَمِعْتُ
[بَقِيَّةَ] يَقُولُ: يَغُوصُ فِي الْمَاءِ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى الْإِسْلَامِ! فَضَحِكَ مِنْ ذَلِكَ وَعَجِبَ مِنْهُ: فَقَدْ صَرَّحَ بِأَنَّهُ تَابِعٌ لِمَالِكِهِ.
وَقَالَ أَبُو زَكَرِيَّا النَّيْسَابُورِيُّ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ فِي غُلَامٍ سُبِيَ، وَهُوَ صَغِيرٌ، فَلَمَّا أَدْرَكَ عُرِضَ عَلَيْهِ الْإِسْلَامُ فَأَبَى. فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: يُقْهَرُ عَلَيْهِ. قَالَ: كَيْفَ يُقْهَرُ عَلَيْهِ؟ قَالَ: يُضْرَبُ.
следующие страницы →