← Фикх малики

Фикх малики · id 21751

البيان والتحصيل

ابن رشد الجد

Полный текст (9 112 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

قال محمد بن رشد: قد روي عن النبي ﷺ النهي عن خصاء الخيل، ومعنى ذلك عند مالك إذا فعله لغير ضرورة، بدليل هذه الرواية، وبالله التوفيق. [الرهبان في ديارات ليس في صوامع أيسبون] ومن سماع أشهب وابن نافع من مالك رواية سحنون من كتاب الجهاد قال أشهب: سمعت مالكا وسئل عن الرهبان، فقيل إنهم يعتزلون في ديارات ليس في صوامع، أيسبون؟ قال: لا أرى أن يهاجوا، فقيل له وسواء عليك الرهبان في الديارات، أو أصحاب الصوامع؟ قال هاه يقول الله : ﴿قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا﴾ [المائدة: ٨٢]- الآية. ولم ير أن يهاجوا، فقيل له فالرهبان من النساء؟ قال النساء عندنا - والله - أحق ألا يهجن. قال محمد بن رشد: إنما سأله عن الرهبان إذا اعتزلوا في الديارات، ولم يعتزلوا في الصوامع؛ لما روي عن رسول الله ﷺ من نهيه عن قتل أصحاب الصوامع، روي عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ كان إذا بعث جيوشه، قال: «اخرجوا بسم الله، تقاتلون من كفر بالله، لا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تغلوا، ولا تقتلوا الولدان، ولا أصحاب الصوامع» . فرأى مالك لرهبان الديارات حكم رهبان الصوامع، لاستوائهم في العلة التي من أجلها

стр. 1052

نهى عن قتلهم - وهي اعتزالهم لأهل دينهم، وترك معونتهم لهم بقتال أو رأي؛ واستدل أيضا بظاهر قوله ، ﴿قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا﴾ [المائدة: ٨٢] . إذ لم يخص لترهبهم موضعا من موضع، وقد روي عن النبي ﵇ أنه نهى عن قتال الرهبان، ولم ينه عن قتلهم لخير عندهم، بل هم أبعد من الله، لاستبصارهم في كفرهم، وإنما نهى عن قتلهم، لاعتزالهم أهل دينهم، وترك معرنتهم لهم بيد أو رأي؛ مع أنه ظاهر قوله : ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [التوبة: ٢٩]- الآية؛ لأن المقاتلة مفاعلة من الفريقين، ودليل قول الرسول ﵇ في المرأة التي وقف عليها وهي مقتولة، فقال «هاه ما كانت هذه تقاتل» . إذ يدل ذلك من قوله على أنه إنما يقتل من أهل الكفر من يقاتل، وكما لا يقتل الرهبان (فلا يسبون - رجالا كانوا أو نساء، - وهو ظاهر هذه الرواية، وقد قيل في الرهبان) من النساء أنهن يسبين - ذكره ابن سحنون؛ ووجه قول مالك، إن الرهبان من النساء تبع لرجالهم في ألا يسبوا، كما أن النساء من غير الرهبان تبع لرجالهم في أنهم يسبون، ووجه قول سحنون إن النساء لما كن بمنزلة سواء في أنهن لا جزية عليهن ولا يقتلن، رواهب كن أو غير رواهب. وجب أن يكن بمنزلة سواء في أنهن يسبين رواهب كن أو غير رواهب، وكما لا يقتل الرهبان ولا يسبون، فلا تضرب عليهم الجزية؛ لأن الجزية إنما هي ثمن لتأمينهم، وحقن دمائهم؟ وقد اختلف فيمن ترهب من أهل الذمة بعد أن وضعت عليه الجزية، فقيل إنها توضع عنه، وهو قول ابن القاسم، وظاهر قول مالك وسفيان الثوري وأبي حنيفة في الواضحة؛ وقال مطرف وابن الماجشون عن مالك أيضا أنها

стр. 1053

لا توضع عنه. وقد روي عن مالك أن الرهبان يقتلون؛ لأن فيهم التدبير والبغض للدين، فهم أنكأ من غيرهم، وكذلك الشيخ الكبير الذي لا يدع الجيوش والسرايا، وقع ذلك في بعض روايات المدونة. [مسألة: افتداء من أسر] مسألة وسئل مالك، أواجب على المسلمين افتداء من أسر منهم؟ قال: نعم، أليس واجب عليهم أن يقاتلوا حتى يستنقذوهم؟ قال: بلى. قال: فكيف لا يفتدونهم بأموالهم؟ قال: قال عمر بن الخطاب: ما أحب أن افتتح حصنا من حصونهم بقتل رجل من المسلمين. قال محمد بن رشد: معنى قول مالك هذا، أن ذلك واجب على الجملة، لقوله ﵊: «فكوا العاني» . لأنه أمر فهو محمول على الوجوب، بدليل ما احتج به مالك في الرواية، فواجب على الإمام أن يفك أسارى المسلمين من بيت مالهم، فما قصر عنه بيت المال، تعين على جميع المسلمين في أموالهم - على مقاديرها، ويكون هو كأحدهم - إن كان له مال، فلا يلزم أحدا في خاصة نفسه من فك أسرى المسلمين، إلا ما يتعين عليه في ماله على هذا الترتيب؛ فإذا ضيع الإمام والمسلمون ما يجب عليهم من هذا، فواجب على كل من كان له مال من الأسارى، أن يفك نفسه من ماله؛ إذ لا يحل له أن يبقي نفسه أسيرا في دار الكفر، ويمسك ماله، وهذا وجه قول مالك، وأكثر العلماء يقولون إن من فك أسيرا بغير أمره وله مال، أن

стр. 1054

له أن يرجع عليه بما فداه به، وقد قيل لا يرجع عليه بشيء، روي ذلك عن ابن سيرين، والحكم، وغيرهما، واحتج بعض من ذهب إلى هذا بأن النبي ﵇ قال: «فكوا العاني» . فإنما يجب ذلك على المسلمين، فلا يعود ذلك على الأسير - وهو قول له وجه إذا حملنا قول النبي ﵇ «فكوا العاني» ، على عمومه فيمن له مال وفيمن ليس له مال؛ لأن الأول أظهر، ويحتمل أن يكون معنى الحديث فيمن لا مال له، فلا يلزم أحد أن يفتك من له مال، ولا يلزم الإمام ذلك أيضا من بيت مال المسلمين، إلا أن يرى ذلك على وجه النظر كالجائزة يجيزها لمن له مال؛ وأما من فدى أسيرا لا مال له بغير أمره، فالصحيح الذي يوجبه النظر والقياس، أنه ليس له أن يتبعه بما فداه به؛ لأن ذلك إنما يتعين على الإمام وجميع المسلمين، وظاهر الروايات خلاف ذلك وهو بعيد. [مسألة: الإمام مخير في الأسارى] مسألة قال: وسئل مالك عن قول عمر بن الخطاب لا يجلب إلينا من هؤلاء العلوج أحد مرت عليه المواسى؛ ما تراه أراد بذلك؟ فقال: أراد بذلك ألا يستحيوا. قال محمد بن رشد: مذهب مالك أن الإمام مخير في الأسارى على وجه الاجتهاد بين خمسة أشياء: إما أن يقتل، وإما أن يأسر ويستعبد، وإما أن يعتق، وإما أن يأخذ فيه الفداء، وإما أن يعقد عليه الذمة ويضرب عليه الجزية؛ لأنه استعمل الآيات الواردة في ذلك في القران، وفسر بعضها ببعض، ولم ير فيها ناسخا ولا منسوخا؛ فإن كان الأسير من أهل النجدة

стр. 1055

والفروسية والنكاية للمسلمين، قتله ولم يستحيه، وإن لم يكن على هذه الصفة وامتدت عليه غائلته وله قيمة استرقه للمسلمين، أو قبل فيه الفداء، إن بذل فيه أكثر من قيمته، وإن لم تكن له قيمة ولا فيه محمل لأداء الجزية، كالزمنى أعتقه؛ وإن لم تكن له قيمة وفيه محمل لأداء الجزية، عقد له الذمة، وضرب عليه الجزية، واختلف قوله - إذا لم يتعرف حاله: هل هو من أهل النجدة والفروسية، أو له غائلة، أم لا؟ فمرة قال: إنه لا يقتل إلا أن يكون معروفا بالنجدة والفروسية، أو تعرف له غائلة، ومرة قال: إنه يقتل ويحمل إن لم يكن معروفا بالنجدة والفروسية على أن له غائلة؟ وهو الذي ذهب إليه عمر بن الخطاب في هذا الحديث، وإن رأى الإمام باجتهاده مخالفة ما وصفناه من وجوه الاجتهاد، كان ذلك له، مثل أن يبذل الفارس المعروف بالنجدة والفروسية في نفسه المال الواسع الكثير، فيرى الإمام أخذه أولى من قتله، لاستعانته بذلك على جهاد المشركين، وما أشبه ذلك من وجوه الاجتهاد؛ فهذا تحصيل القول في حكم الأسارى على مذهب مالك. ومن أهل العلم من قال: إن الأسير يقتل على كل حال، لقوله : ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ﴾ [الأنفال: ٥٧]- الآية، ومنهم من ذهب إلى أنه لا يجوز قتل الأسير - صبرا، لقوله : ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ [محمد: ٤] . والصحيح ما ذهب إليه مالك ﵀؛ لأن النبي ﵇ قتل وأسر، فوقع فعله موقع البيان لما في القرآن؛ لأن قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ﴾ [الأنفال: ٥٧]- الآية، معناه قبل الإثخان. وقوله : ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ [محمد: ٤]- الآية، ليس على

стр. 1056

الإلزام، وإنما معناه إباحة شد الوثائق وترك القتل بعد الإثخان؛ بدليل قوله، : ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ﴾ [الأنفال: ٦٧] . وقد حكى الداودي أن أكثر أصحاب مالك يكرهون فداء الأسرى بالمال، ويقولون: إنما كان ذلك ببدر؛ لأن النبي ﵇ علم أنه سيظهر عليهم، وإنما يتفق على جواز فدائهم بأسرى المسلمين. [مسألة: بأرض الروم أشجارا تبلغ إذا حملت إلى أرض العرب ثمنا كثيرا حكم جلبها] مسألة قال: وقيل (له) إنه يقال إن بأرض الروم أشجارا تبلغ إذا حملت إلى أرض العرب ثمنا كثيرا، وشأنها هنالك خفيف، وحملها يسير، قال: ما أرى بهذا بأسا، وإن أخذه للبيع وإن جاء بذلك العود وتلك الشجرة إلى صاحب المقاسم، لم يقبله ولم يقسم على الجيش. قال محمد بن رشد: وهذا كما قال: أنه إذا لم يكن لها ثمن في بلاد العرب، ولا قبلها صاحب المقاسم؛ فله أن يأخذها، ولا اختلاف في ذلك أعلمه؛ وقد مضى بيان هذا في أول رسم من سماع ابن القاسم، وفي رسم نذر سنة يصومها منه.

стр. 1057

[مسألة: يحمل على الجيش من العدو وحده] مسألة قال: وسئل مالك. عن رجل من المسلمين يحمل على الجيش من العدو وحده، قال: قال الله تعالى: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا﴾ [الأنفال: ٦٦]- الآية. فجعل كل رجل برجلين بعد أن كان كل رجل بعشرة، فأخاف هذا يلقي بيده إلى التهلكة وليس ذلك بسواء أن يكون الرجل في الجيش الكثيف فيحمل وحده على الجيش، وأن يكون الرجل قد خلفه أصحابه بأرض الروم أحاطوه فتركوه بين ظهراني الروم، فهو يخاف الأسر فيستقتل فيحمل عليهم، فهذا - عندي - خفيف، والأول عندي في كثف وقوة، وليس إلى ذلك بمضطر، يختلف أن يكون الرجل يحمل احتسابا بنفسه على الله، كما قال عمر بن الخطاب " الشهيد من احتسب نفسه على الله، أو يكون يريد بذلك السمعة والشجاعة. قال محمد بن رشد: أما إذا فعل ذلك إرادة السمعة والشجاعة، فلا إشكال ولا اختلاف في أن ذلك من الفعل المكروه؛ وأما إن اضطر إلى ذلك بإحاطة العدو به، ففعله مخافة الأسر، فلا اختلاف في أن ذلك من الفعل الجائز، إن شاء أن يستأسر، وإن يشاء أن يحمل على العدو ويحتسب نفسه على الله، وأما إذا كان في صف المسلمين وأراد أن يحمل على الجيش من العدو وحده محتسبا بنفسه على الله، ليقوي بذلك نفوس المسلمين

стр. 1058

ويلقي به الرعب في قلوب المشركين؛ فمن أهل العلم من كرهه ورآه مما نهى الله عنه من الإلقاء إلى التهلكة، لقوله : ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥] . وممن روي ذلك عنه عمرو بن العاص، ومنهم من أجازه واستحبه لمن كانت به قوة عليه - وهو الصحيح، وروي أن جعفر بن أبي طالب ﵁ حين لاحمه القتل يوم مؤتة، اقتحم عن فرس (له) شقراء ثم عرقبها وقاتل حتى قتل، فلم ينكر ذلك عليه من كان معه من بقية الأمراء وسائر الصحابة، ولا أنكره النبي ﵊ عليه، إذ لا شك في تناهي علم ذلك إليه، ولا نهى المسلمون عن مثل ذلك؛ فدل على أن ذلك من أجل الأعمال، وأن الثواب عليه أعظم الثواب؛ وروي أن رجلا خرج من صف المسلمين بالقسطنطينية، فحمل على الروم حتى دخل فيهم، ثم خرج إليهم، فصاح الناس به سبحان الله ألقى بيده إلى التهلكة! فقام أبو أيوب الأنصاري فقال: يا أيها الناس، إنكم لتتأولون هذه الآية على غير تأويلها، إنما أنزلت فينا معشر الأنصار، إنا لما أعز الله دينه، وكثر ناصروه، قلنا فيما بيننا سرا من رسول الله ﵇: إن أموالنا قد ضاعت، فلو قمنا فيها فأصلحنا منها ما ضاع، فأنزل الله في كتابه - يرد علينا ما هممنا به - فقال: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥] فكانت التهلكة الإقامة التي كنا هممنا بها، فأمرنا بالغزو، فما زال أبو أيوب غازيا في سبيل الله حتى قبضه الله . والقولان قائمان من الرواية: قوله فيها - فهذا عندي خفيف، والأول عندي في كثف وقوة ليس

стр. 1059

إلى ذلك بمضطر، يدل على الكراهة، وقوله يختلف أن يكون الرجل يحمل احتسابا بنفسه على الله، كما قال عمر بن الخطاب إلى آخر قوله، يدل على الجواز، وهو قول القاسم بن مخيمرة، وبالله التوفيق، والحمد لله كما يجب لجلاله. [مسألة: هل للوالي أن يحابي أحدا من أهل الصلاح] ومن كتاب الغزو مسألة قال أشهب: سئل مالك عن البعوث المكروهة تقطع على الناس إلى المغرب ومثلها، فيتجاعلون فيها، فيغرم المتخلفون للخارجين، ويكون للوالي الهوى في بعضهم من أهل الصلاح والفضل، فيرفعهم فيجعلهم في رفعة، لئلا يكون عليهم غرم من المتخلفين الجاعلين لمن خرج؛ فقال: ما أدري ما هذا: يخرجهم من الغرم ويغرم غيرهم، ما له لا يعطيهم من ماله - وكأنه كرهه: قيل له: إن الوالي يكون له رفع على كل حال لا بد له منهم يرفعهم، فإن احتاج إليهم استعان بهم - إن بدا له، فإذا وقع البعث المكروه الذي يكون فيه الغرم، جاء الرجل منهم الذي له الصلاح والفضل، فطلب الرفع في رفع الوالي لأن ينجو من الغرم؛ فقال مالك ليس هذا بالذي سأل عنه الرجل، وأرى هذا شيئا قد

стр. 1060

جعل إلى السلطان، فهو أحق من الأول؛ فقيل له: لا ترى بهذا بأسا؟ فقال هذا أخف. قال محمد بن رشد: يريد بالبعوث المكروهة المخوفة التي يكره الخروج إليها لخوفها، فيكثر الغرم على الجاعلين فيها من أهل الديوان للخارجين إليها منهم؛ لأن المجاعلة إنما تجوز لأهل الديوان فيما بينهم، فكره مالك للوالي أن يحابي أحدا من أهل الصلاح، بأن يجعله في أهل رفعة الذين يمسكهم مع نفسه لحاجته إليهم، ولا يتركهم يخرجون في ذلك البعث ليسقط بذلك عنهم ما كان يلزمهم من الغرم مع المتخلفين الجاعلين للخارجين؛ وخفف له إذا لم يقصد إلى محاباة أحد، ولم يكن له بد من أن يمسك مع نفسه بعضهم لحاجته إليهم، وأن يجيب من سأله من أهل الصلاح أن يجعله منهم إلى ما سأله من ذلك، وذلك مكروه للسائل، فإذا قصد الوالي إلى محاباة أحد بهذا الفعل دون أن يسأله ذلك، كانت الكراهة في حيزه دون الرجل، وإذا سئل ذلك ففعله، كان الأمر أخف عليه منه على الرجل السائل، فهذا معنى قول مالك عندي في هذه المسألة، وبالله التوفيق. [مسألة: يأكل في أرض الإسلام فضلة ما يخرج به من طعام العدو] مسألة وسئل مالك عن الذي يصيب القربة أو العسل في أرض الروم - وربما لت بالعسل جريرته، أينصرف إلى بلاده يأكله؟ قال: لا بأس بذلك إذا كان يسيرا. قال محمد بن رشد: وهذا صحيح على معنى ما في المدونة وغيرها

стр. 1061

من أن للرجل أن يأكل في أرض الإسلام فضلة ما يخرج به من طعام العدو إذا كان يسيرا. [مسألة: الغازي يجد الغرارة يحتاج إليها يجعل فيها متاعه] مسألة فقيل له: أفرأيت الغازي يجد الغرارة يحتاج إليها يجعل فيها متاعه، والجلد يحتذيه، والشيح لدواء البطن، فقال: ما أرى به بأسا أن يأخذه، وهذا تضييق على الناس، وما كل الناس يكون معه في الغزو ما يكفيه مما يحتاج إليه؛ قيل له فإن أحدهم أتى بكبة الخيط فيشتريها بدانق، فيطرحها في المقاسم، قال هذا شيء يراؤون به، وما هذا التضييق على الناس؟ ! قال محمد بن رشد: أما ما لم يكن له من هذا كله ثمن، فله أن يأخذه - احتاج إليه أو لم يحتج إليه، وأما ما كان له من ذلك ثمن، فله أن يأخذه إن احتاج إليه على ما في المدونة، خلاف قول ابن نافع، وقد مضى بيان هذا كله في أول رسم من سماع ابن القاسم، وهذا إذا كان الشيح مما قد حازه الروم في بيوتهم؛ وأما إن كان من نبات الأرض المباح الذي لم يحوزوه إلى بيوتهم؛ فقد مضى القول فيه في رسم "نذر سنة" من سماع ابن القاسم.

стр. 1062

[مسألة: الوالي يخرج بالخيل للقتال فيأتيه الرجل يستعيره فرسا يقاتل عليه] مسألة وسئل مالك عن الوالي يخرج معه بالخيل في أرض العدو فيأتيه الرجل فيستعيره فرسا من خيله يقاتل عليه، فيعيره فيقاتل عليه؛ لمن ترى سهما الفرس؟ فقال سهمه للذي استعاره، أرى ذلك له. قال محمد بن رشد: وكذلك لو اشتراه، أو اكتراه، أو تعدى عليه أو وجده عابرا عند حومة القتال فقاتل عليه، لكان سهماه إليه؛ وكذلك لو أعاره ذلك (على أن) يكون سهما الفرس بينهما، أو على أن يكونا لصاحب الفرس، إلا أنه يكون عليه فيه أجرة مثله، ولو لم يكن للرجل إلا فرس واحد فتعدى عليه رجل فركبه، وقاتل عليه - وصاحبه حاضر، أو وجده عند القتال - وهو عاثر، لكان سهماه لصاحبه، بخلاف الاشتراء والعارية والكراء، وبخلاف التعدي إذا لم يكن صاحبه حاضرا، وهذا على مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك في أن السهم إنما يستحق بالقتال لا بالإيجاف، وأما على مذهب ابن الماجشون الذي يرى أن السهم يستحق بالإيجاف، فلا يكون للذي قاتل على الفرس سهمانه في شيء من هذه الوجوه، إلا أن يوجف عليه أو يصير بيده بحدثان الإيجاف وقبل مشاهدة القتال، حتى يتمكن في كينونته له وفي يده.

стр. 1063

[مسألة: يغزو بفرسين أيسهم لهما جميعا] مسألة وسئل فقيل له: أفرأيت الذي يغزو بفرسين، أيسهم لهما جميعا؟ فقال: لا يسهم إلا لفرس واحد. قال محمد بن رشد: هذا مذهب مالك وأصحابه في المدونة وغيرها، وقد جاء في بعض الأحاديث أن رسول الله ﷺ كان يسهم لفرسين، ولا يسهم لأكثر من ذلك. وذهب إلى ذلك غير واحد من العلماء، وعمل به عمر بن عبد العزيز في خلافته، وأخذ به ابن وهب من أصحاب مالك. [مسألة: استؤجرأعوان يكونون في المراكب قذافين أيقسم لهم] مسألة وسئل مالك فقيل له: إنا إذا أردنا الغزو استؤجر لنا أعوان يكونون في المراكب قذافين، وغير ذلك من الأعمال من رفع الصواري، ووضعها، وإمساك الحبال والأرجل، وما يحتاج إليه المركب، يكون ذلك لهم شيئا لازما لذلك استؤجروا؛ فإذا قدموا أرض الروم، كان منهم المسلم والمولد الحر، ترك منهم من كان كذلك، فشهدوا القتال، وأبلوا بلاء عظيما، فلا يقسم

стр. 1064

لهم؛ أفترى أن يقسم لهم؟ فقال: وأين هذا؟ فقيل في البحر، فقال: يتخذون مثل هذا في الصوائف؟ فقيل نعم، يستأجرون فعلة لتسوية الطريق، وقطع الشجر، وإصلاح المواضع التي فيها ضرر على المسلمين: يوسعون ضيقها، ويرفعون حجارتها عن الطريق، وغير ذلك مما يحتاج إليه؛ يستأجرونهم رصدة ذلك وعدة، ثم يشهدون القتال مع الناس فيقاتلون؛ أفيعطى هؤلاء شيئا؟ فقيل لا؛ فقال: فهؤلاء مثلهم - وكأنه لم ير لهم شيئا؛ قيل له إن ابن معيوف كان يحلف الرجل يخرج مع عمه أو مولاه يخدمه وينفعه، فيحلفه على أنه لم يخرج لخدمته، فإن لم يحلف لم يسهم له؛ فقال: بئس ما صنع ابن معيوف، وفي الغزو أيمان؟ وإن الرجل ليخرج مع أبيه أو مع مولاه في الغزو يعينه ويكفيه، فبئس ما صنع. قال محمد بن رشد: هذا خلاف ما في المدونة، والواضحة، من أن الأجير يسهم له إذا شهد القتال وقاتل؛ وفي كتاب محمد بن المواز أنه يسهم له إذا شهد القتال - وإن لم يقاتل؛ وأما إذا لم يشهد القتال، فلا اختلاف في أنه لا يسهم له؛ قال محمد عن أبيه: والذي يكرى للغزو لا سهم له إلا أن يقاتل؛ وكذلك مكتري الدواب في الغزو مثل الأجير، قال سحنون: ويحط عن الأجير من أجرته بقدر ما اشتغل عن خدمة الذي استأجره؛ ومن أهل النظر من ذهب إلى أن رواية أشهب هذه، ليست بمخالفة لما في المدونة، وغيرها؛ وقال: معنى هذه الرواية في الإجارة العامة، ومعنى ما في المدونة

стр. 1065

وغيرها في الإجارة الخاصة، وليس ذلك بصحيح؛ لأن الإجارة العامة هي أقرب أن يكون له فيها السهم - إذا قاتل من الإجارة الخاصة، فإذا لم يوجب له السهم في الإجارة العامة، فأحرى ألا يوجبها له الإجازة الخاصة - والله أعلم؛ وإنما أنكر على ابن معيوف تحليف الرجل خرج مع ابن عمه أو مولاه، أنه لم يخرج لخدمته، إذ لم يره كالأجير؛ وكان الحكم فيه عنده أن يسهم له قاتل أو لم يقاتل؟ وأما من ادعي عليه أنه أجير فأنكر، فلا يبعد عليه اليمين - إن لم يقاتل على ما في المدونة، وإن قاتل على هذه الرواية، وبالله التوفيق. [رفع الأصوات بالتكبير على السواحل أو في الرباط] ومن كتاب الأقضية وسئل مالك عن رفع الأصوات بالتكبير على السواحل، أو في الرباط بحضرة العدو، أو بغير حضرتهم؛ هل ينكره، أو يسمع الرجل نفسه؟ فقال: أما بحضرة العدو فلا بأس، وذلك حسن؛ وأما بغير حضرتهم على السواحل فلا بأس بذلك أيضا، إلا أن يكون رفع صوته يؤذي الناس، لا يستطع أحد أن يقرأ ولا يصلي، فلا أرى ذلك. قال محمد بن رشد: هذا مثل ما في كتاب الجهاد من المدونة، وزاد فيه أنه أنكر التطريب؛ وأنكر ابن حبيب أن يتقدمهم واحد بالتكبير، أو التهليل، ثم يجيبه الآخرون بنحو من كلامه جما غفيرا، وأجاز أن يحزن تكبيره وأنكر في رسم "أحد يشرب خمرا" من كتاب الصلاة - التكبير دبر الصلوات بأرض العدو، وسكت عن التكبير في غير دبر الصلوات؛ فذلك كله مفسر بعضه لبعض، ليس فيه اختلاف من قول مالك؛ وما حكى ابن حبيب من

стр. 1066

استحباب التكبير ثلاثا دبر صلاة العشاء والصبح، في الثغور والمرابطات والعساكر، خلاف لمذهب مالك - ومذهبه أظهر؛ لأنه أمر محدث لم يكن في الزمن الأول، ولو كان، لنقل وذكر - والله أعلم. [مسألة: أسلم من المشركين بعد إساره أيمنعه ذلك من القتل] مسألة وسئل مالك عمن أسلم من المشركين بعد إساره، أيمنعه ذلك من القتل؟ قال: نعم في رأيي. قال محمد بن رشد: هذا ما لا اختلاف فيه، قال ﷺ : «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها، عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله» . أي والله يحاسبهم عما قي نفوسهم إن كانوا أظهروا للإسلام وهم لا يعتقدونه بقلوبهم. وقد روي «أن المقداد قال لرسول الله ﵇: أرأيت إن لقيت رجلا من الكفار فقاتلني فضرب إحدى يدي بالسيف فقطعها، ثم لاذ بشجرة فقال: أسلمت لله؛ أأقتله يا رسول الله بعد أن قالها، فقال رسول الله: لا تقتله، فإن قتلته فإنه بمنزلتك - قبل أن تقتله، وأنت بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال» . وقال ﷺ : لأسامة لما قتل الكافر بعد أن قال: لا إله إلا الله - ظنا منه أنه قالها تعوذا، «فكيف يصنع بلا إله إلا الله» ، وأعاد ذلك عليه حتى تمنى أنه أسلم ذلك اليوم، وبطل ما كان قبل ذلك من عمله، وبالله تعالى التوفيق، لا إله إلا هو.

стр. 1067

[يغزون أرض الروم فيقتلون من أبقارهم بالسيوف فتعرقب ثم تذبح فتقطع بالسيف] ومن كتاب الجنائز والذبائح والنذور قال: وسئل مالك عن القوم يغزون أرض الروم فيقتلون من أبقارهم بالسيوف، فتعرقب ثم تذبح فتقطع بالسيف؛ فقال: ما هذا بحسن، ولا أحب أكله. قال محمد بن رشد: يحتمل أن يكون معنى هذه الرواية أنها عرقبت ثم ذبحت قبل أن تنفذ مقاتلها بالسيوف، فيكون وجه كراهيته لأكلها قطعهم إياها بالسيوف بعد ذبحها على سبيل الانتهاب للحمها، - لما جاء في النهبة، وقد مضى القول فيها في رسم "سن" من سماع ابن القاسم من كتاب العقيقة؛ ويحتمل أن يكون معناها إنما ذبحت بعد إنفاذ مقاتلها بالسيوف لامتناعها، فيكون قوله: ما هذا بحسن، ولا أحب أكله، ليس على ظاهره في التخفيف؛ لأن المعلوم من مذهبه أن الإنسي لا يذكى بما يذكى به الصيد - وإن امتنع، ولا يؤكل إلا أن يذبح أو ينحر، كان له أصل في التوحش أو لم يكن؛ خلاف ما ذهب إليه ابن حبيب من أن البقر الإنسية وما أشبهها مما له أصل في التوحش - إذا ندت وامتنعت؛ كان سبيلها سبيل الصيد في ذكائها؛ بخلاف الإبل وما أشبهها مما الأصل له في التوحش، ومن أهل العلم من جعل سبيلها سبيل الصيد - وإن لم يكن لها أصل في التوحش؛ وحكى ذلك البخاري عن ابن مسعود، وابن عباس، وعلي بن أبي طالب، وابن عمر، وعائشة؛ وبوب باب ما ند من البهائم، فهو بمنزلة الوحش، وأدخل حديث «رافع بن خديج - وفيه قال: وأصبنا نهب إبل وغنم، فند منها بعير فرماه رجل بسهم فحبسه، فقال رسول الله ﷺ : " إن لهذه الإبل أوابد كأوابد الوحش، فإذا غلبكم منها شيء، فافعلوا به هكذا» . وهذا لا حجة فيه، لاحتمال أن

стр. 1068

يكون السهم حبسه دون أن ينفذ مقاتله فذكي، وكذلك ما حكى ابن حبيب من أن رسول الله ﷺ قال: إذا استوحشت الإنسية أو امتنعت، فإنه يحلها ما يحل الوحشية، يحتمل أن يريد بذلك الإنسية من الوحش، فتتخرج الأحاديث على مذهب مالك. [مسألة: يغيرون في أرض الروم فيوافون قدورهم على النار مملوءة لحما أتؤكل] مسألة وسئل عن الجيش يغيرون في أرض الروم، فيوافون قدورهم على النار مملوءة لحما، أتؤكل؟ فقال: وما يمنعه أن يأكل؟ قال محمد بن رشد: وهذا كما قال أن آكل ذلك له حلال، لقول الله : ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ [المائدة: ٥] . إلا أن يدع رجل في خاصة نفسه، مخافة ألا تكون قدورهم طاهرة - على ما مضى في أول سماع ابن القاسم من كتاب الذبائح والصيد. [السرية كم هي] ومن كتاب الوضوء والجهاد وسئل مالك عن السرية كم هي؟ قال: وما يقال فيها؟ فقيل: يقال خير السرايا أربع مائة. قال: قد بعث رسول الله ﷺ أبا عبيدة على سرية فيهم ثلاثمائة، وكان ﷺ يبعث الرجل والرجلين على سرية، أفكانت سرايا رسول الله ﷺ أربعمائة؟

стр. 1069

قال محمد بن رشد: قد روي عن النبي ﵇ أنه قال: «خير الصحابة أربعة، وخير السرايا أربعمائة، وخير الجيوش أربعة آلاف، ولن تغلب اثنا عشر ألفا من قلة، إلا أن تفترق كلمتهم» . ولهذا وقع سؤال مالك عن خير السرايا، فأنكر سؤال السائل؛ إذ لم يعرف الحديث، قد روي، فإذا اتفق أن تكون السرية أربعمائة، والجيش أربعة آلاف، كان الخير لهم مرجوا والنصر لهم مأمولا أكثر من غيرهم - وإن زاد عددهم - إن شاء الله. [مسألة: خيبر افتتحت عنوة أم بقتال] مسألة وقال مالك: لما غزا رسول الله ﷺ خيبر غشيها في برد شديد، فقال أصحاب رسول الله ﷺ : إنا لا نستطيع القتال، فقال لهم ﵇: لم؟ فقالوا البرد والجوع والعري، فقال الرسول ﵇: «اللهم افتح عليهم اليوم أكثرها طعاما وودكا» ، ففتح الله عليهم خيبر. قلت لمالك: أفرأيت خيبر افتتحت عنوة أم بقتال؟ فقال: افتتحت بقتال شيء يسير منها. قلت: فخمست؟ قال: نعم خمست، إلا ما كان منها عنوة أو صلحا، فإن ذلك لم يخمس وهو يسير. قلت له: العنوة والقتال أليس بواحد؟ فقال لي: إنما أردت الصلح، وقد سمعت ابن شهاب يقول: افتتحت عنوة منها بقتال،

стр. 1070

وإنما أردت الصلح، وقد قال ابن شهاب: عنوة وقتال، ولست أدري ما أراد بذلك، وقال مالك: قسمت خيبر ثمانية عشر سهما على ألف وثمانمائة رجل، لكل رأس سهمه؛ لعمر بن الخطاب سهمه، ولبلال سهمه، ولفلان سهمه - حتى سمى رجالا، قال مالك: وصدقات رسول الله ﵇ كانت من أموال بني النضير - ولم تخمس؛ لأنها كانت صافية، وخمس رسول الله ﵇ قريظة؛ لأنها كانت بقتال، وقال مالك: أجلى عمر أو النبي أهل خيبر، وأما أهل فدك، فصولحوا على النصف لهم، والنصف للمسلمين، فلما كان عمر بن الخطاب أجلاهم منها، وأقام لهم النصف الذي كان لهم، فأعطاهم به حبالا وأقتابا؛ وما فضل لهم أعطاهم به ذهبا، اشترى ذلك عمر بن الخطاب منهم؛ فقال المسلمون: اشتراه عمر لنفسه، فبلغ ذلك عمر بن الخطاب، فخطب الناس وأخبرهم بالذي بلغه، وقال: بأي شيء اشتراه ابن الخطاب، أبمال أبيه وأمه؟ إنما اشتراه من بيت مال المسلمين؛ فقيل له أفرسول الله صالح أهل فدك؟ قال: نعم، وعمر بن الخطاب الذي أجلاهم.

стр. 1071

قال محمد بن رشد: إنما قال رسول الله ﵇ في خيبر «اللهم افتح عليهم اليوم أكثرها طعاما وودكا» ؛ لأنه كان لخيبر حصون كثيرة، ففتح الله عليهم ذلك اليوم بدعاء النبي ﵇ خيبر نفسها، ولا شك أنها كانت أكثرها طعاما وودكا، وقد قيل في حصن الصعب بن معاذ إنه لم يكن في حصون خيبر أكثر طعاما وودكا منه، وكانت خيبر نفسها أكثر طعاما وودكا منه؛ بدليل الحديث المذكور - والله أعلم - وقول مالك في خيبر إنها افتتحت بقتال شيء يسير منها - يريد إنما قوتل اليسير من حصونها، وأكثرها غلبهم عليها المسلمون دون مناصبة لقتال، فخمس جميع ذلك؛ إذ كان مما أوجف عليه بالخيل والركاب - وإن لم يكن في بعضها قتال، وإنما كان عنوة بغير قتال، وقوله إلا ما كان منها عنوة أو صلحا، فإن ذلك لم يخمس وهو يسير. معناه: إلا ما كان منها عنوة وصلحا؛ لأن أو قد تكون بمعنى الواو، قال تعالى: ﴿وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٢٤]- " يريد آثما ولا كفورا. وقال ﷺ في حديث الجهاد - مع ما نال من أجر أو غنيمة. يريد من أجر وغنيمة؛ لأن الغنيمة لا تحبط الأجر، فالمراد بقوله إلا ما كان منها عنوة أو صلحا. أي إلا ما اجتمع فيه الأمران جميعا؛ لأنهم لما خافوا الغلبة وأيقنوا بها، أرسلوا إلى النبي ﵇ في أن يصالحهم على أن يحقن لهم دماءهم، ويخلوا له الأموال، ففعل ﷺ ، وكان ذلك في حصنين من حصونهم الوطيح، والسلاليم، فكان لهذين الحصنين حكم ما لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب - على ما ذهب إليه مالك، وابن شهاب؛ فلم تخمس، ولا كان لأحد فيها مع رسول الله ﵇ شيء، فقطع منها لأزواجه على ما قال في آخر السماع، وكذلك الكتيبة قيل فيها، إنها كانت صلحا صافية لرسول الله،

стр. 1072

- ﵇، كبني النضير، وفدك، التي قال فيها الله: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ﴾ [الحشر: ٦]- الآية. وذهب ابن إسحاق إلى أن خيبر كانت عنوة كلها. وإلى هذا ذهب ابن عبد البر، فقال: الصحيح ما قاله ابن إسحاق، وأن رسول الله، ﵇ خمَّس أرض خيبر كلها، وقسمها بين من شهد الغزاة وهم أهل الحديبية؛ لأن أرض ذينك الحصنين مما غلب عليه المسلمون كسائر أرض خيبر، وإنما كان الصلح في الرجال والذرية والعيال. ومعنى قول ابن شهاب عنوة وقتال يريد صلحا لجؤوا إليه لما خافوا الغلبة والأسر في ذينك الحصنين، وقتالا فيما سواهما؛ أو ما له حكم القتال مما أوجف عليه بالخيل والركاب، ولم يكن فيه صلح ولا قتال. فهذا معنى قول ابن شهاب على ما يعرف من مذهبه في أن بعض خيبر افتتحت بصلح، فما أوجف عليه بالخيل والركاب، فاستفتح بغير قتال، مثل أن يفر عنه أهله قبل وصولهم إليهم، أو ينزلوا إليهم ويستأسروا في أيديهم، أو يصالحوهم على جزء من أموالهم وأراضيهم، أو على ذهب يعطونهم على أن ينصرفوا عنهم، فذلك كله بمنزلة ما استفتحوه وغنموه بقتالهم، يخمس ويقسم الباقي بينهم على حكم الغنيمة، وما جلى عنه أهله مخافة أن يغزوا أو أرسلوا فصالحوا مخافة ذلك، فهي فيء لا تخمس، ويكون له كله حكم الخمس، وذهب ابن لبابة

стр. 1073

إلى أن العنوة على وجهين، فما كان منها بقتال يخمس وتكون الأربعة الأخماس بين الموجفين، وما كان منها بغير قتال، فهو كالصلح يكون فيئا ولا يخمس، وقال: إن ذلك معنى ما في المدونة، وتبينه رواية أشهب هذه؛ وتؤول أن معنى قوله فيها افتتحت خيبر بقتال شيء يسير منها، أن القتال كان يسيرا، والإصابة كثيرة؛ وقال: إن الذي دل عليه قول مالك، وابن شهاب فيها، أنه افتتح أكثرها عنوة بقتال، وهو الذي خمسه رسول الله ﷺ وقسمه، وافتتح بقيتها - وهو اليسير منها بعضه عنوة بغير قتال، وبعضه صلحا، فلم يخمس وكان صافيا لرسول الله ﷺ . وقوله فيما ذهب إليه من تفصيل العنوة بعيد من الصواب. وقول مالك قسمت خيبر ثمانية عشر سهما، يريد إلا ما كان منها صلحا على سبيل العنوة بغير قتال، فلم يخمس ولا قسم على ما تقدم من قوله، وعلى ما يأتي له في آخر السماع؛ وقد مضى في رسم "البز" من سماع ابن القاسم، القول في وجه قسم رسول الله ﵇ أرض خيبر على مذهب مالك، وما ذكر من الاختلاف في ذلك، وقول مالك: إن صدقات رسول الله ﵇ كانت [من أموال بني النضير، ولم تخمس؛ لأنها] صافية، يبين أن ما وقع في المدونة من أنه قسم النضير بين المهاجرين وثلاثة من الأنصار، معناه ما بقي بعد صدقاته منها، وإنما خص بذلك المهاجرين دون الأنصار، حاشا سهل بن حنيف، وأبا دجانة، والحارث بن الصمة؛ لأنه كان شرط على الأنصار في بيعة العقبة أن يواسوا من يأتيهم من المهاجرين، فكانوا يكفونهم المئونة، ويقاسمونهم في الثمر، فلما جلى بنو قينقاع وبنو النضير، قال لهم رسول الله ﵇:

стр. 1074

«إن شئتم بقيتم على ما كنتم عليه وقسمت لكم، وإن شئتم رجعت إليكم أموالكم وقسمت لهم دونكم، فاختاروا ذلك. ففعله رسول الله ﵇» ، والشك في قوله أجلى عمر أو النبي ﵊ أهل خيبر، إنما هو ممن دون مالك من الرواة - والله أعلم؛ لأنه قد علم أن النبي ﵇ أقرهم لعمارة الأرض، وأن عمر بن الخطاب هو الذي أجلاهم في خلافته، لما صح عنده أن النبي ﵇ قال: «لا يجتمع دينان في جزيرة العرب» . فأخذ المسلمون سهامهم فتصرفوا فيها تصرف المالكين، وجزيرة العرب مكة والمدينة واليمن - قاله مالك. [مسألة: رهنه أبوه في أيدي العدو ثم مات أبوه] مسألة قال: وسئل مالك عن رجل من المسلمين رهنه أبوه في أيدي العدو، ثم مات أبوه، فخرج رجل من المسلمين إلى أرض العدو فافتكه وجاء به؛ على من ترى ما افتكه به الرجل، أعلى الغلام في حصته من مال أبيه؟ أم من جملة مال أبيه؛ لأنه هو الذي رهنه؟ فقال: لو افتداه السلطان أيترك رجل من المسلمين في أرض العدو؟ قال محمد بن رشد: قوله لو افتداه السلطان يريد من بيت مال المسلمين صحيح؛ لأنه هو الذي يجب في جميع من أسر من المسلمين، وقد مضى القول على هذا المعنى في أول رسم من السماع، فإن لم يفعل السلطان ذلك، ولا تطوع به أحد من المسلمين؛ فالواجب أن يكون ما افتكه

стр. 1075

به من رأس مال أبيه الذي رهنه، فإن لم يف ماله بذلك، كان ما بقي في مال الابن المفدى - إن كان له مال - اتبع به دينا في ذمته على ظاهر الروايات، والذي يوجبه النظر ألا يتبع بشيء من ذلك، وهذا إذا كان الأب أسيرا فرهن ابنه مكانه، وأما إن كان رهنه في تجارة أخذها، فلا يلزم السلطان (أن يفتكه) إن كان في تركته وفاء بذلك؛ قال سحنون: وإن كان رهنه في مصلحة المسلمين، وما ينزل بينهم وبين العدو، ثم التاث الأمر، فعلى الإمام فداؤه واجب. [مسألة: السرية تخرج في أرض الروم مغيرة فهلكت دابة أحدهم] مسألة وسئل مالك عن السرية تخرج في أرض الروم مغيرة. وهم إذا هلكت دابة أحدهم لم يعطفوا عليه ولم يتخلفوا له؛ وقالوا له غيض حتى يرجع العسكر، فيدعونه في أرض الروم، وتوجهوا؛ فإن ظفر به الروم أخذوه؟ أفيعجبك أن يدخل معهم - وهم هكذا؟ فقال: إذا كان هكذا، فما يعجبني ذلك. قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن الغرر في ذلك بين، والهلاك فيه أغلب؛ ولا ينبغي للرجل أن يغرر بنفسه، ولا أن يدخل في السرية، إلا إلى موضع تكون فيه النجاة عنده أغلب، والله تعالى أعلم. [مسألة: الإقامة بأرض العدو والانقطاع إليها] مسألة وسئل عن الإقامة بأرض العدو والانقطاع إليها، أذلك أفضل، أم الإقبال والإدبار؟ فقال: ذلك حسن واسع.

стр. 1076

قال محمد بن رشد: إنما لم يفضل أحد الوجهين على الآخر، من أجل أنه لا نص في ذلك؛ والفضائل لا تدرك بالقياس، وإنما هي عطايا من الله على قدر نية العبد؛ «قال ﷺ : في عثمان بن مظعون إن الله قد أوقع أجره على قدر» نيته. وقال: «نية المؤمن خير من عمله» . [مسألة: البقر من بقر الروم لا يقدر المسلمون على أخذها إلا بالعقر والطعن] مسألة قال: وسئل مالك عن البقر من بقر الروم، لا يقدر المسلمون على أخذها إلا بالعقر والطعن؛ فإذا عقرت ذبحت بعد ذلك، فقال: إنسية؟ فقيل نعم بقر الروم؛ فقال: لا أرى ذلك، هؤلاء قوم يطلبون الخير في الغزو وهم يفعلون هذا، فقيل له: إن لم يفعلوا بها هذا لم يقدروا عليها؛ فقال: أرأيت البدنة إذا لم يقدروا على نحرها - وكانت هكذا، أيعقرها ثم ينحرها؟ هذه الأباطيل! قال محمد بن رشد: قد مضى القول على هذه المسألة في رسم "الجنائز، والذبائح، والنذور "، فلا معنى لإعادته. [مسألة: الجيش يصاح فيهم بأرض الروم السلاح] مسألة قال: وسئل مالك عن الجيش يصاح فيهم بأرض الروم: السلاح، فيأخذ الرجل عليه سلاحه، ثم يتوجه فيلقى جيشهم، أترى بأسا أن ينحاز راجعا - إلى أصحابه؟ فقال لا أرى بذلك بأسا.

стр. 1077

قال محمد بن رشد: وهذا بين - كما قال إنه إنما انحاز إلى فيئته، وقد قال : ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ﴾ [الأنفال: ١٦] . [مسألة: تحريق بيوت الروم وأشجارهم] مسألة وسئل عن تحريق بيوت الروم وأشجارهم، فقال: لا أرى بذلك بأسا، قد قطع رسول الله ﵇ النخيل، قيل له فترى أن يقتل خنازيرهم؟ فقال: نعم تقتل. قال محمد بن رشد: قد مضى القول في رسم "صلى نهارا" من سماع ابن القاسم ما في تحريق بيوت الروم وتخليهم، فلا معنى لإعادة ذلك؛ وأما خنازيرهم، فلا إشكال في أن الواجب فيها أن تقتل. [مسألة: الرجل يشتري الجارية في مقاسم الروم] مسألة وسئل مالك عن الرجل يشتري الجارية في مقاسم الروم، فإذا انصرف بها وجد معها الحلي؛ فقال: لا أرى بما كان من هذا يسيرا بأسا من القرطين وأشباهها، فأما ما كان منها كثيرا له بال، فلا أرى ذلك؛ فقيل له: إنهم أيضا ربما باعوا بأرض

стр. 1078

الروم الكبب والخيوط، وما أشبه ذلك - بالدرهم ونحوه؛ فإذا انصرف الرجل إلى بلده، فاحتاج إلى - تلك الخيوط، ففتحها وجد فيها الصليب من الذهب، يكون فيه سبعون مثقالا، فقال: أرجو ألا يكون بذلك بأس، كيف يصنع به وقد تفرقوا وصار إلى بلده، وهؤلاء ههنا بالشام لا يدري ما يصنع به. قال محمد بن رشد: قوله فيما يجد من الحلي مع الجارية التي اشترى في المقاسم، فأما ما كان منه كثيرا له بال - فلا أرى ذلك - يريد وإن كان يشبه أن يكون من هيئتها ولباسها، خلاف ظاهر ما في رسم "إن خرجت" من سماع عيسى من كتاب التجارة إلى أرض الحرب، وهذا هو الصحيح؛ إذ إنما يصح أن يكون للمشتري ما يكون من هيئتها ولباسها - وإن كان كثيرا، إذا كان ذلك عليها حين البيع فعلمه البائع، وأما ما أخفته عنه فلم يعلم به فهو له، يبين هذا ما في أول سماع ابن القاسم من كتاب جامع البيوع، وقوله فإذا انصرف بها - يريد إلى رحله لا إلى بلده، بدليل قوله في مسألة الصليب بعدها، أرجو ألا يكون بذلك بأس إذا رجع إلى بلده، ووجه قوله أرجو ألا يكون بذلك بأس، هو أنه لما لم يمكنه قسمة ذلك عن الجيش لافتراقه، وكان قد حصل عنده بأمر جائز، لا عن غلول؛ صار حكمه حكم اللقطة بعد التعريف واليأس من وجود صاحبها - في جواز أكلها لملتقطها،

стр. 1079

لقوله ﷺ : شأنك بها. لأن مالكا إنما كره له أكلها بعد التعريف، (مخافة أن يأتي صاحبها فيجده عديما لا شيء له، ولو علم أنه لا يجد صاحبها أبدا، لما كره) له أكلها، وافتراق الجيش في هذه المسألة كاليأس من وجود صاحب اللقطة، وهذا في الأربعة الأخماس الواجبة للجيش؛ وأما الخمس، فواجب عليه أن يضعه في موضع الخمس، ولو كان قد غل السبعين مثقالا ثم تاب بعد افتراق الجيش، لوجب عليه أن يتصدق بها، ولما جاز له أكل شيء منها على ما مضى في رسم "حلف بطلاق امرأته" من سماع ابن القاسم. [مسألة: لأهل الإسكندرية المقام بها إذ هي محرس يخشى العدو فيها] مسألة قال: وسئل مالك فقيل له: أترى علينا بأسا في تخليفنا أهلنا بالإسكندرية وإقامتنا عندكم، ولم ندرك الإسكندرية نزل بها عدو قط، وإنهم ليخافون، فقال: أنتم تخبروني أن ما ثم ضائع، وأنه مخوف، وإن أهلها قليل، وإن محارسها خالية، فأرى لو لحقتم بها، فإني أرجو لهم في ذلك خيرا، تكونون مع أهليكم ومن ورائهم، ومن وراء المسلمين أيضا. فقيل له: أتخاف علينا مأثما في مقامنا عن أهلنا، وتخليفنا إياهم هناك - وهم على

стр. 1080

ما وصفت لك؟ فقال: أما مأثم، فلا أدري ما المأثم؟ ولكني أرى في ذلك خيرا، وأنتم أعلم بقدر خوفكم عليها، والخوف الذي هم فيه، وإني لا أرى حسنا أن يكون الرجل في مثل هذا عند أهله، ويكون من وراء المسلمين؛ ولا أدري ما المأثم في تركهم، ولكن ذلك أحب إلي. قال محمد بن رشد: رأى مالك ﵀ لأهل الإسكندرية المقام بها، إذ هي محرس يخشى العدو فيها، أفضل لهم من الإقامة عنده لتعلم العلم، ولم ير ذلك فرضا عليهم فيأثمون بتركه؛ فقال: لا أدري ما المأثم؟ ولكن أرى في ذلك خيرا؛ وإذ رأى ذلك لهم أفضل من الإقامة على تعلم العلم، فهو عنده أفضل لهم من الجهاد؛ لأن تعلم العلم أفضل من الجهاد - على ما روي عن النبي ﵇، وذلك لما اختص بهم من حفظ محارسهم التي هي بلادهم، بخلاف الرباط، إذ من قوله " إن الغزو على إصابة السنة أفضل من الإقامة " - على ما مضى في رسم "الشجرة تطعم بطنين في السنة" من سماع ابن القاسم. [مسألة: يعطى الشيء يقسمه في سبيل الله على المجاهدين وهو أحدهم أيأخذ منه] مسألة وسئل مالك عن الرجل يعطى الشيء من المال يقسمه في سبيل الله على المجاهدين وهو أحدهم، أيأخذ منه لنفسه شيئا؟ فقال: أحب إلي أن يعلم رب المال إذا كان من المجاهدين؛

стр. 1081

قال: وسئل مالك عمن أعطي ثلاثين دينارا أو أربعين دينارا، فقيل له: خذ هذه فاقسمها في سبيل الله، فإن احتجت إلى شيء منها فخذه؛ فخرج بها فيحتاج منها إلى دينار يقضي به دينا عليه، فيأخذه فيقضيه رب الدين، وإنما يعطي الناس منها نصفا نصفا، قال: إن كان الذي أعطاه إياها أراد هذا، فلا بأس عليه في ذلك؛ فقيل له: أما هو فقال إن احتجت إلى شيء منها فخذه، وكان عليه دينار، فأخذه منها فقضاه؛ قال: إني أخاف أن يكون عليه لآخر ثلاثون دينارا، فإن كان صاحب الدنانير أراد هذا فلا بأس بذلك. قال محمد بن رشد: استحب مالك لمن أعطي مالا يقسمه على صنف من الناس - وهو منهم، ولم يقل له معطيه إن احتجت إلى شيء منه فخذه - وكان عليه دينار فأخذه منها - ألا يأخذ لنفسه منه شيئا، إلا أن يعلمه بذلك، فإن أخذ ولم يعلمه، أعلمه بذلك، - قاله في سماع ابن القاسم من كتاب البضائع والوكالات؛ فإن استأذنه في الأخذ - ولم يأذن له لم يجز له أن يأخذ، وإن أعلمه بما يأخذ فلم يمضه له، وجب عليه غرمه؛ لأنه أعلم بما أراد بماله؛ وإن لم يستأذنه في الأخذ ولا أعلمه بما أخذ حتى فات إعلامه، تخرج ذلك على قولين، أحدهما: (أنه) لا شيء عليه فيما أخذ؛ لأنه من ذلك الصنف؛ فهو يدخل مدخلهم بالمعنى، وهو مذهب مالك؛ لأنه إنما استحب له استئذانه وإعلامه ولم يوجب ذلك عليه. والثاني:

стр. 1082

أنه يجب عليه إخراج ما أخذ حتى يضعه في الصنف الذي أمره أن يضعه فيهم، وهذا جار على اختلاف أهل الأصول في الأمر بالشرع، هل يدخل في الأمر أم لا يدخل فيه؟ لأنه يأتي على مذهب من رأى أنه يدخل فيه الأمر؛ لأنه من جنس المأمورين المشروع لهم الشرع أن يأخذ منهم المقاسم؛ لأنه من جنس المقسوم عليهم، وكان صاحب المال أعلم قاسمه الذي دفعه إليه أنه قد أوجبه لذلك الصنف، فدخل مدخلهم فيه؛ وأما إذا قال له إن احتجت إلى شيء منه فخذه، فجائز له أن يأخذ منه مثل ما يعطي غيره بالمعروف دون أن يحابي نفسه، ولا يجوز له أن يأخذ منه لنفسه أكثر مما يعطي غيره، إلا أن يعلم أن صاحب الدنانير يرضى بذلك ويريده. [مسألة: أعطي شيئا في سبيل الله فقضى رباطه وقد بقي معه منه فضل] مسألة قال: وسئل مالك فقيل له: إني ربما أعطيت الدراهم لأقسمها في سبيل الله، فأجد الرجل قد قضى رباطه وهو يريد الانصراف إلى أهله، فلا يجد ما يتحمل به؛ أفترى أن أعطيه منها؟ فقال: إنما أعطيتها لتجعلها في سبيل الله، وهذا منقلب ليس في سبيل الله، فأحب إلي أن تعطيها غيره. قال: وسألته عمن أعطي شيئا في سبيل الله فقضى رباطه، وأراد الانصراف إلى أهله، وقد بقي معه منه فضل؛ أينصرف به فيأكله في انصرافه أم في أهله؟ فقال: ما يعجبني ذلك، وأرى أن يعطيه غيره من أهل السبيل، أم يرده إلى الذي أعطاه إياه. قلت: فأيهما أحب إليك " أيعطي بقية ذلك رجلا من أهل

стр. 1083

سبيل الله؟ أم يرده إلى الذي أعطاه إياه؟ قال لي: كل ذلك واسع. قال محمد بن رشد: أما في بلده بعد انصرافه، فلا يجوز له أن يأكل منه شيئا باتفاق، واختلف هل يأكل منه في انصرافه أم لا؟ وقد مضت هذه المسألة في مواضع من سماع ابن القاسم، والقول عليها موعبا في أول رسم منه، فلا وجه لإعادة شيء منه، وبالله التوفيق. [مسألة: يخرجون في أرض الروم مع الجيش فيحتاجون إلى العلف لدوابهم] مسألة قال: وسئل مالك عن القوم يخرجون في أرض الروم مع الجيش، فيحتاجون إلى العلف لدوابهم، فتخرج الجماعة إلى هذه القرية، وهذه الجماعة إلى هذه القرية الأخرى - يتعلفون لدوابهم، فربما غشيهم العدو فيما هنالك - إذا رأوا غرتهم وقلتهم، فقتلوهم أو أسروهم، أو نجوا منهم؟ فقال لهم: لا أرى ذلك لكم أن تغروا بأنفسكم فتخرجوا في غير كثف تخرجون في قلة؛ فإذا فعلتم، فلا تبيعوا من ذلك شيئا، فقيل له: ما يفعل؟ قال: قد بلغني ذلك عندكم، فلا أرى (لكم) أن تبيعوا منه شيئا، فقيل له: إنه ربما تعلفنا ولا نستأذن الإمام، وربما يخرج علينا، فإن تركنا دوابنا هلكت، قال: أرى إذا استطعتم استئذان الإمام أن تستأذنوه، ولكن الناس أكثر من ذلك، فلا أرى أن تغرروا بأنفسكم فتعتلفون في غير عدة ولا كثرة، لا أرى ذلك. وسئل مالك عن العدو ينزل بساحل من سواحل المسلمين، أيقاتلهم المسلمون بغير استئمار الوالي؟

стр. 1084

فقال: أرى إن كان الوالي قريبا منهم - أن يستأذنوه في قتالهم قبل أن يقاتلوهم، وإن كان بعيدا لم يتركوهم حتى يقعوا بهم، فقيل له: بل الوالي بعيد منهم، فقال: كيف يصنعون أيدعونهم حتى يقعوا بهم، أرى أن يقاتلوهم. قال محمد بن رشد: وهذا كله كما قال إنه لا ينبغي لهم أن يغرروا بأنفسهم في تعليفهم، وأن الاختيار لهم أن يستأذنوا الإمام في ذلك إن استطاعوا، ويلزمهم ذلك إذا كان الوالي عدلا على ما قاله ابن وهب في سماع زونان، وإنه لا يجوز لهم أن يبيعوا شيئا من ذلك؛ لأن سنة الطعام في أرض الحرب أن يؤكل ويعلف ولا يباع، فإن بيع شيء منه صار مغنما، وأن قتال العدو بغير إذن الإمام لا يجوز، إلا أن يدهمهم فلا يمكنهم استئذانه. [مسألة: افتتاح فدك] مسألة قال. وسألته عن افتتاح فدك، فقال: افتتحت عنوة بغير قتال على النصف لرسول الله ﵇، والنصف لهم؛ فلم يكن لمن دخلها مع رسول الله فيها شيء، ولم يكن فيها خمس؛ لأنها افتتحت عنوة بغير قتال. قال: ولم يوجف عليها بخيل ولا ركاب، فلم يكن فيها خمس ولم يكن لأحد دخلها مع رسول الله ﵇ فيها شيء؛ فهي اليوم قائمة ليس لأحد فيها شيء، ولم يكن فيها خمس، وافتتحت خيبر، فمنها ما افتتح عنوة بغير قتال، ومنها ما افتتح بقتال؛ فأما ما افتتح عنوة بغير قتال، فلم

стр. 1085

يكن فيها خمس، ولم يكن لأحد ممن دخلها مع رسول الله ﵇ فيها شيء، قطع رسول الله لأزواجه منها؛ وأما ما افتتح منها بقتال، فخمسه رسول الله ﷺ ، وقسم ما بقي على الذين افتتحوها، كانوا ألفا وثمانمائة، فقسم ذلك رسول الله على ثمانية عشر سهما، كل مائة رجل لهم سهم؛ فإنما يكون الخمس فيما غنمه المسلمون بقتال؛ لأنه أوجف عليهم بالخيل والركاب؛ وأما ما افتتح عنوة بغير قتال، فليس لأحد ممن افتتح ذلك فيه شيء، ولا خمس فيه؛ لأنه لم يوجف عليه بالخيل والركاب. قال مالك: والعنوة من الصلح يطيعون لهم بغير قتال فيفتتح ذلك بغير قتال، ولا إيجاف خيل ولا ركاب. قال محمد بن رشد: كان فدك مما أفاء الله على رسوله بما نصره به من الرعب، وخصه به، فلم يكن لأحد معه فيه شيء، كبني النضير، وبني قينقاع؛ قال : ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ﴾ [الحشر: ٦] . وما افتتح بعد النبي ﵇ عنوة، فهو للذين افتتحوه بالإيجاف عليه، وفيه الخمس وإن لم يكن بقتال وما جلى عنه أهله من العدو فتركوه بغير إيجاف ولا قتال، فهو كله فيء حكمه حكم الخمس، وقد مضى القول في افتتاح خيبر في أول هذا الرسم، فلا معنى لإعادته. [قالوا له تؤمننا وإلا قتلناك فأمنهم] من سماع عيسى بن دينار من ابن القاسم من كتاب أوله أوصى أن ينفق على أمهات أولاده قال عيسى بن دينار: قال ابن القاسم: لا أمان مع

стр. 1086

السيف - إذا قالوا له تؤمننا؛ وإلا قتلناك؛ فأمنهم على ذلك، فلا أمان لهم، ويقتلون؛ فإذا خلوه ثم قالوا تؤمننا فأمنهم، فهو أمان بمنزلة ما لو قالوا له نخليك على أن تؤمننا، قيل له: إن كان يخاف إن لم يفعل أن يقتلوه، قال: وما يدريه - أو يحملوك إلى موضع آخر ويذهبوا به؛ وفي المسألة: ولو شاؤوا أن ينفذوا نفذوا، وفي بعضها بعدما أشرف عليهم المسلمون، ليس هذا كله بأمان، إلا أن يخلوه ولا يشترطوا عليه شيئا. قال محمد بن رشد: اضطرب قوله في الرواية إذا قالوا له نخليك على أن تؤمننا، فقال: في أولها إن ذلك أمان بمنزلة إذا أمنهم بعد أن خلوه. وقال في آخرها ليس ذلك بأمان، إلا أن يخلوه ولا يشترطوا عليه شيئا، وهو نص قول ابن حبيب في الواضحة، واختلف إذا أمنهم وهو أسير دون أن يخلوه، فقال: في سماع أصبغ بعد هذا إن أمانه جائز - إن كان آمنا على نفسه، وقوله في ذلك مقبول، قال ابن المواز: فإن اختلف قوله في ذلك أخذ بقوله الأول، وقال سحنون: لا يجوز أمانه ولا يصدق أنه كان آمنا على نفسه، وهذا من الضرر على المسلمين، وما يقدر الأسير إذا طلب منه الأمان إلا أن يؤمنهم، ولا اختلاف في جواز أمانه بعد أن خلوه، ولا في أن أمانه لا يجوز - إذا قالوا له تؤمننا وإلا قتلناك. [مسألة: الهدية تأتي الإمام في أرض العدو من العدو] مسألة وقال في الهدية تأتي الإمام في أرض العدو من العدو، أتكون له خاصة أم للجيش؟ قال: لا أرى هذا يأتيه إلا على وجه

стр. 1087

الخوف، فأراه لجماعة الجيش، إلا أن يعلم أن ذلك إنما هو من قبل قرابة أو مكافأة كوفئ بها؛ فأراها له خاصة - إذا كان كذلك؛ ومثل الرومي يسلم فيولى فيدخل فيهدي (له) القرابة وما أشبه ذلك، قيل له: فالرجل من الجيش تأتيه الهدية، قال: هذا له خاصة لا شك فيه؛ ومثل أن يحلوا بحصن فيعطيه بعض أقاربه المال - وهو من الجيش، فهو له خاص. قال محمد بن رشد: قال في الهدية تأتي الإمام في أرض العدو إنها لجماعة الجيش، إلا أن يعلم أن ذلك من قبل قرابة أو مكافأة - ولم يفرق بين أن تأتيه من الطاغية، أو من رجل من الحربيين، وذلك يفترق، أما إذا أتته من الطاغية، فلا اختلاف في أنها لا تكون له، واختلف هل تكون غنيمة للجيش، أو فيئا لجميع المسلمين؛ فقال: ههنا إنها تكون للجيش - يريد غنيمة لهم، وتخمس، وقيل إنها تكون فيئا لجميع المسلمين لا خمس فيها كالجزية، وهذا يأتي على ما حكى ابن حبيب فيما أخذه والي الجيش صلحا من بعض الحصون التي نزل عليها، وأما ما أتته من رجل من الحربيين، فقد روي عن أشهب أنها تكون له إذا كان الحربي لا يخاف منه، واختلف إذا أتت الأمير الهدية من الطاغية أو غيره من العدو قبل أن يدرب في بلاد العدو، فحكى الداودي في كتاب الأموال أنها تكون له، والصحيح المشهور المعلوم أنها تكون فيئا لجميع المسلمين، وأن الأمير في ذلك بخلاف النبي ﵊ فيما قبل من هدايا عظماء الكفار، ككسرى، والمقوقس صاحب مصر، وملك ذي يزن، والنجاشي، وغيرهم؛ لأن الله اختصه في أموال الحرب بخاصة، خالف فيها بينه وبين غيره من أمته، بما نصره به من الرعب، فقال:

стр. 1088

﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ﴾ [الحشر: ٦]- إلى قوله سبحانه: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾ [الحشر: ٦] . من ذلك أموال بني النضير - كانت صافية لرسول الله، ﵇، فكان ينفق منها على أهله نفقة سنة، ويجعل ما بقي في الخيل والكراع؛ فكذلك هداياهم إنما كانت تأتيه إجلالا له لحرمته وهيبة النبوءة، وما خصه الله به من الرعب لا لهيبة السلطان؛ إذ لو زال عنه السلطان، لما نقصت حرمته وهيبته، لما خصه الله به من النبوة والكرامة والمنزلة الرفيعة، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ - وجميع الرسل؛ وقد روي أن عياض بن حمار - وكان حرمي رسول الله - أهدى له هدية فردها، وقال: إنا لا نقبل رفد المشركين. فقيل: إنما رد على عياض بن حمار هديته، وقبل من غيره من الكفار؛ لأن عياض بن حمار كان من المشركين الذين لا يؤمنون بالبعث، فهم في العرب كالمجوس في العجم، لا تؤكل ذبائحهم، ولا تنكح نساؤهم. وغيره ممن قبل الهدية منهم، كانوا أهل كتاب، وقد قال الله فيهم: ﴿وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾ [العنكبوت: ٤٦]- الآية. فكان قبول هديتهم أحسن من ردها، وقيل كان ذلك قبل أن ينزل الوحي عليه بقوله : ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ﴾ [الحشر: ٦]- الآية - والله أعلم. وأما الرجل من الجيش تأتيه الهدية في أرض الحرب من بعض قرابته وما أشبه ذلك، فلا اختلاف - أعلمه - في أنها له.

стр. 1089

[مسألة: يغزو أرض العدو فيشهد القتال فيغنموا وهو حي ثم يموت فيغنموا بعده] مسألة وسئل ابن القاسم عن الرجل يغزو أرض العدو فيشهد القتال فيغنموا وهو حي، ثم يموت فيغنموا بعده مغانم وفتوحا؛ أيقسم له فيما غنم بعد موته مع ما غنم قبل موته؟ قال: إن ذلك الشيء دائما متتابعا في ذلك الفوز فتحوا حصنا، ثم مات ففتحوا آخر بعده، أو قاتلوا قبل أن ينقطع ذلك؛ قسم له في ذلك، فإن كانوا رجعوا قافلين وما أشبه ذلك ثم غنموا بعد ذلك، فلا يقسم له إلا فيما شهد. قال محمد بن رشد: هذه مسألة يتحصل فيها أربعة أقوال في المذهب، لكل قول منها وجه؛ أحدها قول ابن الماجشون: إن الرجل من الجيش يستحق سهمه من كل ما غنم الجيش إلى حين قفوله إذا مات بالأدراب - وإن لم يكن في حياته لقاء عدو. والثاني: أنه لا يستحق ذلك بالأدراب إلا أن يكون في حياته لقاء عدو فشاهد القتال، وهو قول ابن القاسم في رسم "الكبش" (من سماع يحيى) بعد هذا. والثالث: أنه لا يستحق بمشاهدة القتال - إذا مات بعده إلا ما غنم، أو افتتح بقرب ذلك، وهو قول ابن القاسم في رواية عيسى هذه. والرابع: أنه لا يستحق بمشاهدة القتال إذا مات بعده إلا ما غنم وافتتح بذلك القتال خاصة، ومثل أن يكون حصن تحت سور فأخذ ربض ثم مات فتخطى بعده إلى ربض آخر، وأما ما ابتدئ قتاله من الحصون بعد موته، فلا سهم له فيه - وإن كان قريبا.

стр. 1090

[مسألة: الفرس يوجد في المغنم موسوما في فخذه] مسألة وسئل أصبغ بن الفرج عن الفرس يوجد في المغنم موسوما في فخذه: حبس في سبيل الله، قال: أرى ألا يجعل فيئا، وأن يكون في سبيل الله حبسا؟ قال سحنون مثله وكذلك لو كان في فخذه لله؛ ولم يكن فيه حبس؛ كان حبسا إذا علم أنه من خيل الإسلام ولم يشك فيه، وكان بمنزلة فرس لم يقع في المقاسم حتى أتى صاحبه أو عرف صاحبه، فإنه يرد إليه لأن المسلمين كلهم فيه أشراك. قال محمد بن رشد: لسحنون في كتاب ابنه أن ذلك لا يمنعه من القسم؛ لأن الرجل قد يرشم في فخذ دابته: حبس في سبيل الله ليمنعه ممن يريده منه، قال: ولو باع رجل فرسه وفي فخذه: حبس في سبيل الله، لكان ذلك له - إن علم أنه لم يرد به التحبيس في السبيل، وهو القياس إذ لا يجب الحكم بالرشم لو وجد في يد رجل فرس مرشوم بالحبس لم يصح إخراجه من يده بذلك؛ كذلك إذا وجد في المغنم؛ لأن أهل الجيش قد استحقوه بالغنيمة، فلا يخرج من أيديهم إلا بما تستحق به الحقوق، والقول الأول استحسان - مراعاة لقول من يقول إن العدو لا يملكون على المسلمين ما حازوه من أموالهم، وأن صاحب المال أحق بماله بغير ثمن، قسم أولم يقسم؛ لأن الواجب على هذا القول ألا يقسم في الغنيمة
следующие страницы →