← Фикх малики

Фикх малики · id 21751

البيان والتحصيل

ابن رشد الجد

Полный текст (9 112 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

السيف - إذا قالوا له تؤمننا؛ وإلا قتلناك؛ فأمنهم على ذلك، فلا أمان لهم، ويقتلون؛ فإذا خلوه ثم قالوا تؤمننا فأمنهم، فهو أمان بمنزلة ما لو قالوا له نخليك على أن تؤمننا، قيل له: إن كان يخاف إن لم يفعل أن يقتلوه، قال: وما يدريه - أو يحملوك إلى موضع آخر ويذهبوا به؛ وفي المسألة: ولو شاؤوا أن ينفذوا نفذوا، وفي بعضها بعدما أشرف عليهم المسلمون، ليس هذا كله بأمان، إلا أن يخلوه ولا يشترطوا عليه شيئا. قال محمد بن رشد: اضطرب قوله في الرواية إذا قالوا له نخليك على أن تؤمننا، فقال: في أولها إن ذلك أمان بمنزلة إذا أمنهم بعد أن خلوه. وقال في آخرها ليس ذلك بأمان، إلا أن يخلوه ولا يشترطوا عليه شيئا، وهو نص قول ابن حبيب في الواضحة، واختلف إذا أمنهم وهو أسير دون أن يخلوه، فقال: في سماع أصبغ بعد هذا إن أمانه جائز - إن كان آمنا على نفسه، وقوله في ذلك مقبول، قال ابن المواز: فإن اختلف قوله في ذلك أخذ بقوله الأول، وقال سحنون: لا يجوز أمانه ولا يصدق أنه كان آمنا على نفسه، وهذا من الضرر على المسلمين، وما يقدر الأسير إذا طلب منه الأمان إلا أن يؤمنهم، ولا اختلاف في جواز أمانه بعد أن خلوه، ولا في أن أمانه لا يجوز - إذا قالوا له تؤمننا وإلا قتلناك. [مسألة: الهدية تأتي الإمام في أرض العدو من العدو] مسألة وقال في الهدية تأتي الإمام في أرض العدو من العدو، أتكون له خاصة أم للجيش؟ قال: لا أرى هذا يأتيه إلا على وجه

стр. 1087

الخوف، فأراه لجماعة الجيش، إلا أن يعلم أن ذلك إنما هو من قبل قرابة أو مكافأة كوفئ بها؛ فأراها له خاصة - إذا كان كذلك؛ ومثل الرومي يسلم فيولى فيدخل فيهدي (له) القرابة وما أشبه ذلك، قيل له: فالرجل من الجيش تأتيه الهدية، قال: هذا له خاصة لا شك فيه؛ ومثل أن يحلوا بحصن فيعطيه بعض أقاربه المال - وهو من الجيش، فهو له خاص. قال محمد بن رشد: قال في الهدية تأتي الإمام في أرض العدو إنها لجماعة الجيش، إلا أن يعلم أن ذلك من قبل قرابة أو مكافأة - ولم يفرق بين أن تأتيه من الطاغية، أو من رجل من الحربيين، وذلك يفترق، أما إذا أتته من الطاغية، فلا اختلاف في أنها لا تكون له، واختلف هل تكون غنيمة للجيش، أو فيئا لجميع المسلمين؛ فقال: ههنا إنها تكون للجيش - يريد غنيمة لهم، وتخمس، وقيل إنها تكون فيئا لجميع المسلمين لا خمس فيها كالجزية، وهذا يأتي على ما حكى ابن حبيب فيما أخذه والي الجيش صلحا من بعض الحصون التي نزل عليها، وأما ما أتته من رجل من الحربيين، فقد روي عن أشهب أنها تكون له إذا كان الحربي لا يخاف منه، واختلف إذا أتت الأمير الهدية من الطاغية أو غيره من العدو قبل أن يدرب في بلاد العدو، فحكى الداودي في كتاب الأموال أنها تكون له، والصحيح المشهور المعلوم أنها تكون فيئا لجميع المسلمين، وأن الأمير في ذلك بخلاف النبي ﵊ فيما قبل من هدايا عظماء الكفار، ككسرى، والمقوقس صاحب مصر، وملك ذي يزن، والنجاشي، وغيرهم؛ لأن الله اختصه في أموال الحرب بخاصة، خالف فيها بينه وبين غيره من أمته، بما نصره به من الرعب، فقال:

стр. 1088

﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ﴾ [الحشر: ٦]- إلى قوله سبحانه: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾ [الحشر: ٦] . من ذلك أموال بني النضير - كانت صافية لرسول الله، ﵇، فكان ينفق منها على أهله نفقة سنة، ويجعل ما بقي في الخيل والكراع؛ فكذلك هداياهم إنما كانت تأتيه إجلالا له لحرمته وهيبة النبوءة، وما خصه الله به من الرعب لا لهيبة السلطان؛ إذ لو زال عنه السلطان، لما نقصت حرمته وهيبته، لما خصه الله به من النبوة والكرامة والمنزلة الرفيعة، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ - وجميع الرسل؛ وقد روي أن عياض بن حمار - وكان حرمي رسول الله - أهدى له هدية فردها، وقال: إنا لا نقبل رفد المشركين. فقيل: إنما رد على عياض بن حمار هديته، وقبل من غيره من الكفار؛ لأن عياض بن حمار كان من المشركين الذين لا يؤمنون بالبعث، فهم في العرب كالمجوس في العجم، لا تؤكل ذبائحهم، ولا تنكح نساؤهم. وغيره ممن قبل الهدية منهم، كانوا أهل كتاب، وقد قال الله فيهم: ﴿وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾ [العنكبوت: ٤٦]- الآية. فكان قبول هديتهم أحسن من ردها، وقيل كان ذلك قبل أن ينزل الوحي عليه بقوله : ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ﴾ [الحشر: ٦]- الآية - والله أعلم. وأما الرجل من الجيش تأتيه الهدية في أرض الحرب من بعض قرابته وما أشبه ذلك، فلا اختلاف - أعلمه - في أنها له.

стр. 1089

[مسألة: يغزو أرض العدو فيشهد القتال فيغنموا وهو حي ثم يموت فيغنموا بعده] مسألة وسئل ابن القاسم عن الرجل يغزو أرض العدو فيشهد القتال فيغنموا وهو حي، ثم يموت فيغنموا بعده مغانم وفتوحا؛ أيقسم له فيما غنم بعد موته مع ما غنم قبل موته؟ قال: إن ذلك الشيء دائما متتابعا في ذلك الفوز فتحوا حصنا، ثم مات ففتحوا آخر بعده، أو قاتلوا قبل أن ينقطع ذلك؛ قسم له في ذلك، فإن كانوا رجعوا قافلين وما أشبه ذلك ثم غنموا بعد ذلك، فلا يقسم له إلا فيما شهد. قال محمد بن رشد: هذه مسألة يتحصل فيها أربعة أقوال في المذهب، لكل قول منها وجه؛ أحدها قول ابن الماجشون: إن الرجل من الجيش يستحق سهمه من كل ما غنم الجيش إلى حين قفوله إذا مات بالأدراب - وإن لم يكن في حياته لقاء عدو. والثاني: أنه لا يستحق ذلك بالأدراب إلا أن يكون في حياته لقاء عدو فشاهد القتال، وهو قول ابن القاسم في رسم "الكبش" (من سماع يحيى) بعد هذا. والثالث: أنه لا يستحق بمشاهدة القتال - إذا مات بعده إلا ما غنم، أو افتتح بقرب ذلك، وهو قول ابن القاسم في رواية عيسى هذه. والرابع: أنه لا يستحق بمشاهدة القتال إذا مات بعده إلا ما غنم وافتتح بذلك القتال خاصة، ومثل أن يكون حصن تحت سور فأخذ ربض ثم مات فتخطى بعده إلى ربض آخر، وأما ما ابتدئ قتاله من الحصون بعد موته، فلا سهم له فيه - وإن كان قريبا.

стр. 1090

[مسألة: الفرس يوجد في المغنم موسوما في فخذه] مسألة وسئل أصبغ بن الفرج عن الفرس يوجد في المغنم موسوما في فخذه: حبس في سبيل الله، قال: أرى ألا يجعل فيئا، وأن يكون في سبيل الله حبسا؟ قال سحنون مثله وكذلك لو كان في فخذه لله؛ ولم يكن فيه حبس؛ كان حبسا إذا علم أنه من خيل الإسلام ولم يشك فيه، وكان بمنزلة فرس لم يقع في المقاسم حتى أتى صاحبه أو عرف صاحبه، فإنه يرد إليه لأن المسلمين كلهم فيه أشراك. قال محمد بن رشد: لسحنون في كتاب ابنه أن ذلك لا يمنعه من القسم؛ لأن الرجل قد يرشم في فخذ دابته: حبس في سبيل الله ليمنعه ممن يريده منه، قال: ولو باع رجل فرسه وفي فخذه: حبس في سبيل الله، لكان ذلك له - إن علم أنه لم يرد به التحبيس في السبيل، وهو القياس إذ لا يجب الحكم بالرشم لو وجد في يد رجل فرس مرشوم بالحبس لم يصح إخراجه من يده بذلك؛ كذلك إذا وجد في المغنم؛ لأن أهل الجيش قد استحقوه بالغنيمة، فلا يخرج من أيديهم إلا بما تستحق به الحقوق، والقول الأول استحسان - مراعاة لقول من يقول إن العدو لا يملكون على المسلمين ما حازوه من أموالهم، وأن صاحب المال أحق بماله بغير ثمن، قسم أولم يقسم؛ لأن الواجب على هذا القول ألا يقسم في الغنيمة

стр. 1091

ما علم أنه من أموال المسلمين، وأن يوقف لهم - إن لم يعلموه، كما يفعل فيما يوجد بأيدي اللصوص، فيأخذه من ادعاه بالشبهة - وإن لم تكن له بينة؛ واختلف قول الأوزاعي أيضا في هذه المسألة، فمرة قال إنه يقسم كالسيف يوجد فيه مكتوب حبس في السبيل، ومرة قال: إنه يحمل عليه في السبيل ولا يقسم، بخلاف السيف ولا فرق في القياس بين السيف والفرس، وبالله التوفيق. [الرجل يحمل على الفرس في سبيل الله ولا يذكر ثغرا ولا مغزى] ومن كتاب أوله سلف دينارا في ثوب قال ابن القاسم: قال مالك: في الرجل يحمل على الفرس في سبيل الله - ولا يذكر ثغرا ولا مغزى، قال يجعل حيث ما كان أنكى للعدو مثل المصيصة ونحوها. قال محمد بن رشد: هذا كما قال؛ لأنه يعلم أنه إنما قصد التقرب إلى الله تعالى بفعله، والتقرب إليه إنما يكون على قدر الثواب؛ فوجب إذا لم يسم موضعا أن يجعل في أهم الثغور وأخوفها وأكثرها نكاية للعدو؛ لأن الأجر في الجهاد، إنما هو على قدر النكاية في العدو، والإرهاب عليه، والنيل منه، قال : ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ [الأنفال: ٦٠]- الآية. وقال تعالى: ﴿وَلا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلا إِلا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [التوبة: ١٢٠] .

стр. 1092

[مسألة: الكلب يوجد في أرض العدو وهو ثمن دنانير كثيرة أيدخل في المغانم] مسألة قلت لابن القاسم: فالكلب يوجد في أرض العدو - وهو ثمن دنانير كثيرة أيدخل في المغانم؟ قال: نعم يدخل في المغانم، وكذلك الظباء، وما أشبهه يصاد في أرض العدو؛ وقال إنه يدخل في غنائم المسلمين. قال محمد بن رشد: روي «أن رسول الله ﵇ نهى عن ثمن الكلب» . فحمله مالك على عمومه في جميع الكلاب - ما أذن في اتخاذه منها وما لم يؤذن، واستحسن ابن القاسم ههنا، وفي رسم "المكاتب" من سماع يحيى - أن يجعل الكلب المأذون في اتخاذه في المغانم، ويقسم في المقاسم مراعاة لقول من يجيز بيعه، ويخصصه من عموم الحديث؛ وهو مذهب جماعة من العلماء، وسحنون من أصحابنا، وجاء ذلك مفسرا في بعض الأحاديث، فروي «أن الرسول ﵇ نهى عن ثمن السنور، والكلب، إلا كلب الصيد» . ووجه استحسان ابن القاسم لبيع الكلب المأذون في اتخاذه في المغانم، هو أن الله تعالى لما أباح لنا ما غنم من أموال الكفار

стр. 1093

بقول الله : ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنفال: ٤١]- الآية. وكان الكلب المأذون في اتخاذه من أموالهم، وجب ألا يخرج من الغنيمة بلفظ محتمل، ورواية معن بن عيسى عن مالك في آخر رسم "المكاتب" من سماع يحيى، أنه لا يدخل في المقاسم، هو القياس على مذهبه. [أبق عبده إلى أرض الحرب ثم خرج برقيق استألفهم] ومن كتاب أوله إن خرجت من هذه الدار قال: وسئل ابن القاسم عن رجل أبق عبده إلى أرض الحرب، ثم خرج برقيق استألفهم؟ لمن تكون تلك الرقيق؟ أو هل فيها خمس؟ قال: الرقيق لسيد العبد ولا خمس فيهم، وكذلك لو استألفهم رجل فخرج بهم، كانوا له ولا خمس فيهم؛ قال عيسى: إنما هذا إذا استألفهم على أن يكونوا عبيدا له، وأما إذا استألفهم على أن يكونوا أحرارا، فذلك عهد ولا يكونون له. قال محمد بن رشد: قول عيسى تفسير لقول ابن القاسم، وقوله إنه لا خمس فيهم صحيح؛ لأن الخمس لا يكون إلا فيما غنم وأوجف عليه بالخيل والركاب. وأما قوله إن الرقيق لسيد العبد، فمعناه أن له انتزاعهم منه؛ لأن العبد ماله له حتى ينتزعه منه سيده على مذهب مالك في أن العبد يملك. [يلحق بأرض الشرك فيتنصر فيصيب دماء المسلمين وأموالهم] ومن كتاب أوله أسلم وله بنون صغار وسألته عن رجل من المسلمين يلحق بأرض الشرك فيتنصر فيصيب دماء المسلمين وأموالهم، ثم يؤخذ أسيرا فيشهد بالتوحيد

стр. 1094

ويجيب إلى الإسلام، فقال إن كان ما أصاب من ذلك أصابه وهو على ارتداده ثم أجاب إلى الإسلام حين أخذ، هدر عنه القتل وما أصاب من ذلك؛ وإن كان على الإسلام يوم أصاب ذلك، أقيد منه، وكذلك روى سحنون عن ابن القاسم في كتابه. وقال يحيى سألت عنها ابن القاسم فقال لي على الإمام أن يقتله ولا يستبقيه، ولا يجعل أمره إلى أولياء الذي قتل من المسلمين؛ لأن أمره كأمر المحارب الخارج على المسلمين بالسلاح، وهو يقتل ولا يستتاب كاستتابة المرتد في دار المسلمين، ولا يجوز لأولياء المقتول الدفع عنه. قال محمد بن رشد: رواية يحيى عن ابن القاسم هذه، ليست بخلاف لرواية عيسى التي قبلها؛ لأنه إنما تكلم في رواية عيسى على أنه أسلم - إذا أخذ بعد أن حارب في بلد الحرب؛ وتكلم في رواية يحيى على أنه لم يسلم، فهي مسألة أخرى، فوهم العتبي في سياقته إياها عليها، وقوله فيها: وسألته عنها وهي ليست هي، ولا اختلاف في أنه إذا لحق بدار الشرك فتنصر وأصاب الدماء والأموال، ثم أخذ فأسلم، أنه يهدر عنه جميع ما أصاب كالحربي - إذا أسلم سواء؛ وهذا إذا صح ارتداده بكونه على بصيرة منه في الكفر، وأنه لم يفعل ذلك مجونا وفسقا؛ ولو ارتد وأصاب الدماء والأموال في بلد الإسلام، ثم أسلم لهدرت عنه حقوق الله، هي: الربى، والسرقة، وحد الحرابة، وأخذ بحقوق الناس من الأموال والدماء، والجراح - على مذهب ابن القاسم، وحكى ابن حبيب عن أصبغ واختاره، هو أن الردة لا تسقط عنه الطلاق، ولا الحدود من الزنا، والسرقة، وشرب الخمر؛ لأنه يتهم أن يرتد في الظاهر ليسقط ذلك عن نفسه؟ واختلف قول ابن القاسم: هل ينظر إلى

стр. 1095

حاله في الجراح والقتل يوم الجناية، أو يوم الحكم - على ثلاثة أقوال، أحدها: أنه ينظر إلى حاله في جميع ذلك يوم الجناية. والثاني أنه ينظر إلى حاله في جميع ذلك يوم الحكم. والثالث أنه ينظر إلى حاله في القود يوم الجناية، وفي الدية يوم الحكم. ولا اختلاف أيضا في أنه إذا لحق بدار الشرك فتنصر وأصاب الدماء والأموال بخروجه عن المسلمين، ثم أخذ على ارتداده؛ أنه يقتل ولا يستتاب كما يستتاب المرتد في دار الإسلام - إذا لم يحارب؛ لأنه إذا حارب في بلد الإسلام، فأخذ على ارتداد، يقتل أيضا لحرابته ولا يستتاب، ولا يجوز لأولياء من قتل العفو عنه، فلا يفترق حكم ما أصاب المرتد في بلد الحرب، أو في بلد الإسلام - إذا لم يسلم، وإنما يفترق ذلك - إذا أسلم على ما قد ذكرناه. وقوله: وإن كان على الإسلام يوم أصاب ذلك، أقيد منه؛ - معناه إن كان أصاب ذلك - وهو على الإسلام - قبل أن يرتد؛ لأن الارتداد يسقط عنه حكم الحرابة إذا أسلم، ويقاد منه لمن قتل. [مسألة: يحمله على الفرس في سبيل الله على إن سلم فهو رد عليه فيصاب الفرس] مسألة وسألته عن الرجل يحمل الرجل عن الفرس في سبيل الله على إن سلم فهو رد عليه، فيصاب ذلك الفرس فيجعل أمير الجيش الخلف لمن أصيب له فرس، لمن يكون ذلك الخلف؟ فقال لسيد الفرس، ليس للمحمول عليه منه شيء. قال محمد بن رشد: وهذا بين كما قال؛ لأن الإمام إنما قصد أن يجبر على من تلف له فرس - فرسه، لا أن يعطي فرسا لمن أصيب تحته فرس لغيره.

стр. 1096

[الأسارى من المسلمين يصيبهم العدو في البحر] ومن كتاب حبل حبلة قال عيسى: قلت لابن القاسم: فالأسارى من المسلمين يصيبهم العدو في البحر، فيوثقونهم ويوجهون بهم إلى بلادهم، فيثب عليهم الأسارى، فيقتلون بعضهم؛ ويأسرون بعضهم، ويصيبون متاعهم ومركبهم؛ هل ترى للإمام فيه خمس؟ فقال: إن كان يسار بهم في البحر إلى أرضهم ولم يصلوا بعد إلى أرضهم؛ فأراهم بعد في حربهم، وأرى فيما أصابوا الخمس؛ وإن كانوا قد وصلوا بهم إلى بلادهم، ثم خلصوا منهم على ما ذكرت؛ فأرى ما أصابوا لهم، وليس للسلطان فيه خمس. قال محمد بن رشد: الوجه في هذا أنهم إن فعلوا ذلك قبل أن يستحكم أسرهم، فهم بعدُ في حربهم، يكون فيما أصاب منهم الخمس، وإن فعلوا ذلك بعد أن يستحكم أسرهم، فما أصابوا لهم، ولا خمس عليهم فيه، وإنما يستحكم أسرهم - إذا ساروا بهم إلى موضع يأمنون فيه لحوق مراكب المسلمين بهم، فمعنى الرواية: إذا علم أنهم لا يأمنون إلا بالوصول إلى أرضهم؛ لكثرة مراكب المسلمين عليهم. ولو أمنوا قبل الوصول إلى أرضهم، لكان لهم بالوصول إلى موضع الأمن حكم الوصول إلى أرضهم - والله أعلم، يبين هذا الذي قلناه - مسألة آخر سماع سحنون من هذا الكتاب في حد الموضع الذي يجعل فيه تجار الحربيين إذا أخذوا في انصرافهم - وبالله التوفيق.

стр. 1097

[مسألة: الأسير يكون مخلى بأرض الحرب أيخذ من المتاع شيئا] مسألة قلت: فالأسير يكون مخلى بأرض الحرب، هل يجوز له أن يعدو على بعض متاع الذي هو في يديه أو غيره، فيهرب ولم يخله بعهد؟ قال: الذي كنا نحفظ من قول من يرضى - وأنا أشك أن يكون مالكا - أنه إن كان أرسل على أمان لم يحل له أن يهرب، ولا أن يأخذ من أموالهم شيئا، وإن أرسلوه على غير أمان بمنزلة ما يملكون من الرقيق قوة عليه لا يخافونه، فليقتل وليأخذ ما شاء؛ وما خرج به من ذلك فهو له، وليس للسلطان فيه خمس؛ لأنه لم يوجف عليه، وهذا الذي سمعت - وهو رأيي. قال محمد بن رشد: هذا مثل ما في سماع أصبغ بعد هذا، وفي الواضحة لمطرف وابن الماجشون، وروايتهما عن مالك أن له أن يهرب بنفسه وإن أطلقوه على وجه الائتمان له والطمأنينة إليه، ما لم يأخذوا على ذلك عهده، وفي المبسوطة للمخزومي، وابن الماجشون، أن له أن يهرب، وأن يأخذ من أموالهم ما قدر عليه، ويقتل إن قدر - وإن ائتمنوه ووثقوا به واستحلفوه؛ فهو في فسحة من ذلك كله، ولا حنث عليه في يمينه؛ لأن أصل أمره الإكراه؛ فهي ثلاثة أقوال، أصحها في النظر قول ابن الماجشون، ومطرف، وروايتهما عن مالك في الواضحة: أنهم إن ائتمنوه على أن لا يهرب ولا يقتل، ولا يأخذ من أموالهم شيئا، فله أن يهرب بنفسه، وليس له أن يقتل، ولا يأخذ من أموالهم شيئا؛ لأن المقام عليه ببلد الكفر حرام، فلا ينبغي له أن يفي بما وعدهم به من ذلك؛ بخلاف القتل، وأخذ المال؛ لأن ذلك جائز له وليس بواجب عليه، فوجب عليه الوفاء به؛ وأما قوله: إن ما خرج به من

стр. 1098

المال فهو له، ولا خمس عليه فيه، فهو مثل ما تقدم في المسألة التي قبل هذه، وهو المشهور في المذهب؛ وقال ابن المواز: إن عليه الخمس فيما خرج به إن كان خرج للإصابة، فأسر ببلد الحرب؛ لأنه لم يصل هو إلا بالإيجاف، بخلاف إذا أسر من بلاد المسلمين. وقوله بعيد على أنه إنما ساقه في كتابه على جهة التفسير للمذهب. [يغنمون الرقيق هل يشترى منهم وهم لم يؤدوا خمسها] ومن كتاب أوله جاع فباع امرأته وسألته عن القوم يغنمون الرقيق، هل يشترى منهم - وهم لم يؤدوا خمسها. قال: لا يشترى منهم إذا لم يؤدوا خمسها. قلت: فإن كانوا قوما صالحين يظن بهم أنهم لا يحبسون خمسها. قال: لا يشترى منهم إلا أن يعلموا أنهم يؤدون خمسها. قال محمد بن رشد: أما إذا كانوا قوما صالحين لا يظن بهم أن يحبسوا خمسها، فلا وجه للمنع من الشراء منهم، وأما إذا لم يعلم حالهم فترك الشراء منهم، هو وجه التورع؛ وأما إذا علم أنهم يبيعون ولا يؤدون الخمس، فاختلف في جواز الشراء منهم؟ روى يحيى بن عمر عن أبي المصعب أنه يشترى منهم وتوطأ الأمة، وإنما الخمس على الذي يبيع، وعلى هذا يأتي ما قاله ابن حبيب في الوالي يعزل الظلمة العمال، فيرهقهم ويعذبهم في غرم يغرمهم لنفسه، أو ليرده على أهله؟ فيلجئهم

стр. 1099

ذلك إلى بيع أمتعتهم ورقيقهم، أن الشراء منهم جائز، وقيل: إن الشراء منهم لا يجوز - إذا علم أنهم يبيعون - ولا يؤدون الخمس؛ لأنه بيع عداء، وهو قول سحنون، وعلى قياس هذا يأتي قول ابن القاسم في رسم "الجواب" من سماع عيسى من كتاب زكاة الماشية: إن الصدقات والعشور لا يحل الاشتراء منها - إن كانوا لا يضعون أثمانها في مواضعها، وهذا الاختلاف عندي إنما ينبغي أن يكون إذا كانت الرقيق لا تنقسم أخماسا، فكان الواجب أن تباع ليخرج الخمس من أثمانها؛ وأما إذا كانت تنقسم أخماسا فلم يخرجوا منها الخمس، وباعوها ليستأثروا بها، فهم كمن تعدى على سلعة لغيره فباعها، فلا يجوز لمن علم ذلك شراؤها. [يأتي أرض المسلمين بغير أمان فيؤخذ في أرض الإسلام] ومن كتاب الجواب وسألته عن الرجل من العدو يأتي أرض المسلمين بغير أمان، فيؤخذ في أرض الإسلام، أو قبل أن يصل إلى أرض الإسلام، فيقول جنحت إلى الإسلام، هل يقبل ذلك منه - وهم ربما تلصصوا الواحد والاثنان؛ قال ابن القاسم: أما الذي يؤخذ قبل أن يدخل أرض الإسلام، فهو الذي لا يشك فيه أن يقبل منه، أو يرد إلى مأمنه؛ وكذلك قال مالك فيه، وكذلك إن قال: جئت أطلب الفداء على مثل ذلك سواء؛ وأما الذي يؤخذ في أرض الإسلام، فهو على مثل ذلك سواء أيضا عندي - إذا كان أخذه بحدثان سفره وقدومه، وبأثر ذلك وفي فوره ووجهه؛ فأما أن يطول زمانه وإقامته بين أظهر المسلمين لا يعلم به، فإذا ظهر عليه، قال: جنحت إلى الإسلام، أو جئت أطلب الفداء، أو ما أشبه ذلك؛

стр. 1100

فلا أرى أن يقبل ذلك منه، وأراه رقيقا يرى الإمام فيه رأيه بالاجتهاد، وليس هو لمن أخذه؛ ولا أرى أن يقتل إلا أن يعلم أنه أتى جاسوسا يتجسس عورات المسلمين ليطلع عليها. قال محمد بن رشد: هذه مسألة فيها اختلاف كثير، وتحصيله مخلصا مقربا: أن فيها ثلاثة أقوال، أحدها: أنه لا يقبل قولهم فيما ادعوا من أنهم جنحوا إلى الإسلام، أو جاؤوا يطلبون الفداء أو التجارة - بعد أن يؤخذوا إذا لم يظهروه قبل أن يؤخذوا، ويكونون فيئا للمسلمين؛ يرى فيهم الإمام رأيه: إن شاء قتل، وإن شاء استرق؛ وسواء أخذوا في بلد الإسلام، أو قبل أن يصلوا إلى بلد الإسلام؛ وسواء كانوا من أهل بلد عودوا الاختلاف إلى بلاد المسلمين المثل ما ادعوا، أو لم يعودوا - وهو قول أشهب في الواضحة وغيرها. والثاني أنه يقبل قولهم أو يردوا إلى مأمنهم، أن يتبين كذبهم فيما ادعوا، مثل أن يقولوا نحن تجار أردنا التجارة - وليس معهم أسباب التجر، ومعهم السلاح؛ قيل إذا أخذوا قبل أن يصلوا إلى بلاد المسلمين؛ وأما إن أخذوا في بلاد المسلمين، فهم فيء للمسلمين، وهو قول يحيى بن سعيد في المدونة، وظاهر قول مالك فيها، وقول سحنون، وقيل إن أخذوا في بلاد المسلمين - إذا كان أخذهم بحدثان قدومهم، وهو قول ابن القاسم في هذه الرواية. وقيل وإن أخذوا بعد أن طال مقامهم في بلاد المسلمين، إلا أن يتبين كذبهم، وهو ظاهر قول ابن القاسم في أول رسم "الصلاة" من سماع يحيى. والقول الثالث أنهم إن كانوا من

стр. 1101

أهل بلد قد عودوا الاختلاف لما ادعوه من الفداء، أو التجارة، أو الاستئمان، قبل قولهم، أو ردوا إلى مأمنهم، وإلا فهم فيء للمسلمين، وإلى هذا ذهب ابن حبيب في الواضحة، وعزاه إلى مالك من رواية المدنيين والمصريين، وهو قول ربيعة في المدونة، وسحنون في سماعه بعد هذا، وعيسى في تفسير ابن مزين، وإليه نحا ابن القاسم فيه، وأما إن أظهروا ما ادعوا قبل أن يؤخذوا، وقبل أن يصلوا إلى بلاد المسلمين، فلا اختلاف في أنهم لا يسترقون، ويقبل منهم ما ادعوا، أو يردوا إلى مأمنهم. [مسألة: الطير والحيتان تصاد في أرض العدو وتباع هل يجعل أثمانها في المقاسم] مسألة وسألته عن الطير والحيتان تصاد في أرض العدو، وتباع، هل يجعل أثمانها في المقاسم، أم هي لمن أصابها؟ قال ابن القاسم: بل تدفع في المقاسم لا شك فيه، ولا يحل غيره، وإن أراد أن يخرج بالطير حيا، فإن كانت من الطير التي لها الأثمان للاصطياد، وما أشبه ذلك، لم يخرج بها، وردها في المقاسم، وإن كانت طيرا للأكل وأراد أن يتزود منها أو من الحيتان ما يبلغه، فلا بأس بذلك؛ فإن فضلت معه فضلة منها بعد رجوعه، باعها وتصدق بثمنها؛ إلا أن يكون ذلك الشيء يسيرا تافها لا قدر له، فلا أرى عليه بيعه، ولا بأس عليه في أكله في أهله. قال محمد بن رشد: حكم ابن القاسم في هذه الرواية لما صاد الرجل في بلاد الحرب من الحيتان والطير - بحكم طعام العدو الذي قد حازوه وملكوه، فكذلك على هذه الرواية ما كان له ثمن من أشيائهم المباحة،

стр. 1102

حكمه حكم ما حازوه إلى بيوتهم من أموالهم، وقد مضى القول في هذه المسألة - مجودا - في رسم "صلى نهارا"، ورسم نذر من سماع ابن القاسم، وفي غيره من المواضع أيضا. [مسألة: أهل الذمة إذا نقضوا العهد ومنعوا الجزية وخرجوا من غير عذر] مسألة وسألته عن القوم من أهل الذمة ينزع رجالهم ويحاربون، فيظفر بهم؛ هل يستحل بذلك ذراريهم ونساؤهم ومن يزعم من ضعفاء رجالهم أنه استكره، ومن يرى أنه مغلوب على أمره ولا يملك من أمره شيئا - دخلوا أرض الحرب، أو لم يدخلوا؟ قال ابن القاسم: إن كان الإمام عدلا قوتلوا أو قتلوا، واستحلت نساؤهم وذراريهم وأولادهم المراهقون، والأبكار تبع لهم يستحلون ويسبون، وهم من النساء والذرية؛ وأما من يرى أنه مغلوب على أمره، وأنه لم يعن مثل الضعيف والشيخ الكبير الزمن؛ فلا أرى أن يستحلوا، ولا يقتلوا، ولا يسترقوا على حال. قال وإن نقضوا وقاتلوا وظهر على الذرية قبل أن يظهر عليهم، استحلوا أيضا وسبوا، وكانوا كسبيل ما فسرت لك؛ وذلك إذا كان الإمام عدلا لم ينقموا منه شيئا، وإن نقضوا وخرجوا إلى دار الحرب، وبقيت الذرية بين أظهر المسلمين؛ لم تستحل الذرية، ولم يكن إلى الذرية سبيل بوجه من الوجوه؛ وإن تحملوا الذرية معهم، وظفر بهم قبل أن يصلوا إلى دار الحرب؛ فهم كلهم فيء بحال ما فسرت لك - إذا كانوا قد نقضوا وامتنعوا، وكان الإمام عدلا - كما أخبرتك، وإن كان الإمام غير عدل ونقموا شيئا يعرف ما قاموا به، لم يقاتلوا ولم يقتلوا؛ قال مالك: وإلى من يردونهم إلى من يستحل نساءهم وبناتهم، فإن ظهر عليهم في تلك الحال، لم يسترقوا ولم يستحلوا، ولاشيء من

стр. 1103

نسائهم ولا ذريتهم، وتركوا على حالهم، وذمتهم؟ وإن تحملوا إلى أرض الحرب بذريتهم ثم ظهر عليهم، لم يستحل منهم شيء من الأشياء - كما فسرت لك - إذا كان الإمام غير عدل؛ إلا أن يعينوا على المسلمين بعد دخولهم إلى العدو، أو يقاتلوا مع العدو فيستحلون بفعلهم ذلك، ويسن بهم وبذراريهم عند ذلك سنة أهل الحرب؛ لأنهم قد صاروا حينئذ حربا وعدوا. قال محمد بن رشد: اتفق أصحاب مالك على اتباع قول مالك في أن أهل الذمة إذا نقضوا العهد، ومنعوا الجزية، وخرجوا من غير عذر، أنهم يصيرون حربا وعدوا، يسبون ويقتلون، إلا أشهب في المدونة، فإنه قال لا يعود الحر إلى الرق، وما اتفق عليه مالك وأصحابه أصح في النظر من قول أشهب؛ لأن الحرية لمن تثبت لهم بعتاقة من رق متقدم، فلا ينقض، وإنما تركوا على حالهم من الحرية التي كانوا عليها آمنين على أنفسهم ودمائهم بين أظهر المسلمين، بما بذلوه من الجزية عن يد وهم صاغرون مساناة ما بذلوها، لقول الله : ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [التوبة: ٢٩]- الآية. فإذا منعوا الجزية لم يصح لهم العوض، وكان للمسلمين الرجوع فيه. وذلك أيضا كالصلح ينعقد بين أهل الحرب وبين المسلمين على شروط، فإذا لم يفوا بها، انتقض الصلح بقول الله : ﴿فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ [الفتح: ١٠]- الآية. وكمن اكترى دارا

стр. 1104

مشاهرة، فإذا منع الكراء، أخرج من الدار؛ وقد احتج لذلك ابن الماجشون في كتاب ابن المواز بأن قال: وكذلك فعل النبي ﵇ في سبي قريظة وغيرهم، وقاله محمد، ولا حجة في ذلك - عندي؛ لأن الذي كان بين النبي ﵇ وبين قريظة وغيرهم من اليهود، إنما كانت مهادنة ومعاهدة - وهم في بلادهم؛ ولم يكونوا كأهل الذمة الذين غلبوا، فأقروا تحت ملكة المسلمين على أداء الجزية، ومما يدل على هذا أن ابن القاسم لم يحتج به في المدونة، وإنما قال فيها قد مضت في ذلك السنة من الماضين؛ فذكر قتال عمرو بن العاص - الإسكندرية - ثانية، فلو كانت عنده في ذلك سنة عن النبي ﵊، لذكرها - والله أعلم؛ وفرق في الرواية بين النساء والذرية، وبين الشيوخ والزمنى، وساوى بين ذلك ابن الماجشون، وأصبغ، وجعلا نقض كبارهم نقضا عليهم، أن صلحهم صلح عليهم، واختاره ابن حبيب، ولا ينبغي أن يختلف فيهم، إذا علم أنهم مغلوبون مكرهون غير راضين، لقوله : ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤] . ويحمل الخلاف على أنه إذا جهل أمرهم وادعوا الإكراه والغلبة على ما يحملون، فلا يستباحون على مذهب ابن القاسم إلا بيقين، ولا يمتنع من سبيهم وقتلهم على ما ذهب إليه ابن حبيب إلا بيقين - والله أعلم. [مسألة: الكبير والكبيرة من المسلمين يصيبهما العدو ثم يصيبهما المسلمون] مسألة وسألته عن الكبير والكبيرة من المسلمين يصيبهما العدو، ثم

стр. 1105

يصيبهما المسلمون، ولا يدعيان شيئا حتى تجرى عليهما المقاسم، ويتداولهما المشترون؛ ثم يثبت أمرهما ويظهر ويعرف؛ وهل الكبير والصغير في هذا سواء؟ قال ابن القاسم: لا أرى عليهما غرم شيء من أثمانهما، وهما بمنزلة الصغير في ذلك - إذا كان ممن يجهل مثل هذا، ولا يعلمان بأنهما لا يسترقان، ويظنان أن ذلك عليهما، ويعذران في ذلك، فإن كانا ممن لا يعذران في ذلك وسكتا على علم، وتعمدا ذلك؟ رأيت عليهما غرم أثمانهما؛ وإن كانت الجارية قد وطئت في ذلك، لم أر عليها شيئا - إذا عذرت بنحو ما أخبرتك من الجهالة والتأويل والنسيان؛ وقد قال في سماع يحيى بن يحيى من كتاب يشترى الدور والمزارع، ليس اشتراؤه إياهما في الأسر بمنزلة اشترائه إياهما في المغانم؛ لأنهما في أرض العدو في رق استنقذهما منه، وهما حين صارا بأيدي المسلمين فقد خرجا من ذلك الرق، وصارا إلى الحرية التي كانا عليها؛ قال يحيى: قلت لابن القاسم فما ترى في حق المشتري إن كان أخذهما في سهامه، أو اشتراهما في المقاسم؟ قال: أراها مصيبة دخلت عليه، إلا أن يدرك ذلك قبل القسم فيسقط عنه الثمن. قال محمد بن رشد: لا اختلاف إذا عذرا بجهل أنه لا شيء عليهما، وإنما اختلف قول ابن القاسم إذا لم يعذرا بجهل وسكتا - وهما يعلمان أن الاسترقاق لا يلزمهما، فأوجب عليهما في رواية عيسى عنه غرم أثمانهما للمشتري إن فات القسم، ولم يكن له على من يرجع، ولم يوجب ذلك له عليهما في رواية يحيى، وهو قول سحنون، واختيار ابن المواز،

стр. 1106

قال: وذلك بخلاف العروض أو الرقيق، أو الحيوان، أو غيره مما قسم في المغنم، أو بيع فيه، فلا يأخذه صاحبه إلا بالثمن الحر والحرة - إن بيعا في المغنم يخرجان حرين، ولا يتبعان بشيء، وسواء كانا مسلمين أو ذميين؛ قال: ولم يقل أحد من أصحابنا إنه يرجع عليهما - إلا أشهب، وقد قاله ابن القاسم في رواية عيسى هذه، وهو قوله أيضا في رسم "لم يدرك" من سماع عيسى من كتاب الاستحقاق في الرجل والمرأة يقران بالمملكة، فيباعان فتوطأ المرأة فتلد - وقد مات بائعها أو فلس - أن أثمانها تكون للمشتري دينا عليهما؛ وهذا الاختلاف جار على مجرد الغرور بالقول: هل يلزم به غرم أو لا، وعلى رواية عيسى هذه التزم الموثقون أن يكتبوا في عهد الرقيق - إذا كان العبد أو الأمة: قد بلغا إقرارهما بالرق لبائعهما، ليكون للمشتري اتباعهما بأثمانهما - إن استحقا بحرية، وثبت عليهما العلم بذلك، والبائع ميت أو عديم - وهو ضعيف؛ لأن السكوت عند ابن القاسم في رواية عيسى عنه في هذه المسألة كالإقرار، يجب به للمشتري الرجوع، وعلى رواية يحيى وقول سحنون وما اختاره ابن المواز، وحكي أنه إجماع من أصحاب مالك - إلا أشهب، لا فائدة في كتابه، إذ لا يوجب شيئا؛ وقد قال ابن حبيب إن الغلام إذا استحق حرية والبائع غائب، أنه يرفع مع المشتري إلى موضع البائع، ليأخذ رأس ماله منه، كما لو استحق برق؛ ومعنى ذلك إذا علم بحريته وغر من نفسه، وكذلك قال ابن كنانة، وأما إن كان الرق قد جرى عليه من الصغر - ولم يعلم بحريته، فلا يجب أن يرفع معه؛ وحكى ابن عبدوس عن ابن القاسم في الجارية أنها لا ترفع معه، وإنما يكتب له السلطان بصفتها، معناه وإن غرت من نفسها، فالاختلاف في هذا، إنما هو إذا غرت من نفسها على قياس الاختلاف في وجوب اتباعها بالثمن، إذا كان البائع ميتا، أو عديما، والله أعلم.

стр. 1107

[مسألة: يفدي الرجل المسلم من العدو فإذا بلغا بلاد المسلمين اختلفا في الفدية] مسألة وسألت عن الرجل يفدي الرجل المسلم من العدو، فإذا بلغا بلاد المسلمين، اختلفا في الفدية: يدعي المفدي أكثر مما يقول المفدى، قال ابن القاسم: القول قول المفدى فيما أقر به من ذلك، قليلا كان أو كثيرا، كان يشبه فداء مثله أو لا يشبهه؛ لأن مالكا قال: لو أنكر أن يكون فداه أصلا وقد خرجا من بلاد العدو، كان القول قوله، إلا أن يكون للآخر بينة أنه فداه؛ قال ابن القاسم: ولو ادعى كل واحد منهما أنه الذي فدى صاحبه - وقد خرجا جميعا من بلاد الحرب، ولا يدرى علم بذلك، فإنهما يحلفان جميعا، ويتتاركان، ولا يكون لواحد منهما على صاحبه شيء؛ لأن كل واحد منهما مدع على صاحبه. قال محمد بن رشد: قول ابن القاسم: إذا اختلف الفادي والمفدى في مبلغ الفدية: إن القول قول المفدى، أشبه قوله، أو لم يشبه، ليس على أصولهم في مراعاة دعوى الاشتباه في التداعي، لاتفاقهما على أنه فداه، فذلك بخلاف إذا ادعى أحدهما على صاحبه أنه فداه فأنكر، والذي يأتي على أصولهم إذا اختلفا في مبلغ الفدية، أن يكون القول قول المفدى - إذا أتى بما يشبه؛ فإن أتى بما لا يشبه، كان القول قول الفادي - إن أتى بما يشبه، فإن أتى بما لا يشبه أيضا، حلفا جميعا، وكان للفادي ما يفدي به مثله من ذلك المكان؛ وكذلك إن نكلا جميعا، وإن نكل أحدهما وحلف الآخر كان له ما حلف عليه وإن لم يشبه؛ لأن صاحبه قد أمكنه من ذلك بنكوله، وقال سحنون: القول قول الفادي - إذا كان الأسير بيده. ولابن

стр. 1108

أبي حازم في المدنية مثله، وزاد: إلا أن يدعي ما لا يفدى به مثله في ذلك المكان فيكون له ما يفدى به مثله في ذلك المكان، وفي ذلك من قولهما نظر، إذ ليس الأسير بمال فيكون إذا كان بيده شاهدا له على ما يدعي كالرهن، فإذا لم يكن شاهدا له على ما يدعي، ولا كان في كونه بيده دليل على قلة الفدية من كثرتها، وجب أن يكون القول قول المفدى - فيما يقر به من الفدية - إذا أشبه على ما قلناه، وإنما كان ينتفع الفادي بكون الأسير في يده - لو أنكر أن يكون فداه؛ لأن كونه في يده، دليل على أنه فداه، وليس بدليل على ما يدعي أنه فداه به، وهذا كله بين، فلا يصح في المسألة إلا ما ذكرناه، وقد روي عن الأوزاعي أنه قال القول قول الفادي، وهو يعيد أيضا ما كان بيده أو لم يكن؛ إلا أن يكون معناه إذا أشبه قوله، ولم يشبه قول المفدى، والله أعلم، وبه التوفيق، لا رب غيره، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.

стр. 1109

[كتاب الجهاد الثاني] [ مسألة نفر من أهل الذمة يغزون مَن يليهم من العدو أترى أن يخمس ما يصيبون] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ صلى الله على سيدنا ومولانا محمد، وآله وصحبه وسلم تسليما كتاب الجهاد الثاني من سماع يحيى بن يحيى من كتاب الكسب مسألة قال يحيى: وسألت ابن القاسم عن نفر من أهل الذمة من ثغرنا من النصارى يغزون مَن يليهم من العدو مع غير المسلمين فيغنمون، أترى أن يخمس ما يصيبون؟ فقال: لا أحب للإمام أن يأذن لهم بالغزو. قلت: لِمَ كرهت ذلك، وهم لا يغزون معنا في عساكرنا؟ فقال: لقول رسول الله ﷺ للمشرك: «ارجع فلن نستعين بمشرك» ، وغزو هؤلاء من العون، وإن لم يكونوا مع المؤمنين في عسكرهم.

стр. 1110

قلت: فإن وقع الأمر فماذا ترى؟ قال: لا أرى عليهم خمسا. قلت: فإن قسم بينهم حَكَمُ المسلمين أيقسم على سنة الإسلام؟ قال: نعم، إذا حكَّموه ورضوا به فليقسم بينهم بقَسْم الإسلام، وإن لم يحكِّموه فأمرهم إلى أساقفتهم وأهل دينهم، يقسمون بينهم على سنتهم. قال محمد بن رشد: لا يجوز عند مالك ﵀ وجميع أصحابه، للإمام أن يستعين بالكفار على قتال الكفار، ولا أن يأذن لهم في الغزو مع المسلمين ولا منفردين أيضا؛ لأنه وجه من العون؛ ولأنهم يستبيحون فيه ما لا يجوز في الغزو على ما قاله أصبغ في نوازله؛ لقول النبي ﵇: «لن أستعين بمشرك» ، ولما روي من «أن الأنصار قالوا يوم أحد: ألا نستعين بحلفائنا من يهود؟ فقال ﷺ : "لا حاجة لنا فيهم» . وفي قول ابن القاسم في هذه الرواية: لا أحب للإمام أن يأذن لهم بالغزو، دليل على أنهم إن لم يستأذنوه لم يجب عليه أن يمنعهم، وعلى هذا يحمل غزو صفوان بن أمية رسول الله حنينا والطائف، خلاف قول أصبغ في نوازله: إنهم يُمنعون من ذلك أشد المنع. وقد حكى أبو الفرج عن مالك: أنه لا بأس على الإمام أن يستعين بالمشركين في قتال المشركين إذا احتاج إلى ذلك، وهو دليل قوله للأنصار: لا حاجة لنا فيهم. وقد روي عنه ﵇: «أنه بلغه جمع أبي سفيان

стр. 1111

ليخرج إليه يوم أحد، استعان يهود النضير فقال لهم: "إنا وأنتم أهل كتاب، وإن لأهل الكتاب النصر على أهل الكتاب، فإما قاتلتم معنا، وإما أعرتمونا سلاحا» ، فإن غزوا بإذن الإمام أو بغير إذن الإمام منفردين تُركت لهم غنيمتهم ولم تُخمس، وإن غزوا مع المسلمين في عسكرهم لم يكن لهم في الغنيمة نصيب، إلا أن يكونوا متكافئين، أو هم الغالبون، فتقسم بينهم وبين المسلمين قبل أن تخمس، ثم يخمس سهم المسلمين خاصة. وأهل الكتاب وغيرهم عند مالك في هذا سواء، وحكى الطحاوي عن أبي حنيفة وأصحابه أنه أجاز الاستعانة بأهل الكتاب دون من سواهم من المشركين عبدة الأوثان والمجوس، وصحّح الآثار على ذلك، قال: وإنما لم يستعن رسول الله بحلفاء الأنصار من يهود للحلف الذي كان بينهم وبين عبد الله بن أبي المنافق؛ لأنهم خرجوا بذلك من حكم أهل الكتاب، وهو من التأويل البعيد؛ ولا بأس بأن يُستعار السلاح من الكفار كما فعل رسول الله ﷺ ، وأجاز ابن حبيب أن يقوي الإمام من سالمه من أهل الحرب على من لم يسالمه منهم بالقوة والسلاح، وأن يسايروه بحداء عسكر المسلمين ما لم يكونوا في داخله وسبيل أهله. [مسألة حكم الإسهام في الغنيمة لمن لم يسمع كلام الأمير] مسألة قال يحيى: وسألت ابن القاسم عن أمير سرية خرج بأصحابه حتى إذا دنا من أرض العدو عرض لهم نهر، فقال لأصحابه: اعبروا النهر لعل الله أن يغنمنا، فكره ذلك بعضهم وقالوا: لا تغرر بنا، فإن إجازة هذا النهر شديد الخطر، وذكروا له بعض ما اعتذروا له، وأشاروا إليه ألا يجوزوه، وأطاعه بعضهم، فأجاز بهم

стр. 1112

وتخلف العصاة، فمضى بمن أطاعه، فغنم غنائم كثيرة، وسلم هو وأصحابه، فلما رجعوا وجدوا المتخلفين عنهم بمكانهم لم يبرحوا، أترى لهم في الغنيمة حقا؟ وإن أنكروا أن يكونوا تخلفوا عنه، أيجوز شهادة من زعم أنه أجاز مع الإمام؟ أو هل يقبل قول الإمام على من تخلف، ولمن زعم أنه أجاز معه؟ فقال: إن أقروا بالتخلف أو شهد به عليهم رجلان ممن تخلف، أو ممن ليس منهم، ولا من الذين دخلوا مع الإمام، فلا قسم لهم، ولا حق في الغنيمة للذين غابوا على الذين أصابوها راضين بالتخلف عنهم؟ وإن لم يشهد عليهم بالتخلف، وأنكروا أن يكونوا تخلفوا إلا بعض الداخلين أو قول الإمام، فالقول قولهم، ولا يقبل عليهم قول الإمام إلا ببينة تشهد من غير الداخلين؛ لأن كل من دخل فهو إذا شهد عليهم جارٌّ إلى نفسه، والإمام كأحدهم. وقال ابن وهب مثله. قال محمد بن رشد: لم يبين في الرواية إن كانت إجازة النفر على ما ذكره من كره إجازتهم من الغرر وشدة الخطر أم لا، فإن لم يكن على ذلك، وكان قولهم اعتلالا على جوازه، فلا إشكال، ولا اختلاف في أنه لا حق ولا نصيب لمن تخلف عن إجازته فيما غنمه من أجازه؛ لأنهم قد رضوا بترك حقوقهم فيما غنموه؛ إذ لا عذر لهم في ترك إجازته. وأما إن كانت إجازة النهر على ما ذكروه من الغرر، وشدة الخطر والمهلكة، فظاهر الرواية أيضا أنه لا حق لمن تخلف عن الإجازة فيما غنمه من جازه، ولسحنون في كتاب ابنه: أنهم يدخلون معه فيما غنموه؛ لأن لهم عذرا في التخلف عن

стр. 1113

إجازته. وقد أخطأ الذين جازوه، والذي ينبغي عندي على أصولهم أن ينظر في ذلك، فإن رئي أن لمن أجاز النهر في وصول من لم يجزه معهم إليه، ووقوفهم بمكانهم إلى حين انصرافهم بغنيمتهم إليهم وجهُ منفعة، مثل أن يكون بالنهر من الغرب من بلد العدو، بحيث يمكن أن يكون العدو قد بلغه جمعهم، وكثرة عددهم، فيظنوا أنهم أجازوا النهر بجمعهم، فيكون لهم الدخول فيما غنموه؛ إذ لعل ما ظنه العدو من جوازهم هو الذي فتّ في أعضادهم، فكان ذلك عونا للغانمين على غنيمتهم؛ وإن رئي أنهم لم يكن في وصولهم معهم إلى النهر، ووقوفهم عليه وجه منفعة لم يكن لهم دخول معهم في غنيمتهم. ولا اختلاف في أنه لا يجوز شهادة من جاز مع الإمام بالتخلف على من أنكره؛ لأنه يجر بشهادته إلى نفسه ما يجب لهم من سهم المشهود عليهم، إلا أن يكون الذي يجب لهم من ذلك يسيرا، فيجري ذلك على الاختلاف في جواز شهادة العدل إذا شهد لغيره شهادة يجر بها إلى نفسه ما لا يُتهم على مثله لنزارته، فقد أجازها مالك في سماع أشهب من كتاب الأيمان بالطلاق. وأما شهادة الإمام فقال ابن القاسم في هذه الرواية: إنها لا تُقبل على المتخلفين إلا ببينة؛ لأنه كأحد الحائزين في الجر إلى نفسه بشهادته، ولسحنون في كتاب ابنه أن قول الإمام مقبول على من تخلف إذا كان عدلا من غير طريق الشهادة، وقوله بعيد؛ لأنه إن حكم هو عليهم بألا حق لهم في الغنيمة كان حاكما بعلمه جارًّا بذلك لنفسه، وإن رفع الأمر إلى غيره من الحكام، فشهد عنده بعلمه استوى هو وغيره في الشهادة، ووجب أن تبطل بما تبطل به شهادة من سواه، ووجهه أنه أجاز قوله في ذلك على قياس مذهبه في أن للقاضي أن يقضي بعلمه فيما أقر به عنده الخصم في مجلس قضائه. [مسألة: حصرَهم العدو فخرج نفر منهم فقاتلوا العدو فأصابوا خيلا وأسلابا] مسألة قال يحيى: وسألت ابن القاسم عن أهل حصن من

стр. 1114

المسلمين حصرَهم العدو، فخرج نفر من أهل الحصن فقاتلوا العدو الذين حصروهم، فأظفرهم الله بقتل رجال منهم، فأصابوا خيلهم وأسلابهم، وأسروا بعضهم، أيقسم ما أصابوا بينهم وبين جميع أهل الحصن، أو يكون لمن خرج متعرضا للقتال أو لمن قاتل دون لمن خرج ممن لم يقاتل؟ فقال: بل يقسم بين جميع من خرج قاتل أو لم يقاتل، وبين جميع أهل الحصن بعد إخراج الخمس. قلت: أيقسم لخيل من لم يخرج وخيل من خرج راجلا وخلى فرسه في الحصن؟ قال: نعم، إذا كانوا بموضع رباط، وضعوا فيه رصدة للعدو ولذلك سكنوا، ولو كانوا على غير ذلك لم يكن لهم شيء. قال محمد بن أحمد: وهذا كما قال؛ لأن الحكم في الغنيمة أن تقسم بعد إخراج الخمس بين جميع الغانمين الرجال الأحرار البالغين، من قاتل منهم ومن لم يقاتل؛ لكون من لم يقاتل منهم ردءا لمن قاتل وعونا لهم على الغنيمة؛ لأن نفوسهم تقوى بوقوفهم، وتزيد في جرأتهم على العدو، والعدو يرهبهم، فربما كانوا هم السبب لانهزامهم. فكذلك الذين في الحصن بهم قويت نفوس من خرج لكونهم ردءا لهم، ولعل العدو إنما انهزموا بسببهم. وهذا يبين ما ذهب إليه في المسألة التي قبل هذه، وستأتي هذه المسألة بعد هذا الرسم كاملة أكمل من هذه، وبالله التوفيق. [مسألة: ناس من العدو أعطاهم الإمام عهدا أيوفى لهم بالعهد] مسألة قال يحيى: وسألت ابن القاسم عن ناس من العدو كانوا خرجوا إلى رجل كان في الثغر من أهل الخلاف للإمام، وكان يلي مدينة من الثغر قد غلب عليها، فأعطاهم عهدا فأمنوا بذلك عنده؛ إذ كان فيما أحدث من الخلاف والاستعانة بالعدو على من أراده من

стр. 1115

المسلمين، فقلت: أيوفى لهم بالعهد الذي كان أعطاهم، أم يستحلون؛ لأنهم خرجوا إليه وقبلوا عهده، وقد علموا خلافه للإمام؟ فقال: لا تحل دماؤهم ولا ذراريهم ولا أموالهم لأحد؛ لأن عهده عهد، وهو رجل من المسلمين يعقد لهم أمانا على جميع المسلمين، ولكن يقال لهم: إن عهده لا يمضيه الوالي فارجعوا إلى مكانكم، فإذا ردوا إلى أرضهم عادوا إلى حالهم الأول، فكانوا من أهل الحرب ما هم، فقلت: فإن اختاروا الإقامة على الجزية أترى للإمام أن يقرهم؟ قال: نعم، لا أحب له ردهم إذا رضوا بالجزية. قال محمد بن أحمد: قوله: إنهم يحرمون على المسلمين بالعهد إن أعطاهم المخالف على الإمام صحيح؛ لقول رسول الله ﷺ : «يجير على المسلم أدناهم» وذلك ما لم يغيروا بعد معاهدته إياهم على المسلمين أمرا بينه وبينهم وأمسكوا، فإن أغاروا على المسلمين لمخالفة الإمام انتقض العهد الذي أعطاهم، ووجب أن يقاتلوا ويستحلوا، قاله أصبغ في نوازله بعد هذا، وهو مفسر لقول ابن القاسم هذا. [مسألة: ذميون هربوا إلى أرض العدو فأسرهم المسلمون فخمسوا وقسموا] مسألة قال يحيى: وسألت ابن القاسم عن ناس من أهل الذمة هربوا إلى أرض العدو ليلا، فأدركتهم خيل المسلمين، وقد دخلوا أرض الحرب فخمسوا وقسموا، ثم ادعوا إنما كان هروبهم خوفا من البيع والظلم، وكانوا مجاورين لقوم من العرب أهل استطالة وظلم

стр. 1116

وقهر لمن جاورهم من أهل الجزية ومن مثلهم هرب وخيف، غير أنه لا يعرف ما ادعوا مما خافوا، وهل أريد بهم سوء أم لا؟ فقال: إن عرف التصديق في ناحية ما شكوا مما خافوا؛ لسوء الذين خافوا وقدرتهم على من أرادوا ظلمه أخرجهم كرها، أو يكونوا في يده لجورهم واستحلالهم للتعدي على من جاورهم، فلا أرى أن يباعوا ولا يستحلفوا، وليصدقوا للذي عرف من ظلم الذين خافوا على أنفسهم، وليردوا إلى جزيتهم إن كان الذي أتى بهم إليه يقوى على دفع الظلم عنهم، والوفاء بالعهد لهم، وإن لم يأمن عليهم ظلم الذين هربوا خوفا منهم، أو ظلم غيرهم من أشباههم، فليخل سبيلهم ليسيروا حيث أحبوا إلى أرض عدو وغيرها، قال أصبغ: وإن أشكل أمرهم فكذلك أيضا لا يستحلوا حتى يتبين أنهم نقضوا العهد على غير شيء من تحت إمام عدل. قال محمد بن أحمد: قول أصبغ تفسير لمذهب ابن القاسم؛ لأن الذمة قد انعقدت لهم، فلا تنقض إلا بيقين، والمسألة كلها صحيحة على مذهب مالك وأصحابه حاشى أشهب، في أن أهل الذمة إذا خرجوا ومنعوا الجزية، ونقضوا العهد من غير ظلم يركبون به أنهم يصيرون حربا وعدوا، ويجوز سبيهم واسترقاقهم، وقد مضى القول على هذأ في رسم الجواب، من سماع عيسى، فلا وجه لإعادته.

стр. 1117

[مسألة: عبد أبق إلى أرض العدو ثم رجع طوعا ومعه أموال وعبيد] مسألة قال يحيى: وسألت ابن القاسم عن عبد لرجل من المسلمين أبق إلى أرض العدو، ثم رجع طوعا ومعه أموال وعبيد، وقد أصاب ذلك في أرض العدو، أترى أن يخمس ما خرج به؟ فقال: ليس ذلك عليه، وليس فيما خرج به العبد الآبق خمس، وهو كله له، ولسيده إن أراد أخذه منه. قلت: أرأيت إن أنكر العبيد أن يكونوا غالب لهم خارجا بهم على حال العبودية، فقالوا: نحن قوم أحرار حبب إلينا أرض العرب، وذكر لنا عدلهم، وحسن حالهم، فتبعناه مصطحبين بأمن حتى نوصل إليكم، لا سبيل له علينا؟ قال: القول قولهم، وعلى الإمام أن يفي لهم بعهد العبد إن كان أعطاهم عهدا، أو يردهم إلى مأمنهم، وإن خرجوا بلا عهد فأمرهم إلى الوالي يرى فيهم رأيه، قال أصبغ مثله قال: ولا يقبل قول العبد إلا أن يعلم أنه أخرجهم كرها، أو يكونوا في يديه يحوزهم، قال: قلت: أرأيت إن كانوا في يد العبد في وثاق حتى تبين أنهم في يديه؟ قال: أراهم عبيدا إذا تبين أنهم في ملكه، وأنه لهم قاهر، وعليهم قادر، قلت: فإن ادعوا أنه إنما أوثقهم في دار الإسلام حين خافوا على أنفسهم؟ فقال: إن استدل على تصديق ما قالوا بسبب ظاهر مثل أن يعينه على وثاقهم غيره، أو يتبين أنه إنما قهرهم بعد خروجهم معه، فالقول قولهم، وإن لم يعرفوا عند

стр. 1118

خروجهم إلا في ملكه ووثاقه، فهم له عبيد، وإن قالوا: قهرنا في الطريق، ونقض العهد؛ فإنهم لا يصدقون لجماعتهم ووحدته، وقدرتهم على الامتناع منه. قال محمد بن رشد: قوله: إن ما خرج به العبد الآبق له ولسيده إن أراد أخذه منه، ولا خمس عليه فيه، مثل ما تقدم في رسم إن خرجت، من سماع عيسى، ولا خلاف في ذلك؛ إذ لا يكون الخمس إلا فيما تعمد الخروج لإصابته، فأوجف عليه بالخيل والركاب، وإن كانوا عبيدا وخرجوا معه على أن يكونوا أحرارا، فعلى الإمام أن يفي لهم بعهد العبد، أو يردهم إلى مأمنهم، ولا يجوز قتلهم ولا استرقاقهم؛ لقول رسول الله ﷺ : «يجير على المسلمين أدناهم» . وقوله: إنهم إن خرجوا معه بلا عهد، فأمرهم إلى الإمام يرى فيهم رأيه، ظاهره وإن عثر عليهم بفور قدومهم خلاف ما يأتي في هذا الرسم بعد هذا، وخلاف ما مضى في رسم الجواب، من سماع عيسى، وقد مضى هناك تحصيل الخلاف في هذه المسألة، فلا معنى لإعادته، وأما إذا ادعى العبد أنهم خرجوا معه على أن يكونوا له عبيدا، أو أنه سرقهم أو غنمهم، وأنكروا ذلك، وقالوا: خرجنا معه على أن نكون أحرارا، فالقول قولهم إلا أن يكونوا في وثاقه كما قال، ومثل ذلك في سماع سحنون، ولا اختلاف في ذلك؛ لأن العبد مدع عليهم، إلا أن يكونوا في وثاقه، وقد أحكمت السنة أن: البينة على المدعي، واليمين على من أنكر. وقد اختلف إن كان أسيرا، فأطلقه على أن يأتيه بهم فأتاه بهم، وزعم أنه سرقهم أو غنمهم، وادعوا أنهم خرجوا معه على أن يكونوا أحرارا، هل يكون خروجه على أن يأتي بهم شبهة توجب أن يكون القول قوله أم لا؟ على قولين: أحدهما: ما في سماع أصبغ أراه لأشهب أن القول قول الذي أتى بهم، وخروجه عنهم شبهة توجب أن يكون

стр. 1119

القول قوله، وقال ابن المواز: القول قولهم، ولم ير ذلك شبهة للعبد، وهو القياس، والأول هو اختيار أحمد بن ميسر، وبالله التوفيق. [مسألة: عبد خرج متلصصا في بعض قرى العدو فأصاب غنائم أتخمس أم لا] مسألة قيل له: فالعبد يخرج متلصصا في بعض قرى العدو، فيصيب غنائم، أتخمس أم لا؟ فقال: تخمس، ويكون فضل ذلك له، فما فرق بين العبد المتلصص والعبد الآبق إذا رأيت أن الخمس فيما أصاب العبد المتلصص، ولا خمس فيما خرج به الآبق؟ فقال: إنما الخمس فيما تعمد الخروج لإصابته، فأوجف عليه بالخيل والركاب، والعبد الآبق ليس للإصابة خرج، ولا للقتال تعرض، فلذلك لم أر فيما خرج به خمسا. قلت: فإن خرج حر وعبد متلصصين فغنما؟ قال: يخمس ما أصابا، ثم يقسم ما بقي بينهما. قلت: ولم يقسم ما أصاب العبد والحر بينهما، وأنت لا تجعل للعبد في الغزو من المغانم شيئا؟ قال: لا أرى حال التلصص والغزو واحدا. قلت: فالذمي يخرج متلصصا مع الحر المسلم فيغنمان؟ قال: أرى أن يقسم بينهما ما أصابا، فيخمس حظ المسلم، ولا خمس في حظ النصراني.

стр. 1120

قلت: ولم جعلت ما أصابا بينهما، وأنت لا تقسم للنصراني إذا غزا مع المسلم؟ قال: هذا مثل الأول؛ لأن المسلمين لا يستعينون بالعبيد والنصارى في عساكرهم، وهذا إنما خرج على وجه التلصص وحده، أرأيت لو كان نصرانيا وحده، أكان يؤخذ ما في يديه؟ قال سحنون في العبد المسلم والحر يخرجان جميعا إلى أرض العدو متلصصين مثل ما قال ابن القاسم في الذمي والحر المسلم: يكون ما أصاب العبد والحر بينهما نصفين، فما صار للحر فعليه فيه الخمس، ولا خمس على العبد في سهمه، مثل قول ابن القاسم في الذمي. قال محمد بن رشد: لأصبغ في نوازله بعد هذا في هذا الكتاب: أنه لا خمس على العبد فيما غنم كالنصراني، مثل قول سحنون، خلاف قول ابن القاسم، ووجه قول ابن القاسم: أن العبد إذا لم يكن في جملة عسكر المسلمين كالحر، في أن له ما غنم وجب أن يكون مثله في أن عليه فيه الخمس كأنه مؤمن، والله تعالى يقول: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ﴾ [الأنفال: ٤١] ، إلى قوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ﴾ [الأنفال: ٤١] ، ووجه قول سحنون وأصبغ: أن الخطاب في الآية إنما هو للأحرار دون العبيد، بدليل إجماعهم أنهم لا حق لهم مع الأحرار في الغنيمة إذا غزوا معهم في عسكرهم، فوجب أن يكونوا كالنصارى في أن لا خمس عليهم فيما غنموه إذا لم يغزوا في جملة عسكر المسلمين؛ لخروجهم من الآية، وإنما لم يكن للعبيد والنصارى في الغنيمة حق مع الأحرار المسلمين إذا غزوا معهم في عسكرهم من أجل أنهم في حيز التبع لهم، فإذا

стр. 1121

لم يكونوا في حيز التبع لهم كان لهم حق في الغنيمة، وكذلك إذا خرج العبد أو النصراني مع الرجل أو الرجلين أو الثلاثة أو الأربعة كان لكل واحد منهما سهمه من الغنيمة. [مسألة: خيل المسلمين تقاتل العدو قتالا متفاوتا أيتساوون في العطاء] مسألة قال يحيى: وسألت ابن القاسم عن العدو يغيرون على ناحية من ثغر المسلمين، فيطلبهم خيل المسلمين، والطلب متفاوت على قدر الطاقة، فأدركهم بعض من طلب، والناس في آثارهم متساربون، فقاتلهم الأولون، فأظفرهم الله فقتلوا وأسروا وأصابوا ما كان معهم، أترى أن يقسموا على من حضر القتال، أم يكون ما أصابوا لجميع من خرج في الطلب، أم لأهل القرى التي خرج هؤلاء منها؟ قال: إن كان خرجوا من مسالح منصوبة للرباط، أهلها مقيمون للذب عن جميع من وراءهم من الإسلام، قسم ما أصابوا بين أهل تلك المسالح الخارج والمقيم من قاتل أو لم يقاتل، أو خرج أو لم يخرج، قال: وكذلك إن كانوا من أهل حصن في رأس الثغر، قال: وإن كانت قرا إنما فيها أهلها الذين يسكنون فيها بعيالهم، وإنما فجأهم أمر فركبوا في طلب الذين أغاروا عليم قسم ما أصابوا بين كل من طلب، أدرك القتال أو لم يدركه، حضره أو غاب عنه إذا تبين أنهم ممن خرج طالبا بالبت واليقين، وليس لمن لم يخرج في الطلب من أهل تلك القرى شيء، والخمس في جميع ذلك واجب. قال محمد بن أحمد: هذه مسألة صحيحة حسنة، ذكرها ابن سحنون

стр. 1122

لأبيه فأعجبته، وقد تقدمت في أول هذا الرسم والقول فيها، وإن كانت هذه أكمل بالمعنى بينها جميعا سواء، وبالله التوفيق. [مسألة: قوم من أهل الذمة هربوا إلى العدو طائعين ثم أصيبوا بعد ذلك] مسألة قال يحيى: وسألت ابن القاسم عن قوم من أهل الذمة كانوا في أرض مدينة المسلمين، فلما نزل بهم العدو مع رجل من المسلمين قادهم إليها، هربوا إلى العدو طائعين، ثم أصيبوا بعد ذلك، أيستحلوا أم لا؟ فقال: إن هربوا من ظلم كان يرتكب منهم؛ لم يحل لهم شيء من نسائهم ولا دمائهم ولا أموالهم، وإن هربوا من غير أن يتعدى عليهم، ولم يخافوا ذلك من ناحية أحد معروف بالظلم، فإنهم وإن أصيبوا، وقد لحقوا بأرض العدو، وفارقوا دار الإسلام فقد حلوا، قلت: فإن أصيبوا عند الذي أخرج العدو على أهل الإسلام فماذا ترى في أمرهم إن قالوا: إنما ارتحلنا إلى ناحية من دار الإسلام، ولم نخرج إلى دار العدو، ولا إلى العدو، وإنما خرجنا إلى هذا الرجل، وهو رجل من المسلمين، وإن كان قد أحدث خلافا؟ فقال: لا أرى لأحد أن يستحلهم ما كانوا في دار الإسلام، وإن كان نزوعهم إلى مثل ما وصفته، فإن لهم في ذلك عذرا وشبهة يحرم بها دماؤهم وأموالهم. قال محمد بن أحمد: إنما لم ير أن يستباحوا حتى يلحقوا بأرض العدو، ويفارقوا دار الإسلام، وإن كانوا قد صاروا مع العدو، من أجل الرجل الذي قاد العدو، فرأى في ذلك شبهة، ولولا ذلك لكان حصولهم مع العدو الذي هربوا إليه كوصولهم إلى العدو، ولا يستباحون إذا خرجوا إلى غير

стр. 1123

عدو يريدون بلد العدو فأدركوا قبل أن يصلوا إلا أن يقاتلوا ويمتنعوا على ما قال في رسم الجواب، من سماع عيسى، فلا خلاف بين هذه الرواية وما في رسم الجواب من سماع عيسى المذكور، ولا فيما بين ذلك وبين ما في آخر سماع يحيى، وإنما هي زيادات يفسر بعضها بعضا، وبالله التوفيق. [مسألة: ناس من أهل الذمة كانوا من أهل مدينة للمسلمين وكانوا يتجسسون للعدو] مسألة قال يحيى: سألت ابن القاسم عن ناس من أهل الذمة نصارى ويهود، كانوا من أهل مدينة للمسلمين غلب عليها العدو، فأقاموا بها بعدما غلب عليها العدو، فشكا أهل مدينة للمسلمين تليهم أنهم يتجسسون للعدو، ويكونون لهم عيونا، وإذا أغار المسلمون على أهل تلك المدينة فطلبهم العدو طلب معهم أولئك النصارى الذين كانوا أهل ذمة المسلمين، فاستنقذوا ما أدركوا، وقتلوا إن قدروا، فإذا أصاب المسلمون منهم أحدا قالوا: إنا نؤمن بالذي نصنع، ونقهر عليه، فنحن نخاف إن لم أفعل أن نقتل، ولا يعرف ما يدعون من القهرة والتخويف بالقتل على ما يصنعون إلا بقولهم، قلت: أفترى أن يستحل قتلهم إذا ظفر بهم، وقد علم أنهم ركبوا من المسلمين الذي وصفت لك من شكية أهل الحصن الذين جاوروهم؟ فقال: أرى أن يقتل فيهم من علم أنه قتل، وأما من لم يعلم أنه قتل غير أنه يرى في الطلب للمسلمين، واستنقاذ ما غنموا وما أشبه هذا، فلا يستحل قتله، ولكن أرى أن يحبسوا ويطال

стр. 1124

حبسهم، قلت: أرأيت إن أقاموا مع العدو بعد الأجل الذي أجل إليهم في الرحيل إلى أرض الإسلام، فأغاروا مع من يغير من العدو فسبوا وأضروا بالمسلمين، فزعموا أنهم منعوا من الرحيل، وأمروا بالغارة على المسلمين، ولا يعرف الذي ادعوا إلا بقولهم، أيستحلوا أم لا؟ قال محمد بن رشد: هؤلاء أهل ذمة لم يتبين نقضهم للعهد؛ لكونهم بمكانهم، فهم فيما يفعلون من طلبهم مع العدو واستنقاذهم ما أدركوا، وقتلهم إن قدروا بمنزلة من حارب من أهل الذمة، يحكم عليه بحكم المحارب من المسلمين، إلا أن لهم شبهة فيما يدعون من الإكراه على ذلك، وخوف القتل إن لم يفعلوا، فيسقط عنهم حكم الحرابة، فهذا عندي معنى الرواية، وقوله فيها أرى أن يقتل من علم أنه قتل معناه يقتل قصاصا به، ويكون لأولياء المقتول العفو عنه على حكم النصراني يقتل المسلم على غير حرابة، ورأى أن يطال حبسهم اجتهادا، إذا لم يثبت ما ادعوه من الإكراه، ولو ثبت ذلك لم يجب على من يقتل منهم شيء، وهذا هو الحكم فيهم أيضا إذا فعلوا ذلك بعد الأجل الذي أجل لهم، وادعوا أنهم منعوا من الرحيل، وأكرهوا على الغارة؛ لاحتمال صدقهم فيما يدعون. [مسألة: أعلاج من العدو خرجوا إلينا بغير عهد ثم ادعوا السكنى] مسألة قال يحيى: وسألت ابن القاسم عن أعلاج من العدو، خرجوا إلى أرض الإسلام بغير عهد، فلما أخذوا في دار الإسلام، أو أخذوا في مفازة بين المسلمين والعدو مقبلين إلى دار الإسلام مرتحلين،

стр. 1125

ليسوا على حال الحرب، ولا بحال من يتقنص فرصة يصيبها، فزعموا أنهم إنما أرادوا السكنى في أرض الإسلام، يكونون على حال الأحرار، ولا يغرمون جزية؛ ماذا يجوز للإمام أن يقرهم عليه؟ فقال: أما بيعهم فلا يحل للإمام ولا قتلهم، ولكنه يفرض عليهم غرم الجزية، فإن قبلوا أقرهم، وإن كرهوا ردهم إلى مأمنهم ولم يستحلوا، قال: وإن كانوا حين خرجوا دعوا إلى الجزية، فقد لزم السلطان أن يقرهم على ذلك، وليس له أن يقول لهم: لا أقبل منكم إلا أن أبيعكم إن أجبت، أو أردكم إلى مأمنكم، قال: وإنما يكون الإمام محتكما في أمر من أخذ من العدو بغير عهد يرى فيهم رأيه، إذ أخذ منهم قوم انكسرت سفينتهم واضطروا إلى موضع، فصاروا فيه كالأسرى، فأخذهم المسلمون بغير عهد، وقد تبين أنهم لم يتعمدوا الخروج إلى دار الإسلام، ولكنهم ألجئوا وصاروا بأيدي من ألجئوا إليه كالأسرى في أيدي المسلمين، فأولئك إن رأى الإمام بيعهم باعهم أو يضعهم في أي منافع العامة رأى في اجتهاده لهم أي الأمور رأى فيهم مما ينظر به للعامة، فذلك إليه، قلت: أيجوز له قتلهم إن رأى ذلك؟ قال: لا أحب له قتلهم، وقد سألت مالكا عن الأسارى أيقتلون؟ قال: لا، إلا أن يخاف منهم أحد فيقتل، فإن كان في هؤلاء من يخاف مثل الرجل من العدو المشهور بالنجدة والفروسية ونحو ذلك فرأى أن يقتله، فذلك له. قال محمد بن رشد: قال في هذه المسألة: إنهم يصدقون فيما ادعوا إذا أخذوا في دار الإسلام، ولم يفرق بين قرب ولا بعد، فظاهره مثل ظاهر ما في أول رسم الصلاة بعد هذا، خلاف ظاهر ما مضى في هذا الرسم، من أن أمرهم إلى الإمام، وخلاف ما مضى في رسم الجواب، من سماع عيسى من التفرقة بين القرب والبعد، وقد مضى هناك تحصيل الخلاف في هذه المسألة
следующие страницы →