← Фикх малики

Фикх малики · id 21751

البيان والتحصيل

ابن رشد الجد

Полный текст (9 112 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

قال محمد بن رشد: هذه مسألة صحيحة، وقد مضى ما يشبهها، والقول فيها مستوفى في آخر سماع عيسى، فلا معنى لإعادته. [مسألة: رمي الأعداء بالنار] مسألة قال: وسألت ابن القاسم عن المراكب من الروم يغيرون على بعض المسلمين، ثم يدركهم المسلمون فيقاتلونهم الروم بالنار، أفترى للمسلمين أن يرموهم بالنار، أم يكفوا لمكان من معهم من المسلمين؟ فقال ابن القاسم: لا أرى أن يرموهم بالنار؛ لما معهم من المسلمين خوفا أن يقتلوا مسلما، قال أشهب: نعم، أرى أن يرموهم بالنار، وكيف لا يرمون وهم يرموننا بها، قال سحنون: قلت لابن القاسم: فإذا حاصر المسلمون الحصن وفيه المسلمون مع الروم، أيقطع عنهم المير والماء ويرمون بالمنجنيقات؟ قال: نعم، قال أشهب مثله: لا بأس بذلك. قال محمد بن أحمد: هذه مسألة قد مضى القول فيها موعبا في رسم الصلاة، من سماع يحيى، فلا معنى لإعادته. [مسألة: حربيا استأمن فدخل بلاد المسلمين فوجد كنزا] مسألة قال: وسألت أشهب عن العبد الحربي يدخل بلاد المسلمين فيسلم، أو يدخل بأمان فيقيم على كفره، ثم يقدم سيده على أثره فيسلم أو يثبت على كفره، قال: لا سبيل له إلى العبد، قلت لأشهب: فلو أن حربيا استأمن فدخل بلاد المسلمين، فوجد كنزا، قال: هو له بعد إخراج الخمس منه، وقال سحنون: قال أشهب في الحربي

стр. 1157

يستأمن ويدخل بلاد المسلمين فيسلم أو يقيم على دينه، ثم يستأمن عبد له، فيدخل بلاد المسلمين، قال: إن أسلم بيع على سيده، ودفع إليه ثمنه، وإن لم يسلم فهو لسيده. قال محمد بن أحمد: قوله: إذا تقدم خروج العبد قبل سيده، أنه لا سبيل لسيده إليه صحيح؛ لأن العبد بنفس خروجه مسلما كان أو كافرا على مذهب مالك وجميع أصحابه لا ولاء لأحد عليه؛ لأن المعنى فيما جاء من أن رسول الله ﷺ أعتق يوم الطائف من خرج إليه من عبيد الطائف أنه عتقهم بخروجهم لا باستئناف العتق لهم بعد خروجهم، وفي كتاب محمد أنه خرج ساداتهم قبل إسلام العبيد رجع إليهم ولاؤهم، وإن خرجوا وقد أسلم العبيد لم يرجع إليهم ولاؤهم، قال أبو إسحاق التونسي: وليس هذا بينا؛ لأنهم إنما عتقوا بنفس خروجهم، فإن كان عتقهم لأنهم غنموا أنفسهم، فيجب ألا يرجع ولاؤهم إلى ساداتهم بحال، وإن كان إنما وقع العتق على السادة، فيجب أن يرجع إليهم الولاء، وإن قدموا بعد إسلام العبيد؛ لأنهم عتقوا عليهم، وهم كفار، والعبيد كفار، ووجه ما في كتاب ابن المواز: أن العتق إنما يقع على السادة حين خروجهم، أعني خروج السادة، وذلك مراعاة لمذهب أبي حنيفة في أنه لا يكون حرا لخروجه، إلا إذا خرج مسلما، وأما إذا خرج كافرا فهو غنيمة لجميع المسلمين بإحراز دار الإسلام إياه على قول أبي حنيفة، أو لمن سبق إلى أخذه، وهو قول صاحبيه أبي يوسف ومحمد بن الحسن، قالا مرة بعد إخراج الخمس منه لأهله، وقالا مرة لا خمس فيه، وأما إذا تقدم خروج السيد مستأمنا قبل عبده، فقوله: إنه يكون لسيده ويباع عليه إن أسلم، هو على قول بعض الرواة في كتاب النكاح الثالث من المدونة، خلاف مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك في الجهاد منه؛ إذ حكما بحكم الدار لمال

стр. 1158

الحربي، وأسقطا ملكه عنه إذا أسلم، وخرج أو لم يخرج على ما تقدم بيانه في رسم المكاتب من سماع يحيى، والذي يأتي على هذا أنه حر بنفس خروجه، خرج قبل سيده أو بعده، وقوله في المستأمن يجد الكنز في بلاد المسلمين: إنه له بعد إخراج الخمس منه، ظاهره حيث ما وجده من بلاد المسلمين مثل قول ابن نافع، وأما على مذهب ابن القاسم، فلا يكون له بعد إخراج الخمس منه إلا إذا وجده في أرض حرة لم تفتتح بصلح ولا عنوة. [مسألة: النشاب والملال في أرض الروم يصيد الحيتان والطير فيبيعه] مسألة وسألت ابن القاسم عن الرجل يعمل النشاب والملال والسروج والمحمل في أرض الروم، ويصيد الحيتان والطير فيبيعه، قال: أرى ثمنه فيئا، قلت: ولا يكون له أجرة مثله؟ قال: لا. قال محمد بن رشد: قد مضت هذه المسألة وتحصيل القول فيها موعبا، في رسم صلى نهارا ثلاث ركعات، من سماع ابن القاسم، فلا معنى لإعادته. [مسألة: يبيع الطعام في بلاد الروم ممن يأكله ثم يعلم بذلك] مسألة قلت له: فالرجل يبيع الطعام في بلاد الروم ممن يأكله، ثم يعلم بذلك بعدما خرج والمال في يده ما ترى أن يصنع به؟ قال: يرد في المقاسم، ولا يرد على المشتري، قلت له: فالوالي إن رأى أن يبيع الطعام من الناس في بلاد الحرب لحاجتهم إليه في بلاد المسلمين، وهم مستغنون في بلاد الحرب قال: لا أرى بذلك بأسا.

стр. 1159

قال محمد بن رشد: هذا كما قال، وهو مما لا اختلاف فيه؛ لأن الطعام غنيمة من أموال الكفار، إلا أنه أبيح للناس أكله في بلد الحرب لحاجتهم إليه، فإن باع أحد منهم شيئا، أو استغنى الناس عنه فباعه الإمام، صار غنيمة لأهل الجيش بعد إخراج الخمس كسائر أموال الكفار. [مسألة: تجار الروم إذا نزلوا برقيق فصالحناهم على عشر ما معهم من الرقيق فأسلم الرقيق] مسألة وسئل ابن القاسم عن تجار الروم إذا نزلوا برقيق، فصالحناهم على عشر ما معهم من الرقيق، فأسلم الرقيق، أو صالحناهم على الدنانير فأسلم الرقيق، ثم أرادوا الرجوع بمن معهم من الرقيق بعدما أسلموا، قال: يؤخذ منهم ما صالحوا عليه، ويرجعون بالرقيق وإن أسلموا. قال محمد بن أحمد: هذا مثل ما في سماع سحنون، من كتاب التجارة إلى أرض الحرب سواء، وكذلك لو قدموا بعبيد لهم مسلمين؛ لكان لهم الرجوع بهم إن شاءوا، قال في سماع أبي زيد بعد هذا: ويقدم إليهم في ذلك ألا يعودوا، وهذا على أصل ابن القاسم في أن المستأمن في بلد المسلمين من الحربيين لا ينتزع منهم أسارى المسلمين ولا عبيدهم المسلمين، ولا يباع عليهم من أسلم من رقيقهم، ويرجعون بذلك كله إن شاءوا، خلاف ما ذهب إليه ابن حبيب، وحكى أنه إجماع من مالك وأصحابه إلا ابن القاسم، وفي المدنية لابن نافع، ولمالك من رواية داوود بن سعيد عنه مثل قول ابن القاسم، وقد مضت هذه المسألة محصلة في صدر هذا السماع.

стр. 1160

[مسألة: مراكب لقوا مراكب في البحر فقاتلوهم فسأل العدو الأمان] مسألة وسئل سحنون عن مراكب لقوا مراكب في البحر، فقاتلوهم فوقع بينهم جراحات وقتال، فسأل العدو المسلمين الأمان فأعطوهم فاستساروا في أيدي المسلمين، فقدموا بهم برية الإسلام، فهل ترى إلى مثلهم سبيلا؟ فإن كان لا سبيل إلى قتلهم، فهل يباعوا أم هل يخلى سبيلهم؟ وكيف ترى في أموالهم إن خلي سبيلهم، أترد عليهم أم لا؟ قال سحنون: إن كانوا إذ سألوا الأمان أمنوا على أن يكونوا ملكا أو ذمة، فالشرط لهم، ولا سبيل إلى القتل، فإن لم يكن شرط إلا أمان مسجل، فلا سبيل إلى قتلهم، ولا إلى استرقاقهم، وأرى أن يردوا إلى مأمنهم، إلا أن يرضوا بالمقام على الجزية أو يسلموا. قال محمد بن أحمد: وهذا صحيح على ما قال؛ لأن الأمان إذا وقع مسجلا وجب أن يحمل على عمومه في كل شيء من حقن دمائهم وترك استرقاقهم وأخذ أموالهم، إلا أن يستثنى من ذلك شيء في الأمان، فيصح للمسلمين بوقوع البيان، وبالله التوفيق. [مسألة: مكاتبا لحق بأرض الروم ثم قدم علينا منهم رجل معاهد ومعه المكاتب] مسألة وقال: لو أن مكاتبا أو مدبرا لحق بأرض الروم، ثم قدم علينا منهم رجل معاهد ومعه المكاتب أو المدبر، إن المكاتب تكون كتابته له، فإذا كان حرا كان ولاؤه لسيده، وإن عجز كان له رقيقا، وأما المدبر فتكون له خدمته، فإن مات سيده فحمله الثلث عتق، وإن لم يحمله عتق منه ما حمل الثلث، وكان ما بقي للمعاهد رقيقا.

стр. 1161

قال محمد بن أحمد: وجه قول سحنون هذا أنه لما كان من عرس من الحربيين على أن يكون ذمة، ويؤدي الجزية، أنه لا يؤخذ منه ما أبقى بيده من أموال المسلمين ورقيقهم، وجب أن يكون للمعاهد على ذلك في المدبر والمكاتب، ما كان لسيدهما فيهما من بقية الرق، ولا يمكن من استرقاقهما، إذ لو عوهد وبيده حر لم يمكن من استرقاقه يعطى قيمته، ولا يؤخذ منه بغير شيء على ما مضى لابن القاسم في صدر السماع، فكان القياس على هذا أن يعطى من بيت المال قيمة ما فيهما من الحرية أن لو كان ذلك رقيقا وجاز بيعه على الرجاء والخوف بأن يقال: كم يساوي هذا المكاتب على أنه إن أدى كتابته إلى سيده كان مملوكا للمشتري؟ وكم يساوي هذا المدبر على أن تكون خدمته لسيده، فإن مات فحمله الثلث أو حمل بعضه كان ما حمل منه رقا للمشتري؟ وإن رأى الإمام أن يعطيه قيمتهما، ويعجل لهما العتق أو تطوع أحد بذلك لزم ذلك، وعلى ما وقع آخر رسم الكبش، من سماع يحيى، يمكن المعاهد من استرقاق المدبر والمكاتب، إلا أنا قد ذكرنا أنها رواية شاذة خطأ، خارجة عن الأصول، وقعت على غير تحصيل. [مسألة: حصن مسلمين ارتدوا عن الإسلام فهل يقاتلون] مسألة قال سحنون: قال ابن القاسم في حصن مسلمين ارتدوا عن الإسلام، فإنهم يقاتلون ويقتلون ولا تسبى ذراريهم وأموالهم فيئا للمسلمين، قال سحنون قال أشهب: أهل الذمة وأهل الإسلام في هذا سواء، لا تسبى ذراريهم ولا أموالهم، ولا يعادون إلى الرق، ويقرون على جزيتهم كما كانوا.

стр. 1162

قال محمد بن أحمد: قول ابن القاسم، ولا تسبى ذراريهم وأموالهم فيئا للمسلمين، يريد أن نسلهم وذراريهم لا يسبون، وأن أموالهم لا تكون فيئا وغنيمة للجيش الذين قاتلوهم كأموال الحربيين؛ لأن حكم أموالهم على مذهبه في قوله: إن ذراريهم لا يسبون حكم مال المرتد إذا قتل على ردته، يكون لجماعة المسلمين على حكم الفيء، وقد وقع في بعض الكتب: ولا تسبى ذراريهم، وأما أموالهم فهي فيء للمسلمين، وهو الصحيح، وفيه بيان ما تأولنا عليه قول ابن القاسم بنصب فيئا على الحال، وإلى هذا ذهب عامة العلماء وأئمة السلف، وهو قول ابن الماجشون وربيعة فيما حكى عنهما ابن حبيب، وقال أصبغ: تسبى ذراريهم ونساؤهم، وتقسم أموالهم ويقتل كبارهم على حكم الناقضين من أهل الذمة؛ لأنهم جماعة، وإنما يكون الارتداد في الواحد وشبهه. وهذا هو الذي خالفت فيه سيرة عمر بن الخطاب سيرة أبي بكر الصديق، في الذين ارتدوا من العرب بعد وفاة رسول الله ﷺ ، سار فيهم أبو بكر بسيرة الناقضين، فقتل الكبار، وسبى النساء والصغار، وجرت فيهم المقاسم وفي أموالهم، فلما ولي عمر بعده نقض ذلك، وسار فيهم سيرة المرتدين رد نساءهم وصبيانهم إلى عشائرهم وإلى الحرية، وأخرجهم من الرق والسبي، وحملهم محمل ذرية المرتدين أنهم على الإسلام إلا من أباه منهم بعد بلوغه، وما أباه أحد منهم على عمر ولا قبل ذلك، بل أقر كلهم بالإسلام ساعة سبوا، حكى هذا ابن حبيب، وفي قوله: إنه رد نساءهم وصبيانهم إلى عشائرهم، وأخرجهم من الرق بيان أن الذي قضى فيهم أبو بكر بالسبي هم الذين نقض فيهم عمر القضية، وذلك خلاف ما قالوا من أن القاضي لا يرد ما قضى به غيره قبله باجتهاده فتدبر ذلك، وقول أشهب: إن أهل الإسلام في هذا سواء، لا تسبى ذراريهم ولا أموالهم، ولا يعادون إلى الرق، ويقرون على الحرية، مثل ما له في المدونة وغيرها، فيتحصل في المسألة ثلاثة أقوال؛ مساواة

стр. 1163

أشهب بينهم في تحريم سبيهم، ومساواة أصبغ في إيجاب ذلك، وتفرقة ابن القاسم بين ذلك، وهو القول الصحيح من جهة النظر؛ لأن المرتدين أحرار من أصولهم، والمعاهدين لم تتم حريتهم بالمعاهدة، وإنما كانت عصمة لهم من القتل والسبي، فإذا نقضوها رجعوا إلى الأصل، فحل دماؤهم وسباهم، وقد مضى بيان القول في هذا في رسم الجواب، من سماع عيسى. [مسألة: ثمار بين عمران الإسلام والشرك هل يحل للمسلمين الأكل منها] مسألة وسئل سحنون وذكرت له ثمار تكون في مفاز الأندلس بين عمران الإسلام وعمران الشرك، كانت لأهل الإسلام، وتركوها وصارت خارجة عن ملكهم بأرض مفازة، وصار العدو لسيد أبقاؤه عليها ولأهل الإسلام، وكلهم فيها سواء في الخوف، فمر بها جيوش المسلمين وسراياهم وصوابقهم، هل يحل لهم الأكل من تلك الثمار؟ قال: أما الجيوش الغالبة العظيمة التي شأنها القهر والغلبة، فلا أرى لهم الأكل منها؛ لأنه يصير لتلك الثمرة ثمن، وأما السرية والنفر اليسير الذي شأنهم التحلل، فلا أرى بأسا إن أكلوا منها، وهي عندي بمنزلة الضالة يجدها الرجل في الفلاة نائية عن القرى، فإنه في سعة من أكلها؛ لأنه قد جاء الحديث فيها، فقال: «هي لك، أو لأخيك، أو للذئب» . وأما العسكر الكبير فإنما الثمرة بينهم بمنزلة الشاة الضالة، توجد بقرب العمران وموضع الأمان، فلا تحل لمن وجدها.

стр. 1164

قال محمد بن أحمد: قول سحنون هذا صحيح، وتفرقته بين العسكر العظيم والسرية الصغيرة ظاهرة، واحتجاجه بالحديث بين، وذلك إذا كان أهل تلك الثمار لم يبيدوا، وأمكن أن يعرفوا؛ لأن الواجب على الإمام إذا كان الأمر على هذا، ومر بجيشه على تلك الثمار أن يأمر ببيعها في العسكر، وتوقف أثمانها لأربابها وينشر بها، وكذلك يجب على كل من أخذ منها شيئا أن يبيعه ويمسك ثمنه، ويعرف به ليوصله إلى صاحبه، وأما إن كان الأمر قد طال وباد أهل تلك الثمار، وأيس من أن يعرفوا، أو يعرف أحد ممن تصيرت إليه بالوراثة، فالثمرة لأهل الجيش الكبير في حكم اللقطة إذا لم يوجد صاحبها بعد التعريف، يجري الأمر في جواز أكلها على الاختلاف بين أهل العلم في جواز أكل اللقطة بعد التعريف؛ لقوله ﷺ : «فإن جاء صاحبها وإلا فشأنك بها» ، فمالك يكره له أكلها، وإن كان محتاجا إليها، ويرى الصدقة له بها أفضل، ومن أهل العلم من يبيح له أكلها وإن كان غنيا، ومنهم من لا يبيح له أكلها إلا إذا كان فقيرا، وقد مضى في رسم الوضوء والجهاد، من سماع أشهب، من قول مالك ما يدل على أن أكل ذلك أخف من أكل اللقطة بعد التعريف، وقد بينا هناك الوجه في ذلك. [مسألة: الروم إذا نزلوا بأمان فباعوا واشتروا ثم ركبوا البحر متى يحلون] مسألة وسئل سحنون عن الروم أو غيرهم إذا نزلوا بأمان فباعوا واشتروا، ثم ركبوا البحر راجعين متى يحلون، وإلى أي موضع من

стр. 1165

البحر يحلون فيه؟ قال: لا يحلون أبدا حتى يصيروا من البحر إلى الموضع الذي يأمنون فيه من عدوهم، ويذهب عنهم الخوف، فإذا صاروا إلى تلك حلوا، فقال له بعض أهل الغزو والمعرفة بالبحر: إنهم اليوم لا يأمنون حتى يقعوا بلادهم، ويخرجوا من البحر؛ لأن مراكب المسلمين قد كثرت عليهم، فقال لهم: فلا يحلون إلا في الموضع الذي يأمنون فيه، وهو الخروج من البحر إن كان الأمر كما وصفت، وقد قال الله: ﴿ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ [التوبة: ٦] قلت له: فهو حلال إذا جاءنا ما لم يعط الأمان، وإن قرب من مرسانا أو بعد، فقال: أما من عرف بالتجارة من المسلمين، فلا يحل إذا أخذ، وهو مقبل إلى الأمان فيما قرب من المرسى ولا فيما بعد، لا يحل أبدا إلا أن يؤخذ في بلده، أو يؤخد وهو يريد إلى غير المسلمين، وأما قوم لم يعرفوا بالتجارة فهم حلال. قال محمد بن رشد: قوله في تجار الحربيين إذا ركبوا البحر راجعين: وإنهم يحلون إذا صاروا من البحر إلى موضع الأمن، وإن لم يصلوا بعد إلى بلادهم، ينبغي أن يحمل على التفسير لما في المدونة في هذه المسألة؛ إذ لم يفرق فيها هذه التفرقة، ولمسألة حبل حبلة، من سماع عيسى، ويحمل عليها ما أشبهها من المسائل، من ذلك إذا غنم العدو في بلاد المسلمين شيئا من أموال المسلمين، ثم غنمه المسلمون منهم قبل أن يصلوا به إلى بلادهم، هل يقسم إذا لم يعرف صاحبه أم لا؟ وهل يأخذه صاحبه إن قسم بغير ثمن

стр. 1166

أم لا؟ فقد كان يختلف في ذلك عندنا، وهذه المسألة أصل ذلك، وأما من قدم بلاد الإسلام بغير أمان، فزعم لَمَّا أُخِذَ فيما قرب أو بعد أنه أتى للتجارة أو طالبا لأمان، أو راغبا في فدية أسير، أو ما أشبه ذلك مما تقتضيه هذه المسألة، فقد مضى القول فيها محصلا مستوفى موعبا في أول رسم الجواب، من سماع عيسى، فأغنى ذلك عن إعادته. [مسألة: أخذ المسلمون يهودا مقبلين من بلاد الإفرنج فادعوا الذمة لصاحب الأندلس] مسألة قلت له: فلو أخذوا في البحر مركبا فيها يهود مقبلون من بلاد الإفرنج أو غيرها من بلاد الشرك، فلما أخذوا قالوا: نحن ذمة لصاحب الأندلس، وإليه نؤدي الجزية، قال: يُكلفوا البينة على ما ادعوا من ذلك، فإن بينوا ذلك لم يعرض لهم، وإلا كانوا فيئا، قلت: فإذا ثبت أنهم ذمة لصاحب الأندلس، وادعوا على الذين أخذوهم أنهم أخذوا منهم أموالا، قال: إن كان الذين أخذوهم قوما أمناء صالحين مأمونين، فلا يمين عليهم، وإن كانوا ناسا غير مأمونين استُحلفوا. قال محمد بن أحمد: إنما قال: إنهم يكونون فيئا إن لم يبينوا ما ادعوا، من أجل أنهم ادعوا ما لا يشبه؛ لوجودهم مقبلين من بلاد الإفرنج؛ إذ لا ينبغي أن تؤخذ الجزية إلا ممن هو في بلاد المسلمين، أو حيث يمكن أن تجرى عليهم أحكامهم على ما قال ابن وهب في سماع زونان بعد هذا؛ لقول الله : ﴿عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] ، ولو ادعوا ما يشبه، وضعفوا عن إثبات ذلك؛ لوجب أن لا يستباحوا إلا بيقين، وأن يوقفوا وما وجد معهم حتى يكتب في خبرهم إلى حيث يتحقق به صدقهم من كذبهم، فيعمل على ذلك، وإنما قال:

стр. 1167

إنه لا يحلف الذين أخذوهم إن ادعوا عليهم أنهم أخذوا لهم مالا، إلا أن يكونوا غير مأمونين؛ لأنهم ادعوا عليهم التعدي في الأخذ، فهو باب يجوز إليهم، بخلاف ما لو ادعوا عليهم مالا من معاملة. [: القوم يواقعون العدو هل لأحد منهم أن يبارز بغير إذن الإمام] من سماع عبد المالك بن الحسن من ابن وهب قال عبد المالك بن الحسن: سئل عبد الله بن وهب عن القوم يواقعون العدو، هل لأحد منهم أن يبارز بغير إذن الإمام؟ فقال: إن كان الإمام عدلا لم يجز له أن يبارز إلا بإذنه، وإن كان غير عدل فليبارز وليقاتل بغير إذنه، قلت له: والمبارزة والقتال عندك واحد؟ قال: نعم. قال محمد بن رشد: وهذا كما قال: إن الإمام إذا كان غير عدل، لم يلزم استئذانه في مبارزة ولا قتال؛ إذ قد ينهاه عن عدة قد ثبتت له على غير وجه نظر يعضده؛ لكونه غير عدل في أموره، فتلزمه طاعته، فإنما يفترق العدل وغير العدل في الاستئذان لا في طاعة إذا أمر بشيء أو نهى عنه؛ لأن الطاعة للإمام من فرائض الغزو، فواجب على الرجل طاعة الإمام فيما أحب أو كره، وإن كان غير عدل، ما لم يأمره بمعصية، وقال ﷺ : «السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب أو كره، ما لم يؤمر بمعصية» ، فإن أمر بمعصية، فلا سمع ولا طاعة؛ قال ﷺ : «اتقوا الله، وإن أمر عليكم عبد حبشي مجدع، فاسمعوا وأطيعوا ما أقام لكم كتاب الله» ، وقد قيل في قول الله عز

стр. 1168

وجل: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩] : إنهم أمراء المزايا، وقد مضى طرف من هذا المعنى في أول سماع أشهب. [مسألة: يحاصرون حصنا من حصون العدو فيدعوهم العدو إلى أخذ الجزية] مسألة وسئل ابن وهب عن القوم يحاصرون حصنا من حصون العدو، فيدعوهم العدو إلى أخذ الجزية منهم، هل ترى للمسلمين أن يقاتلوهم إذا دعوهم إلى أخذ الجزية؟ فقال: إذا كان ذلك العدو الذين دعوا إلى الجزية هم بموضع لا يصل المسلمون إليه إلا بخوف شديد على أنفسهم، فإني أرى أن يقول لهم المسلمون: الحقوا بدار الإسلام تؤدوا الجزية، فإن أبوا قوتلوا، وإن كانوا بموضع يقدر المسلمون على الاختلاف إليهم، ولا يخافون على أنفسهم كفوا عن قتالهم، وأخذوا الجزية منهم. قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأنهم إذا كانوا بموضع لا يصل المسلمون إليهم إلا بخوف على أنفسهم لم يأمنوا إن انصرفوا عنهم أن ينكثوا عليهم، ويكون ما سألوه مكيدة منهم، وأيضا فإن من شرط الجزية أن تؤدى بذل وصغار، كما قال : ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] ، وإن كانوا بائنين بدارهم لا يصل المسلمون إليهم إلا بخوف شديد على أنفسهم، لم يلزم قبول الجزية منهم، وهم على هذه الحال إذا لم يبذلوها على ما شرطه الله عليهم فيها، وبالله التوفيق.

стр. 1169

[مسألة: الغزاة لا يقاتلون على الخيل لاستغنائهم عنها أيقسم لها] من سماع أصبغ من ابن القاسم من كتاب الجهاد مسألة قال أصبغ: سئل ابن القاسم عن الغزاة يقتلون رجلا، فلا يقاتلون على الخيل لاستغنائهم عنها، وخيلهم في رحالهم أيقسم لها؟ قال: نعم، يقسم لها. قال محمد بن رشد: هذا كما قال، وهذا مما لا اختلاف فيه؛ لأنه كما يقسم لمن شهد القتال، وإن لم يقاتل فكذلك يقسم لفرس من شهد بفرسه، وإن لم يقاتل عليه، وبالله التوفيق. [مسألة: فيما أحرز العدو من متاع المسلمين ثم جاءوا به بأمان يبيعونه أيحل اشتراؤه] مسألة وقال: عن مالك فيما أحرز العدو من متاع المسلمين ثم جاءوا به بأمان يبيعونه، ولا يعرف له أهل، أو يعرف؛ أيحل اشتراؤه؟ قال مالك: أحب إلي ألا يبتاعه أهل الإسلام. قال محمد بن رشد: ابن المواز لا يرى بأسا أن يشتريه أهل الإسلام، فإذا عرفه صاحبه كان له أخذه بالثمن إن شاء، قال: واشتراء العبد المسلم من العدو إذا باعه الحربي أفضل من تركه، فنحى مالك في قوله منحى الورع مراعاة لقول من لا يراعي ملك العدو، ويراهم فيما غنموا من أموال المسلمين كاللصوص، فيوجب لمن وجد متاعه بيد من اشتراه من العدو، صار له في مقسم أن يأخذه بغير ثمن، ورأى محمد شراء المتاع خيرا لصاحبه من أن يتركه فيرجع به الحربي إلى بلده، وقول مالك أحسن؛ إذ قد يكون في رجوع الحربي به إلى بلده خير لصاحبه؛ إذ قد يغنمه المسلمون بعد

стр. 1170

فيدركه قبل القسم، فيأخذه من غير ثمن، وأما العبد المسلم فلا شك أن شراءه أولا أفضل من ترك الحربي يرجع به إلى بلده، وكذلك الجارية، ولا يحل له إذا علم صاحبها بعينه أن يطأها حتى يعرضها عليه، وإن لم يعلمه بعينه، ويعلم أنها للمسلمين، فيكره له وطأها، هذا ظاهر ما في المدونة، وهو صحيح على أصولهم. وقول محمد بن المواز: إن شراء العبد المسلم إذا باعه الحربي أفضل من تركه صحيح على مذهب ابن القاسم في أن له الرجوع به إلى بلده إن شاء، وأما على مذهب أصحاب مالك سواه، فيباع عليه شاء أو أبى، ولا يترك والرجوع به إلى بلده، وقد تقدم ذلك في غير ما موضع، وبالله التوفيق. [مسألة: الرجل يركب البحر غازيا فيشتري بأرض الروم متاعا من المقاسم] مسألة قال: وسمعت ابن القاسم، وسئل عن الرجل يركب البحر غازيا، فيشتري بأرض الروم متاعا من المقاسم أو غيرها للتجارة، ويحمله في السفن التي هو فيها بغير إذن الوالي، قال: لا أرى ذلك ولا أرى للوالي أن يأذن به لبعض الناس في حمل ما يضر بأصحابه ويتعب السفن. قال محمد بن رشد: المعنى في هذا الذي قاله بين لا إشكال فيه؛ لقوله ﵇: «لا ضرر ولا ضرار» . [مسألة: يفرق بين الجدة وولد ابنها وولد ابنتها في البيع] مسألة قال أصبغ: سمعت ابن القاسم يقول: يفرق بين الجدة وولد ابنها وولد ابنتها في البيع في المملكة وفي السباء.

стр. 1171

قال محمد بن رشد: وهذا كما قال، وهو مما لا اختلاف فيه أحفظه؛ لأن النهي عن التفرقة إنما جاء في الأم والولد خاصة، قال رسول الله ﷺ : «لا توله والدة على ولدها» ، وقال: «لا يفرق بين الوالدة وولدها» ، وقال: «من فرق بين والدة وولدها، فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة» وإنما الاختلاف في حدها، وهل هو من حقها، أو من حق الولد على ما سيأتي القول عليه في رسم الشريكين، في سماع ابن القاسم، من كتاب التجارة، إلى أرض الحرب. [مسألة: الأسير إذا خلوه في بلادهم على وجه المملكة والقهر فهرب] مسألة قال أصبغ: سمعت ابن القاسم يقول في الأسير إذا خلوه في بلادهم على وجه المملكة والقهر فهرب: فله أخذ ما قدر عليه من أموالهم، وليقتل ما قدر عليه منهم، وليهرب إن استطاع، وليستق من نسائهم وذراريهم ما استطاع، قال: وأما إذا كان عندهم في وثاق فخلوه على وجه الائتمان ألا يبرح ولا يحدث شيئا فلا، ولا يقتل منهم أحدا ولا يخونه، قال أصبغ: ولا يهرب، وهو كالعهد، ولا ينقض العهد، ولا يحبس به، وسواء كان حين سايره على هذه السيرة في وثاق أو غير وثاق. قال محمد بن رشد: قد مضى القول في هذه المسألة في رسم حبل حبلة، من سماع عيسى، فلا وجه لإعادته.

стр. 1172

[مسألة: يكونون في ثغر من وراء عورة المسلمين هل يخرجون سراياهم لغرة يطمعون بها] مسألة قال أصبغ: سمعت ابن القاسم، وسئل عن أناس يكونون في ثغر من وراء عورة المسلمين، هل يخرجون سراياهم لغرة يطمعون بها من عدوهم بغير إذن الإمام، والإمام منهم على أيام؟ قال: إن كانت تلك الغرة بينة قد تبينت لهم منهم، ولم يخافوا أن يلجئوا بأنفسهم، فلا أرى بأسا، وإن كانوا يخافون أن يلقوا ما لا قوة لهم به، أو يطلبون فيدركون، فلا أحب ذلك لهم. قال محمد بن رشد: إنما جاز لهم أن يخرجوا سراياهم لغرة قد تبينت بغير إذن الإمام؛ لكونه غائبا عنهم على مسيرة أيام، ولو كان حاضرا معهم لم يجز لهم أن يخرجوها بغير إذنه إذا كان عدلا على ما مضى من قول ابن وهب في سماع زونان، وقد مضى طرف من هذا المعنى في آخر سماع أشهب. [مسألة: يعطى الفرس أو البرذون في سبيل الله هل يحرث على البرذون] مسألة قال أصبغ: سئل ابن القاسم عن الرجل يعطى الفرس أو البرذون في سبيل الله، هل يحرث على البرذون ويسافر عليهما في قضاء دين أو لحاجة؟ قال: أما يحرث عليه بمرابطة الذي هو به الشيء الخفيف الذي هو له منفعة في قوته، ولا يضر به، وما أشبه ذلك، فلا أرى به بأسا، وأما أن ينزيه لغيره أو لنفسه، أو يسافر عليه في حوائجه، فلا يعجبني ذلك، إلا أن يكون مل له مالا من ماله،

стр. 1173

فيصنع به ما شاء، وإلا فلا يتقوى بشيء من أمره ولا بثمنه، إلا في سبيل الله. قال محمد بن رشد: لسحنون في كتاب ابنه: أنه لا يحرث عليه لنفسه ولا للفرس، وإنما يأخذه من يضمن مؤنته، ولو جاز أن يحرث لقوته جاز أن يكريه ممن يقضي عليه حوائجه لقوته، وقال: لا يركب الفرس إلا لمصلحته، وأما في حوائج نفسه فلا، وإنما يركب في السفر الذي حبس فيه، قال: فإن أعطاه المحبس عليه في ثغر آخر ضمن، وقاله الأوزاعي، وتخفيف ابن القاسم أن يحرث عليه الشيء اليسير الذي لا يضر به لقوته بموضع مرابطة أحسن من تشديد سحنون في ذلك إن شاء الله؛ لأن ذلك عون له على مقامه بموضع مرابطه، فهو من سبيل الجهاد والعون عليه إن شاء الله، وقد مضى في أول رسم، من سماع ابن القاسم، من حكم من أعطى شيئا في السبيل ما يبين هذه المسألة. [مسألة: أصابوا أعلاجا ثم أدركهم ما أدركهم فخافوا فأرادوا أن يقتلوهم] مسألة قال أصبغ: سمعت أشهب يسأل عن سريه ساروا، فأصابوا أعلاجا، ثم أدركهم ما أدركهم، فخافوا أن يعينوا عليهم، فأرادوا أن يضربوا أعناقهم، فقال: إن كان استحيوهم فليس لهم إلى قتلهم سبيل إلا أن يقاتلوهم حتى يتبين لهم منهم فيقتلونهم، وإن كانوا لم يكونوا استحيوهم ضربوا أعناقهم إن شاءوا، قيل له: وما الاستحياء هاهنا؟ فقال: إن كانوا تركوهم رقيقا للمسلمين، وفيئا لهم، فأما إن كانوا تركوهم على أن يأتوا بهم الإمام، فيكون مخيرا إن شاء قتل وإن شاء استحيا كما يصنع، ضربوا أعناقهم إن خافوهم، وقاله أصبغ. قال محمد بن رشد: قول أشهب هذا صحيح على أصولهم، فلا وجه للقول فيه.

стр. 1174

[مسألة: عدو يخرج على المسلمين فيهزمهم الله هل فيما أصابه المسلمون الخمس] مسألة وسئل عن خيل العدو يخرجون على المسلمين في بلاد الإسلام، فيهزمهم الله على غير قتال، فتشتت أمورهم، فينهزمون، هل فيما أصابه المسلمون منهم الخمس؟ أو هل هم فيء؟ أو لكل إنسان منهم ما أصاب؟ فقال: هذا لا يكون، ولو كان يكون، لكان مما قد أوجف عليه بالخيل والركاب، فكان فيه الخمس، وكان مقسوما بين الذين ولوا الإيجاف عليهم والقتال لهم. قال محمد بن رشد: أبعد أن يكون ما سأله عنهم من انهزامهم دون هازم لهم، أو خارج إليهم، أو موافق لهم؟ فلم يعطه فيه جوابا بينا، وما هو ما سأله عنه إلا في الممكن مثل أن يموت رئيسهم، فتشتت أمورهم، ويتراءى لهم على البعد سواد، فيظنون ذلك عسكرا لمسلمين، فيفرون على وجوههم، ويتفرقون ويختفون في الشعاري؛ لظنهم أنهم يتبعون ويستأسرون لمن لقيهم من المسلمين، أو مروا به من قراهم، ويتركون أمتعتهم ورحائلهم ودوابهم، فهذا لو كان لوجب أن يكون ما أصابه المسلمون منهم فيئا لجميعهم، حكمه حكم الخمس، ولو نزلوا على بعض ثغور المسلمين، فتداعى عليهم المسلمون فانهزموا على غير قتال ولا لقاء، فأصابوا غنائمهم؛ لخمست وكان سائرها لأهل المكان الذي كان منهم التداعي في النفير إليهم؛ لأنهم منهم رعبوا فانهزموا فهو إيجافهم، قاله ابن حبيب في الواضحة، وهو صحيح يؤيد ما قلنا.

стр. 1175

[مسألة: نفر أقبلوا وعليهم سلاحهم فزعموا أنهم جنحوا إلى السلم والإسلام] مسألة وسئل عن ثلاثة نفر أقبلوا على خيولهم، وعليهم سلاحهم حتى دخلوا قرية في آخر عمران المسلمين، فزعموا أنهم جنحوا إلى السلم والإسلام، أو قالوا: أردنا الجزية أيقبل قولهم؟ قال: إن لم يظفر بهم حتى أظهروا ما ذكرت إن ادعوا إسلاما، أو أرادوا أن يكونوا ذوي عهد. قال محمد بن رشد: المسئول في هذه المسألة أشهب، وقوله فيها معلوم من مذهبه في الواضحة وغيرها أن قولهم: لا يقبل منهم إذا لم يظهروه قبل أن يؤخذوا، قال في الواضحة: والمسلم كان أحق بالتصديق إذا أخذ سكرانا أو زانيا، فقال: تزوجت أو أكرهت على الشرب، فلا يقبل منه، ويقام عليه الحد، قال: فكذلك هؤلاء إذا لم يظهروا ذلك قبل أن يؤخذوا لم يقبل منهم، ويكون الوالي فيهم بالخيار إن شاء قتل، وإن شاء استحيا، واسترق للمسلمين إلا أن يسلموا، فيكونوا عبيدا للمسلمين ولا يقتلون، قال عبد الملك: وهو من أحسن ما سمعت فيه، وقد سألت عنه غير واحد، فقالوه واستحسنوه، وقد مضى تحصيل الخلاف في هذه المسألة مجودا في رسم الجواب، من سماع عيسى، فأغنى ذلك عن إعادته هاهنا. [مسألة: الأسير من أهل الحرب يستأذن سيده المسلم أن يخليه على أن يأتيه بابن نفسه] مسألة وسئل عن الأسير من أهل الحرب يستأذن سيده المسلم أن يخليه على أن يأتيه بابن نفسه وبامرأته وبأبي نفسه على ذلك

стр. 1176

فداؤه، فيفعل فيأتي بهم، فيزعمون أنهم خرجوا معه بعهد، ويقول الآخر: بل سرقتهم أو غنمتهم ما ترى في ذلك؟ فقال: يقبل في ذلك قول الذي جاء بهم، ولا يقبل قولهم فيه. قال محمد بن رشد: المسئول في هذه المسألة أشهب بدليل عطفها على ما قبلها، والله أعلم، وإنما قال: إن القول في ذلك قول الذي جاء بهم من أجل أنه خرج من عند سيده، على أن يأتي بهم، فجعل ذلك شبهته توجب أن يكون القول قوله، وإلى هذا ذهب أحمد بن ميسر، ونص على العلة فقال: لأنه سبق له أمان قبلهم، وقال ابن المواز: القول قولهم، ولم يراع ما أطلقه سيده عليه، ولو أتى بهم دون سبب متقدم؛ لكان القول قولهم باتفاق، إلا أن يكونوا في وثاقه على ما مضى في رسم الكبش، من سماع يحيى، وفي سماع سحنون، وبالله التوفيق. [مسألة: إمام الجيش هل يسهم له من الفيء] مسألة وسئل عن إمام الجيش، هل يسهم له من الفيء كسهمان الناس، أو هل له رأس الفيء أو الخمس شيء أم لا؟ فقال: إنما والي الجيش كرجل منهم، له مثل الذي لهم، وعليه مثل الذي عليهم. قال محمد بن أحمد: لا حق للإمام من رأس الغنيمة عند مالك وجل أهل العلم، وما جاء من أن النبي ﷺ كان له شيء يصطفيه من رأس الغنيمة فرس أو عبيد أو أمة أو بعير، على حسب حال الغنيمة، خصوص له أجمع العلماء على ذلك، إلا أبا ثور؛ حكي عنه ما يخالف هذا الإجماع، فقال: الآثار

стр. 1177

في الصفي ثابتة، ولا أعلم شيئا نسخها فيؤخذ الصفي، ويجري مجرى سهم النبي ﵇، وكذلك لا حق له عنده في الخمس إلا الاجتهاد في قسمته بدليل قول النبي ﵇: «ما لي مما أفاء الله عليكم، ولا مثل هذه إلا الخمس والخمس مردود عليكم» ، ومن أهل العلم من ذهب إلى أن الخمس مقسوم على الخمسة الأصناف المذكورين في الآية بالسواء، وأن سهم النبي ﷺ بعد وفاته للخليفة بعده، وأن سهم قرابته لقرابة الخليفة بعده، وفي هذا أثر مرفوع إلى النبي ﵇ أنه قال: «إذا أطعم الله نبيا طعمة فهي للخليفة بعده» . [مسألة: العبد من أهل الحرب يخرج بامرأته وولدها وملكه للمسلم] مسألة وسئل أيضا عن العبد من أهل الحرب يخرج بامرأته وولدها وملكه للمسلم، فيقول العبد خرجوا معي بعهد، وينكر ذلك سيده والعبد معروف بالسبي والتلصص في أرض العدو، قال: القول قول العبد في ذلك. قال محمد بن رشد: وهذا كما قال لقول النبي ﵇: «يجير على المسلمين أدناهم» .

стр. 1178

[مسألة: شد رجل من السرية فأسره العدو فلما أحسوا طلبوا من الأسير الأمان] مسألة وسئل عن سرية خرجت، فشد منها رجل فأسره العدو فذهبوا به فطلبتهم الخيل، فلما أحسوا طلبوا من الأسير الذي في أيديهم الأمان فأمنهم وأدركتهم الخيل، هل يجوز لهم أمان المسلم على تلك الحال أم لا؟ قال: إن كان أمنهم وهو آمن على نفسه فذلك جائز، وإن كان خائفا فليس ذلك بجائز، وقول الأسير في ذلك مقبول. قال محمد بن رشد: زاد ابن المواز في هذه المسألة، وإن اختلف قوله أخذ بقوله الأول، وقال سحنون: لا يجوز أمانه، ولا يصدق أنه كان غير خائف، إذ لا يقدر إذا طلبوا منه الأمان إلا أن يؤمنهم، واختلف أيضا إذا أطلقوه على أن يؤمنهم بشرط، ولم يختلف في أن أمانه جائز إذا أمنهم بعد أن أطلقوه، وهو آمن على نفسه، ولا في أن أمانه لا يجوز إذا قالوا له: تؤمننا وإلا قتلناك، هذا تحصيل هذه المسألة، وقد مضى ذلك في أول سماع عيسى. [مسألة: أبقت منه علجة فأصابها بعد ذلك بسنين فوجد معها أولادا] مسألة وعن رجل أبقت منه علجة، فأصابها بعد ذلك بسنين، فوجد معها أولادا، فزعم أن أولادها منه، قال: أولادها منه إن كانوا في بطن، وإن كانوا ليس في بطن ألحق به البطن الأول منهم إلا أن يدعي استبراء قبل إباقتها، فيكون ذلك له. قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ إذ لا اختلاف فيمن ادعى ولد امرأة، فزعم أنها كانت له زوجة أو ملك يمين، أن قوله مقبول، ويلحق به نسبه إلا أن يتبين كذبه بأن تكون قد ولدته لأكثر مما تلده النساء من يوم باعها

стр. 1179

إن كانت أمة، أو طلقها إن كانت حرة، فإذا أبقت من الرجل العلجة بعد أن وطئها، وقبل أن يستبرئها، فوجد معها أولادا لا يعلم متى وضعتهم فادعاهم، وجب أن يلحقوا به إلا أن يكونوا ليسوا بني بطن، فلا يلحق به إلا البطن الأول، لتبين كذبه في البطن الثاني؛ إذ لا يمكن أن يكون ولدان من وطء واحد، ويكون بين وضعهما ستة أشهر فأكثر، إلا أن يدعي استبراء قبل إباقتها، فلا يصدق ولا يلحق به الولد. وقوله في الرواية، فيكون ذلك له ليس بوجه الكلام، وإنما كان من حقه أن يقول: فلا يصدق ولا يلحق به الولد، ولو علم أنها وضعتهم لما يلحق به الأنساب، لوجب أن يلحقوا به، وإن لم يدعهم إذا ادعت أنهم منه، إلا أن يدعي استبراء قبل إباقتها، فيكون ذلك له، ولا يلحق به الولد إلا أن تكون وطئت في بلد الحرب، فإن كانت قد وطئت في بلد الحرب على وجه الملك لم يلحق به الولد إذا أنكره وأقر بالوطء، ولم يدع الاستبراء إلا بالقافة، ولو كانت إنما وطئت في بلد الحرب على وجه الزنا ما لحق به الولد بغير قافة؛ لقول النبي ﵇: «الولد للفراش، وللعاهر الحجر» ، وكذلك يلزم على قياس قول من يقول: من أبق منه عبده إلى بلد الحرب، أن صاحبه يأخذه ممن اشتراه من الحربي، أو صار له في المغانم بغير ثمن، ولو علم أنها وضعته لما لا يلحق به الأنساب منه لما ألحقوا وإن ادعاهم. [مسألة: فرس حبس أبدله صاحبه بفرس حبس فأصيب بأحدهما عيب] مسألة وسئل عن فرس حبس أبدله صاحبه بفرس حبس، فأصيب بأحدهما عيب، هل ترى له أن يرده لما وجد به من العيب ويأخذ فرسه؟ قال: نعم، وبئس ما صنعا حين تبادلا، ولو لم يجد به عيبا

стр. 1180

ثم أراد أحدهما أن يرده، رأيت ذلك له إلا أن يكونا تبايعا ذلك من عصاص أو حطم، أو ضعف عن الجهاد، فيجوز ولو كان ذلك في أحدهما والآخر سليم، رأيت أن يرد السليم منهما إلى صاحبه. قال محمد بن رشد: أما قوله: إذا تبادلا بالفرسين الحبيسين، فوجد بأحدهما عيب فصحيح لا اختلاف فيه، إذ لا يصح أن يلزم العيب من لم يرض به في المبادلة، كما لا يصح في المبايعة، قال ابن أبي زيد: ولو وجد بأحدهما عيب، وأصيب الآخر لرد المعيب، وأخذ قيمة فرسه الفائت، وحكاه عن ابن القاسم من كتاب ابن المواز، وهو بعيد لا وجه له، إلا أن يكونا تبايعا ذلك من عصاص أو حطم أو ضعف عن الجهاد؛ لأن من اشترى فرسا حبيسا فتلف عنده كان له أن يرجع بالثمن، ولو لم يكن عليه ضمان، كمن اشترى عبدا فمات عنده ثم استحق بحرية. وأما قوله: إن لمن أراد منهما الرد أن يرد، وإن لم يجد عيبا، فإنه كلام فيه نظر؛ لأنه إذا لم ير المبادلة بينهما جايزة إلا أن يكونا تبايعا ذلك من عصاص أو حطم أو ضعف عن الجهاد، وكما قال، فكان يلزم على قوله أن يقول: إن الترداد لازم لهما؛ لفساد المبادلة بينهما، والأظهر أنها جائزة، وأنه لا رد لأحدهما إلا أن يجد عيبا على ما في المدونة من إجازة المبادلة في طعام العدو ببلد الحرب، إذ لا فرق بين المسألتين؛ لأن الطعام لا يملك أخذه في بلد الحرب، وإنما له الانتفاع بأكله في بلد الحرب، فهو كالفرس الحبيس الذي لا يملك، وإنما للذي هو بيده الانتفاع بركوبه في السبيل، فهذه الرواية تأتي على ما روي عن مالك من أن المبادلة في ذلك كالمبايعة لا تجوز. وأما قوله: ولو كان ذلك في أحدهما،

стр. 1181

والآخر سليم، رأيت أن يرد السليم منهما إلى صاحبه، يريد ويرد المعيب أيضا، إلا أن يفوتا فتكون فيه القيمة على حكم البيع الفاسد؛ إذ لا يختلف في فساد البيع، إذا كان أحدهما سليما لا يجوز بيعه، والآخر منتقصا لا يصلح للجهاد يجوز بيعه، فإن كانا منتقصين جازت المبادلة فيهما باتفاق إلا على مذهب من لا يجيز بيع الفرس الحبيس، وإن انتقص ولم ينتفع به في الجهاد، وإن كان أحدهما منتقصا لم تجز المبادلة فيهما باتفاق، وإن كانا جميعا متناقصين، فعلى ما ذكرناه من الاختلاف. [مسألة: الحر المسلم يشترى في أرض العدو بأضعاف الثمن] مسألة وسئل عن الحر المسلم يشترى في أرض العدو بأضعاف الثمن، قال: يأخذه به أي يتبعه بكل ما اشتراه به قليلا أو كثيرا على ما أحب أو كره، وهو حر ولا يرق نفسه. قال محمد بن رشد: قد مضى في أول رسم من سماع أشهب القول في هذه المسألة، فلا وجه لإعادته، وبالله التوفيق. [مسألة: حكم شراء أولاد أهل الحرب منهم] مسألة وسمعته وسئل عن علج دخل بأمان في فداء امرأته، ففداها بسبعين دينارا من صاحبها، وأرهنه ابنا له كان معه حتى يأتي بها، فذهب فلم يأت ما سبيل ذلك الابن؟ قال: يستأنى به، فإن جاء وإلا بيع عليه رقيقا، واستوفى ماله فإن فضل فضلٌ حبسه لصاحبه حتى يأتي. قال محمد بن رشد: هذه مسألة صحيحة على ما في المدونة من أنه يجوز لنا أن نشتري من أهل الحرب أولادهم إذا باعوهم منا، ولم يكن بيننا وبينهم هدنة، وذهب كثير من أهل النظر إلى أن مسألة رسم المكاتب من سماع

стр. 1182

يحيى معارضة لهذه المسألة، ولما في المدونة، والصواب ألا تعارض على ما مضى القول فيه هناك، وبالله التوفيق. [مسألة: علج من العدو أسر فبلغ الإمام بالصياح عليه ثم رأى الإمام قتله] مسألة وسئل عن علج من العدو أسر، فبلغ الإمام بالصياح عليه، فبلغ أحد عشر دينارا، ثم رأى الإمام قتله فأراد أن يقتله، قال ذلك له يقتله. قال أصبغ: بل أرى إن كان إنما صاح على بيعه تجربة، ليعرف ما يبلغ فيرى رأيه، فذلك له كما قال، وإلا فلا. قال محمد بن رشد: قول أصبغ صحيح، ينبغي أن يحمل على التفسير؛ لقول القاسم؛ لأن الأمان شديد، فإذا أمر الإمام بالصياح على الأسير لبيعه ويقسم ثمنه عازما على ذلك، فقد استرقه للمسلمين وحرم قتله. [مسألة: السرية تبعث في أرض العدو فيجعل لها ثلث ما أصابت] مسألة قال أصبغ: وسألت ابن القاسم، وسئل عن السرية تبعث في أرض العدو، فيجعل لها ثلث ما أصابت أو ربعه أو جزء منه، فكره ذلك، ونهى عنه، وقاله أصبغ: ولا أرى للوالي أن يفعل ذلك بالناس، فيفسد نياتهم في الجهاد، ويرغبون في الإصابة، ويخرج منهم من لا يريد إلا الدنيا وطلبها، فهذا فساد عظيم يصنع بالناس، يقتتلوا في طلب الدنيا والتماسها وغير الجهاد في سبيل الله، ولا أرى لمن خرج معهم في مثل هذا أن يأخذ منهم شيئا مما جعل، ولا يخرج

стр. 1183

في سريتهم، ولا أرى بالخروج معهم بأسا لمن لا يريد أن يأخذ من ذلك شيئا إذا صحت نيته، ولم يخرجه إلا حب الجهاد والرغبة فيه، وقد بلغني عمن بلغه أن بعض أهل العلم والفضل قد خرج معهم، ولا أرى ما يأخذون حراما، ولا أرى بخروج السرايا افتداء على غير هذا، ولا ببعثة السرايا وانتشارها سرا وعلانية بأسا، ولم تزل السرايا من أمر الجهاد وسيرته وقوته، وقد قال رسول الله ﷺ : «يرد على المسلمين أقصاهم» ، فالسرايا من ذلك تصير وتصيب وترد على الجيش والعسكر وعنهم، ولا أرى أن تكون السرايا إلا كتيفة وتقاوة وشجاعة وإن قلوا، فقد يكون الرجل خيرا من كثيبة، وخيرا من عدد، وخيرا من مائة، ما لم يبعثوا القلة على الجماعة الحصون، وما أشبهه من الجموع، ولا ينبغي أن تكون السرية غدرا، ولا إلى الموضع غرة ولا غررا، قال: ووهن السرية وهن العسكر وغررها غرر العسكر. قال محمد بن رشد: هذا معلوم من مذهب مالك في المدونة وغيرها أنه لا يجوز للإمام أن ينفل قبل القتال، لئلا يرغب الناس في المال، فتفسد نيتهم في الجهاد، فإن وقع ذلك مضى للاختلاف الواقع في ذلك والآثار المروية فيه، من ذلك ما روي: أن رسول الله ﷺ قال لعمرو بن العاص: «هل لك أن أبعثك في جيش، فيسلمك الله، ويغنمك، وأرغب لك في المال رغبة صالحة» ، وما روي من أنه «كان ينفل السرايا في البدأة الثلث، وفي الرجعة الربع» ، «وأنه نفل ﷺ في البدأة الربع وحين نفل الثلث» . وذهب إليه جماعة من

стр. 1184

العلماء، وقال أكثرهم: لا يزيد على الثلث؛ لأنه أكثر ما روي، ومنهم من ذهب إلى أنه إنما ينفل الربع أو الثلث بعد الخمس، ومنهم من ذهب إلى أن له أن ينفل السرية كلما غنمت، وأما مالك ﵀، فلا يجيز النفل قبل القتال، ولا يراه بعد القتال إلا من الخمس؛ لأن قسمة الخمس عنده مصروفة إلى اجتهاد الإمام، والأربعة الأخماس للغانمين، فلا يجيز للإمام أن يعطي أحدا منها فوق سهمه. ومن أهل العلم من قال: إن النفل لا يكون إلا من خمس الخمس، ذهب إلى هذا من رأى أن الخمس يقسم بالسواء بين الخمسة الأصناف المذكورة في الآية، ومنهم من أجاز للإمام أن ينفل من رأس الغنيمة قبل الخمس على ما قد ذكرنا من مذهب من أجاز للإمام أن ينفل السرية كلما غنمت، ومنهم من قال: لا ينفل من الخمس، وإنما ينفل من الأربعة الأخماس بعد إخراج الخمس على ما قد ذكرناه في حكم تنفيل السرية أيضا، وما ذكره من كراهة التغرير للسرية صحيح، ينبغي للإمام ألا يأذن في ذلك ويمنع منه، قال سحنون في كتاب ابنه: وأصحابنا يرون في سرية تخرج في قلة وغرر بغير إذن الإمام، أن للإمام منعهم الغنيمة أدبا لهم، قال سحنون: فأما جماعة لا يخاف عليهم، فلا يحرمون الغنيمة، وإن لم يستأذنوه، يريد وإن أخطئوا. [مسألة: الرجل من أهل الإسلام يسبى أعلى المسلمين أن يفتدوه] مسألة قال أشهب: سئل مالك عن الرجل من أهل الإسلام يسبى؛ أعلى المسلمين أن يفتدوه بكل ما يقدرون عليه؟ قال مالك: نعم، إن لم يقدروا على افتدائه إلا بكل ما يملكون فذلك عليهم.

стр. 1185

قال محمد بن رشد: قد مضت هذه الرواية لأشهب في أول سماعه، والقول عليها هناك، فلا معنى لإعادته. [مسألة: الروم يطلبون من المسلمين في المفاداة الخمر والخيل والسلاح] مسألة قال أشهب: في الروم يطلبون من المسلمين في المفاداة الخمر والخيل والسلاح، قال: أما الخيل والسلاح فلا بأس، وأما الخمر فلا يصلح؛ لأنه لا ينبغي لأحد أن يدخل في نافلة من الخير بمعصية. قال محمد بن رشد: ظاهر قول أشهب هذا أنه أجاز أن يفدى الأسير بالخيل والسلاح، وإن كثر ذلك، إذا لم يقدر إلا على ذلك، وهو نص قول سحنون خلاف ما ذهب إليه ابن حبيب، من أنه إنما يجوز ذلك ما لم يكن الخيل والسلاح أمرا كثيرا، يكون لهم به القوة الظاهرة. وأجاز سحنون أيضا أن يفدى منهم بالخمر والخنزير والميتة، قال: ويأمر الإمام أهل الذمة أن يدفعوا ذلك إليهم، ويحاسبهم بقيمته في الجزية، فإن أبوا لم يجبروا على ذلك، ولم يكن بأس بابتياع ذلك لهم، وهذه ضرورة، وقد روي عن ابن القاسم أن المفاداة بالخمر أحق منها بالخيل والسلاح، وهو كما قال؛ إذ لا ضرر فيه على المسلمين في المفاداة منهم بالخمر، وعليهم الضرر في المفاداة منهم بالخيل، وقول أشهب في تفرقته بين الخيل والسلاح وبين الخمر؛ لأنه لا ينبغي لأحد أن يدخل في نافلة من الخير بمعصية ليس بصحيح؛ لأن بيع الخيل والسلاح منهم معصية كما أن بيع الخمر منهم معصية، فإذا جاز أن يعطوا الخيل والسلاح في فداء مسلم لحرمة المسلم كان أجوز يعطوا فيه الخمر لحرمة المسلم؛ إذ لا ضرر في ذلك على المسلمين

стр. 1186

والدخول في نافلة من الخير بمعصية إنما هو مثل أن يسرق مال أحد أو يغصبه، فيفدي به أسيرا، أو يفعل به خيرا، وما أشبه ذلك، وسواء على مذهب ابن القاسم كان الأسير في بلد الحرب، أو قدم به بأمان إلى بلد المسلمين؛ إذ له على مذهبه أن يرجع به إلى بلده إن شاء خلاف ما ذهب إليه ابن حبيب من أنه لا يمكن من الرجوع به إلى بلده، ويؤخذ منه بالقيمة شاء أو أبى، وقد تقدم في سماع يحيى وسحنون ما دل على هذا المعنى، ومن فدى مسلما بخمر أو خنزير أو ميتة، فلا رجوع له عليه بشيء، إلا أن يكون المعطي ذميا، فليرجع عليه بقيمة الخمر والخنزير والميتة إن كانت مما يملكونها، قاله سحنون في كتاب ابنه، ومعناه إذا فداه بذلك من عنده، وأما إن ابتاعه ليفديه به، فإنه يرجع عليه بالثمن الذي اشتراه به، والله تعالى هو الموفق لا رب غيره. [دعي إلى الإسلام أو الجزية غير مرة فأبى فجوهد وجاهدوا وحاربوا وسبوا] ومن مسائل نوازل سئل عنها أصبغ قيل لأصبغ: أرأيت من قد دعي إلى الإسلام أو الجزية غير مرة فأبى، فجوهد وجاهدوا وحاربوا وسبوا، أيدعى هؤلاء أبدا؟ قال أصبغ: أما الجيوش الظاهرة الغالبة والصائلة، فإني أرى الدعوة عليهم، ولا أرى لهم أن يقاتلوا قوما، ولا حصنا إلا بدعوة؛ لأن هؤلاء لم يخرجوا بطلب غرة، ولا انتهاز فرصة، وإنما خرجوا قاهرين ظاهرين لتخريب العامر، وللإدخال في الإسلام وما أشبه هذا، وأما السرايا وما أشبهها التي تطلب الغرر، وانتهاز الفرصة، فلا أرى على هؤلاء في مثل من وصفت دعوة ولو دعي مثل هؤلاء؛ لكان إنذارا على أنفسهم وتجليبا عليهم. قال: وهذا أحب ما سمعت إلي، مع ما جاء من الاختلاف في الدعوة، قد قال جل الناس: إنها قد بلغت العالم

стр. 1187

جميعا. قال أصبغ: وقد بلغني أن عمر بن عبد العزيز كتب ألا تقاتلوهم حتى تدعوهم؛ فإنا إنما نقاتلوهم على الدين، وإنما تخيل إليهم وإلى كثير منا، أنا إنما نقاتلوهم على الغلبة، فلا تقاتلوهم حتى تبينوا لهم. قال محمد بن رشد: الكفار في حكم دعائهم إلى الإسلام قبل القتال على ثلاثة أقسام: أحدها: أن يكونوا ممن لم يبلغه أمر النبوة والإسلام. والثاني: أن يكونوا قد بلغه أمر النبوة والإسلام، إلا أنهم يجهلون أنهم إنما يقاتلون ليدخلوا في الإسلام، أو يؤدوا الجزية، ويظنون أنهم يقاتلون ليغلبوا ويسترقوا لا لما سوى ذلك. والثالث: أن يكونوا يعلمون أنهم إنما يقاتلون على الإسلام؛ ليدخلوا فيه أو يؤدوا الجزية. والدعوة في القسم الأول والثاني واجبة قبل القتال في الجيوش، إلا أن الحكم يفترق فيهما، إن قوتلوا قبل، بين أن يدعوا ويسبوا، فلا يمضي ذلك في أهل القسم الأول، ويمضي في أهل القسم الثاني. وقد قال جل أهل العلم: إن دعوة الإسلام قد بلغت جميع العالم، فعلى هذا يسقط القسم الأول، وهي في القسم الثالث غير واجبة على السرايا، لا يلزم أن يتقدم إليهم قبل بعث السرايا إليهم؛ لعلمهم بما يتقدم به إليهم. وذلك جائز للإمام أن يفعله إن شاء، وأما أمير السرية إذا دخل، فلا يجوز له الدعوة ولا يحل؛ لأن في ذلك تجليبا للعدو على نفسه وإهلاكا لها، واختلف في وجوبها على الجيوش والصوائف، فأوجبها أصبغ في هذه الرواية، ظاهر قوله، وإن لم يرجوا أن يستجيبوا لهم إذا دعوهم، وقد قيل: إنه إنما يجب عليهم أن يدعوهم إذا رجوا أن يجيبوهم إذا دعوهم، أو أيقنوا

стр. 1188

بذلك، وهو قول يحيى بن سعيد في المدونة: ولعمري إنه للحق على المسلمين ألا ينزلوا بأحد من العدو في الحصون ممن يطمعون بهم، ويرجون أن يستجيب لهم إلا دعوه. وقد قيل: إنه إنما يجب عليهم إذا أيقنوا أنهم إن دعوهم أجابوهم لخوفهم من تغلب المسلمين عليهم، وأما إن لم يوقنوا بذلك ورجوه استحبت لهم الدعوة، وإن علموا أنهم لا يجيبونهم جازت لهم ولم تستحب، والذي يأتي على مذهب مالك أنها غير واجبة، وإن أيقنوا بإجابتهم، وهو قول سحنون في كتاب ابنه؛ لأنه أنكر التفرقة وقال: إن وجبت فعلى الجميع، وإن لم تجب سقطت في الوجهين يريد أن تسقط في هذا القسم عن الجيوش كما تسقط عن السرايا، وأنها تجب في القسم الأول والثاني، أو في القسم الثاني إن سقط القسم الأول على السرايا كما يجب على الجيوش والصوائف، وأما إن شك في بلوغ الدعوة إليهم فمن بعد عن الدرب محمولون على أن الدعوة لم تبلغهم لم يختلف في ذلك قول مالك، واختلف قوله فيمن قرب من الدروب في المدونة، فمرة حملهم على أن الدعوة لم تبلغهم، فأوجب دعاءهم قبل القتال، ومرة حملهم على أن الدعوة قد بلغتهم، فلم يوجب دعاءهم قبل القتال، فهذا وجه اختلاف قول مالك في المدونة، والله أعلم، وإذا سقطت الدعوة، ووجب القتال لم يؤذنوا، واستعمل في حربهم ما أمكن من المكر والخديعة، فقد قال ﷺ : «الحرب خدعة» . [مسألة: عبدا من المغنم أبق ولحق بدار الحرب ثم غنم أيكون غنيمة مبتدأة] مسألة قيل لأصبغ: فلو أن عبدا من المغنم أبق ولحق بدار الحرب ثم غنم، أيكون غنيمة مبتدأة أم يرد إلى الغنيمة الأولى؟ قال: بل يرد إلى الغنيمة الأولى الذين كانوا غنموه، ولا يكون فيه إلا خمس واحد، ولا يكون لهؤلاء الذين غنموه آخرا قليل ولا كثير، إلا أن يكون إباقه

стр. 1189

بحدثان الآخذ وفوره قبل استحكام الغنيمة، فيكون كما لم يوسر مثل الذي ينفلت من الآخذ، ومن الرباط وينسل، ويختفي في سوقه وما أشبه ذلك. قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن العبد إذا استحكمت غنيمته، فقد وجب لغانميه بعد تخميسه، فإذا أبق ثم غنمه آخرون، فهم أحق به إن أدركوه قبل القسم بغير ثمن وبعده بالثمن إن شاءوا أن يأخذوه. [مسألة: أهل الذمة يخرجون غزاة إلى أرض الحرب متسررين متلصصين] مسألة وسئل أصبغ عن أهل الذمة يخرجون غزاة إلى أرض الحرب متسررين متلصصين، ليس معهم أحد من أهل الإسلام، أو لعل معهم النفر إلا أنهم الغالب على السرية والأكثر، أترى أن يتركوا وذلك، أو يخرج منهم الواحد والاثنان والثلاثة، متلصصين متسررين، هل الواحد عندك والكثير سواء؟ فقال: أرى أن يمنعوا من ذلك منعا شديدا ويزجروا عنه، وذلك لوجهين؛ أما أحدهما: فمن أجل أن الرسول ﵇ قال: «لن أستعين بمشرك» ، والوجه الآخر: أنهم يعملون بعمل الشرك، فيستحلون ما نهي عنه من قتل النساء، والصبيان، والغلول، وغير وجه واحد، ولا يجاهد عدو الله إلا بسنة وإصابة ودعوة، وإن أهل ذمة المسلمين بمنزلتهم؛ لأن منعهم وتركهم إليهم، فإن كانوا قد غزوا وأصابوا تقدم إليهم ونهوا عن العودة، وتركت غنيمتهم بأيديهم، ولا يؤخذ منهم شيء إلا أن يكون معهم مسلم فيخمس سهمانه وحده، والقليل والكثير سواء إذا انفردوا، هكذا يمنعون أشد المنع. قال محمد بن رشد: قد تقدم القول على هذه المسألة في أول سماع يحيى، فلا معنى لإعادته.

стр. 1190

[مسألة: العبيد يجتمعون فيسرون وهم مسلمون فيصيبون العمل والسنة في الغزو] مسألة قيل لأصبغ: فالعبيد يجتمعون فيسرون كنحو هؤلاء، وهم مسلمون فيصيبون العمل والسنة في الغزو والإصابة، وقد أذن لهم أربابهم فقال: هؤلاء مثلهم أرى أن يمنعوا أيضا، وليس من وجه أنهم لا يصيبون، ولكن من وجه أنهم لا حق لهم في الفيء، ولا خمس في غنيمتهم، فإن وقع وغنموا رأيت أن يترك ذلك لهم، ولا يخمسوا ويتقدم إليهم إلا يعودوا ويمنعوا أشد المنع. قال محمد بن رشد: ابن القاسم يرى في غنيمتهم الخمس، وقد مضى ذلك من قوله في سماع يحيى، فعلى قوله لا يمنعون من الغزو منفردين؛ لأن الخطاب في قول الله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ﴾ [الأنفال: ٤١] الآية، وإن كان متوجها إلى الأحرار والعبيد تبع لهم إذا كانوا في جملتهم، فهو يراهم بمنزلتهم، إذا انفردوا قياسا عليهم في أن الخمس عليهم والأربعة الأخماس لهم، فكذلك يجب أن يكونوا بمنزلتهم في أن لا يمنعوا من الغزو، وبالله التوفيق. [مسألة: غشيهم العدو فبادروا إلى دوابهم فأخذ كل واحد منهم دابة صاحبه] مسألة وسئل أصبغ عن أناس من المسلمين كانوا في كمين ناحية العدو، فغشيهم العدو، فبادروا إلى دوابهم، فأخذ كل واحد منهم دابة صاحبه على العمد ممن أخذ أو أخطأ، فأصيب بعض الدواب وسلم بعضها، وكيف إن أصيب خيارها كيف الأمر فيه؟ قال: أراه ضامنا عمدا كان أو خطأ؛ لأنها أصيبت تحته.

стр. 1191

قال محمد بن رشد: لمالك في رسم يتخذ الخرقة من سماع ابن القاسم، من كتاب الجنايات نحو هذه المسألة، فإنه يعذر بالخوف في بلد الحرب في السفر، ويسقط عنه الضمان، وقال سحنون هناك: إنه ضامن مثل قول أصبغ هاهنا، وهو الأظهر على أصولهم في أن الأموال تضمن في العمد والخطأ، ونهاية ما في هذا أن يجعل بالخوف في حكم المغلوب عليه كالمكره، ومن قولهم: إن من أتلف مال غيره مكرها لا يعذر بالإكراه، ويجب عليه الغرم. [مسألة: ينزع من جماعة المسلمين فيصالح العدو الذين يلونه ويستمد بهم على المسلمين] مسألة وسئل أصبغ عن الوالي ينزع من جماعة المسلمين، وهو في حصن من حصون المسلمين، فيصالح العدو الذين يلونه، ويستمد بهم على المسلمين، فهل يحرمون بذلك الصلح على الإسلام. قال: أما ما لم يغيروا بعد معاهدته إياهم وأمسكوا فلا أرى أن يستحلوا، وأما إذا عابوا وأعاروا لهواء ما بينه وبينهم، فقاتلوا المسلمين بهذا الوجه فأرى أن يقاتلوا، وأن يستحلوا فأرى أمرهم حينئذ أن يكونوا كاللصوص هم وهو ويكونون ناقضين؛ لأن هذه ليست معاهدة، إنما المعاهدة الإمساك، فإن لم يمسكوا قوتلوا. قال محمد بن رشد: مثل هذا لأصبغ في الثامن من الثمانية حرفا بحرف، وهو مفسر لقول ابن القاسم في سماع يحيى. [مسألة: دخل أرض الحرب بسويق له بلا لتات فلته بإدام من المغانم] مسألة قيل لأصبغ: فلو أن رجلا دخل أرض الحرب بسويق له بلا لتات، فلته بإدام من المغانم أو ثوبا، فصبغه بصبغ من المغانم، ثم

стр. 1192

خرج به، ما ترى في ذلك؟ قال أصبغ: إن كان الذي زاد فيه اللت والصبغ الزيادة التافهة اليسيرة، فلا أرى عليه تمخيا منه بمنزلة لو خرج بالإدام نفسه والصبغ، وإن كان زاد فيه زيادة ذات بال، وقد كان شريكا بقيمة ثوبه أو سويقه بلا صباغ ولا لت، وتمخى من سائر ذلك. قال محمد بن أحمد: وهذا بين كما قال؛ لأن الصباغ واللتات عين قائمة في جميع الأحكام من المرابحة والعيوب والاستحقاق والسرقة وغير ذلك، فوجب أن يكون في هذه المسألة كذلك إلا أن في مساواته في اليسير بين الصبغ والإدام نظرا؛ لأن له أن يخرج من الإدام يسيرا، وليس له أن يخرج من الصبغ بماله ثمن وإن قل؛ لقول رسول الله ﷺ : «شراك وشراكان من نار» ، فالصواب أن عليه أن يتمخى الصبغ من قليله وكثيره. [مسألة: النصراني يشتري النصراني ثم يخرج العبد إلى أرض العدو فيسلم] من سماع أبي زيد بن أبي الغمر من ابن القاسم مسألة قال أبو زيد: سئل ابن القاسم عن النصراني يشتري النصراني، ثم يخرج العبد إلى أرض العدو فيسلم ثمة، ثم يأسره المسلمون، قال: هو حر، ولا يقع في المقاسم.

стр. 1193

قال محمد بن رشد: هذه مسألة خارجة عن أصل المذهب في أن أهل الذمة وأهل الإسلام سواء فيما حازه أهل الحرب من أموالهم، بسبي منهم أو إباق من العبيد إليهم، ثم سباه المسلمون بعد ذلك أنهم أحق به إن أدركوه قبل القسم بغير ثمن، وإن لم يدركوه حتى قسم كان لهم أن يأخذوه بالثمن الذي وقع به في المقاسم إن شاءوا، والذي يأتي فيها علم المذهب أنه لا يكون إذا سبي حرا، ويكون سيده أحق به قبل القسم بغير ثمن وبعده بالثمن إن شاء، ويباع عليه لإسلامه؛ لأن إسلام عبد الذمي لا يسقط ملك سيده عنه بإجماع، وكذلك إباقه إلى بلد الحرب لا يسقط ملك سيده عنه على المذهب، فوجب أن يكون له إذا سبي أسلم أو لم يسلم، ويباع عليه إن أسلم، وإنما يصح جوابه فيها على مذهب من يقول: إن أهل الحرب يملكون على المسلمين، وأهل الذمة ما صار إليهم من أموالهم، فلا يكون لهم إليها سبيل وإن أدركوا قبل القسم، ولا يكون العبد حرا إذا أسلم في بلد الحرب فسباه المسلمون، أو خرج إليهم مسلما إلا إذا كان سيده حربيا كعبيد أهل الطائف الذين أسلموا أو خرجوا إلى النبي ﷺ ، فأعتقهم بخروجهم إليه، وإنما كان يصح جوابه لو خرج النصراني بالنصراني الذي اشترى إلى بلد الحرب ناقضا للعهد، فأسلم العبد في بلد الحرب، ثم غنمه المسلمون، ولو قدم السيد الحربي قبله بأمان فأسلم أو لم يسلم، ثم سبى العبد بعد ذلك، لتخرج على الاختلاف الواقع في المدونة وغيرها في تغليب حكم الدار، وقد ذكرنا ذلك في أول رسم المكاتب، من سماع سحنون، وفي سماع سحنون، ويأتي أيضا في رسم الجواب، من سماع عيسى، من كتاب التجارة إلى أرض الحرب، وبالله التوفيق. [مسألة: يجد الغنيمة في أرض العدو فيتركها ولا يأخذها] مسألة وعن الرجل يجد الغنيمة في أرض العدو فيتركها ولا يأخذها

стр. 1194

كراهية أن تتعب ذاته بحملها إلى العسكر. فقال: أراه في سعة من ذلك، ولا يلزمه حملها إلا أن يكون. شيئا نفيسا من متاع أو جوهر، فلا أرى أن يتركه. قال محمد بن رشد: أوجب عليه فيما كان شيئا نفيسا من متاع أو جوهر لا مؤنة عليه في حمله، إلى الذي تجمع عنده الغنائم في العسكر أن يحمله ولا يتركه يضيع، بخلاف اللقطة التي اختلف في الأفضل من أخذها، أو تركها على ثلاثة أقوال: أحدها: أن تركها أفضل رجاء أن يرجع صاحبها فيجدها. والثاني: أن أخذها أفضل مخافة أن يتركها فيجدها من يذهب بها ولا يعرفها. والثالث: الفرق بين اليسير والكثير، والأول مذهب أبي عمران، والأخيران لمالك؛ لأن اللقطة إن أخذها لزمه تعريفها، وربما لم يجد صاحبها، وإن تركها ربما رجع عنها صاحبها فوجدها حيث سقطت منه، وهذا إن تركه ضاع، وإن أخذه لم يلزمه؛ لأنه يبرأ بدفعه إلى صاحب الغنائم، فهو كمن وجد لقطة يعلم صاحبها، ويوقن أنه إن تركها، ولم يأخذها؛ ضاعت، وبالله التوفيق. [مسألة: سبى رومي جارية ممن بيننا وبينه هدنة هل يجوز شرائها ووطئها] مسألة قال ابن القاسم: لو أن روميا أهدى إلي ابنته، لم يكن به بأس أن أطأها أو غير ابنته، ولو سبى رومي جارية ممن بيننا وبينه هدنة مثل النوبة وما أشبههم؛ لم ينبغ أن أشتريها ولا أطأها. قال محمد بن رشد: هذا مثل ما في التجارة إلى أرض الحرب من المدونة سواء، ومثل ما قد مضى لأشهب في سماع أصبغ، في جواز الارتهان، وليس ما مضى في سماع يحيى، بخلاف لشيء من ذلك على ما بيناه فيه.

стр. 1195

[مسألة: خرجوا إلى العدو فلما التقوا دفع علج منهم إلى رجل من المسلمين دنانير] مسألة وعن قوم خرجوا إلى العدو، فلما التقوا دفع علج منهم إلى رجل من المسلمين دنانير، قال: هو أحق بها، قيل له: وإن دفعها إلى وال؟ قال: أما الوالي فلا أدري كأنه يراها فيئا للمسلمين. قال محمد بن رشد: قد مضى القول على هذه المسألة مستوفى في أول رسم من سماع عيسى، فلا معنى لإعادته. [مسألة: يدخل أرض الإسلام ومعه رقيق مسلم أيباعون عليه فيعطى أثمانهم] مسألة وعن الرجل من الروم يدخل أرض الإسلام بصلح في تجارة أو غير ذلك، فيدخل معه رقيقا له مسلمين، أيباعون عليه فيعطى أثمانهم، أم يعتقون، أم يقرون بيده يخرج بهم إلى أرضه، أم كيف يفعل بهم؟ قال: لا يتركون وذلك، ويمنعون من ذلك أشد المنع، يتقدم إليهم في النهي عن ذلك، فإن عادوا عوقبوا. قال محمد بن أحمد: قد مضى في سماع سحنون أن لهم أن يرجعوا بهم إن شاءوا، ومثله في سماع سحنون من كتاب التجارة إلى أرض الحرب أيضا، وهو المعلوم من مذهب ابن القاسم، وقد مضى القول عليه في موضعين من سماع سحنون، وفي سماع من كتاب التجارة إلى أرض الحرب، من قول ابن القاسم ما يعارض المعلوم من مذهبه في ذلك، وسنبين ذلك إذا مررنا به إن شاء الله. [مسألة: اشترى امرأة من السبي فحملت منه ثم جاء أهلها يريدون لها الفداء] مسألة قال ابن القاسم في رجل اشترى المرأة من السبي، أسرت فحملت منه، ثم جاء أهلها يريدون لها الفداء، أترى للسيد أن يفعل؟
следующие страницы →