← Фикх малики

Фикх малики · id 21751

البيان والتحصيل

ابن رشد الجد

Полный текст (9 112 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

لم يكونوا في حيز التبع لهم كان لهم حق في الغنيمة، وكذلك إذا خرج العبد أو النصراني مع الرجل أو الرجلين أو الثلاثة أو الأربعة كان لكل واحد منهما سهمه من الغنيمة. [مسألة: خيل المسلمين تقاتل العدو قتالا متفاوتا أيتساوون في العطاء] مسألة قال يحيى: وسألت ابن القاسم عن العدو يغيرون على ناحية من ثغر المسلمين، فيطلبهم خيل المسلمين، والطلب متفاوت على قدر الطاقة، فأدركهم بعض من طلب، والناس في آثارهم متساربون، فقاتلهم الأولون، فأظفرهم الله فقتلوا وأسروا وأصابوا ما كان معهم، أترى أن يقسموا على من حضر القتال، أم يكون ما أصابوا لجميع من خرج في الطلب، أم لأهل القرى التي خرج هؤلاء منها؟ قال: إن كان خرجوا من مسالح منصوبة للرباط، أهلها مقيمون للذب عن جميع من وراءهم من الإسلام، قسم ما أصابوا بين أهل تلك المسالح الخارج والمقيم من قاتل أو لم يقاتل، أو خرج أو لم يخرج، قال: وكذلك إن كانوا من أهل حصن في رأس الثغر، قال: وإن كانت قرا إنما فيها أهلها الذين يسكنون فيها بعيالهم، وإنما فجأهم أمر فركبوا في طلب الذين أغاروا عليم قسم ما أصابوا بين كل من طلب، أدرك القتال أو لم يدركه، حضره أو غاب عنه إذا تبين أنهم ممن خرج طالبا بالبت واليقين، وليس لمن لم يخرج في الطلب من أهل تلك القرى شيء، والخمس في جميع ذلك واجب. قال محمد بن أحمد: هذه مسألة صحيحة حسنة، ذكرها ابن سحنون

стр. 1122

لأبيه فأعجبته، وقد تقدمت في أول هذا الرسم والقول فيها، وإن كانت هذه أكمل بالمعنى بينها جميعا سواء، وبالله التوفيق. [مسألة: قوم من أهل الذمة هربوا إلى العدو طائعين ثم أصيبوا بعد ذلك] مسألة قال يحيى: وسألت ابن القاسم عن قوم من أهل الذمة كانوا في أرض مدينة المسلمين، فلما نزل بهم العدو مع رجل من المسلمين قادهم إليها، هربوا إلى العدو طائعين، ثم أصيبوا بعد ذلك، أيستحلوا أم لا؟ فقال: إن هربوا من ظلم كان يرتكب منهم؛ لم يحل لهم شيء من نسائهم ولا دمائهم ولا أموالهم، وإن هربوا من غير أن يتعدى عليهم، ولم يخافوا ذلك من ناحية أحد معروف بالظلم، فإنهم وإن أصيبوا، وقد لحقوا بأرض العدو، وفارقوا دار الإسلام فقد حلوا، قلت: فإن أصيبوا عند الذي أخرج العدو على أهل الإسلام فماذا ترى في أمرهم إن قالوا: إنما ارتحلنا إلى ناحية من دار الإسلام، ولم نخرج إلى دار العدو، ولا إلى العدو، وإنما خرجنا إلى هذا الرجل، وهو رجل من المسلمين، وإن كان قد أحدث خلافا؟ فقال: لا أرى لأحد أن يستحلهم ما كانوا في دار الإسلام، وإن كان نزوعهم إلى مثل ما وصفته، فإن لهم في ذلك عذرا وشبهة يحرم بها دماؤهم وأموالهم. قال محمد بن أحمد: إنما لم ير أن يستباحوا حتى يلحقوا بأرض العدو، ويفارقوا دار الإسلام، وإن كانوا قد صاروا مع العدو، من أجل الرجل الذي قاد العدو، فرأى في ذلك شبهة، ولولا ذلك لكان حصولهم مع العدو الذي هربوا إليه كوصولهم إلى العدو، ولا يستباحون إذا خرجوا إلى غير

стр. 1123

عدو يريدون بلد العدو فأدركوا قبل أن يصلوا إلا أن يقاتلوا ويمتنعوا على ما قال في رسم الجواب، من سماع عيسى، فلا خلاف بين هذه الرواية وما في رسم الجواب من سماع عيسى المذكور، ولا فيما بين ذلك وبين ما في آخر سماع يحيى، وإنما هي زيادات يفسر بعضها بعضا، وبالله التوفيق. [مسألة: ناس من أهل الذمة كانوا من أهل مدينة للمسلمين وكانوا يتجسسون للعدو] مسألة قال يحيى: سألت ابن القاسم عن ناس من أهل الذمة نصارى ويهود، كانوا من أهل مدينة للمسلمين غلب عليها العدو، فأقاموا بها بعدما غلب عليها العدو، فشكا أهل مدينة للمسلمين تليهم أنهم يتجسسون للعدو، ويكونون لهم عيونا، وإذا أغار المسلمون على أهل تلك المدينة فطلبهم العدو طلب معهم أولئك النصارى الذين كانوا أهل ذمة المسلمين، فاستنقذوا ما أدركوا، وقتلوا إن قدروا، فإذا أصاب المسلمون منهم أحدا قالوا: إنا نؤمن بالذي نصنع، ونقهر عليه، فنحن نخاف إن لم أفعل أن نقتل، ولا يعرف ما يدعون من القهرة والتخويف بالقتل على ما يصنعون إلا بقولهم، قلت: أفترى أن يستحل قتلهم إذا ظفر بهم، وقد علم أنهم ركبوا من المسلمين الذي وصفت لك من شكية أهل الحصن الذين جاوروهم؟ فقال: أرى أن يقتل فيهم من علم أنه قتل، وأما من لم يعلم أنه قتل غير أنه يرى في الطلب للمسلمين، واستنقاذ ما غنموا وما أشبه هذا، فلا يستحل قتله، ولكن أرى أن يحبسوا ويطال

стр. 1124

حبسهم، قلت: أرأيت إن أقاموا مع العدو بعد الأجل الذي أجل إليهم في الرحيل إلى أرض الإسلام، فأغاروا مع من يغير من العدو فسبوا وأضروا بالمسلمين، فزعموا أنهم منعوا من الرحيل، وأمروا بالغارة على المسلمين، ولا يعرف الذي ادعوا إلا بقولهم، أيستحلوا أم لا؟ قال محمد بن رشد: هؤلاء أهل ذمة لم يتبين نقضهم للعهد؛ لكونهم بمكانهم، فهم فيما يفعلون من طلبهم مع العدو واستنقاذهم ما أدركوا، وقتلهم إن قدروا بمنزلة من حارب من أهل الذمة، يحكم عليه بحكم المحارب من المسلمين، إلا أن لهم شبهة فيما يدعون من الإكراه على ذلك، وخوف القتل إن لم يفعلوا، فيسقط عنهم حكم الحرابة، فهذا عندي معنى الرواية، وقوله فيها أرى أن يقتل من علم أنه قتل معناه يقتل قصاصا به، ويكون لأولياء المقتول العفو عنه على حكم النصراني يقتل المسلم على غير حرابة، ورأى أن يطال حبسهم اجتهادا، إذا لم يثبت ما ادعوه من الإكراه، ولو ثبت ذلك لم يجب على من يقتل منهم شيء، وهذا هو الحكم فيهم أيضا إذا فعلوا ذلك بعد الأجل الذي أجل لهم، وادعوا أنهم منعوا من الرحيل، وأكرهوا على الغارة؛ لاحتمال صدقهم فيما يدعون. [مسألة: أعلاج من العدو خرجوا إلينا بغير عهد ثم ادعوا السكنى] مسألة قال يحيى: وسألت ابن القاسم عن أعلاج من العدو، خرجوا إلى أرض الإسلام بغير عهد، فلما أخذوا في دار الإسلام، أو أخذوا في مفازة بين المسلمين والعدو مقبلين إلى دار الإسلام مرتحلين،

стр. 1125

ليسوا على حال الحرب، ولا بحال من يتقنص فرصة يصيبها، فزعموا أنهم إنما أرادوا السكنى في أرض الإسلام، يكونون على حال الأحرار، ولا يغرمون جزية؛ ماذا يجوز للإمام أن يقرهم عليه؟ فقال: أما بيعهم فلا يحل للإمام ولا قتلهم، ولكنه يفرض عليهم غرم الجزية، فإن قبلوا أقرهم، وإن كرهوا ردهم إلى مأمنهم ولم يستحلوا، قال: وإن كانوا حين خرجوا دعوا إلى الجزية، فقد لزم السلطان أن يقرهم على ذلك، وليس له أن يقول لهم: لا أقبل منكم إلا أن أبيعكم إن أجبت، أو أردكم إلى مأمنكم، قال: وإنما يكون الإمام محتكما في أمر من أخذ من العدو بغير عهد يرى فيهم رأيه، إذ أخذ منهم قوم انكسرت سفينتهم واضطروا إلى موضع، فصاروا فيه كالأسرى، فأخذهم المسلمون بغير عهد، وقد تبين أنهم لم يتعمدوا الخروج إلى دار الإسلام، ولكنهم ألجئوا وصاروا بأيدي من ألجئوا إليه كالأسرى في أيدي المسلمين، فأولئك إن رأى الإمام بيعهم باعهم أو يضعهم في أي منافع العامة رأى في اجتهاده لهم أي الأمور رأى فيهم مما ينظر به للعامة، فذلك إليه، قلت: أيجوز له قتلهم إن رأى ذلك؟ قال: لا أحب له قتلهم، وقد سألت مالكا عن الأسارى أيقتلون؟ قال: لا، إلا أن يخاف منهم أحد فيقتل، فإن كان في هؤلاء من يخاف مثل الرجل من العدو المشهور بالنجدة والفروسية ونحو ذلك فرأى أن يقتله، فذلك له. قال محمد بن رشد: قال في هذه المسألة: إنهم يصدقون فيما ادعوا إذا أخذوا في دار الإسلام، ولم يفرق بين قرب ولا بعد، فظاهره مثل ظاهر ما في أول رسم الصلاة بعد هذا، خلاف ظاهر ما مضى في هذا الرسم، من أن أمرهم إلى الإمام، وخلاف ما مضى في رسم الجواب، من سماع عيسى من التفرقة بين القرب والبعد، وقد مضى هناك تحصيل الخلاف في هذه المسألة

стр. 1126

فلا معنى لإعادته لك، وقوله في الأسير: إنه لا يقتل إلا أن يكون الفارس المعروف بالنجدة والفروسية خلاف ما يأتي في آخر الرسم الذي ذكره بعد هذا، من أنه يقتل بعد الإسار المرأة والغلام إذا قاتلا ولا يتركان لنهي النبي ﷺ عن قتال النساء والصبيان؛ لأنهما قد استوجبا القتل بقتالهما، وقد مضى القول في وجه هذا الاختلاف، وتحصيل مذهب مالك في حكم الأسير، وما الواجب في أمره في أول رسم من سماع أشهب مجودا، فلا معنى لإعادته. [مسألة: الرجل يقتل في المعترك ولم يقاتل أيقسم له] مسألة قال يحيى: وسألت ابن القاسم عن الرجل يقتل في المعترك في أرض العدو أو يخرج فيموت بعد أيام، أو يمرض فيموت بعد شهود القتال، ولا يكون فيمن شهد القتال، غير أنه كان في الجيش فمات بعد المعترك؛ أيقسم له أم لا؟ فقال: يقسم له في كل ما سألت عنه، قيل له: أرأيت إن لم يكونوا غنموا إلا بعد قتله أو موته أيقسم له؟ قال: نعم، قيل له: وإن لقي الجيش بعد موته أو قتله جيوشا، فقاتلوهم فقتلهم الله، فغنم المسلمون ما كان معهم، وافتتحوا حصنا بعد موته، أو قتله أيقسم له من جميع ذلك، أم لا يقسم له إلا ما غنموا قبل قتله أو موته؟ قال: بل يقسم له مما غنموا قبل قتله أو موته، ومما غنموا بعد ذلك كانت غنيمتهم من أسلاب أهل جيش قتلوهم بعد قتله أو بعد موته، أو من حصن فتح أوجفت عليه الخيل مما يصيب سرايا العسكر، أو على أي حال نالوا الغنيمة، فسهمه يجري في جميع ذلك، قيل له: أرأيت إن مات قبل القتال، فلقي الجيش العدو

стр. 1127

بعد موته أو قتله، ولم يكن في حياته لقاء عدو، غير أنه قد أدرب مع الناس ثم مات أيقسم له؟ قال مالك: لا يقسم له. قال محمد بن رشد: ظاهر هذه الرواية أنه إذا شهد القتال ثم قتل أو مات، كان له سهمه من كل غنيمة تكون بعد ذلك إلى قفول الجيش، قربت أو بعدت، وقد مضى تحصيل الاختلاف في هذه المسألة في أول رسم، من سماع عيسى، فلا معنى لإعادة ذلك، وبالله التوفيق. [مسألة: الأسير من المسلمين يهرب من العدو بأموال أصابها أتخمس] مسألة قال يحيى: وسألت ابن القاسم عن الأسير من المسلمين يخرج من أرض العدو هاربا منهم، فيخرج بأموال أصابها لهم، أيخمس ما خرج به أم لا؟ فقال: لا خمس فيها عليه، وإنما يخمس ما يوجف عليه بالخيل والركاب، قلت: أرأيت إن خرج برقيق فادعى راتن - كذا - منها أنه حر مسلم فاستخبر، فإذا هو فصيح ينتسب إلى قوم، ويخبر بنعت منازلهم، ويزعم أنه سبي صغيرا، فسئل القوم وفيهم عدول، فيزعمون أن الذي ذكر حق، غير أنهم لا يدرون أهو الذي أصيب يوم يصف أم لا؟ فقال: هو له مملوك حتى يقيم البينة على ما ادعى من جنسه بعينه من عدول المسلمين، أو يثبت له أنه كان معروفا بالإسلام في أرض الشرك، فلا يجوز لأحد أن يسترقه بإخراجه من أرضه، ولا بشيء يصيبه. قال محمد بن أحمد: هذا صحيح كما قال؛ لأن ما خرج به الآبق من الرقيق على أن يكونوا عبيدا باستيلافه إياهم، أو كان قد سرقهم وغنمهم، فقد صح أنه ملكهم، فلا يصدق من ادعى منهم الحرية من الأصل إلا ببينة تثبت له دعواه.

стр. 1128

[مسألة: الآبق من عبيد المسلمين يلحق بأرض العدو ثم يأتي فيتعلق به صاحبه] مسألة قال يحيى: وسألت ابن القاسم عن الآبق من عبيد المسلمين، لحق بأرض العدو، ثم إن أهل تلك البلدة أرادوا مصالحة العدو، فقدم منهم ناس بعهد لما طلبوا من الصلح، وقدم معهم العبد الآبق فتعلق به صاحبه، هل له إلى أخذه سبيل، وهو يحتج والذين قدم معهم أنهم إنما خرجوا بعهد؟ وكيف إن لم يخرج الآبق مع الرسل غير أنه أقام بأرض العدو حتى صالحوا، ولم يستثن الإمام رد إباق، ولم يستثنوا شيئا، أترى أن يؤخذ مما في أيديهم من آبق وأسير؟ فقال: أما الآبق الذي خرج مع الرسل، فلا سبيل إلى حبسه، وأرى أن يرد ليوفي لهم بعهدهم، وأما كل من صالح من العدو على هدنة أو أداء جزية، فلهم كل ما في أيديهم مما حازوه قبل ذلك من أموال المسلمين، وما أصابوا من أحرار هم أسارى، لا ينبغي للإمام أن يقضيهم شيئا من ذلك، ولا ينزعه منهم إلا أن يفادوا عن طيب أنفس منهم، وسواء ما حازوا بالسبي والغلبة، وما نزع إليهم من إباق عبيدنا، هم أحق بهم للوفاء بالعهد لهم، إذا لم يستثن ذلك عليهم حين صالحوا. قال محمد بن أحمد: مساواته في هذه المسألة بين من صالح من الحربيين على هدنة أو أداء جزية في أنه لا ينتزع منهم ما في أيديهم من أسارى المسلمين الأحرار إلا أن يفادوا عن طيب أنفس منهم بعيد جدا لا يصح، وهي من المسائل التي وقعت على غير تحصيل؛ لأن هذا إنما يصح فيمن صالح منهم على هدنة، لا فيمن صالح منهم على أداء جزية؛ لأن من صالح منهم على هدنة فليسوا بأهل ذمة؛ لأنهم بائنون بدارهم

стр. 1129

لا تجري أحكامنا عليهم، ومن صالح منهم على أداء الجزية، فهم أهل ذمة تجري أحكامنا عليهم، وأهل الذمة يباع عليهم من أسلم من رقيقهم، ولا يتركون تحت ملكتهم بعد إسلامهم، فكيف بأحرار المسلمين؟ فالصحيح فيهم ما في سماع سحنون أنهم يعطون قيمتهم من بيت مال المسلمين ويخرجون أحرارا، وإنما يستوي منهم من صالح على هدنة، وعلى أداء الجزية في الأموال والرقيق الذين ليسوا بمسلمين، وأما الآبق الذي خرج مع الرسل فلا سبيل لصاحبه إليه، إلا أن يشتريه منهم برضاهم، وسواء على مذهب ابن القاسم كان مسلما أو كافرا؛ لأن الرسل مؤمنون، ومذهبه أن المستأمنين كتجار الحربيين وغيرهم ممن دخل بأمان، لا يباع عليهم العبيد المسلمون، ولا ينزع منهم أسارى المسلمين من الرجال والنساء، ويكون لهم الرجوع بهم إلى بلادهم، خلاف ما ذهب إليه ابن حبيب من أنهم في حكم أهل الذمة يباع عليهم من أسلم من رقيقهم، ويعطون قيمة أسارى المسلمين، ولا يمكنون من الرجوع، وحكى أن ذلك إجماع من قول مالك وأصحابه إلا ابن القاسم، وسنزيد هذه المسألة بيانا في سماع سحنون، إن شاء الله. [مسألة: الذميون لو سرقوا أموالا فكتموا ذلك حتى حاربوا وذلك في أيديهم أيؤخذ منهم] مسألة قلت: أرأيت أهل ذمتنا لو سرقوا أموالا لنا وعبيدا، فكتموا ذلك كما تكتم السرقات، وأخفوها حتى حاربوا وذلك في أيديهم، ثم صالحوا على أن رجعوا إلى حالهم من غير غرم الجزية التي كانت عليهم، أيؤخذ منهم ما كانوا سرقوا قبل المحاربة وقبل الصلح الذي استحدثوا؟ قال: لا أرى إلا أن يوفى لهم بالعهد، ولا ينزع منهم شيء مما حاربوا عليه ثم صالحوا، وهو في أيديهم. قلت: أفترى إذا اطلعنا على السرقات المتقادمة في أيديهم

стр. 1130

وهم يوم سرقوها أهل ذمة لنا أن يخيرهم الإمام بين أن يردوها طوعا، أو يردوهم إلى حالهم من الحرب ثم يقاتلهم إن أبوا مردها. قال: نعم، أرى ذلك للإمام إلا أن يشترطوها في صلحهم، ولا أرى ما في أيديهم من السرقات التي وصفت بمنزلة ما حازوا في أوان حربهم فهو لهم، ولا خيار للإمام في نقض صلحهم من أجلها، كما يجوز له ذلك في هؤلاء. قال محمد بن رشد: قد اختلف في تجار الحربيين إذا نزلوا بأمان، فسرقوا أموال المسلمين وعبيدهم وأحرارهم، ثم رجعوا إلى بلادهم، فنزلوا ثانية على أمان، وذلك في أيديهم، أيوخذ لهم أو يترك لهم؟ وقع اختلاف قوله في ذلك، في رسم يدير ماله، من سماع عيسى، من كتاب التجارة إلى أرض الحرب، واختلاف قوله داخل في هذه المسألة، إذ لا فرق بين المسألتين في المعنى، وأصح القولين أن يؤخذ ذلك منهم ولا يترك لهم، لا سيما في مسألة أهل الذمة إذا حاربوا، ثم رجعوا إلى غرم الجزية والدخول في الذمة لوجهين؛ أحدهما: أنهم يتهمون على أنهم قصدوا إلى أن يحاربوا، ثم يرجعوا ليكون لهم ما أخذوا، والثاني: مراعاة قول من يقول: إن ذمتهم لا تنتقض، وإن جزيتهم لا تبطل، والله أعلم، وبه التوفيق. [مسألة: العلج من العدو يخرج إلى دار الإسلام بلا عهد فيوجد عند أقاربه] ومن كتاب الصلاة مسألة وسألته عن العلج من العدو يخرج إلى دار الإسلام بلا عهد

стр. 1131

فيوجد عند أقاربه، فيقول: أردت أن أكون من أهل الجزية أوديها إلى المسلمين، وأقيم ببلدهم، أو يقول: جئت زائرا لقرابتي. فقال: لا أرى للإمام أن يسترقه ولا يبيعه. قلت: فالذي قدر عليه، وأخذه عند قرابته ما ترى له فيه حقا؟ قال: لا حق له فيه، ولكن إن رأى الإمام أن يقره على غرم الجزية، فذلك له إن قبل العلج، وإن كره غرمها كان على الإمام رده إلى مأمنه، ولا يستحل دمه ولا رقه. قال محمد بن أحمد: لم يفرق في هذه الرواية بين أن يوجد عند أقاربه بالقرب أو بالبعد، فالظاهر منها أن ذلك عنده سواء، خلاف ما مضى في رسم الجواب، من سماع عيسى، وقد مضى هناك تحصيل القول في هذه المسألة، فلا معنى لإعادته. [مسألة: العلج من العدو يخرج بأمان إلينا فيستودع الرجل من المسلمين مالا] مسألة وقال ابن القاسم في العلج من العدو يخرج بأمان إلى أرض الإسلام، فيستودع الرجل من المسلمين مالا، ثم يرجع إلى أرضه فيصيبه المسلمون بعد، فيباع في المغانم: إن ذلك المال المستودع يكون فيئا للمسلمين بإصابتهم العلج، وببيعهم إياه؛ لأن رسول الله ﷺ قال: «من باع عبدا له مال، فالمال للبائع، إلا أن يشترطه المبتاع» . قال: وإن أسر ثم قتل، فالمال الوديعة أيضا فيء للمسلمين؛

стр. 1132

لأن رقبته قد صارت في ملكهم، فما كان بأيدي المسلمين من ماله المستودع فهو كما أصابوا معه من ماله. قال: وإن قتل في المعركة بلا أسر، أو مات في أرضه رد المال المستودع إلى ورثته حيت كانوا؛ لأنه اؤتمن عليه، ثم لم يملك المسلمون رقبة العلج بعد ذلك، فأحق الناس بماله إذا لم يصر رقا للمسلمين من ورث ذلك عنه. قال محمد بن رشد: قوله: إن الأسير إذا بيع في المقاسم أو مات أو قتل بعد الأسر، يكون المال الذي كان له في بلد الإسلام مستودعا للمسلمين، معناه يكون غنيمة للجيش، يخمس وتجري فيه السهام، وكذلك قال ابن حبيب في الواضحة، وحكاه عن ابن الماجشون وأصبغ، وعزاه إلى ابن القاسم، وذلك بين في المعنى، قائم من قوله في الكتاب: فهو كما أصابوا معه من ماله، وحمل فضل قول ابن القاسم على ظاهره من أنه يكون فيئا لجميع المسلمين ولا يخمس، وهو بعيد في المعنى، وإن كان عليه دين فغرماؤه أحق به من الجيش، بخلاف ما غنم معه. [مسألة: أسير استودع ماله فقتل في المعركة ولم يؤسر] مسألة قال ابن القاسم: في سماع عيسى وأصبغ من كتاب التجارة إلى أرض الحرب، وسيأتي القول على ذلك هناك إن شاء الله تعالى، وأما إذا قتل في المعركة ولم يؤسر، فجعله ابن القاسم بمنزلة إذا مات بأرضه يرد المال المستودع إلى ورثته، وقال ابن حبيب: إنه يكون فيئا لجميع المسلمين، وعزاه إلى ابن القاسم، ولا يخمس، ولكلا القولين وجه من النظر، وبالله التوفيق.

стр. 1133

قال: ولا بأس أن ترمى الحصون بالمجانيق حصون العدو، وإن كان فيهم نساء وصبيان. قلت: أيحرقون عليهم إذا اعتصموا بالغيران والقلاع التي لا تنال إلا بالتحريق، أو يدخن عليهم حتى يغموا، فيستأسروا، وربما مات بعضهم غما؟ فقال: والتدخين عليهم مكروه، ولا يصح أن يقاتلوا به. قلت: فكيف يصلح لنا أن نقاتلهم في السفن برمي النفط؟ قال محمد بن أحمد: قوله: لا بأس أن يرمي الحصون - حصون العدو - بالمجانيق، وإن كان فيهم نساء وصبيان هو دليل ما في المدونة والحجة في إجازته، ما روي: «أن رسول الله ﷺ رمى أهل الطائف بالمجانيق، فقالوا: يا رسول الله، إن فيها النساء والصبيان، فقال رسول الله ﷺ : "هم من آبائهم» ، وكراهيته التدخين عليهم والتحريق، إذا اعتصموا بالغيران والقلاع، معناه إذا كان معهم النساء والصبيان، بدليل عطفه السؤال على مسألة النساء والصبيان، فذلك مثل ما في المدونة سواء، وقوله: فكيف يصلح لنا أن نقاتلهم في السفن برمي النفط؟ معناه إذا كان فيهم النساء والصبيان، بدليل عطفه إياها على مسألة النساء والصبيان، فلم يجبه على الفرق في ذلك بين الحصون والسفن، والفرق بينهما الضرورة إلى ذلك في السفن؛ لأنهم إن لم يرموهم بالنار رموهم به، فأحرقوهم ولا يقدرون على ذلك في الحصون، وفيما يجوز من ذلك كله مما لا يجوز اختلاف كثير في المذهب، تحصيله أن الحصون إذا لم يكن فيها إلا المقاتلة، فأجاز في المدونة أن يرموا بالنار، ومنع من ذلك

стр. 1134

سحنون، وقد روى ذلك عن مالك، من رواية محمد بن معاوية الحضرمي، ولا خلاف فيما سوى ذلك من تغريقهم بالماء، ورميهم بالمجانيق وما أشبه ذلك، وأما إن كان فيهم مع المقاتلة النساء والصبيان، ففي ذلك أربعة أقوال؛ أحدها: أنه يجوز أن يرموا بالنار، ويغرقوا بالماء، ويرموا بالمجانيق، وهو قول أصبغ فيما حكاه عنه ابن مزين. والثاني: أنه لا يجوز أن يفعل بهم شيء من ذلك كله، وهو قول ابن القاسم، فيما حكاه عنه الفضل. والثالث: أنه يجوز أن يرموا بالمجانيق، ويغرقوا بالماء، ولا يجوز أن يرموا بالنار، وهو قول ابن حبيب في الواضحة. والرابع: أنه يجوز أن يرموا بالمجانيق، ولا يجوز أن يغرقوا ولا يحرقوا، وهو مذهب مالك في المدونة، وأما إذا كان فيه مع المقاتلة أسارى المسلمين، فلا يرموا بالنار ولا يغرقوا بالماء، واختلف في قطعه عنهم، ورميهم بالمجانيق، فقيل: ذلك جائز، وهو قول ابن القاسم وأشهب في سماع سحنون، وقيل: لا يجوز، وهو قول ابن حبيب في الواضحة، وحكاه عن مالك وأصحابه المدنيين والمصريين، وأما السفن فإن لم يكن فيها أسارى المسلمين جاز أن يرموا بالنار للعلة المتقدمة، وإن كان فيها النساء والصبيان قولا واحدا، وإن كان فيها أسارى المسلمين، فقيل: إن ذلك جائز، وهو قول أشهب في سماع سحنون، وقيل: لا يجوز، وهو قول ابن القاسم فيه، والله الموفق. [مسألة: المرأة والغلام الذي لم يحتلم من العدو يقاتلان مع العدو ثم يوسران] مسألة وقال في المرأة والغلام الذي لم يحتلم من العدو يقاتلان مع العدو، ثم يوسران إن قتلهما بعد الإيسار حلال جائز، كما كان يحل ذلك منهما في حال القتال والمكابرة قبل الأسر ولا يتركان؛ «لنهي رسول الله ﷺ عن قتل النساء والصبيان» ؛ لأنهما قد استوجبا القتل بقتالهما. قال محمد بن أحمد: يريد بقوله: لا يتركان؛ لنهي رسول الله ﷺ ، أي لا يترك قتلهما تحرجا، إذ لا تؤمن غائلتهما؛ لأن قتلهما واجب، وإن أمنت

стр. 1135

غائلتهما، وذلك بين من قوله في أول المسألة إن قتلهما حلال جائز، وهذا خلاف ما مضى في الرسم الذي قبل هذا من أن الأسير لا يقتل إلا أن يكون من أهل النجدة والفروسية، والاختلاف في هذه عائد إلى ما هو محمول عليه، فمرة حمله على أن له غائلة حتى يتحقق أنه لا غائلة له، ومرة حمله على أنه لا غائلة له حتى يتحقق أن له غائلة، وكذلك أيضا إن جهل حال الأسير، هل هو من أهل النجدة والفروسية، أو ليس من أهلها، يجري على هذا الاختلاف، وقد مضى في أول رسم من سماع أشهب تحصيل القول في حكم الأسير على مذهب مالك، فلا معنى لإعادته. [مسألة: العدو يرسل رجلا إلى المسلمين للهدنة فإذا هو ممن نزع إليهم من المسلمين] ومن كتاب المكاتب مسألة قال: وسألته عن العدو يرسلون رجلا إلى المسلمين للهدنة، فإذا هو ممن نزع إليهم من المسلمين، وارتد في دارهم، أيستتاب أم يرد إليهم؟ قال: إن كان أمن فليرد إليهم، وليوف له بالعهد، وإن كان جاء بغير أمان، ولا عهد، فيستتاب فإن تاب وإلا قتل، حاله حال المرتد في دار الإسلام. قلت: أرأيت إن كان أبواه مسلمين أصابهما العدو، فولد في دار الشرك فتنصر، وترك دين أبويه وظفر به؟ قال: لا يستتاب ولكن حاله حال السبي والأسر إن أذن الإمام في قتله قتلوه، وإن استحيي فهو فيء للمسلمين الذين أصابوه. قلت: وليس حاله حال الذي يولد في دار الإسلام؟ قال: لا، قلت: فالذي يولد في دار الإسلام، ثم يصاب صغيرا مع أبويه أو دونهما، فتنصر أيستتاب إذا أصيب؟

стр. 1136

قال: لا يقتل ولكن يجبر على الإسلام بالضرب والتهديد والغلظة والشدة من الإمام عليه، ويكون حرا لا يسترق ولا يكون فيئا للذين أصابوه، وذلك أنه ولد في دار الإسلام فأصابه العدو أو خرج به أبواه، فهو من أبناء المسلمين الأحرار. قال محمد بن أحمد: اختلف إذا أمن الرجل على أنه حربي، فانكشف على أنه مرتد أو عبد لمسلم أو ذمي، فقيل: له الأمان، ولا يستتاب إن كان مرتدا، ولا يرد إلى سيده إن كان عبدا، وهو قول ابن القاسم، هذا واحد قولي أشهب، وقيل: لا أمان له، وإن اشترط أن لي الأمان وإن كنت مرتدا أو عبدا، وإلى هذا ذهب ابن حبيب في الواضحة، وحكاه عن مطرف وابن الماجشون وابن عبد الحكم وأصبغ وأشهب، وقيل: لا أمان له إلا أن يشترط، روي ذلك عن ابن القاسم، وهو دليل قول الأوزاعي وسحنون، ومن يرى أن المحارب من المسلمين إذا امتنع فأمن على أن ينزل أن له الأمان، وما ذهب إليه ابن حبيب أظهر الأقوال؛ لأنه إن لم يشترط فلا يكون له الأمان، إذ قد انكشف من حاله خلاف ما أمن عليه، وإن اشترط فالشرط إنما هو إبطال حد الله فيه إن كان مرتدا، وإبطال حق صاحبه فيه إن كان عبدا، وذلك مما لا يجوز. وأما قوله: إن كان أبواه مسلمين أصابهما العدو، فولد في أرض الشرك فتنصر، وترك دين أبويه وأخذ بغير عهد؛ أنه لا يستتاب، وحاله حال الأسير إن رأى الإمام أن يقتله قتله، وإن رأى أن يبقيه كان فيئا لمن أصابه، فالوجه فيه أنه حكم له بحكم الدار في الكفر لا بحكم أبويه في الإسلام، فغلب حكم الدار على حكمهما الذي هو أن يكون الولد مثلهما بإسلامهما، وجعل الدار له بمثابة أن لو كان أبواه كافرين في أنهما «يهودانه أو ينصرانه» ، كما قال ﷺ في الحديث المشهور

стр. 1137

المعروف، وهذا على أصله في المدونة فيمن أسلم في بلد الحرب، فغزا المسلمون تلك الدار فأصابوا فيها ماله وولده؛ أنهم فيء؛ لأنه حكم له بحكم الدار في الكفر، ولم يرهم مسلمين بإسلام أبيهم خلاف قول بعض الرواة فيها، ومذهب سحنون: أن ماله تبع له في الإسلام، فعلى قول بعض الرواة فيها ومذهب سحنون يكون حال الولد في هذه المسألة حال المرتد يستتاب، فإن تاب وإلا قتل إذا كان أبواه مسلمين، وإن ولد في دار الكفر، وسواء على ظاهر قول ابن القاسم، هذا بقي أبواه معه في بلد الحرب أو لم يبقيا، خلاف ما حمل عليه أبو إسحاق التونسي قول ابن القاسم وروايته عن مالك في المدونة، من أن معناه: إذا خرج بعد إسلامه، فسبي المال والولد بعد خروجه، إلا أن يفرق بين المسألتين بكون الأبوين مسبيين في هذه المسألة، فإذا لم يفرق بذلك بين المسألتين تحصل فيها ثلاثة أقوال: أحدها: أنه يحكم للولد بحكم الدار. والثاني: أنه يحكم له بحكم الأب. والثالث: الفرق بين أن يكون الأب مقيما مع ولده ببلد الحرب أو لا يكون. ولا إشكال فيما اكتسب الأسير في بلد الحرب، وهو فيه على وجه الملك لا على وجه الحرية، أنه لا تراعى يده عليه. وقوله بعد ذلك في الذي يولد في دار الإسلام: ثم يصاب صغيرا مع أبويه أو دونهما، أنه لا يستتاب، فيقتل إن أبى الإسلام، وأنه يكون حرا لا يسترق استحسان على غير قياس، إذ لم يحكم له بحكم الإسلام بولادته في بلد الإسلام، فيقول: إنه يستتاب فإن تاب، وإلا قتل كما قال: إنه يكون حرا لا يسترق، ولا يحكم له بحكم دار الكفر التي نشأ فيها، فيقول: إنه يسترق، وكما قال: إنه لا يقتل إذا أبى الإسلام، والوجه فيما ذهب إليه أنه رأى ولادته في بلد الإسلام شبهة تمنع من استرقاقه، ونشأته في دار الكفر من صغره على الكفر شبهة توجب ألا يقتل إن أبى الإسلام، وما كان ينبغي أن يختلف إذا أصيب

стр. 1138

صغيرا لا يعقل ابن سنة ونحوها دون أبويه، فنشأ على الكفر في أنه يكون فيئا، ولا يجبر على الإسلام، وبالله التوفيق. [مسألة: العبد يشترى من المقاسم فزعم أن له فداء يرغب في مثله فيرهن سيده ابنه] مسألة وسألته عن العبد يشترى من المقاسم، فزعم أن له فداء يرغب في مثله، فيرهن سيده ابنه أو ابنته، ثم يطلقه ليأتي بالفداء، فيحتبس ويقيم ببلده؛ أيسترق الولد؟ قال: إن كان الولد كبيرا قد بلغ الحلم، فإنه يسترق ويستخدم إن خاتر أبوه بسيده. قلت له: أيبيعه كما كان يجوز له بيع الأب؟ قال: نعم، إذا تبين خبر الأب، ونقض ما ترك عليه من العهد للرجوع بالفداء. قال: وإن كان الولد صغيرا لم يبلغ الحلم، رأيت أن يطلقه إذا تبين ختر أبيه بالعهد، والترك للوفاء مما يطلق عليه. قلت: فالابنة عندك بمنزلة الابن سواء؟ قال: نعم، إذا بلغت المحيض وعرفت ما يراد بها، فأمرها وأمر الابن واحد. قلت: أرأيت إن مات في أرضه بالطريق أو قتل، فعلم أنه لم يختر سيده، أو حبس عن الرجوع حتى يتبين عذره ما يحل للسيد من الولد المرتهن؟

стр. 1139

قال: إذا ثبت براءته، حرم على السيد استرقاق ولد المرتهن، ولزمه إطلاقه، ورده إلى مأمنه. قال محمد بن أحمد: أجاز في المدونة اشتراء أولاد الحرب من آبائهم إذا لم يكن بيننا وبينهم هدنة، وإذا جاز اشتراؤهم منهم جاز ارتهانهم منهم، وبيعهم فيما رهنوهم فيه على ما يأتي في سماع أصبغ عن أشهب، ولم يجز في هذه المسألة لسيد العبد بيع ابنه الذي رهنه إياه إذا خاتر به، وترك الرجوع لفدائه، فالفرق بين المسألتين أن الحربي حاكم على ولده في بلده، فجاز له اشتراؤه منه إذا باعه، وارتهانه منه إذا رهنه، وبيعه فيما رهنه به، والعبد الأسير لا حكم له على ولده الباقي في دار الحرب، فإذا رهنه عند سيده برضاه وهو صغير من غير أن يسترقه أو يأذن له في ذلك مالك أمرهم ووالي بلدهم، ثم لم يرجع لفدائه، لم يجز لسيده أن يبيعه إذا لم يرض بذلك، ولا علم قدر ما أدخل فيه نفسه لصغره بخلاف الكبير، وقد ذهب كثير من أهل النظر إلى أن هذه المسألة معارضة لما في المدونة، ولما في سماع أصبغ عن أشهب، والصحيح ألا تعارض في ذلك على ما بيناه من حكم الفرق في ذلك. [مسألة: رجل يأسره العدو يسبون معه امرأته وأمته أيجوز له وطء الأمة والمرأة] مسألة قال: وسألته عن الرجل يأسره العدو يسبون معه امرأته وأمته، أيجوز له وطء الأمة والمرأة؟ قال: إن أمن أن يطاهما الذي أصابهما من العدو، وأيقن بالبراءة من ذلك، فلا جناح عليه في وطئهما على التحليل، غير أني أكره ذلك لما أخاف من بقاء ذريته في أرض الحرب، وما أرجو له من السلامة. قيل له: أفترى وطء الأمة والمرأة في ذلك سواء؟

стр. 1140

فقال: كأني أرى الذي سباهم من العدو قد ملك الأمة ملكا، لو أسلم لم تنتزع منه، والحرة ليست كذلك، فلو ترك الأمة لكان أحب إلي. قال محمد بن أحمد: أما الحرة فالأمر في وطئها على ما قال باتفاق، وأما الأمة فيتخرج جواز وطئها إذا أيقن بالبراءة على مذهب من قال: إن أهل الحرب لا يملكون على المسلم ماله، وأنه أحق به إذا غنم منهم قبل القسم وبعده بغير ثمن، وتحريمه إن أيقن بالبراءة على مذهب من يرى أنهم يملكون عليه ماله، فيكون إن غنم منهم غنيمة للجيش لا سبيل لصاحبه إليه، وإن أدركه قبل القسم، وكراهيته على مذهب مالك في أنه أحق بماله إن أدركه قبل القسم بغير ثمن، وأنه إذا لم يعلم صاحبه بعينه، وإن علم أنه للمسلمين. [مسألة: الأسير أيقسم له] مسألة قال: وسألته عن الأسير أيقسم له؟ قال: نعم، إذا كان الإيسار بعد القتال. قلت: ولفرسه إن أصيب معه، أو عقر تحته، أو خلفه عند أصحابه؟ فقال: في ذلك كله: يقسم له ولفرسه إذا شهد القتال. قال محمد بن أحمد: قد مضى تحصل القول في هذه المسألة في أول رسم، من سماع عيسى، فلا معنى لإعادته.

стр. 1141

[مسألة: الكلب يصيبه الرجل في أرض العدو أيجوز للإمام بيعه] مسألة قال: وسألته عن الكلب يصيبه الرجل في أرض العدو، أيجوز للإمام بيعه إذا كان له ثمن؟ قال: نعم، ولا يجوز لأحد يصيبه أن يحبسه دون الإمام، ولا أرى بأسا أن يباع في المغانم، وروى معن بن عيسى عن مالك أنه قال في كلاب العدو الصائلة وغيرها: إنها لمن أخذها، وليس عليه أن يأتي بها إلى صاحب المقاسم. قال محمد بن أحمد: قد مضت هذه المسألة والقول فيها، في رسم سلف دينارا في ثوب إلى أجل، من سماع عيسى، فلا معنى لإعادته. [مسألة: للفرس سهمين وللرجل سهما] ومن كتاب الأقضية مسألة قال يحيى: وسألت ابن نافع عما جاء من سهمان الفرس، إذ جعل له سهمان، وللرجل سهم، أيرفع ذلك إلى النبي ﷺ أم لا؟ فقال: حدثني عبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم، عن نافع، عن عبد الله بن عمر: «أن رسول الله ﷺ فرض للفرس سهمين، وللرجل سهما» ، قال: وحدثني أيضا عن عبد الله بن عمر بن حفص، عن رجل أخبره قال: غزا أبي على عهد عمر بن الخطاب غزاة

стр. 1142

بهارلد، فأصابوا غنائم كثيرة، قال: فأخبرني أنه قسم له ولفرسه ثلاثة وثلاثين ألفا، وقسم للراجل من الغزاة يومئذ أحد عشر ألفا. قال ابن نافع: بذلك مضت السنة. محمد بن أحمد: هذا أمر متفق عليه في المذهب، وقال ابن سحنون: ما علمت من علماء الأمة من قال: إن للفرس سهما وللفارس سهما غير أبي حنيفة، وقد خالفه صاحباه أبو يوسف ومحمد بن الحسن، وما أرى أن يدخل هذا في الاختلاف. [مسألة: ذميون استألفوا عبيدا للمسلمين وجمعوا أموالهم وذراريهم فأسروا] ومن كتاب أوله أول عبد أبتاعه فهو حر مسألة قال: وسألته عن ناس من أهل الذمة استألفوا عبيدا للمسلمين، وجمعوا أموالهم وذراريهم، أو الأموال بغير ذراري، أو خرجوا بأبدانهم مع العبيد الذين استألفوهم، أو بغير عبيد، فركبوا البحر، فبينما هم يسحلون برية الإسلام ليمكنهم طيب الريح، أو لعلهم أرادوا إلى مينا ليقلعوا منها ذاهبين، إذ شعر بهم المسلمون فأسروهم، أيحل دماؤهم وأموالهم بركوبهم البحر، وخروجهم من دار الإسلام بغير علم الإمام أو علم أحد من المسلمين؟ قال: لا أرى لأحد أن يستحلهم ولا أموالهم؛ لأن لهم في ركوب البحر عذرا بأن يقولوا: أردنا أن ننتجع ناحية للمير أو لرفق

стр. 1143

يذكرون نزوعهم إليه، قلت: فإن لججوا في البحر حتى ينقطع عنهم ما اعتذروا به من مسايرة الساحل؟ قال: ولا أرى أن يحلوا بذلك. قلت له: فيما تراهم يستحلون به؟ قال: إذا لحقوا بدار الحرب، وصاروا في منعتهم. قلت: أرأيت إن امتنعوا في الساحل حين أراد المسلمون إنزالهم، وأنكروا عليهم ركوبهم، فدفعوا وامتنعوا حتى أسروا وصنعوا مثل ذلك في لجج البحر. قال محمد بن أحمد: ما لم يجاوب عليه في هذه المسألة قد تقدم جوابه فيه في رسم الجواب، من سماع عيسى، ومضت المسألة هناك، وفي رسم الكبش من هذا السماع، باختلاف ألفاظ وزيادات في بعضها تبين غيرها، ومضى القول على ذلك كله، فلا معنى لإعادته. [مسألة: غزوا بعض جزائر الروم وكان لهم رسول أيشركهم فيما أصابوا] مسألة وسألته: عن أهل مركب غزوا في البحر بعض جزائر الروم، فلما نزلوا ببعض مياههم أرسلوا رجلا منهم إلى ناحية من الجزيرة ليخبر لهم ما فيها من مراكب المسلمين، فأبطأ الرسول عنهم فأقلعوا إلى موضع فأصابوا فيه غنائم، أيشركهم الرسول فيما أصابوا مما غاب عنه، وقد كان الرسول حين أتى الموضع الذي أرسل إليه وجد مراكب المسلمين فدخلها؟

стр. 1144

قال: إن كان الرسول ذهب إلى ما أمر به، وجاء فوجد أصحابه قد ذهبوا عنه فسهمانه فيما أصابوا واجب، وإن كان قعد عنهم تاركا لهم مستقلا عنهم إلى الذي أقام عندهم، فلا حق له فيما غنم أصحابه الذين تركهم. محمد بن أحمد: هذا بين على ما قال؛ لأن الرسول إنما أرسلوه فيما يخصهم من أمر عدوهم، فإذا لم ينتقل عنهم إلى غيرهم وذهب لما أمر به، فقدم عليهم بعد أن غنموا، فسهمانه في ذلك واجب؛ لأنه كان معينا لهم في مغيبه عنهم، وكذلك لو أرسلوه قبل خروجهم فيما يخصهم من أمر عدوهم على أن يلحقهم فلم يدركهم إلا بعد أن غنموا، لوجب أن يكون له سهمه معهم في ذلك، وإنما اختلف أهل العلم من هذا المعنى في المدد يقدم على العسكر بأرض الحرب بعد الغنيمة، فذهب مالك والشافعي إلى أنه لا حق لهم في الغنيمة، وذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أنهم يشركونهم في الغنيمة؛ لأنهم ما كانوا ببلد الحرب لا يأمنون أن يطرأ عليهم من العدو من ينتزع الغنيمة منهم، والحجة لمالك ما روي عن أبي هريرة قال: «بعث رسول الله ﷺ أبان بن سفيان على سرية من المدينة قبل نجد، فقدم أبان وأصحابه على النبي ﷺ بخيبر بعدما افتتحت، وسألوا رسول الله ﷺ أن يقسم لهم، فلم يقسم لهم شيئا» . واعتل من احتج لأبي حنيفة بأن قال: يحتمل

стр. 1145

أن يكون النبي ﵇، لم يقسم لهم؛ لأنهم لم يقدموا عليه إلا وخيبر قد صارت دارا للمسلمين فاستغنى عن معونتهم. قال: ويحتمل أيضا أن يكون لم يقسم لهم؛ لأن خيبر كان لأهل الحديبية بوعد الله إياهم إياها في سورة الفتح: روي عن أبي هريرة أنه قال: «ما شهدت لرسول الله ﷺ مغنما إلا قسم لي إلا خيبر؛ فإنها كانت لأهل الحديبية خاصة» . قال: وفي ترك إنكار رسول الله عليهم سؤالهم دليل على أنهم لم يسألوا محالا، والله أعلم. [مسألة: رجل من المسلمين تخلف عنهم ثم أغار عليهم وأخافهم وسبى وقتل] مسألة وسألته عمن تخلف من أهل برشلونة من المسلمين، عن الارتحال عنهم بعد السنة التي أجلت لهم يوم فتحت في ارتحالهم،

стр. 1146

فأغار على المسلمين وأخافهم، وسبى وقتل ولم يقتل، غير أنه قد أصاب الأموال، أيحل دمه وماله أو استرقاقه إن أسر، وإنما إقامته على الإسلام تعوذا مما يخاف من القتل إن ظفر به؟ فقال: ما أراه إلا بمنزلة المحارب الذي يتلصص في دار الإسلام من المسلمين، وذلك أنه مقيم على دين الإسلام، فإن أصيب فأمره إلى الإمام يحكم فيه بمثل ما يحكم به في أهل الفساد والحرابة، وأما ماله فلا أراه يحل لأحد أصابه، قال: وإن كان ما يصنع مما يكره عليه ويؤمر به، فلا يستطيع عصيان من يأمره خوفا على دمه، فلا أراه حاربا، ولا أرى عليه إن أخذ قتلا ولا عقوبة إذ تبين أنه يخاف ويؤمر به. قال محمد بن أحمد: قوله: إنهم في غاراتهم على المسلمين بمنزلة المحاربين، صحيح لا اختلاف فيه؛ لأن المسلم إذا حارب، فسواء كانت حرابته في بلد الإسلام أو في بلد الكفر الحكم فيه سواء، وأما قوله في ماله: إنه لا يحل لأحد أصابه، فهو خلاف ظاهر قول مالك في المدونة في الذي يسلم في بلد الحرب ثم يغزو المسلمين تلك الدار، فيصيبون أهله وماله وولده، أن ذلك كله فيء إذ لم يفرق فيها بين أن يكون غنم الجيش ماله وولد قبل خروجه أو بعد خروجه، وذهب أبو إسحاق التونسي إلى أن معنى قوله: إذا كانت غنيمة ماله وولده بعد خروجه، فحمل قول مالك على الوجه الذي تكلم عليه ابن القاسم إذا كانت الغنيمة بعد خروجه، وقد مضى في أول رسم المكاتب ما يدل على أنه لا يمتنع أن يدخل الخلاف في ذلك، ويحكم للمال والولد بحكم الدار في السبي والدين وإن كان مقيما به، ولم يخرج بعد منه،

стр. 1147

وأما قوله: لا أرى عليه إن أخذ قتلا، ولا عقوبة إذا تبين أنه مخالف ويؤمر به، فمعناه لا يقتل بالحرابة؛ لأن الإكراه يسقط عنه حكمها لا أنه يسقط القتل عنه قودا بمن قتل، ولو ادعوا الإكراه ولم يثبت وأشبه دعواهم، ولم يتبين كذبهم؛ لوجب أيضا أن يسقط عنهم حكم الحرابة بالشبهة، ويؤخذون بحقوق الناس من الدم والمال، ويطال سجنهم أدبا لهم على قياس ما قال في رسم الكبش في أهل الذمة. [مسألة: رجل أسره العدو ثم غنمه المسلمون فيشتريه رجل ثم يتبين أنه حر] ومن كتاب أوله يشتري الدور والمزارع مسألة وسألته عن الرجل من سفلة الناس يأسره العدو أو الذمي، ثم يغنمهم المسلمون فيشتريهما رجل في المقاسم أو يأخذهما في سهمانه، ثم يتبين له أنهما حران؟ فقال له: لا أرى له عليهما سبيلا؛ لأنهما حران ساعة أصابهما المسلمون، قلت: أفلا يتبعهما بالذي اشتراهما به؟ أرأيت لو كان اشتراهما في أرض العدو وهما أسيران، أما كان يتبعهما بما اشتراهما به؟ فقال: بلى، وليس اشتراؤه إياهما في الأسر بمنزلة اشترائهما في المغانم؛ لأنهما في أرض العدو في رق استنقذهما منه، وهما حين صارا بأيدي المسلمين فقد خرجا من ذلك الرق، وصارا إلى الحرية التي كانا عليها، قلت: فما ترى في حق المشتري إن كان أحدهما في سهمانه أو اشتراهما في المقاسم؟

стр. 1148

فقال: أراهما مصيبة دخلت عليه، إلا أن يدرك قبل المقاسم، فيسقط ذلك الثمن عنه. قلت: فإن فات ذلك أينبغي للإمام أن يخلف له من الخمس أو من بيت المال؟ فقال: نعم، ذلك حسن. قال محمد بن رشد: قد مضت هذه المسألة والقول عليها مستوفى قرب آخر سماع عيسى، فلا معنى لإعادته. [الحصن يرمى بالنار والمنجنيقات ومعهم الصبيان] من سماع سحنون وسؤاله ابن القاسم قال سحنون: وسألت ابن القاسم عن الحصن يرمى بالنار والمنجنيقات ومعهم الصبيان، قال المنجنيقات فذلك وجه الشأن فيه، وإن كان معهم الصبيان، وأما النار فلا أحب ذلك، وليس هو مثل المراكب؛ لأن المراكب ذلك هم بدءونا به، وقاتلونا بالنار، فمن ثم جاز لنا أن نقاتلهم بالنار. قال محمد بن أحمد: هذه المسألة قد مضى القول عليها محصلا مستوفى في رسم الصلاة، من سماع عيسى، فلا معنى لإعادته، وكان مالك ﵀ يكره أن يقاتل العدو بالنبل المسموم والسلاح المسموم، قال: لم يبلغني أن رسول الله قاتل أحدا بشيء من السم. [مسألة: رمي على مركب المسلمين نار فخافوا النار فهل يلقوا بأنفسهم في الماء] مسألة قلت: فإن رمي على مركب المسلمين نار، فخافوا النار، أترى لهم سعة في أن يلقوا بأنفسهم في الماء فيموتوا؟ قال: نعم، كذلك قال مالك.

стр. 1149

قال محمد بن رشد: مثل هذا في المدونة لمالك أجاز الفرار من موت إلى موت أيسر منه، ولم ير ذلك عونا على قتل نفسه، واختلف فيه قول ربيعة، فمرة قال: لا يحل ذلك، ومرة أجازه، والصواب إن شاء الله أن ترك ذلك أفضل، وفعله جائز لا إثم على فاعله فيه؛ لأنه إذا أيقن بالهلاك ولم يشك فيه، فلم يعن على قتل نفسه، وإنما سعى في التخفيف عنها، والله تعالى أسأل في العافية. [مسألة: عقر غنم وبقر أعداء المسلمين] مسألة قال: وقال مالك: تعقر غنمهم وبقرهم إن لم يحتاجوا إلى ذلك، وكل ما قدروا على أن يهلكوهم به. قال محمد بن أحمد: يريد أنها تعقر بالإجهاز عليها، وتحرق بعد ذلك إن خشي أن ينتفع العدو بها بعد عقرها، وذلك أفضل من تركها لهم يبغون بها؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلا إِلا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ﴾ [التوبة: ١٢٠] ، وإنما نهى أبو بكر ﵁ يزيد بن أبي سفيان بقوله: ولا تعقرن شاة أو بعيرا إلا لمأكلة، لما علمه من ضعف العدو ورجائه من سرعة تصيير ذلك للمسلمين. [مسألة: رسل من الروم أسلم بعضهم فقام عليهم أصحابهم وأرادوا ردهم معهم] مسألة قال: وقال ابن القاسم: أرسل ملك الروم للخليفة رسلا من الروم، فأسلم بعضهم، فقام عليهم أصحابهم، وأرادوا ردهم معهم، فقال مالك: ذلك لهم أن يردوا معهم إلى بلادهم. قال ابن القاسم: وكذلك فعل رسول الله ﷺ في أبي جندل.

стр. 1150

قال محمد بن أحمد: ذهب ابن حبيب إلى أن الرسول إذا أسلم يقبل إسلامه إلا أن يشترطوا ذلك، فهي ثلاثة أقوال، والحجة لمالك في أنه يرد إليهم بعد إسلامه إن لم يشترطوا ذلك؛ ما روي «عن أبي رافع قال: أقبلت بكتاب من قريش إلى النبي ﷺ ، فلما رأيته ألقي في قلبي حب الإسلام، فقلت: يا رسول الله، إني والله لا أرجع إليهم، فقال رسول الله: إني لا أخيس بالعهد، ولا أحبس البرد، ولكن ارجع إليهم، فإن كان في قلبك بعد أن ترجع إليهم الذي في قلبك الآن فارجع. قال: فرجعت إليهم، ثم أقبلت إلى رسول الله ﷺ » ، وأما ما احتج به ابن القاسم من فعل رسول الله ﷺ في أبي جندل، فلا حجة فيه؛ لأنه إنما رده إليهم بالشرط الذي كان بينه وبينهم أن يرد إليهم من جاءه مسلما من عندهم، وقد قيل: إن ذلك منسوخ؛ بقوله تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً﴾ [الأنفال: ٥٨] الآية، وإلى هذا ذهب ابن حبيب، والله أعلم، في ترك إعمال الشرط، وقال في حديث أبي رافع: إنما رده رسول الله ﷺ ؛ لأنه لم يكن أسلم بعد، وإنما حبب إليه الإسلام، فأحب المقام عند رسول الله ﷺ قال: فهذا تأويل الحديث، وإنما فيه أن الرسول إذا رفض ما أرسل فيه وأحب المقام بلا إسلام؛ لم يجز للإمام أن يمكنه من ذلك. [مسألة: كتب العدو إلى المسلمين إن تهبونا ما أخذنا نجيبكم إلى الإسلام أو الجزية] مسألة وسئل ابن القاسم عن قوم من العدو غلبوا على مدينة من مدائن المسلمين، وعلى رجالهم ونسائهم ثم يكتبون إلى المسلمين، أو خرج إليهم المسلمون، فأرسلوا إليهم إن تهبونا ما أخذنا من أموالكم ورجالكم ونجيبكم إلى الإسلام، أو نعطيكم الجزية،

стр. 1151

خرجوا إليهم، أو كتبوا هم إلى المسلمين، قال: أما الذي أرى الآن، فإني أرى أن ينظر المسلمين، فإن كانوا يقووا عليهم لم أر أن يجيبوهم في شيء من الأحرار والمماليك، وأما الأموال فإني أرجو أن يكون ذلك سهلا إذا لم يطمعوا أن ينالوهم إلا بقتل من المسلمين، وإن علم أنهم لا يقووا عليهم رأيت ذلك للمسلمين، وكانوا بمنزلة الروم أن لو أرسلوا إلينا يطلبون الإسلام، وفي أيديهم أسارى من المسلمين أجبناهم، وكانوا لهم مماليك، فهؤلاء مثلهم إذا لم يطمع بهم، وأما إذا أجابوا إلى الإسلام، وهؤلاء في أيديهم عتقوا عليهم، وإن لم يسلموا فصالحوا على الجزية لم تؤخذ منهم الأموال، ورأيت أن يباع العبيد المسلمون عليهم بمنزلة من أسلم من مماليكهم، وأما الأحرار الذين في أيديهم، فإني أرى أن يدفع إليهم قيمتهم، ويخرجوا أحرارا من بيت مال المسلمين. قال محمد بن أحمد: لا اختلاف في أن أهل الحرب إذا أسلموا وفي أيديهم أسارى من المسلمين الأحرار يطلقونهم؛ إذ لا يحل لهم أن يتملكوهم، فقوله في هذه الرواية: إنه ينظر للمسلمين، فإن كانوا يقوون عليهم لم أر أن يجيبوهم للإسلام في شيء من الأحرار والمماليك على أن يعطوا قيمة الأحرار، ويكون لهم المماليك، وإن علم أنهم لا يقوون عليهم رأيت للمسلمين أن يجيبوهم إلى ذلك، وقوله بمنزلة أن لو أرسلوا إلينا يطلبون الإسلام، وفي أيديهم أسارى من المسلمين، يريد أسارى من العبيد المسلمين، يقول: فكما يكون لهم إذا أسلموا ما كان في أيديهم من العبيد المسلمين أسارى، فكذلك يكون لهم إذا أجبناهم إلى الإسلام قيمة ما في أيديهم من أسارى المسلمين الأحرار، ويجوز لنا أن نجيبهم إلى الإسلام على ذلك إذا

стр. 1152

لم نقو على غلبتهم عليهم، وقوله: إذا أجابوا إلى الإسلام وهؤلاء في أيديهم عتقوا عليهم يريد إذا أطلقوا من أيديهم ولم يمكنوا من استرقاقهم؛ لأنهم يعتقون عليهم، فيكون لهم ولاؤهم، وقوله: وإن لم يسلموا وصالحوا على الجزية لم يؤخذ منهم الأموال، ورأيت أن يباع العبيد المسلمون عليهم إلى آخر قوله؛ صحيح لا اختلاف فيه أيضا، يقضي على ما مضى في سماع يحيى، مما وقع فيه على غير تحصيل على ما ذكرناه، ولا اختلاف أيضا في أنهم إذا صالحوا على هدنة لا يؤخذ ما في أيديهم من أسارى المسلمين ولا رقيقهم ولا أموالهم، وإنما اختلف إذا استأمنوا فدخلوا بأمان فيما أسلم من رقيقهم، وفيما الفيء في أيديهم من أسارى المسلمين ورقيقهم المسلمين، فحكم لهم ابن حبيب في ذلك كله بحكم أهل الذمة، وحكى أنه إجماع من مالك وأصحابه إلا ابن القاسم، وذهب ابن القاسم إلى أنه لا ينتزع منهم شيء من ذلك، ولا يحال بينهم وبين وطء ولا رجوع بهم إلى بلادهم، إلى أن يفادى منهم أو يبتاع برضاهم وطيبة أنفسهم كالمصالحين على الهدنة، وبالله التوفيق. [مسألة: عبد يسبيه العدو ثم يقع في سهمان رجل ثم يبيعه ثم يأتي سيده] مسألة قال: وسألت ابن القاسم عن العبد يسبيه العدو، ثم يقع في سهمان رجل، ثم يبيعه ثم يتداوله رجال ثم يأتي سيده، قال: إن أحب أن يأخذ العبد بما وقع به في المقاسم أخذه، وليس له أن يأخذه بأي ثمن شاء، وإنما له أن يأخذه بما أخذ به في المقاسم، وليس هو مثل الشقص يباع من الدار فيتداوله رجال، ثم يأتي الشفيع فيأخذ بأي الأثمان شاء، من قبل أن الشفيع لو باع شريكه من رجل فأجاز، ثم باع الذي أجاز له، رجع بشفعته فأخذوا الذي سبي عنده، ثم وقع في سهمان رجل لو جاء به الذي وقع في سهمانه ثم باعه ذلك الرجل؛ لم يرجع على العبد أبدا، فمن ثم يقال له: إن أحببت أن تأخذ العبد

стр. 1153

فخذه بما وقع في المقاسم، وليس لك غير ذلك، وكان للشفيع أن يأخذ بأي الأثمان شاء. قال محمد بن أحمد: قوله: إنه يأخذ العبد إذا تداولته الأملاك بالثمن الذي وقع به في المقاسم خلاف قوله في المدونة في الذي يشتري العبد في بلاد الحرب، ثم يقدم به فيبيعه، أنه ليس لصاحبه إلا ما بين الثمنين؛ إذ لا فرق بين المسألتين، وخلاف ما يأتي على قول غيره فيها أيضا من أنه يأخذه من المشتري الثاني، بالذي اشتراه به، وقد روي عن ابن القاسم أنه يأخذه بأي ثمن شاء، وهو قول ابن الماجشون وأحد قولي سحنون، فهي أربعة أقوال، وجه قول ابن القاسم في المدونة أن له ما بين الثمنين، وليس له أن يأخذ العبد هو أن البيع فوت لشبهة ملك العدو إياه؛ إذ قد قيل لصاحبه إليه، وإن أدركه قبل القسم فله ما استفضل فيه المبتاع، إذا كان له أن يأخذه بالثمن، ووجه قول غيره في المدونة أنه يأخذه من المشتري الثاني بالثمن الذي اشتراه به هو أنه لا حجة للمبتاع الثاني إذا أعطاه جميع الثمن الذي وزن فيه كما لم يكن للذي اشتراه من المقاسم في ذلك حجة، ووجه قوله في هذه الرواية أنه يأخذه بالثمن الأول، هو أن ذلك حق وجب له لقول النبي ﵇ للذي وجد بعيره في المغنم، وقد كان أصابه العدو: «وإن وجدته قد قسم فأنت أحق به بالثمن إن أردته» ، فلا يسقط حقه في ذلك بيع المشتري إياه، ولا تداول الأملاك فيه، ووجه القول الرابع أنه يأخذه بأي ثمن شاء، قياس ذلك على الشفعة إذا تداولت الأملاك الشقص. [مسألة: عبد تداوله رجال فسباه العدو ثم سبي فوقع في سهمان رجل فأتى ساداته] مسألة قلت: فإن تداوله رجال ثم سباه العدو ثانية، ثم سبي فوقع في سهمان رجل، فأتى ساداته كلهم، قال: ما لهم وله؟ إنما الكلام للذي

стр. 1154

سبي من يديه أخيرا من اشتراه أو سيده الأول، إلا أن الذي اشتراه أخيرا أحق به أن يأخذه بعد أن يدفع إلى الذي هو في يديه ما وقع به في المقاسم أو يتركه، فإن تركه فسيده الأول بالخيار إن شاء أن يأخذه بما وقع به في القسم الثاني، وليس له أن يأخذ بما وقع به في القسم الأول؛ لأنه مالك ثان أملك به من الأول. قال محمد بن أحمد: وقع في أكثر الكتب مكان فإن تركه فسيده الأول بالخيار إن شاء، فإن أخذه فسيده الأول بالخيار، وكذلك نقله أبو إسحاق التونسي، ووجهه بأن قال: إن أراد أن ما فداه به ملغى لو جنى عبده جناية، فافتداه بها أو يأخذه ربه بما كان أخرج هذا فيه في القسم الذي قبل هذا، فلهذا وجه، وهذا لا يصح بوجه، ولا يستقيم على ما نص عليه في المسألة، فهذا غلط في الرواية لا شك فيه، والصواب فإن تركه، وعلى هذا فتستقيم المسألة؛ لأنه جعل الحق في أخذه بما وقع به في المقسم الثاني للسيدين جميعا، إلا أنه بدأ الثاني بالأخذ، فإن أخذ بطل حق الأول، ولم يكن له شيء، وإن ترك ولم يأخذ أخذ الأول، وهذا بين ولا إشكال فيه، وقد قيل: إن الأول هو المبدأ بافتكاكه، واختلف على هذا القول بماذا يفتكه؟ فقال: إنه يفتكه بالأكثر، فإن كان الأكثر هو ما أخذ به المقتسم الثاني بطل حق الأول، وإن كان الأقل كان للأول ما فضل، وهذا قول سحنون في نوازله من كتاب الجنايات، وقيل: إنه يفتكه بالثمنين جميعا، وهو قول محمد بن المواز، وكذلك إذا جنى العبد جناية، ثم سبي فوقع في المقاسم، يفتكه سيده على مذهب سحنون بالأكثر،

стр. 1155

وعلى مذهب ابن المواز بالأمرين جميعا، وقيل: إنه الذي يأتي على مذهب ابن القاسم في المدونة، فإن ترك السيد الأول افتكاكه بالأكثر من الثمنين أو بهما جميعا على ما ذكرناه من الاختلاف في ذلك، كان للسيد الثاني أن يفتكه بما وقع به في المقسم الثاني. [مسألة: مسلم معه علج من العدو يقول المسلم أسرته أو اشتريته وهو ينكر] مسألة وقال ابن القاسم في الرجل المسلم يخرج من أرض العدو، ومعه علج من أعلاج العدو، فيقول المسلم: أسرته أو اشتريته، ويقول العلج: بل خرجت معه رغبة في دار الإسلام: إن القول قول العلج، وعلى المسلم البينة فيما ادعى، وإلا فهو حر. قال محمد بن أحمد: وهذا كما قال؛ لقول النبي ﷺ : «البينة على من ادعى، واليمين على من أنكر» ، إلا أن يكون العلج في وثاقه، فيصرف مع يمينه، قاله سحنون وابن حبيب، ومضى مثل ذلك، والقول فيه في رسم الكبش، من سماع يحيى، ويأتي في سماع أصبغ: أن القول قول الذي أتى به إن كان أسيرا في يد رجل، فأطلقه سيده على أن يأتي به. [مسألة: نصرانيين خرجا من أرض العدو فادعى كل واحد منهما على صاحبه أنه عبده] مسألة قال: وسألت ابن القاسم عن رجلين نصرانيين خرجا من أرض العدو، فادعى كل واحد منهما على صاحبه أنه عبده، فقال: لا شيء لواحد منهما على صاحبه إلا أن يأتي ببينة على ما ادعى، وإلا فهما حران جميعا.

стр. 1156

قال محمد بن رشد: هذه مسألة صحيحة، وقد مضى ما يشبهها، والقول فيها مستوفى في آخر سماع عيسى، فلا معنى لإعادته. [مسألة: رمي الأعداء بالنار] مسألة قال: وسألت ابن القاسم عن المراكب من الروم يغيرون على بعض المسلمين، ثم يدركهم المسلمون فيقاتلونهم الروم بالنار، أفترى للمسلمين أن يرموهم بالنار، أم يكفوا لمكان من معهم من المسلمين؟ فقال ابن القاسم: لا أرى أن يرموهم بالنار؛ لما معهم من المسلمين خوفا أن يقتلوا مسلما، قال أشهب: نعم، أرى أن يرموهم بالنار، وكيف لا يرمون وهم يرموننا بها، قال سحنون: قلت لابن القاسم: فإذا حاصر المسلمون الحصن وفيه المسلمون مع الروم، أيقطع عنهم المير والماء ويرمون بالمنجنيقات؟ قال: نعم، قال أشهب مثله: لا بأس بذلك. قال محمد بن أحمد: هذه مسألة قد مضى القول فيها موعبا في رسم الصلاة، من سماع يحيى، فلا معنى لإعادته. [مسألة: حربيا استأمن فدخل بلاد المسلمين فوجد كنزا] مسألة قال: وسألت أشهب عن العبد الحربي يدخل بلاد المسلمين فيسلم، أو يدخل بأمان فيقيم على كفره، ثم يقدم سيده على أثره فيسلم أو يثبت على كفره، قال: لا سبيل له إلى العبد، قلت لأشهب: فلو أن حربيا استأمن فدخل بلاد المسلمين، فوجد كنزا، قال: هو له بعد إخراج الخمس منه، وقال سحنون: قال أشهب في الحربي

стр. 1157

يستأمن ويدخل بلاد المسلمين فيسلم أو يقيم على دينه، ثم يستأمن عبد له، فيدخل بلاد المسلمين، قال: إن أسلم بيع على سيده، ودفع إليه ثمنه، وإن لم يسلم فهو لسيده. قال محمد بن أحمد: قوله: إذا تقدم خروج العبد قبل سيده، أنه لا سبيل لسيده إليه صحيح؛ لأن العبد بنفس خروجه مسلما كان أو كافرا على مذهب مالك وجميع أصحابه لا ولاء لأحد عليه؛ لأن المعنى فيما جاء من أن رسول الله ﷺ أعتق يوم الطائف من خرج إليه من عبيد الطائف أنه عتقهم بخروجهم لا باستئناف العتق لهم بعد خروجهم، وفي كتاب محمد أنه خرج ساداتهم قبل إسلام العبيد رجع إليهم ولاؤهم، وإن خرجوا وقد أسلم العبيد لم يرجع إليهم ولاؤهم، قال أبو إسحاق التونسي: وليس هذا بينا؛ لأنهم إنما عتقوا بنفس خروجهم، فإن كان عتقهم لأنهم غنموا أنفسهم، فيجب ألا يرجع ولاؤهم إلى ساداتهم بحال، وإن كان إنما وقع العتق على السادة، فيجب أن يرجع إليهم الولاء، وإن قدموا بعد إسلام العبيد؛ لأنهم عتقوا عليهم، وهم كفار، والعبيد كفار، ووجه ما في كتاب ابن المواز: أن العتق إنما يقع على السادة حين خروجهم، أعني خروج السادة، وذلك مراعاة لمذهب أبي حنيفة في أنه لا يكون حرا لخروجه، إلا إذا خرج مسلما، وأما إذا خرج كافرا فهو غنيمة لجميع المسلمين بإحراز دار الإسلام إياه على قول أبي حنيفة، أو لمن سبق إلى أخذه، وهو قول صاحبيه أبي يوسف ومحمد بن الحسن، قالا مرة بعد إخراج الخمس منه لأهله، وقالا مرة لا خمس فيه، وأما إذا تقدم خروج السيد مستأمنا قبل عبده، فقوله: إنه يكون لسيده ويباع عليه إن أسلم، هو على قول بعض الرواة في كتاب النكاح الثالث من المدونة، خلاف مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك في الجهاد منه؛ إذ حكما بحكم الدار لمال

стр. 1158

الحربي، وأسقطا ملكه عنه إذا أسلم، وخرج أو لم يخرج على ما تقدم بيانه في رسم المكاتب من سماع يحيى، والذي يأتي على هذا أنه حر بنفس خروجه، خرج قبل سيده أو بعده، وقوله في المستأمن يجد الكنز في بلاد المسلمين: إنه له بعد إخراج الخمس منه، ظاهره حيث ما وجده من بلاد المسلمين مثل قول ابن نافع، وأما على مذهب ابن القاسم، فلا يكون له بعد إخراج الخمس منه إلا إذا وجده في أرض حرة لم تفتتح بصلح ولا عنوة. [مسألة: النشاب والملال في أرض الروم يصيد الحيتان والطير فيبيعه] مسألة وسألت ابن القاسم عن الرجل يعمل النشاب والملال والسروج والمحمل في أرض الروم، ويصيد الحيتان والطير فيبيعه، قال: أرى ثمنه فيئا، قلت: ولا يكون له أجرة مثله؟ قال: لا. قال محمد بن رشد: قد مضت هذه المسألة وتحصيل القول فيها موعبا، في رسم صلى نهارا ثلاث ركعات، من سماع ابن القاسم، فلا معنى لإعادته. [مسألة: يبيع الطعام في بلاد الروم ممن يأكله ثم يعلم بذلك] مسألة قلت له: فالرجل يبيع الطعام في بلاد الروم ممن يأكله، ثم يعلم بذلك بعدما خرج والمال في يده ما ترى أن يصنع به؟ قال: يرد في المقاسم، ولا يرد على المشتري، قلت له: فالوالي إن رأى أن يبيع الطعام من الناس في بلاد الحرب لحاجتهم إليه في بلاد المسلمين، وهم مستغنون في بلاد الحرب قال: لا أرى بذلك بأسا.

стр. 1159

قال محمد بن رشد: هذا كما قال، وهو مما لا اختلاف فيه؛ لأن الطعام غنيمة من أموال الكفار، إلا أنه أبيح للناس أكله في بلد الحرب لحاجتهم إليه، فإن باع أحد منهم شيئا، أو استغنى الناس عنه فباعه الإمام، صار غنيمة لأهل الجيش بعد إخراج الخمس كسائر أموال الكفار. [مسألة: تجار الروم إذا نزلوا برقيق فصالحناهم على عشر ما معهم من الرقيق فأسلم الرقيق] مسألة وسئل ابن القاسم عن تجار الروم إذا نزلوا برقيق، فصالحناهم على عشر ما معهم من الرقيق، فأسلم الرقيق، أو صالحناهم على الدنانير فأسلم الرقيق، ثم أرادوا الرجوع بمن معهم من الرقيق بعدما أسلموا، قال: يؤخذ منهم ما صالحوا عليه، ويرجعون بالرقيق وإن أسلموا. قال محمد بن أحمد: هذا مثل ما في سماع سحنون، من كتاب التجارة إلى أرض الحرب سواء، وكذلك لو قدموا بعبيد لهم مسلمين؛ لكان لهم الرجوع بهم إن شاءوا، قال في سماع أبي زيد بعد هذا: ويقدم إليهم في ذلك ألا يعودوا، وهذا على أصل ابن القاسم في أن المستأمن في بلد المسلمين من الحربيين لا ينتزع منهم أسارى المسلمين ولا عبيدهم المسلمين، ولا يباع عليهم من أسلم من رقيقهم، ويرجعون بذلك كله إن شاءوا، خلاف ما ذهب إليه ابن حبيب، وحكى أنه إجماع من مالك وأصحابه إلا ابن القاسم، وفي المدنية لابن نافع، ولمالك من رواية داوود بن سعيد عنه مثل قول ابن القاسم، وقد مضت هذه المسألة محصلة في صدر هذا السماع.

стр. 1160

[مسألة: مراكب لقوا مراكب في البحر فقاتلوهم فسأل العدو الأمان] مسألة وسئل سحنون عن مراكب لقوا مراكب في البحر، فقاتلوهم فوقع بينهم جراحات وقتال، فسأل العدو المسلمين الأمان فأعطوهم فاستساروا في أيدي المسلمين، فقدموا بهم برية الإسلام، فهل ترى إلى مثلهم سبيلا؟ فإن كان لا سبيل إلى قتلهم، فهل يباعوا أم هل يخلى سبيلهم؟ وكيف ترى في أموالهم إن خلي سبيلهم، أترد عليهم أم لا؟ قال سحنون: إن كانوا إذ سألوا الأمان أمنوا على أن يكونوا ملكا أو ذمة، فالشرط لهم، ولا سبيل إلى القتل، فإن لم يكن شرط إلا أمان مسجل، فلا سبيل إلى قتلهم، ولا إلى استرقاقهم، وأرى أن يردوا إلى مأمنهم، إلا أن يرضوا بالمقام على الجزية أو يسلموا. قال محمد بن أحمد: وهذا صحيح على ما قال؛ لأن الأمان إذا وقع مسجلا وجب أن يحمل على عمومه في كل شيء من حقن دمائهم وترك استرقاقهم وأخذ أموالهم، إلا أن يستثنى من ذلك شيء في الأمان، فيصح للمسلمين بوقوع البيان، وبالله التوفيق. [مسألة: مكاتبا لحق بأرض الروم ثم قدم علينا منهم رجل معاهد ومعه المكاتب] مسألة وقال: لو أن مكاتبا أو مدبرا لحق بأرض الروم، ثم قدم علينا منهم رجل معاهد ومعه المكاتب أو المدبر، إن المكاتب تكون كتابته له، فإذا كان حرا كان ولاؤه لسيده، وإن عجز كان له رقيقا، وأما المدبر فتكون له خدمته، فإن مات سيده فحمله الثلث عتق، وإن لم يحمله عتق منه ما حمل الثلث، وكان ما بقي للمعاهد رقيقا.
следующие страницы →