← Фикх малики

Фикх малики · id 21751

البيان والتحصيل

ابن رشد الجد

Полный текст (9 112 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

فخرجت يمينه على الصحفة؛ لأن الصحاف هي التي يأكل الناس فيها في غالب الأمر، لا لأنه قصد الصحفة دون غيرها من الآنية والظروف، فوجب أن لا يعتبر بتسمية الصحفة لهذه العلة، ولو اعتبر لوجب ألا يحنث إذا أكلت معه في جفنة أو في برمة، أو في صحفة صغيرة، وهذا ما لا يمكن أن يقال بوجه؛ لكونها في معنى الصحفة سواء، فلو سمي - على هذا القياس الذي أصلناه وهو صحيح - ما لا يوكل فيه في غالب الأمر، لوجب أن يراعى تسميته، ولا يحنث إذا واكلته في غيرها؛ لما يظهر من قصده إلى الحلف على ما سمي دون سواه، فإذا حلف ألا يأكل مع امرأته في طبق لم يحنث إذا أكلت معه في صحفة، وكذلك لو سمى الطبق مما لم تجر العادة أن يوكل فيه إلا نادرا، ولو حلف ألا يأكل معها فاكهة في طبق، فأكل معها فاكهة في غير طبق صحفة أو غيرها من الآنية لحنث؛ لأن الفاكهة لما كانت لا توكل في غالب الأمر إلا في الأطباق علم أن يمينه إنما خرجت على الطبق لذلك؛ لأنه قصد إلى الطبق دون ما سواه من الآنية والظروف، وهذا أصل يطرد. من ذلك قولهم: من حلف ألا يأكل خبزا، فأكل كعكا أنه يحنث، ومن حلف ألا يأكل كعكا، فأكل خبزا أنه لا يحنث، ومن حلف ألا يدخل على فلان بيتا، فدخل عليه الحمام أو السجن حنث، ومن حلف ألا يدخل على فلان حماما ولا سجنا، فدخل عليه بيتا ليس لحمام ولا سجن لم يحنث، ومثل هذا كثير، وقوله في المسألة: فأمره أن يطلقها واحدة، كلام ليس على ظاهره من أنه أمره أن يستحدث لها طلاقا، وإنما معناه أنه أمره أن يعد ما قد وقع عليه من الحنث بأكلها البضعة من الطبق طلقة واحدة ثم يرجعها، ولو استحدث لها طلاقا على ظاهر لفظه؛ لكانت طلقة أخرى سوى الطلقة التي حنث بها، وهذا بين لا إشكال فيه.

стр. 1227

[مسألة: حلف لا يشتري من رجل سلعة فاشترى منه رجل سلعة فأشركه فيها] مسألة وسئل عن رجل حلف ألا يبتاع من رجل سلعة، فاشترى منه رجل سلعة، فأراد أن يشرك ذلك الرجل فيما اشترى، قال: لا يعجبني ذلك، قيل له: أيشتري منه غلامه؟ قال: لا أرى ذلك له. قال محمد بن أحمد: إنما قال في الذي حلف أن لا يشتري من رجل سلعة، فاشترى منه رجل سلعة، فأشركه فيها لا يعجبه ذلك؛ لأن عهدته تكون عليه، فضارع عهدة من حلف ألا يشتري من فلان سلعة، فوكل غيره فاشتراها له منه أنه حانث، ولم يكن عنده بمنزلة ذلك سواه، ولذلك قال: لا يعجبني ولم يقل: لا يجوز؛ لأنه من حلف ألا يشتري سلعة من فلان فأمر غيره فاشتراها له منه هو حانث على كل حال، إلا أن يكون نوى ألا يلي هو الشراء منه بنفسه، فبينوا في ذلك أنه إن أتى مستفتيا، أو كانت يمينه مما لا يقضى عليه بها، أو في شراء غلامه منه تفصيل، أما إن كان الغلام يعمل بمال سيده، فاشترى منه بأمره، فلا إشكال في أنه حانث بمنزلة الذي يحلف ألا يشتري السلعة من رجل، فوكل غيره على أن يشتريها له منه، ولم يتكلم في الكتاب على هذا الوجه، وإنما تكلم إذا اشترى منه بغير أمره، وهو يعمل أيضا بمال سيده؛ لأن معنى قوله: أفيشتري منه غلامه بغير إذنه يريد بغير علمه، فقال: لا أرى ذلك له يريد أنه يحنث إن فعل؛ لأن الشراء يجب له، والعهدة تكون على المحلوف عليه، فذلك بمنزلة المسألة التي قال فيها: لا يعجبني، وأما إن كان العبد يعمل بمال نفسه، فيتخرج ذلك على الاختلاف في الذي يحلف ألا يركب دابة لغيره، فيركب دابة عبده، والقولان في النذور في المدونة.

стр. 1228

[مسألة: طلب منه مالا فحلف بالمشي إلى الكعبة إن كان معه إلا عشرة] مسألة وسئل مالك عن رجل جاءه أخ له يستسلفه خمسة عشر دينارا، فحلف بالمشي إلى الكعبة، إن كان معه إلا عشرة، ففتح كمه فلم يجد إلا تسعة دنانير، قال مالك: لا أرى عليه حنثا، قال ابن القاسم: ولو كان معه أحد عشر دينارا حنث، وإنما سقط عنه الحنث حين لم يجد معه إلا تسعة؛ لأنه حلف على أنه ليس معه أكثر من عشرة، فلذلك لم يكن عليه شيء. قال محمد بن أحمد: هذا بيِّن لا إشكال فيه ولا اختلاف؛ لأن معنى يمينه أنه ليس معه أكثر من عشرة إذ طلب منه المستسلف خمسة عشر دينارا، وإلى ذلك قصد بيمينه، لا إلى أن معه عشرة. [مسألة: قال بعيراي هذان بعد سنة في سبيل الله فأقاما في يديه ثم هلك الرجل] مسألة وسئل مالك عن رجل قال: بعيراي هذان بعد سنة في سبيل الله، فأقاما في يديه ثم هلك الرجل قبل السنة، أتراهما من رأس المال أم من الثلث؟ قال: ما علمت أن هذا يُفعل، فإن جعل شيئا في سبيل الله فلينفذه، قيل له: أفلا تراه مثل الذي يعتق إلى سنة؟ قال: لا، قد يدبر العبد، وليس في الإبل تدبير، فكأنه يقول: ليس هذا بشيء. قال محمد بن أحمد: قوله: إنه إن هلك الرجل قبل السنة بطل ذلك، ولم يكن في رأس مال ولا ثلث، صحيح على أصولهم؛ لأنه صدقة في الصحة لم تُحَزْ عنه حتى مات، فوجب أن تبطل، وكذلك لو أتت السنة وهو مريض، فمات من مرضه ذلك على مذهب ابن القاسم، وقد قيل فيما أحسب إن ذلك يكون من الثلث، وإن أتت السنة وهو حي صحيح نفذا في

стр. 1229

السبيل، واختلف هل يحكم عليه بذلك إن أبى أن ينفذه على الاختلاف في الذي يتصدق على المساكين، فيأبى أن ينفذ ذلك، والقولان في المدونة على اختلاف الرواية في ذلك، وليس له أن يبيعهما ولا يفوتهما قبل السنة، واختُلف هل يحكم عليه بذلك أم لا على الاختلاف المذكور، ولو قال: بعيراي هذان بعد سنة صدقة على فلان؛ لحُكم عليه ألا يبيعهما قبل السنة، وأن يسلمهما إليه بعد السنة إن أتت، وهو صحيح قولا واحدا على ما قاله ابن القاسم، في رسم الجواب، من سماع عيسى، من كتاب الصدقات والهبات، فقوله في آخر المسألة، فكأنه يقول: ليس هذا بشيء يريد أنه يبطل إن مات قبل السنة، إلا أن قوله: لا يوجب حكما، ويبطل في كل حال؛ لأن الحكم فيه يجري على ما قلناه، وبالله التوفيق. [مسألة: قضي عليه بيمين فأراد أن يفتدي منها] ومن كتاب أوله باع غلاما مسألة وسئل مالك عن ابني عم وقع بينهما ميراث فتشاجرا، فحلف أحدهما بيمين غليظة إنْ دفع إليه شيئا حتى يقضي به عليه السلطان فاختصما، فقضي على الحالف باليمين، وأراد أن يفتدي من اليمين، ويدفع إليه في ذلك حقا، فكره ذلك، وقال: لا يدفع إليه شيئا، ويحلف إن كان بارا، فقيل له: لو أن رجلا قضي عليه بيمين، فأراد أن يفتدي منها، قال: لا بأس بذلك. قال محمد بن أحمد: قوله: إنه لا يفتدي من اليمين بثمن يدفعه إليه صحيح؛ لأنه قد حلف ألا يدفع إليه شيئا، إلا بقضاء سلطان، والسلطان لم يقض عليه إلا باليمين، لا بما افتدى به منها، وقوله: ويحلف إن كان بارا

стр. 1230

صحيح أيضا؛ لأنه إن نكل على اليمين فحلف ابن عمه، وأخذ ما ادعى حنث هو في يمينه، فإن كان غير بار لم يحل له أن يحلف، ويحلف ابن عمه ويأخذ ما ادعى، ويحنث هو في يمينه؛ إذ كان إنما حلف وهو عالم بصحة دعواه، ليقتطع حقه، فإن اجترأ على الله، وحلف بر في يمينه وأثم في اقتطاع حق ابن عمه بيمينه الفاجرة، كمن حلف أن يسرق أو يزني أو يشرب خمرا، وكذلك إن لم يعلم إن كان ما يدعي ابن عمه حقا أو باطلا؛ إذ لا يجوز له أن يحلف على غير يقين، وقد وقع في أول رسم البراءة، من سماع عيسى، من كتاب الأيمان بالطلاق لفظ، قال فيه بعض الناس: إنه يدل على أن له أن يحلف فيما لا يوقن به، وهو بعيد، فالصواب أن يتأول على ما تأولناه عليه هناك، فلا يدل على أنه يجوز له أن يحلف على ما شك فيه، وبالله التوفيق. [مسألة: الصبي هل يلزمه بعد بلوغه ما نذره على نفسه قبل بلوغه] مسألة قال مالك: كان حلف عبد الله بن أبي حنيفة في الجرو القتاء بعد أن احتلم. قال محمد بن أحمد: قوله صحيح؛ لأنه لو كان لم يحتلم لما لزمه النذر؛ لقوله ﵇: «رفع القلم عن ثلاث» فذكر فيهم الصبي حتى يحتلم، ولا اختلاف أعلمه في أن الصبي لا يلزمه بعد بلوغه ما نذره على نفسه قبل بلوغه، إلا أنه يستحب له الوفاء به، وقد قال ابن كنانة: إن الصغير إذا حلف به قبل بلوغه لزمه إذا حنث فيه بعد بلوغه، ومن أهل العلم من ذهب إلى أن المشرك إذا نذر في حال الكفر يلزمه الوفاء به بعد الإسلام؛ لما

стр. 1231

روي من أن عمر بن الخطاب ﵁ قال للنبي ﵇: «إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف يوما في المسجد الحرام، فقال له النبي: فِ بنذرك» ، وهو عندنا وعند أكثر أهل العلم على أن ذلك على الندب لا على الوجوب، ومما يدل على ذلك أيضا أن " فِ " لا تُستعمل إلا فيما ليس بواجب، يقال: وفى بالوعد، وأوفى بالحق والنذر، فيلزم على قول من أوجب على الكافر الوفاء بالنذر بعد إسلامه أن يوجب على الصغير الوفاء بالنذر بعد بلوغه، بل هو أحق أن يجب عليه على مذهبه؛ لأن الصغير وإن كان لا تُكتب عليه السيئات، فتُكتب له الحسنات على الصحيح من الأقوال، والكافر لا تكتب له الحسنات وتكتب عليه السيئات، وبالله التوفيق. [مسألة: حلفت على أختها ألا تشهد لها محيا ولا مماتا فماتت ابنة أختها] مسألة وسئل عن امرأة حلفت على أختها ألا تشهد لها محيا ولا مماتا، فماتت ابنة أختها، فأرادت أن تنتظرها عند باب المسجد فتصلي عليها، وقد كانت حلفت بالمشي إلى الكعبة، فكره ذلك لها. قال محمد بن أحمد: وهذا كما قال؛ لأنه إذا صلت عليها، فقد شهدت جنازتها، فوجب أن تحنث، وإن كانت لم تشهدها ولا عَزَّتْهَا ولا قامت معها في شيء من أمرها؛ لأن الحنث يقع بأقل الوجوه، وقوله: فكره ذلك لها، معناه الوجوب، وأنها إن فعلت حنثت، والله أعلم. [مسألة: قال لشريكه هذه الدنانير صدقة على المساكين إن كان لك عندي شيء] مسألة وسئل عن رجل كان له شريك فحاسبه ثم لقيه، فقال له: قد بقي عندك كذا وكذا، وكان مع شريكه دنانير في يده، فقال عند ذلك: هذه الدنانير صدقة على المساكين، إن كان لك عندي شيء.

стр. 1232

ثم ذهب إلى منزله فنظر إلى كتب عنده، فإذا هو ما قال شريكه حق، قال: أرى أن يتصدق بالدنانير، ولا ينفعه إن كان حلف، وهو يرى أنه إنما حلف على حق، وإنما ينفعه ذلك في الحلف بالله، فأما الصدقة والعتق والمشي، فلا ينفعه ذلك، وليس اللغو في الصدقة والمشي، إنما اللغو في الحلف بالله، لا يكون إلا في اليمين بالله أو بشيء من صفاته وأسمائه، أو في نذر لا يسمى له. قال محمد بن أحمد: وهذا كما قال، وهو مما لا اختلاف فيه، وحكمه في المذهب في أن اللغو مخرج؛ لأن الله لم يذكره إلا في اليمين التي أوجب فيها الكفارة، فقال تعالى: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] الآية، ويجيء على مذهب من أوجب كفارة اليمين بالله في الحلف بالمشي والصدقة، وما أشبه ذلك مما فيه قربة وطاعة، أن يكون اللغو في ذلك. [مسألة: قال لغريمه إن لم تقض صدرا من حقي يوم كذا فَعَلَيّ المشي إلى بيت الله] مسألة وسئل مالك عن رجل كان له على رجل حق، فقال لغريمه: إن لم تقض صدرا من حقي يوم كذا وكذا، فَعَلَيّ المشي إلى بيت الله إن لم ألزمك بحقي كله، قال مالك: أرى الصدر الثلثين، ولو أن رجلا قال: النصف؛ لكان قولا، ولكن الثلثان أحب إليّ إلا أن يكون حين حلف قد أجمع على أمر شيء من أمره، فهو على ما أجمع.

стр. 1233

قال محمد بن أحمد: لابن نافع في المبسوطة أنه إذا قال: جل، فذلك أكثر من الثلثين، وإذا قال صدرا فذلك الثلث فما فوقه، وهو في القياس أظهر؛ لأن صدور الأشياء هي الجمل من أوائلها، فالصدر ثم النصف ثم الجل، والله أعلم. [مسألة: قال علي نذر ألا أكلم فلانا] ومن كتاب أوله صلي نهارا ثلاث ركعات مسألة وسئل مالك عن رجل قال علي نذر ألا أكلم فلانا قال: ليكلمه ولا أرى عليه، إنما ذلك مثل ما يقول عليّ نذر أن أكلمه أو أحمل هذا الحجر فلا شيء عليه، إنما كان نذره في كلامه. قال محمد بن أحمد: وهذا كما قال: إن من قال علي نذر أن أكلم فلانا أو لا أكلمه إنه لا شيء عليه كلمه أو لم يكلمه إذ لا طاعة لله في كلامه ولا في ترك كلامه، وقد قال ﷺ : «من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه» ، فالنذور تنقسم على أربعة أقسام، نذر في طاعة يلزم الوفاء به، ونذر في معصية يحرم الوفاء به، ونذر في مكروه يكره الوفاء به، ونذر في مباح يباح الوفاء به وترك الوفاء به، وسواء كان ذلك كله في فعل أو في ترك فعل، ولا كفارة عند مالك، ﵀ على من لم يف بما نذر؛ إما لأنه معصية لا يجوز له الوفاء به وإما لأنه عجز عن الوفاء به، ومن أهل العلم من أوجب في ذلك الكفارة لما روي من أن النبي ﷺ قال: «لا نذر في معصية وكفارته كفارة يمين» ، وإنما تجب الكفارة عند مالك في اليمين بالنذر، مثل أن يقول: علي نذر إن فعلت كذا وكذا أو إن لم أفعل كذا وكذا، كان ذلك للذي حلف على فعله مما يجوز له

стр. 1234

فعله أو مما لا يجوز، وكان الذي حلف على تركه مما يجوز له تركه أو مما لا يجوز؛ غير أنه إن كان ذلك مما لا يجوز أُمِرَ بالحنث والكفارة، فإن اجترأ وبر سقطت عنه الكفارة. [مسألة: له عند امرأته ذهب فأسلفته أخا لها فعلم الزوج بذلك فحلف ليأخذن حقه] ومن كتاب أوله مرض وله أم ولد فحاضت مسألة وسئل مالك، ﵀، عن رجل كان له عند امرأته ذهب فأسلفت منه أخا لها فعلم الزوج بذلك فحلف ألا يخرج حتى يأخذ حقه منه أو يقضي به عليه سلطان، فقالت امرأته: أنا التي أسلفته وأنا له ضامنة، وقد كان يريد سفرا. قال: لا يخرج حتى يأخذها ولا يقبل ضمانها إلا أن يؤخره السلطان إذا رأى السلطان ذلك. قال محمد بن أحمد: وهذا كما قال؛ لأن الزوج مخير له أن يأخذ بماله من شاء منهما، إن شاء زوجته التي تعدت على ذهبه فأسلفته، وإن شاء أخاها الذي أسلفته إياه؛ فإن أخذ بذهبه الزوجة كان لها أن تتبع أخاها بذلك، وإن أخذ به أخ الزوجة سقطت التباعة عن الزوجة، فإذا حلف ألا يخرج حتى يأخذ حقه من أخي الزوجة إلا أن يؤخره السلطان فليس له أن يترك اتباعه ويرجع عن امرأته، فإن فعل ذلك حنث بما حلف به، وفي قوله: "إلا أن يؤخره السلطان إن رأى ذلك" دليلٌ على أن للسلطان أن يؤخر الغريم بما حلّ عليه من الديون على ما يراه من موجب للنظر في ذلك، ومثله في أول رسم ابن القاسم من كتاب المكاتب، وبذلك جرت الفتيا عندنا بقرطبة، خلاف ما كان يحكم به في غيرها أن الغريم إذا حل أجل ما عليه من دين لم يؤخر ساعة ولا حينا وبيعت عليه عروضه بالغة ما بلغت إن لم يكن له ناضّ يؤدي منه ما عليه، وهو خلاف ظواهر الروايات عن مالك وأصحابه، وبالله التوفيق.

стр. 1235

[مسألة: حلف بالمشي إلى بيت الله فحنث] مسألة قال مالك: من حلف بالمشي إلى بيت الله فحنث، فإنه يمشي من حيث حلف وكانت يمين صاحبه ألا يفعل كذا وكذا حتى ينتقل من منزله وكان صاحب خيمة، قال مالك: ولا أحب أن يحولها إلى مكان قريب حتى ينتقل نقلة يعرف أنها نقلة من ذلك الموضع إلى غيره ثم يفعل ما حلف عليه إن أراد إن كان إنما أراد بذلك مخرجا من يمينه. قال محمد بن أحمد: تكررت هذه المسألة في هذا الرسم من هذا السماع من كتاب الحج، وقوله فيها هنا وهناك: إنه يمشي إذا حنث من حيث حلف لا من حيث حنث يأتي على ما في كتاب ابن المواز العتق الأول من المدونة في الذي يقول: إن كلمت فلانا فكل مملوك أملكه من الصقالبة فهو حر فيشتري بعد يمينه وقبل أن يكلمه صقالبة ثم يكلمه إنهم يعتقون عليه خلاف ما في سماع عبد المالك من كتاب الأيمان بالطلاق الذي يقول: إن كلمت فلانا فكل امرأة أتزوجها بمصر طالق فتزوج ثم كلمه أنه لا شيء عليه في التي تزوج قبل يمينه، وإنما يلزمه الحنث فيما تزوج بعد كلامه، ولم ير إذ كانت يمينه ألا يفعل كذا وكذا حتى ينتقل من منزله أن اليمين تنحل عنه حتى يكون له أن يفعل ما حلف عليه وإلا لحنث إلا بانتقال من ذلك الموضع إلى غيره من المواضع، وخشي إن حولها إلى مكان قريب ألا يكون ذلك انتقالا تنحل عنه اليمين، فقال: ولا أحب أن يحولها إلى مكان قريب حتى ينتقل نقلة تعرف، وبالله التوفيق.

стр. 1236

[مسألة: حلف في رقيق لابنه ألا يبيعهم بثمن سماه وللحالف أب] ومن كتاب المحرم يتخذ خرقة مسألة وسئل مالك عن رجل حلف في رقيق لابنه ألا يبيعهم بثمن سماه وللحالف أب فقال له: أنا أبيعهم ليس هم لك فقال له: أسفيه هو؟ يريد الحالف فقالوا: لا فقال: لا أرى أن يبيعهم. قال محمد بن أحمد: في قوله: لا أرى أن يبيعهم إذا لم يكن سفيها دليل على أن له يبيعهم إذا كان سفيها فجعله في حكم الوصي على ولد ابنه ما دام ابنه سفيها فيلزم على هذا أن يكون وصي الأب وصيا على ولد الولد الذين إلى نظره بإيصاء الأب وهو نحو ما في مختصر ابن شعبان عن مالك أن للوصي أن يزوج بنات يتيمه بعد بلوغهن، فإن رضي الأب بذلك قبل أن يبلغن فلا يلتفت إلى رضاه لسقوط ولايته فهن كاليتامى، قال ابن وهب في أصل سماع أصبغ: والرفع إلى السلطان أحسن، وليس من ذلك ما في كتاب ابن المواز أن المولى عليه إذا قتل وله ولد أصاغر أن وصي الأب أولى من عمومة الصبي، بالدم، وقد كان بعض شيوخه لا يرى وصي الأب وصيا على صغار الولد الموصى بهم، وبالله التوفيق. [مسألة: يحلف أن يحمل الشيء على عنقه إلى بيت الله فلا يقدر] مسألة وسئل مالك عن الرجل يحلف أن يحمل الشيء على عنقه إلى بيت الله فيكون ممن لا يقدر على المشي فيركب أترى عليه هديين أم هديا واحدا؟ قال: يهدي هديا واحدا وليس هذا من الأمور

стр. 1237

التي مضت فيها سنة ولا أمر، قيل له: فهدي واحد يجزئ عنه؟ قال: نعم. قال محمد بن أحمد: أوجب مالك على الحالف في هذه المسألة الهدي لركوبه ولم يوجب عليه شيئا لما وضع عن نفسه من حمله الشيء على عنقه فلو مشى ولم يركب لم يجب عليه شيء على هذه الرواية خلافا لما في المدونة في الذي يقول: أنا أحمل هذا العمود أو هذه الطنفسة أو ما أشبه ذلك إلى بيت الله أنه يحج ماشيا ويهدي لموضع ما وضع على نفسه من المشقة في حملان تلك الأشياء إلا أن يفرق بين النذر واليمين مراعاة لقول من لا يرى الشيء واجبا باليمين، والأظهر أن ذلك اختلاق من القول، وألا يكون على الذي قدر أن يحمل الشيء على عنقه إلى بيت الله إلا المشي راجلا كما قال في الذي نذر أن يمشي إلى بيت الله حافيا أنه ينتعل، وإن أهدى فحسن، وإن لم يهد فلا شيء عليه، وهو خفيف إذ لا طاعة لله في حفائه ولا في حمله الشيء على عنقه، وقد قال ﷺ : «من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه» ، فوجب أن يسقط عنه ما قدّره على نفسه مما لا طاعة لله فيه ولا يلزمه في ذلك شيء ولو لزمه في ذلك شيء لكان الواجب في ذلك كفارة يمين لما جاء في ذلك عن النبي، ﵇، وأخذ به جماعة من العلماء على ما قد ذكرناه في رسم "صلى نهارا ثلاث ركعات" قبل هذا. [مسألة: المرأة المولى عليها تحلف بصدقة ما تملك على المساكين] مسألة وسئل مالك عن المرأة المولى عليها تحلف بصدقة ما تملك

стр. 1238

على المساكين أو بأنها تحمل ابن عم لها إلى بيت الله إن تزوجته فقدر لها أن تزوجته. فقال: أرى أن تمشي إلى بيت الله، قال: إنها لا تستطيع أن تمشي، قال: فلتركب ولتهد قال: إنها صرورة، قال: فلتدخل بعمرة إن أحبت وتمشي بعد حجتها عن نفسها قال: أيجزيها أن تدخل بعمرة في مشيها فتحج لنفسها؟ قال: نعم، قال: أفترى عليها هديين؟ قال: نعم إن اعتمرت في أشهر الحج، فعليها هدي لتمتعها وهدي لما ركبت، وهديان في هذا يجزيان عنها. فقيل له: أفتأكل منهما جميعا؟ فقال: نعم، وأرى عليها صدقة ثلث مالها، قال سحنون: هذا خطأ وما ينفعها الولاية إذا كانت تنفق مالها؟ فليس هو كما قال. قال محمد بن أحمد: حمل مالك، ﵀ حلف المرأة بحمل ابن عمها إلى بيت الله على أنها أرادت حمله على عنقها فأوجب عليها إذا حنثت المشي إلى بيت الله والهدي إن لم تستطع المشي فركبت، وذلك خلاف لما في المدونة في موضعين. أحدهما حمل يمينها على أنها أرادت حمله على عنقها؛ لأنه قال في المدونة فيمن قال أنا أحمل فلانا إلى بيت الله: أنه يحج راكبا ويحج معه بالرجل إلا أن ينوي حمله على عنقه، والموضع الثاني قوله: أنها تمشي إلى بيت الله وتهدي إن لم تستطع المشي فركبت على ما قاله في المسألة التي قبلها؛ لأنه قال في المدونة: إن أراد حمله على عنقه حج ماشيا وأهدى يريد لما وضع عن نفسه من حملانه على عنقه، فعلى قوله فيها: يهدي إن لم يستطع المشي فركب هديين، هديا لركوبه وهديا لما وضع من المشقة في نفسه، وقوله: إنها إن كانت صرورة كان لها أن تدخل بعمرة وتحج بعد ذلك لنفسها وتهدي لتمتعها إن كانت عمرتها في أشهر الحج صحيح مثل ما في المدونة وغيرها لا اختلاف في ذلك، وقوله وأرى عليها صدقة ثلث مالها معناه إذا ملكت أمرها وصار مالها إليها، وكان ذلك هو المال الذي كان

стр. 1239

لها يوم حلفت فإن كان قد زاد لم يكن عليها أن تتصدق بثلث مالها الزائد، وإن كان قد نقص لم يكن عليها أن تتصدق إلا بثلث الباقي، وأما ما وجب عليها من الهدي لتمتعها ومشيها؛ فإن كان الولي منعها من مالها ولم تصم فعليها إذا ملكت أمر نفسها أن تهدي من مالها كان ذلك المال أو غيره، وفي آخر أول رسم من سماع ابن القاسم من كتاب النكاح أنه لا يلزمها في مالها صدقة ولا شيء بسبب الولاية مثل قول سحنون هنا، وهو أظهر؛ لأنه إنما حجر عليها نظرًا لها، فلو كان يلزمها إذا رشدت ما فعلت في حال الولاية لما أغنت عنها شيئا، بخلاف العبد والزوجة ذات الزوج والغريم الذي يقع التحجير عليهم لحق غيرهم، وهذا الاختلاف في المولى عليها إنما هو إذا لم يرد الولي فعلها حتى ملكت أمر نفسها وصار مالها بيدها، وبالله التوفيق لا رب غيره. [مسألة: حلفت لزوجها ألا تتزوج بعشرة نُذُرٍ إلا أن يغلبها أمر لا تملكه فطلقت] ومن كتاب الشجرة تطعم بطنين في السنة مسألة وسئل عن امرأة حلفت لزوجها ألا تتزوج بعشرة نُذُرٍ إلا أن يغلبها أمر لا تملكه فطلقها زوجها فاحتاجت وأرادت التزويج، فقال لها: هل جعلت لذلك مخرجا من حج أو عمرة أو عتق أو صيام؟ قالت: لا، ولكن كان مني مُسْجَلَة، قال: فأطعمي مائة مساكين بالمد الأصغر لكل مسكين مد، فإن لم تقدري فصومي ثلاثين يوما. قال محمد بن أحمد: قولها إلا أن يغلبها أمر لا تملكه معناه إلا أن تشتهي الرجال أو تخاف على نفسها العنت، وعلى هذا حمل مالك استثناءها؛ ولذلك لم ير الحاجة مما يسقط عنها اليمين، وقوله: إنها تطعم مائة مسكين إن

стр. 1240

كانت لم تجعل لما نذرت مخرجا صحيح على أصولهم في أن من نذر نذرا، ولم يجعل له مخرجا فكفارته كفارة يمين، وبالله التوفيق. [مسألة: أبق له غلام فأخذه فحلف له إن عدت لأضربنك فعاد فأبق فلم يضربه] من سماع أشهب وابن نافع من مالك من كتاب الأقضية مسألة قال سحنون: أخبرني أشهب وابن نافع قالا: سئل مالك عمن أبق له غلام فأخذه فحلف له إن عدت لأضربنك، فعاد فأبق فلم يضربه ثم عاد فأبق له فضربه أتراه خرج عن يمينه؟ قال: لا أراه وقّت وقتا وأرى ذلك قد أخرجه عن يمينه إذا ضربه الضرب الذي حلف عليه ضربا لا عذابا ولا دون. قال محمد بن أحمد: هذا خلاف ما مضى في رسم حلف ليرفعن أمرا من سماع ابن القاسم في مسألة الوتر، وقد مضى القول على ذلك هناك فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق. [مسألة: يقول لله علي إن جاءني الله بأبي يوم كذا وكذا أن أتصدق أو أعتق] ومن كتاب الأقضية مسألة وسئل عن الرجل يقول: لله علي إن جاءني الله بأبي يوم كذا وكذا أن أتصدق أو أعتق أو أصوم أو أصلي، قال: لا بأس بذلك، قال : ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ [الإنسان: ٧] ، ﴿قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾ [آل عمران: ٣٥] آل عمران، ٣٥.

стр. 1241

قال محمد بن أحمد: أجاز مالك، ﵀، أن يقول الرجل: لله علي أن أفعل كذا وكذا من الخير ولم ير به بأسا، وقد كره جماعة من أهل العلم من أصحاب النبي وغيرهم النذر، لما روي «أن رسول الله ﷺ نهى عن النذر، وقال: " إنه لا يغني شيئا " ولكن يستخرج به من البخيل» ولما روي عنه أيضا من رواية أبي هريرة أنه قال: «لا تنذروا فإن النذر لا يغني من القدر شيئا. وإنما يستخرج به من البخيل» ويحتمل أن يكون النهي لم يصح به عند مالك ويحتمل أن يكون معنى النذر المنهي عنه في الحديث تعجيل ما يجب تعجيله أو تأخير ما يجب تأخيره مما لا عمل للنذر فيه إذ لا يغني من القدر شيئا كما قال ﷺ . فالنذر على مذهب مالك ينقسم ثلاثة أقسام: نذر مستحب وهو النذر المطلق الذي يوجبه الرجل على نفسه شكرا لله على ما كان ومضى. ونذر جائر وهو النذر المقيد بشرط يأتي. ونذر مكروه وهو المؤقت الذي يتكرر مع مرور الأيام فقد كرهه في المدونة لشدته مخافة التفريط في الوفاء به، والله أعلم. [مسألة: ابتاع من رجل سلعة ثم سأله أن يضع عنه عشرة دنانير] مسألة وسئل عمن ابتاع من رجل سلعة ثم سأله أن يضع عنه عشرة دنانير فقال له البائع: الله يعلم أني لا أضع لك أله مخرج؟ فقال:

стр. 1242

نعم لو كفر عن يمينه، قيل له: لو كفر عن يمينه؟! قال: نعم يطعم عشرة مساكين. قال محمد بن أحمد: ظاهر قول البائع الإخبار عن الله تعالى بأنه يعلم أنه لا يضع له وهو قول علمه بألا يعلم إذ لا يدري هل يضع عنه أم لا يضع فإن كان سبق في علم الله تعالى أنه يضع عنه فهو عالم أنه يضع عنه وإن كان سبق في علمه أنه لا يضع عنه فهو عالم أنه لا يضع عنه، إلا أنه لما قصد البائع بما قاله من هذا الامتناع من الوضيعة احتمل عنده أن يكون قصد بذلك اليمين بأن يجعل يعلم صفة لله بمعنى عالم، فتكون إرادته الله العالم أقسم به أني لا أضع لك، فأمره بالكفارة احتياطا إن لم يضع عنه، فإن كان أراد اليمين وقعت الكفارة في موضعها، وإن كان أراد الإخبار ولم يرد اليمين رجا أن تكون الكفارة تكفر عنه الإثم في أن قال على الله ما لا يعلم هذا وجه هذه الرواية عنده، والله أعلم. وقد روي عن سحنون فيمن قال علم الله إن فعلت كذا فقال: إن أراد العلم فهو كالحالف بصفة من صفات الله تعالى، وإن لم يرد العلم فلا شيء عليه، يريد بذلك أنه أراد فعلم العلم، فكأنه قال: وعلم الله، وقد يحذف واو القسم، وإن لم يرد العلم فقوله إخبار لا يلزمه به شيء وهو يريد ما قلناه، والله أعلم. [مسألة: حلف وقال إن شاء الله ينوي به الاستثناء] مسألة قال أشهب: وسئل مالك عن قول ابن عمر: من حلف فقال إن شاء الله فقد استثنى، فقال: إنا لنقول غير هذا نقول إذا حلف وقال: إن شاء الله ينوي به الاستثناء فذلك له ولا حنث عليه، وإن

стр. 1243

كان إنما قال إن شاء الله لهجا بذلك مثل قول الله : ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا﴾ [الكهف: ٢٣] ﴿إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٤] ، ومثل قوله: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [الفتح: ٢٧] ، فليس ذلك باستثناء ولا يغني عنه ذلك شيئا. قال محمد بن أحمد: قول مالك: إن قول الرجل إذا حلف وقال إن شاء الله لا يكون استثناء إلا أن ينوي به الاستثناء ويقصد به إلى حل اليمين صحيح ليس مما يختلف فيه، لقول النبي ﵇: «إنما الأعمال بالنيات» ولا يمكن أن يقول ابن عمر، ﵁، خلاف ذلك، فقول مالك: إنا لنقول غير ذلك معناه إنا لنقول ما هو أفسر من قوله وأبين من كلامه لما جاء من إجماله، والله أعلم. [مسألة: كان عليه مشي إلى بيت الله فمشى حتى انتهى إلى مكة وقد فاته الحج] ومن كتاب الحج مسألة وسئل مالك عن رجل كان عليه مشي إلى بيت الله فمشى في حج حتى انتهى إلى مكة وقد فاته الحج فطاف بالبيت وركع ركعتين وسعى بين الصفا والمروة فصار حجه عمرة فحل أقد انقضى مشيه؟ . فقال: نعم قد انقضى مشيه وعليه حج قابل، قلت له: أرأيت إذا حج قابلا أعليه أن يمشي من مكة إلى منى حتى يقضي حجه؟ قال: ليس عليه ذلك، قيل له: إنه قد كان مشى في حج ففاته الحج، فقال:

стр. 1244

قد كان مشى في حج وليس ذلك عليه فإذا فاته الحج فقد صار عمرة وقضى مشيه ولا شيء عليه فيما يستقبل. قال محمد بن أحمد: هذا مثل قوله في المدونة إنه إذا كان عليه مشي فجعله في حج ففاته الحج أنه يحمل العمرة ويجزيه المشي ويحج عاما قابلا راكبا، وليس عليه أن يمشي بقية مناسك الحج التي فاتته بخلاف إذا نذر المشي في حج، هذا عليه إذا فاته الحج فحل بعمرة ثم حج عاما قابلا راكبا أن يمشي بقية مناسك الحج التي فاتته. وقال فضل: القياس أن يكون عليه إذا رجع أن يمشي ما بقي عليه من المناسك إذا جعل مشيه في حج ففاته الحج وإن كان لم ينذره في حج، وقوله عندي صحيح إذ لا اختلاف في وجوب مشي المناسك عليه إذا جعل مشيه في حج وإن كان لم ينذره في حج، فإذا وجب عليه أن يمشي جميع مناسك الحج لجعله مشيه فيه وجب إذا فاتته أن يقضيها ماشيا، كما لو أن نذر. وقد قال بعض أهل النظر: إن القياس على أصل ابن القاسم في الحج الثالث من المدونة ألا يجزئ شيء لأنه متحلل بعمل العمرة وليست عنده بعمرة صحيحة. قال: لحلف فيه قول ابن القاسم يريد في المدونة لأنه قد نص فيها أن الذي يصير إلى العمرة وتحلل بعمرة على ما قاله مالك في هذه الرواية من أن حجه بصير قال بما في الذي يجامع بعد أن فاته الحج أن لا عمرة عليه وكان القياس على قوله أن يصير عمرة أن يكون عليه قضاء العمرة إذا وطئ بعد أن فاته الحج. وقال أيضا في الذي

стр. 1245

يتعدى الميقات فأحرم بالحج بعدما تعداه ثم فاته الحج أنه لا دم عليه لتعديه الميقات وكان القياس أيضا على قوله إن حجه يصير عمرة أن يكون عليه الدم لترك الميقات كمن جاوز الميقات ثم أحرم بعمرة وإلى هذه المسألة من لحج الثالث أشار بعض أهل النظر والله أعلم. ووجه ما ذهب إليه أنه لما كان ما ترك من الإحرام من الميقات لا يعتبر فيه فيلزمه فيه الهدي إذ قد فاته الحج الذي أحرم به فذلك لا يجزيه المشي الذي مشى في إحرامه بالحج إذ قد فاته الحج، والله أعلم. [مسألة: حلف بالمشي من الأندلس إلى مكة] مسألة وسئل مالك عمن حلف بالمشي من الأندلس أترى له سعة في ركوب البحر؟ قال: نعم كيف يصنع إلا ذلك لا بد له منه. قال محمد بن رشد: وهذا كما قال لأن الذي يحلف بالمشي إلى مكة إنما تقع يمينه على مشي ما يمكن مشيه من الطريق الناجد كمن نذر صوم سنة بعينها أو صلاة يوم بعينه إنما يصح نذره على ما يصح صيامه من الأيام وصلاته من الأزمان وليس عليه أن يحلق في طريقه حتى يقل ركوبه للبحر، بل لا يسوغ له ذلك لأنه يتعب نفسه فيما لا طاعة فيه ولا قربة، إذا لو نذر رجل بالمدينة أن يمشي إلى مكة على الشام أو على العراق أو من الأندلس على غانة وشبهها لم يلزمه ذلك ولا ساغ له، ولو أن رجلا أراد أن يحلق في طريقه إلى المسجد لتكثر خطاه لما جاء من الثواب في ذلك لكان مخطئا في فعله وبالله التوفيق. [مسألة: حلف الناسي] مسألة وسألت امرأة فقالت: إن ابني استخبأني دراهم، ثم إنه سألها مني فرددتها عليه فأخذها ثم رد علي منها خمسة دراهم فخبأتها في

стр. 1246

خماري فلما كان بعد ذلك طرحت الخمار عني وأقبلت على عمل بيتي، فجاءني ابني فقال: هات الدراهم الخمسة التي استخبأتك، فقالت له: ما استخبأتني شيئا إلا التي رددت عليك، فقال: بل رددت علي الدنانير والدراهم ثم استخبأتك بعد ذلك خمسة دراهم، فقالت: لا والله، فقال: انظري إن كنت خبأتها في الفراش أو الخصفة، فقلت: علي المشي إلى مكة إن كنت خبأتها في فراش أو خصفة أو شيء، ثم ذهبت أطلب فوجدتها في خماري كما جعلتها فذكرتها، فما ترى علي؟ فقال لها: أليس إنما حلفت ناسية لإعطائه إياك؟ قالت: بلى، فقال: فامش إلى بيت الله، فإن كنت لا تقدرين فامش واهدي، وليس عليك عجلة حتى تجدي وتقوي على ذلك، وأرجو ألا يكون عليك بأس إن شاء الله أبشري، قال لنا: وما هدي مثل هذه؟ قال: أرى هديها شاة، ثم قال: كان يقال: «إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم إنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم» ، لئن دخلت هذه السوداء الجنة فما ضرها سوادها، خافت يمينها هذا الخوف وأخرى أهيأ منها لا تخاف خوفها. قال محمد بن أحمد: قال لها أليس إنما حلفت ناسية لإعطائه إياك، فقالت: بلى، من أجل ما رأى بها من الفزع لأنها أتت وهي ترعد على ما ذكر في هذه الحكاية في غير هذا الموضع مخافة أن تكون قد وقعت من الإثم والحرج فيما لا مخلص لها منه، ويدل على ذلك قوله خافت يمينها هذا

стр. 1247

الخوف فلم يكن عليها في يمينها إثم ولا كفارة لأنها كانت لغوا إذ حلفت بالله تعالى ناسية لإعطائها إياها الخمسة الدراهم، ووجب عليها المشي إلى بيت الله إذ لا يكون اللغو في المشي ولا فيما سوى اليمين بالله تعالى. وقوله: فإن كنت لا تقدرين فاركبي واهدي، معناه فاركبي إذا عجزت عن المشي بعد أن تمشي ما قدرت عليه واهدي، ولم يأمرها أن ترجع ثانية فيحتمل أن يكون رأى من حالها أنها لا تقدر أن تمشي الطريق كله في مرتين، ولذلك لم يأمرها بالرجوع ثانية إذ لم يختلف قوله فيما علمت أن الحالف بالمشي يلزمه الرجوع ثانية لمشي ما عجز عنه فركبه، ويرى عليه الهدي مع ذلك لتفريق المشي، وأهل المدينة سواه يرون عليه الرجوع ثانية دون الهدي، وأهل مكة يرون عليه الهدي دون الرجوع، ومن أهل العلم من لم يوجب عليه الهدي ولا الرجوع، وقد روي ذلك عن النبي ﵇، وقوله: وليس عليك عجلة حتى تجدي وتقوي، تخفيف منه عليها لما رأى بها من الضعف على القول بأن الأمر لا يقتضي الفور فإن الحج على التراخي، ولتخفيفه عنها في هذا. قال لها: وأرجو أن لا يكون عليك بأس، وقال لها: أبشري لما رجاه لها من النجاة والخير لشدة ما رآه بها من الخوف، وبالله التوفيق. [مسألة: طلقها فحلفت بالعتق ألا تقبل منه منفعة فكسا جاريتها] ومن كتاب العتق مسألة وسئل عن امرأة طلقها زوجها فحلفت بالعتق ألا تقبل منه منفعة فندم وخدمته جاريتها وقامت عليه، فلما أراد الخروج

стр. 1248

كسا جارية لها ثوبا وأعطاها دريهمات، فقال: لا أرى أن تقبل ذلك وأرى أن ترده عليه لأن تلك الكسوة. هي تنتفع بها تكف عنها كسوة خادمها، وتلك الدريهمات تنتفع بها خادمها وتقوى بها على عملها فلا أرى لها أن تقبل ذلك وأرى أن ترده عليه فإن كان غائبا فلتبعث به إليه، وإن هلك الرجل قبل أن تبعث به إليه ولم تقبله فلا شيء عليها، فإن كان ذلك أمرا قد فات وقبلته فأرى أن تدين في ذلك، فإن قالت: لم أرد هذا، وليس هذا الذي أردت ولم أرد خادمي ولا عبدي رأيت أن تنوى فتحلف على نيتها ولا حنث عليها إلا أن تكون انتفعت بذلك، فإن كانت انتفعت بشيء منه قليلا أو كثيرا فقد حنثت، ورأيت ذلك لازما لها لأنها حلفت ألا تقبل منه منفعة فقد انتفعت وإن كان الذي نالت منه الوليدة إنما هو طعام أكلته رأيت ذلك خفيفا. قال محمد بن أحمد: المسألة صحيحة على أصولهم لا كلام فيها إلا قوله في آخرها وإن كان الذي نالت منه الوليدة إنما هو طعام أكلته رأيت ذلك خفيفا، فمعناه في الطعام اليسير الذي لا ينحط به عنها من مؤنة نفقة خادمها شيء؟ وكذلك قال مالك في أول سماع ابن القاسم من كتاب الأيمان بالطلاق، وهو مفسر لهذا والله أعلم. وإيجابه اليمين عليها إن قبلت ما وهبه إياها لخادمها وادعت أنها لم ترد خادمها صحيح؛ لأنها نية محتملة لا يشهد بصحتها شاهد من ظاهر حال أو دليل لفظ أو عرف مقصد وما أشبه ذلك فتسقط عنها اليمين من أجل ذلك ولا هي أيضا مخالفة لظاهر لفظ اليمين فلا تصدق فيها بيمين ولا بغير يمين؛ لأن ما يدعي الحالف من النية فيما

стр. 1249

يحكم به عليه إذا لم يأت مستفتيا لا يخرج عن هذه الثلاثة الأقسام، وأما إذا أتى مستفتيا أو كانت يمينه مما لا يحكم بها عليه فينوي فيما نواه دون يمين وإن كانت نيته التي نواها مخالفة لظاهر لفظه وبالله التوفيق. [مسألة: كان مع أخ له في منزله وكانت له شاة فحلف بالمشي إلى مكة ليبيعنها] ومن كتاب الأقضية مسألة وسئل مالك عن رجل كان مع أخ له في منزله وكانت له شاة فحلف بالمشي إلى مكة ليبيعنها وليخرجنها عنه، فباعها وأخرجها عنه ثم باعها المبتاع من آخر والآخر من آخر ثم أراد أن يبيعها بثمن وكس فأراد صاحبها الأول أن يشتريها فخاف أن يدخل على أخيه في يمينه شيء، وألا يكون خرج من يمينه، فقال: لا يشتريها. نعم يدخل عليه يمينه شيء وخاف إن اشتراها ألا يكون أخوه خرج من يمينه. قال محمد بن رشد: حمل يمينه على أخيه أن يبيع الشاة ويخرجها عنه على أنه إنما أراد ألا تكون معه في داره خلاف ما لفظ به، فرأى عليه الحنث إن ردها بعد أن باعها وأخرجها وتداولتها الأملاك. وقال في رسم تأخير العشاء من سماع ابن القاسم في الذي يحلف على رجل لينتقلن من داره فانتقل أنه لا حنث عليه إن رده إليها بعد أن انتقل عنها إلا أن يكون أراد ألا يساكنه فحمل يمينه على الانتقال الذي لفظ به حتى يريد ترك المساكنة وذلك تعارض بين في الظاهر، وبينهما من جهة المعنى فرق ظاهر، وهو أن يكون الرجل مع الحالف في داره لفظا يختص به وهو السكنى، فلما عدل

стр. 1250

الحالف إلى الانتقال حملت يمينه إذا لم تكن نية على ما لفظ به من الانتقال لاحتمال أن يكون أراد معاقبته بذلك، وليس لكون الشاة معه في داره لفظ يختص به، فلما لم يكن لذلك لفظ يختص به فعدل عنه إلى ما لفظ به حملت يمينه على أنه إنما أراد ألا تكون الشاة معه في داره إذ لا غرض يظهر في بيعها وإخراجها من داره إلا ذلك والله أعلم. [مسألة: حلف ألا يأخذ لفلان مالا فمات المحلوف عليه] مسألة ومن حلف ألا يدخل على فلان بيتا حياته فدخل عليه ميتا حنث، ولو حلف ألا يأخذ لفلان مالا فمات المحلوف عليه فأخذ الحالف من تركته مالا فإنه لا حنث عليه إلا أن يكون الميت المحلوف عليه أوصى بوصية أو كان عليه دين فإنه حانث بذلك. قال سحنون: وكذلك حلف ألا يأكل من طعام رجل فمات المحلوف عليه فأكل الحالف من المال قبل أن يجمع ويقسم، فإن كان عليه دين أو أوصى بوصايا فإنه حانث وذلك أن المال للميت إذا كان عليه دين وعنه يقضى، وليس للورثة مراثا إلا بعد قضاء الدين، وكذلك إذا كانت وصايا ولم يكن عليه دين فهو شريك للورثة بوصاياه في الثلث، فإن أكل من ذلك شيئا حنث، وقد قال تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١١] ، فإنما يكون للورثة ما بعد الدين قاله أصبغ.

стр. 1251

قال محمد بن أحمد: قوله فيمن حلف ألا يدخل على فلان بيتا حياته فدخل عليه ميتا إنه يحنث هو مثل ما لأصبغ في نوازله بعد هذا في من حلف ألا يدخل بيت فلان ما عاش. وقال سحنون: لا حنث عليه، وجه القول الأول أن قول الحالف حياته أو ما عاش لا يحمل على أنه أراد بذلك أجلا وقته ليمينه؛ لأن الظاهر من إرادته أنه أراد ألا يدخل عليه أبدا، فعبر عن ذلك بحياته أو ما عاش لأن ذلك هو الغاية التي يقصد بها الناس التأبيد في عرف كلامهم، من ذلك قول الرجل: لا أدخل هذه الدار حياتي أو ما عشت أو لا آكل من هذا الطعام حياتي أو ما عشت ولا أكلم فلانا حياته أو ما عاش إذا أراد أنه لا يفعل شيئا من ذلك كله أبدا، ووجه قول سحنون اتباع ظاهر اللفظ دون مراعاة المعنى، فقول مالك أولى بالصواب، ولو قال الرجل: لا أدخل على فلان بيتا أبدا فدخل عليه ميتا حنث إلا أن يريد حياته قولا واحدا على ما في أول رسم الطلاق الأول من سماع أشهب من كتاب الأيمان بالطلاق، وما في سماع أبي زيد منه، وقوله فيمن حلف ألا يأخذ لفلان مالا فمات فأخذ من تركته أنه حانث إن كان أوصى بوصية أو كان عليه دين. قال ابن القاسم في المجموعة وإن لم يكن الدين محيطا به وقد قيل: إنه لا حنث عليه وإن أحاط الدين بتركته، وقاله أشهب وهو الأظهر؛ لأن الميت إذا مات فقد ارتفع ملكه من ماله ووجب لمن يجب له منه أخذه من ورثته وأهل وصاياه وغرمائه إن كان عليه دين، وهذا الاختلاف إنما هو إذا لم يكن للحالف نية ولا كان ليمينه بساط فإن كانت يمين الحالف كراهية للمال لخبث أصله فهو حانث على كل حال كان على الميت دين وله وصية أو لم يكن، وإن كان كراهية لمنه عليه فلا حنث عليه على حال كان على الميت دين أيضا وكانت له وصية أو لم يكن.

стр. 1252

[مسألة: حلف على صديق له بعتق رقبة إن كلمه حتى يمنع امرأته النفقة] مسألة وقال أشهب: سئل مالك عن رجل حلف على صديق له بعتق رقبة إن كلمه حتى يمنع امرأته النفقة فلا ينفق عليها ما دخلت عليها فلانة وكف عن كلامه فكان الرجل يلقاه ويسلم عليه فلا يرد ﵇ مخافة أن يحنث، فلما أكثر عليه من ذلك عمد إلى أخ له فقال: تعلم أني حلفت على فلان ألا أكلمه حتى يكف عن النفقة على امرأته فلا ينفق عليها ما دخلت عليها فلانة وأنه يلقاني فيسلم علي وإني أخاف أن أرد عليه فأحنث، فقال له الرجل: أنا أكفيكه، ثم إن الرجل زوج المرأة لقي الحالف فسلم عليه فرد عليه فخاف أن يكون قد حنث فذهب إلى ذلك الرجل الذي كان استعان به. فقال له: تعلم أن فلانا لقيني فسلم علي فرددت عليه، إني أخاف أن أكون قد حنثت، فقال له الرجل: لم يحنثك الله قد لقيته قبل أن يلقاك ويسلم عليك فذكرت له ما ذكرت لي فقال لي: إني كنت قد منعتها النفقة قبل ذلك وأنا مجمع على ألا أنفق عليها فيما أستقبل، قال مالك: وما يدريه أن هذا الرجل قد صدقه لعله قد كذبه، أحب إلي أن يعتق رقبة، فقال له السائل: لا والله ولكنه قد صدقه، فقال له مالك: من يضمن له ذلك أنت؟ أحب إلي أن يعتق رقبة لأنه لا يدري لعله قد كذبه والناس يهونون على الناس في مثل هذا من القول فأحب أن يعتق رقبة. قال محمد بن أحمد: استحب له أن يعتق رقبة لأنه لا يدري هل

стр. 1253

صدقه الرجل أو كذبه، فدل ذلك من قوله أنه لو استيقن أنه صدقه لم يكن لاستحبابه له العتق وجه، ففي ذلك من قوله. نظر؛ لأنه وإن صدق هو فيما أخبر به عن الرجل فقد يكون الذي أخبره قد كذب فيما أخبره به عن نفسه من أنه قد منع امرأته النفقة وأجمع على ألا ينفق عليها فيما يستقبل، فالاختيار له أن يعتق رقبة إلا أن يستيقن أن الرجل قد منع امرأته النفقة قبل أن رد ﵇، والذي يستيقن به ذلك شهادة رجلين عدلين بذلك. قال سحنون في كتاب ابنه في نحو هذه المسألة وفي أول رسم الأقضية الثالث من سماع أشهب من كتاب الشهادات في نحو هذه المسألة إنه لا يقبل في ذلك شهادة أربع نسوة، وهو دليل ما في رسم العرية من سماع عيسى بعد هذا من هذا الكتاب، ولو أخبره مخبر عدل قبل أن يكلمه أنه قد منع امرأته النفقة لجاز له أن يكلمه ولا يكون عليه شيء من طريق قبول خبر الواحد لا من طريق الشهادة، فاعرف الفرق في ذلك بين أن يكون الإخبار قبل أن يكلمه، أو بعد أن كلمه؛ لأنه قبل أن يكلمه بمعنى الإخبار وبعد أن كلمه بمعنى الشهادة وبالله التوفيق. [مسألة: قالت له زوجته إيذن لي فحلف ألا يأذن لها حتى يقدم فتأخر أيأذن لها] ومن كتاب الجنائز والذبائح والنذور مسألة قال أشهب: وسئل مالك عمن تجهز يريد العمرة حتى إذا حضر مسيره، قالت له امرأته: إيذن لي إلى المخارج التي كنت أخرجها، فحلف ألا يأذن لها حتى يقدم، فبلغه شدة الحر ومرض رقيق كان يريد المسير بهم فأراد المقام بهم حتى يبرد الزمان ويبرأ رقيقه أله أن يأذن لها؟ فقال: إن كان نوى ألا يأذن لها في غيبته لأنه لا واعظ لها ولا معاتب وخاف كثرة الخروج فهو أخف. قال محمد بن أحمد: يريد أنه إن نوى ذلك فهو أخف وله أن يأذن لها

стр. 1254

إن لم تخرج للعلة التي ذكر ولا يكون عليه شيء، وإن لم يكن نوى ذلك فليس له أن يأذن لها إلى مقدار ما كان يرجع إليه من عمرته لو خرج إليها ولم يعقه عن ذلك عائق، فإن أذن لها حنث، وفي سماع أصبغ من كتاب الأيمان بالطلاق في الذي يحلف بالطلاق ألا تدخل امرأته موضعا سماه حتى يقدم من سفر الحج كان أو غيره ثم يبدو له ألا يخرج إن اليمين عليه إلى مقدار رجعته من سفره ولا ينوى في ذلك، فالظاهر أن ذلك خلاف رواية أشهب لأنه لم ينوه، ونواه في رواية أشهب، وعلى الخلاف كان الشيوخ يحملون الروايتين. وليس ذلك بصحيح، والفرق بين المسألتين أن يمين الحالف في رواية أشهب خرجت على سؤال امرأته إياه أن يأذن لها في الخروج في غيبته إلى المخارج التي كانت تخرجها وكان بساط اليمين شاهدا لما ادعاه من أنه أراد ألا يأذن لها في غيبته فوجب أن يصدق في ذلك لا سيما وهو مستفت إذ لم يأذن لها بعد، وإنما سأل هل يحنث إذا أذن لها، ولعل يمينه أيضا مما لا يقضى به عليه، ورواية أصبغ خرجت يمين الحالف فيها ابتداء على غير سبب فلم يصدق فيما ادعى من النية إذ هي مخالفة لظاهر لفظه ولا دليل عليها من بساط ولا غيره، فوجب أن لا يصدق في ذلك لأن يمينه بالطلاق وهو مما يقضي به عليه ولم يأت مستفتيا، وأما لو كانت اليمين مما لا يقضى به عليه أو أتى مستفتيا لنوي على كل حال باتفاق وإن كانت النية التي يدعي مخالفة لظاهر لفظه وبالله التوفيق. [مسألة: اليمين والنذور في الغضب] مسألة وسألته عن اليمين والنذور في الغضب. فقال: تلزم صاحبها. قال محمد بن أحمد: لا اختلاف في المذهب في أن النذور واليمين بالطلاق لازمان في الغضب كما يلزم فيه جميع الحدود من القتل والقذف وغير ذلك إذ ليس الغاضب بمجنون فالقلم عنه غير مرفوع، وما روي من أن

стр. 1255

رسول الله ﷺ قال: «لا نذر في غضب وكفارته كفارة يمين» ليس بصحيح من جهة الإسناد ولا من جهة المتن أيضا؛ لأنه إن كان في حكم المجنون فلا ينبغي أن تلزمه كفارة، وإن كان في حكم الصحيح فينبغي أن يلزمه النذر الذي سماه بعينه إن لم تكن معصية، وقد تأول بعض من ذهب إلى أن من نذر معصية فكفارته كفارة يمين إلى أن معنى لا نذر في غضب أي في غضب الله يريد في معصيته، وهو تأويل بعيد، وما روي من أن رسول الله ﷺ قال: «لا طلاق ولا إعتاق في إغلاق» معناه عندنا في إكراه؛ لأن الإغلاق هو الإطباق من أغلقت الباب فكأن المكره قصر عن الفعل وأغلق عليه حتى فعله، وقول من قال: إن الإغلاق الغضب لا يصح؛ لأن الطلاق أكثر ما يكون في الغضب، وإلى ذلك نحا البخاري لأنه بوب باب الطلاق في الإغلاق والكره واستشهد بقوله، ﵇،: «إنما الأعمال بالنيات» وبقول ابن عباس: الطلاق عن وطر، والعتاق ما أريد به وجه الله تعالى. [مسألة: حلف في جارية له بمشي إلى بيت الله ألا يبيعها بثلاثمائة دينار] مسألة قال: وسألته عمن حلف في جارية له بمشي إلى بيت الله ألا يبيعها بثلاثمائة دينار حتى يزاد فباعها بثلاثمائة دينار فسأله ابن عم له بعد أن انتقد الثمن أن يهب له خمسة عشر دينارا بعد أن فرغا من البيع ولم يكن ذلك على شرط ولا موعد، فوهبها له فأعطاها ابن عمه المشتري، فخاف أن يكون قد حنث فقال مالك: والله إني لأخاف ذلك قد علم أنه إنما يعطيه إياها.

стр. 1256

قال محمد بن أحمد: وهذا كما قال لأن ما رد إليه من الثمن في المجلس فكأنه لم يبع به ولا قبضه فوجب أن يحنث؛ إذ لا فرق بين أن يردها هو عليه أو يعطيها لمن يعلم أنه يردها عليه وقد مضى بيان هذا في رسم حلف ليرفعن أمرا، ورسم أخذ يشرب خمرا من سماع ابن القاسم ولو لم يعلم أنه يعطيه إياها وظن أنه إنما استوهبه إياها لا ليردها عليه لما كان بذلك حنث ولا يصدق في ذلك إن كانت يمينه مما يقضى عليه به إلا أن يأتي مستفتيا لأن ظاهر الأمر خلاف ما يدعيه. [مسألة: يحلف ويستثني فيقول علمي] مسألة وسئل عن الحالف يحلف ويستثني فيقول علمي، فقال: ذلك له إن شاء الله ما أوجدها إن كان صادقا أن ذلك علمه. قال محمد بن أحمد: استثناء الرجل علمه إنما يتصور في الماضي فلا يوجب حكمه إلا فيما يكون فيه اللغو من الأيمان لأن من حلف بالله ما دخل فلان أمس الدار وذلك يقينه وعلمه، ثم انكشف أنه قد كان دخلها فلا شيء عليه لأن يمينه لغو. ولو قال: علي المشي إلى بيت الله ما دخل فلان أمس الدار وذلك يقينه وعلمه ثم انكشف له أنه قد كان دخلها وجب عليه المشي إلا أن يكون قد استثنى في يمينه فقال: علي المشي إلى بيت الله ما دخل فلان أمس الدار في علمي فينفعه عليه استثناؤه ولا يكون عليه مشي إن انكشف له أنه قد كان دخلها أمس، وقد وقعت من هذا مسألة في رسم الشجرة تطعم بطنين في السنة من سماع ابن القاسم من كتاب الأيمان بالطلاق وهذا من الاستثناء الذي يكون بغير حرف الاستثناء في شرط

стр. 1257

اتصاله بالكلام وتحريك اللسان وهو أن يقيد عموم لفظ يمينه بصفة لأن تقييد اللفظ العام بالصفة يخرج منه ما ليس على تلك الصفة فهو بمنزلة أن يستثنيه بإلا أو بسائر حروف الاستثناء، مثال ذلك أن يحلف فيقول: والله لأعطين أخوال فلان درهما درهما فإن لم يعمهم بالإعطاء حنث إلا أن يستثني بعضهم بتقييد صفة مثل أن يقول متصلا بيمينه قبل أن يسكت الصغار ويحرك بذلك لسانه فينفعه استثناؤه ولا يكون عليه أن يعطي الكبار، بمنزلة أن يقول متصلا بيمينه قبل أن يسكت إلا الكبار؛ لأن تقييد لفظ الأحوال بالصغار يخرج منهم الكبار وعلى هذا فقس ما شابهه من هذا النوع وبالله التوفيق. [مسألة: يحلف بالمشي إلى بيت الله ثلاثين حجة إن بات مع أمه] مسألة وسئل عمن يحلف بالمشي إلى بيت الله ثلاثين حجة إن بات مع أمه في قاعة الدار سنة، فقال: أحب إلي ألا يبيت معها في قاعة الدار سنة فما أقرب ذلك، قيل له: إن يبت معها في السطح من بيتها وإنما قال في قاعة الدار؟ قال: يسأل عما أراد. قال محمد بن أحمد: قوله: أحب إلي ألا يبيت معها في قاعة الدار سنة معناه أحب إلي أن لا يبيت معها في قاعة الدار سنة فيبر من أن يبيت معها فيها فيحنث ويجب عليه المشي فلا يمشي إذ لا يتعلق الاستحباب إلا في المشي إذا حنث، وقال في ذلك: أحب إلي وإن كان واجبا عنده إذ ليس بمتفق على وجوبه وقوله: يسأل عما أراد إن بات معها في سطح بيتها صحيح؛ إذ قد يريد التنحي عن المبيت معها ومجانبة ذلك وإنما قال في قاعة الدار لأن عادته كانت أن يبيت معها فيها فخرجت يمينه على ذلك من غير قصد إليه، وقد يريد ألا يبيت معها في قاعة الدار لمعنى أصابه فيها مما يختص بها من حر أو برد أو ما أشبه ذلك، فإن أراد مجانبة المبيت معها فهو حانث حيثما بات معها، وإن أراد ألا يبيت معها في قاعة الدار فلا شيء عليه إن بات معها بغير

стр. 1258

قاعتها، وإن لم تكن له نية فله أن يبيت معها في غير قاعة الدار؛ لأن الأيمان إذا عريت عن النيات وعما يدل عليها من بساط أو عرف تحمل على مقتضى ألفاظها. [مسألة: حلفت لزوج ابنتها لئن أنت لم تفعل إلى الليل لا أدخل لك بيتا سنة] مسألة قال: وسئل عن امرأة بعثت إلى زوج ابنتها أن ابعث إلي ابنتي، وحلفت لئن أنت لم تفعل إلى الليل لا أدخل لك بيتا سنة، فذهب الرسول ولم يجده فغاب حتى الليل ثم جاء فأخبر وقال: لم أعلم، ولو جاءني الرسول لم أمنعها فأطرق فيها ثم قال: ذهبت فوجدته قد مات، ذهب إلى السوق قد سافر قد ذهب إلى العقيق، كنت أرى في مثل هذا أن تدين، يقول: لم أرد أن أجده قد مات إنما أردت التغليظ عليه لئلا يمنعني، ولم أرد أن أجده قد سافر وغاب، ومثل ذلك أن يرسل الرجل إلى أخ له إن لم تأتني الآن فعلي كذا وكذا، فيجده الرسول قد مات أو غاب أو سجن. قال محمد بن رشد: إذا كانت نيتها ذلك فهو بين أن لا شيء عليها، وإن لم تكن لها نية فيمينها محمولة على ذلك أيضا؛ لأنه المعنى المفهوم من قصدها بيمينها فلا شيء عليها إلا أن تكون أرادت ألا تدخل له بيتا إن لم يرسل إليها ابنتها ذلك اليوم إلى الليل وصل إليه رسولها بذلك أو لم يصل وجد أو لم يوجد وبالله التوفيق. [مسألة: حلف على رجل إن أدخلت فلانا بيتك لا أدخل لك بيتا سنة] مسألة قال مالك: وسئل عن رجل حلف على رجل إن أدخلت فلانا

стр. 1259

بيتك لا أدخل لك بيتا سنة وحلف بالحرية، ثم إن الحالف أراد أن يدخل الرجل منزله الذي كان حلف عليه ألا يدخله، وأبى الذي حلف عليه أن يدخله، فقال: إذا أدخله رأيته قد حنث إلا أن يكون استثنى إلا برضاي، فإن أدخله ولم يكن استثنى إلا برضاي فقد حنث. قال محمد بن رشد: هذا بين أنه يحنث إن أدخله المحلوف عليه برضى الحالف لأنه أبهم يمينه فعمت رضاه وسخطه، فوجب أن يحنث إن أدخله برضاه إلا أن يكون استثنى فقال: إلا برضاي متصلا يمينه محركا بذلك لسانه على المشهور في المذهب، أو يكون كان أراد أن أدخله بيته بغير رضاه ونوى ذلك بنية عقد عليها يمينه، فينفعه ذلك وتكون له نيته ولا يحنث أيضا إن أدخله برضاه وبالله التوفيق. [مسألة: قال لامرأته أعاهد الله عهدا لا أخيس به ألا تدخلي بيت أمك] مسألة وسئل عن رجل قال لامرأته: أعاهد الله عهدا لا أخيس به ألا تدخلي بيت أمك أو أهلك ثم أراد أن يأذن لها بذلك، فقال: يكفر كفارة يمين يطعم عشرة مساكين ويزيد أحب إلي على ذلك يتقرب إلى الله تعالى، «وقال أبو لبابة حين أصاب الذنب لرسول الله: " أجاورك وأنخلع من مالي صدقة إلى الله ورسوله "، فقال له رسول الله ﷺ : " يجزيك من ذلك الثلث» . وقال تعالى: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٢] الآية. وقال على إثر هذا: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣] .

стр. 1260

قال محمد بن أحمد: قول الرجل أعاهد الله ألا أفعل كذا يمين كفارتها كفارة اليمين، له أن يحنث ويكفر إن شاء، كقوله: علي عهد الله لا أفعل كذا سواء عند مالك، ولم ير ما زاده في اليمين بالعهد من قوله عهدا مما لا أخيس به مما يخرج به اليمين عن حكم اليمين إلى حكم العهد الذي يخرج مخرج المعاقدة والمعاهدة فلا يكون له مخرج إلا الوفاء به، ويكون أعظم من أن يكون فيه كفارة وأن يأذن لها ويكفر كفارة يمين، واستحب أن يزيد على ذلك تقربا لله لحلفه على منع أهله من دخول بيت أمها وأهلها لما في ذلك من قطع ما أمر الله بوصله من صلة الرحم حيث يقول: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ﴾ [النساء: ١] يريد أن تقطعوها على ما جاء في تفسير الآية، فرأى ذلك ذنبا، واستحب له الصدقة من أجله لما جاء فيها من أنها تكفر الذنوب، واستدل على استحباب الصدقة لها زيادة على الكفارة بما ذكره من حديث أبي لبابة حين أصاب الذنب إلى سائر ما ذكره في الرواية، ومما وكد الإثم عليه عنده في حلفه على امرأته ألا تدخل بيت أمها وأهلها استلحاحه على منعها من ذلك أبدا بقوله عهدا لا أخيس عليه به لأن معنى لا أخيس به لا أرجع فيه بأن آذن لها وأكفر على ما ندب إليه رسول الله ﷺ : «من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليفعل الذي هو خير وليكفر عن يمينه» ، ومما يدل على أنه أثم في يمينه ما روي من أن رسول الله ﷺ قال: «من استلحح على امرأته فهو أعظم إثما» يريد من غيره من الحالفين على ما سوى ذلك والله أعلم، وقد روى ابن أبي جعفر عن ابن القاسم في هذا رواية شاذة خارجة عن الأصول. قال: سئل ابن القاسم عمن قال علي عهد الله عهدا لا أخيس به إن أذنت لامرأتي، قال: ليس في هذا كفارة، قيل له: هذا أعظم لأنه قال: لا أخيس

стр. 1261

به قال برأسه نعم. وإنما قلنا فيها: إنها خارجة عن الأصول لأنه يلزم على قوله فيها أن هذه اليمين أعظم من أن تكون فيها كفارة إلا أن للحالف بها أن يحنث نفسه فيها بالإذن لامرأته، وذلك باطل لا سيما إن كان حلف ألا يأذن لها فيما يلزمه الإذن لها فيه، ويكون في الإصرار على الامتناع من ذلك عاصيا أو قاطعا الرحم. وقد روي أن رسول الله ﷺ قال: «من حلف على قطيعة رحم أو معصية فحنث فذلك كفارة» ، يريد والله أعلم كفارة من الذنب، وعليه كفارة يمين، وإنما العهد الذي يكون أعظم من أن يكون فيه كفارة ما خرج مخرج المعاهدة على ما يسأل الرجل إياه فيقول لك: عهد الله أن أفعل لك ما سألتني إياه، فهذا الذي لا يحل إلا الوفاء بما عاهد الله لصاحبه عليه، وهذا بين كله، والحمد لله. [مسألة: حلف أحدهما بمشي إلى بيت الله إن بنى معه في منزله لبنة على لبنة] مسألة قال: وسئل عن رجلين كان بينهما منزل فوقع فيه شيء فحلف أحدهما بمشي إلى بيت الله إن بنى معه فيه لبنة على لبنة، أترى من ذلك إن بنى الجدار بينهما في القسم. فقال ذلك إلى نيته إن كان أراد إلا جدار القسم فذلك له وإن لم يكن أراد شيئا فهذا بنيان ويخرجه من يمينه أن يمشي إلى بيت الله. قال أشهب: لا يجوز ذلك إلا أن يكون تكلم بلسانه في استثنائه. قال محمد بن رشد: قول أشهب إن الاستثناء بإلا لا بد فيه من تحريك اللسان هو المشهور في المذهب، وكذلك سائر حروف الاستثناء،

стр. 1262

وقد مضى ذلك في رسم شك في طوافه من سماع ابن القاسم، وأما الاستثناء، بإن وبإلا أن، فحكى ابن المواز أنه لا بد من تحريك اللسان فيه باتفاق، وقد مضى القول في ذلك في رسم أخذ يشرب خمرا من سماع ابن القاسم أيضا، وإن دعا المحلوف عليه الحالف إلى أن يبني معه جدارا بينهما لم يلزمه ذلك إلا أن يشترطاه في قسمتهما، ويقال له: استر على نفسك في حظك، وإن اشترطاه لزمهما، وأخذ من حظ كل واحد منهما نصف بنائه، وكانت النفقة بينهما بنصفين إلى أن يبلغ حد السترة إن لم يشترطا في ذلك حدا، وسواء كانت أنصباؤهما متفقة أو مختلفة، ولا يدخل في هذا الاختلاف الذي في أجرة القسام أن كانت تكون على قدر الانصباء أو على عدد الرؤوس. [مسألة: جعل على نفسه طعام مساكين فأراد أن يطعم كل مسكين خمس ثمرات] مسألة وسئل عمن جعل على نفسه طعام مساكين، فأراد أن يطعم كل مسكين خمس ثمرات. فقال: ما هذا وجه إطعام المساكين إلا أن يكون نوى ذلك فأرى ذلك له وإن لم يكن نوى شيئا فأرى أن يطعم كل مسكين مدا بالمد الأصغر. قال : ﴿إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ [المائدة: ٨٩] وليس فيه تسمية كم يطعم كل مسكين؟ فكان هذا لكل مسكين فأرى أن يطعم كل مسكين مدا بالمد الأصغر. قال محمد بن رشد: وهذا كما قال: إنه لا ينبغي أن يبر بإطعام خمس ثمرات لكل مسكين إذ ليس وجه ما حلف عليه إلا ما يرد جوعه إن كان جائعا، فلا يبر بأقل مما يعينه على الغداء أو العشاء، وليس قياس ما يبر فيه في اليمين على كفارة اليمين بواجب عند مالك، وإنما ذلك استحسان منه،

стр. 1263

والله أعلم لأن الله تعالى قد وصف قدر الإطعام فيها بقوله: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] فلذلك كان مدا لكل مسكين، ألا ترى أن ما كان من الإطعام لم يوصف قدره في القرآن لم يجز فيه مد واحد كفدية الأداء فوجب أن يقاس ما يبر به في اليمين على ما في القرآن لكان الأولى أن يقاس على فدية الأداء التي سماها الله في القرآن صدقة، ولم يصف قدرها فيه فلا يبر بأقل من مدين لكل مسكين، فالصحيح أنه إذا لم يكن للحالف نية أن يبر بما يرد به جوع المسكين غداء أو عشاء كما قلناه؛ لأنه أقل ما يقع به الانتفاع للآكل، وسيأتي في سماع سحنون ما يبر به من حلف بصدقة ولم تكن له نية، وهو يبين ما ذهبنا إليه إذ لم يرد ذلك إلى ما في القرآن، وبالله التوفيق. [مسألة: الحلف على ما لا يملك] مسألة وكان ابن مسعود يشير إلى الشيء فيقول: ما أحب أن أقسم لا لمحمد هذا لأن البلاء موكل بالقول. قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن القلوب بيد الله هو مالكها ومقلبها، وقد «كان رسول الله ﷺ كثيرا ما يحلف لا ومقلب القلوب» فالحالف على ذلك حالف على ما لا يملك متجرئ على الله في يمينه على ما يملك دونه فلا يأمن بأن يعاقبه الله بأن يريه عجزه عما حلف مما لا يملكه. [مسألة: حكم الحلف بالله] مسألة وكان عيسى ابن مريم يقول: يا بني إسرائيل إن موسى كان ينهاكم أن تحلفوا بالله إلا وأنتم صادقون، ألا وإني أنهاكم أن تحلفوا بالله كاذبين أو صادقين.

стр. 1264

قال محمد بن أحمد: ظاهر قول عيسى ابن مريم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ أن شرعه مخالف لشرع موسى، ﵇، قبله في إباحة الحلف بالله على الصدق ومخالف لشرعنا أيضا لأن الله تعالى أمر نبيه، ﵇ بالحلف باسمه تعالى في غير ما آية من كتابه، فقال: ﴿قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ [يونس: ٥٣] ، وقال: ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ [سبأ: ٣] ، وقال: ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ [التغابن: ٧] . «وكان رسول الله ﷺ كثيرا ما يحلف: لا والذي نفسي بيده» ، «ولا ومقلب القلوب» ، ولا وجه لكراهة ذلك لأن القصد إلى الحلف بالشيء تعظيم له، فلا شك أن في ذكر الله تعالى على وجه التعظيم له أجر عظيم، ويحتمل أن يكون عيسى ابن مريم، ﵇، إنما كره لهم اليمين بالله صادقين مخافة أن يكثر فيهم فيكون ذريعة إلى حلفهم بالله على ما لم يقولوه يقينا أو يواقعوا الحنث كثيرا ويقصروا في الكفارة فيواقعوا الإثم من أجل ذلك لا من أجل اليمين، وبالله التوفيق. [مسألة: نذرت لتسيرن إلى مسجد الرسول فماتت قبل أن تقضي ذلك] مسألة وسئل عن امرأة نذرت لتسيرن إلى مسجد الرسول فماتت قبل أن تقضي ذلك هل يقضي ذلك عنها أحد؟ قال: لا يصلي أحد عن أحد، قيل له: ما ترى؟ قال: ما مسيرة ذلك إلى المدينة؟ قال: خمس ليال، قال: فأرى أن تتصدقوا عنها وما زادوا في الصدقة فهو خير، قالوا له: فكم؟ فقال: إني أريد أن أقدر كراها وزادها مقبلة ومدبرة، ولقدومها مثله فيتصدق بذلك عنها. قال محمد بن أحمد: ولا يلزم ورثها ذلك إلا أن توصي بذلك، أو بأن يقضى عنها الواجب عليها في نذرها، وكذلك لو كان نذرها بالمشي إلى مكة

стр. 1265

فأوصت أن يقضى عنها الواجب عليها في ذلك، لوجب أن يخرج عنها من ثلث ما لها قدر الكراء والنفقة إلى مكة لا غير ذلك، يجعل في هدايا؛ لأن الهدايا لمكة أفضل من الصدقة، قاله في سماع سحنون من كتاب الحج، وقد مضى في رسم حلف ليرفعن أمرا من سماع ابن القاسم منه القول فيما إذا أوصت أن يمشي عنها فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق. [مسألة: حلف وهو بالريف ألا يكلمه حتى يرجع من مكة فرجع فلقيه بالفسطاط] من سماع عيسى من ابن القاسم من كتاب نقدها نقدها مسألة قال عيسى: وقال ابن القاسم في أخوين يسكنان الريف فأراد أحدهما الخروج إلى مكة فحلف الآخر وهما بالريف ألا يكلمه حتى يرجع من مكة، فرجع فلقيه هاهنا بالفسطاط فأراد أن يكلمه، قال: لا يكلمه حتى يرجع إلى الريف، وقال: أرأيت لو لقيه بالجحفة أكان يكلمه؟ . قال محمد بن أحمد: في كتاب ابن المواز: إن كلمه بالفسطاط فلا شيء عليه إلا أن يكون نوى موضعه، وقول ابن القاسم هو الذي يوجبه النظر والقياس؛ لأن مقتضى يمينه ألا يكلمه حتى يرجع إلى المكان الذي كان معه فيه حين حلف، وما في كتاب محمد بن المواز استحسان يقرب ما بين الموضعين كنحو ما في سماع أبي زيد في الذي يقول: إن قضى الله عني مائة دينار فعلي صيام ثلاثة أشهر، فقضاها الله عنه إلا دينارا ونصفا فصام الثلاثة الأشهر، ثم قضى الله عنه الدينار والنصف أن صيامه يجزيه على ضعف، ولو حلف وهو معه بمكة ألا يكلمه حتى يرجع من حجه فكلمه بعد رجوعه من مكة بالطريق قبل أن يصل إلى بلده ولا نية له يجزي في ذلك على
следующие страницы →