← Фикх малики

Фикх малики · id 21751

البيان والتحصيل

ابن رشد الجد

Полный текст (9 112 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

به قال برأسه نعم. وإنما قلنا فيها: إنها خارجة عن الأصول لأنه يلزم على قوله فيها أن هذه اليمين أعظم من أن تكون فيها كفارة إلا أن للحالف بها أن يحنث نفسه فيها بالإذن لامرأته، وذلك باطل لا سيما إن كان حلف ألا يأذن لها فيما يلزمه الإذن لها فيه، ويكون في الإصرار على الامتناع من ذلك عاصيا أو قاطعا الرحم. وقد روي أن رسول الله ﷺ قال: «من حلف على قطيعة رحم أو معصية فحنث فذلك كفارة» ، يريد والله أعلم كفارة من الذنب، وعليه كفارة يمين، وإنما العهد الذي يكون أعظم من أن يكون فيه كفارة ما خرج مخرج المعاهدة على ما يسأل الرجل إياه فيقول لك: عهد الله أن أفعل لك ما سألتني إياه، فهذا الذي لا يحل إلا الوفاء بما عاهد الله لصاحبه عليه، وهذا بين كله، والحمد لله. [مسألة: حلف أحدهما بمشي إلى بيت الله إن بنى معه في منزله لبنة على لبنة] مسألة قال: وسئل عن رجلين كان بينهما منزل فوقع فيه شيء فحلف أحدهما بمشي إلى بيت الله إن بنى معه فيه لبنة على لبنة، أترى من ذلك إن بنى الجدار بينهما في القسم. فقال ذلك إلى نيته إن كان أراد إلا جدار القسم فذلك له وإن لم يكن أراد شيئا فهذا بنيان ويخرجه من يمينه أن يمشي إلى بيت الله. قال أشهب: لا يجوز ذلك إلا أن يكون تكلم بلسانه في استثنائه. قال محمد بن رشد: قول أشهب إن الاستثناء بإلا لا بد فيه من تحريك اللسان هو المشهور في المذهب، وكذلك سائر حروف الاستثناء،

стр. 1262

وقد مضى ذلك في رسم شك في طوافه من سماع ابن القاسم، وأما الاستثناء، بإن وبإلا أن، فحكى ابن المواز أنه لا بد من تحريك اللسان فيه باتفاق، وقد مضى القول في ذلك في رسم أخذ يشرب خمرا من سماع ابن القاسم أيضا، وإن دعا المحلوف عليه الحالف إلى أن يبني معه جدارا بينهما لم يلزمه ذلك إلا أن يشترطاه في قسمتهما، ويقال له: استر على نفسك في حظك، وإن اشترطاه لزمهما، وأخذ من حظ كل واحد منهما نصف بنائه، وكانت النفقة بينهما بنصفين إلى أن يبلغ حد السترة إن لم يشترطا في ذلك حدا، وسواء كانت أنصباؤهما متفقة أو مختلفة، ولا يدخل في هذا الاختلاف الذي في أجرة القسام أن كانت تكون على قدر الانصباء أو على عدد الرؤوس. [مسألة: جعل على نفسه طعام مساكين فأراد أن يطعم كل مسكين خمس ثمرات] مسألة وسئل عمن جعل على نفسه طعام مساكين، فأراد أن يطعم كل مسكين خمس ثمرات. فقال: ما هذا وجه إطعام المساكين إلا أن يكون نوى ذلك فأرى ذلك له وإن لم يكن نوى شيئا فأرى أن يطعم كل مسكين مدا بالمد الأصغر. قال : ﴿إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ [المائدة: ٨٩] وليس فيه تسمية كم يطعم كل مسكين؟ فكان هذا لكل مسكين فأرى أن يطعم كل مسكين مدا بالمد الأصغر. قال محمد بن رشد: وهذا كما قال: إنه لا ينبغي أن يبر بإطعام خمس ثمرات لكل مسكين إذ ليس وجه ما حلف عليه إلا ما يرد جوعه إن كان جائعا، فلا يبر بأقل مما يعينه على الغداء أو العشاء، وليس قياس ما يبر فيه في اليمين على كفارة اليمين بواجب عند مالك، وإنما ذلك استحسان منه،

стр. 1263

والله أعلم لأن الله تعالى قد وصف قدر الإطعام فيها بقوله: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] فلذلك كان مدا لكل مسكين، ألا ترى أن ما كان من الإطعام لم يوصف قدره في القرآن لم يجز فيه مد واحد كفدية الأداء فوجب أن يقاس ما يبر به في اليمين على ما في القرآن لكان الأولى أن يقاس على فدية الأداء التي سماها الله في القرآن صدقة، ولم يصف قدرها فيه فلا يبر بأقل من مدين لكل مسكين، فالصحيح أنه إذا لم يكن للحالف نية أن يبر بما يرد به جوع المسكين غداء أو عشاء كما قلناه؛ لأنه أقل ما يقع به الانتفاع للآكل، وسيأتي في سماع سحنون ما يبر به من حلف بصدقة ولم تكن له نية، وهو يبين ما ذهبنا إليه إذ لم يرد ذلك إلى ما في القرآن، وبالله التوفيق. [مسألة: الحلف على ما لا يملك] مسألة وكان ابن مسعود يشير إلى الشيء فيقول: ما أحب أن أقسم لا لمحمد هذا لأن البلاء موكل بالقول. قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن القلوب بيد الله هو مالكها ومقلبها، وقد «كان رسول الله ﷺ كثيرا ما يحلف لا ومقلب القلوب» فالحالف على ذلك حالف على ما لا يملك متجرئ على الله في يمينه على ما يملك دونه فلا يأمن بأن يعاقبه الله بأن يريه عجزه عما حلف مما لا يملكه. [مسألة: حكم الحلف بالله] مسألة وكان عيسى ابن مريم يقول: يا بني إسرائيل إن موسى كان ينهاكم أن تحلفوا بالله إلا وأنتم صادقون، ألا وإني أنهاكم أن تحلفوا بالله كاذبين أو صادقين.

стр. 1264

قال محمد بن أحمد: ظاهر قول عيسى ابن مريم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ أن شرعه مخالف لشرع موسى، ﵇، قبله في إباحة الحلف بالله على الصدق ومخالف لشرعنا أيضا لأن الله تعالى أمر نبيه، ﵇ بالحلف باسمه تعالى في غير ما آية من كتابه، فقال: ﴿قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ [يونس: ٥٣] ، وقال: ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ [سبأ: ٣] ، وقال: ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ [التغابن: ٧] . «وكان رسول الله ﷺ كثيرا ما يحلف: لا والذي نفسي بيده» ، «ولا ومقلب القلوب» ، ولا وجه لكراهة ذلك لأن القصد إلى الحلف بالشيء تعظيم له، فلا شك أن في ذكر الله تعالى على وجه التعظيم له أجر عظيم، ويحتمل أن يكون عيسى ابن مريم، ﵇، إنما كره لهم اليمين بالله صادقين مخافة أن يكثر فيهم فيكون ذريعة إلى حلفهم بالله على ما لم يقولوه يقينا أو يواقعوا الحنث كثيرا ويقصروا في الكفارة فيواقعوا الإثم من أجل ذلك لا من أجل اليمين، وبالله التوفيق. [مسألة: نذرت لتسيرن إلى مسجد الرسول فماتت قبل أن تقضي ذلك] مسألة وسئل عن امرأة نذرت لتسيرن إلى مسجد الرسول فماتت قبل أن تقضي ذلك هل يقضي ذلك عنها أحد؟ قال: لا يصلي أحد عن أحد، قيل له: ما ترى؟ قال: ما مسيرة ذلك إلى المدينة؟ قال: خمس ليال، قال: فأرى أن تتصدقوا عنها وما زادوا في الصدقة فهو خير، قالوا له: فكم؟ فقال: إني أريد أن أقدر كراها وزادها مقبلة ومدبرة، ولقدومها مثله فيتصدق بذلك عنها. قال محمد بن أحمد: ولا يلزم ورثها ذلك إلا أن توصي بذلك، أو بأن يقضى عنها الواجب عليها في نذرها، وكذلك لو كان نذرها بالمشي إلى مكة

стр. 1265

فأوصت أن يقضى عنها الواجب عليها في ذلك، لوجب أن يخرج عنها من ثلث ما لها قدر الكراء والنفقة إلى مكة لا غير ذلك، يجعل في هدايا؛ لأن الهدايا لمكة أفضل من الصدقة، قاله في سماع سحنون من كتاب الحج، وقد مضى في رسم حلف ليرفعن أمرا من سماع ابن القاسم منه القول فيما إذا أوصت أن يمشي عنها فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق. [مسألة: حلف وهو بالريف ألا يكلمه حتى يرجع من مكة فرجع فلقيه بالفسطاط] من سماع عيسى من ابن القاسم من كتاب نقدها نقدها مسألة قال عيسى: وقال ابن القاسم في أخوين يسكنان الريف فأراد أحدهما الخروج إلى مكة فحلف الآخر وهما بالريف ألا يكلمه حتى يرجع من مكة، فرجع فلقيه هاهنا بالفسطاط فأراد أن يكلمه، قال: لا يكلمه حتى يرجع إلى الريف، وقال: أرأيت لو لقيه بالجحفة أكان يكلمه؟ . قال محمد بن أحمد: في كتاب ابن المواز: إن كلمه بالفسطاط فلا شيء عليه إلا أن يكون نوى موضعه، وقول ابن القاسم هو الذي يوجبه النظر والقياس؛ لأن مقتضى يمينه ألا يكلمه حتى يرجع إلى المكان الذي كان معه فيه حين حلف، وما في كتاب محمد بن المواز استحسان يقرب ما بين الموضعين كنحو ما في سماع أبي زيد في الذي يقول: إن قضى الله عني مائة دينار فعلي صيام ثلاثة أشهر، فقضاها الله عنه إلا دينارا ونصفا فصام الثلاثة الأشهر، ثم قضى الله عنه الدينار والنصف أن صيامه يجزيه على ضعف، ولو حلف وهو معه بمكة ألا يكلمه حتى يرجع من حجه فكلمه بعد رجوعه من مكة بالطريق قبل أن يصل إلى بلده ولا نية له يجزي في ذلك على

стр. 1266

الاختلاف في المتمتع لا يجد الهدي فيصوم السبعة الأيام التي قال الله فيها: ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦] في الطريق قبل أن يصل إلى بلده، وقد ذكرنا ذلك في رسم شك في طوافه من سماع ابن القاسم من كتاب الحج. [مسألة: رجل قال مالي هدي] مسألة وقال في رجل قال: مالي هدي، قال: يهدي ثلثه وتكون النفقة عليه وكل شيء حتى يبلغه من غير الثلث، وذلك أني سمعت مالكا، وسئل عن الذي يجب عليه صدقة ماله وهو بموضع ليس فيه مساكين، فقال: يحمله إلى المساكين ويكري من عنده حتى يبلغه، فمسألتك مثل هذه، وقال: من قال: إبلي هدي قال: يكون عليه أن يبلغها ولا يبيع منها شيئا. قال محمد بن رشد: قوله في الذي قال مالي هدي إن النفقة على الثلث الذي يلزمه إهداؤه منه يكون من غير الثلث صحيح في القياس والنظر، ولا إذ لو سمى الثلث فقال: ثلث مالي هدي لوجب عليه أن يهدي جميع ثلث ماله ينفق عليه من غيره؛ لأنه أوجبه هديا، والهدي لا يكون إلا بالغ الكعبة كما قال تعالى، فكذلك إذا لم يسم الثلث وقال: جميع مالي، وأما إذا قال: عبدي هذا أو إبلي هدي فالأمر في أنه يجب عليه أن يبلغها ولا يبيع منها شيئا واضح بين لا إشكال فيه، وقال في الذي يجب عليه صدقة ماله وهو في موضع ليس فيه مساكين أنه يحمله إلى المساكين ويكري عليه من عنده حتى يبلغه، ولم يبين إن كانت صدقة أوجبها على نفسه مثل أن يقول: لله علي أن أتصدق بهذا الطعام أو صدقة زكاة ماله، فأما إن كانت صدقة أوجبها على نفسه فبين أن عليه أن يوصلها إلى المساكين من ماله؛ لأن ذلك مقتضى

стр. 1267

نذره، كمن قال: إبلي هدي أن عليه أن يوصلها إلى الكعبة، وأما إن كانت صدقة زكاة ماله فلا يلزمه ذلك، وإنما يؤمر به استحبابا لأن الله قال: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣] فالواجب أن تؤخذ منهم الزكاة في مواضعهم ولا يكلفون حملها، فإذا لم يأخذها منهم الإمام ولا بعث فيها إليهم جاز لهم من الكراء عليها منها ما يجوز للإمام، وقد مضى في رسم العشور من سماع عيسى من كتاب زكاة الحبوب ما فيه بيان هذا. [مسألة: قال لرجل امرأته طالق إن كلمه إلى الصدر] مسألة قال: وسئل عن رجل قال لرجل امرأته طالق إن كلمه إلى الصدر أي الصدرين فكلمه، قال: آخر الصدرين، فإن كلمه في الصدر الأول فلا شيء عليه، الصدر الأول لمن تعجل في يومين، قيل له: فإن قال: إن لم أكلم فلانا في الصدر فامرأته طالق. قال: يكلمه في الصدر الأول، فإن لم يفعل حتى الصدر الآخر فلا شيء عليه. قال محمد بن أحمد: ساوى بين الصدرين في وجوب البر والحنث لأن الله خير بينهما فجعلهما بمنزلة سواء، وفرق بينهما فيما يأمره به من البر والحنث ابتداء لأن ذلك أنزه لنفسه وأبلغ في علم البراءة من يمينه، والله أعلم. [مسألة: حلف ألا يأكل طعام رجل فتسلف منه قمحا فأكله] مسألة وعن رجل حلف ألا يأكل طعام رجل فتسلف منه قمحا فأكله، قال: أرى أن ينوى، فإن كان أراد وجه ما يمن به عليه يهبه له

стр. 1268

أو يصله به ولم يرد وجه أن يبتاع أو يتسلف فلا شيء عليه، وإن لم تحضره نية في الابتياع والسلف فهو حانث. قال محمد بن رشد: قوله: إن لم تكن له نية في الابتياع والسلف فهو حانث في السلف يدل أنه حانث أيضا في البيع عنده إن لم تكن له نية فيه، وذلك بين إذ لا فرق بين البيع والسلف في انتقال الملك إليه بكل واحد منهما، فإذا لم تكن له نية أصلا وجب أن يحنث بكل واحد منها، كما لو كانت يمينه لرداءة مكسبه وأما إذا كانت يمينه لمنة عليه فلا حنث عليه في الاشتراء إذا لم يحابه، ويحنث في السلف. وقال يحيى بن عمر: أخاف عليه فيه، وحنثه به بين، ألا أن تكون يمينه خرجت منه على منة مما سواه من الهبة والصدقة وإطعام الطعام، وبالله التوفيق. [مسألة: حلف لرجل ليقضينه حقه إلى أجل إلا أن يؤخره رسوله] مسألة وقال ابن القاسم في رجل حلف لرجل ليقضينه حقه إلى أجل إلا أن يؤخره رسوله أو يؤخره، فلما حل الأجل أبى صاحب الحق أن يؤخره فأخره رسوله، قال: إذا أخره رسوله فلا حنث عليه. قال محمد بن رشد: حكى يحيى أن أبا زيد روى عن ابن القاسم أنه لا يجوز تأخير رسوله إذا أبى صاحب الحق أن يؤخره. قال يحيى في الرواية الأولى على أن الحالف ينتفع بتأخير الرسول في ألا يجب عليه الحنث إذا لم يقضه حتى حل الأجل، ولم يقل إن تأخيره إياه يلزم صاحب الحق إذا أبى أن يؤخره إذ لا يصح أن يقال ذلك؛ لأنه معروف يصنعه في مال صاحب المال وهو كاره له، وتكلم في الرواية الثانية على أن تأخيره إياه لا يجوز عليه

стр. 1269

ولا يلزمه، ولم يقل إن الحالف يحنث إذا لم يقضه حتى حل الأجل إذا كان قد أخره؛ إذ يبعد أن يقال ذلك؛ لأنه قد استثنى في يمينه تأخير رسوله، ولم يشترط أن يكون ذلك برضاه، فهو يحمل على عمومه إلا أن يقر على نفسه أنه أراد أن يؤخره رسوله برضاه فيلزمه ذلك ويحنث إن لم يقضه حتى حل الأجل إلا أن يؤخره هو أو رسوله برضاه وهذا بين، والله أعلم. [مسألة: حلف الإنسان في الشيء الواحد يردد فيه الأيمان يمينا بعد يمين] ومن كتاب العرية مسألة قال سفيان بن عيينة التوكيد والله، ثم والله ثم والله. قال محمد بن أحمد: هذا قول مالك وجميع أصحابه إن التوكيد حلف الإنسان في الشيء الواحد يردد فيه الأيمان يمينا بعد يمين، وكفارته كفارة واحدة مثل كفارة اليمين، وما روى مالك عن ابن عمر في الموطأ من أنه كان يقول من حلف بيمين يؤكدها ثم حنث فعليه عتق رقبة أو كسوة عشرة مساكين، ومن حلف بيمين فلم يؤكدها ثم حنث فعليه لكل مسكين مد من حنطة، وهو استحسان منه دون إيجاب، بدليل قوله فيه إنه يكفر عن يمينه بإطعام عشرة مساكين مد من حنطة لكل مسكين، وكان يعتق إذا وكد اليمين ولا اختلاف في ذلك؛ لأن الله خير الحالف في تكفير يمينه بين الإطعام والكسوة والعتق ولم يخص تأكيدا من غيره وقوله : ﴿وَلا تَنْقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل: ٩١] معناه في المعاهدة في الواجب، يقول أوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا عهدكم بعد تأكيدها ﴿وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلا﴾ [النحل: ٩١] بما التزمتم من دينه والسمع والطاعة لنبيه، ﵇.

стр. 1270

[مسألة: قال كل شيء له حر إن وضعت ابنته عن زوجها شيئا من مهرها] مسألة وقال في رجل استأذنته ابنته في أن تضع عن زوجها مهرها، فقال لها: كل شيء له حر وامرأته طالق وماله صدقة وعليه المشي إلى بيت الله إن وضعته عنه إن حضرت لك فرحا أو حزنا، فقالت له: والله لقد تصدقت به عليه منذ سنين، وشهد أربع نسوة على الصدقة بذلك عليه منذ سنتين، قال: ما أرى عليه حنثا إلا أن يكون أراد إن كانت وضعت ذلك عنه، وإن كان لم يرد إلا فيما يستقبل فما أرى عليه شيئا إذا استيقن أنها وضعت ذلك عنه قبل يمينه. قال محمد بن أحمد: وإن لم تكن له نية في مضي أو استقبال فلا حنث عليه لأن يمينه على الاستقبال الذي حلف عليه حتى يريد غيره، ومثله في رسم سلف من سماع عيسى من كتاب العتق، وقوله في آخر المسألة فما أرى عليه شيئا إذا استيقن أنها وضعت ذلك قبل يمينه وهو قد قال: إن الصدقة قد شهد عليها أربع نسوة منذ سنتين يدل على أن الاستقبال في ذلك لا يكون بشهادة النساء. وقد حكى محمد بن سحنون أن هذه الرواية ذكرت لأبيه فسر بها، وقال: لا يستيقن ذلك بالنساء ولكن بشاهدي عدل، وقد مضى هذا المعنى في رسم الأقضية من سماع أشهب، والله تعالى هو الموفق. [مسألة: هل يكسى الصغار أو يطعمون من الكفارات] ومن كتاب أوصى لمكاتبه مسألة قال: وسألته هل يكسى الصغار أو يطعمون من الكفارات، قال مالك: نعم يكسون ويطعمون في الكفارات، ولكن إنما

стр. 1271

يطعمون ويكسون مثل ما يطعم الكبار ومثل ما يكسون، إن أطعمهم أعطاهم من الطعام مثل ما يعطي الكبار، وإن كان إنما يصنع لهم طعاما يغذيهم ويعشيهم فلا يجوز له أن يغذي ويعشي إلا الكبار، قلت له: فإن غذى وعشى هل له أن يعطي الصغار من الخبز واللحم وما يطعمهم مثل ما يطعمهم بقدر ما يأكل كل رجل منهم كبير فيعطي الصغير قدره، قال: نعم، وأما الكسوة فإنه إن كسا الصبيان الصغار فإنه لا يجوز له أن يعطيهم أقمصة صغارا ولكن يعطي كل صغير منهم قميصا كبيرا مثل ما يعطي الكبير، فإن كسا الجواري الصغار كسا كل واحدة منهن درعا وخمارا كبيرا، مثل كسوة الكبيرة، والكفارة واحدة لا ينقص منها للصغير ولا يزاد فيها للكبير. قال محمد بن أحمد: قوله إن أطعم الصغار أعطاهم من الخبز واللحم قدر ما يأكل الكبار معناه إذا كانوا قد بلغوا أن يأكلوا الطعام، قاله ابن القاسم عن مالك في كتاب الظهار من المدونة، وابن المواز أيضا، وليس إطعامهم اللحم بواجب، ويجزئ ما دونه من أدم البيت، وقوله إن كسا الصغار فإنه لا يجوز له أن يكسوهم أقمصة صغارا هو نحو قول محمد بن المواز من رأيه، خلاف ما حكي عن ابن القاسم من أنه لم يكن يعجبه كسوة الأصاغر بحال، وكان يقول: من أمر بالصلاة منهم فله أن يكسوه قميصا مما يجزئه، ومعنى ذلك إذا لم يقصد إليهم لصغرهم كي تخف عنه الكفارة، وإنما تحرى الصواب وقصد الحاجة فكان فيمن علم منهم صغير قد أمر بالصلاة فيراه أحق من غيره لشدة مسكنته فيكسوه على هذه الرواية قميصا مما يجزئه، ولعله أن يكون في كبر ثيابه وطول قامته وإن كان قريب الاثغار تقرب كسوته من كسوة الكبار. قال ابن حبيب: إنه إن كسا الصبايا الصغيرات اللواتي لا صلاة عليهن كساهن درعا بغير خمار، ومثله حكى ابن المواز في كسوة الصغار عن

стр. 1272

أشهب، ومعناه ذلك على ما فسرنا به مذهب ابن القاسم في كتاب ابن المواز في كسوة الصغار، وبالله التوفيق. [مسألة: حلف لينتقلن وانتقل وترك من السقط ما لا حاجة له به] ومن كتاب أوصى أن ينفق على أمهات أولاده مسألة قال: وسمعته يقول في رجل حلف لينتقلن وانتقل وترك من السقط ما لا حاجة له به مثل الوتد والمسمار والخشبة وما أشبه ذلك فتركه، قال: لا شيء عليه. قال محمد بن أحمد: أما إذا تركه رافضا له على ألا يعود إليه فلا اختلاف في أنه لا حنث عليه بتركه واختلف إن تركه ناسيا ففي كتاب ابن المواز أنه لا حنث عليه، وما في سماع عبد المالك بن وهب أنه يحنث بتركه ناسيا، وإما إذا تركه على أن يعود إليه فيأخذه فإنه حانث إلا على مذهب أشهب الذي يقول إنه لا يحنث بترك متاعه كله إذا انتقل بأهله وولده لأنه إذا انتقل بأهله وولده فليس بمساكن وإن بقي متاعه، وقول ابن القاسم أظهر لأنه لا يسمي من خرج من الدار بأهله وولده وترك فيها متاعه منتقلا عنها وإنما يسمى خارجا عنها بأهله وولده، والله أعلم. [مسألة: استخان رجلا وهو معه في سفر فقال احلف لي أنك لم تخني] مسألة وسألته عن الرجل استخان رجلا وهو معه في سفر، فقال: احلف لي أنك لم تخني فحلف له أنه ما خانه منذ صحبه وهو يريد منذ صحبه في سفره هذا ولم يحرك به لسانه وقد كان صحبه في أسفار قبل ذلك وخانه فيها فقال: ما أرى عليه إذا كان لذلك سبب مثل أن يقول: إنما استخانه في سفره ذلك، يقول: خنتني في هذا القمح وهذا الشيء فاستحلفه ولم يكن هو ابتداء باليمين متطوعا من عنده من غير أن يسأله ذلك، فإنه إن ثبتت خيانته التي خانه في غير

стр. 1273

سفره ذلك وعلى يمينه بينة فادعى هذه النية كان ذلك له ولا يطلق عليه القاضي إذا كان الأمر على ما وصفت من سببه ووجهه وأراها نية وليست ثنيا إذا قال هذا، قال أصبغ: وذلك رأيي كله. قال محمد بن أحمد: قوله ما أرى عليه شيئا إذا كان لذلك سبب مثل أن يكون إنما استخانه في سفره ذلك يريد ما أرى عليه حنثا بما حلف به من الطلاق لأنه مصدق فيما ادعاه من النية على أصولهم وإنما وجب أن يصدق في النية مع يمينه على ذلك، وإن كانت مخالفة لظاهر لفظه لأجل البساط الذي خرجت عليه يمينه وهو استخانته إياه في ذلك السفر ولو حلف بالطلاق ابتداء على غير بساط أنه ما خانه منذ صحبه فلما شهد عليه أنه قد خانه في غير هذا السفر ادعى أنه نوى منذ صحبه في سفره هذا لم يصدق، كمن حلف أنه ما كلم فلانا بالطلاق فلما شهد عليه أنه كلمه أمس، قال: إنما نويت أني ما كلمته اليوم، أو حلف ألا يكلم فلانا بالطلاق فكلمه بعد ذلك، وقال: نويت اليوم أو شهرا أنه لا ينوى في شيء من ذلك ولا يصدق فيما ادعاه وهذا ما لا اختلاف فيه في المذهب، وقوله: لم يكن هو ابتداء باليمين متطوعا من عنده من غير أن يسأله ذلك يدل على أنه لو تطوع له باليمين لم ينو وإن كانت يمينه خرجت على سبب استخانته إياه، ولزمه الطلاق على نية المحلوف له، وذلك يأتي في مثل قول أصبغ في سماعه بعد هذا، ومثل ما في سماع يحيى من كتاب الأيمان بالطلاق أن اليمين على نية المحلوف له إن كان الحالف متطوعا باليمين وعلى نية الحالف إن كان مستحلفا خلاف قول ابن الماجشون وسحنون، وقد مضى تحصيل الخلاف في هذه المسألة في رسم شك في طوافه من سماع ابن القاسم، ومعنى قوله وأراها نية وليست ثنيا أنه لو كانت ثنيا لم ينفعه إلا أن يحرك لسانه على المشهور في المذهب، وقد مضى ذلك في رسم الجنائز من سماع أشهب وفي رسم شك من سماع ابن القاسم وغيره.

стр. 1274

[مسألة: حلف على أمر ألا يفعله إلا أن يقضي الله غير ذلك] مسألة وقال فيمن حلف على أمر ألا يفعله إلا أن يقضي الله غير ذلك: هذا ليس ثنيا أو يريد الله غير ذلك كذلك أيضا ليس ثنيا. قال عيسى: هو في اليمين بالله ثنيا وهو مثل قوله إن شاء الله. وقوله: إلا أن يريني الله غير ذلك ثنيا. قال محمد بن أحمد: قال عيسى بن دينار: إن الاستثناء في اليمين بالله بإلا أن يقضي الله أو يريد الله استثناء مثل إلا أن يشاء الله وهو الذي يوجبه القياس والنظر الصحيح لأن قضاء الله ومشيئته وقدره هي إرادته فلا فرق بين الاستثناء بقدر الله وقضائه ومشيئته وإرادته، وجه قول ابن القاسم أن الحالف بالله ألا يفعل فعلا أو ليفعلنه قد علم أنه لا يفعله ولا يترك فعله إلا بقضاء إلا وقدره وإرادته ومشيئته فعلى ذلك انعقدت يمينه، وهي نيته وإرادته إذا كان من أهل السنة، فكان الأصل إذا وجبت عليه الكفارة بالحنث ولم ينفعه ما نواه من ذلك كله ألا ينفعه الاستثناء بشيء منه وأن يكون لغوا إذ لا زيادة فيه على ما نواه وعقد عليه فخرت من ذلك الاستثناء بمشيئة الله بالسنة والإجماع وبقي ما سواه على الأصل في ألا يسقط الكفارة الواجبة بالحنث، والله تعالى الموفق. وقول عيسى في قوله إلا أن يريني غير ذلك ثنيا صحيح إذ لا فرق بين ذلك وبين أن يقول إلا أن أرى غير ذلك وهو قول ابن القاسم، وفرق أصبغ بينهما في كتاب ابن المواز فلم ير قوله إلا أن يريني الله غير ذلك أنه ثنيا وليس قوله بشيء ولا وجه له. [مسألة: حلف ألا يأكل لحما فأكل مرق لحم] مسألة وسئل عمن حلف ألا يأكل لحما فأكل مرق لحم، قال: إني أخاف أن يحنث. قال محمد بن أحمد: الحنث في ذلك بين لأن المرق قد أماع فيه

стр. 1275

الشحم وذبل فيه اللحم وتهرى فأكل مرق اللحم أكل اللحم، قال ابن المواز: فلا نية له في ذلك إن ادعاها يريد مع قيام البينة فيما يحكم به عليه، وقال ابن حبيب: إن أراد اللحم ما كان لحما فله نيته وكذلك يقول ابن القاسم في الشحم من اللحم والنبيذ من التمر والزبيب والعصير من العنب والخبز من القمح، هذه الخمسة الأشياء يحنث عنده فيها سواء حلف ألا يأكلها أولا يأكل منها وما عداها من الأشياء إذا حلف ألا يأكله فأكل ما يخرج منه فلا حنث عليه إلا أن يحلف ألا يأكل منه كالجبن من اللبن والسمن من الزبد والبسر من الطلع والتمر من الرطب والرطب من البسر، وقد روي عن ابن القاسم أنه أخرج القمح من هذه الخمسة الأشياء إلى حكم ما عداها، وألحق ابن وهب بالخمسة الأشياء غيرها كالسمن من الزبد والتمر من الرطب ولم ير أشهب البسر من الطلع لبعد ما بينهما، فمن حلف عنده ألا يأكل هذا الطلع أو من هذا الطلع فلا شيء عليه في أكله بسرا. [مسألة: قال أنت طالق إن اشتريت لك ثلاثة أشهر لحما ولا حيتانا ولم ينو شيئا] مسألة وقال في رجل اشترى لأهله حيتانا فسخطتها وكان بينهما في ذلك كلام فقال لها: أنت طالق إن اشتريت لك ثلاثة أشهر عشاء لحما ولا حيتانا ولم ينو شيئا فحلف خرجت يمينه هكذا ألا نية له في شيء فأراد أن يشتري لها لحما أو حيتانا في الغداء: إنه لا بأس بذلك ولا شيء عليه في ذلك إذا لم تكن له نية ولا يكون فيما اشترى فضل عن الغداء، ولو أنه غدى رجلا عنده قدم طعامه إليه فحلف بطلاق امرأته إن غداه أبدا ولا نية له لم يكن عليه شيء إن عشاه، وإنما مثل ذلك مثل رجل آذاه جار له في داره فقال: امرأته طالق إن جاورتك أو ساكنتك في هذه الدار أبدا فأراد أن يساكنه أو يجاوره في غيرها فلا بأس بذلك إذا لم يكن أراد أن لا يساكنه ولا يجاوره

стр. 1276

أبدا، فإن لم تكن له نية وكانت يمينه مسجلة لا نية فيها فلا بأس بذلك ولا شيء عليه، وكذلك لو حلف ألا يساكنه بمصر أبدا فساكنه بغيرها مثل ذلك سواء، أو حلف لينقلنه من داره لإيذاء آذاه به وشتمه فنقله منها ثم أراد بعد أن طال ذلك أن يرده فلا بأس إذا لم تكن له نية، فكذلك الذي حلف ألا يشتري عشاء لحم ولا حيتان فاشتراه في الغداء فلا شيء عليه إلا أن يكون أراد ألا يشتري تلك الأشهر التي حلف فيها، فإن لم يكن أراد ذلك فلا شيء عليه وإنما هو أحد وجهين إن كان أراد شيئا قلنا له تجنب ما أردت وإن لم يكن أراد شيئا ولا نواه فلا شيء عليه إلا فيما حلف، وكذلك لو كساها قرقل كتان فسخطته، فقال لها: أنت طالق إن كسوتك قرقل كتان سنة فكساها قرقل خز ولا نية عليه فلا شيء عليه، قال: ولا بأس في المسألة الأولى أن يشتري لها عشاء غير اللحم والحيتان كأنه يقول: إلا أن يكون أراد ترك العشاء. قال محمد بن أحمد: قوله في الذي حلف ألا يشتري لامرأته ثلاثة أشهر لحما ولا حيتانا لما سخطت الحيتان التي كان اشتراها لها أن لا بأس أن يشتري لها لحما أو حيتانا للغداء إذا لم يكن فيها فضل عن الغداء للعشاء، وأنه لا بأس أن يشتري لها عشاء غير اللحم والحيتان إذا لم تكن له نية، صحيح على أصولهم لأن يمينه لما خرجت على كراهتها للحيتان التي اشتراها لها ولم تخرج على كراهية التوسع في الإنفاق عليها وجب ألا يحنث فيما عدا ما لفظ به وحلف عليه من شراء اللحم والحيتان للغداء والعشاء أو شراء ما عداهما للعشاء إلا أن يكون نوى ذلك، وكذلك قوله في الذي غدى رجلا ثم حلف ألا يغديه أبدا ولا نية له أنه لا شيء عليه إن عشاه صحيح أيضا؛ لأن يمينه لما لم تخرج على كراهية كذا لمؤن الإنفاق عليه ولعله

стр. 1277

إنما حلف ألا يغديه لما رأى من تقصيره في الأكل ورجا أن يكون أكله في العشاء أكثر وجب ألا يحنث إلا فيما حلف عليه من الغداء وألا يحنث إن عشاه إلا أن ينوي ذلك، وكذلك قوله أيضا في الذي حلف ألا يجاور الرجل أو يساكنه في دار عينها أنه لا بأس أن يجاوره أو يساكنه في غيرها إذا لم يكن أراد ألا يساكنه أو يجاوره أبدا صحيح أيضا؛ لأن يمينه لما كانت بسبب إذايته في الدار ولم يكن لما يدخل بين العيال والصبيان في السكنى وجب ألا يحنث إلا بالسكنى معه في الدار التي عينها وألا يحنث بالسكنى معه في غيرها إلا أن يكون نوى ذلك وأراده بيمينه، وكذلك القول في الذي حلف ألا يساكن رجلا بمصر فساكنه في غير مصر، والقول في الذي حلف لينقلن رجلا من داره لأذى أذاه به وشتمه فنقله عنها ثم رده إليها إذ هما من شرح المسائل التي بينا وجه صحة قوله فيها. وكذلك قوله أيضا في الذي حلف ألا يكسو امرأته قرقل كتان سنة لما سخطت قرقل كتان كان كساها إياه، فكساها قرقل خز أنه لا حنث عليه صحيح أيضا لأن مخرج يمينه على ألا يكسوها ما تكره لباسه، فلو كساها في السنة قرقل غير الكتاب وهو أدنى من الكتان لحنث إلا أن يكون نوى أن يكسوها ما هو أدنى من قرقل الكتان، ولو أعطاها في هذه المسألة من الدراهم لكسوتها ما تشتري به أرفع من قرقل كتان فاشترت به لنفسها ثوبا لم يحنث، فليست هذه المسألة مخالفة لمسألة المدونة في الذي يحلف ألا يكسو امرأته فأعطاها دراهم فاشترت بها ثوبا أنه حانث لأنه إذا أعطاها دنانير فقد كساها وهو قد حلف ألا يكسوها ولم تكن ليمينه بساط تحمل عليه كهذه. [مسألة: حلف فقال لعمر الله وأيم الله] مسألة وقال في الذي يحلف يقول لعمر الله وأيم الله: إني أخاف أن

стр. 1278

يكون يمينا. قال أصبغ: هي يمين إذا حلف بذلك ليفعلن أو لا يفعل فحنث. قال محمد بن أحمد: أما ايم الله. فلا إشكال في أنها يمين؛ لأن ايمن الله وايم الله وم الله كلها لغات للعرب في القسم. فمن النحاة من ذهب إلى أنه بدل من حرف القسم كما أبدلوا الواو والتاء من الباء ومنهم من ذهب إلى أن الأصل فيها عندهم ايمن الله جمع يمين، ثم حذفوا على عادتهم في الحذف ما كثر استعماله فقالوا ايم الله لا فعلت أو لأفعلن كما قالوا يمين الله لا فعلت أو لأفعلن. قال الشاعر: فقلت يمين الله أبرح قاعدا ... ولو قطعوا رأسي لديك وأوصالي ومنهم من ذهب إلى أن ألف ايمن ألف وصل وإنما فتحت لدخولها على اسم غير متمكن واشتقاقه من اليمن والبركة، وأما لعمر الله ففي القول بأنها يمين نظر؛ لأن الأيمان التي تكون أيمانا ويجب فيها كفارة اليمين بالله باسم من أسمائه وبصفة من صفات ذاته كعلمه وقدرته وإرادته وحياته وما أشبه ذلك من صفاته، والعمر هو العمر وليس ذلك بصفة لله تعالى إذ لا يوصف بأنه ذو عمر بإجماع من الأمة. فوجه قوله في لعمر الله إنها يمين هو أن الحالف بذلك محمول على أنه أراد بعمر الله بقاء الله تعالى، فكان ذلك يمينا على قولهم فيمن لفظ بكلمة ليست من حروف الطلاق فأراد بها الطلاق وأنه طلاق. وقد قال في المدونة في الذي يقول لا مرحبا يريد بذلك الإيلاء أنه مول، فجعل قوله لا مرحبا بمنزلة قوله: والله لا أطأ امرأتي إذا أراد به ذلك، على أنه قد ذهب بعض الناس إلى أن معنى هذه مسألة المدونة إذا قال والله لا مرحبا وأراد بـ لا مرحبا لا أطأ امرأتي، وأما إن قال: لا مرحبا وأراد بذلك والله لا أطأ امرأتي فلا يكون موليا إذ لا يعبر عن اسم الله تعالى بما ليس له باسم، والأمر محتمل على ما قلناه وإنما لم يحقق ابن القاسم أن ذلك يمين. وقال: أخاف أن يكون يمينا لاختلاف أهل العلم في القدم والبقاء

стр. 1279

فمنهم من أوجبهما صفتين لله تعالى ومنهم من نفى ذلك وقال: إنه باق لنفسه قديم لنفسه لا لمعنى موجودية، وأن معنى القديم الذي لا أول لوجوده ومعنى الباقي المستمر الوجود، والذي عليه الأكثر والمحققون إثبات البقاء صفة لله ونفي أن يكون القدم صفة لله، فكأن ابن القاسم ذهب إلى قول من نفى أن يكون البقاء صفة لله، وقال: أخشى أن يكون يمينا إذ من أهل العلم من يثبته صفة لله تعالى، وذهب أصبغ إلى قول من أثبته صفة لله فحقق القول بأن ذلك يمين وهو مثل ما في المدونة لابن القاسم. [مسألة: يحلف بالقرآن أو بالكتاب أو بالمصحف أو بما أنزل الله] مسألة وقال في الذي يحلف بالقرآن أو بالكتاب أو بالمصحف أو بما أنزل الله أفترى ذلك كله يمينا واحدة؟ فقال: أحسن ما سمعت والذي تكلمنا فيه أن يكون يمينا يمينا كل ما سمي من ذلك، قال سحنون عن علي بن زياد عن مالك في قوله لا والقرآن لا والمصحف ليست بيمين ولا كفارة فيه على من حلف به فحنث. قال محمد بن أحمد: في كتاب ابن المواز عن عطاء مثل رواية علي بن زياد في غير كتاب ابن المواز أن الناقل عن عطاء شك فقال: سئل عن اليمين بالكعبة أو بكتاب الله، قال بعض أهل النظر: وهذا أشبه أن يكون شكا عن الناقل عن عطاء. وقال أبو محمد ابن أبي زيد في رواية علي بن زياد عن مالك يحتمل إن صحت الرواية أن يريد جسم المصحف دون المفهوم منه، والله أعلم، والذي كان يمضي لنا فيها عند من أدركنا من الشيوخ أنها رواية ضعيفة شاذة خارجة عن الأصول مضاهية لقول أهل القدر القائلين بخلق القرآن لأنه قد جمع فيها بين القرآن والمصحف، فإن تأول في المصحف ما قال ابن أبي زيد بقي القرآن لا وجه له من التأويل، وهو الذي أقول به إن له وجها صحيحا من التأويل يصح عليه وهو أن القرآن قد يطلق على كلام الله

стр. 1280

القديم الذي هو صفة من صفات ذاته المتلو في المحارب المكتوب في المصاحف، قال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٧] ﴿فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾ [الواقعة: ٧٨]- الآية، وقد يطلق أيضا على ما هو مخلوق، من ذلك أنه يطلق بإجماع على المصاحف من أجل أنه مكتوب ومفهوم فيها، والدليل على ذلك ما في كتاب رسول الله ﷺ لعمرو بن حزم من أن «لا يمس القرآن إلا طاهر» يريد المصحف بإجماع لاستحالة مس ما ليس بمخلوق، «ونهيه ﷺ عن أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو» ويريد المصحف أيضا بإجماع لاستحالة السفر بما ليس بمخلوق، وقد يطلق أيضا على القراءة المخلوقة المتعبد بها لأنها مصدر قرأت قراءة وقرآنا، قال : ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٨] أي قراءته. وقال الشاعر: ضجوا بأشمط عنوان السجود به ... يقطع الليل تسبيحا وقرآنا وقد يطلق أيضا على السور المجموعة المؤلفة المختلفة في الطول والقصر من قولهم قريت الماء في الحوض إذا جمعته، فإذا حلف الرجل بالقرآن وأراد به كلام الله تعالى القديم فلا اختلاف بين أحد من أهل السنة في أن ذلك يمين يجب فيها كفارة اليمين، وإذا حلف بالقرآن ولم يرد به كلام الله وأراد به ما لا اختلاف في جواز إطلاقه عليه مما هو مخلوق كالمصحف دون المكتوب فيه والقراءة دون المفهوم منها أو السور المجموعة المؤلفة

стр. 1281

المختلفة بالطول والقصر دون المفهوم منها من الأمر والنهي والوعد والوعيد والاستخبار والخبر فلا اختلاف بين أحد من الأمة في أن ذلك ليس بيمين، وإذا حلف به ولم تكن نية فحمله مالك في رواية ابن القاسم عنه وهو المشهور عنه على كلام الله القديم فرآه يمينا أوجب فيها كفارة اليمين، وحمله في رواية علي بن زياد عنه على ما جاز إطلاقه عليه مما سوى كلام الله تعالى، فلم ير ذلك يمينا ولا أوجب فيه كفارة يمين وهذا على القول بأن القرآن اسم لغوي من قولهم قريت الماء في الحوض إذا جمعته فيه، فقد يطلق على نفس كلام الله تعالى، فلم ير ذلك يمينا ولا أوجب فيه كفارة يمين، كلام الله تعالى، ويطلق على ما هو أصل موضوعه في اللغة، والقول الأول أظهر؛ إذ قد بان أن القرآن اسم ديني لكلام الله القديم يقع عليه حقيقة ولا يقع على ما سواه إلا مجازا، والعدول بالكلام عن الحقيقة إلى المجاز لا يجوز إلا بدليل، ووجه القول الثاني إن القران لما كان يجوز أن يطلق على كلام الله القديم الذي ليس بمخلوق وعلى ما سواه مما هو مخلوق على ما ذكرناه وجب أن يحمل إذا لم يعلم المراد به على ما يصح إطلاقه عليه مما هو مخلوق لأن الأصل براءة الذمة فلا توجب فيها الكفارة إلا بيقين وكذلك الذي يحلف بالمصحف ولا نية له حمله ابن القاسم وهو المعلوم من مذهب مالك على المكتوب في المصحف المفهوم منه فرأى ذلك يمينا أوجب فيها الكفارة، وحمله مالك في رواية علي ابن زياد عنه على نفس المصحف دون المكتوب فيه المفهوم عنه فلم ير ذلك يمينا ولا أوجب فيه كفارة، والقول الأول أظهر أيضا لأن الحلف بنفس المصحف دون المكتوب فيه المفهوم عنه لا يجوز لقول النبي، ﵇: «من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت» ، فحمل يمين الحالف على ما يجوز له الحلف به أولى من حملها على ما لا يجوز له الحلف به، وقول ابن القاسم أحسن ما سمع وتكلم فيه في الذي يحلف. بالقرآن أو بالكتاب أو بالمصحف أن يكون يمينا، كل ما سمي من ذلك ظاهره أنه إذا جمعها في يمين واحدة فقال: وحق

стр. 1282

القرآن والكتاب والمصحف لا فعلت كذا وكذا أو لأفعلن فحنث أن عليه ثلاث كفارات لاختلاف التسميات وإن كان المحلوف به واحدا وهو كلام الله تعالى القديم، وهو خلاف قول سحنون في نوازله من حلف بالتوراة والإنجيل في كلمة واحدة أن عليه كفارة واحدة، ويلزم على ظاهر قول ابن القاسم هذا أن يلزم الرجل إذا قال والله والرحمن والسميع والعليم لا فعلت كذا فحنث أربع كفارات لاختلاف التسميات أيضا وإن كان المحلوف به واحدا وهو الله ، وليس في المدونة في هذا بيان، وذهب أبو إسحاق التونسي إلى أنه لا يجب في ذلك إلا كفارة واحدة؛ لأن المحلوف به واحد قال: وكذلك الصفات إذا كان معناها واحدا مثل العظمة والجلال والكبرياء، وأما إن كانت معانيها مختلفة كالقدرة والعلم والإرادة فعليه إذا جمعها في يمين واحدة كفارة لكل ما سمي منها؛ لأن كل واحدة منها تفيد معنى في الموصوف بخلاف معنى الآخر، وليس بين الصفات المختلفة المعاني والأسماء المشتقة منها فرق بين لأن اسم المشتق من الصفة يفيد معناها فإذا وجبت في الحلف بعلم الله وقدرته وإرادته في يمين واحدة ثلاث كفارات من أجل أن كل صفة تفيد في الموصوف صفة تخالف الصفة الأخرى وجب أيضا في الحلف بالعالم والقادر والمريد في يمين واحد ثلاث كفارات من أجل أن كل اسم منها يفيد في المحلوف به صفة تخالف ما يفيده الاسم الآخر من الصفة، فإن قال قائل: إن العالم هو المريد وهو القادر وليس العلم هو الإرادة ولا الإرادة هي القدرة. قيل: وإن لم يكن العلم هو الإرادة ولا الإرادة هي القدرة فليس هي غيرها إلا في المحدث لا في القديم، فليس من أوجب في العلم والإرادة كفارتين من أجل أن العلم ليس هو الإرادة بأظهر قول ممن لم يوجب فيهما إلا كفارة واحدة من أجل أن العلم ليس هو غير الإرادة، والله أعلم. [مسألة: حلف فقال علي عهد الله وغليظ ميثاقه إن فعلت كذا وكذا ففعله] مسألة وقال فيمن حلف فقال: علي عهد الله وغليظ ميثاقه وكفالته

стр. 1283

وأشد ما اتخذ أحد على أحد أن فعلت كذا وكذا ففعله، فإن كان لم يرد العتاق ولا الطلاق وعزله عن ذلك فليكفر ثلاث كفارات ولا شيء عليه، في قوله عهد الله كفارة وقوله وغليظ ميثاقه كفارة وقوله أشد ما اتخذ أحد على أحد كفارة وإن لم تكن له نية حين حلف فليكفر كفارتين في قوله عهد الله وغليظ ميثاقه ويعتق رقيقه ويطلق نساءه ويمشي إلى بيت الله ويتصدق بثلث ماله لقوله وأشد ما اتخذ أحد على أحد. قال محمد بن رشد: إنما أوجب عليه كفارتين في قوله عهد الله وغليظ ميثاقه؛ لأن ذلك كنذر أوجبه على نفسه مثل أن يقول علي كذا وكذا يمينا أو كذا وكذا نذرا، ولو أقسم بها في يمين واحدة، فقال: وعهد الله وغليظ ميثاقه لا فعلت كذا وكذا لما وجب عليه إن حنث إلا كفارة واحدة لرجوعهما جميعا إلى معنى واحد وهو كلام الله تعالى إلا على ظاهر ما مضى من قول ابن القاسم في المسألة التي قبل هذه في الذي يحلف بالقرآن والكتاب والمصحف في يمين واحدة، وإنما لم يوجب في قوله وكفالته كفارة ثالثة؛ لأنه حمل يمينه على أنه أتى بكفالته مخفوضة عطفا على ميثاقه فلم يوجب على نفسه إلا شيئين، أحدهما عهد الله والثاني غليظ ميثاقه وكفالته، ولو حمل عليه أنه أتى بها مرفوعة مقطوعة معطوفة على العهد والميثاق لأوجب عليه فيها كفارة ثالثة؛ لأنه بذلك يكون موجبا لها على نفسه كالعهد وغليظ الميثاق، فليس ذلك بخلاف لما في المدونة على ما ذهب إليه بعض الناس، وإيجابه عليه في أشد ما اتخذ أحد على أحد الطلاق والعتاق والمشي والصدقة بثلث ماله صحيح وله وجهان من النظر، أحدهما أن أشد ما يتوثق به الرجل من الرجل فيما يريده منه يختلف باختلاف أحوال الناس فرب رجل قادر على المشي ولا عبيد له ولا مال وله زوجة يشق عليه فراقها فيكون أشد ما يتخذ عليه في التوثق منه فراقها، ورب رجل قادر على المشي لا زوجة له وقال

стр. 1284

سوى عبيده فيكون أشد ما يتخذ عليه في التوثق منه عتق عبيده، ورب رجل قادر على المشي ولا زوجة له ولا عبيد وله مال فيكون أشد ما يتخذ عليه في التوثق منه الصدقة بماله، ورب رجل لا عبيد له ولا زوجة ولا مال ويشق عليه المشي فيكون أشد ما يتخذ عليه في التوثق منه المشي، فلما كان كل واحد من هذه الأشياء قد يكون أشد ما يتوثق به من الرجل ولم تكن له نية في أحدها وجب أن تجب عليه كلها، كمن حلف ولم يدر بما حلف به إن كان بعتق عبيده أو بطلاق نسائه أو بصدقة ماله أو بمشي إلى بيت الله. والوجه الثاني أن يمينه محمولة على أنه أراد بها أشد ما جرت به عادة الناس به من التوثق، وهو ما كان الناس يؤخذون به من الأيمان في البيعات وقد كانوا يؤخذون فيها بذلك فوجب أن يلزمه ويجب عليه، وعلى هذا كان من أدركنا من الشيوخ ومن لم ندركه منهم فيما بلغنا عنهم يحملون يمين الحالف بالأيمان اللازمة فيوجبون على الحانث فيها الطلاق ثلاثا وعتق رقيقة ذكورهم وإناثهم والصدقة بثلث ماله والمشي إلى مكة في حج أو عمرة وكفارة يمين وإيجاب ذلك كله في ذلك صحيح لأن الأيمان لفظ يعم جميع الأيمان فإذا قال الرجل: الأيمان لي لازمة إن فعلت كذا أو إن لم أفعله لم يكن بد من أحد وجهين، إما أن يحمل يمينه على نوع من الأيمان أرادها بعهد يعلم أن يمينه خرجت عليه وهو ما كان الناس يؤخذون به من الأيمان في البيعات وإما أن يحمل على جميع الأيمان لاستغراق لفظ يمينه جميع الجنس فتلزمه جميع الأيمان اللازمة ما كان الشيوخ يلزمونه منها وما كانوا لا يلزمونه. وقد كان بعض الشيوخ يلزمه في ذلك أيضا كفارة ظهار فلا وجه لمن أسقط عن الحالف بهذه اليمين شيئا مما كان الشيوخ يلزمونه فيها ولا لمن جعل الطلاق فيها طلقة بائنة ولا طلقة رجعية ولا لمن لم يوجب عليه في ذلك إلا كفارة يمين قياسا على قول ابن وهب في سماع عبد المالك بن الحسن فيمن قال:

стр. 1285

علي عهد الله وأشد ما اتخذ أحد على أحد أن عليه في العهد كفارة يمين وليس عليه في أشد ما أخذ أحد على أحد إلا كفارة يمين؛ لأن لفظ أشد ما اتخذ أحد على أحد لفظ إفراد فحمله ابن القاسم في هذه الرواية على توثق واحد بأيمان البيعة التي كانوا يؤخذون بها لأنه المفهوم عنده من ذلك، وحمله ابن وهب في رواية زونان عنه على يمين واحد ورآها اليمين بالله تعالى لأنها أعظم الأيمان قدرا وأشدها على من تهاون بها وأثم فيها، قال ﷺ : «من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه حرم الله عليه الجنة وأوجب له النار» ، وجاء في الحديث في اليمين الغموس إنها من الكبائر وأنها تذر الديار بلاقع، فرأى شدتها في الكذب فيها والمخادعة بها وترك تعظيمها لا فيما يلزم الحنث فيها من الكفارة فهذا وجه قول ابن وهب، والله أعلم. [مسألة: يقول امرأته طالق البتة إن دخل دار فلان ولا كلم فلانا فكلمه بعد شهر] مسألة قال ابن القاسم: ولا تكون الثنيا إلا ما حرك به لسانه والنية تنفعه وإن لم يحرك به لسانه ومثل ذلك في النية أن يقول امرأته طالق البتة إن دخل دار فلان ولا كلم فلانا فكلمه بعد شهر وقال: إنما نويت شهرا، قال مالك: إن كانت عليه بينة فرق بينه وبينها، وإن أتى مستقيما وذكر أنه إنما نوى شهرا دين وكان القول قوله، والثنيا أن يقول: إن كنت صحبت اليوم قرشيا ويستثني في نفسه إلا فلانا وإن كنت أكلت اليوم طعاما ويستثني في نفسه إلا لحما فامرأته طالق فهذا لا ينفعه إلا أن يحرك به لسانه فإن لم يحرك به لسانه وإنما هي ثنيا في نفسه حنث فما ورد عليك من هذه الأشياء بعضه على هذين الوجهين. قال محمد بن رشد: تفرقته في النية والثنيا في اليمين صحيحة لأن النية هي أن يريد الرجل بيمينه ما يحتمله كلامه وإن كان مخالفا لظاهره فإذا عقد يمينه على ما نواه صحت له نيته وإن لم يحرك بها لسانه على ما ذكر،

стр. 1286

وهذا ما لا خلاف فيه، وأما الثنيا فهو ما يستدركه الرجل بالاستثناء بعد أن فرطت منه اليمين دون نية وذلك على وجهين، أحدهما استثناء يخرج من الجملة بعد ما اقتضاه اللفظ العام والعدد المسمى في جميع الأحوال. والثاني استثناء يخرج به جميع الجملة في بعض الأحوال، فأما الاستثناء الذي يخرج به بعض ما اقتضاه اللفظ العام أو العدد المسمى في جميع الأحوال فهو الاستثناء بإلا وسائر حروف الاستثناء، مثاله أن تقول: والله لأعطين القرشيين إلا فلانا ثلاثة دراهم إلا درهما فأخرجت من القرشيين فلانا بالاستثناء وأخرجت من الثلاثة دراهم درهما بالاستثناء فهذا القسم من الاستثناء المشهور فيه في المذهب أن النية فيه لا تنفع وأنه لا بد فيه من تحريك اللسان كما قال في هذه الرواية، وقد مضى في آخر سماع أشهب لمالك خلافه، وجه القول الأول القياس على ما أجمعوا عليه في الاستثناء بمشيئة الله أنه لا بد فيه من تحريك اللسان، ووجه القول الثاني أن حقيقة الكلام إنما هو المعنى القائم بالقلب وتحريك اللسان عبارة عنه كالرمز والإشارة والكتابة فإذا استثنى في نفسه وجب أن ينفعه استثناؤه وإن لم يحرك به لسانه، وعلى هذا تأتي رواية أشهب عن مالك في كتاب الأيمان بالطلاق وإن من أجمع في نفسه على أنه قد طلق امرأته فقد لزمه الطلاق، والأصل في ذلك إجماعهم على أن من اعتقد الإيمان بقلبه فهو مؤمن عند الله وإن لم يلفظ بكلمة التوحيد وأن من اعتمد الكفر بقلبه فهو كافر عند الله وإن لم يلفظ بكلمة الكفر، وأما الاستثناء الذي يخرج به جميع الجملة في بعض الأحوال فهو الاستثناء بإن وبإلا أن، مثاله أن يقول: والله لأعطين القرشيين ثلاثة دراهم إن كان كذا وإلا أن يكون كذا فهذا لا بد فيه من تحريك اللسان قولا واحدا؛ لأنه في معنى الاستثناء بأن شاء الله وبإلا أن يشاء الله، ومن أهل العلم من شذ فأجاز الاستثناء في القلب بمشيئة الله وعلى هذا يحمل ما روي عن ابن عباس من إجازة الاستثناء بعد عام أنه أظهر بعد عام من الاستثناء ما كان اعتقده حين اليمين منه؛ إذ لا اختلاف بين أحد من أهل العلم في أن الاستثناء لا بد أن يكون موصولا

стр. 1287

باليمين، بل قد قال ابن المواز: إنه لا بد أن ينويه قبل آخر حرف من اليمين يريد من الكلام الذي به تمت اليمين، هذا معنى قوله الذي يجب أن يحمل عليه كلامه، وقد قيل: إن الاستثناء من العدد لا بد أن يعقد عليه يمينه كالنية، ولا يجوز له أن يستدركه وإن أوصله بيمينه أو قبل آخر حرف من كلامه، مثال ذلك أن يقول: امرأتي طالق ثلاثا إلا واحدة والقولان قائمان من المدونة بالمعنى، وذلك أنه قال في كتاب الأيمان بالطلاق منها في الذي يقول لامرأته قبل أن يدخل بها أنت طالق وأنت طالق وأنت طالق إنها ثلاث تطليقات إلا أن يريد بتكرار الطلاق إسماعها، وقال في كتاب الظهار منها في الذي يقول لامرأته أنت طالق البتة وأنت علي كظهر أمي إنه لا يلزمه فيها الظهار إن تزوجها بعد زوج وذلك اختلاف من القول فعلى ما في كتاب الظهار لا يلزم الذي قال لزوجته قبل أن يدخل بها أنت طالق وأنت طالق وأنت طالق إلا طلقة واحدة، وعلى ما في كتاب الأيمان بالطلاق يلزم الذي قال لامرأته: أنت طالق ثلاثا وأنت علي كظهر أمي الظهار إن تزوجها بعد زوج، فإذا قال الرجل: أنت طالق ثلاثا إلا واحدة كان له استثناؤه، على ما في كتاب الأيمان بالطلاق من المدونة إذا وصله بيمينه وإن لم يعقد يمينه عليه، وعلى ما في كتاب الظهار لا يكون له استثناؤه ولا ينفعه فيه إلا أن ينويه من أول ويعقد عليه يمينه، والقول الأول أظهر؛ لأن الطلاق لا يقع على المطلق في الصحيح من الأقوال بنفس تمام اللفظ حتى يسكت بعده سكوتا يستقر به الأمر وعلى هذا تأتي مسألة الأيمان بالطلاق التي ذكرناها من المدونة فقف على ذلك كله وتدرب، وبالله التوفيق. [مسألة: قال مالي لوجه الله] مسألة وسئل عمن قال: مالي لوجه الله، قال: يخرج ثلثه، قال أصبغ: ويجعله في الصدقة دون ما سواها من سبل الخير فهو مخرج النذر به كما لو قال في عبده هو لوجه الله كان مخرج العتق، وكما لو قال

стр. 1288

في ماله هو لسبيل الله أو في سبيل الله كان مخرجه الغزو والجهاد خاصة دون سائر السبل. قال محمد بن أحمد: وهذا كما قال لأن ما أنفق الرجل من ماله رجاء ثواب الله ولوجه الله، إلا أن سبيل الله قد تعرف بالجهاد دون سائر السبل فإذا جعل الرجل شيئا من ماله في سبيل الله كان مخرجه الجهاد وإذا قال فيه لله ولوجه الله كان مخرجه الصدقة إلا أن يكون له وجه يختص به فيحمل عليه، كالعتق في العبد والهدي فيما يهدى بمكة، وبالله التوفيق. [مسألة: باع من رجلين سلعة إلى أجل واتخذ عليهما صاحب الحق يمينا إلى أجل] ومن كتاب أوله بع ولا نقصان عليك مسألة وسئل عن رجل باع من رجلين سلعة إلى أجل واتخذ عليهما صاحب الحق يمينا إلى أجل أن يقضياه فحل الأجل فقضاه أحدهما جميع الحق بغير أمر صاحبه، قال: هو حانث إلا أن يكونوا حملاء بعضهم عن بعض، قلت: فإن كان شريكه فيها شريك عقد فقال: الشريك والأجنبي سواء في هذا هو حانث إن لم يأمره ولم يتحمل بعضهم عن بعض، والشريك والأجنبي في ذلك سواء، ولو أن رجلا حلف بطلاق امرأته أن يوفي حقه إلى أجل فغاب عند الأجل فقضاه عنه رجل لم يأمره كان حانثا. قال محمد بن رشد: إذا اشترى الرجلان من رجل سلعة بثمن إلى أجل وحلفا أن يؤدياه إليه إلى الأجل فإن لم يكن أحدهما حميلا بصاحبه فيبر كل واحد منهما بأن يقضي عن نفسه ما يجب له من الثمن ولا يبر بما يقضي عنه صاحبه إلا أن يأمره بذلك إذ ليس بوكيل له على أن يقضي عنه، وإن كان كل واحد منهما حميلا بصاحبه فيبر كل واحد منهما بأن يقضي عن نفسه

стр. 1289

ما يجب عليه من الثمن وبأن يقضي ذلك عنه صاحبه؛ لأن الحمالة تقتضي أن يكون كل واحد منهما وكيلا عن صاحبه على أن يقضي عنه ما تحمل به عنه وإن كان كل واحد منهما حميلا بصاحبه ولصاحب الحق أن يأخذ من شاء منهم بحقه فلا يبر واحد منهم إلا بأن يقضي جميع الحق لأنه مطلوب به كالشريكين المتفاوضين يشتريان السلعة بثمن إلى أجل ويحلفان أن يؤديا إلى البائع حقه إلى أجل فعلى هذه الوجوه الثلاثة تفترق أحكام البر والحنث في هذه المسألة وشريك العقد الذي قال فيه إنه والأجنبي سواء معناه أن يتعاقد الرجلان على أن يشتريا السلعة بدين على أن يكونا شريكين فيها لا يريد بذلك عقد المفاوضة لأن المتفاوضين لا يبر واحد منهما إلا بأداء جميع الحق على ما ذكرناه لأنه حميل له، وقوله إن من حلف ليقضين رجلا حقه لا يبر بأن يقضيه عنه رجل بغير أمره صحيح وكذلك لو كان وكيله على البيع والتقاضي والقيام بحوائجه، قاله ابن القاسم في رسم أسلم من سماع عيسى من كتاب الأيمان بالطلاق فلا يبر الحالف على القضاء إلا بأن يقضي هو الحق عن نفسه أو يقضيه عنه رجل بأمره أو وكيل مفوض إليه في جميع الأشياء أو مجعول إليه فيها جعل القضاء، وبالله التوفيق. [مسألة: خطب ابنته وهي بكر فقال عليه المشي إلى بيت الله إن زوجها إياه] ومن كتاب لم يدرك من صلاة الإمام إلا الجلوس مسألة وقال في رجل خطب إليه رجل ابنته وهي بكر، فقال: عليه المشي إلى بيت الله وهو يحملها إلى بيت الله إن زوجها إياه، فقال له هؤلاء لأي شيء لا تزوج فلانا، فقال: علي فيه يمين وليتك أخرجتني من يميني فزوجه المولي بعلمه وأعرس ودخل بها، قال: النكاح ثابت، وعليه المشي. قال محمد بن أحمد: وهذا كما قال لأنه إذا زوجه هؤلاء بعلمه فكأنه

стр. 1290

هو الذي زوجه لأن يد الوكيل كيد موكله فمن حلف ليضربن عبده فضربه غيره بر إلا أن ينوي أن يضربه هو بيده، ومن حلف ألا يضرب عبده فضربه غيره بأمره حنث إلا أن يكون نوى ألا يضربه بيده، قال : ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠] فجعل طاعة رسوله طاعة له حقيقة، وعلى هذا يضاف فعل المأمور إلى الآمر فيقال ضرب السلطان وقطع وقتل وكتب وإن لم يفعل شيئا من ذلك بيده وإنما فعله أعوانه بأمره، وقد أضاف الله أعوان ملك الموت إلى ملك الموت: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ﴾ [السجدة: ١١] ، وأعوانه هم الذين يلون قبض الأرواح بإذنه ثم يلي هو قبضها منهم فيرفع روح المؤمن إلى ملائكة الرحمة وروح الكافر إلى ملائكة العذاب على ما روي في تأويل قوله : ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا﴾ [الأنعام: ٦١] ، الآية بلفظ الجماعة وهذا كله بين والحمد لله كثيرا. " تم النذور الأول "

стр. 1291

[كتاب النذور الثاني] [ مسألة: حلف ألا يكلم فلانا فأشار إليه بالسلام أو غيره] من سماع عيسي من كتاب أوله سلف دينارا مسألة وقال في رجل حلف ألا يكلم فلانا فأشار إليه بالسلام أو غيره، فقال: ما أرى الإشارة كلاما وأحب إلي ترك ذلك وكأنه لا يرى عليه حنثا إن فعل. قال محمد بن أحمد: مثل هذا في المجموعة لابن القاسم وهو ظاهر ما في كتاب الإيلاء من المدونة وفي أول رسم من سماع ابن القاسم من كتاب الأيمان بالطلاق، وقال ابن الماجشون إنه حانث واحتج بقوله : ﴿قَالَ آيَتُكَ أَلا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلا رَمْزًا﴾ [آل عمران: ٤١] . فجعل الرمز كلاما لأنه استثناه من الكلام وليس ذلك بحجة قاطعة لاحتمال أن يكون الاستثناء في الآية منفصلا غير متصل مقدرا بلكن، مثل قوله : ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلا خَطَأً﴾ [النساء: ٩٢] ، ومثل قوله: ﴿طه - مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ [طه: ١ - ٢] ﴿إِلا تَذْكِرَةً﴾ [طه: ٣] ومثل هذا كثير، ومثل قول ابن الماجشون لأصبغ في سماعه

стр. 1292

بعد هذا من هذا الكتاب، وجه القول الأول أن الكلام عند الناس فيما يعرفون إنما هو الإفهام بالنطق واللسان، فيحمل يمين الحالف على ذلك إذا عرت من نية أو بساط يدل على ما سواه، ووجه القول الثاني أن حقيقة الكلام والقول هو المعنى القائم في النفس، قال : ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [المجادلة: ٨] ، الآية، وقال : ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ﴾ [الملك: ١٣] ، الآية، فإذا أفهم الرجل الرجل ما في نفسه بلفظ أو إشارة فقد كلمه حقيقة لأنه أفهمه ما في نفسه من كلامه بداية دون واسطة من رسول أو كتاب والقول الأول أظهر لأن التكليم وإن كان يقع على ما سوى الإفهام باللسان فقد يعرف بالإفهام بالنطق باللسان دون ما سواه فوجب أن يحمل الكلام على ذلك وألا يحنث الحالف على ترك تكليم الرجل بما سواه إلا أن ينويه، وبالله التوفيق. [مسألة: حلف في دابة ألا يبيعها حتى تأكل الربيع فأكلته يوما أو يومين] مسألة وسئل عن رجل حلف في دابة ألا يبيعها حتى تأكل الربيع فأكلته يوما أو يومين. قال: إن كان نوى شيئا فهو ما نوى وإن لم تكن له نية فإذا أكلته يوما أو يومين فقد بر ولا شيء عليه. قيل له: أرأيت إن كان أراد وجه السمن فلم تسمن ألذلك حد؟ قال: إلى ما يسمن في مثله. قال محمد بن أحمد: قال إنه إذا لم تكن له نية فأكلته يوما أو يومين فقد بر، وإن أراد السمن في ذلك ما يسمن إلى مثله، وسكت عن البساط فلم يقل إن كان ليمينه بساط يدل على السمن حملت يمينه عليه فالظاهر من قوله أنه لم يراعه مثل ما في سماع سحنون لمالك وابن القاسم، والمشهور في المذهب مراعاته وأن يحمل يمينه عليه وإن لم يكن نواه كما لو نواه، وبالله التوفيق.

стр. 1293

[مسألة: حلف ألا يشرب الخمر بعينها فشرب الطلا] مسألة وقال في رجل حلف ألا يشرب الخمر بعينها فشرب الطلا أنه إن كان لم يبلغ حدا يسكر وكان كثيره يسكر فهو حانث؛ لأن الطلا أبدا خمر حتى يطبخ طبخا لا يسكر، وأما غيرها من الأشربة مثل النبيذ والاسكركة - كذا - فهو حانث إذا شرب منها شيئا يسكر إلا أن ينوي الخمر بعينها، فإن كانت تلك نيته وأتى مستفتيا فلا أرى عليه شيئا، وإن شهد عليه وقد شرب رأيت أن لا ينوى. قال محمد بن رشد: هذه مسألة صحيحة على أصل مذهب مالك في أن كل ما أسكر كثيره من الأنبذة والأشربة فهو خمر، فالحالف على ألا يشرب الخمر بعينها حالف عنده ألا يشرب مسكرا من جميع الأشربة لأن كل مسكر فهو عنده خمر بعينه، وقوله: إلا أن ينوي الخمر بعينها فتكون له نيته إذا لم تكن عليه بينة وأتى مستفتيا معناه إلا أن ينوي الخمر بعينها عند أهل العراق والذين يقولون: إنما الخمر من العنب خاصة أو من العنب والتمر خاصة أو من التمر والعنب ونقيع الزبيب خاصة على اختلاف بينهم في ذلك، وفي رسم البز من سماع ابن القاسم من كتاب الحدود ورسم أسلم من سماع عيسى من كتاب الأيمان بالطلاق أنه ينوى في ذلك مع قيام البينة عليه مراعاة لقول من يقول إن الخمر من هذه الأشياء، وذهب محمد بن المواز أنه لا ينوى وإن أتى مستفتيا، قال: ولو نفعته النية لنفعه قوله الخمر بعينها؛ لأن القول أقوى من النية وإلى هذا ذهب ابن حبيب فقال: إنه لا نية له في أن يقول إنما أردت العنب وحكاه عن مالك أيضا ابن أبي جعفر الذعاطي عن ابن القاسم عن مالك، وذلك خارج عن أصولهم فيمن حلف ألا يكلم فلانا فقال: أردت شهرا أو حلف ألا يلبس ثوبا فقال: أردت ثوب وشي أنه ينوى في ذلك إن أتى مستفتيا.

стр. 1294

[مسألة: حلف ألا يشتري لامرأته شيئا فاشترى لنفسه شيئا فسألته امرأته أن يوليها إياه] مسألة وقال فيمن حلف ألا يشتري لامرأته شيئا فاشترى لنفسه شيئا فسألته امرأته أن يوليها إياه، فقال: سمعت مالكا يستثقل أن يوليها، قال ابن القاسم: فإن فعل لم أر عليه حنثا لأن التولية هاهنا بيع إلا أن يكون ذلك عند مواجبة البيع وبحضرة البيع الأول فأراه حانثا لأن تباعته هاهنا على البائع الأول وكونه حينئذ اشترى لها، وكذلك سمعت مالكا يقول في التباعة. قال محمد بن رشد: قد مضى القول في هذه المسألة مستوفى في رسم تأخير صلاة العشاء من سماع ابن القاسم فلا معنى لإعادته هنا. [مسألة: حلف ألا يكلم رجلا إلا ناسيا فكلمه وهو لا يعرفه غير ناس] مسألة قال: ومن حلف ألا يكلم رجلا إلا ناسيا فكلمه وهو لا يعرفه غير ناس فهو حانث، ومن حلف بطلاق امرأته البتة إن كلم فلانا إلا أن لا يعرفه فكلمه وهو يعرفه ناسيا ليمينه حنث. قال محمد بن أحمد: وهذا كما قال لأن يمين الرجل ألا يكلم رجلا ظاهره العموم في الزمان والمكان والعمد والنسيان والمعرفة بالمحلوف عليه والجهل به، فوجب أن يحمل يمينه على ما يقتضيه عموم لفظه ولا مخرج من ذلك إلا ما استثناه من النسيان أو الجهل خاصة. [مسألة: يحلف للرجل ليرضينه من حقه إما أن يحيله وإما أن يرهنه] مسألة قال ابن القاسم في الرجل يحلف للرجل ليرضينه من حقه إما أن يحيله وإما أن يرهنه أو يقضيه بعضه أو يعطيه به حميلا فذلك له مخرج حقه كله، وأما إن أنظره فليس ذلك رضى، إنما يصير

стр. 1295

صاحب الحق هو أرضى الحالف ولم يرض الحالف صاحب الحق ليس من يحلف على الرضى يريد أن ينظره ولم يتعلق به لينظره وأراه حانثا إذا أنظره. قال محمد بن أحمد: إنما يبر بالحوالة والحمالة والرهن وقضائه إياه بعض الحق بشرطين أحدهما أن يرضى بذلك الذي له الحق، والثاني أن يكون المحال عليه مليا أو الحميل فيه ثقة للمتحمل له والرهن فيه كفاف بجميع الحق أو بالثلث فما فوقه والذي قضاه من الحق الثلث فما فوقه، فإن عدم الشرطان جميعا حنث الحالف، وإن عدم الأول ووجد الثاني حنث الحالف إلا أن يدعي أنه نوى ذلك وأراده فينوى فيه إن أتى مستفتيا، وإن وجد الشرط الأول وعدم الثاني فلا يبر الحالف إلا على مذهب من يرى أنه يبر إذا أنظره صاحب الحق وهو قول مالك في رواية ابن وهب عنه وأحد قولي ابن القاسم، حكى ابن حبيب أن قوله اختلف في ذلك لا أنه إذا أحاله على مفلس أو أعطاه حميلا لا ثقة له فيه، وإن قضاه من حقه ما لا بال له أو رهنه رهنا لا قدر له فصاحب الحق هو الذي أرضى الحالف هذا الذي يأتي في هذه المسألة على أصولهم، وبالله التوفيق. [مسألة: يحلف أن يصوم غدا فيصبح صائما ثم يأكل ناسيا] مسألة وقال في الذي يحلف بالله أو بالطلاق أو غيره أن يصوم غدا فيصبح صائما ثم يأكل ناسيا لا شيء عليه. قال محمد بن رشد: تكررت هذه المسألة في هذا السماع من كتاب الصيام وفي سماع عيسى وأبي زيد من كتاب الأيمان بالطلاق ورأيت لابن دحون فيها أنها مسألة حائلة والحنث يلزمه فيها على أصولهم فيمن حلف ألا يفعل شيئا ففعله ناسيا أو حلف أن يفعل شيئا فنسي فعله حتى فات وليس ذلك على ما قال بل هي مسألة صحيحة لأن الأكل ناسيا لا يخرج الحالف عن أن يكون

стр. 1296

صائما ولا يبطل به أجر صيامه، وقد ذهب جمهور العلماء إلى أنه لا قضاء على من أكل في رمضان ناسيا، وروي «أن النبي ﷺ قال للذي سأله عن ذلك: أتم صومك ولا شيء عليك الله أطعمك وسقاك» ، فأكله ناسيا في ذلك اليوم بخلاف ما لو أصبح ناسيا مفطرا، هذا يلزمه الحنث على أصولهم، وبالله التوفيق. [مسألة: رجل قال علي نذر لا كفارة له إلا الوفاء به] ومن كتاب أوله إن خرجت من هذه الدار إلى رأس الحول لدار يسكنها فامرأتي طالق مسألة وسئل عن رجل قال: علي نذر لا كفارة له إلا الوفاء به، قال: عليه كفارة يمين. قال محمد بن أحمد: وهذا كما قال لأن من نذر نذرا لم يجعل له مخرجا فكفارته كفارة يمين، روي ذلك عن النبي، ﵇، من رواية عقبة بن عامر الجهني فالوفاء به هو كفارة يمين كما لو جعل له مخرجا كان ما سماه هو الوفاء به وهذا بين، وبالله التوفيق. [مسألة: حلفت بثلاثين نذرا مشيا إلى بيت الله فحنثت] مسألة وسئل عن امرأة حلفت بثلاثين نذرا مشيا إلى بيت الله فحنثت، فأرادت أن تخرج تمشي وأراد زوجها حبسها، قال ابن القاسم: ليس لها أن تخرج ولزوجها أن يمنعها من ذلك. قال محمد بن رشد: وهذا كما قال لأنه إذا كان من حقه أن يمنعها من الخروج متطوعة كان له أن يمنعها من الخروج إذا نذرت ذلك لأنها متعدية عليه في أن نذرت ما ليس لها أن تفعله إلا بإذنه لتسقط بذلك حقه في منعها، والدليل على أن من حقه أن يمنعها، قول رسول الله ﷺ : «لا تمنعوا إماء الله مساجد الله» ؛ إذ لو لم يكن ذلك من حقه لما ندبه إلى فعله ولقال: ليس لكم

стр. 1297

أن تمنعوا إماء الله مساجد الله، ألا ترى أنك تقول لا تؤدب ابنك على ما جناه إذ له أن يؤدبه على جنايته، ولا تقول لا تؤدب أباك على جنايته إذ ليس له أن يؤدبه على ذلك وإنما تقول: ليس لك أن تؤدب أباك على جنايته وهذا بين. [مسألة: حلف على كراء له في منزله ألا يكريه له إلا بثمانية دنانير] مسألة وسئل عن رجل حلف على كراء له في منزله ألا يكريه له إلا بثمانية دنانير، فأراد أن يكريه نصف ذلك بأربعة دنانير هل ترى عليه حنثا، قال: لا حنث عليه، قيل له: فإن أكراه النصف بأدنى من أربعة دنانير قال: يحنث. قال محمد بن أحمد: لا اختلاف في أنه لا حنث عليه إذا أكراه النصف بأربعة دنانير فأكثر، وأنه يحنث إذا أكراه النصف ابتداء بأقل من أربعة دنانير وإنما اختلف إذا أكرى النصف الثاني بتمام الثمانية وهو أقل من أربعة، فقال ابن القاسم في سماع أصبغ بعد هذا إنه حانث وفي الواضحة أنه لا حنث عليه وهو الأصح في النظر؛ لأنه قد استوفى في الكل ما حلف عليه. [مسألة: كان له عليه دينار فأراد أن يقضيه دراهم فحلف عليه ألا يأخذ منه دراهم] مسألة وسألت ابن القاسم عن رجل كان له على رجل دينار فأراد أن يقضيه دراهم فحلف عليه ألا يأخذ منه دراهم فأحال رجلا بالدينار فتقاضى منه فيه دراهم هل عليه حنث؟ قال: لا حنث عليه. قال محمد بن أحمد: وهذا كما قال؛ لأنه إنما حلف ألا يأخذ منه دراهم فوجب ألا يكون عليه فيه حنث إذا أخذ غيره فيه دراهم من المحال عليه، ولو حلف ألا يأخذ في ديناره دراهم ولم يقل منه لوجب أن يحنث إن أخذ فيه دراهم من المحال عليه أو غيره؛ لأن يمين الحالف محمولة على مقتضى لفظه إذا عريت من نية تخالف اللفظ، وقد قيل: إنما تحمل على

стр. 1298

مقتضى اللفظ إذا عريت عن النية وعن البساط، وقد مضى هذا المعنى في رسم سلف قبل هذا وفي غيره من المواضع، وبالله التوفيق. [مسألة: يحلف ألا يبيع سلعته إلا بثمانية عشر دينارا بحبتين حبتين] ومن كتاب أوله أسلم وله بنون صغار مسألة قال: وسئل عن الرجل يحلف ألا يبيع سلعته إلا بثمانية عشر دينارا بحبتين حبتين فيبيعها بتسعة عشر دينارا بخروبة خروبة وهي أكثر في الوزن إذا جمعت مما حلف عليه، فقال: إن كان إنما حلف على الزيادة فلا شيء عليه وإن كان إنما حلف على الدنانير بأعيانها ألا يأخذها إلا بحبتين حبتين فهو حانث وإن لم تكن له نية فهو حانث. قال محمد بن أحمد: معنى قوله بحبتين حبتين أي ينقصان حبتين حبتين من كل دينار، وكذلك معنى قوله بخروبة خروبة أي ينقصان خروبة خروبة من كل دينار والخروبة ثلاث حبات، ولا شك أن تسعة عشر دينارا ينقص كل دينار منها خروبة أكثر في الوزن من ثمانية عشر دينارا ينقص كل دينار منها حبتان، فإن كان ألا أرد بيع سلعته بأقل مما حلف عليه فلا حنث عليه لأنه إنما باع بأكثر، وإن كان أراد بيع سلعته بمثاقيل لا ينقص كل مثقال منها أكثر من حبتين فهو حانث لأنه قد باع بغير ما حلف عليه، وإن لم تكن له نية فهو حانث أيضا؛ لأن يمين الحالف إذا لم تكن له نية محمولة على مقتضى لفظه، وقيل: إذا لم تكن له نية ولا كان ليمينه بساط، وقد مضى هذا المعنى في رسم سلف وغيره.

стр. 1299

[مسألة: حلف ألا يسلف أحدا شيئا فاشترى سلعة فوجد بها عيبا فأراد ردها] مسألة وسئل عمن حلف ألا يسلف أحدا شيئا فاشترى سلعة فوجد بها عيبا فأراد ردها فقال له البائع: أخرني بالثمن وأنا أقبل سلعتي، فقال له: لا يفعل فإن فعل حنث. قال محمد بن أحمد: قول ابن القاسم إنه يحنث إن أخره بالثمن على أن يقبل منه السلعة ويصدقه فيما يدعي من العيب فيسقط عنه بذلك ما يلزمه من الإثبات أو اليمين صحيح على أصله في أن ذلك جائز لأنه قد وجب له رد السلعة وأخذ الثمن معجلا فتأخيره به معروف منه صنعه به، فوجب أن يحنث بذلك لأنه في معنى السلف سواء، وإن كان ذلك لا يسمى سلفا وإنما يسمى إنظارا، قال ﷺ : «من أنظر معسرا فله بكل يوم صدقة أو بكل يوم مثله صدقة» على ما روي عنه من ذلك ولم يقل من السلف معسرا إذ لا يسمى سلفا إلا ما دفع عن ظهر يد، فلو ادعى الحالف أنه أراد بيمينه ألا يسلف أحدا سلفا عن ظهر يد لوجب أن ينوي وإن حضرته بينة فيما يقضى به عليه، ويأتي في هذه المسألة على القول بأنه لا يجوز أن يؤخره بالثمن على أن يقبل منه السلعة أنه لا يحنث بذلك إن فعله؛ لأنه ليس بسلف عن ظهر يد ولا في معنى السلف إذ لم يؤخره بالثمن إرادة الرفق به وإنما أخره عنه لما أسقط عنه مما كان يلزمه إياه بالحكم من إثبات العيب أو اليمين، فأشبه المبايعة وخرج عن حكم السلف، وهذا على ما في رسم البدع من سماع أشهب من كتاب المديان وعلى ما يدل عليه قول مالك في كتاب الصلح من المدونة خلاف قول ابن القاسم فيه، وهو أظهر لأن إثبات العيب أو اليمين ليس بلازم له في باطن الأمر وتكليف البائع إياه ذلك لا يحل له إن كان عالما بصدق ما يدعي، وسيأتي في رسم من باع شاة مسألة من حلف ألا يسلف رجلا فأنظره بحق كان له عليه.

стр. 1300

[مسألة: حضرته الوفاة فأوصى إلى ابنه أن يحج عنه لنذر كان عليه وابنه صرورة] مسألة وسئل عن رجل حضرته الوفاة فأوصى إلى ابنه أن يمشي عنه لنذر كان عليه وابنه صرورة، فخرج ماشيا عن أبيه وهو ينوي بحجه حجة الإسلام وحجة نذر أبيه، فقال: قال مالك: الحجة جائزة عنه لحجة الإسلام، وليس المشي عن أبيه بشيء لأنه لا يمشي أحد عن أحد. قال محمد بن أحمد: قد مضى القول في هذه المسألة في كتاب الحج في رسم تسلف، وفي رسم باع غلاما، ورسم ليرفعن أمرا إلى السلطان من سماع ابن القاسم، وفي سماع سحنون منه أيضا، فلا معنى لإعادة شيء من ذلك لاكتفاء من أراد الوقوف عليه بما هنالك إن شاء الله وبه التوفيق. [مسألة: يحلف على غريم له أن لا يؤخره فيريد أن يتحول بالحق على غيره] مسألة وسئل ابن القاسم عن الرجل يحلف على غريم له أن لا يؤخره فيريد أن يتحول بالحق على غيره من أهل الملا قال: إن فعل فهو حانث. قال محمد بن أحمد: حنثه في هذه المسألة بما ظهر إليه من معنى أنه أراد أن لا يؤخره وأن يأخذ حقه منه فحنثه بالإحالة إن لم يأخذ حقه منه ولو حمل يمينه على ما يقضيه لفظه كما فعل في أول مسألة من هذا الرسم وفي آخر مسألة من الرسم الذي قبله لما حنثه إذ لم يؤخره إلا أن ينوي أن يأخذ حقه منه فذلك العارض من قوله فقف عليه وبالله التوفيق. [مسألة: قال عليه المشي إلى بيت الله إن لم يصنع له شيئا فصنعه له آخر] مسألة وسئل عن رجل جاء إلى صناع ليصنع له شيئا في بيته فقال الصناع: إني لأستحيي أن آخذ في هذا شيئا، فقال الذي جاء: عليه
следующие страницы →