← Фикх малики

Фикх малики · id 21751

البيان والتحصيل

ابن رشد الجد

Полный текст (9 112 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

ولا اختلاف أعلمه أن في كيله ثلاثة آصع، وأن في كل صاع أربعة أمداد. وإنما اختلفوا في المد فقيل: إنه زنة رطلين؟ وقيل: إنه زنة رطل وثلث، قيل بالماء، وقيل بالوسط من الطعام. وقد رويت في هذا الباب آثار ظاهرها التعارض لاختلافها في مقدار ما كان يتوضأ به رسول الله ﷺ ويغتسل من الماء. منها ما روي: «أن رسول الله ﷺ كان يغتسل من إناء هو الفرق من الجنابة» ، ومنها ما روي عن عائشة أنها قالت: «كان رسول الله ﷺ يتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع» ، ومنها ما روي عن أنس بن مالك: "أن «النبي ﷺ كان يتوضأ بالمكوك، ويغتسل بخمس مكاكي» ، والذي أقول به في ذلك أن ذلك ليس باختلاف تعارض، وإنما هو اختلاف تخيير وإباحة وإعلام بالتوسعة، فكان يغتسل مرة بثلاثة آصع على ما في الحديث الأول، ومرة بصاع ونصف على ما في الحديث الثاني، ومرة بصاع على ما في الحديث الثالث، ومرة بصاع ومد إذا كان المكوك مدا على ما في حديث أنس، وأن عائشة قصدت في الحديث الثالث إلى الإعلام بأقل ما رأت رسول الله ﷺ يتوضأ به، ويغتسل من الماء، وقصد أنس بن مالك في حديثه أيضا إلى الإعلام بأقل ما رأى رسول الله ﷺ يتوضأ به ويغتسل من الماء، وهي كلها

стр. 177

بجملتها تقتضي أن تقليل الماء مع إحكام الغسل هو المختار في الوضوء والغسل، وأنه لا حد في ذلك من الماء يجب الاقتصار عليه. ومن الناس من ذهب إلى أنه لا اختلاف في الأحاديث في مقدار ما كان يتوضأ به رسول الله ﷺ ، ويغتسل من الماء، فصرفها كلها بالتأويل إلى حديث أنس بن مالك بأن قال: يحتمل أنه أراد بالمكوك المد، فقوله: إنه كان يتوضأ بالمكوك هو مثل ما في حديث عائشة من أنه كان يتوضأ بالمد. وقوله: إنه كان يغتسل بخمس مكاكي، يريد أنه كان يتوضأ أولا بمكوك منها، ثم يغتسل بالأربعة مكاكي، مثل ما في حديث عائشة من أنه كان يغتسل بالصاع؛ لأنه يحتمل أن تكون أرادت أنه كان يغتسل بالصاع بعد أن كان يتوضأ بالمد. وقول عائشة: «كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناء هو الفرق» يحتمل أن لا يكون الفرق مملوءا من الماء، وأن يكون فيه قدر صاعين ومدين فيتوضأ، كل واحد منهما في أول غسله بمد، ثم يغتسل بأربعة أمداد وهو صاع، وما روي من أن رسول الله ﷺ كان يغتسل من إناء هو الفرق، يحتمل أن يكون كان يغتسل منه بقدر الصاع، ويفضل من الماء فيه بعد غسله منه قدر صاعين، ويحتمل أن لا يكون مملوءا من الماء، وأن يكون قدر صاع لا أكثر. والذي ذكرته أولا هو الصحيح، ولا يمتنع عندي أن يكون ﷺ يغتسل أيضا في بعض المرات بأكثر من ثلاثة آصع، بل هو الظاهر من حديث الموطأ في صفة غسله «أنه كان ﷺ يبدأ فيغسل يديه، ثم يتوضأ للصلاة، ثم يدخل أصابعه في الماء فيخلل بها أصول شعر رأسه، ثم يصب على رأسه ثلاث غرفات بيديه، ثم يفيض الماء على جلده كله» ، والله أعلم. [المسح على الخفين في الحضر والسفر] من مسائل نوازل سئل عنها أصبغ بن الفرج قال: شهدت ابن وهب في داره بالفسطاط توضأ، ومسح على

стр. 178

خفيه، وقال لي: اشهد علي. قال أصبغ: المسح لا شك فيه هو أثبت من كل شيء عن النبي ﷺ وكبراء أصحابه، قال: وأنا أمسح في الحضر، وأفتي به. قال محمد بن رشد: قول ابن وهب وأصبغ في إجازة المسح في الحضر كما يجوز في السفر هو الذي رجع إليه مالك ﵀ ومات عليه، بعد أن كان اختلف قوله فيه. وقد مضى القول في هذه المسألة بكماله في رسم "البز" من سماع ابن القاسم، وبالله التوفيق. [رجل جنب لا يستطيع أن يفيض الماء على جلده وهو ممن يجد ماء] من سماع أبي زيد من ابن القاسم قال أبو زيد: سئل ابن القاسم، عن رجل جنب لا يستطيع أن يفيض الماء على جلده، وهو ممن يجد ماء، قال: يتيمم لكل صلاة. قيل له: أرأيت إن تيمم فصلى بذلك التيمم صلوات، أترى أن يعيد الصلوات؟ قال: نعم. قال محمد بن رشد: قوله: إن الذي يجد الماء ولا يقدر على مسه يتيمم لكل صلاة، هو قول مالك في المدونة على أصله في أن آية التيمم على تلاوتها لا تقديم فيها ولا تأخير، وقد قيل: إنه ليس من أهل التيمم، وهو قول مالك في رسم "الشريكين" من سماع ابن القاسم، ومن متأخري أصحابنا من قال: إن له أن يجمع صلاتين بتيمم واحد. وأما الذي لا يجد الماء في السفر أو لا يجد من يناوله إياه وهو مريض في الحضر، فلا اختلاف في المذهب في أنه لا يجوز له أن يجمع صلاتين بتيمم واحد، إلا ما روي عن أبي الفرج في ذاكر صلوات أنه يجوز له أن يصليها بتيمم واحد. وقوله: إنه يعيد الصلوات إن صلى بذلك التيمم صلوات، يريد ما بعد الصلاة الأولى من الصلوات، ويريد الوقت وبعده، وهو ظاهر الرواية. وقد قيل: إن كانت الصلاتان اللتان صلى بتيمم واحد مشتركتي الوقت، أعاد الثانية في الوقت، والوقت في ذلك إلى

стр. 179

الغروب، وقيل الوقت في ذلك وقت الصلاة المفروضة: القامة للظهر، والقامتان للعصر. وإن لم تكونا مشتركتي الوقت أعاد الثانية أبدا. وقد قيل: يعيد الثانية ما لم يطل مثل اليومين وأكثر من ذلك. وقد اختلف في المعنى الذي من أجله، لم يجز للمتيمم أن يصلي صلاتين بتيمم واحد، فقيل: إن المعنى في ذلك أن الله أوجب الوضوء لكل صلاة، أو التيمم إن لم يجد الماء بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ [المائدة: ٦] ، فخصصت السنة الوضوء؛ لأن رسول الله ﷺ «صلى يوم فتح مكة صلوات بوضوء واحد» ، وبقي التيمم على الأصل. وقيل: بل المعنى في ذلك أن الله لم يبح التيمم إلا أن لا يوجد الماء، ولا يكون غير واجد له إلا إذا طلبه فلم يجده، فصار الطلب للماء شرطا من صحة التيمم للصلاة عند القيام إليها بعد دخول وقتها، وكذلك صار طلب القدرة على استعمال الماء للمريض الذي لا يقدر على مس الماء شرطا في صحة التيمم للصلاة عند القيام إليها، عند من جعله من أهل التيمم، فعلى هذا المعنى أجاز مالك في رواية أبي الفرج عنه لذاكر صلوات أن يصليها بتيمم واحد؛ لأنه جعل الصلوات المذكورة في حكم صلاة واحدة لوجوب صلاتها عليه جميعا حين يذكرها في الوقت الذي يذكرها فيه، ولم يجز ذلك في رواية غيره؛ لأنه رأى أن طلب الماء واجب عليه كلما سلم من صلاة، وأراد القيام إلى أخرى، فالطلب على هذا القول شرط من صحة التيمم لكل صلاة عند القيام إليها، وعلى رواية أبي الفرج هو شرط في صحة التيمم، لما اتصل من الصلوات المفروضات، وعلى هذا المعنى أيضا أجاز من أجاز من متأخري أصحابنا للمريض الذي لا يقدر على مس الماء أن يصلي صلاتين بتيمم واحد؛ لأنه لما كان الأغلب من حاله أنه لا يقدر على مس الماء، لم يوجب عليه طلب القدرة على استعماله، والأظهر

стр. 180

أن ذلك عليه واجب، إذ قد يتحامل فيقدر، وليس لما يلزمه من التحامل على نفسه في ذلك حد لا يتجاوز، وإنما هو مصروف إلى استطاعته، وموكول إلى أمانته. وأما على المعنى الأول، فلا يتجه هذا القول ولا رواية أبي الفرج في ذاكر صلوات، والله أعلم، والقياس على المذهب فيمن صلى صلاتين بتيمم واحد أن يعيد الأخيرة أبدا، ومن قال: إنه يعيدها في الوقت، وفرق بين المشتركتين في الوقت وغير المشتركتين، فليس قوله بقياس، وإنما هو استحسان لمراعاة قول من قال من العلماء: إن التيمم يرفع الحدث كما يرفعه الوضوء، وإنه لا وضوء عليه، وإن وجد الماء ما لم يحدث، وبالله التوفيق. [مسألة: قام من نومه فغسل ما أصابه من احتلام ولم يرش وصلى بذلك الثوب] مسألة وقال فيمن قام من نومه، وقد أصابه احتلام فغسل ما أصاب منه ثوبه ولم يرش، وصلى بذلك الثوب، قال: يرش الثوب، ويعيد كل صلاة صلاها في ذلك الثوب إذا كان في وقتها، وما فات الوقت فلا إعادة عليه فيه. قال محمد بن رشد: إنما يجب عليه أن ينضح من ثوبه إذا غسل الاحتلام منه ما شك أن يكون أصابه الاحتلام منه ولم يره لا جميعه، إلا أن يكون شك في جميعه لكثرة تقلبه فيه، وجعل ذلك واجبا، فأوجب عليه الإعادة في الوقت إن لم يفعله، وهو القياس على أصولهم في أن النضح طهور لما شك فيه، وهذا قد شك فيه. وقال ابن حبيب: إن نضح ما لم ير إذا غسل ما رأى لتطيب النفس، فلا إعادة عليه إن تركه، خلاف تركه نضح ما شك فيه، وهو قول ابن نافع في تفسير ابن مزين، وقد مضى ذلك في آخر رسم "البز"، من سماع ابن القاسم، وبالله التوفيق. [مسألة: توضأ ومسح على خفيه ثم صلى الظهر فلم يأت العصر حتى انخرق خفه] مسألة وقال في رجل توضأ، ومسح على خفيه، ثم صلى الظهر فلم يأت العصر حتى انخرق خفه بقدر ما لا يمسح على مثله، ثم

стр. 181

حضرت صلاة العصر، قال: ينزع خفيه، ويغسل رجليه ويصلي ولا يعيد الوضوء. وقال أصبغ فيمن انتقض وضوؤه، فمسح على خفيه، ثم نزع الخف الواحد غسل تلك الرجل الواحدة، وصلى ولم يخلع الأخرى، قال أبو عمرو يوسف بن عمر: فعاودته في ذلك وأنكرته، فثبت على هذا القول، وأبي الرجوع عنه. قال محمد بن رشد ﵁: وقع في بعض الكتب قال: ينزع خفه، ويغسل رجله على الإفراد، وذلك خطأ، والله أعلم، وإنما هو ينزع خفيه ويغسل رجليه، بدليل إدخال العتبي قول أصبغ عقبه؛ لأنه إنما أدخله على الخلاف لابن القاسم، إذ لا وجه له إلا ذلك، ولو لم يدخله على الخلاف لاكتفى بأن يقول: وقال أصبغ مثله. وقد تقدم لابن القاسم في رسم "نقَدها نقْدها" من سماع عيسى في الذي يلبس الخفين على الخفين، فيمسح على الأعلى منهما، ثم ينزع فردا منهما أنه يمسح على الخف الأسفل من تلك الرجل وحده ويصلي، فمذهبه الفرق في ذلك بين أن يكون الخفان على القدمين أو على خفين. وساوى مالك بينهما في آخر سماع أشهب من هذا الكتاب في الجواز، وابن حبيب في المنع، فيتحصل في ذلك ثلاثة أقوال، وقد بينا ذلك في سماع أشهب المذكور، في قوله في هذه الرواية: فلم يأت العصر حتى انخرق خفه، ثم حضر العصر أنه ينزع خفيه نظر؛ إذ يقتضي ظاهر قوله: إنه إن انخرق خفه بقدر ما لا يمسح عليه قبل العصر فأخر خلعهما إلى أن حضرت صلاة العصر أنه يخلعهما حينئذ، ويغسل رجليه ولا ينتقض وضوؤه، والصواب أن وضوءه ينتقض إن لم يخلعهما حين انخرق الخف خرقا لا يمكنه المسح عليه، ولم يبين في الرواية حد الخرق الذي يجوز المسح عليه من الذي لا يجوز، ولا وقع ذلك في الأمهات ما فيه شفاء وجلاء؛ لأنه قال في المدونة: إن كان كثيرا فاحشا يظهر منه القدم فلا يمسح، وإن كان يسيرا لا يظهر منه القدم فليمسح، قال في الواضحة: إن كان فاحشا لا يعد به

стр. 182

الخف خفا لتفاحش خرقه وقلة نفعه فلا يمسح، وإن لم يكن متفاحشا مسح، وإن أشكل عليه خلع. وروى ابن غانم عن مالك أنه يمسح عليه ما لم تذهب عامته، وقال في آخر الرواية: إذا كان الخرق خفيفا لم أر بالمسح عليه بأسا. وقال ابن القاسم: معنى قول مالك في الخف الذي أجاز المسح عليه هو الذي لا يدخل منه شيء. فاستفدنا من مجموع هذه الروايات أنه يمسح على الخرق اليسير، ولا يمسح على الخرق الكثير، وإذا كان ذلك كذلك بإجماع وقامت الأدلة من الكتاب والسنة على أن الثلث هو آخر حد اليسير، وأول حد الكثير، وجب أن يمسح على ما كان الخرق فيه أقل من الثلث، ولا يمسح على ما كان الثلث فأكثر، أعني ثلث القدم من الخف لا ثلث جميع الخف. وإنما يمسح على الخرق الذي يكون أقل من الثلث إذا كان ملتصقا بعضه ببعض، كالشق لا يظهر منه القدم، وأما إن اتسع الخرق وانفتح حتى يظهر منه القدم، فلا يمسح عليه إلا أن يكون يسيرا جدا ليس بفاحش، فمحصول هذا أنه إذا كان الخرق في الخف الثلث فأكثر، فلا يمسح عليه ظهرت القدم أم لم تظهر، وإن كان الخرق أقل من الثلث، فإنه يمسح عليه ما لم يتسع وينفتح حتى تظهر منه القدم، فلا يمسح عليه إلا أن يكون يسيرا كالثقب اليسير الذي لا يمكنه أن يغسل منه ما ظهر من قدمه؛ لأنه إذا ظهر من قدمه ما يمكنه غسله لم يصح له المسح من أجل أنه لا يجتمع مسح وغسل، فعلى هذا يجب أن تخرج الروايات المسطورة المشهورة. وقد روى علي بن زياد، وأبو المصعب، والوليد بن مسلم عن مالك أنه يمسح على الخفين اللذين يقطعهما المحرم أسفل من الكعبين، وقاله الأوزاعي، وزاد أنه يمر الماء على ما بدا من قدمه، وهو شذوذ، وبالله التوفيق. [مسألة: المريض الذي لا يجد من يناوله الماء ولا ترابا يتيمم به] مسألة وقال في المريض الذي لا يجد من يناوله الماء ولا ترابا يتيمم

стр. 183

به، ولا يستطيع شيئا، قال: يصلي ويعيد، وإن فات الوقت إذا وجد من يناوله الماء. قال محمد بن رشد: قوله: إنه يصلي ثم يعيد أبدا استحسان على غير قياس؛ لأن الصلاة إذا كانت لا تجزئه بغير طهارة، فلا وجه لفعلها. والصواب قول من قال: إنه لا يصلي حتى يجد الماء فيتوضأ؛ لقول رسول الله ﵇: «لا يقبل الله صلاة بغير طهور ولا صدقة من غلول» وما أشبه ذلك من الآثار المتواترة في هذا المعنى. وقد قيل: إنه إذا لم يجد الماء حتى خرج الوقت فقد سقطت عنه الصلاة، وهي رواية معن بن عيسى عن مالك. ووجه ذلك أنه إذا لم يقدر على الصلاة كان كالمغلوب عليه في حكم المغمى عليه، وبالله التوفيق. [يخرج من داخل الحمام وقد نزل الحوض النجس فتطهر بالطهور] مسألة وسئل عمن يخرج من داخل الحمام، وقد نزل الحوض النجس، فتطهر بالطهور، ويغسل يديه ثم يتوضأ منه، وليس معه إناء يغسل يده إذا توضأ قبل أن يرجعها في الطهور، فهو يرفع من الطهور إلى وجهه ثم يردهما في الطهور قبل أن يغسلهما، وقد أمرهما على وجهه، وفي وجهه ذلك الماء النجس من الماء الحار الذي يخرج منه ومثله من مواضع الوضوء، فقال: ليس بهذا بأس ورآه سهلا، وقد قال: هذا مما أجازه الناس. قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن ماء الحوض ليس بنجاسة محضة كالبول والدم، وإنما هو نجس بما يغلب على الظن من حصول النجاسة فيه بكثرة المنغمسين فيه، إذ يبعد أن تكون أجسام جميعهم طاهرة.

стр. 184

ولو وقع في قدر ما يتطهر به الرجل من الماء قطرة من البول أو الدم أو الخمر، لما نجس الماء بذلك على مذهب مالك، وقد مضى بيان ذلك في سماع موسى بن معاوية وغيره، فكيف برد يديه في الطهور قبل أن يغسلهما، إذا اغتسل وفي وجهه ذلك الماء المحكوم بنجاسته، هذا مما ينبغي أن لا يبالى به، وأن يسهل فيه، وأن يستجاز إذ قد أجازه الناس، ولو نجس طهوره برد يديه فيه بعد أن مس بهما جسمه في نقل الماء إليه، وغسله لوجب أن ينجس الماء الذي نقله إليه بملاقاته إياه، فلا يطهر أبدا. وفي الإجماع على فساد هذا ما يقضي بفساد قول من قال: إن الطهور ينجس بذلك، وإن الغسل لا يجزئ به، وبالله التوفيق. [مسألة: تيمم للوضوء وقد كان أجنب وهو ناس للجنابة] مسألة قال: ومن تيمم للوضوء، وقد كان أجنب، وهو ناس للجنابة إن ذلك التيمم لا يجزئ عنه من الجنابة حتى يتيمم له ثانية، ولو تيمم للجنابة، أجزأه من تيمم الوضوء. قال محمد بن رشد: قد روي عن محمد بن مسلمة، أن من تيمم للوضوء وهو ناس للجنابة أجزأه؛ لأنه فرض ينوب عن فرض، وروى ابن وهب عن مالك في أصل سماعه، أن من فعل ذلك أعاد التيمم والصلاة في الوقت، فإن خرج الوقت لم يعد؛ لأن التيمم لهما واحد، وذلك راجع إلى قول محمد بن مسلمة؛ لأن الإعادة في الوقت استحباب. ووجه رواية أبي زيد أن التيمم للوضوء إنما يرفع الحدث عن أعضاء الوضوء خاصة، والتيمم للجنابة يرفع الحدث عن جميع جسمه، وإن كان الفعل لهما واحدا، فافتراق النية فيهما يفرق بين أحكامها، كما أن من أفرد الحج أو قرنه، فالفعل فيهما جميعا واحد عند مالك، وإنما تفترق أحكامهما عنده بالنية، وأن من ضحى عن نفسه خاصة، أو أشرك في أضحيته أهل بيته، فالفعل فيهما سواء، وإنما يفترق حكمهما بافتراق النية، وما أشبه ذلك كثير. ووجه قول ابن مسلمة، ورواية ابن

стр. 185

وهب عن مالك أن حدث الوضوء، وحدث الجنابة، لما كانا يستويان في وجوب منعهما من الصلاة، ويستويان في صفة رفعهما بالتيمم، ناب التيمم لكل واحد منهما عن التيمم عن صاحبه؛ لأنه قصد به الطهارة للصلاة. أصل ذلك المرأة تجنب ثم تحيض، فتغتسل إذا طهرت من الحيضة للحيضة، وتنسى الجنابة أن الغسل يجزيها باتفاق، وكذلك لو اغتسلت للجنابة، ونسيت الحيضة على الصحيح من الأقوال، ورواية أبي زيد أظهر من قول ابن مسلمة، ورواية ابن وهب عن مالك، والحجة لهما أقوى. ومن قال: إن مسألة الجبيرة في المدونة تعارضها، وأنه يلزم على قياسها أن يجزئ تيمم الوضوء عن الجنابة، فليس قوله بصحيح، والفرق بين المسألتين أن التيمم للوضوء إنما هو بدل عن غسل أعضاء الوضوء خاصة، فوجب أن لا يجزئ عن تيمم الجنابة الذي هو بدل عن غسل جميع الجسم، وغسل موضع الجبيرة التي كان مسح عليها في الغسل إذا سقطت أصل في نفسه، ليس ببدل من غيره، ولا يلزم طهارة سواه، إذ قد غسل سائر جسمه، فوجب أن يجزئ غسله بنية الوضوء عن غسله بنية الجنابة، كما يجزئ غسل الجنابة عن غسل الحيضة على الصحيح من الأقوال. ولو غسل بنية الجنابة ما عليه غسله بنية الوضوء لأجزأه قولا واحدا، مثل أن تكون الجبيرة في موضع من مواضع الوضوء، فيمسح عليها في وضوئه، ثم يظن أن عليه جنابة، فيغتسل لها، وقد سقطت الجبيرة، ثم يعلم أنه لم تكن عليه جنابة، لكان على وضوئه ما لم يحدث باتفاق. والإجماع على هذه المسألة يضعف قول ابن أبي زيد في مسألة الماس لذكره في أثناء غسله، يريد وينويه في إمرار يده على مواضع الوضوء في باقي غسله، وبالله التوفيق. [مسألة: رجل توضأ فغسل وجهه ويديه ثم أحدث] مسألة وسئل عن رجل توضأ فغسل وجهه ويديه ثم أحدث، قال:

стр. 186

يعيد الوضوء من أوله، ولا يدخل يديه في الإناء حتى يفرغ عليهما الماء. قال محمد بن رشد: قد مرت هذه المسألة، ومضى الكلام عليها في غير ما موضع، ومضى الكلام عليها موعبا في رسم "الوضوء والجهاد" من سماع أشهب، وبالله التوفيق. [مسألة: مسألة نسي الاستنجاء بالماء فذكر بعدما صلى] مسألة وسئل عمن نسي الاستنجاء بالماء، فذكر بعدما صلى، قال: عليه الإعادة في الوقت. قال محمد بن رشد: يريد أنه لم يستنج بماء ولا بحجارة، وقد تعلق بمخرجه أذى، أو لم يتعلق بمخرجه أذى، وكان قد استنجى بالحجارة، لم تكن عليه إعادة على ما قال في المسألة التي تليها، أو بحجر واحد، فأنقى على ما في رسم "أسلم" من سماع عيسى، أو بمدرة على ما في رسم "المحرم" من سماع ابن القاسم، وقد مضى الكلام على هذه المسألة في رسم "سُنّ منه "، وبالله التوفيق. [مسألة: استنجى بالحجارة ثم توضأ وصلى هل عليه إعادة] مسألة قال: وسألت مالكا عمن استنجى بالحجارة، ثم توضأ وصلى، هل عليه إعادة؟ فقال: لا إعادة عليه في وقت ولا غيره. وقد كان بعض الناس يقولون: إن عدا المخرج فسألت مالكا عنها، فلم يذكر عدا المخرج ولا غيره. ومن الحجة في ذلك إن قال قائل: إن من مضى إنما كانوا يبعرون، أرأيت البول أليس هو واحدا منهم ومنا، فقد جعلوه في الأمرين جميعا، إذا عدا المخرج فليس هو كذلك، قد كانوا يبعرون وإن كانوا يأكلون السمن واللبن وغيره مما يلين

стр. 187

البطون، وقد كان عبد الله بن عمر وغيره من الناس يستنجون بالحجارة ولا يستنجون بالماء، فلم يسمع منهم في ذلك حد، ولست أرى الإعادة عليه إذا استنجى بثلاثة أحجار، ولكن لو أن رجلا نسي أن يستنجي بالحجارة حتى توضأ وصلى، أعاد ما دام في الوقت؛ لأنه إذا لم يستنج بمنزلة ما لو صلى به في جلده أو ثوبه. وكذلك بلغني عن مالك قال: لو بالغ بحجر أو بحجرين، فلا إعادة عليه أيضا. قال محمد بن رشد: حكم مالك ﵀ لما قرب من المخرج، مما لا ينفك من وصول الأذى إليه، ولا له منه بد بحكم المخرج في أن الأحجار تجزي فيه، وذهب بعض الناس إلى أن الأحجار لا تجزي في ذلك، وهو قول عبد العزيز بن أبي حازم في المدنية، وإليه ذهب ابن حبيب في الواضحة، وأما ما بعد من المخرج مما ينفك عن وصول الأذى إليه، وله منه بد، فلا يجزي فيه إلا الماء باتفاق في المذهب، وقول مالك أظهر، والله أعلم، وقد مضى في رسم "سُنّ" من سماع ابن القاسم في هذا المعنى، والحمد لله. [مسألة: الذي يطلب الماء في رحله فلا يجد فيسأل بعض من معه في الرفقة] مسألة قال ابن القاسم في الذي يطلب الماء في رحله فلا يجد، فيسأل بعض من معه في الرفقة فيقولون: ليس عندنا ماء فيتيمم، ثم يجد عندهم الماء، قال: إن كان رفقاؤه ممن يظن أن لو علموا بالماء عندهم لم يمنعوه، فإن وجد الماء في رحله فليعد في الوقت، وإن كان يظن أن لو كان معهم ماء منعوه، فلا أرى عليه إعادة. وقد قال مالك: لو نزلوا في صحراء، وليس معهم ماء فتيمموا وصلوا، ثم وجدوا بئرا أو غديرا قريبا منهم لم يعلموا به، فإنهم يعيدون ما كان في الوقت.

стр. 188

قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن وجوده الماء عند من يقرب منه ويليه ممن كان يلزمه أن يطلبه منه، ويسأله إياه بعد أن كان سأله أو طلبه كوجوده عند نفسه، فيعيد في الوقت استحبابا، إذ إنما فعل ما افترض الله عليه من الصلاة بالتيمم بعد أن طلب الماء فلم يجده. وقال أصبغ: يعيد أبدا؛ لأنه قد انكشف أنه كان من أهل الماء، فليس جهله به مما يسقط عنه فرض الوضوء، وقول مالك هو الصحيح؛ لأنه لم يكلف علم ما غاب علمه عنه مما لا طريق له إلى معرفته، وإنما تعبد بطلب الماء إذا لم يجده، فإذا بلغ الحد الذي يلزمه في الاجتهاد في طلبه، فلم يجده وتيمم وصلى، فقد أدى فرضه على ما أمره الله به، ووجب ألا يكون عليه إعادة إلا في الوقت استحبابا، ولو ترك أن يطلب الماء عند من يليه ممن يرجو وجوده عنده، ويظن أنه لا يمنعه إياه وتيمم وصلى لوجب أن يعيد أبدا إذا وجد الماء. أصل هذه المسألة الذي تخفى عليه القبلة في المفازة أنه إن اجتهد في الاستدلال عليها ثم صلى فانكشف له أنه صلى إلى غير القبلة لم تجب عليه الإعادة إلا في الوقت استحبابا، وإن صلى تلقاء وجهه دون أن يجتهد في الاستدلال عليها أعاد أبدا؛ لأنه ترك الفرض الواجب عليه في ذلك. وقد مضى في رسم "شك في طوافه" من سماع ابن القاسم في أول سماع أشهب التكلم في حد ما يلزمه من طلب الماء إذا لم يجده، وبالله التوفيق. [مسألة: تيمم وصلى الفجر ومكث حتى طلوع الشمس أيصلي به الضحى] مسألة وسئل عمن تيمم وصلى فقعد يذكر الله حتى طلعت عليه الشمس، أترى أن يركع ركوع الضحى بتيممه ذلك؟ قال: لا. قال محمد بن رشد: إنما قال: إنه لا يركع ركوع الضحى بتيمم صلاة الصبح؛ لأن الأصل كان ألا يصلي بالتيمم إلا صلاة واحدة على ما مضى القول فيه في أول سماع أبي زيد، وأن لا يصلي نافلة بتيمم فريضة، وإن اتصلت بها، فإنما تصلى النافلة بتيمم الفريضة إذا اتصلت بها استحسانا

стр. 189

ومراعاة لقول من يقول: إن التيمم يرفع الحدث كالوضوء بالماء، فإذا لم تتصل بها، وطال الأمد بينهما، واتسع الوقت لطلب الماء ثانية للنافلة وجب أن ينتقض التيمم على الأصل، وأن لا يراعى في ذلك الخلاف كما روعي إذا اتصلت بها؛ لكونها في اتصالها بها في معنى الصلاة الواحدة، وبالله التوفيق. [مسألة: رجلا تيمم لنافلة ثم خرج من المسجد لحاجة ثم رجع] مسألة قيل له: أرأيت لو أن رجلا تيمم لنافلة، ثم خرج من المسجد لحاجة ثم رجع، أترى أن يتنفل بتيممه ذلك؟ قال: لا، ولا يقرأ به في المصحف. قيل له: أرأيت إن تيمم لنافلة، فصلى ثم لم يزل في المسجد في حديث، ثم أراد أن يقوم يتنفل بذلك التيمم؟ قال: إن تطاول ذلك فليتيمم تيمما آخر، وإن كان شيئا خفيفا، فأرجو أن يجزيه. قال محمد بن رشد: القول في هذه المسألة كالقول في التي قبلها، وهو أن الأصل كان أن لا يصلي صلاتين بتيمم واحد نافلة ولا فريضة، وأن لا يجوز التيمم للصلاة عند عدم الماء إلا عند القيام إليها بظاهر قول الله ، فأجيز أن يصلي بتيمم واحد ما اتصل من النوافل، والنافلة إذا اتصلت بالفريضة استحسانا ومراعاة للخلاف؛ لكونها باتصالها في حكم الصلاة الواحدة، فإذا تباعد ما بينها سقط مراعاة الخلاف، ورجعت المسألة التي حكم الأصل، فوجب إعادة التيمم، وبالله التوفيق. [مسألة: الحائض تكتب القرآن في اللوح وتمسك اللوح فتقرأ فيه] مسألة وسئل عن الحائض تكتب القرآن في اللوح، وتمسك اللوح فتقرأ فيه، قال: لا بأس به على وجه التعليم. قال محمد بن رشد: قد مضى في رسم "شك في طوافه"، من سماع

стр. 190

ابن القاسم وجه القول في هذه المسألة، والمعنى الذي من أجله وقع التخفيف فيها، فمن أراد الوقوف عليه تأمله هناك، وبالله التوفيق. [مسألة: المستحاضة تترك الصلاة في الاستظهار وبعده أياما جاهلة] مسألة وقال في التي تستحاض، فتترك الصلاة في أيام حيضتها وفي الاستظهار، وتترك الصلاة بعد الاستظهار أياما جاهلة. قال: قال مالك: لا تعيد الصلاة للأيام التي تركت الصلاة فيها جاهلة. قال ابن القاسم: ولو أعادت كان أحب إلي، ولكن قد قال مالك: لا تعيد. قال محمد بن رشد: ظاهر هذه الرواية أنه لا قضاء عليها لصلاة الأيام التي تركت الصلاة فيها بعد أيام استظهارها جاهلة متأولة، وإن زادت على خمسة عشر يوما، ومثله في مختصر ما ليس في المختصر لابن شعبان، قال: ولو طال بالمستحاضة والنفساء الدم، فلم تصل النفساء ثلاثة أشهر، ولا المستحاضة شهرا لم تقضيا ما مضى إذا تأولتا في ترك الصلاة دوام ما بهما، ولتصليا من حين يستيقنان بالغسل للنفساء والوضوء للمستحاضة. وقد قيل في المستحاضة: إن كانت تركت بعد أيام أقرائها يسيرا أعادته، وإن كان كثيرا، فليس عليها قضاؤه بالواجب. ووجه هذا القول أن الحائضة لما كانت مأمورة بترك الصلاة في الحيض فتركت الصلاة بعد أيام استظهارها ظنا منها أن ما بها من الدم من الحيض الذي أمرت بترك الصلاة فيه، سقط عنها القضاء بسقوط الإثم في الترك بالتأويل، كما سقطت الكفارة عمن أفطر في رمضان من غير عذر متأولا، إذ لا يجب قضاء الصلاة إلا على من نسيها، أو نام عنها، أو تركها مفرطا فيها، وهذه ليست بمفرطة، ولا نائمة، ولا ناسية. وقد سألت شيخنا الفقيه أبا جعفر بن رزق ﵀ عن معنى رواية أبي زيد هذه، فقال معنى قول مالك فيها: لا تعيد الصلاة للأيام التي تركت الصلاة فيها جاهلة أنه أراد ما بينها وبين الخمسة عشر يوما، مراعاة لقول من

стр. 191

يقول: إنها لا تغتسل ولا تصلي قبل الخمسة عشر يوما، وهو أحد قوليه. وأما ما تركت الصلاة فيه بعد خمسة عشر يوما، فلا بد لها من القضاء، إذ لا اختلاف في أنه يجب عليها أن تغتسل وتصلي بعد الخمسة عشر يوما، فلا تعذر في ذلك بجهل؛ لأن المتعمد والجاهل في حكم الصلاة سواء. وكذلك قال ابن حبيب في الواضحة. وقد اختلف في المرأة إذا تمادى بها الدم فاغتسلت بعد الاستظهار إلى تمام الخمسة عشر يوما، فقيل: إن حكمها حكم المستحاضة تصلي إيجابا، وتصوم ويجزيها صومها، ويطؤها زوجها، وإنها تغسل عند تمام الخمسة عشر يوما غسلا ثانيا، وهو قول ابن القاسم وروايته عن مالك في المدونة، بدليل قوله في كتاب الحج الثالث منها: إنها تطوف بعد الاستظهار، إذ قال: يحبس عليها كريها أيامها المعتادة والاستظهار، خلاف ما تأول ابن أبي زيد عليه من أنها لا تطوف، ويفسخ الكراء بينها وبينه إن تمادى بها الدم أكثر من أيام الاستظهار. وقيل: إنها تغتسل بعد الاستظهار استحبابا، وتصلي احتياطا، وتصوم وتقضي الصيام، ولا يطؤها زوجها، ولا تطوف حتى تبلغ خمسة عشر يوما، فتغتسل حينئذ غسلا واجبا، وتكون من حينئذ مستحاضة، وهو دليل رواية ابن وهب عن مالك في المدونة، فرأيت أن أحتاط لها فتصلي، وليس ذلك عليها أحب إلي من أن تترك الصلاة وهي عليها، فإن تركت الصلاة ما بين الاستظهار والخمسة عشر يوما وجب عليها أن تقضيها على قياس رواية ابن القاسم عن مالك في المدونة، واستحب لها ذلك على رواية ابن وهب عن مالك فيها، وهو قول ابن القاسم في سماع أبي زيد، وقول مالك فيه لا قضاء عليها لها قول ثالث، فقف على ثلاثة أقوال منصوص عليها في هذا الموضع. [مسألة: الحياض التي تكون بالريف يغتسل فيها النصراني والجنب أيتوضأ منها] مسألة وسئل ابن القاسم عن الحياض التي تكون بالريف يغتسل فيها النصراني والجنب، أيتوضأ منها؟ قال: لا. قلت: فإن اغتسل

стр. 192

فيها جنب، أيجزيه الغسل؟ قال: لا؛ لأنه هو نجس. قيل له: فإن كان لا يغتسل فيها جنب ولا نصراني؟ قال: فلا بأس بالوضوء منها، وإن كانت الكلاب تشرب منها، وإن كانت الخنازير تشرب منها، فلا يتوضأ منها. قال محمد بن رشد: قوله في الحياض التي من شأنها أن يغتسل فيها الجنب والنصراني: إنها نجسة لا يتوضأ منها، ولا يجزي أحدا الغسل فيها صحيح، لما يغلب على الظن من حصول النجاسة الكثيرة فيه، وإن لم يتبين تغير أحد أوصافه عن ذلك. ومثل هذا في الواضحة. ولمالك في رسم "حلف ألا يبيع سلعة سماها " من سماع ابن القاسم في بعض الروايات من هذا الكتاب. وقوله: إنه لا بأس بالوضوء منها، وإن كانت الكلاب تشرب منها صحيح أيضا؛ لقول عمر بن الخطاب للذي سأله عمرو بن العاص، هل ترد حوضه السباع: لا تخبرنا يا صاحب الحوض، فإنا نرد على السباع، وترد علينا، ولقول النبي ﷺ : «لها ما أخذت في بطونها، ولنا ما بقي شرابا وطهورا» . والكلب أيسر مؤنة من السباع، إذ قد قيل: إنه محمول على الطهارة حتى يوقن أن في فيه نجاسة، وإن أمر النبي ﵇ بغسل الإناء سبعا من ولوغه فيه: إنه تعبد لا لنجاسة. وأما قوله: وإن كانت الخنازير تشرب منها فلا يتوضأ منها فهو بعيد، إذ لم يفرق النبي ﷺ بين الخنزير وغيره من السباع في قوله: «لها ما أخذت في بطونها، ولنا ما بقي شرابا وطهورا» ، ولا فرق عمر بن الخطاب ﵁ بين ذلك أيضا في قوله لصاحب الحوض، لا تخبرنا، فإنا نرد على السباع وترد علينا. ولو كان الخنزير يفترق في ذلك من سائر السباع لسألا صاحب الحوض عن ذلك، ولبينا الحكم في ذلك، والله أعلم. [سؤر الكلب والخنزير من الماء الطعام] وفي التفريع لابن الجلاب أن سؤر الكلب والخنزير من

стр. 193

الماء مكروه، ومن الطعام مستعمل إلا أن يكون في خطمهما نجاسة، ومعناه في كراهية سؤرهما من الماء إنما هو إذا شربا من الماء اليسير، وأما إذا شربا من الحوض والماء الكثير فلا وجه للكراهة فيه، لما ذكرناه مما جاء فيه عن النبي ﷺ وعمر بن الخطاب في جماعة من الصحابة، وبالله التوفيق لا شريك له، وهو نعم المولى ونعم النصير. تم كتاب الوضوء الثاني بحمد الله وحسن عونه، وصلى الله على سيدنا محمد المصطفى نبيه وعبده، يتلوه كتاب الصلاة الأول

стр. 194

[كتاب الصلاة الأول] [ معنى الخشوع في الصلاة] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم كتاب الصلاة الأول من سماع ابن القاسم من كتاب القبلة قال سحنون: أخبرني ابن القاسم قال: سمعت مالكا يقول في تفسير ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٢] قال الإقبال عليها والخشوع فيها. قال محمد بن رشد: الخشوع في الصلاة هو التذلل لله فيها، والاستكانة والخضوع بالخوف الحاصل في قلب المصلي باستشعاره الوقوف بين يدي خالقه في صلاته ومناجاته إياه فيها، فمن قدر الأمر حق قدره، ولم يفارق الخوف قلبه، خشع في صلاته، وأقبل عليها، ولم يشغل سره بسواها، وسكنت جوارحه فيها، ولم يعبث بيده ولا التفت إلى شيء من الأشياء بعينه، وتوجهت المدحة من الله تعالى إليه على ذلك بقوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ١] ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٢] . وقد روي أن رسول الله ﷺ أبصر رجلا يصلي وهو يعبث بلحيته في صلاته، فقال: «لم يخشع هذا في صلاته، ولو خشع لخشعت جوارحه» ، ثم قال: «تفقهوا واسكنوا في صلاتكم» . وروي عنه ﷺ أنه قال: «من عمل النبوءة الاستكانة في الصلاة» وكان عبد الله بن

стр. 195

مسعود إذا قام في صلاته كأنه ثوب ملقى. فقليل من الصلاة مع الإقبال عليها، والفكرة فيها خير من الكثير مع اشتغال القلب عنها. وروي «أن رسول الله ﷺ كان إذا وقف في صلاته رفع بصره نحو السماء، فلما نزلت: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٢] جعل بصره موضع سجوده» بتواضع واستشعار خوف. وليس جعل المصلي بصره في موضع سجوده بواجب عليه، والذي ذهب إليه مالك ﵀ أن يكون بصره أمام قبلته من غير أن يلتفت إلى شيء، أو ينكس بصره، وهو إذا فعل ذلك خشع بصره، ووقع في موضع سجوده على ما جاء عن النبي ﷺ ، وليس بضيق عليه أن يلحظ ببصره الشيء من غير التفات إليه، فقد جاء ذلك عن النبي ﷺ ، وبالله التوفيق. [مسألة: الإسراع في المشي إلى الصلاة إذا أقيمت] مسألة قال ابن القاسم: وسمعت مالكا، وسئل عن الإسراع في المشي إلى الصلاة إذا أقيمت، قال: لا أرى بذلك بأسا، ما لم يسع أو يخب. قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن رسول الله ﷺ قال: «إذا ثوب بالصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون، وأتوها وعليكم السكينة» الحديث. فإذا خاف الرجل أن تفوته الصلاة أو شيء منها، فلا بأس أن يزيد في مشيه ويسرع فيه ما لم يخرج بذلك عن حد السكينة والوقار المأمور به في ذهابه إلى الصلاة، وقد فعل ذلك عبد الله بن عمر ﵁ سمع الإقامة

стр. 196

وهو بالبقيع، فأسرع المشي إلى المسجد. وكذلك إن كان الرجل راكبا لا بأس أن يحرك دابته ليدرك الصلاة، قاله في آخر رسم "يسلف بعد هذا"، ومعناه ما لم يخرج بذلك عن حد السكينة والوقار كالماشي سواء، وبالله التوفيق. [مسألة: دخل مع قوم في صلاتهم وهو يظن أنها ظهر فتبين له أنه العصر] مسألة وسئل مالك عن رجل دخل مع قوم في صلاتهم، وهو يظن أنها ظهر، فلما ركع ركعة أو ركعتين سلم إمامهم، فتبين له أنه العصر، قال: يقطع صلاته بتسليم، ثم يستأنف الظهر ثم يصلي العصر؛ لأنه لا ينبغي أن يصلي نافلة، ولم يصل الفريضة. وإن كان الإمام سلم وقد صلى معه ركعة أو ثلاثا، فليشفع بأخرى، ثم يسلم، ثم يبتدئ صلاتيه كلتيهما. قال محمد بن رشد: لا اختلاف في المذهب أنه لا يجوز للرجل أن يأتم في صلاته بمن يصلي غير تلك الصلاة؛ لأن صلاة المأموم مرتبطة بصلاة إمامه، وإنما الاختلاف فيمن ائتم به من يصلي تلك الصلاة بعينها على غير الصفة التي يصليها هو كالسفر والحضر، أو الظهر والجمعة، على ما سيأتي بعد هذا في هذا الرسم، وفي رسم "استأذن"، من سماع عيسى، وفي أول سماع سحنون. ولهذا قال في هذه المسألة في الذي دخل مع القوم، وهو يظن أنها ظهر ركع ركعتين، وسلم إمامهم تبين له أنها العصر، إنه يقطع صلاته بتسليم ثم يستأنف الصلاتين؛ لأنه لو أتم الصلاة معه لم تجده باتفاق، ولوجب عليه إعادتها أبدا. وقوله في آخر المسألة: وإن كان الإمام سلم، وقد صلى معه ركعة أو ثلاثا، فليشفع بأخرى خلاف قوله في أولها: إنه يقطع من الركعة والركعتين؛ لأنه لا ينبغي له أن يصلي نافلة، ولم يصل الفريضة، فهما قولان قالهما مالك في وقتين، فأخطأ المؤلف بأن جمع بينهما، فنسق القول الثاني على الأول كأنه تفسير له، فالقول الأول على ما ذهب إليه ابن حبيب من أنه من ذكر

стр. 197

صلاة الظهر وهو يصلي العصر، أو صلاة المغرب وهو يصلي العشاء وحده أو مع إمام أنه يقطع متى ما ذكر، كان على شفع أو على وتر، ويصلي الصلاة التي ذكر؛ لأنه في خناق من وقتها، ثم يستأنف التي كان فيها، بخلاف من ذكر صلاة قد خرج وقتها، وهو في صلاة أنه يتمها إن كان مع الإمام، ويشفع بركعة إن كان وحده، وذكر وهو في وتر. والقول الثاني على ما في المدونة في الذي يذكر الظهر، وهو مع الإمام يصلي العصر: إنه يتمادى معه ثم يعيد. وعلى ما في رسم "الصلاة" الثاني، من سماع أشهب، في الذي يذكر الظهر وهو يصلي العصر لنفسه أنه يتم ركعتين. وسيأتي الكلام عليهما في موضعها إن شاء الله. ولو علم ساعة دخل مع القوم في صلاتهم أنها العصر لتمادى مع الإمام إلى تمام ركعتين على القول الثاني، ولم يتمم معه الصلاة، إذ لا تجزيه باتفاق لاختلاف نيته ونية إمامه، بخلاف الذي يذكر الظهر وهو في العصر مع الإمام، ويقطع متى ما ذكر على القول الأول. ويحتمل على بعد في التأويل أن يريد بقوله: ثم يستأنف الظهر ثم يصلي العصر، أي يستأنفهما، ولا يتنفل قبلها نافلة يبتدئها بعد سلامه من الصلاة التي كان فيها مع الإمام، فيعود قوله لأنه لا ينبغي له أن يصلي نافلة، ولم يصل الفريضة على نافلة يبتدئها بعد سلامه من الصلاة التي كان فيها مع الإمام، وإن كان لم يتقدم لذلك ذكر، ذلك مثل قوله في المدونة: إن من ذكر صلاة نسيها فلا يتطوع قبلها، ويكون آخر المسألة مفسرا لأولها، لا اختلافا من القول، وبالله التوفيق. [مسألة: أقيمت صلاة الجماعة وهو في مكتوبة يصليها لنفسه في المسجد] مسألة قال ابن القاسم: وسمعت مالكا قال: وسئل عمن قامت عليه صلاة الجماعة وهو في مكتوبة يصليها لنفسه في المسجد، قال: إن طمع أن يفرغ منها ويدرك الصلاة مع الإمام أتمها، ثم سلم ودخل مع الإمام، وإن أيس من ذلك قطعها، ثم دخل مع الإمام فصلى، فإذا

стр. 198

فرغ رجع فاستأنف الصلاتين كلتيهما: التي كانت قبلها، ثم التي كانت بعدها التي كان مع الإمام فيها. قال ابن القاسم: وأحب إلي أن يتمم ركعتين إن كان قد ركع ركعة ولا يطمع أن يدرك. قال أصبغ: إلا أن يخاف الفوات من ركعة الإمام، فيقطع من ركعته بسلام. قال محمد بن رشد: قوله: إن طمع أن يفرغ منها ويدرك الصلاة مع الإمام أتمها، يريد إن طمع أن يفرغ منها قبل أن يركع الإمام الركعة الأولى من صلاته، فيدرك الصلاة كلها مع الإمام، وسواء أقيمت عليه الصلاة قبل أن يركع، أو بعد أن يركع. وهذا ما لا اختلاف فيه لوجوب الصلاة التي كان فيها عليه قبل الصلاة التي قامت عليه، بخلاف من قامت عليه الصلاة، وهو يصلي تلك الصلاة بعينها لنفسه، هذا قد قال فيه في المدونة: إنه إن لم يركع قطع، وإن كان يدرك أن يصلي ركعتين قبل أن يركع الإمام. وقوله: وإن يئس من ذلك قطعها، ظاهره إن يئس من إتمام صلاته قبل أن يركع الإمام قطع، كان قد ركع أو لم يركع، وإن كان يدرك أن يتمم ركعتين قبل أن يركع الإمام خلاف ما استحب ابن القاسم. وفي قوله: ثم دخل مع الإمام فصلى، فإذا فرغ استأنف الصلاتين نظر؛ لأنه إنما يصلي مع الإمام على أنها نافلة، إذ لا يجوز له أن يصلي العصر قبل الظهر، وقد قال في المسألة التي قبل هذه: إنه لا ينبغي له أن يصلي نافلة، ولم يصل الفريضة. ومثله في المدونة، فإنما استحب ذلك في هذه المسألة لما عليه في الخروج من المسجد بعد إقامة الصلاة من أن يعرض نفسه لسوء الظن، ولم يلتفت إلى هذا المعنى في المدونة. وقال في سماع سحنون: إنه يضع يده على أنفه ويخرج. وإذا جاز له أن يصلي مع الإمام وتكون صلاته معه نافلة، فالقياس على هذا إذا كان قد ركع أن لا يقطع إن كان يدرك أن يشفع ركعة بركعة أخرى قبل أن يركع الإمام؛ لأنه قد حصل معه ركن من عمل الصلاة، فلا ينبغي له أن يبطله؛ لقول الله :

стр. 199

﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣] إلا في موضع لا يجوز له التنفل فيه على ما استحب ابن القاسم، فلم يجز مالك في هذه المسألة على قياس، وبالله التوفيق. [مسألة: صلى وفي ثوبه نجاسة علم به ثم نسيه حتى فرغ من صلاته] مسألة قال ابن القاسم: وسمعت مالكا قال فيمن صلى وفي ثوبه دم من دم الحيضة، قد علم به قبل أن يدخل في الصلاة، ثم نسيه حتى فرغ من صلاته أو لم يكن رآه، قال مالك: إن كان يسيرا لم أر عليه إعادة، وإن كان كثيرا رأيت أن يعيد الصلاة ما كان في وقتها. قال ابن القاسم: قال لي مالك: دم الحيضة وغيره سواء. قال سحنون: وروى علي بن زياد، وابن نافع، وابن الأبرش، والتونسي، عن مالك: أن دم الحيضة كالبول والرجيع والاحتلام يرجع من الصلاة من قليله وكثيره، وتعاد الصلاة من قليله وكثيره في الوقت. قال محمد بن رشد: وجه رواية ابن القاسم عن مالك في مساواته بين دم الحيضة وغيره من الدماء، أن الدم اليسير لما خفف وسومح فيه للمشقة الداخلة على الناس في التوقي منه؛ لأنه غالب، كدم البراغيث، وإذ لا ينفك الإنسان في غالب الأحوال من بثرة تكون في جسمه، وجب أن يخفف ذلك للحائض؛ لأنها لا تنفك في الغالب من أن يصيب ثوبها ذلك، وأن يخفف للرجل أيضا لحاجته أن يصلي في ثوب امرأته، ولأنه لما استخف له الدم اليسير كان حكم ما لم يخرج من بدنه حكم ما خرج من بدنه، وكذلك

стр. 200

دم الميتة على هذه الرواية، إذ لا تأثير للذكاة في تطهير الدم، فلا فرق بين دم ما ذكي ودم الميتة، كما لا فرق بينه وبين دم الحي، وبالله التوفيق. [مسألة: دخول الكنائس والصلاة فيها] مسألة قال ابن القاسم: وسمعت مالكا قال: حدثني نافع أن عمر بن الخطاب كره دخول الكنائس والصلاة فيها. قال مالك وغيره: أحب إلي لموضع وطء أقدامهم ونجسهم. قال سحنون: أحب إلي أن يعيد من صلى في كنيسة كان لضرورة أو لغير ضرورة ما كان في الوقت، وإنما هي عندي بمنزلة من صلى بثوب النصراني أنه يعيد الصلاة كان لضرورة أو غير ضرورة. قال محمد بن رشد: الظاهر من مذهب عمر بن الخطاب ﵁ على ما وقع له هاهنا، وفي المدونة وفي رسم "الصلاة" الثاني من سماع أشهب أنه كره دخول الكنائس والصلاة فيها لكونها بيوتا متخذة للشرك بالله والكفر به، فلا ينبغي الصلاة فيها على مذهبه، وإن بسط ثوبا طاهرا لصلاته. وأما مالك ﵀ فإنما كره الصلاة فيها لما يتقى من نجاستها، فإن صلى فيها على مذهبه دون حائل طاهر أعاد في الوقت، إلا أن يكون اضطر إلى النزول فيها، فلا يعيد صلاته إذا لم تتحقق عنده نجاستها. يبين هذا من مذهبه ما وقع في المدونة، وفي رسم "الصلاة" الثاني، من سماع أشهب. وأما سحنون فحملها على النجاسة، وحكم للمصلي فيها بحكم من صلى بثوب النصراني، فاستوت في ذلك عنده الضرورة وغير الضرورة، وإلى هذا ذهب ابن حبيب، إلا أنه قال: يعيد أبدا إن صلى فيها دون حائل طاهر على أصله فيمن صلى على موضع نجس، أو بثوب نجس عامدا أو جاهلا أنه يعيد أبدا. وقول سحنون أظهر أنه لا إعادة عليه إلا في الوقت؛ إذ لم يوقن بنجاسة

стр. 201

الموضع الذي صلى عليه. وهذا في الكنائس العامرة، وأما الدارسة العافية من آثار أهلها، فلا بأس بالصلاة فيها، قال ابن حبيب: ولا اختلاف أحفظه في ذلك إذا اضطر إلى النزول فيها، وأما إذا لم يضطر إلى النزول فيها، فالصلاة فيها مكروهة على ظاهر مذهب عمر بن الخطاب، ولا تجب إعادتها في وقت ولا غيره. وقد قال في هذا الحديث في رسم "اغتسل" من هذا السماع من كتاب الجامع: إنه كان يكره الصلاة في الكنائس التي فيها الصور، وفي ذلك دليل على أنه إنما كره الصلاة في الكنائس العامرة؛ لأن العامرة هي التي تكون فيها الصور، وفي أول رسم "البز" مسألة فيها معنى من هذه، سنتكلم عليه إذا مررنا به إن شاء الله تعالى، وبه التوفيق. [مسألة: لا ينبغي للمسافر أن يقدم مقيما يتم به الصلاة] مسألة قال ابن القاسم: وسمعت مالكا قال: لا ينبغي لقوم سفر أن يقدموا مقيما يتم بهم الصلاة لكي يتموا الصلاة، فإن صلى بهم فصلاتهم تامة، ولكن إن قدموه لسنه أو لفضله، أو لأنه صاحب المنزل، فليصلوا بصلاته صلاة المقيم. قال محمد بن رشد: هذا نحو ما يأتي في رسم "شك في طوافه"، وفي رسم "الصلاة" الثاني من سماع أشهب، ومذهب مالك ﵀ وجميع أصحابه الذي تأتي عليه مسائله ومسائلهم أن قصر الصلاة في السفر سنة من السنن التي الأخذ بها فضيلة، وتركها إلى غير خطيئة، فلذلك قال: إنه لا ينبغي أن يقدموا مقيما يتم بهم الصلاة؛ لأن فضيلة السنة في القصر آكد من فضيلة الجماعة، واستحب أن يقدموا ذا السن والفضل، لما في الصلاة خلفه من الرغبة، أو صاحب المنزل لما في ترك اهتمامهم به من بخسه حقه، إذ هو أحق بالإمامة في منزله منهم، وبالله التوفيق.

стр. 202

[مسألة: مسافر مر بقوم فصلى معهم فتبين له أنهم مقيمون] مسألة قال مالك: فيمن مر بقوم فصلى معهم، فلما صلوا ركعتين سلم إمامهم، فتبين له أنهم مقيمون وسبقوه بركعتين، وكان يظن أنهم قوم سفر، قال: يعيد أحب إلي. قال سحنون: وذلك إذا كان الداخل مسافرا. قال محمد بن رشد: قول سحنون مفسر لقول مالك؛ لأنه لو كان مقيما لأتم صلاته، ولم يضره وجوده القوم على خلاف ما حسبهم عليه من القصر والإتمام؛ لأن الإتمام واجب عليه في الوجهين، فلا تأثير لمخالفة نيته لنية إمامه في ذلك، وقول مالك: يعيد أحب إلي، يريد في الوقت وبعده، أتم صلاته بعد صلاة الإمام أو سلم معه من الركعتين على ما اختاره ابن المواز، وقاله ابن القاسم في رسم "استأذن" من سماع عيسى. وقال ابن حبيب: إنه يتم صلاته ويعيد في الوقت، وقيل: لا إعادة عليه، وهو قول أشهب في أول سماع سحنون. ووجه قول مالك في إيجاب الإعادة عليه أبدا مخالفة نيته لنية إمامه؛ لأنه إن سلم معه من الركعتين، فقد خالفه في النية والفعل، ففسدت صلاته عنده بذلك، وإن أتم صلاته فقد خالفه في النية خاصة، وأتم صلاته على خلاف ما أحرم به. ولم يراع ابن حبيب شيئا من ذلك فقال: إنه يعيد في الوقت على أصله في المسافر إذا أتم صلاته أنه يعيد في الوقت، وإن كان صلى في جماعة ما لم تكن الجماعة في المساجد الثلاث أو جوامع الأمصار، ولا راعى أشهب شيئا من ذلك فقال: إنه لا إعادة عليه. وأما إذا دخل المسافر مع القوم وهو يظنهم حضريين، فألفاهم مسافرين سلموا من ركعتين، فقال مالك: فيما يأتي بعد هذا في هذا الرسم: إن صلاته تجزيه، وذلك خلاف أصله في هذا المسألة في مراعاة مخالفة نيته لنية إمامه، وخلاف مذهبه في المدونة؛ لأنه قال فيها في المسافر إذا أحرم بنية أربع ركعات، ثم بدا له فسلم من ركعتين: إنها لا تجزيه. وقال ابن حبيب وأشهب: إن صلاته جائزة على

стр. 203

أصله في ترك مراعاة مخالفة نيته لنية إمامه في الحضر والسفر، وإتمامه على خلاف ما أحرم به من ذلك. ولابن القاسم في كتاب ابن المواز أن صلاته لا تجزيه على أصل مالك في هذه المسألة، وهو اختيار ابن المواز، أن صلاته لا تجزئه في الوجهين جميعا لمخالفة نيته لنية إمامه في ذلك. وقال سحنون في هذا الرسم: إنه يعيد في الوقت. ولو دخل المسافر خلف القوم يظنهم مقيمين، فلما صلوا ركعتين سلم إمامهم، فلم يدر إن كانوا مقيمين أو مسافرين لأتم صلاة مقيمين أربعا، ثم أعاد صلاة مسافر، قاله في رسم "استأذن" من سماع عيسى، لاحتمال أن يكون الإمام مسافرا. ولو دخل خلفهم ينوي صلاتهم وهولا يعلم إن كانوا مقيمين أو مسافرين لأجزأته صلاته قولا واحدا. والحجة في ذلك ما جاء من «أن علي بن أبي طالب وأبا موسى الأشعري قدما على النبي ﷺ في حجة الوداع محرمين، فسألهما ﵇: بم أحرمتما؟ فكلاهما قال: قلت: لبيك إهلالا كإهلال النبي ﷺ فصوب فعلهما وأمرهما بما يعملان في بقية إحرامهما» . ومما يتعلق بهذه المسألة ويختلف هل يوافقها في المعنى والقياس أم لا، مسألة الرجل يأتي المسجد يوم الجمعة وهو يظنه يوم الخميس، أو يوم الخميس وهو يظنه يوم الجمعة، فقيل: إنهما متفقان في المعنى، وإن الذي يأتي يوم الخميس وهو يظنه يوم الجمعة بمنزلة المسافر يدخل خلف القوم، وهو يظنهم مسافرين فيجدهم مقيمين؛ لأنهما دخلا مع الإمام جميعا بنية ركعتين، فصليا معه أربعا، وإن الذي يأتي يوم الجمعة ويظنه يوم الخميس منزلة المسافر يدخل مع القوم، وهو يظنهم مقيمين فيجدهم مسافرين؛ لأنهما جميعا دخلا مع الإمام بنية أربع فصليا معه ركعتين، فعلى هذا يدخل في كل مسألة منهما ما في صاحبتها من الأقوال، فيتحصل في كل واحدة منهما أربعة

стр. 204

أقوال: أحدها: أن الصلاة جائزة في الوجهين جميعا. والثاني: أنها لا تجوز في الوجهين جميعا. والثالث: الفرق بين الوجهين، فتجوز إذا دخل بنية أربع ركعات فصلى اثنتين، ولا تجوز إذا دخل بنية ركعتين فصلى أربعا، وهو الذي يأتي على قول مالك في هذا الرسم، في مسألة الحضر والسفر. والرابع: الفرق بين الوجهين أيضا بعكس هذه التفرقة، وهو الذي يأتي على ما في المدونة، في مسألة الخميس والجمعة. وقيل: إنهما مفترقان في المعنى، وإلى هذا ذهب أشهب وابن المواز، فقال كل واحد منهما في مسألة الخميس والجمعة خلاف قوله في مسألة الحضر والسفر. رأى أشهب الصلاة جائزة في مسألة الحضر والسفر، وغير جائزة في مسألة الخميس والجمعة، ووجه الفرق بينهما في المعنى عندهما أن صلاة الجمعة والخميس لا تنتقل واحدة منهما عما هي عليه في حق الرجل بدخوله مع الإمام فيها وهو يظنه غير ذلك اليوم، فإذا صلاهما معه رأى ابن المواز أنهما تجزئانه؛ لأنه صلاهما كما وجبتا عليه، ولم يضره عنده أن يحرم بنية الجمعة ويصلي ظهرا، ولا أن يحرم بنية الظهر ويصلي جمعة، قياسا على ما قال مالك في الرجل يدخل خلف الإمام يوم الجمعة بعد أن رفع رأسه من الركوع، وهو يظنه في الركعة الأولى، فإذا هو في الثانية: إنه يقوم إذا سلم الإمام فيصلي أربعا بذلك الإحرام، ورأى أشهب أنهما لا تجزئان لإحرامه بهما على غير الصفة التي وجبت عليه. ورأى ابن القاسم في المدونة أن تجزئه نية الجمعة عن نية الظهر، ولا تجزئه نية الظهر عن نية الجمعة، قال: لأن الجمعة لا تكون إلا بنية، ووجه قوله أن الأصل هو الظهر والجمعة طارئة عليه، فلا تؤثر نية الفرع في الأصل، وتؤثر نية الأصل في الفرع؛ لأن المسافر تنتقل صلاته من القصر إلى الإتمام بدخوله خلف الإمام المقيم، علم أنه مقيم أو لم يعلم، فرأى ابن المواز أنه إذا دخل خلف المقيم وهو يظنه مسافرا فوجده مقيما، أو وهو يظنه مقيما فوجده مسافرا، فلا تجزئه صلاته مراعاة لقول من يرى أن القصر عليه واجب، وأنه إن أتم وحده أو في جماعة أعاد أبدا.

стр. 205

ورأى أشهب أن صلاته جائزة مراعاة لقول من يرى أنه مخير بين القصر والإتمام، فهذا وجه القول في هذه المسألة موعبا، وبالله التوفيق. [مسألة: أوتر فظن أنه لم يوتر فأوتر مرة أخرى ثم تبين له أنه قد أوتر مرتين] مسألة قال ابن القاسم: وسمعت مالكا قال في من أوتر فظن أنه لم يوتر فأوتر مرة أخرى، ثم تبين له أنه قد أوتر مرتين، قال: أن يشفع وتره الآخر ويجتزئ بالأول. قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأنه لا يكون وتران في ليلة واحدة، فيشفع وتره الآخر يريد إذا كان بقرب ذلك، ويكون نافلة له، إذ يجوز لمن أحرم بوتر أن يجعله شفعا، كما يجوز لمن صلى صلاة الفريضة ركعة، ثم علم أنه قد كان صلاها أن يضيف إليها أخرى وتكون له نافلة، ولا يجوز لمن صلى ركعة من شفع أن يجعلها وترا، ولا أن يبني عليها فرضا؛ لأن نية السنة أو الفرض مقتضية لنية النفل، ولا تقتضي نية النفل نية السنة ولا الفرض، وهذا كله بين، وبالله التوفيق. [مسألة: حكم إمامة الأغلف والمعتوه] مسألة قال ابن القاسم: قال مالك: لا أرى أن يؤم الأغلف والمعتوه الناس. قلت لسحنون: فإن أم الأغلف والمعتوه أترى على القوم إعادة؟ قال: أما إذا أمهم أغلف فلا إعادة عليهم، وأما المعتوه فإنهم يعيدون. قال محمد بن رشد: الأغلف هو الذي لم يختن، والمعتوه الذاهب العقل. فقول سحنون مبين لقول مالك؛ لأن المعتوه لا تصح منه نية، فوجب أن يعيد أبدا من ائتم به، وأما الأغلف فلا يخرجه ترك الاختتان عن الإسلام، ولا يبلغ به مبلغ التفسيق كشارب الخمرة وقاتل النفس الذي يعيد من ائتم بهما

стр. 206

على ما في سماع عبد الملك، إلا أن ذلك نقصان في دينه وحلمه؛ لأن الختان طهرة الإسلام وشعاره. روي عن المسيب بن رافع قال: أوحى الله إلى إبراهيم أن تطهر فتوضأ، فأوحى إليه أن تطهر فاغتسل، فأوحى إليه أن تطهر فاختتن، فصار ذلك من ملته التي أمر الله باتباعها، فلا تجوز إمامته ابتداء؛ لأن الإمامة أرفع مراتب الإسلام، فلا ينبغي أن يؤم إلا أهل الكمال، فإن لم تجب الإعادة على من ائتم به؛ لأن صلاته إذا جازت لنفسه فهي تجوز لغيره، وإنما قرن مالك بينه وبين المعتوه في ألا يؤتم بهما ابتداء، ولم يتكلم على الحكم في ذلك إذا وقع. وهذا الذي قلنا هو الذي يأتي على مذهبه. وقد روي عن ابن عباس أنه قال: الأغلف لا توكل ذبيحته، ولا تقبل له صلاة، ولا تجوز له شهادة، وذلك تشديد ليس على ظاهره. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: «الأغلف لا يحج حتى يختتن» ، ومعناه أنه ينبغي له أن يقدم الاختتان عن الحج، فيحج وهو كامل المرتبة، لا أن الحج قبل الاختتان لا يجزيه عن حجة الإسلام والله أعلم. وقد روي عن الحسن أنه رخص للشيخ يسلم أن لا يختتن، ولم ير بإمامته ولا شهادته ولا ذبيحته ولا حجه بأسا. وروي عن الليث بن سعد أنه قال: لا يتم إسلامه حتى يختتن، وإن بلغ ثمانين سنة، وبالله التوفيق. [مسألة: يدخل مع قوم مسافرين وهو يظن أنهم مقيمون يتمون الصلاة وهو في سفر] مسألة قال مالك فيمن يدخل مع قوم مسافرين، وهو يظن أنهم مقيمون يتمون الصلاة وهو في سفر، فيدخل يريد الإتمام معهم، فسلموا من ركعتين أجزأتا عنه. قال سحنون: لا تجزي عنه وعليه الإعادة في الوقت؛ لأن نيته كانت على الإتمام، وهذه خطأ لا أعرفها.

стр. 207

قال محمد بن رشد: قد تقدمت هذه المسألة قبل هذا، والقول فيها موعبا، فلا معنى لرده، وبالله التوفيق. [مسألة: صلى بقوم صلاة السفر وهو في الحضر ناسيا] مسألة قال مالك فيمن صلى بقوم صلاة السفر، وهو في الحضر ناسيا، استأنف الصلاة هو ومن خلفه. قال محمد بن رشد: معنى قوله: ناسيا، أي ناسيا لكونه في حضر يرى أنه في سفر، فلذلك قال: إنه يستأنف الصلاة وهو من خلفه؛ لأنه لما أحرم بنية صلاة السفر لم يجز له أن يبني على صلاته تمام صلاة الحضر، وإذا لم يجز ذلك له وفسدت صلاته لم يجز لمن خلفه البناء أيضا على ما صلوا معه، وإن كانوا أحرموا خلفه بنية الإقامة. ولو كان أحرم بنية الإقامة، ثم نسي أنه مقيم، وظن أنه مسافر، فسلم من ركعتين لجاز له البناء ما كان قريبا، فإن سلم ومضى ولم يرجع أتموا هم صلاتهم إن كانوا أحرموا بنية الإقامة، وبالله التوفيق. [مسألة: صلى صلاة الحضر وهو في السفر ناسيا] مسألة قال: وسمعت مالكا قال: من صلى صلاة الحضر وهو في السفر ناسيا استأنف الصلاة وهو من خلفه في الوقت. قال سحنون: وبعد الوقت أبدا، وإن أتم الصلاة عامدا أو جاهلا، فلا إعادة عليه إلا في الوقت من قبل أنه متأول، فأما الناسي فإن عليه الإعادة أبدا من قبل أن ابن القاسم قال لي غير مرة: من زاد في صلاته مثل نصفها ساهيا أعاد الصلاة أبدا. قال سحنون: ولو صلى وهو ناس لسفره يرى أنه في حضر أربعا لم تكن عليه إعادة إلا في الوقت، ولا يكون أسوأ حالا من الذي يتم جاهلا أو متعمدا. قال: وجميع ما أخبرتك من جميع هذه المسألة من الجاهل والمتعمد والناسي

стр. 208

لسفره؛ لا إعادة عليه إلا في الوقت، فأما الذي يقوم لصلاته وهو مسافر فيسهو فيتم ساهيا، فهذا يعيد أبدا. قال محمد بن رشد: قصر الصلاة في السفر على مذهب مالك سنة، فإذا أتم المسافر الصلاة في السفر جاهلا، أو متعمدا، أو متأولا، أو ناسيا لسفره يرى أنه في حضر؛ فلا إعادة عليه إلا في الوقت على طريق الاستحباب؛ ليدرك فضل السنة. واختلف إن أحرم بنية صلاة السفر ركعتين، ثم أتم صلاته متعمدا أربعا على قولين: أحدهما: أنه يعيد في الوقت وبعده، ووجه ذلك أنه لما أحرم بنية القصر فكأنه قد التزم قول من يوجب القصر، فلم يصح له الإتمام على ذلك الإحرام، وقيل: إنه يعيد في الوقت. ووجه ذلك أن القصر لما لم يكن عليه واجبا لم يوجبه عليه التشبث بالصلاة، فعلى القول الأول: المسافر مخير بين القصر والإتمام ما لم يتشبث بالصلاة، فإذا تشبث بها لم يكن له أن يتم على خلاف ما أحرم عليه من القصر أو الإتمام، وهو الذي يأتي على ما في المدونة، وعلى القول الآخر المسافر مخير بين القصر والإتمام مطلقا، فإذا أتم صلاته، وإن كان قد أحرم بنية القصر أعاد في الوقت استحبابا ليدرك فضل السنة. وأما إن أحرم بنية صلاة السفر، ثم أتم ساهيا؛ ففي ذلك ثلاثة أقوال: أحدها: أنه يعيد في الوقت؛ لأن سهوه صادف فعلا صحيحا بمنزلة من صلى خامسة ساهيا، ثم ذكر سجدة من أول ركعة من صلاته، والقول الثاني: أنه يعيد أبدا، وهو قول سحنون هاهنا قياسا على ما روي عن ابن القاسم أن من زاد في صلاته مثل نصفها ساهيا فعليه الإعادة أبدا. والقول الثالث: أنه يسجد سجدتين بعد السلام وتجزئه صلاته، وهو الذي يأتي على ما في رسم "إن أمكنتني" من سماع عيسى، في الذي يصلي المغرب خمس ركعات ساهيا، وعلى ما في سماع أبي زيد في الذي صلى ركعتي الفجر أربعا ساهيا، وعلى ما في المدونة في الذي سها فأضاف إلى الوتر ركعة أخرى، أنه يجزئه ويسجد لسهوه، وبالله التوفيق.

стр. 209

[مسألة: إمام سها فلم يسجد] مسألة قال ابن القاسم: وسمعت مالكا قال في إمام سها فلم يسجد، قال: أرى أن يسجد من كان خلفه إن كان سهوه يسجد له. قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن السجود قد وجب عليهم، فلا يسقط عنهم بسهوه، فإن كان السجود مما تبطل الصلاة بتركه، ولم يرجع الإمام إلى السجود بالقرب بطلت صلاته وصحت صلاتهم؛ لأن كل ما لا يحمله الإمام عمن خلفه، فلا يكون سهوه عنه سهوا لهم إذا هم فعلوه، وهذا أصل، وبالله التوفيق. [مسألة: شك في صلاته فبنى على اليقين فلم يرد عليه من خلفه حتى سلم] مسألة قال مالك فيمن شك في صلاته فبنى على اليقين، فلم يرد عليه من خلفه حتى سلم، فسألهم فقالوا: قد تمت صلاتك، قال مالك: إن أيقنوا ذلك له، فلا سجود عليه، وإن لم يوقنوا سجد وسجدوا. قال مالك: وقد أصاب حين سألهم. قال ابن القاسم: وذلك رأيي، ولا يجوز هذا إلا فيمن كان معه في الصلاة. قال محمد بن رشد: هذا صحيح، والأصل في ذلك «أن رسول الله ﷺ لما سلم من ركعتين فقال له ذو اليدين: أقصرت الصلاة يا رسول الله أم نسيت؟ أقبل على الناس فسألهم ورجع إلى قولهم لما دخله من الشك بقول ذي اليدين» . وقوله: إنه لا يجوز ذلك إلا فيمن كان معه في الصلاة، هو مثل ما في المدونة. ووجه ذلك أن السنة قد أحكمت إذا شك الرجل في صلاته أن يرجع إلى يقينه؛ فقوله ﷺ : «إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر كم صلى

стр. 210

ثلاثا أو أربعا، فليصل ركعة» الحديث، فكان الأصل بهذا الحديث إذا شك الرجل في صلاته أن يرجع إلى يقينه، لا إلى يقين من سواه، فذا كان أو إماما، فخرج من ذلك رجوع الإمام إلى يقين من خلفه بحديث ذي اليدين، وبقي ما عداه على الأصل في أن الصلاة واجبة عليه بيقين، فلا يخرج منها إلا بيقين، ولا يحصل معه يقين بقول من ليس معه في صلاة؛ لاحتمال أن يكون أخطأ فيما قاله، إذ لم يلزمه من حفظها ورعايتها ما يلزم من معه في الصلاة. وكذلك لو شك هل صلى أم لا، فأخبرته زوجته وهي ثقة أو رجل عدل أنه قد صلى، لم يرجع إلى قول واحد منهما إلا أن يكون يعتريه ذلك كثيرا، روى ذلك ابن نافع عن مالك في المجموعة، وفي التفريع لأشهب: إن شهد رجلان عدلان أنه قد أتم صلاته أجزأه، وقد خفف ذلك مالك أيضا في الطواف في رسم "شك في طوافه" من كتاب الحج، والطواف بالبيت صلاة. ووجه ذلك القياس على الحقوق، وذلك بعيد؛ لأنهما أصلان مفترقان في المعنى، وبالله التوفيق. [مسألة: مسافر حضر الجمعة فأصاب الإمام حدث فقدمه] مسألة قال ابن القاسم: في مسافر حضر الجمعة، فأصاب الإمام حدث فقدمه، قال: لا أرى أن يصلي بهم؛ لأن الجمعة ليست عليه، فإن فعل فأحب إلي أن يعيدوا الخطبة والصلاة في الوقت، فإن فات الوقت أعادوا ظهرا أربعا. قال سحنون: إذا جاء لها فأراه

стр. 211

من أهلها، وأراها لهم تامة، وقال أشهب مثل قول سحنون، وكذلك العبد أيضا. قال محمد بن رشد: في بعض الروايات، وكذلك العيد أيضا، أي أنه يجوز للمسافر أن يؤم القوم في صلاة العيد كما يجوز له أن يؤمهم في صلاة الجمعة، وفي بعضها، وكذلك العبد أيضا، أي أن إمامة العبد تجوز في الجمعة كما تجوز فيها إمامة المسافر، والروايتان جميعا صحيحتان في المعنى؛ لأنه يجوز عند أشهب وسحنون للمسافر والعبد أن يؤما في الجمعة والعيد. وأما ابن القاسم فلا يجوز على مذهبه وروايته عن مالك في المدونة أن يؤم المسافر ولا العبد في الجمعة ولا في العيد، ولا أن يستخلفهما الإمام فيهما بعد إحرامهما معه؛ لأن صلاة العيد لا تجب عليهما كما لا تجب عليهما الجمعة. وقد نص على ذلك في المدونة في العبد، والمسافر مقيس عليه عنده. ويجوز على مذهب ابن حبيب للعبد والمسافر أن يؤما في صلاة العيد؛ لأنها تجب عليهما عنده، ولم يجز للمسافر أن يؤم في الجمعة، وأجاز للإمام أن يستخلفه فيها بعد الإحرام، وحكى ذلك عن مطرف، وابن الماجشون. فإن أم المسافر أو العبد في الجمعة على مذهب من لا يجيز إمامتهما فيها، أعاد القوم صلاة الجمعة في الوقت، وقد اختلف فيه فقيل ما لم يدخل وقت العصر. قال أبو بكر الأبهري: فإن أدرك ركعة بسجدتيها قبل دخول وقت العصر أتمها جمعة، وإن لم يدرك ذلك أتمها ظهرا أربعا، وقيل: ما لم تصفر الشمس، وقيل: ما بقي للعصر ركعة إلى الغروب، وهو قول ابن القاسم في رسم "استأذن" من سماع عيسى. وظاهر قوله في المدونة وإن كان لا يدرك العصر إلا بعد الغروب، وقيل: ما لم تغرب الشمس، وهي رواية مطرف عن مالك، وما في بعض روايات المدونة من قوله: وإن كان لا يدرك العصر إلا بعد الغروب، وأعاد ظهرا أربعا بعد الوقت، وأعاد المسافر الصلاة

стр. 212

أيضا، قيل في الوقت وبعده، وقيل في الوقت، وقيل: لا إعادة عليه. وهذا على اختلافهم في من جهر في صلاته متعمدا. وأما العبد فقيل: إنه لا إعادة عليه، وقيل: إنه يعيد أبدا، وبالله التوفيق. [المساجد التي تكون في القرى يتخذونها للضيفان] ومن كتاب أوله سلعة سماها وسئل عما يتخذ الناس في المساجد التي تكون في القرى يتخذونها للضيفان، يبيتون فيها ويأكلون فيها، قال: أرجو أن يكون خفيفا، وكره الطعام في المساجد مثل ما يصنع الناس في رمضان. ولقد أدركت ناسا في مسجدنا، وأن الرجل ليوتى بالشربة السويق، وما أكره ذلك، كأنه يعني الشربة، إلا لموضع المضمضة، ولو خرج إلى باب المسجد فشرب عليه وأكل لكان أحب إلي. قال محمد بن رشد: المساجد إنما اتخذت لعبادة الله بالصلاة والذكر والدعاء، فينبغي أن تنزه عما سوى ذلك ما أمكن، قال الله : ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [النور: ٣٦] أي أمر بذلك، فمن ترفيعها أن تخلص لأعمال الآخرة، فلا يباع فيها ولا يشترى ولا تعمل فيها الصناعات، ولا توكل فيها الألوان ولا يلغط فيها، ولا ينشد فيها شعر، ولا تنشد فيها ضالة، ولا توقد فيها نار، ولا يغسل فيها شيء، ولا يرفع فيها صوت. فقد كره أهل العلم ذلك حتى في العلم. وبنى عمر بن الخطاب ﵁ رحبة بناحية المسجد تسمى البطيحاء، وقال: من كان يريد أن يلغط أو ينشد شعرا أو يرفع صوته، فليخرج إلى هذه الرحبة. وخفف مالك ﵀ في هذه الرواية للضيفان المبيت والأكل في مساجد القرى، وأن تتخذ لذلك للضرورة إلى ذلك، بمعنى أن الباني لها للصلاة فيها يعلم أن الضيفان سيبيتون فيها لضرورتهم إلى ذلك، فصار كأنه قد بناها لذلك، وإن كان أصل

стр. 213

بنائه لها إنما هو للصلاة فيها، لا لما سوى ذلك من مبيت الضيفان. وكذلك يجوز لمن لم يكن له منزل أن يبيت في المسجد، وكره الطعام فيه والشربة من السويق لموضع المضمضة، وأجاز شرب الماء فيه. وهذه المعاني مذكورة في مواضع من هذا الكتاب بألفاظ مختلفة، ومعان متفقة، منها ما وقع عند آخر رسم "شك بعد هذا"، وفي رسم "اغتسل على غير نية"، وفي رسم "الشجرة "، وسماع عبد المالك زونان، في كتاب السلطان، في رسم "شك في طوافه" من سماع ابن القاسم، عقب كتاب ذكر الحق في المسجد ما لم يطل، وفي رسم "تأخير صلاة العشاء" منه إجازة قضاء الحق فيه ما لم يكن على وجه التجارة والصرف، وبالله التوفيق. [مسألة: الرجل يركع ركعتي الفجر في منزله ثم يأتي المسجد أيركعهما] مسألة وسئل عن الرجل يركع ركعتي الفجر في منزله، ثم يأتي المسجد، أترى أن يركعهما؟ قال مالك: كل ذلك قد رأيت من يفعله، فأما أنا فأحب إلي أن يقعد ولا يركع. قال لي ابن القاسم: وقد قال لي قبل ذلك أحب إلي أن يركع، وكأني رأيته وجه الشأن عنده. قال سحنون: إذا ركعهما في بيته فلا يعيدهما في المسجد. قال محمد بن رشد: هذا الاختلاف إنما هو اختلاف في الاختيار، وفي أي الأمرين أفضل، وإنما وقر من أجل أن رسول الله ﷺ قال: «لا صلاة بعد الفجر إلا ركعتي الفجر» وقال أيضا: «إذا دخل أحدكم المسجد، فليركع ركعتين قبل أن يجلس» فتعارض الحديثان في الظاهر، وكل واحد منهما يحتمل أن يكون مخصصا لعموم صاحبه، احتمالا واحدا. ألا ترى أنه لو قال ﷺ : لا صلاة بعد الفجر سوى ركعتي الفجر، إلا لمن دخل المسجد

стр. 214

لكان كلاما مستقيما، ولو قال أيضا: من دخل المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس، إلا أن يكون بعد الفجر، وقد ركع ركعتي الفجر لكان أيضا كلاما مستقيما، فلما لم يتحقق أي المعنيين أراد ﷺ وقع الاختلاف المذكور. ووجه القول بأن الركوع أفضل هو أن الصلاة فعل بر، فلا يقال: إن تركها في هذا الوقت أفضل إلا أن يتحقق النهي عن ذلك؛ ووجه القول بأن ترك الركوع أفضل هو أن النهي أقوى من الأمر؛ لقول رسول الله ﷺ : «إذا نهيتكم عن شيء فانتهوا عنه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» . وأيضا فإن قوله: «إذا دخل أحدكم المسجد، فليركع ركعتين قبل أن يجلس» أولى بالتخصيص في هذا الموضع، إذ قد خصص في غيره من المواضع وهي الأوقات المنهي عن الصلاة فيها، فيحمل هذا الموضع عليها. وهذا القول أظهر. واستحب من رأى الركوع أفضل؛ لقول رسول الله ﷺ : «إذا دخل أحدكم المسجد، فليركع ركعتين قبل أن يجلس» أن يركعهما بنية الإعادة لركعتي الفجر، رغبة فيما جاء فيهما من الثواب، والله أعلم. [مسألة: قراء يجتمع الناس إليهم يقرئونهم فكل رجل منهم يقرئ النفر يفتح عليهم] مسألة وسئل عن قراء مصر الذين يجتمع الناس إليهم يقرئونهم، فكل رجل منهم يقرئ النفر يفتح عليهم. قال: ذلك حسن. قال ابن القاسم: ولا أرى بذلك بأسا. قال محمد بن رشد: كان مالك يكره هذا، ولا يراه صوابا، ثم رجع فخففه، ولم ير به بأسا، وقع اختلاف قوله بعد هذا في رسم "حلف" من هذا السماع، وقال هاهنا: ذلك حسن. ووجه الكراهة فيه بين، وذلك إذا قرأ عليه

стр. 215

جماعة في كرة واحدة، لا بد أن يفوته سماع ما يقرأ به بعضهم، ما دام يصغي إلى غيرهم، ويشتغل بالرد على الذي يصغي إليه، فقد يخطئ في ذلك الحين، ويظن أنه قد سمعه، وأجاز قراءته فيحمل عنه الخطأ، ويظنه مذهبا له. ووجه تخفيفه ذلك للمشقة الداخلة على المقرئ بإفراد كل واحد من القراء عليه إذا كثروا. ووجه تحسينه لذلك في هذه الرواية إنما معناه، والله أعلم، إذا كثر القراء عليه حتى لم يقدر أن يعم جميعهم مع الإفراد، فرأى جمعهم في القراءة أحسن من القطع ببعضهم، فهذا تأويل ما ذهب إليه عندي، والله أعلم. [مسألة: عشور المصحف وتزيينه بالخواتم] مسألة وسئل عن عشور المصحف، فقال: يعشر بالسواد، وأكره الحمرة، وذكر تزيين المصاحف بالخواتم فكرهه كراهية شديدة، فقيل له: فالفضة؟ قال: الفضة من ورائه، ولم ير به بأسا، ثم قال: إني لأكره لأمهات المصاحف أن تشكل، وإنما أرخص فيما يتعلم فيه الغلمان، فأما الأمهات فإني أكرهه. قال محمد بن رشد: قوله: من ورائه، أي من خارجه، يريد أنه لا بأس أن تحلى أغشيته بالفضة، ويروى من روائه أي من زينته، يريد زينة أعلاه وخارجه. وقد اختلف قوله في إجازة تحليته بالذهب، فأجاز ذلك في كتاب ابن المواز، وهو ظاهر ما في كتاب البيوع من موطاه، وكرهه في كتاب ابن عبد الحكم. ووجه كراهيته لتزيين داخله بالخواتم وتعشيره بالحمرة بين، وذلك أن القارئ فيه ينظر إلى ذلك، فيلهيه ويشغله عن اعتباره وتدبر آياته. «وقد جعل رسول الله ﷺ في نعليه شراكين جديدين، ثم نزعهما ورد فيهما الخلقين، وقال: "إني نظرت إليهما في الصلاة» ، «وصلى ﵇ في
следующие страницы →