Полный текст (9 112 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
من أهلها، وأراها لهم تامة، وقال أشهب مثل قول سحنون، وكذلك العبد أيضا.
قال محمد بن رشد: في بعض الروايات، وكذلك العيد أيضا، أي أنه يجوز للمسافر أن يؤم القوم في صلاة العيد كما يجوز له أن يؤمهم في صلاة الجمعة، وفي بعضها، وكذلك العبد أيضا، أي أن إمامة العبد تجوز في الجمعة كما تجوز فيها إمامة المسافر، والروايتان جميعا صحيحتان في المعنى؛ لأنه يجوز عند أشهب وسحنون للمسافر والعبد أن يؤما في الجمعة والعيد. وأما ابن القاسم فلا يجوز على مذهبه وروايته عن مالك في المدونة أن يؤم المسافر ولا العبد في الجمعة ولا في العيد، ولا أن يستخلفهما الإمام فيهما بعد إحرامهما معه؛ لأن صلاة العيد لا تجب عليهما كما لا تجب عليهما الجمعة.
وقد نص على ذلك في المدونة في العبد، والمسافر مقيس عليه عنده. ويجوز على مذهب ابن حبيب للعبد والمسافر أن يؤما في صلاة العيد؛ لأنها تجب عليهما عنده، ولم يجز للمسافر أن يؤم في الجمعة، وأجاز للإمام أن يستخلفه فيها بعد الإحرام، وحكى ذلك عن مطرف، وابن الماجشون. فإن أم المسافر أو العبد في الجمعة على مذهب من لا يجيز إمامتهما فيها، أعاد القوم صلاة الجمعة في الوقت، وقد اختلف فيه فقيل ما لم يدخل وقت العصر. قال أبو بكر الأبهري: فإن أدرك ركعة بسجدتيها قبل دخول وقت العصر أتمها جمعة، وإن لم يدرك ذلك أتمها ظهرا أربعا، وقيل: ما لم تصفر الشمس، وقيل: ما بقي للعصر ركعة إلى الغروب، وهو قول ابن القاسم في رسم "استأذن" من سماع عيسى. وظاهر قوله في المدونة وإن كان لا يدرك العصر إلا بعد الغروب، وقيل: ما لم تغرب الشمس، وهي رواية مطرف عن مالك، وما في بعض روايات المدونة من قوله: وإن كان لا يدرك العصر إلا بعد الغروب، وأعاد ظهرا أربعا بعد الوقت، وأعاد المسافر الصلاة
стр. 212
أيضا، قيل في الوقت وبعده، وقيل في الوقت، وقيل: لا إعادة عليه. وهذا على اختلافهم في من جهر في صلاته متعمدا. وأما العبد فقيل: إنه لا إعادة عليه، وقيل: إنه يعيد أبدا، وبالله التوفيق.
[المساجد التي تكون في القرى يتخذونها للضيفان]
ومن كتاب أوله سلعة سماها وسئل عما يتخذ الناس في المساجد التي تكون في القرى يتخذونها للضيفان، يبيتون فيها ويأكلون فيها، قال: أرجو أن يكون خفيفا، وكره الطعام في المساجد مثل ما يصنع الناس في رمضان. ولقد أدركت ناسا في مسجدنا، وأن الرجل ليوتى بالشربة السويق، وما أكره ذلك، كأنه يعني الشربة، إلا لموضع المضمضة، ولو خرج إلى باب المسجد فشرب عليه وأكل لكان أحب إلي.
قال محمد بن رشد: المساجد إنما اتخذت لعبادة الله بالصلاة والذكر والدعاء، فينبغي أن تنزه عما سوى ذلك ما أمكن، قال الله : ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [النور: ٣٦] أي أمر بذلك، فمن ترفيعها أن تخلص لأعمال الآخرة، فلا يباع فيها ولا يشترى ولا تعمل فيها الصناعات، ولا توكل فيها الألوان ولا يلغط فيها، ولا ينشد فيها شعر، ولا تنشد فيها ضالة، ولا توقد فيها نار، ولا يغسل فيها شيء، ولا يرفع فيها صوت. فقد كره أهل العلم ذلك حتى في العلم. وبنى عمر بن الخطاب ﵁ رحبة بناحية المسجد تسمى البطيحاء، وقال: من كان يريد أن يلغط أو ينشد شعرا أو يرفع صوته، فليخرج إلى هذه الرحبة. وخفف مالك ﵀ في هذه الرواية للضيفان المبيت والأكل في مساجد القرى، وأن تتخذ لذلك للضرورة إلى ذلك، بمعنى أن الباني لها للصلاة فيها يعلم أن الضيفان سيبيتون فيها لضرورتهم إلى ذلك، فصار كأنه قد بناها لذلك، وإن كان أصل
стр. 213
بنائه لها إنما هو للصلاة فيها، لا لما سوى ذلك من مبيت الضيفان. وكذلك يجوز لمن لم يكن له منزل أن يبيت في المسجد، وكره الطعام فيه والشربة من السويق لموضع المضمضة، وأجاز شرب الماء فيه. وهذه المعاني مذكورة في مواضع من هذا الكتاب بألفاظ مختلفة، ومعان متفقة، منها ما وقع عند آخر رسم "شك بعد هذا"، وفي رسم "اغتسل على غير نية"، وفي رسم "الشجرة "، وسماع عبد المالك زونان، في كتاب السلطان، في رسم "شك في طوافه" من سماع ابن القاسم، عقب كتاب ذكر الحق في المسجد ما لم يطل، وفي رسم "تأخير صلاة العشاء" منه إجازة قضاء الحق فيه ما لم يكن على وجه التجارة والصرف، وبالله التوفيق.
[مسألة: الرجل يركع ركعتي الفجر في منزله ثم يأتي المسجد أيركعهما]
مسألة وسئل عن الرجل يركع ركعتي الفجر في منزله، ثم يأتي المسجد، أترى أن يركعهما؟ قال مالك: كل ذلك قد رأيت من يفعله، فأما أنا فأحب إلي أن يقعد ولا يركع. قال لي ابن القاسم: وقد قال لي قبل ذلك أحب إلي أن يركع، وكأني رأيته وجه الشأن عنده. قال سحنون: إذا ركعهما في بيته فلا يعيدهما في المسجد.
قال محمد بن رشد: هذا الاختلاف إنما هو اختلاف في الاختيار، وفي أي الأمرين أفضل، وإنما وقر من أجل أن رسول الله ﷺ قال: «لا صلاة بعد الفجر إلا ركعتي الفجر» وقال أيضا: «إذا دخل أحدكم المسجد، فليركع ركعتين قبل أن يجلس» فتعارض الحديثان في الظاهر، وكل واحد منهما يحتمل أن يكون مخصصا لعموم صاحبه، احتمالا واحدا. ألا ترى أنه لو قال ﷺ : لا صلاة بعد الفجر سوى ركعتي الفجر، إلا لمن دخل المسجد
стр. 214
لكان كلاما مستقيما، ولو قال أيضا: من دخل المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس، إلا أن يكون بعد الفجر، وقد ركع ركعتي الفجر لكان أيضا كلاما مستقيما، فلما لم يتحقق أي المعنيين أراد ﷺ وقع الاختلاف المذكور. ووجه القول بأن الركوع أفضل هو أن الصلاة فعل بر، فلا يقال: إن تركها في هذا الوقت أفضل إلا أن يتحقق النهي عن ذلك؛ ووجه القول بأن ترك الركوع أفضل هو أن النهي أقوى من الأمر؛ لقول رسول الله ﷺ : «إذا نهيتكم عن شيء فانتهوا عنه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» . وأيضا فإن قوله: «إذا دخل أحدكم المسجد، فليركع ركعتين قبل أن يجلس» أولى بالتخصيص في هذا الموضع، إذ قد خصص في غيره من المواضع وهي الأوقات المنهي عن الصلاة فيها، فيحمل هذا الموضع عليها. وهذا القول أظهر. واستحب من رأى الركوع أفضل؛ لقول رسول الله ﷺ : «إذا دخل أحدكم المسجد، فليركع ركعتين قبل أن يجلس» أن يركعهما بنية الإعادة لركعتي الفجر، رغبة فيما جاء فيهما من الثواب، والله أعلم.
[مسألة: قراء يجتمع الناس إليهم يقرئونهم فكل رجل منهم يقرئ النفر يفتح عليهم]
مسألة وسئل عن قراء مصر الذين يجتمع الناس إليهم يقرئونهم، فكل رجل منهم يقرئ النفر يفتح عليهم. قال: ذلك حسن. قال ابن القاسم: ولا أرى بذلك بأسا.
قال محمد بن رشد: كان مالك يكره هذا، ولا يراه صوابا، ثم رجع فخففه، ولم ير به بأسا، وقع اختلاف قوله بعد هذا في رسم "حلف" من هذا السماع، وقال هاهنا: ذلك حسن. ووجه الكراهة فيه بين، وذلك إذا قرأ عليه
стр. 215
جماعة في كرة واحدة، لا بد أن يفوته سماع ما يقرأ به بعضهم، ما دام يصغي إلى غيرهم، ويشتغل بالرد على الذي يصغي إليه، فقد يخطئ في ذلك الحين، ويظن أنه قد سمعه، وأجاز قراءته فيحمل عنه الخطأ، ويظنه مذهبا له. ووجه تخفيفه ذلك للمشقة الداخلة على المقرئ بإفراد كل واحد من القراء عليه إذا كثروا. ووجه تحسينه لذلك في هذه الرواية إنما معناه، والله أعلم، إذا كثر القراء عليه حتى لم يقدر أن يعم جميعهم مع الإفراد، فرأى جمعهم في القراءة أحسن من القطع ببعضهم، فهذا تأويل ما ذهب إليه عندي، والله أعلم.
[مسألة: عشور المصحف وتزيينه بالخواتم]
مسألة وسئل عن عشور المصحف، فقال: يعشر بالسواد، وأكره الحمرة، وذكر تزيين المصاحف بالخواتم فكرهه كراهية شديدة، فقيل له: فالفضة؟ قال: الفضة من ورائه، ولم ير به بأسا، ثم قال: إني لأكره لأمهات المصاحف أن تشكل، وإنما أرخص فيما يتعلم فيه الغلمان، فأما الأمهات فإني أكرهه.
قال محمد بن رشد: قوله: من ورائه، أي من خارجه، يريد أنه لا بأس أن تحلى أغشيته بالفضة، ويروى من روائه أي من زينته، يريد زينة أعلاه وخارجه. وقد اختلف قوله في إجازة تحليته بالذهب، فأجاز ذلك في كتاب ابن المواز، وهو ظاهر ما في كتاب البيوع من موطاه، وكرهه في كتاب ابن عبد الحكم. ووجه كراهيته لتزيين داخله بالخواتم وتعشيره بالحمرة بين، وذلك أن القارئ فيه ينظر إلى ذلك، فيلهيه ويشغله عن اعتباره وتدبر آياته. «وقد جعل رسول الله ﷺ في نعليه شراكين جديدين، ثم نزعهما ورد فيهما الخلقين، وقال: "إني نظرت إليهما في الصلاة» ، «وصلى ﵇ في
стр. 216
خميصة شامية، لها علم، فلما انصرف من الصلاد ردها إلى مهديها إليه أبي جهم، وقال: "إني نظرت إلى علمها في الصلاة، فكاد يفتنني» . وإذا كان ﵇ خشي على نفسه الفتنة في صلاته، فهي على من سواه متيقنة غير مأمونة، وفي هذا بيان، ولهذا المعنى كره تزويق المسجد. وأما كراهيته لشكل أمهات المصاحف، فالمعنى في ذلك أن الشكل مما قد اختلف القراء في كثير منه، إذ لم يجئ مجيئا متواترا، فلا يحصل العلم بأي الشكلين أنزل، وقد يختلف المعنى باختلافه، فكره أن يثبت في أمهات المصاحف ما فيه اختلاف. وبالله التوفيق.
[مسألة: الصلاة يقرأ فيها في الركعة الأولى بالشمس وفي الثانية بالبلد]
مسألة وسئل عن الصلاة يقرأ فيها في الركعة الأولى بـ (الشمس وضحاها) ، ويقرأ بعد ذلك في الركعة الثانية: بـ (لا أقسم بهذا البلد) ، قال: لا بأس بذلك، لم يزل هذا من عمل الناس، قيل له: أفلا يقرأ على تأليفه أحب إليك؟ قال: هذا كله سواء.
قال محمد بن رشد: ذهب ابن حبيب إلى أن القراءة على تأليفه أفضل، وحكى ذلك عن مالك من رواية مطرف عنه، وقال ابن الحكم، قال ابن حبيب: وأما أن يقرأ في الركعة الثانية سورة أخرى ليست بإثرها إلا أنها تحتها، فلا بأس به، وهو أجوز من أن يقرأ سورة فوقها. ولعمري إن القراءة في الركعة الثانية بما بعد السورة التي قرأ في الركعة الأولى أحسن من أن يقرأ فيها بما قبلها؛ لأنه جل أعمال الناس الذي مضوا عليه، والأمر في ذلك واسع؛ لقوله : ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ [المزمل: ٢٠] ، وبالله التوفيق.
стр. 217
[مسألة: الصلاة في السفينة قائما أو قاعدا]
مسألة وسئل عن الصلاة في السفينة قائما أو قاعدا؟ قال: بل قائما، فإن لم يستطيعوا فقعودا. قيل: ويؤمهم قعودا؟ قال: نعم إذا لم يستطيعوا أن يقوموا.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن القيام في الصلاة من فروضها؛ قال تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨] ، وقال: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ [الطور: ٤٨] ، فلا يجوز أن يصلي جالسا من يستطيع الصلاة قائما، فإذا لم يستطيعوا الصلاة في السفينة قياما، كانوا كالمرضى، وجاز أن يؤمهم الإمام قعودا وهو قاعد.
[مسألة: القراءة في المسجد]
مسألة وسئل عن القراءة في المسجد، فقال: لم يكن بالأمر القديم، وإنما هو شيء أحدث، ولم يأت آخر هذه الأمة بأهدى مما كان عليه أولها، والقرآن حسن.
قال محمد بن رشد: يريد أن التزام القراءة في المسجد بإثر صلاة من الصلوات، أو على وجه ما مخصوص حتى يصير ذلك كأنه سنة مثل ما يفعل بجامع قرطبة إثر صلاة الصبح، فرأى ذلك بدعة. وأما القراءة على غير هذا الوجه، فلا بأس بها في المسجد، ولا وجه لكراهيتها. وقد قال في آخر رسم "المحرم" بعد هذا، من هذا السماع: ما يعجبني أن يقرأ القرآن إلا في الصلاة والمساجد، لا في الأسواق والطرق. وفي هذا بيان ما قلناه، والله أعلم،
стр. 218
وسيأتي ما يشبه هذا المعنى في أول رسم "سُنّ" من هذا السماع، وفي رسم "لم يدرك" من سماع عيسى، وبالله التوفيق.
[مسألة: القرى لا يكون فيها إمام إذا صلى بهم رجل منهم الجمعة أيخطب بهم]
مسألة وسئل عن القرى التي لا يكون فيها إمام، إذا صلى بهم رجل منهم الجمعة، أيخطب بهم؟ قال: نعم، لا تكون الجمعة إلا بخطبة. قيل له: أيؤذن قدامه؟ قال: لا، وعندنا هاهنا - يعني المدينة - إذا لم يكن إمامنا حاضرا، فصلى بنا القاضي أو القاص الجمعة، فإنما يؤذن فوق المنارة.
قال محمد بن رشد: القاص الواعظ الذي يحض الناس على الصلاة ويعلمهم الخير، والأذان بين يدي الإمام في الجمعة مكروه؛ لأنه محدث، ولذلك نهى عنه مالك، وكان لا يفعله القاضي ولا القاص، إذا غاب الإمام. وأول من أحدثه هشام بن عبد الملك. وإنما كان ﷺ إذا زالت الشمس وخرج، رقى المنبر، فإذا رآه المؤذنون، وكانوا ثلاثة قاموا فأذنوا في المدينة واحدا بعد واحد كما يؤذنون في غير الجمعة، فإذا فرغوا أخذ رسول الله ﷺ في خطبته، ثم تلاه على ذلك أبو بكر وعمر، وزاد عثمان ﵁ لما كثر الناس أذانا بالزوراء عند زوال الشمس، يؤذن الناس بذلك أن الصلاة قد حضرت، وترك الأذان في المدينة بعد جلوسه على المنبر على ما كان عليه، فاستمر الأمر على ذلك إلى زمان هشام بن عبد الملك، فنقل الأذان الذي كان بالزوراء إلى المدينة، ونقل الأذان الذي في المدينة بين يديه، وأمرهم أن يؤذنوا معا، وتلاه على ذلك من بعده من الخلفاء إلى زماننا وهو بدعة. والذي كان يفعله رسول الله ﷺ والخلفاء الراشدون بعده هو السنة، وبالله التوفيق.
стр. 219
[مسألة: لخطيب الجمعة والعيدين والاستسقاء أن يتوكأ على عصى]
مسألة قال ابن القاسم: واستحب لكل من خطب في جمعة أو عيدين أو استسقاء أن يتوكأ على عصى.
قال محمد بن رشد: مثل هذا في المدونة وغيرها، ولا يكتفى بعمود المنبر كان ممن يرقى عليه أو يخطب إلى جانبه، وهي السنة من فعل رسول الله ﷺ كان إذا خطب توكأ على عصى أو قوس، وكذلك فعل الخلفاء الراشدون بعده، وقد قال رسول الله ﷺ : «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشين المهديين بعدي، عضوا عليها بالنواجذ» ، وفي آخر رسم "البز" بعد هذا ما يدل أن ذلك مباح، وهو الصحيح، وبالله التوفيق.
[ترك العمل يوم الجمعة]
ومن كتاب أوله شك في طوافه قال مالك: كان بعض أصحاب رسول الله ﷺ يكرهون أن يترك يوم الجمعة العمل؛ لئلا يصنعوا فيه كما فعلت اليهود والنصارى في السبت والأحد.
قال محمد بن رشد: وهذا لما روي: أن رسول الله ﷺ كان يأمر بمخالفة أهل الكتاب، وينهى عن التشبه بهم، وروي عنه أنه قال: «إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم» ، وأنه قال: «ألحدوا ولا تشقوا، فإن اللحد لنا، والشق لأهل الكتاب» ، وأنه قال: «فصل ما بين صيامنا وصيام
стр. 220
أهل الكتاب أكلة السحر» ، ومثل هذا كثير.
[مسألة: الرجل يتنفل في الصلاة أيحصي الآي بيده]
مسألة وسئل مالك عن الرجل يتنفل في الصلاة أيحصي الآي بيده؟
قال: لا بأس بذلك، ولعله يريد أن يحصي بذلك.
قال محمد بن رشد: لا وجه لإحصائه ما يقرأ به في نافلته من الآيات، إلا أن يكون أوجب على نفسه قدرا ما من القراءة فيها، فيحتمل أن يكون ذلك وجه الرواية، ويدل على ذلك قوله في آخرها، ولعله يريد أن يحصي بذلك، أي يحصي ما أوجب على نفسه من ذلك، إما بنذور، وإما بالنية مع الدخول في الصلاة على مذهب أشهب، في أن من افتتح الصلاة قائما وجب عليه تمامها قائما؛ لأنه رأى أن ذلك يجب عليه بالنية مع الدخول في الصلاة، خلاف ما في سماع موسى، عن ابن القاسم أنه من أحرم بالصلاة، ونوى سورة طويلة، ثم أدركه كسل وملل أنه ليس عليه أن يتمها، وإجازته إحصاء الآي بيديه لهذا المعنى هو نحو ما يأتي في رسم طلق من إجازته، تحويل الخاتم في أصابعه عند ركوعه لسهوه، فتدبر ذلك، وبالله التوفيق.
[مسألة: الرجل يكون في الصلاة فيقعد للتشهد فيضيق به الصف أيتقدم عنه]
مسألة وسئل عن الرجل يكون في الصلاة، فيقعد للتشهد، فيضيق به الصف أيتقدم عنه؟ قال: لا بأس بذلك، وقد رأيت بعض أهل العلم يفعل ذلك.
قال محمد بن رشد: الخروج عن الصف في الصلاة منهي عنه، فإنما أجاز ذلك للضرورة، ولو فعله من غير عذر؛ لكان قد أساء، ولم تكن عليه
стр. 221
إعادة، قاله ابن حبيب. وروى ابن وهب عن مالك: أن عليه الإعادة؛ لقول النبي ﷺ لأبي بكرة لما أتى وقد حفزه النفس فركع دون الصف: «زادك الله حرصا، ولا تعد» ؛ لأنه حمل قوله ﷺ : ولا تعد، أي لا تعد إلى الركوع دون الصف. وقد قيل: إن المعنى في ذلك لا تعد إلى التأخير عن الصلاة حتى تأتي، وقد حفزك النفس، وهو الأظهر إذ لم يأمره بإعادة تلك الصلاة لذلك. وقد روي عن وابصة بن معبد: «أن رسول الله ﷺ رأى رجلا في الصف وحده، فأمره أن يعيد الصلاة» ، وهذا لا دليل فيه، إذ قد يحتمل أن يكون إنما أمره أن يعيد لمعنى كان منه في الصلاة، لا لأنه صلى في الصف وحده. وكذلك ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: «لا صلاة لفرد خلف الصف» ، لا دليل فيه أيضا؛ لاحتمال أن يريد لا صلاة له متكاملة، كقوله: «لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد» ، وقوله: «لا وضوء لمن لم يسم الله» ، وما أشبه ذلك، وبالله التوفيق.
[مسألة: القارئ إذا أخطأ في الصلاة أيتعوذ وهو يلقن ولا يفقه]
مسألة وسئل مالك عن القارئ إذا أخطأ في الصلاة أيتعوذ وهو يلقن ولا يفقه، قال: أرجو أن يكون خفيفا. فقيل له: يا أبا عبد الله، فإذا
стр. 222
لم يستطع أن ينفذ فيها أيركع أم يقرأ سورة غيرها؟ قال: ذلك واسع. قال ابن القاسم: وأحب إلي أن يبتدئ سورة أخرى.
قال محمد بن رشد: خفف مالك التعوذ للقارئ في الصلاة إذا أخطأ في قراءته؛ لأن ذلك من الشيطان، لما روي: «أن رسول الله ﷺ عرض له الشيطان في صلاته فقال: أعوذ بالله منك» ، ووسع له إذا لم ينفذ فيها أن يركع، واستحب ابن القاسم أن يبتدئ سورة أخرى. ووجه استحبابه أنه لما افتتح بسورة، فقد نوى إتمامها، فاستحب له أن لا يركع حتى يقرأ قدر ما كان نوى قراءته، وبالله التوفيق.
[مسألة: رعف بعدما سلم الإمام]
مسألة وسئل مالك عمن رعف بعدما سلم الإمام، أترى أن يسلم ويجزئ ذلك عنه؟ قال: نعم، إذا أصابه بعد سلام الإمام، فإني أرى ذلك مجزيا عنه أن يسلم، فإن رعف قبل أن يسلم الإمام خرج فغسل الدم عنه، ثم رجع بغير تكبير، فيجلس ثم يتشهد ويسلم.
قال محمد بن رشد: هذا صحيح على أصله؛ لأن الرعاف ليس بحدث ينقض الطهارة على مذهبه، فإذا رعف بعد سلام الإمام جاز له أن يسلم، وتجزئه صلاته؛ لأنه على طهارة، وإن رعف قبل سلامه جاز له البناء عنده بعد غسل الدم، وقال: إنه يرجع بغير تكبير؛ لأنه لم يخرج من صلاته بالرعاف، وإنما يرجع إلى تمام صلاته بتكبير من خرج منها بسلام، وبالله التوفيق.
[مسألة: المسافر إذا زالت الشمس أترى أن يصلي الظهر]
مسألة وسئل مالك عن المسافر إذا زالت الشمس، أترى أن يصلي الظهر؟ قال: أحب إلي أن يؤخر ذلك قليلا.
стр. 223
قال محمد بن رشد: استحب مالك ﵀ أن يؤخر ذلك قليلا لوجهين: أحدهما: أن المبادرة في أول الوقت من فعل الخوارج الذين يعتقدون أن تأخير الصلاة عن أول وقتها لا يحل، والثاني: أن يستبين دخول الوقت ويتمكن؛ لأن أول الزوال خفي لا يتبين إلا بظهور زيادة الظل، والله أعلم، وبه التوفيق.
[مسألة: الذي يدخل في صلاة الصبح والإمام قاعد فيقعد معه أيكبر حين يقعد]
مسألة وسئل مالك عن الذي يدخل في صلاة الصبح والإمام قاعد فيقعد معه، أترى أن يكبر حين يقعد، أم ينتظر حتى يفرغ فيركع ركعتي الفجر ثم يصلي؟ قال: أما إذا قعد معه فأرى أن يكبر. قال ابن القاسم: ويركع ركعتي الفجر إذا طلعت الشمس.
قال محمد بن رشد: لابن حبيب في الواضحة أنه لا يكبر ويقعد معه، فإذا سلم قام هذا فركع ركعتي الفجر. وقول مالك أولى وأحسن؛ لقول النبي ﷺ : «إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس» وإن فاتته ركعتا الفجر في وقتها، فقد أدرك فضل الجماعة بدخوله مع الإمام في آخر صلاته على ما جاء من أن من أدرك القوم جلوسا، فقد أدرك فضل الجماعة، وبالله التوفيق.
[مسألة: الصلاة في البرنس]
مسألة وسئل مالك عن الصلاة في البرنس، قال: هي من لباس المصلين، وكانت من لباس الناس القديم، وما أرى بها بأسا، واستحسن لباسها، وقال: هي من لباس المسافر للبرد والمطر. قال: ولقد سمعت عبد الله بن أبي بكر، وكان من عباد الناس وأهل الفضل
стр. 224
وهو يقول: ما أدركت الناس إلا ولهم ثوبان، برنس يغدو به، وخميصة يروح بها، ولقد رأيت ناسا يلبسون البرانس، فقيل له: ما كان ألوانها؟ قال: صفر.
قال محمد بن رشد: البرانس ثياب متان في شكل الغفائر عندنا، مفتوحة من أمام، تلبس على الثياب في البرد والمطر مكان الرداء، فلا تجوز الصلاة فيها وحدها إلا أن يكون تحتها قميص أو إزار وسراويل؛ لأن العورة تبدو من أمامه. وهذا في البرانس العربية، وأما البرانس الأعجمية فلا خير في لباسها في الصلاة ولا في غير الصلاة؛ لأنها من زي العجم وشكلهم. أما الخمائص فهي أكسية من صوف رقاق معلمة وغير معلمة يلتحف بها، كانت من لباس الأشراف في أرض العرب، فقوله: برنس يغدو به، يريد يلبسه على ما تحته من الثياب، وخميصة يروح بها، يعني يلتحفها على ما عليه من الثياب، والله أعلم، وبه التوفيق.
[مسألة: الرجل يقوم عند المنبر وهو يدعو ويرفع يديه]
مسألة قال مالك: بلغني أن أبا سلمة رأى رجلا قائما عند المنبر، وهو يدعو ويرفع يديه، فأنكر عليه وقال: لا تقلصوا تقليص اليهود. فقيل له: ما أراد بالتقليص؟ قال: رفع الصوت بالدعاء ورفع اليدين.
قال محمد بن رشد: إنما كره رفع الصوت بالدعاء؛ لقول رسول الله ﷺ : «ارفقوا على أنفسكم، فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا» ، وقد روي أن قول الله : ﴿وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا﴾ [الإسراء: ١١٠] نزلت في الدعاء. وأما رفع اليدين عند الدعاء، فإنما أنكر الكثير منه مع رفع الصوت؛ لأنه
стр. 225
من فعل اليهود، وأما رفعهما إلى الله عند الرغبة على وجه الاستكانة والطلب، فإنه جائز محمود من فاعله، وقد أجازه مالك في المدونة في مواضع الدعاء وفعله فيها، واستحب في صفته أن تكون ظهورهما إلى الوجه، وبطونهما إلى الأرض، وقيل في قول الله : ﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ [الأنبياء: ٩٠] إن الرغب بكون بطون الأكف إلى السماء، والرهب بكونها إلى الأرض، وقد وقع لمالك بعد هذا في رسم "المحرم" من هذا السماع: أنه لا يعجبه رفع اليدين في الدعاء، ومعنى ذلك الإكثار منه في غير مواضع الدعاء، حتى لا يختلف قوله، والله أعلم، وبه التوفيق.
[مسألة: السدل في الصلاة]
مسألة وسئل عن السدل في الصلاة، وليس عليه قميص سوى إلا أن يرخيه وبطنه مكشوف، قال: لا بأس بذلك، إذا كان عليه غير ذلك.
قال محمد بن رشد: صفة السدل أن يسدل طرفي ردائه بين يديه، فيكون صدره وبطنه مكشوفا، فأجاز ذلك إذا كان عليه غير ذلك، يريد - والله أعلم - إن كان عليه مع الإزار غير ذلك من ثوب يستر سائر جسده. وأجازه في المدونة وإن لم يكن عليه إلا إزار أو سراويل تستر عورته، وحكى أنه رأى عبد الله بن الحسن وغيره يفعل ذلك، ومعنى ذلك إذا غلبه الحر، إذ ليس من الاختيار أن يصلي الرجل مكشوف الصدر والبطن من غير عذر، وقد «روي عن النبي ﷺ من رواية أبي هريرة وأبي حجيفة: أنه نهى عن السدل في الصلاة» ، فكره لذلك بعض أهل العلم أن يسدل الرجل في صلاته، وإن كان عليه مع الإزار قميص، وقال: ذلك فعل اليهود، والله أعلم، وبه التوفيق.
стр. 226
[مسألة: فضل صلاة العشاء]
مسألة وسئل مالك: هل بلغك عن سعيد بن المسيب أنه كان إذا ذكر له البادية والخروج إليها قال: فأين صلاة العشاء؟ قال: نعم، قد بلغني أن سعيد بن المسيب كان إذا ذكر له البادية والخروج إليها قال: فأين صلاة العشاء.
قال محمد بن رشد: إنما كان ﵁ يقول ذلك إشفاقا على فوات الصلاة في مسجد النبي ﷺ ، وخص بالذكر صلاة العشاء لما جاء من الفضل في شهودها، فقد قال رسول الله ﷺ : «بيننا وبين المنافقين شهود العشاء والصبح لا يستطيعونها» أو نحو هذا. وقال عثمان بن عفان ﵁: من شهد العشاء في جماعة فكأنما قام نصف ليلة، ومن شهد الصبح فكأنما قام ليلة، وذلك لا يكون إلا عن توقيف، إذ لا مدخل في ذلك للقياس، ولا يقال مثله بالرأي، ولعله أراد أن أهل البادية لا يصلون العشاء والصبح في جماعة، ولا يرى لنفسه اختيارا أن يأتم بأئمتهم لجهلهم بالسنة، وبالله التوفيق.
[مسألة: المراوح أيكره أن يروح بها في المساجد]
مسألة وسئل مالك عن المراوح، أيكره أن يروح بها في المساجد؟ قال: نعم، إني لأكره ذلك.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قاله؛ لأن المراوح إنما اتخذها أهل الطول للترفيه والتنعم، وليس ذلك من شأن المساجد، فالإتيان إليها بالمراوح من المكروه البين. وستأتي هذه المسألة مكررة في سماع أشهب في أول رسم منه، وبالله التوفيق.
стр. 227
[الرجل يقعد مع الإمام في الركعتين فينعس فلا ينتبه إلا لقيام الناس أيقوم أم يتشهد]
مسألة وسئل مالك عن الرجل يقعد مع الإمام في الركعتين، فينعس فلا ينتبه إلا لقيام الناس، أيقوم أم يتشهد؟ قال: بل يقوم، ولا يقعد للتشهد.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قاله؛ لأن التشهد قد فاته بنعاسه وذهب موضعه، ووجب عليه أن يقوم إذا قام الإمام؛ لقول النبي ﷺ : «إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا ركع فاركعوا، وإذا رفع فارفعوا» الحديث، ولا شيء عليه في التشهد؛ لأنه مما يحمله عنه الإمام، ولا ينتقض وضوؤه بهذا المقدار من النوم؛ لأنه يسير، وبالله التوفيق.
[مسألة: الرجل يتشهد وهو ملتف بساجه فيشير من تحت الساج بأصبعه]
مسألة وسئل مالك عن الرجل يتشهد وهو ملتف بساجه، فيشير من تحت الساج بأصبعه، قال: لا بأس بذلك.
قال محمد بن رشد: أما الإشارة بالأصبع في التشهد فقد استحسنه في رسم "المحرم" بعد هذا، وخير فيه في رسم "نذر سنة". وقوله هاهنا: لا بأس بذلك يدل على التخفيف، وأن ما سواه أحسن، فلا يعود ذلك إلا إلى الإشارة من تحت الساج، لا إلى نفس الإشارة؛ لأنها السنة من فعل الرسول ﵇ على ما في الموطأ من رواية ابن عمر. ولابن القاسم في تفسير ابن مزين: أنه كان لا يحركهما، وفي سماع أبي زيد عنه أنه قال: رأيت مالكا إذا
стр. 228
صلى الصبح، يدعو ويحرك أصبعه التي تلي الإبهام ملحا. ووجه تحريكها استشعار كونه مقبلا على صلاته؛ لئلا يشتغل باله بما سواها. وقد قيل فيها لهذا المعنى: إنها مدية الشيطان، ومقمعة له. ووجه مدها دون تحريك أن يتأول فاعل ذلك بها أن الله وحده لا شريك له، وبالله التوفيق.
[مسألة: صلاة رسول الله في منى إلى غير سترة]
مسألة قال مالك: صلى رسول الله ﷺ في منى إلى غير سترة، ولقد كرهت بنيان مسجد عرفة، وذلك أن الرجل يأتي يمسك بعيره وما أشبه ذلك، وليس لكل الناس من يمسك إبلهم. ولقد أدركت عرفة وما بها مسجد حتى بني بعد، فقيل له: ما اتخذ الناس من البنيان بمنى، فكره ذلك وقال: ذلك مما يضيق على الناس، ولم يعجبه البنيان بها.
قال محمد بن رشد: قوله: صلى رسول الله في منى إلى غير سترة، أي إلى غير سترة مبنية مسجد ولا غيره، لا أنه صلى إلى غير سترة أصلا، فإنه كان ﷺ إذا صلى في الصحراء تركز له الحربة، أو توضع بين يديه العنزة، فيصلي إليها. وقد بين العلة في كراهيته للبنيان بمنى، ولبنيان مسجد عرفة، ومثل ذلك كله في الحج الأول من المدونة، وقال فيها: إنما أحدث مسجدها بعد بني هاشم بعشر سنين.
[مسألة: الأقناء التي تعلق في مسجد النبي]
مسألة وسئل مالك عن الأقناء التي تعلق في مسجد النبي ﷺ ، أكان ذلك من الأمر القديم؟ قال: نعم، قد كان على عهد النبي ﵇، وإنما كان لمكان من كان يأتي إلى النبي ﷺ ، فكان لموضع ضيافتهم يأكلون منه وأراه حسنا أن يعلق فيه، فقيل له:
стр. 229
أفترى لو عمل ذلك في مساجد الأمصار؟ فقال: أما كل بلد فيه تمر فلا أرى بذلك بأسا. قال ابن القاسم: ولم ير مالك بأسا بأكل الرطب التي تجعل في المسجد، مثل رطب ابن عمير، وقد جعل صدقة.
قال محمد بن رشد: الأقناء: العراجين من التمر، وواحدها قنو، ويجمع على أقناء وقنوان. قال الله : ﴿قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ﴾ [الأنعام: ٩٩] ، وفي هذا ما يدل على أن الغرباء الذين لا يجدون مأوى يجوز لهم أن يأووا إلى المساجد، ويبيتوا فيها، ويأكلوا فيها ما أشبه التمر من الطعام الجاف كله، وقد تقدم هذا المعنى في أول الرسم الذي قبل هذا، ويأتي في غير ما موضع، وبالله التوفيق.
[مسألة: المرأة التي ليس لها الزوج الشابة تضع الخضاب ولبس القلادة]
مسألة وسئل مالك عن المرأة التي ليس لها الزوج الشابة، تضع الخضاب ولبس القلادة ولبس القرطين، قال: لا بأس بذلك. فقيل لمالك: أتصلي بغير قلادة ولا قرطين، قال: نعم، لا بأس بذلك، وإنما يفتيهن بهذا العجائز.
قال محمد بن رشد: إنما وقع السؤال عن المرأة التي ليس لها الزوج الشابة، تضع الخضاب ولبس القلادة ولبس القرطين، من أجل ما روي: «أن امرأة جاءت إلى النبي ﵇ تبايعه فقال لها: "ما لك لا تختضبين، ألك زوج. قالت: نعم، قال: فاختضبي؛ فإن المرأة تختضب لأمرين، إن كان لها زوج فلتختضب لزوجها، وإن لم يكن لها زوج فلتختضب لخطبها"، ثم قال: "لعن الله المذكرات من النساء، والمؤنثين من
стр. 230
الرجال» ، فلم يكره مالك للمرأة الشابة إذا لم يكن لها زوج أن تدع الخضاب ولبس القلادة والقرطين، وقال: لا بأس بذلك، ومعناه إذا لم تفعل ذلك قصدا منها للتشبه بالرجال. وأما إن كان لها زوج فالخضاب ولبس القلادة والقرطين مما يستحب لها بدليل الحديث، فهو مستحب في حال، ومباح في حال، ومحظور في حال.
والخضاب المأمور به هو أن تخضب المرأة يديها إلى موضع السوار من ذراعيها. وروي: أن عمر بن الخطاب خطب فقال: يا معشر النساء، إذا اختضبتن فإياكن والنقش والتطريف، ولتخضب إحداكن يديها إلى هذا، وأشار إلى موضع السوار. وأما صلاتها بغير قلادة ولا قرطين، فأجاز ذلك مالك ﵀، ولم ير فيه كراهة، وقال: لا بأس بذلك، وإنما يفتيهن بذلك العجائز، وقوله بَيِّن لا إشكال فيه؛ لأن هذه الأشياء من المعاني التي أبيح للمرأة أن تتزين بها، قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: ٣٢] فليست مما يجب عليها في صلاة ولا غير صلاة، وأرى من كان أصل الفتوى بوجوب ذلك عليهن في الصلاة، تأول قول الله : ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١] ، وليس ذلك بصحيح؛ لأن الآية إنما نزلت في الذين كانوا يطوفون بالبيت عراة، فلا يحتج منها على الوجوب إلا في ستر العورة خاصة، وأما حسن الهيئة في اللباس، وما كان في معناه، فإنما يستدل من الآية على استحبابه.
وإنما نزع بها مالك في كراهية الصلاة في مساجد القبائل بغير أردية، وقد كره جماعة السلف للمرأة أن تصلي بغير قلادة، روي ذلك عن ابن سيرين قال: قلت: لم؟ قال: لأنه تشبه بالرجال. وروى أن أم الفضل ابنة غيلان كتبت إلى أنس بن مالك: أتصلي المرأة وليس في عنقها قلادة؟ فكتب إليها: لا تصلي
стр. 231
المرأة إلا وفي عنقها قلادة، وإن لم تجد إلا سيرا. ولم يكره مالك ﵀ أن تصلي بغير قلادة ولا قرطين، وإن كانت القلادة والقرطان للمرأة من زينتها وحسن هيئتها، كما كره للرجل أن يصلي بغير رداء من أجل أن الرداء من زينته وحسن هيئته، والفرق بينهما عنده، والله أعلم أن القلادة والقرطين من الزينة التي أمر الله تعالى أن لا تبديها إلا لزوجها، أو لذي المحرم منها، وبالله التوفيق.
[مسألة: القوم يخرجون إلى السفر فيقدمون الرجل الصالح لفضله ولحاله ويجلونه]
مسألة وحدثنا مالك، عن عبد الرحمن بن المحبر أنه كان مع سالم بن عبد الله في بعض المناهل، فأقيمت الصلاة في المسجد، قال: فقلت له: الصلاة قد أقيمت، قال: نصلي مكاننا، ولا نصلي صلاتين صلاة السفر، وصلاة الحضر.
وسئل مالك عن القوم يخرجون إلى السفر، فيشيعهم الرجل الذي له الفضل والسن، فيقدمونه لفضله ولحاله فيجلونه، فقال: أرجو أن لا يكون بذلك بأس.
قال محمد بن رشد: رأى سالم بن عبد الله أن القصر أفضل من الصلاة في الجماعة، وهو مذهب مالك؛ لأنه يرى القصر أفضل من الإتمام في جماعة، فإن أتم في جماعة لا يعيد؛ لأن معه فضل الجماعة مكان ما فاته من فضل القصر، وإن أتم وحده أعاد في الوقت ليدرك فضيلة القصر. وإن قدم المسافرون مقيما لفضله لم يكن بذلك بأس عنده. وقد تقدم هذا المعنى في رسم "القبلة"، وسيأتي في رسم "الصلاة" الثاني من سماع أشهب، وبالله التوفيق.
стр. 232
[مسألة: الرجوع على صدور القدمين في الصلاة]
مسألة وقال مالك: ما رأيت أحدا ممن كنت أقتدي به يرجع على صدور قدميه في الصلاة.
قال محمد بن رشد: يريد بين السجدتين، وهذا كما قاله؛ لأن سنة الصلاة أن يكون جلوسه بين السجدتين كهيئة جلوسه في التشهد، وقد رأى المغيرة بن حكم عبد الله بن عمر يرجع في سجدتين في الصلاة على صدور قدميه، فلما انصرف ذكر ذلك لي، فقال: إنها ليست سنة الصلاة، وإنما أفعل ذلك من أجل أني أشتكي.
وقال في حديث آخر إنما سنة الصلاة أن تنصب رجلك اليمنى وتثني رجلك اليسرى. والسنة إذا أطلقت فهي سنة النبي، ﵇، حتى تضاف إلى غيره، كما قيل سنة العُمَرَيْن - والرجوع على العقبين بين السجدتين هو الإقعاء المنهي عنه عند أهل الحديث، وعند أهل اللغة جلوس الرجل على أليتيه ناصبا فخذيه مثل إقعاء الكلب والسبع، وبالله التوفيق.
[البدار بالصلاة في أول الوقت]
مسألة ولقد بلغني أن ابن عمر كان يروح بعد الزوال ثم يسير أميالا قبل أن يصلي الظهر، فقيل له: فأي ذلك أحب إليك؟ قال مالك: مثل الذي فعل ابن عمر يؤخر ذلك، فقيل له: فالجمع بين الصلاتين في السفر؟ قال: إني لأكره ذلك. قيل له: فالنساء؟ قال: ذلك أخف عندي؛ لأن المرأة تستر وخففه فيها.
وقال ما مالك: «بلغني أن عبد الله بن رواحة أقبل إلى المسجد يوم الجمعة فسمع رسول الله ﷺ يقول وهو على المنبر للناس اجلسوا قال: فسمعه عبد الله بن رواحة وهو في الطريق فجلس مكانه في الطريق
стр. 233
لموضع ما قال رسول الله ﷺ » . فقيل له: فأحب إليك إذا جمع في أي وقت؟ قال: في وسط ذلك بين الصلاتين.
قال محمد بن رشد: رواح عبد الله بن عمر، ﵁، بعد الزوال قبل أن يصلي الظهر يدل على أنه كان يتحرى أن لا يصلي في أول الوقت حتى يتمكن ويمضي منه بعضه، وهو الذي استحب مالك هنا وفي صدر هذا الرسم؛ لأن البدار بالصلاة في أول الوقت من فعل الخوارج، وأن الذي يتحرى أول الوقت لا يأمن أن يخطئ في تحريه فيصلي قبل أول الوقت.
وكراهية مالك جمع الصلاتين في السفر معناه إذا لم يجد في السير، وهو مثل قوله في المدونة، وخففه في المرأة لمشقة النزول عليها لكل صلاة مع حاجتها إلى الاستتار، مع أنه قد أجيز للرجل أيضا وإن لم يَجِدَّ به السير، وإليه ذهب ابن حبيب، وقد روي ذلك عن النبي ﷺ ، وهو الذي يدل عليه حديث معاذ بن جبل في الموطأ قوله فيه: «فأخر الصلاة يوما ثم خرج فصلى الظهر والعصر جميعا ثم دخل ثم خرج فصلى المغرب والعشاء جميعا» ؛ لأن قوله ثم خرج ثم دخل يدل على أنه كان نازلا غير ماش في سفره.
وقول مالك: إنه يجمع في وسط ذلك بين الصلاتين يريد في آخر وقت الأولى وأول وقت الثانية، وهو مثل قوله في المدونة، وحديث عبد الله بن رواحة وقع في أثناء المسألة، ولا تعلق له بشيء منها، وفيه دليل على أنه يستحب لمن أتى الجمعة أن يترك الكلام في طريقه إذا علم أن الإمام في الخطبة وكان بموضع يمكن عنه أن يسمع كلام الإمام.
وقد قيل: إن الإنصات لا يجب عليه حتى يدخل المسجد، وهو قول ابن الماجشون ومطرف، وقيل
стр. 234
إنه يجب عليه منذ يدخل رحاب المسجد التي تصلى فيه الجمعة من ضيق المسجد، وبالله التوفيق.
[مسألة: الجمع بين المغرب والعشاء إذا جمعتا في المطر]
مسألة وسئل مالك عن الجمع بين المغرب والعشاء إذا جمعتا في المطر أية ساعة يجمعان؟ قال: يؤخر المغرب قليلا. فقيل: أيوتر من جمع قبل أن يغيب الشفق؟ قال: لا، أفلا يستطيع أن يوتر في بيته؟
قال محمد بن رشد: قوله: إن المغرب تؤخر قليلا في الجمع بينهما هو معنى ما في المدونة، وفي رسم "أخذ يشرب خمرا" بعد هذا، وهو المشهور في المذهب المعلوم من قول مالك أن ينصرف الناس وعليهم إسفار قبل مغيب الشفق وإظلام الوقت.
وقد روي عن مالك أنه يجمع بينهما عند الغروب، وهو قول محمد بن عبد الحكم، وروي ذلك عن ابن وهب وأشهب.
وهذا القول يأتي على قياس القول بأن المغرب ليس لها في الاختيار إلا وقت واحد، فلما لم يجز على هذا القول تأخير المغرب بعد الغروب إلا لعذر ولا تعجيل العشاء قبل الشفق إلا لعذر أيضا، واستوى الطرفان، رأى التعجيل أولى لما للناس من الرفق في الانصراف والضوء متمكن بعد.
وأما القول الأول فإنه يأتي على مراعاة قول من يرى أن المغرب وقتها في الاختيار إلى مغيب الشفق، وهو ظاهر قول مالك في موطئه، فرأى أن يكون الجمع في وسط وقت المغرب المختار ليدرك من فضيلة وقت المغرب بعضها وتكون العشاء قد عجلت عن وقتها المختار للرفق بالناس كي ينصرفوا وعليهم إسفار قبل تمكن الظلام. وقوله: إنه لا يوتر قبل أن يغيب الشفق صحيح؛ لأن الوتر من صلاة الليل، ولا ضرورة تدعو إلى تعجيله قبل مغيب الشفق، وبالله التوفيق.
стр. 235
[مسألة: ينصرف من منى إلى مكة وهو من أهلها فتدركه الصلاة قبل وصوله مكة]
مسألة وسئل مالك عن الرجل ينصرف من منى إلى مكة وهو من أهل مكة، فتدركه الصلاة من قبل أن يصل إلى مكة، أترى يتم الصلاة؟ قال: نعم. وأهل المحصب يتمون وراءهم مثلهم، وأرى أن يحصب الناس بالمحصب حتى يصلوا العشاء.
وقد حصب رسول الله ﷺ . قال لي بعد ذلك أرى أن يصلوا ركعتين حين ينزلون بالمحصب إذا أدركهم الوقت فيما بين منى ومكة، وإن تأخروا بمنى صلوا ركعتين. قال ابن القاسم: وقوله الأول أعجب إلي أن يتموا قبل أن يأتوا المحصب.
قال مالك: «حج معاوية بن أبي سفيان فصلى بمنى ركعتين، فكلمه مروان في ذلك وقال: أنت القائم بأمر عثمان، تصلي ركعتين وقد صلى عثمان أربعا، فقال: ويلك أنا صليتهما هاهنا مع رسول الله ﷺ ركعتين، قال: فلم يزل به مروان حتى صلى أربعا» .
قال محمد بن رشد: أما من قدم مكة ولم ينو المقام بها أربعا حتى خرج إلى الحج فلا اختلاف في أنه يقصر بمنى وفي جميع مواطن الحج لأنه مسافر بعدُ على حاله، وإنما اختلف أهل العلم فيمن نوى الإقامة بمكة أو كان من أهلها وخرج إلى الحج، فقيل: إنه يتم لأنه ليس في سفر يقصر في مثله الصلاة، وهو مذهب أهل العراق، وقيل إنه يقصر لأنها منازل سفر وإن لم يكن سفرا يقصر في مثله الصلاة.
وإلى هذا ذهب مالك، ودليله «أن رسول الله ﷺ قدم مكة صبيحة رابعة من ذي الحجة، فأقام بمكة إلى يوم التروية، وذلك أربع ليال» ، ثم خرج فقصر بمنى، فلم يختلف قول مالك: إنه يقصر بمنى وعرفة، وفي جميع مواطن الحج إلا في رجوعه من منى إلى مكة بعد انقضاء حجه إذا نوى الإقامة بمكة أو كان من أهلها على ما تقدم، فكان أولا
стр. 236
يقول: إنه يُتم؛ مراعاة لمن يرى أنه يتم؛ إذ ليس في سفر تقصر في مثله الصلاة، ثم رجع فقال: إنه يقصر حتى يأتي مكة بناء على أصله في أنه من أهل القصر دون مراعاة منه لقول غيره. وكذلك اختلف في ذلك اختيار ابن القاسم، وستأتي هذه المسألة متكررة في رسم "الشريكين" وفي رسم "المحرم " وفي بعض الروايات.
وأما إتمام عثمان، ﵁، بمنى فقد روي أن الناس لما أنكروا عليه الإتمام قال لهم: إني تأهلت بمكة، وقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من تأهل في بلدة فهو من أهلها» ، ولعله تأول أن رسول الله، ﵇، لم يقصر بمنى إلا من أجل أن إقامته بمكة لم تكن إقامة تخرجه عن سفره، ولذلك قصر بمنى. وأما معاوية بن أبي سفيان فالوجه فيما ذكر عنه في هذه الرواية والله أعلم أنه كان مقيما بمكة فقصر بمنى؛ لأنه تأول أن رسول الله ﷺ قصر بها، وقد كان مقيما بمكة، فلم يزل به مروان حتى صرفه عن تأويله على رسول الله ﷺ أنه كان مقيما بمكة إلى أنه إنما قصر، ﵇؛ لأنه لم يكن مقيما بمكة إقامة تخرجه عن سفره.
فالاختلاف هل كان، ﵇، مقيما بمكة قبل خروجه إلى منى أو غير مقيم هو أصل الاختلاف في هذه المسألة، فذهب مالك إلى أنه قصر بمنى وقد كان مقيما، وذهب أهل العراق إلى أنه إنما قصر بمنى من أجل أنه لم يكن مقيما بمكة، وبالله التوفيق.
[مسألة: صلاة النوافل في البيوت]
مسألة وسئل عن الصلاة في النوافل في البيوت أحب إليك أم في المسجد؟ قال: أما في النهار فلم يزل من عمل الناس الصلاة في المسجد يجرون ويصلون، وأما الليل ففي البيوت. وقد كان الرسول، ﵇، يصلي الليل في بيته. وقال مالك: يستحب
стр. 237
للذي يصلي بالليل في منزله أن يرفع صوته بالقرآن. وكان الناس إذا أرادوا سفرا تواعدوا لقيام القرآن وبيوتهم شتى، وكانت أصواتهم تسمع بالقرآن، فأنا أستحب ذلك.
قال محمد بن رشد: استحب مالك صلاة النافلة بالنهار في المسجد على صلاتها في البيت؛ لأن صلاة الرجل في بيته وبين أهله وولده وهم يتصرفون ويتحدثون ذريعة إلى اشتغال باله بأمرهم في صلاته، ولهذه العلة كان السلف يهجرون ويصلون في المسجد، فإذا أمن الرجل من هذه العلة فصلاته في بيته أفضل؛ لقول رسول الله ﷺ : «أفضل الصلاة صلاتكم في بيوتكم إلا الصلاة المكتوبة» ؛ لأنه حديث صحيح محمول على عمومه في الليل والنهار مع استواء الصلاة في الإقبال عليها وترك اشتغال البال فيها؛ وقد سئل مالك في أول الرسم بعد هذا عن الصلاة في مسجد النبي، ﵇، في النوافل، أفيه أحب إليك أم في البيوت؟ قال: أما الغرباء فإن فيه أحب إلي، يعني بذلك الذين لا يريدون إقامة، فدل هذا من قوله أن الصلاة بالنهار في البيوت لغير الغرباء أحب إليه من الصلاة في المسجد.
ومعنى ذلك إذا أمنوا من اشتغال بالهم في بيوتهم بغير صلاتهم، وأما إذا لم يأمنوا ذلك فالصلاة في المسجد أفضل لهم، فقد قال رسول الله ﷺ : «من ركع ركعتين لا يحدث نفسه فيهما بشيء غفر له ما تقدم من ذنبه» . وإنما كانت صلاة النافلة للغرباء في مسجد النبي ﷺ أفضل منها لهم في بيوتهم بخلاف المقيمين؛ لأن الصلاة إنما كانت أفضل في البيوت منها في مسجد النبي ﷺ وفي جميع المساجد من أجل فضل عمل السر على عمل العلانية، قال الله
стр. 238
عز وجل: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧١] . قال النبي، ﵇: «سبعة يظلهم الله في ظله يوم القيامة يوم لا ظل إلا ظله» ، فذكر فيهم: " من ذكر الله خاليا ففاضت عيناه، ومن تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه ". والغرباء لا يعرفون في البلد ولا يذكرون بصلاتهم في المسجد، فلما لم تكن لصلاتهم في بيوتهم مزية من ناحية السر وجب أن تكون صلاتهم في مسجد النبي ﷺ أفضل لما جاء من: «أن الصلاة فيه خير من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام» . فعلى هذا تتفق الروايات ولا يكون بينها تعارض ولا اختلاف. ووجه استحباب مالك للذي يصلي الليل في بيته أن يرفع صوته بالقرآن ليشيع الأمر ويعلو ويكثر فيرتفع عنه الرياء، ويحصل بفعله الاقتداء، فيحصل له أجر من اقتدى به، وذلك من الفعل الحسن لمن صحت نيته في ذلك، وبالله التوفيق.
[مسألة: البيتوتة في المسجد]
مسألة وسئل عن البيتوتة في المسجد، فقال: أما من كان له منزل؛ فإني أكره له ذلك، وأما من ليس له منزل والضيفان فلا أرى بذلك بأسا.
стр. 239
قال محمد بن رشد: قد مضى هذا المعنى في هذا الرسم وفي أول الرسم الذي قبله فلا معنى لإعادة القول فيه.
[مسألة: المرأة إذا كان عليها الخضاب وهي طاهرة أتصلي به]
مسألة وسئل عن المرأة إذا كان عليها الخضاب وهي طاهرة أتصلي به؟ قال: غيره أحسن منه. قال ابن القاسم: وقد قال لي قبل ذلك لا بأس به وأنا لا أرى به بأسا إذا كانت على وضوء.
قال محمد بن رشد: لم يبين في هذه الرواية إن كان الخضاب على يديها أو على رجليها وقد ربطت عليه بالخرق، فلذلك لم ير به بأسا، ثم رأى غيره أحسن منه، واختيار ابن القاسم أنه لا بأس به إذا كانت على وضوء، يريد أنها لو لم تكن على وضوء لم يجز لها أن تمسح على خضابها وتصلي.
واختلف إذا لبست على خضابها خفين؛ وهي غير طاهرة لتقيه بذلك، فروى مطرف عن مالك أنه لا يجوز لها أن تمسح عليهما، وقد قيل: إنه يجوز المسح، وإلى هذا ذهب أبو إسحاق التونسي. وقال مالك في المدونة: لا يعجبني، فهي ثلاثة أقوال: المنع والإباحة والكراهة.
وأما إذا كان الخضاب على يديها وقد ربطت عليه فلا ينبغي لها أن تصلي به حتى تنزعه قولا واحدا، يبين هذا ما يأتي في رسم "البز" أن الرجل إذا حضرته الصلاة وعليه الأصابع والمضرية؛ وهو يرمي أنه ينتعهما، وكذلك يصلي إلا أن يكون في حرب ويخاف أن يطول ذلك به لأن اليدين يسجدان كما يسجد الوجه، وبالله التوفيق.
[مسألة: صلاة أهل مكة ووقوفهم في السقائف للظل لموضع الحر]
مسألة وسئل مالك عن صلاة أهل مكة ووقوفهم في السقائف للظل لموضع الحر، قال: أرجو أن يكون خفيفا. فقيل له: فأهل المدينة ووقوفهم في الشق الأيمن من مسجدهم وتنقطع صفوفهم في الشق
стр. 240
الأيسر، قال أرجو أن يكون واسعا لموضع الشمس. ثم قال: كان رجل يحمل بطحاء ليسجد عليها، فقيل له: أفتكره ذلك؟ قال: نعم. ويسجد على ثوبه أحب إلي من أن يحمل بطحاء يضعها يسجد عليها.
قال محمد بن رشد: خفف انقطاع الصفوف لضرورة الشمس؛ لأن التراص في صفوف الصلاة مستحب. وهذا نحو قوله في المدونة: إنه لا بأس بالصفوف بين الأساطين إذا ضاق المسجد، وهو بين أن قوله فيها لا بأس أن تقف طائفة عن يسار الإمام في الصف ولا تلصق بالطائفة التي عن يمين الإمام، معناه لا بأس بالفعل إذا وقع لا أن ذلك يجوز ابتداء من غير كراهة، والله أعلم.
والبطحاء التراب، فكره وضعها في المسجد وحملها من موضع منه إلى غيره لما في ذلك من حفر المساجد وتغيير سطوحها، ورأى السجود على ثوبه أخف من ذلك، وهو كما قاله: وسيأتي في رسم "المحرم" التكلم على المصلي وحده في السقائف أو مع غيره إن شاء الله تعالى، وبه التوفيق.
[مسألة: حكم أبوال الأنعام]
مسألة وسئل مالك عن أبوال الأنعام، قال: أبوالها خفيف قيل له: فالظبي من الأنعام؟ قال: لا، إنما الأنعام الإبل والبقر والغنم. قال الله ﵎: ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ [الأنعام: ١٤٣] ، قال الظبي ليس من الأنعام ولا أرى أن يتقرب إلى الله بشيء منها، يريد في الضحايا والعقائق وما أشبه ذلك من سنن الإسلام.
قال محمد بن رشد: أما أبوال الأنعام فلم يختلف قول مالك أنها طاهرة، ووقع في سماع أشهب من كتاب الجامع أنه فرق بين أبوال الأنعام
стр. 241
وبين أبوال ما يؤكل لحمه من غيرها. وتأول ابن لبابة أنه إنما فرق بين ذلك في إجازة التداوي بشربها لا في نجاستها، للحديث الذي جاء في إجازة النبي ﷺ بشرب أبوال الإبل للرهط الغربيين الذين قدموا على النبي، ﵇، فاستوخموا المدينة.
والمشهور من قول مالك في المدونة وغيرها المساواة بين أبوال الأنعام وبين أبوال ما يؤكل لحمه من غيرها، والذي في هذه الرواية محتمل، ودليلها إجازة الضحايا والعقائق بجميع الأنعام، وهو ظاهر ما في سماع أشهب من كتاب الضحايا خلاف ما في سماع يحيى من كتاب العقيقة لمالك أن العقيقة لا يجزئ فيها إلا الغنم.
[مسألة: الرجل يسلم التسليمة الأولى قبل تسليمة الإمام الثانية]
مسألة وسئل مالك عن الرجل يسمع تسليم الإمام فيسلم تسليمة واحدة ثم يسلم الرجل ثم يسمعه يسلم الأخرى، قال: أرى أن يسلم أخرى.
قال محمد بن رشد: اختلف قول مالك في سلام المأموم والفذ، فكان يقول: إنهما يسلمان تسليمتين ثم يرد المأموم منهما على الإمام، ثم رجع إلى أنهما يسلمان تسليمة واحدة ثم يرد المأموم منهما على الإمام، والقولان قائمان في المدونة. وفي رسم "المحرم" بعد هذا أن المنفرد لا بأس أن يسلم تسليمتين، وأما الإمام فقال فيه: ما أدركت الأئمة إلا على تسليمة واحدة، زاد في رسم "الصلاة" الثاني من سماع أشهب، وإنما أحدث تسليمتين منذ كانت بنو هاشم.
وقوله في هذه الرواية يأتي على قول مالك الثاني؛ لأنه لم ير أن يسلم تسليمة أخرى اتباعا للإمام، وهو نحو ما في رسم "نذر سنة" من أنه إذا فاته من صلاة الإمام شيء لا يقوم إلى قضائه حتى يفرغ الإمام من سلامه كله.
стр. 242
[مسألة: السيجان الإبريسمية وقياسها حرير والملاحف التي يكون لها العلم الحرير]
مسألة وسئل عن السيجان الابريسمية وقياسها حرير، والملاحف التي يكون لها العلم الحرير قدر الأصبعين، أيلبس ذلك؟ قال: ما أحب ذلك وما يعجبني لنفسي ولا أراه حراما.
قال محمد بن رشد: المحرم على الرجل لباسه هو الثوب المصمت الخالص من الحرير، وأما ما كان من ثياب الحرير مشوبا بغيره من قطن أو كتان أو صوف فليس بحرام، أجازه ابن عباس، وكرهه ابن عمر، وبكراهية لباسه أخذ مالك هذا قوله هنا وفي الحج الثاني من المدونة وفي غير ما موضع.
وأجاز ابن حبيب الخز من ذلك خاصة، وكره ما سواه، اتباعا لمن استجاز لباس الخز من السلف، وليس قوله بقياس.
وأما العلم الحرير فكرهه مالك أيضا وأجازه جماعة من السلف وقد روي عن عمر بن الخطاب أنه أجازه. على قدر الإصبع والإصبعين والثلاثة والأربعة، وقع ذلك في مختصر ما ليس في المختصر لابن شعبان، وبالله التوفيق.
[: طول السجود في النافلة في المسجد]
ومن كتاب قطع الشجر مسألة قال ابن القاسم: سئل مالك عن طول السجود في النافلة في المسجد، قال أكره ذلك وأكره الشهرة.
قال محمد بن رشد: وجه كراهيته لذلك ما يخشى أن يدخل على فاعل ذلك مما تفسد به نيته. وبالله التوفيق.
ومن كتاب أوله الشجرة تطعم بطنين في السنة وسئل عن الزيت تقع فيه الفارة فيطبخ صابونا، أترى أن يباع
стр. 243
وأن يغسل بذلك الصابون؟ فقال إني أكره ذلك وما يعجبني. قال: وينتصح على الناس عند غسلهم [فلا يعجبني.
قال محمد بن رشد: كره في هذه الرواية بيعه ثم قال] : وينتصح على الناس عند غسلهم، فكأنه علل الكراهة بذلك. فعلى تعليله لو بين لجاز البيع.
والذي يأتي على المعلوم من مذهبه في المدونة وغيرها أن البيع لا يجوز، وهو قول جميع أصحاب مالك حاشا ابن وهب. وأما غسل الثوب به فجائز على مذهبه، وهو قول سحنون نصا في سماعه من كتاب الوضوء، وقول جميع أصحاب مالك حاشا ابن الماجشون.
[مسألة: الأكل في المسجد]
مسألة وسئل عن الأكل في المسجد فقال: أما الشيء الخفيف مثل السويق والطعام اليسير فأرجو أن يكون خفيفا، وأما الطعام مثل الألوان واللحم فما يعجبني ذلك، فمن الناس من يشتد عليه الصيام، ليس كل الناس في الصيام سواء.
أما الرجل الضعيف وما أشبهه فأرجو إذا كان الشيء الخفيف فلا بأس به. فقيل له: فرحاب المسجد؟ قال لا الرحاب من المسجد للطعام الكثير فلا يعجبني، وكره أكل الإمام الطعام في المسجد.
قال محمد بن رشد: قد مضى هذا في رسم "شك" وفي أول رسم "سلعة سماها " فلا معنى لإعادته.
[مسألة: يضع يده في الأرض عند سجوده لمكان عنان فرسه]
مسألة وسئل عن الخيل الحصن ينزل أهلها للصلاة فلا يستطيعون
стр. 244
أن ينضموا لموضع تحصن خيلهم فيصلون أفرادا وإمامهم أمامهم، قال: لا بأس بذلك. فقيل له: فإن الرجل ربما فزع إلى فرسه ونسي رسنه فلا يجد بدا من أن يمسك عنان فرسه ولا يستطيع أن يضع يده على الأرض، قال أرجوه أن يكون خفيفا.
قال محمد بن رشد: أما إجازته لصلاتهم متفرقين مأتمين بإمامهم من أجل تحصن خيلهم فصحيح، وأما تخفيفه ألا يضع يده في الأرض عند سجوده لمكان عنان فرسه فوجه ذلك الضرورة الداعية إليه إذا لم يجد بدا من ذلك كما قال، لقول رسول الله ﷺ : «السجود على سبعة آراب» ، وهذا مثل ما في آخر سماع موسى، وهو أحسن مما يأتي في رسم " اغتسل "؛ لأنه قال فيه أرجو أن يكون في سعة ولا أحب له أن يتعمد ذلك.
[مسألة: أهل أدنة وما أشبهها من المسالح أترى أن يصلوا الجمعة]
مسألة وسئل مالك عن أهل أدنة وما أشبهها من المسالح، أترى أن يصلوا الجمعة؟ قال: إن كانوا في قرى فأرى أن يصلوا، فإنما الجمعة على أهل القرى، فإن كانوا في قرية ولهم عدد فأرى أن يصلوا.
стр. 245
قال محمد بن رشد: هذا نحو ما في رسم "أوله صلى نهارا ثلاث ركعات"، وهو معلوم من مذهب مالك أن الجمعة تجب على أهل القرى المتصلة البنيان إذا كان لهم العدد، أعني لأهل القرية دون المقيمين للرباط، ولم يحد في ذلك حدا على مذهبه في كراهية الحد في الأشياء، وحد ابن حبيب في ذلك الثلاثين، كما تجب على أهل الأمصار خلاف ما يذهب إليه أهل العراق أن الجمعة لا تجب إلا في مصر جامع.
[مسألة: حكم تزويق المساجد]
مسألة وحدثنا سحنون عن ابن القاسم عن مالك «أن رسول الله ﷺ جعل في نعليه شراكين جددين فأمر أن ينزعا وأن يرد فيهما الخلقتين اللتين كانتا فيهما فقيل له: لم يا رسول الله فقال إني نظرت إليهما في الصلاة» قال مالك: ولقد كره الناس تزويق المسجد حين جعل بالذهب والفسيفساء، وأول ذلك مما يشغل الناس في صلاتهم.
قال محمد بن رشد: هذا مثل ما في المدونة في كراهية تزويق المسجد. ومن هذا المعنى كره تزيين المصاحف بالخواتم، وقد مضى ذلك في رسم "سلعة سماها "، وكره في أول سماع موسى أن يكتب في قبلة المسجد بالصبغ آية الكرسي أو غير ذلك من القرآن لهذه العلة. ولابن نافع وابن وهب في المبسوطة إجازة تزيين المساجد وتزويقها بالشيء الخفيف ومثل الكتاب في قبلتها، ما لم يكثر ذلك حتى يكون مما نهي عنه من زخرفة المساجد.
[مسألة: كيفية صلاة الجالس]
مسألة وسئل عن صلاة الجالس، فقال متربعا فإذا أراد أن يسجد
стр. 246
ثنى رجليه، قيل له: فالمحمل؟ قال متربع مثل الجالس، فقيل له يثني رجليه عند السجود؟ قال إن صاحب المحمل يشق عليه أن يثني رجليه، فإن لم يشق عليه فليفعل ذلك، ولكن أخشى أن يشق عليه.
قال محمد بن رشد: مثل هذا في المدونة، وهو أمر لا اختلاف فيه، في المذهب أن الاختيار للمصلي جالسا في النافلة أن يكون متربعا، وأن الذي لا يقدر على القيام في صلاته يصلي متربعا.
وقد روي عن عائشة، ﵂، أنها قالت: «رأيت رسول الله ﷺ صلى متربعا» ، وما روي عن ابن مسعود أنه قال: لأن أجلس على رضفتين أحب إلي من أن أتربع في الصلاة، يحتمل أن يكون معناه على التربع في موضع الجلوس.
ومن أهل العلم من ذهب إلى العاجز عن القيام في صلاته يجلس بدلا من قيامه كجلوسه في تشهده، وهو قول زفر وما ذهب إليه الجمهور، وهو القياس، أن يفرق بين القعود الذي هو بدل من القيام، وبين القعود الذي هو للتشهد. وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: «صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم غير متربع» وهذا يدل على نقصان صلاة القاعد في النافلة متربعا عن صلاته غير متربع، إلا أنه حديث ليس بالصحيح.
[الصلاة في مسجد النبي ﷺ في النوافل]
ومن كتاب أوله حلف بطلاق امرأته ليرفعن أمرا وسئل مالك عن الصلاة في مسجد النبي ﷺ في النوافل،
стр. 247
أفيه أحب إليك أم في البيوت؟ قال مالك: أما الغرباء فإن فيه أحب إلي، يعني بذلك الذين لا يريدون إقامة.
قال محمد بن رشد: قد مضى القول في هذه المسألة في رسم "شك" فلا فائدة في تكريره.
[مسألة: الرجل يهلك يوم الجمعة فيتخلف عليه الرجل ينظر ما يكون من شأن الميت]
مسألة وقال مالك في الرجل يهلك يوم الجمعة فيتخلف عليه الرجل من إخوانه ينظر في أمره مما يكون من شأن الميت، قال مالك: ما أرى بذلك بأسا أن يتخلف في أمره، ورآه سهلا.
قال محمد بن رشد: شهود الجمعة فرض واجب على الرجال الأحرار البالغين، فلا يحل لأحد منهم التخلف عنها إلا من عذر أو علة، لقول رسول الله ﷺ : «من ترك الجمعة ثلاث مرات من غير عذر ولا علة طبع الله على قلبه» . فمن العذر عند مالك ما ذكره من الاشتغال بشأن الميت، ومعناه إذا لم يكن له من يكفيه أمره وخاف عليه التغيير، وكذلك إذا كان في الموت يجود بنفسه يجوز له التخلف عنها بسببه قاله مالك بعد هذا.
وقد روي أن عبد الله بن عمر استصرخ على سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل يوم الجمعة وهو على الخروج إليها، فتركها وخرج إليه بالعقيق.
[مسألة: النداء الذي يمنع فيه الناس البيع يوم الجمعة]
مسألة وسئل مالك عن أي النداء يمنع فيه الناس البيع يوم الجمعة؟
قال النداء الذي ينادى به والإمام جالس على المنبر، فإذا أذن تلك الساعة رفعت الأسواق فلم يبع فيه عبد ولا غيره.
стр. 248
قال محمد بن رشد: ستأتي هذه المسألة متكررة في رسم "نذر سنة" وفي رسم "العارية" من سماع عيسى، وهي مثل ما في المدونة وغيرها، لقول الله : ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩] . قوله فلم يبع فيها عبد ولا غيره، يريد أن الأسواق يمنع أن يتبايع فيها العبيد أو غيرهم ممن لا تجب عليهم الجمعة، كما يمنع من ذلك من تجب عليه للذريعة، فإن باع فيها من لا تجب عليه الجمعة لم يفسخ بيعه.
وأما في غير الأسواق فجائز للعبيد والنساء والمسافرين وأهل السجون والمرضى أن يتبايعوا فيما بينهم، فإن باع منهم من لا تجب عليه الجمعة ممن تجب عليه فسخ بيعه، كما يفسخ بيع من تجب عليه ممن لا تجب عليه ما كانت السلعة قائمة، فإن فاتت مضت بالثمن، وقيل إنها ترد إلى القيمة وقت البيع، وقيل بعد أن تحل الصلاة، وقيل إن البيع لا يفسخ وإن كانت السلعة قائمة وقد باء المتبايعان بالإثم ويتصدق البائع بالربح، وقيل ليس ذلك عليه.
[مسألة: التكبير أيكبر الناس أيام منى فيما بين الصلوات]
مسألة وسئل مالك عن التكبير، أيكبر الناس أيام منى فيما بين الصلوات؟ قال نعم. فقيل له: أفرأيت الناس في الآفاق، أترى أن يكبروا كذلك؟ قال إن كبروا لم أر بذلك بأسا، فأما الذين أدركت والذين أقتدي بهم فلم أرهم يكبرون إلا خلف الصلوات. علي بن زياد عن مالك في التكبير بعد الصلوات في أيام التشريق: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر ولم يحد فيها مالك ثلاثا إلا أنا نستحسن ثلاثا، ولو زاد أحد أو نقص من ثلاثة لم أر به بأسا.
стр. 249
قال محمد بن رشد: مثل هذا كله في المدونة، إلا أن التحديد في رواية علي بن زياد وقع فيها من قول مالك، وهنا من قول علي بن زياد. واستحب ابن حبيب التهليل والتحميد مع التكبير، وهو أن يقول: الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر ولله الحمد، وذلك كله واسع.
[مسألة: الجلوس يوم عرفة في المساجد في البلدان بعد العصر للدعاء]
مسألة وسئل مالك عن الجلوس يوم عرفة في المساجد في البلدان بعد العصر للدعاء، فكره ذلك، فقيل له فإن الرجل يكون في مجلسه فيجتمع إليه الناس ويكبرون، قال ينصرف، ولو أقام في منزله كان أحب إلي.
قال محمد بن رشد: كره مالك هذا وإن كان الدعاء حسنا وأفضله يوم عرفة؛ لأن الاجتماع لذلك بدعة. وقد روي أن رسول الله ﷺ قال: «أفضل الهدي هدي محمد وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة» ، وسيأتي هذا المعنى متكررا في رسم "صلى نهارا ".
[مسألة: الذي يدرك الناس وهم يقنتون في صلاتهم الصبح وقنوتهم بعد الركوع]
مسألة وسئل مالك عن الذي يدرك الناس وهم يقنتون في صلاتهم الصبح وقنوتهم بعد الركوع، فقنت معهم ثم صلى، قال: هذا لم يدرك من الصلاة شيئا وعليه القنوت، ولم يره مثل من أدرك معهم ركعة فقنت، ذلك القنوت مجزئ عنه ولا يقنت في الأخرى.
قال محمد بن رشد: هذا صحيح؛ لأنه إذا لم يدرك الركوع من الركعة الثانية فلا يعتد بالقنوت كما لا يعتد بما أدرك من السجود. وأما إذا
стр. 250
ركع الركوع من الركعة الثانية فلا يقنت في الركعة التي يقضي، كان الإمام ممن يقنت بعد الركوع فقنت معه أو ممن يقنت قبل الركوع فلم يدركه معه، وهذا على القول بأن الذي أدرك مع الإمام هو آخر صلاته، وأما على القول بأن ذلك أول صلاته وعلى مذهب أشهب الذي يقول إنه بان في القراءة وصفة القيام والجلوس، فعليه أن يقضي القنوت أدركه مع الإمام أو لم يدركه، والله أعلم.
[مسألة: النفر يكونون في المسجد يقولون لرجل حسن الصوت اقرأ علينا]
مسألة وسئل مالك عن النفر يكونون في المسجد فيخف أهل المسجد فيقولون لرجل حسن الصوت اقرأ علينا يريدون حسن صوته، فكره ذلك وقال إنما هذا يشبه الغناء. فقيل له: أفرأيت الذي قال عمر لأبي موسى: ذكرنا ربنا، قال من الأحاديث أحاديث قد سمعتها وأنا أتقيها، ووالله ما سمعت هذا قط قبل هذا المجلس، وكره القراءة بالألحان وقال هذا عندي يشبه الغناء، ولا أحب أن يعمل بذلك، وقال إنما اتخذوها يأكلون بها ويكسبون عليها.
قال محمد بن رشد: إنما كره مالك ﵀ للقوم أن يقولوا للحسن الصوت: اقرأ علينا إذا أرادوا بذلك حسن صوته كما قال، لا إذا قالوا ذلك له استدعاء لرقة قلوبهم بسماع قراءته الحسنة، فقد روي أن رسول الله، ﵇، قال: «ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي يتغنى بالقرآن» ، أي ما استمع لشيء مما استمع لنبي يحسن صوته بالقرآن طلبا لرقة قلبه بذلك.
وقد كان عمر بن الخطاب إذا رأى أبا موسى الأشعري قال: ذكرنا ربنا فيقرأ
следующие страницы →