← Фикх малики

Фикх малики · id 21751

البيان والتحصيل

ابن رشد الجد

Полный текст (9 112 стр.). Показаны 1891–1930 · переход к 1896.

стр. 1891

تحته خالتها فهلكت، فقال له أبوها: اشتر لها خادما من صداقها، فقال: عندي خادم، فقال له: فاشتر لها متاعا في بيتها، فقال: هذا بيت خالتها - يعني المتاع - فدخلت في متاعها ثم هلك، قال مالك: أرى أن يقام ذلك المتاع، فإن كان فيه فضل كان للمرأة لأنه قد رضي أن يعطيها إياه، وإن كان أقل من القيمة اتبعته بما بقي. قال محمد بن رشد: وهذا على ما قال؛ لأنه قد تبين بإدخالها على متاع خالتها بعد قوله لأبيها: هذا بيت خالتها، جوابا عن سؤاله أن يشتري لها متاعا بصداقها، أنه قد رضي أن يعطيها ذلك المتاع في الثلاثين التي أصدقها، فإن كانت قيمته أكثر من الثلاثين فهو لها، وإن كانت قيمته أقل من الثلاثين كان عليه تمام الثلاثين، وقوله: وإن كان أقل من القيمة، يريد وإن كان أقل من الثلاثين، وبالله التوفيق. [مسألة: المرأة الصالحة هي للرجل دنيا وآخرة] مسألة قال مالك: بلغني أن لقمان قال لابنه: يا بني لتكن أول ما تفيد من الدنيا بعد خليل صالح امرأة صالحة. قال محمد بن رشد: هذه وصية جيدة مفيدة، وحكمة بالغة عظيمة، لأن النساء من أجل ما زين للناس من شهوات الدنيا، قال تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [آل عمران: ١٤] الآية، فالمرأة الصالحة هي للرجل دنيا وآخرة لأنه يستعف بها ويستمتع منها ويؤجر على القيام عليها، والخليل الصالح يحمل خليله على الخير ويحمله على الطاعة، ويريد مراشده في أموره، فمنفعته أعم من منفعة المرأة، إذ من الناس من يستغني عن المرأة ولا يحتاج إليها، ولذلك قدمه عليها.

стр. 1892

[مسألة: الرجل يقدم من السفر فتتلقاه ابنته أو أخته أتقبله] مسألة وسئل عن الرجل يقدم من السفر فتتلقاه ابنته أو أخته أتقبله؟ قال: لا بأس بذلك. قال محمد بن رشد: إنما خفف ذلك لأن المقصد فيه الحنان والرحمة لا ابتغاء اللذة إذ ليستا ممن ينبغي ذلك فيهما، والأحسن أن لا يفعل ذلك مخافة أن يتلذذ بذلك وإن لم يقصد إلى الالتذاذ به، ولا وضوء عليه في ذلك، قاله في أول سماع أشهب من كتاب الوضوء، والله الموفق. [مسألة: يتزوج الأمة فيقال له طلقها على أن أكتب لك مائة دينار في نكاح أخرى] مسألة وسئل عن الرجل الخير يتزوج الأمة، ثم إن الرجل من أهله أنف من ذلك فقال له: طلقها وأنا أكتب لك علي كتابا بمائة دينار في نكاح امرأة إذا بدا لك أن تتزوجها، فطلقها وكتب عليه كتابا وأقام نحوا من ثلاثة أعوام لا يتزوج، ثم إن الجارية أعتقت وتزوجت رجلا فطلقها زوجها فارتجعها الزوج الأول وقد مات الذي ضمن المال، أيكون ذلك في ماله؟ فقال مالك: قد تقادم ذلك، فلا أرى له حقا في ماله، ولا أرى لك أن تدخل في مثل هذا. قال محمد بن رشد: في قوله: قد تقادم ذلك، فلا أرى له حقا في ماله، دليل على أنه لو لم يتقادم لوجب له ذلك في ماله، وإنما أوجب له ذلك في ماله إذا تزوج بالقرب، ولم ير ذلك هبة تبطل بالموت لأنه أعطاه ذلك على شرط الطلاق، فصار ثمنا للطلاق يجب له بعد الموت، ويحاص الغرماء به في الموت والفلس. وفي العشرة ليحيى بن يحيى أنه لا شيء له في ماله بعد الوفاة،

стр. 1893

فرآها كالعطية على غير عوض، وعلى هذا اختلفوا في الرجل يعطي امرأته النصرانية داره على أن تسلم، فتسلم، هل هي ثمن لإسلامها فلا يحتاج فيها إلى حيازة؟ أو عطية تفتقر إلى حيازة؟ وحكى ابن حبيب في ذلك القولين. ومن هذا المعنى المسألة الواقعة في رسم أخذ يشرب خمرا من سماع ابن القاسم من كتاب الصدقات والهبات، قوله: احلف لي أنك لم تشتمني ولك كذا وكذا، فيدخل فيه القولان، ورأى ذلك ابن الماجشون جعلا على ما لا منفعة فيه للجاعل فاحتج به لمذهبه في جواز ذلك، والصواب أن له فيه منفعة وهي تطييب نفسه من جهته فلا حجة له في ذلك، وكان الأظهر في مسألة الكتاب أن تجب له المائة، تقادم الأمر أو لم يتقادم، لقوله فيها: إذا بدا لك؛ لأن إذا ظرف لما يأتي من الزمان. ولو علق العطية بالتزويج دون الطلاق فقال له: إن تزوجت فلك داري الفلانية، أو: فلك قبلي كذا وكذا، لكان ذلك أمرا لازما له في الحياة والموت، لا يحتاج فيه إلى حيازة باتفاق إن تزوج بالقرب على هذه الرواية، ولو قال له: إن تزوجت فأنا أعطيك كذا وكذا، لكانت عدة على سبب يجري على الاختلاف في ذلك، وبالله التوفيق. [مسألة: العبد يكون بيده المال لسيده فيقول له اشتر جارية لنفسك تطؤها] مسألة وسئل عن الذي يكون له العبد ويكون بيده المال لسيده فيقول له: اشتر جارية من المال الذي في يديك لنفسك تطؤها، قال مالك: لا يصلح هذا إلا أن يهب له المال قبل ذلك. قال محمد بن رشد: قال ههنا: إلا أن يهب له المال قبل ذلك، وقال في رسم الطلاق الأول من سماع أشهب: إلا أن يسلفه الثمن قبل ذلك، وذلك سواء، يحل له وطء الجارية بأي الوجهين كان، لأن الجارية تصير ملكا له إذا اشترها بماله الذي وهب له سيده أو أسلفه إياه، وأما إذا اشتراها بمال السيد فلا يصلح له وطؤها وإن قال له: اشترها لنفسك تطؤها؛ لأن قوله: اشترها لنفسك تطؤها، بمنزلة قوله: اشترها لتكون لك للوطء، فهي باقية على ملكه حتى يهبها له بعد الشراء هبة صحيحة.

стр. 1894

[مسألة: أمة زوجها سيدها ثم طلقها زوجها فوطئها سيدها في العدة] مسألة قال مالك في أمة زوجها سيدها ثم طلقها زوجها فوطئها سيدها في عدة من طلاق أو وفاة، قال: لا أرى لسيدها أن يطأها بعد أن تحل أبدا مثل النكاح. قال محمد بن رشد: وهذا كما قال، إذ لا فرق عندهم في الوطء في العدة بين أن يطأ فيها بنكاح أو بشبهة نكاح أو بملك أو بشبهة ملك فيما يوجب ذلك من التحريم، وإنما اختلفوا في الوطء بنكاح أو بشبهة نكاح في استبراء من أي وجه كان أو في عدة من غير نكاح كعدة أم الولد يتوفى عنها سيدها أو يعتقها، وبالله التوفيق. [الأمة يكون نصفها حرا أيزوجها من له فيها الرق بغير رضاها] ومن كتاب مساجد القبائل وسئل مالك عن الأمة يكون نصفها حرا أيزوجها من له فيها الرق بغير رضاها؟ قال لا يزوجها بغير رضاها ولا تتزوج إلا برضاه، لا تزويج لها إلا باجتماع منهما على الرضى، فإن أعتق ما بقي منها كان لها الخيار. قال محمد بن رشد: هذه مسألة صحيحة لا اختلاف أعلمه في أن المعتق بعضها ليس للذي فيها الرق أن يجبرها على النكاح ولا في أنها إذا عتق ما بقي منها وهي تحت عبد أن لها الخيار، لأن العلة عند مالك في تخيير الأمة إذا عتقت كون زوجها ناقصا عن مرتبتها، ولذلك لا تخير عنده إذا عتقت تحت حر، ويأتي على قول أهل العراق، والذين يقولون إنها تخير إذا أعتقت كان زوجها حرا أو عبدا أو يرون العلة في تخييرها ما كان لسيدها قبل أن تعتق من جبرها على النكاح أن لا يكون لها خيار إذا أعتق ما بقي منها كانت تحت حر أو عبد إذ لم يكن لسيدها أن يجبرها على النكاح من أجل أن بعضها حر وهو بعيد.

стр. 1895

[مسألة: يتزوج المرأة وتشترط عليه أن كل امرأة ينكحها عليها طالق البتة] مسألة وسئل مالك عن الرجل يتزوج المرأة وتشترط عليه عند نكاحه إياها أن كل امرأة ينكحها عليها طالق البتة، فإن لم يطلق فأمر امرأته التي عنده بيدها، قال: أرى ذلك له، فقيل له: فإنه قيل له: إنك قد قلت: هي طالق البتة، ولا ينفعك الذي قلت، وإن لم تطلق فأمرها بيدها، قال: أرى ذلك له، لأنه إنما تزوج على ذلك، فقيل له: كأنك إنما رأيت أنه عقد الأول بالآخر، فقال: نعم، أرى ذلك بيدها إن شاءت أقامت وإن شاءت اختارت نفسها. قال محمد بن رشد: تكررت هذه المسألة في رسم إن خرجت من سماع عيسى، وقول مالك فيها: إن قوله: فإن لم يطلق فأمر امرأته التي عنده بيدها، ينفعه ويكون له صحيح. وما قيل له من أنه قيل للحالف: إن ذلك لا ينفعه، بعد أن قال: إنها طالق البتة، لا يصح بوجه من الوجوه، إذ لا يلزمه باللفظ طلاق لأنه مقيد بالتزويج، فلما كان لا يلزمه باللفظ طلاق لم يصح أن يعد قوله بعد ذلك، فإن لم يطلق فأمر امرأته بيدها ندما منه، وكان أول كلامه مرتبطا بآخره باتفاق، فلا يدخل في هذه المسألة من الاختلاف ما يدخل في المسائل التي يتهم الرجل فيها بالندم إرادة أن يسقط عن نفسه ما قد لزمه بالقول، من ذلك قول الرجل لامرأته: أنت طالق البتة إن أذنت لك أمك، على ما وقع في رسم كتب عليه من سماع ابن القاسم من كتاب الأيمان بالطلاق، وقوله: لفلان علي كذا وكذا، وعلى فلان وفلان وما أشبه ذلك من المسائل، وهي أكثر من أن تحصى عددا. [مسألة: سلطة السلطان في تزويج ولدا صغارا قد كبروا] مسألة وسئل مالك عن أقوام تضرب عليهم البعوث إلى إفريقية وما خلف ذلك والأندلس، فيترك بعضهم ولدا صغارا، أو تكون له بنت صغيرة فتكبر وهي بكر، فتخطب ويرفع ذلك إلى السلطان، أترى

стр. 1896

للسلطان أن يزوجها؟ قال: نعم. قال محمد بن رشد: مغيب الرجل عن ابنته البكر ينقسم على ثلاثة أقسام: أحدها أن تكون غيبته قريبة، والثاني أن تكون غيبته بعيدة منقطعة، والثالث أن يكون أسيرا أو فقيرا، فأما إذا كانت غيبته قريبة لعشرة أيام وما أشبه ذلك، فلا اختلاف في أنها لا تزوج في مغيبه، فإن زوجت في مغيبه فسخ النكاح، زوجها الولي أو السلطان، قاله ابن حبيب في الواضحة، وأما إذا كانت غيبته بعيدة منقطعة مثل إفريقية أو طنجة أو الأندلس من مصر وما أشبه ذلك، فاختلف في ذلك على أربعة أقوال: أحدها أن الإمام يزوجها إذا دعيت إلى ذلك، وإن كانت نفقته جارية عليها ولم يخف عليها ولا استوطن البلد الذي هو به، وهو ظاهر قول مالك في هذه الرواية وفي المدونة، وقد تؤول على ما في المدونة من قوله فيها: وأما من خرج تاجرا وليس يريد المقام بتلك البلاد فلا يهجم السلطان على ابنته أنها لا تزوج، إلا أن يستوطن ذلك البلد وهو القول الثاني، والقول الثالث أنها لا تزوج إلا أن يستوطن ذلك البلد ويطول مقامه فيه العشرين سنة والثلاثين حتى يؤيس من رجعته، وهو قول ابن حبيب في الواضحة، والرابع أنها لا تزوج أبدا وإن طال مقامه، وهو ظاهر قول مالك في كتاب ابن المواز وقول ابن وهب في رسم الأقضية من سماع يحيى لأنه قال فيه: وإن كان الأب يجري لها النفقة ولا يزال يتفقدها بما يصلحها حتى يؤمن عليها الضيعة، فلا يجوز للإمام ولا غيره أن يفتات على أبيها بإنكاحها، والاختلاف بينهم إذا قطع الأب عنها النفقة في مغيبه هذا، وخشيت عليها الضيعة في أنها تزوج، وإن كان ذلك قبل البلوغ، وإنما اختلفوا هل يزوجها ها هنا الولي دون السلطان أم لا؟ فالمشهور أنه لا يزوجها إلا السلطان لأنه حكم على غائب برضاها، وقال ابن وهب في سماع يحيى ومثله في كتاب ابن المواز: الولي يزوجها برضاها، والوجه في ذلك أن ولايته قد سقطت عنها بتضييعه لها ومغيبه عنها، فكان كالميت، فالقول بأن الإمام يزوجها في بعد غيبة أبيها وإن كانت نفقته جارية عليها، جار على القول بأنه ليس له أن يعضلها عن النكاح، فإن زوجها الولي مضى النكاح ولم يفسخ، والقول بأنها لا تزوج في بعد غيبته عنها

стр. 1897

إذا كانت نفقته جارية عليها جار على القول بأن له أن يفصلها عن النكاح، وإلى هذا ينحو قول ابن حبيب، وأما الاعتبار بالاستيطان فلا وجه له، وأما إذا كان أسيرا أو فقيرا فلا اختلاف في أن الإمام يزوجها إذا دعت إلى ذلك وإن كانت في نفقته وأمنت عليها الضيعة، وبالله التوفيق. [مسألة: الرجل ينكح فيلزمه أهل المرأة بهدية العرس] مسألة وسئل مالك عن الرجل ينكح فيلزمه أهل المرأة بهدية العرس، وذلك عندنا الذي يعمل به الناس، حتى إنه ليكون في ذلك الخصومة، أترى أن يقضى به؟ قال: إذا كان قد عرف من شأنهم وهو عملهم لم أر أن يطرح ذلك عنهم إلا أن يتقدم فيه السلطان؛ لأني أراه أمرا قد جروا عليه، قال ابن القاسم في كتاب عيسى: وقد قال مالك قبل ذلك: لا أرى أن يقضى به، وهو أحب قوله إلي، قال ابن القاسم: ومما يبين ذلك أنه لو مات أو ماتت أكان لها فيه شيء؟ فهذا يدلك أنه لا يقضى به، كان ذلك قد عرف من شأنهم وهو عملهم أو لم يكن. قال محمد بن رشد: قال ها هنا: هدية العرس، وقال في رسم لم يدرك من سماع عيسى: نفقة العرس، وذلك سواء، لأن مراده بنفقة العرس هدية العرس، وهو ما جرى العرف بأن الأزواج يهدونه عند الأعراس، وقد كان بعض الشيوخ يذهب إلى أن المراد بهدية العرس الذي اختلف قول مالك في وجوب القضاء بها على الزوج وليمة العرس، ويتعلق بقوله في سماع عيسى نفقة العرس، وذلك غير صحيح؛ لأن الوليمة على مذهب مالك وأصحابه وجماعة أهل العلم سواء أهل الظاهر مرغب فيها ومندوب إليها لقول النبي ﵇ لعبد الرحمن بن عوف: «أولم ولو بشاة» فذلك واجب على الزوج وجوب السنن لا يقضى بها عليه ولا حق فيها للزوجة، ومما يدل على أن المراد

стр. 1898

بذلك الهدية التي تهدى إلى الزوجة لا الوليمة التي يصنعها الزوج للناس وإن كان ذلك أبين من أن يحتاج إلى الاستدلال عليه، قوله في الرواية: لم أر أن يطرح ذلك عنهم إلا أن يتقدم فيه السلطان، ولا يجوز أن يتقدم السلطان في الوليمة، فيكون قد نهى عما أمر رسول الله به ﷺ وقال فيه: إنه حق، فقد روي عنه ﷺ أنه «قال في الوليمة: اليوم الأول حق والثاني معروف والثالث سمعة» وتقدمه في هدية العرس هو أن يعهد إلى الناس أنه لا هدية لمن تزوجت على زوجها إلا أن تشترطها عليه، وقد كان القياس على القول بوجوب القضاء بها إذا حكم للعرف بحكم الشرط أن يكون حكمها حكم الصداق فيجب عليه نصفها بالطلاق وجميعها بالدخول أو الموت، فإن مات أخذ ذلك من ماله، وإن ماتت هي وجب ذلك لورثتها، إلا أن مالكا لم يحكم لها بحكم الصداق ولا حكم لها بحكم الهبة إذ أبطلها بالطلاق أو بموت من مات منهما على ما قاله في سماع عيسى، وعلى ما احتج به ابن القاسم ها هنا لتضعيف القضاء بها، ووجه ما ذهب إليه مالك أنه حكم بها بحكم الصلة التي يراد بها عين الموصول، فعلى هذا يأتي جوابه في وجوب القضاء بها، وأما ابن حبيب فحكم لها بحكم الصداق فقال: إنه يقضى بها ويرجع إن طلق بنصفها إلا أن تفوت فلا يكون له شيء، يريد فاتت بتلف أو إنفاق أو استمتاع على أهله فيما استمتعت به المرأة من الصداق قبل الطلاق إذا طلق قبل البناء، وقد ذكرنا ذلك عنه في آخر رسم شك. قال: وأما هدية الإملاك فلا يقضى بها ولا يكون له منها شيء في الطلاق وإن أدركها قائمة، ولا فرق بينهما إلا من جهة العرف، فلو انتقل العرف لانتقل الحكم بانتقاله، وبالله التوفيق. [يبتاع للنساء اللاتي يتزوجن الرجال الإماء ولا يشترى لهن العبيد] ومن كتاب أوله مرض وله أم ولد فحاضت قال مالك: الأمر عندنا أنه يبتاع للنساء اللاتي يتزوجن الرجال الإماء، ولا يشترى لهن العبيد وأنه ليس في قيمة الرقيق، هكذا سنة مضت إلا ما جرى عليه عمل الناس على نحو ما وصفت لك.

стр. 1899

قال محمد بن رشد: يريد: إذا وقع النكاح على كذا وكذا رأسا من الرقيق، ولم يذكر ذكورا ولا إناثا، فيشتري لها الإناث لأنه العرف، وقوله: ليس في قيمة الرقيق سنة مضت، يريد: ليس في ذلك عرف يرجع إليه فيكون لها الوسط من رقيق البلد، إن حمران فحمران، وإن سودان فسودان، على ما مضى في أول رسم من هذا السماع. ولو سمي في ذلك ثمن لم يلتفت إلى الوسط من ذلك، وكانت المرأة بالخيار إن شاءت أخذته بالأرؤس على تلك التسمية، وإن شاءت أخذته بالتسمية من الثمن وتركت الرأس أو الأرؤس، إلا أن يحضر بالأرؤس على التسمية قبل أن يختار التسمية فلا يكون لها أن تختار التسمية وتدعها لأنه كمن وكل رجلا على شراء شيء فاشتراه، فليس لمن وكله أن يأبى من قبول ذلك منه، وما لم يشتره فله أن يأباه ويرجع إلى رأس ماله فيأخذه منه، وإن طلقها قبل الدخول فلها نصف التسمية من الثمن ولا يجبر الزوج على أن يأتي برأس تلك التسمية فيكون بينهما، قاله ابن حبيب في الواضحة وعزاه إلى مالك وأصحابه، قال: ولم أعلمهم اختلفوا فيه إلا ما كان من أصبغ في المرأة الدنية يسمى لها في الثياب ثمن رفيع. [المرأة المحتاجة تصدق الصداق أترى أن تأكل منه بالمعروف] ومن كتاب أوله نذر سنة يصومها وسئل مالك عن المرأة المحتاجة تصدق الصداق أترى أن تأكل منه بالمعروف؟ قال نعم. قال محمد بن رشد: أباح لها أن تأكل من صداقها بالمعروف، والمعروف هو قدر ما يكفيها بدليل «قول رسول الله ﷺ لهند: خذي يا هند ما يكفيك وولدك بالمعروف» وإنما أباح ذلك لها وإن كان من مذهبه أن عليها أن تتجهز إلى زوجها بصداقها، من أجل حاجتها إلى ذلك مراعاة لقول من يقول: هو مالها وليس عليها أن تتجهز بشيء منه إلى زوجها، ولا حق له فيه، ولو طلقها قبل البناء وقد استنفد الإنفاق جميع ما كان أصدقها لوجب أن يتبعها

стр. 1900

بنصفه على القول بأن النفقة لا تجب عليه إلا بالدخول، وقد مضى هذا المعنى في رسم شك في طوافه قبل هذا فقف عليه، وبالله التوفيق. [مسألة: عبد أبق عن سيده فتزوج حرة ببلد وأقام معها نحوا من عشرين ليلة] مسألة وسئل مالك عن عبد أبق عن سيده، فتزوج حرة ببلد وأقام معها نحوا من عشرين ليلة، ثم قال لها: إني عبد ولا أحب أن تخبري أحدا، فأقامت معه ولم تقض شيئا، ثم إن سيده ظهر عليه فبعث إليه فأخذه وعلم بامرأته فأقره، ثم إنه باعه من رجل فأقره على نكاحه، فلما قدم على امرأته وعلم أبوها فقال لها: إن لك الخيار، فقالت: اشهدوا أني قد طلقت نفسي. فقال لها الزوج: ليس ذلك لك، وقد كنت علمت ذلك، فقيل لها: أعلمت ذلك؟ فأقرت بعدما طلقت نفسها فقال: أرى له أن يطلقها، هذه قد طلقت نفسها، والذي أقرت به من أنها علمت به في السر ولا أدري ما هو، وقد طلقت نفسها، كأنه ضعفها عندي من وجه أنه لا بينة فيه، ثم قال: هذا أمر قد كان أوله على غير صواب. قال محمد بن رشد: المعنى في هذه المسألة أنها لا تصدق بعد أن أشهدت بطلاقها نفسها فيما أقرت به من أنه قد كانت علمت قبل طلاقها نفسها أنه عبد فرضيت المقام معه؛ إذ لا بينة على ذلك فتتهم على أنها أرادت البقاء مع زوجها بعد أن طلقت نفسها وهي في باطن الأمر زوجته باقية في عصمته إن كانت أقرت بحق، إذ ليس لها أن تطلق نفسها بعد الرضى بالمقام معه على أنه عبد، واستحب للزوج أن يطلقها إن كان يعلم أنها صادقة فيما أقرت به لتكون في سعة من نكاح غيره إن شاءت، إذ لا يجوز لها أن تتزوج سواه لأنها زوجته على ما أقرت به، إذ لا يباح له البقاء معها بما ظهر من طلاقها نفسها ولا تزويجها أيضا قبل زوج إن كانت فارقته بثلاث، فطلاقه إياها إن كانت طلقت نفسها ثلاثا أو واحدة فلم ترد أن ترجع إليه وأرادت أن

стр. 1901

تتزوج سواه لا يضره وينفعها، فهذا وجه استحباب مالك ذلك له، وقوله: هذا أمر قد كان أوله على غير صواب، لا حكم له إذ قد جاز النكاح ووجب إمضاؤه بإقرار سيده إياه. [مسألة: يتزوج المرأة ويشترط في نقدها الجارية بخمسين دينارا] مسألة وسئل مالك عن الرجل يتزوج المرأة ويشترط في نقدها الجارية بخمسين دينارا أو السرير بكذا وكذا والفرش بمثل ذلك، ثم يعطيهم في ذلك صفة هي أدنى مما سمى لهم من الخمسين والتسمية في الفرش والأسرة، أترى ذلك له؟ قال: أرى أن تلزمه تسمية ما سمى، فقلت له: فإن ذلك إنما يفعلونه إرادة السمعة ويعطون أدنى من ذلك. قال هذا أمر لا أعرفه ببلدنا، وأرى أن تلزمه التسمية، قلت: ماذا ترى في مثل هذا إذا كان أمرا ينكحون عليه؟ قال كنت أرى للإمام أن يتقدم في ذلك وفي الصداق الذي ينكح به أهل مصره. قال محمد بن رشد: ألزمه تسمية ما سمى من الأثمان في الثياب إذ لم يصح عنده العرف الذي ذكر له في ذلك فقال: هذا أمر لا أعرفه ببلدنا، ولو صح عنده العرف لحكم به؛ لأن الحكم به أصل عنده، ولوجب إذا سمى في ذلك من الأثمان ما لا يشبه حال المرأة مثل أن تكون المرأة الدنية فيسمي لها رداء كتان بعشرين دينارا أو درع خز بثلاثين دينارا أو ما أشبه ذلك مما يعلم أنه لم يقصد به إلا التسمية، فتعطى وسطا مما يشبهها ولا تعطى بالتسمية، وقد حكى ذلك ابن حبيب في الواضحة عن أصبغ، وهو تفسير للمذهب، والله أعلم. [مسألة: رجل ضعيف العقل تزوج فأراد وليه تغيير ذلك] مسألة وسئل مالك عن رجل ضعيف العقل تزوج فأراد وليه تغيير

стр. 1902

ذلك، قال إن كان مولى عليه لم أره نكاحا جائزا، وإن كان على غير ذلك فهو جائز. قال محمد بن رشد: هذا على المشهور المعلوم من مذهب مالك أن أفعال السفيه جائزة حتى يضرب على يده خلاف المشهور من مذهب ابن القاسم في مراعاة الحال دون الولاية، وقد روي عن ابن القاسم مراعاة الولاية مثل المشهور من مذهب مالك، وعن مالك مراعاة الحال دون الولاية مثل المشهور من مذهب ابن القاسم، وبالله التوفيق. [الرجل يخطب الأمة فيقول له سيدها أنا أزوجكها] ومن كتاب أوله المحرم يتخذ الخرقة لفرجه وسئل مالك عن الرجل يخطب الأمة فيقول له سيدها: أنا أزوجكها، فقال: إني أخاف أن أصيبها بشيء فيكون علي، قال: أنا أزوجكها على أن لا شيء عليك مما أصبتها به، قال: أراه غير جائز، وقال عيسى: يفسخ هذا النكاح قبل البناء ويثبت بعد البناء. قال محمد بن رشد: يريد: ويكون فيه صداق المثل لا المسمى، وقد اختلف في هذا النوع من الأنكحة الفاسدة على ما ذكرنا في آخر رسم من قبل هذا، فقف على ذلك. [مسألة: الرجل يتزوج المرأة ويشترط عليها ألا يتسرر عليها] مسألة وسئل مالك عن الرجل يتزوج المرأة ويشترط عليها ألا يتسرر عليها، والذي يشترط الرجل والمرأة لا يرون إلا أن التسرر هو الحمل، فيتزوج على ذلك، فيريد أن يطأ جاريته، أذلك له؟ قال: أرأيت الذي طلق البتة وهو يرى أنها واحدة أينفعه؟ فقلت: أهو مثل ذلك؟ قال: نعم، لا أرى أن ينفعه ما جهل من ذلك، وأرى ذلك يلزمه، قال سحنون: لا يعجبني ما قال، ولا بأس أن يطأ جارية إن كانت عنده ولا يلزمه إذا كان ذلك عندهما هكذا، قال سحنون: وهو قول مالك.

стр. 1903

قال محمد بن رشد: الاختلاف في هذه المسألة على اختلافهم في اليمين إذا عريت من النية، هل يحمل على اللفظ أو على ما يعلم من قصد الحالف على ما قد مضى القول فيه في غير ما موضع من كتاب النذور، ويأتي في كتاب الأيمان بالطلاق. والأظهر الأشهر حمل اليمين على ما يعلم من قصد الحالف، فقول سحنون في هذه المسألة وما حكاه عن مالك هو أظهر القولين، وفي تنظير هذه المسألة بالطلاق بُعدٌ، لأن للفظ الطلاق حكما يؤخذ به المطلق ولا يصدق في أنه جهل ذلك ولم يرد به الطلاق، وهو معنى قوله: أينفعه ذلك، يريد أنه لا يصدق فيه إذا ادعاه ولم يأت مستفتيا. وقد قيل: إن من لفظ بالطلاق لزمه الطلاق وإن لم يرد به الطلاق، ولا اختلاف بينهم في أن للحالف ما نوى فيما بينه وبين الله تعالى، ولو نوى الذي شرط لامرأته أن لا يتسرر عليها بلفظة التسرر التي لفظ بها الحمل دون الوطء لكانت له نيته فيما بينه وبين الله تعالى قولا واحدا، والله أعلم، ومعنى المسألة أن الشرط كان بتمليك، ولذلك حصل الاختلاف فيها على الوجه الذي ذكرته، وأما لو كان بطلاق أو عتق لصح تنظيرها بالطلاق ولما وسع فيها الاختلاف، وبالله التوفيق. [مسألة: يتزوج المرأة ويشترط لها أن كل امرأة يتزوجها عليها فأمرها بيدها] مسألة وسئل مالك عن الرجل يتزوج المرأة ويشترط لها أن كل امرأة يتزوجها عليها أو يتسرر عليها إلا برضاها فأمرها بيدها، فأذنت له أن يتزوج عليها أو يتسرر وأنه من ذلك في سعة قال: ما يعجبني ذلك إلا أن يكون ذلك عندما يريد أن يفعل في كل ما يريد، فقيل له: إنها قد وسعت عليه، قال: لا يعجبني إلا عندما يريد أن يفعل، قال ابن القاسم وسمعته غير سنة ثبت على هذا القول. قال محمد بن رشد: قد مضى القول في هذه المسألة والاختلاف فيها في أول رسم من هذا السماع، فلا معنى لإعادته هنا، وبالله التوفيق.

стр. 1904

[مسألة: ينكح المرأة ويشترط في صداقها إن لم يأت به إلى أجل فأمرها بيدها] مسألة وسئل عن الرجل ينكح المرأة ويصدقها صداقا ويشترط في صداقها إن لم يأت به إلى أجل فأمرها بيدها، فإن هذا نكاح ليس بحسن، وأراه مفسوخا، فقيل له: أينفسخ الشرط ويثبت النكاح؟ فقال: لا ولكن يفسخ النكاح، أشهب يقول: يفسخ الشرط ويثبت النكاح، وسحنون يقول: النكاح جائز دخل أو لم يدخل، وهو قول المدنيين والتونسيين. قال محمد بن رشد: قوله: ولكن يفسخ النكاح، يريد قبل الدخول ويثبت بعده، كذلك قال ابن القاسم في رسم باع شاة من سماع عيسى، ورواه عن مالك في كتاب ابن المواز، وإذا ثبت بعد الدخول بطل الشرط وكان فيه الصداق المسمى، وقول أشهب يفسخ الشرط ويثبت النكاح يريد قبل النكاح وبعده بالصداق المسمى، وقول سحنون: النكاح جائز دخل أو لم يدخل، يريد والشرط لازم، ومثله روى أشهب عن مالك، وقد روى مثله عن ابن القاسم وأشهب، وهو أظهر الثلاثة الأقوال لأنه تمليك انعقد عليه النكاح قد لا تطلق المرأة نفسها إن لم يأت بالصداق فلا يشبه ذلك الخيار في النكاح بقوله إن لم يأت بالصداق إلى أجل كذا وكذا فلا نكاح بينهما، وإنما يشبهه لو قال: إن لم يأت بصداقها إلى أجل كذا وكذا فهي طالق، وليس ذلك بشبه بين، وإنما كرهه من كرهه مخافة الذريعة إلى ذلك، فكأن المرأة قالت له لا أتزوحك إلا على أنك إن لم تأتني بصداقي إلى أجل كذا وكذا فلا نكاح بيني وبينك، فلما قيل لهما: إن ذلك لا يجوز، قال: فأنا أتزوجك على أني إن لم آت بصداقك إلى ذلك الأجل فأمرك بيدك، أو: فأنت طالق، فمن قويت الكراهة في ذلك عنده فسخ النكاح قبل الدخول، وهو قول ابن القاسم وروايته عن مالك ولم يفسخه بعد الدخول، ومن ضعفت عنده الكراهة في ذلك أجاز العقد وأبطل الشرط وهو قول أشهب.

стр. 1905

[مسألة: امرأة تزوجها رجل فأسكنها مع أبيه وأمه فشكت الضرر في ذلك] مسألة وسئل مالك عن امرأة تزوجها رجل فأسكنها مع أبيه وأمه فشكت الضرر في ذلك فقال: ذلك له أن يسكنها معهم، فقيل له: فإنه يقول: إن أبي أعمى، ولا أغلق دوني ودونه بابا، قال: ينظر في ذلك فإن رئي ضرر، كأنه يقول: إن رئي ضرر أن يحولها عن حالها. قال محمد بن رشد: وكذلك ليس له أن يسكن معها أولادا له من امرأة أخرى في بيت واحد ولا في دار واحدة، إلا أن ترضى بذلك، قاله في سماع سحنون من كتاب طلاق السنة، وذلك لما عليها في ذلك من الضرر لاطلاعهم على أمرها وما تريد أن تستر به عنهم من شأنها، وأمر الأعمى أخف في ذلك؛ إذ لا يبصر شيئا من أمورها، وقد «قال رسول الله ﷺ لفاطمة بنت قيس: اعتدي عند ابن أم مكتوم فإنه رجل أعمى تضعين ثيابك» فأوقف مالك ﵀ أمر الأعمى على النظر وحمله على غير الضرر حتى تثبت المرأة أنه يضر بها لأن قوله: فإن رئي ضرر، معناه: فإن ظهر ذلك وثبت وعلم، والله أعلم. وقال ابن الماجشون في المرأة تكون هي وأهل زوجها في دار واحدة، فتقول: إن أهلك يؤذونني فأخرجهم عني، أو أخرج عنهم: رب امرأة لا يكون ذلك لها يكون صداقها قليلا وتكون وضيعة القدر، ولعله أن يكون على ذلك تزوجها وفي المنزل سعة، فأما ذات القدر واليسار فلا بد له أن يعزلها، وإن حلف ألا يعزلها حمل على الحق، أبره ذلك أو أحنثه، وليس قول ابن الماجشون عندي بخلاف لمذهب مالك، فمن لا يشبه حالها من النساء أن يسكنها زوجها في دار على حدة وله أن يسكنها في دار جملة فليس لها على زوجها أن يخرج أبويه عنها إلا أن يثبت إضرارهما بها، وستأتي في رسم الطلاق من سماع أشهب من هذا المعنى، والله الموفق.

стр. 1906

[مسألة: الرجل ينكح بعد رمي الحجارة قبل أن يفيض] مسألة ومن كتاب أوله من كان منزله دون الميقات قال مالك في الرجل ينكح بعد رمي الحجارة قبل أن يفيض: يفسخ نكاحه بغير طلاق ويكون خاطبا من الخطاب. قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن العلة في أن المحرم لا يجوز له النكاح هي أنه لا يحل له النساء، ولا يحل له النساء وإن رمى الجمرة وحل من بعض إحرامه حتى يطوف طواف الإفاضة لقول عمر بن الخطاب ﵁ في خطبته بعرفة: إذا جئتم منى فمن رمى الجمرة فقد حل له ما حرم الله عليه، إلا النساء والطيب، لا يمسن أحد نساء ولا طيبا حتى يطوف بالبيت، قال ابن المواز: وكذلك لو نسي من طواف الإفاضة شوطا واحدا فرجع إلى بلاده فنكح، فإن نكاحه يفسخ ويرجع حراما حتى يتم طوافه ويحل، ولو تزوج بعد كمال الطواف وقبل الركعتين فإن كان قريبا بحيث يجب عليه أن يرجع فيتبدئ طوافه، فسخ النكاح، وإن كان قد تباعد جاز ولم يفسخ، ولو تزوج بالقرب فلم يعلم بذلك حتى بعد جرى ذلك على الاختلاف في المريض يتزوج فلا يعلم بذلك حتى يصح، ولا يدخل هذا الاختلاف في المحرم يتزوج فلا يعلم بذلك حتى يحل من إحرامه، وقد حكى الفرق بين الموضعين أبو إسحاق. وأما قوله: إنه يفسخ بغير طلاق، فقد مضى القول فيه في رسم الشريكين، والله الموفق. تم كتاب النكاح الأول بحمد الله تعالى

стр. 1907

[كتاب النكاح الثاني] [العبد يتزوج الحرة فتعتق وتتصدق بغير إذنه ولا مؤامرته بأكثر من الثلث] كتاب النكاح الثاني

стр. 1908

من سماع أشهب وابن نافع من مالك رواية سحنون من كتاب الأقضية قال سحنون: قال أشهب وابن نافع: سئل مالك عن العبد يتزوج الحرة فتعتق وتتصدق بغير إذنه ولا مؤامرته بأكثر من الثلث، قال: ما أرى ذلك لها، وهو زوج بمنزلة الحر، وله حق، ولعله أن يكون زاد لها في المهر لما لها، رجاء أن يتجمل به وأن تعينه في النفقة، ولعله سيعتق يوما من الدهر، قيل: أرأيت إن كان له منها ولد أترى له الكلام في ذلك بأن يقول: تتركين ولدي لا مال له؟ أم لا يكون له إذا لم يكن له ولد؟ فقال: ذلك سواء، إذا كان له منها أو لا ولد له منها، أرأيت الحر يكون له الولد أو لا ولد له أليس سواء في ذلك؟ فالعبد مثله. قال محمد بن رشد: مثل هذا لابن القاسم في سماع أبي زيد من كتاب الهبات، وقد احتج مالك للمساواة بين الحر والعبد في هذا بمعان ظاهرة بينة ويؤيدها قول النبي ﷺ : «لا يجوز لامرأة قضاء في ذي بال من مالها إلا بإذن زوجها» ، فعم ولم يخص حرا من عبد، فوجب أن يحمل الحديث على

стр. 1909

ظاهره من العموم لا سيما إذا دلت المعاني على ذلك، ولولي المولى عليه أن يمنع زوجته من أن تعطي أكثر من ثلث مالها، قاله ابن المواز، وقد روى أصبغ عن ابن وهب في سماعه من كتاب المديان والتفليس أن العبد ليس له أن يحجر على امرأته في شيء من مالها بخلاف الحر، وقال: والله ما اجتمع الناس في الحر رأسا فكيف العبد؟ وقول مالك أولى، وحجته أقوى. [مسألة: المرأة تتزوج الرجل بعبد بعينه فيموت في يده قبل أن تقبضه المرأة] مسألة وسئل عن المرأة تتزوج الرجل بعبد بعينه فيموت في يده قبل أن تقبضه المرأة، قال: ضمانه منها إذا كانت العهدة قد مضت، وكذلك الذي يشتري العبد ثم يموت في يد البائع قبل أن يقبضه المشتري فضمانه من المشتري إن كانت العهدة قد مضت، ولو نما العبد كان لها فكذلك إذا مات يكون عليها، قيل له: أرأيت أنه لو دفع إليها العبد فمات عندها ثم طلقها من قبل أن يمسها أيرجع عليها بنصف قيمة العبد يوم دفعه إليها؟ قال: أحر بذلك، قال أشهب: لا ترجع بشيء إذا مات، قال ابن نافع مثله، وهو قول مالك. قال محمد بن رشد: رأى مالك في رواية أشهب هذه في العبد المنكح به العهدة خلاف قول ابن القاسم في سماع سحنون من كتاب العيوب، وظاهره في كتاب الزكاة الأول والنكاح الثاني من المدونة، وجه القول الأول القياس على البيوع بأن يجعل الصداق ثمنا للبضع، ووجه القول الثاني أن النكاح طريقه المكارمة لا المكايسة وأن الصداق ليس بثمن للبضع على الحقيقة، وإنما هو نحلة من الله أوجبه للزوجات على أزواجهن لا عن عوض، لأن المباضعة بينهما واحدة فهي تستمتع به كما يستمتع بها، وأما قوله: إن ضمانه من المرأة وإن مات بيد الزوج قبل أن تقبضه فالمعنى في ذلك أن له أن يدخل بها وتكون مصيبة منها، وهذا ما لا أعلم فيه اختلافا في المذهب،

стр. 1910

فهو يقضي بصحة قول من قال: إن لها جميع الغلة من يوم تزوجها طلقها أو لم يطلقها، ويكون الزوج إن طلقها مستحقا لنصف الصداق يوم طلقها بالطلاق فلا يكون له من غلة ما مضى شيء خلاف ما ذهب إليه ابن القاسم من أن الغلة بينهما نصفين من أجل أنه لو مات ثم طلقها كانت المصيبة منها، ورأى مالك في هذه الرواية للزوج على المرأة إن طلقها وقد مات العبد في يديها نصف قيمته فقال: أحر بذلك، وكذلك يلزم على طرد قوله: وإن مات بيده قبل أن تقبضه وإن كان ذلك لا يوجد لهم، ويأتي ذلك أيضا على القول بأن المرأة يجب لها جميع الصداق المسمى بالعقد ويسقط نصفه بالطلاق وجميعه بالارتداد، ويأتي مذهب ابن القاسم في أن الغلة بينهما على قياس قول من يقول: إن المرأة لا يجب لها بالعقد من التسمية إلا نصفها ولا تستحق النصف الثاني إلا بالدخول أو الموت، وفي كلا القولين نظر، إذ لو وجبت لها التسمية بالعقد لما سقطت بالارتداد كما لا تسقط به بعد الدخول، ولو لم يجب لها بعد العقد إلا نصفها لما وجب لها النصف بموتها لأن الموت لا يوجب للميت حقا لم يكن واجبا له قبل، والذي يصح أن يعبر به في ذلك أن يقال: إن التسمية تجب لها بالعقد وجوبا غير مستقر، ويستقر لها نصفها بالطلاق وجميعها بالموت أو الدخول، وبالله التوفيق. [مسألة: تزوجت أزواجا ولها بالمدينة أولاد فأراد أبوها الارتحال بها معه وأبت] مسألة وسئل عن امرأة تزوجت أزواجا ولها بالمدينة أولاد فأراد أبوها الارتحال بها معه وأبت ذلك، وقالت: لا أفارق ولدي، فقال: ليس ذلك له أن يخرج بها. قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأنها مالكة لأمر بنفسها فلا حق له عليها في الخروج بها، ولو كانت سفيهة غير مالكة لأمر نفسها لكان له

стр. 1911

الارتحال معها على معنى ما وقع في سماع أشهب من كتاب المديان والتفليس، وبالله تعالى التوفيق لا رب غيره. [توفي وترك ابنته مع أمها فتزوجت أمها فأخذتها أم أمها وللجارية عمة] ومن كتاب الأقضية الثاني وسئل مالك عمن توفي وترك ابنته مع أمها فتزوجت أمها فأخذتها أم أمها وللجارية عمة أخت أبيها فحالوا بينها وبين رسول عمتها فقال: ليس لهم أن يمنعوا رسولها يأتي فيسلم ويعود، وليس لهم أن يمنعوها أن تأتي عمتها فتسلم عليها في الفرط. قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن منعها من عمتها ومنع رسول عمتها منها قطع لما أمر الله به من صلة الأرحام، قال : ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ﴾ [النساء: ١] أي الأرحام أن تقطعوها، وكان رسول الله ﷺ يقول: «اتقوا الله وصلوا الأرحام فإنه أمنى لكم في الدنيا وخير لكم في الآخرة» ، وقد أثنى الله على من انتهى إلى ما أمر به من صلتها فقال: ﴿وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ﴾ [الرعد: ٢١] الآية، وبالله التوفيق. [مسألة: يكون له بيت لنفسه وله نساء يأتينه في بيته ولا يأتيهن في بيوتهن] مسألة وسئل عن الرجل يكون له بيت لنفسه وله نساء تأتيه كل واحدة منهن يومها في ذلك البيت ولا يأتيهن في بيوتهن، فقال مالك: ما أرى ذلك إن أبين أن يطاوعنه، وإن كان ذلك نصفة بينهن، رسول الله ﷺ كان يأتي أزواجه في بيوتهن. قال محمد بن رشد: هذا كما قال؛ لأنه واجب أن يقتدي بالنبي ﷺ -

стр. 1912

في أفعاله كما يجب أن ينتهي إلى أقواله، قال : ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ﴾ [الأعراف: ١٥٧] ، وقال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] ، فيقضى على الرجل أن يسكن كل واحدة من زوجاته في بيت، ويقضى عليه أن يدور عليهن في بيوتهن لا يأتينه إلا أن يرضين، قال ذلك محمد بن عبد الحكم، وهو صحيح على مذهب مالك، وقد روي عن مالك فيمن قال لامرأته: أنت طالق إن وطئتك إلا أن تأتيني: إنه مول إذ ليس عليها أن تأتيه. [مسألة: تزوجت ابنتها فأرادت الخروج بها لتصلح منها وزوجها بذلك راض] مسألة وسئل عن امرأة لها بنت، قد تزوجت ابنتها فأرادت أمها الخروج بها تتبدى وتصلح منها، وزوجها بذلك راض ولم يدخل بها بعد، فقالت: فمنعني منها ابن عمها، قال مالك: وكم بين منزلك وبين الموضع الذي تريد أن تتبدي إليه؟ فقالت: ميلان، فقال: ما أرى بذلك بأسا أن يخرج بها إلى المكان القريب وزوجها راض. قال محمد بن رشد: هذا صحيح على ما في المدونة من أن الأم ليس لها أن تنقل بنيها الذين تحضنهم عن الموضع الذي فيه والدهم أو أولياؤهم إلا إلى الموضع القريب البريد ونحوه حيث يبلغ الأب أو الأولياء خبرهم، فإذا رضي الزوج بإخراجها إياها إلى المكان القريب لم يكن لوليها في ذلك كلام، وقد روي عن مالك أن لها أن تخرج بهم إلى مسافة المرحلة، ثم رجع فقال: لا أرى لها أن تضر بأوليائهم. [مسألة: رجل كان يأكل من مال امرأته فسكتت ثم بعد ذلك طالبته بذلك] مسألة وسئل، قال لمالك رجل: إني كنت آكل من مال امرأتي وهي

стр. 1913

تنظر لا تغير ذلك علي ولا أستأذنها فيه، فأقامت سنين ثم قالت: أعطني ما أكلت من مالي، ودخلتها غيرة، أترى ذلك علي؟ قال: نعم أعطها أو استطب نفسها. قال محمد بن رشد: هذا صحيح على قياس قوله في المدونة في كتاب النكاح الثاني في التي أنفقت على زوجها ثم طلبته بما أنفقت عليه، أن ذلك لها إلا أن يرى أنه كان منها له على وجه الصلة لأنه إذا كان لها أن تتبعه بما أنفقت عليه هي من مالها، فأحرى أن يكون لها أن تتبعه بما أنفقه هو على نفسه من مالها وهي تنظر ولا تغير، وهو أصل قد اختلف فيه، إذ لا فرق بين أن يأكل مالها وهي تنظر فلا تغيره ولا تنكر، أو يسكن معها في دارها ثم تطلبه بالكراء، وقد اختلف قول ابن القاسم في هذا في المدونة. وإذا وجب لها الرجوع عليه بذلك فبعد يمينها أنها إنما سكتت على أن تطلب بحقها في ذلك، ومن هذا المعنى هبة أحد الزوجين صاحبه إذا ادعى أنه أراد بها الثواب، وقد اختلف في ذلك على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه لا ثواب له إلا أن يرى أنه أراد بذلك الثواب، وهو قول مالك في المدونة، والثاني: أنه لا ثواب له إلا، أن يشترطه، وهو ظاهر قول ربيعة فيها، وقول مالك الذي يتلوه لقول سحنون وقال مالك والليث مثله، والثالث: أن له الثواب وإن لم يظهر ما يدل على أنه أراد بذلك الثواب، حكى هذا القول عبد الوهاب في المعونة. [المرأة يقضى لها بصداق نسائها أيقضى لها بصداق أمهاتها أو عماتها] ومن كتاب الطلاق قال: وسألته عن المرأة يقضى لها بصداق نسائها أيقضى لها بصداق أمهاتها أو عماتها؟ قال: لا يقضى لها بصداق واحدة منها، إنما يقضى لها بصداق مثلها على مثل حالها في زمانها الذي هي فيه، أين صداق النساء اليوم من صداق من مضى؟ كانت المرأة صداقها قبل اليوم أربعمائة درهم، وصداقها اليوم عشرون درهما. قال محمد بن رشد: مذهب مالك أن يعتبر في فرض صداق المثل في

стр. 1914

نكاح التفويض بصدقات نسائها إذا كن على مثل حالها من العقل والجمال والمال، فلا يكون لها مثل صداق نسائها إذا لم تكن على مثل حالها، ولا مثل صداق من لها مثل حالها إذا لم يكن لها مثل نسبها، والدليل على ذلك من مذهبه قوله في المدونة: ولكن ينظر إلى أشباهها في قدرها وجمالها وموضعها أي موضعها من النسب، فاشتراط الموضع يدل على أنه أراد بقوله فيها: لا ينظر في هذا إلى نساء قومها أنه لا يفرض لها مثل صدقات نساء قومها إذا لم تكن على مثل حالها من المال! والجمال والعقل، فالاعتبار عنده بالوجهين جميعا، إذ قد تفترق الأختان في الصداق كما قال فيها بأن تكون إحداهما لها المال والجمال والشطاط، والأخرى ليس لها شيء من ذلك، فمعنى قوله في هذه الرواية: لا يقضى لها بصداق واحدة منها يريد إذا لم تكن على مثل حالها وفي زمانها أيضا إذ قد تختلف الصدقات باختلاف الأزمنة على ما قال، وقد تأول بعض الناس على مالك أنه إنما ينظر إلى أمثالها من النساء في جمالها ومالها وعقلها ولا ينظر إلى نساء قومها، وليس ذلك بصحيح على ما بيناه من مذهبه في المدونة، ونساء قومها اللواتي يعتبر بصداقهن أخواتها الشقائق وللأب وعماتها الشقائق أيضا وللأب، ولا يعتبر في ذلك بصدقات أمهاتها ولا خالاتها ولا أخواتها للأم ولا عماتها للأم، لأنهن من قوم آخرين، فقد تكون هي قرشية يرغب فيها لنسبها وتكون أمهاتها وأخواتها للأم وعماتها للأم من الموالي، والأصل في الاعتبار بنساء قومها في ذلك «حديث عبد الله بن مسعود روي أنه أتي إليه في امرأة توفى عنها زوجها ولم يفرض لها صداقا ولم يدخل بها فترددوا إليه فلم يفتهم، فلم يزالوا به حتى قال: إني سأقول فيها برأي، أرى لها صداق نسائها لا وكس ولا شطط، وعليها العدة، ولها الميراث، فقام معقل بن سنان فشهد أن رسول الله ﷺ قضى في بروع بنت واشق الأشجعية بمثل

стр. 1915

ما قضيت، ففرح بذلك عبد الله» . ومن الناس من يعتبر نساء قومها دون حالها هي، حكى ذلك الطحاوي عن أبي حنيفة وأصحابه والشافعي، وهو بعيد، وبالله التوفيق. [مسألة: طلب المرأة أن تزوج من كفؤ ووليها غائب] مسألة وسمعته كتب إلى ابن غانم يقول: وسألت عن المرأة ترفع إليك أنها تريد التزويج فتسألها هل لها ولي فتذكر أن لها عمها أو أخاها أو ابن عم على مسيرة الثلاث أو الأربع أو أكثر من ذلك في شأنه وضيعته لا يقدم القيروان، وتسألك أن تزوجها رجلا كفؤا يقول: وربما كان ولي المرأة مولاها الذي أعتق أبوه أباها هل ينزل منزلة الأخ والعم وإني أرى إذا كان أمرها على ما وصفت من حالها وغيبة ولاتها وكفاءة من تدعو إليه أن تزوجها ولا يضرها عندك غيبة ولاتها الذين وصفت فالسلطان ولي مثلها، وهو أحد الولاة الذين سمى عمر بن الخطاب عنه لا تنكح المرأة إلا بإذن وليها أو ذي الرأي من أهلها أو السلطان. قال محمد بن رشد: هذه المسألة صحيحة على مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك في المدونة في أن حديث عمر بن الخطاب ﵁ لا تنكح المرأة إلا بإذن وليها أو ذي الرأي من أهلها أو السلطان معناه عنده الترتيب في الاختيار لا في الوجوب؟ لأنه يقول: إن أولياء المرأة أحق بإنكاحها من ذوي الرأي، وذو الرأي أحق من السلطان، ومن قرب من الأولياء أحق ممن بعد. فإن زوج البعيد دون القريب مع حضوره أو من هو من ذوي الرأي منها دون الولي مع حضوره، أو السلطان دون الأولياء مع حضورهم مضى النكاح، ولم يكن للأقرب أن يرده، ويأتي على مذهب من حمل حديث عمر على الترتيب في الوجوب ورأى للولي الأقرب إذا زوج الولي الأبعد الخيار في

стр. 1916

رد النكاح أو إمضائه على ما حكى سحنون في المدونة عن جماعة من الرواة أن لا يكون للسلطان أن يزوج المرأة في مغيب أوليائها إذا كانت غيبتهم قريبة على الثلاث والأربع ونحو ذلك حتى يعذر إليهم بمنزلة الإعذار في الحقوق، وبالله التوفيق. [مسألة: خطبها ولها بنت صغيرة فتزوجها وهو يعلم ثم أمرها بإخراج ابنتها] مسألة وسئل مالك عن امرأة خطبها رجل ولها بنت صغيرة لم تل نفسها فتزوجها وهو يعلم ذلك ثم بنى بها وابنتها معها ثم قال لها بعد: أخرجي ابنتك عني، أترى ذلك له؟ قال: ما أرى ذلك له. قال محمد بن رشد: ظاهر قوله، أنه إذا تزوجها وهو يعلم بابنتها ثم بنى بها وهي معها، فليس له أن يخرجها وإن كان لها من أوليائها من يحضنها، والوجه في ذلك أنه لما بنى بها وهي معها فقد رضي ألا يخرجها عنها، ولو لم يعلم بها أو علم بها وأبى في البناء عليها وهي معها لكان له ألا تكون معه إذا كان لها من أوليائها من يحضنها، فسواء علم بها أو لم يعلم ليس له أن يحول بينها وبن أمها للضرورة إلى ذلك، وهي امرأته إن شاء أمسك على أن تكون ابنتها معها وإن شاء طلق، هذا الذي ينبغي أن يحمل عليه قول مالك، والله أعلم، قال ابن الماجشون في الواضحة: علم أنه معها فأراد إخراجه من بيتها وأبت الأم، فله ذلك إن كان له أب أو ولي من رجل أو امرأة تأخذه إلى نفسه، وإن لم يكن له أحد فليس له أن يخرجه، وعلى ذلك نكح، فأما قوله: إنه إن علم بها فله أن يخرجها من بيته فوجهه أنه لم يجعل بناءه عليها وهي معها رضى منه باستمرار كونه معها، وأما قوله: فإن لم يكن له أحد فليس له أن يخرجه وعلى ذلك نكح فيدل على أنه لو لم ينكح على ذلك لكان له ألا يكون معه وإن لم يكن له أحد يأخذ لنفسه ويؤويه إليه، وهو بعيد جدا، والله أعلم، وقد مضى في رسم المحرم القول في تسكين الرجل مع زوجته بنيه من غيرها أو أبويه، وبالله التوفيق.

стр. 1917

[مسألة: الرجل يرضي إحدى امرأتيه بالنفقة وغير ذلك دون الأخرى] مسألة قال: وسمعته يسأل عن الرجل يرضي إحدى امرأتيه بالنفقة يعطيها إياها وغير ذلك مما يرضيها في يومها الذي هو لها فيكون فيه عند امرأته الأخرى، فقال: إن الناس ليفعلون ذلك، فقيل له: أتكره هذا أنت؟ فقال: غيره أحب إلي منه. قال محمد بن رشد: قد سئل في هذا الرسم بعينه من هذا السماع من كتاب طلاق السنة عن المرأة تشتري من صاحبتها يومها من زوجها، فقال: ما يعجبني هذا، وإني لأكرهه، أرأيت لو اشترت منها شهرا أو سنة؟ وإني لأرجو أن تكون الليلة خفيفة، فظاهر قوله أنه فرق في الليلة الواحدة بين أن يكون الرجل هو المشتري لها من امرأته أو تكون صاحبتها هي التي اشترتها منها فجعل شراء المرأة من صاحبتها الليلة أشد في الكراهة، فيحتمل أن يكون المعنى المفرق بينهما عنده أن المرأة لا تدري ما يحصل لها بما أعطت من الاستمتاع بزوجها، إذ قد يصيبها في تلك الليلة وقد لا يصيبها، والرجل يدري ما يحصل له من الاستمتاع بما أعطى إذ هو مالك للإصابة إن شاء أصاب وإن شاء لم يصب، وأما شراء المدة الطويلة فالكراهة فيها بينة من كل واحد منهما لأنه غرر إذ لا يدري كل واحد منهما هل يعيش إلى تلك المدة هو أو الذي اشترى الاستمتاع به، وبالله التوفيق. [مسألة: رجل قال إن تزوجت فلانة فهي طالق] مسألة وسئل عن رجل قال: إن تزوجت فلانة فهي طالق، فتزوجها فطلقت عليه، أتطلق عليه إن تزوجها بعد ذلك أيضا؟ قال: لا تطلق عليه. قال محمد بن رشد: هذه المسألة على أصله في المدونة وفي غير ما. مسألة من العتبية من كتاب النذور ومن كتاب الأيمان بالطلاق ومن كتاب العتق حاشا مسألة الوتر الواقعة في رسم ليرفعن أمرا إلى السلطان من سماع

стр. 1918

ابن القاسم من كتاب النذور، وقد مضى من القول على ذلك هناك ما فيه كفاية لمن تأمله، فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق. [مسألة: المساواة بين الزوجات] مسألة وقال لي مالك: سمعت أن معاذ بن جبل كانت له امرأتان، فإذا كان يوم إحداهما لم يشرب من بيت الأخرى، إنما سمعت ذلك وما أدري ما حقه؟. قال محمد بن رشد: وجاء عنه أنهما توفيتا معا في الوباء الذي أصابهم بالشام فدفنتا في حفرة واحدة فأسهم بينهما أيتهما تقدم في القبر، وإنما كان يفعل ذلك تحريا للعدل والمساواة بينهما من غير أن يكون ذلك واجبا عليه، لا بأس على الرجل أن يتوضأ من ماء المرأة من زوجاته ويشرب من بيتها الماء ويأكل من طعامها الذي ترسل إليه في يوم غيرها من غير أن يتعمد بذلك ميلا وأن يقف ببابها، فيتفقد من شأنها ويسأل عن حالها ويسلم من غير أن يدخل عليها أو يجلس عندها، روي «عن أم سلمة قالت: كان رسول الله ﷺ إذا كان عند بعض أزواجه في يومها يطوف على سائر أزواجه قائما ولا يجلس، قالت: فوقف علي يوما وأنا أطبخ قدرا فيها لحم، فقال: "ماذا تطبخين يا أم سلمة في هذه القدر؟ "، فقلت: يا رسول الله لحما أفلا أناولك منه؟ قال: "بلى"، وجلس على العتبة قالت: فناولته فأكل منه ﷺ فجاء المؤذن فقام فصلى ولم يمس ماء» . [مسألة: امرأة ابن أخيه أرضعت بلبنه جارية ثم تزوجها] مسألة وسئل فقيل له: إن امرأة ابن أخي أرضعت بلبنه جارية ثم تزوجها، فقال: أفي الصغر؟ فقال له: نعم، فقال له: أرى نكاحها

стр. 1919

مفسوخا، لأن لبن الفحل يحرم، وهذا لبن الفحل، فالرضاعة تحرم ما تحرم الولادة، وما أرى نكاحك إلا مفسوخا، وأما إذا تزوجت فارجع إلي إن شئت. قال محمد بن رشد: لبن الفحل يحرم عند مالك ﵀ وجميع أصحابه، ولا اختلاف فيه بين أحد من فقهاء الأمصار «لقول رسول الله ﷺ لعائشة في عمها أفلح أخي القعيس: إنه عمك فليلج عليك» ، بعد أن قالت له: يا رسول الله إنما أرضعتني المرأة ولم يرضعني الرجل - تعني بالمرأة زوجة أبي القعيس - لأنها لما أرضعتها بلبنه صار أبا لها من الرضاعة وصار أخوه أفلح عما لها من الرضاعة، وقد كانت عائشة لا ترى لبن الفحل يحرم، فكان يدخل عليها من أرضعه بنات أخيها وبنات أختها ولا يدخل عليها من أرضعه نساء إخوتها، فرأى ذلك طائفة من العلماء، منهم ابن المسيب، وسليمان بن يسار، وعطاء بن يسار، والنخعي، وأبو قلابة علة في حديثها إذ لا يمكن أن تخالف ما روت عن النبي ﵇ لغير حجة علمتها، ولم ير مالك ﵀ ذلك علة في حديثها إذ قد يمكن أن تكون خالفته لتأويل لا يلزم اتباعها عليه، إلا أن من مذهبه مراعاة الخلاف إذا قوي، فأراد، والله أعلم، بقوله للسائل: وأما إذا تزوجت فارجع إلي إن شئت، أن يسأله كم أرضعت الجارية؟ وهل كان رضاعها في الحولين أو بعد الحولين؟ إذ قد قال جماعة من العلماء: لا تحرم المصة ولا المصتان، على ما روي في ذلك عن النبي ﵇، وقال جماعة منهم أيضا: إنه لا يحرم من الرضاع ما كان بعد الحولين وإن قرب، ولم يكن قبل ذلك فصال، فلو اتفقت هذه الأسباب لم يفرق بينهما، والله أعلم، لأن الخلاف كان يقوى في المسألة لدخوله فيها من وجوه شتى، وبالله التوفيق. [مسألة: المرأة المستخلفة على يتيمة هل تعقد لها النكاح] مسألة وسألته عن المرأة المستخلفة على يتيمة أليس هي لا تعقد

стр. 1920

النكاح ولكنها تستخلف رجلا يكون هو الذي يعقده؟ فقال لي: بلى. قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن كل من لا يجوز أن يكون وليا للمرأة من امرأة وعبد أو نصراني، فلا يجوز لهم إذا استخلفوا على امرأة أن يلوا العقد عليها، وإنما يجوز لهم أن يلوه على من استخلفوا عليه من الذكور، وقد مضى القول على هذا مشروحا بينا في رسم سن رسول الله ﷺ من سماع ابن القاسم، وبالله التوفيق. [مسألة: تزوج امرأة فنقدها صداقها فيقول أهلها لا تدخل حتى نسمنها ونحسن إليها] مسألة وسئل عمن تزوج امرأة فنقدها صداقها وقال: أدخلوها علي، فيقول أهلها: حتى نسمنها ونحسن إليها، ألزوجها أن يدخل عليها من ساعتها وقد أعطاهم صداقها؟ فقال: الوسط من ذلك، ليس له أن يقول: أدخلوها علي الساعة، ولا لهم أن يؤخروها عنه، ولكن الوسط من ذلك بقدر ما يجهزونها ويهيئون أمرها، وقد قال تعالى: ﴿قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ [الطلاق: ٣] ، وقال لنبيه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤] ، ولهم حق وحرمة، فالوسط من ذلك المعروف. قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قال؛ لأن تعجيل دخوله عليها من ساعته تضييق عليها وإضرار بها وتأخيرها عنه المدة الطويلة حمل عليه وإضرار به، فالوسط من ذلك عدل بينهما، وقد قال ﷺ : «خير الأمور أوساطها» وإذا وجب أن يؤجل الغريم فيما حل عليه من الحق بقدر ما يهيئه وييسره ولا يباع عليه فيه عروضه بالغا ما بلغ في الحين، فالمرأة أولى بالصبر عليها في الدخول بها إلى أن تهيئ من شأنها ما تحتاج إليه في القدر الذي لا يضر بالزوج أن يؤخر إليه.

стр. 1921

[مسألة: المرأة تشهد لوليها أنها قد ولته أمرها وأمرته بإنكاحها بغير مؤامرتها] مسألة قال: وسألته عن المرأة تشهد لوليها أنها قد ولته أمرها وأمرته بإنكاحها بغير مؤامرتها إن جاءه كفؤ، فيأتيه من يرضى فيزوجه إياها بأقل من مهر مثلها، فقال: ما هذا من عمل الناس، لا أرى إذا جاء من يرضاه لها أن يزوجه إياها، وهو الذي عليه عمل الناس، ومضوا عليه، قال سحنون: وإذا فوضت إليه إنكاحها ممن رآه ورضيه فأنكحها ممن رأى بغير مؤامرتها، فالنكاح لها لازم، بكرا كانت أو ثيبا. قال محمد بن رشد: أما إذا زوجها بأقل من صداق مثلها فلا يلزمها النكاح باتفاق إلا أن ترضى به، وأما إذا زوجها بصداق مثلها فقيل: النكاح لها لازم لا خيار لها فيه لأنها قد فوضت إليه أن يزوجها ممن رآه، وهو قول سحنون، وقيل: لا يلزمها ولها أن تدفعه إن شاءت وترضى به إن شاءت، قرب الأمر أو بعد، وهو قول مالك، والقولان في المدونة، قال ابن حبيب: وإنما يجوز لها الرضى به إذا كان ذلك بحدثان العقد، فإن لم يكن بحدثانه فالنكاح مفسوخ، ولا يجوز لها أن ترضى به إلا أن يجدد نكاحا جديدا بعد فسخ الأول على قياس المشهور من قولهم في الولي يزوج وليته الغائبة قبل أن يستأمرها، وليس بصحيح لأنهما مسألتان، والفرق بينهما بين. وسيأتي القول على هذا في رسم الجواب من سماع عيسى إن شاء الله، ولو زوجها من نفسه إذا فوضت إليه أن يزوجها ممن شاء لم يلزمها النكاح إلا أن تشاء، قاله في المدونة، ولا اختلاف في ذلك إن شاء الله. [النصراني يختن ابنا له فيدعو في دعوته مسلمين أو مسلما] ومن كتاب الأقضية الثالث قال: وسئل عن النصراني يصنع صنيعا فيختن ابنا له فيدعو في دعوته مسلمين أو مسلما، أترى أن يجيبه؟ فقال: إن شاء جاء، ليس عليه في ذلك ضيق، إن جاء فلا بأس به. قال محمد بن رشد: معنى قوله: إنه لا إثم عليه في ذلك ولا حرج إن

стр. 1922

فعله، وذلك إذا كان له وجه من جوار أو قرابة أو ما أشبه ذلك، والأحسن أن لا يفعل لا سيما إذا كان ممن يقتدى به؛ لما في ذلك من التودد إلى الكفار، وقد قال الله: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة: ٢٢] الآية. [مسألة: تدخل جارية الزوجة أو الولد على الرجل في المرحاض] مسألة وسئل، فقيل له: أليس واسعا أن تدخل جارية الزوجة أو الولد على الرجل في المرحاض فقال مالك: لا، ما في ذلك من سعة، قال : ﴿أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون: ٦] . قال محمد بن رشد: يريد من أجل أن الرجل يتجرد في الخلاء، ولا يجوز للمرأة أن تنظر من الرجل إلا إلى ما يجوز للرجل أن ينظر إليه من ذوات محارمه، وقد أمر النبي ﵇ أن يستأذن للرجل على أمه، وقال للسائل عن ذلك: «أتحب أن تراها عريانة» ، وقد قيل: إنه لا يجوز للمرأة أن تنظر من الرجل إلا إلى ما يجوز للرجل أن ينظر إليه من المرأة، وهو بعيد يلزم عليه ألا ييمم النساء الرجال الأجنبيين إلا إلى الكوعين، وهذا ما لا يوجد في شيء من مسائلنا، وإن كان ذلك ظاهر قول الله لأنه قال: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] ، كما قال: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور: ٣٠] ، فالمعنى في ذلك: وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن عما لا يحل لهن من النظر فيه، وقد بينت ذلك السنة، وذلك «قول النبي ﷺ لفاطمة بنت قيس: اعتدي عند ابن أم مكتوم فإنه رجل أعمى تضعين

стр. 1923

ثيابك عنده» ، فلولا أنها في النظر إليه كحكم الرجل في النظر إلى ذوات محارمه لما أباح لها النبي ﷺ الاعتداد عنده، وهذا بين والله أعلم. [مسألة: رجل يطعم أهله الشعير فتأبى ذلك عليه وتقول لا آكل إلا الحنطة] مسألة وسئل عن رجل يطعم أهله الشعير فتأبى ذلك عليه وتقول: لا آكل إلا الحنطة، أترى ذلك له عليها؟ فقال: نعم، أرى ذلك له عليها إذا كان الناس قد أكلوا الشعير، فأما إذا كان القمح كثيرا موجودا وكان واجدا فإني أرى أن يعطيها القمح. قال محمد بن رشد: في قوله: وكان واجدا، دليل على أنه لو لم يكن واجدا وعجز عن أن يعطيها القمح لكان له أن يعطيها الشعير، وإن كان القمح كثيرا موجودا بالبلد هو جل قوتهم به، خلاف ما في رسم الكبش في سماع يحيى من كتاب طلاق السنة من قوله فيه: وليس له أن يخصها بما لا يحتمله أهل بلدها، وجه رواية أشهب هذه هو أنه الذي يدل عليه قول الله : ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] ، إذ قد علم أن الرجل لا يطعم أهله إلا ما يجد ويقدر عليه، ووجه رواية يحيى أن الزوجين قد دخلا من الإنفاق على عرف البلد، فكما لا يكون للزوجة أن تأخذ الزوج بالحنطة إذا قدر عليها وأهل البلد يأكلون الشعير، فكذلك لا يكون للزوج أن يعطي الزوجة الشعير إذا عجز عن الحنطة وأهل البلدة لا يأكلونها. [مسألة: الرجل يتهم ختنته بإفساد أهله عليه فيريد أن يمنعها من الدخول عليها] مسألة وسئل عن الرجل يتهم ختنته بإفساد أهله عليه فيريد أن يمنعها من الدخول عليها، قال: ينظر في ذلك، فإن كانت مسيئة

стр. 1924

منعها بعض المنع ولا كل ذلك، وإن كانت غير مسيئة لم تمنع من الدخول على ابنتها. قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ إنها إذا كانت مسيئة منعت من كثرة التكرر بالدخول إليها للضرر الداخل بذلك على الزوج ولم تمنع من الدخول جملة لما في ذلك من قطع صلة الرحم، وإذا لم تكن مسيئة لم تمنع من شيء، وهي محمولة على غير الإساءة حتى تثبت إساءتها، وبالله التوفيق. [مسألة: الذي يكون بينه وبن ختنه أخي امرأته كلام فيمنعه من الدخول على أخته] مسألة وسئل عن الذي يكون بينه وبن ختنه أخي امرأته كلام، فيمنعه من الدخول على أخته، فقال: ما أرى أن يمنع، لم يمنع؟ قلت له: أليس له أن يدخل؟ قال: بلى له أن يدخل، ورواها عبد الرحمن بن أشرس عن مالك هكذا. قال محمد بن رشد: وهذا على ما قال، إنه ليس له أن يمنع أخا امرأته من صلتها بالدخول عليها وتفقد شأنها لما كان بينه وبينه من الكلام إلا أن يتهمه بإفسادها عليه ويبين ذلك فيمنع بعض المنع لا كل المنع كالكلام في المسألة التي فوقها. [هل تخرج الجارية المملوكة متجردة] ومن كتاب الأقضية قال: وسئل مالك: أيكره أن تخرج الجارية المملوكة متجردة؟ فقال: نعم وأضربها على ذلك. قال محمد بن رشد: يريد بمتجردة: مكشوفة الظهر أو البطن، وأما خروجها مكشوفة الرأس فهو سنتها لئلا تتشبه بالحرائر اللواتي أمرهن الله بالحجاب وأن يدنين عليهن من جلابيبهن. وقد رأى عمر بن الخطاب أمة لابنه عبيد الله قد تهيأت بهيئة الحرائر فدخل على حفصة ابنته فقال لها: ألم أر جارية

стр. 1925

أخيك تجوس الناس وقد تهيأت بهيئة الحرائر، وأنكر ذلك. قال عبد الملك في الواضحة: وما رأيت بالمدينة أمة تخرج، وإن كانت رائعة إلا وهي مكشوفة الرأس في ضفائرها أو في شعر مجمم لا تلقي على رأسها جلبابا لتعرف الأمة من الحرة، إلا أن ذلك لا ينبغي اليوم لعموم الفساد في أكثر الناس، فلو خرجت اليوم جارية رائعة مكشوفة الرأس في الأزقة والأسواق، لوجب على الإمام أن يمنع من ذلك ويلزم الإماء من الهيئة في لباسهن ما يعرفن به من الحرائر، والله الموفق، لا رب غيره، ولا معبود سواه. [مسألة: امرأة أصدقت عبدا ثم دفع إليها وقبضته فباعته ثم طلقها قبل البناء بها] مسألة وسئل عن امرأة أصدقت عبدا ثم دفع إليها وقبضته فباعته ثم طلقها قبل البناء بها، فبأي شيء يرجع عليها أبنصف قيمته أم بنصف الثمن الذي باعته به أم بماذا؟ فقال: لا أرى له عليها إلا نصف الثمن الذي باعته به إذا باعته بوجه البيع ولم يتبين في بيعه منها محاباة في البيع ولا مداهنة، لا أرى له عليها إذا كان ذلك إلا نصف الثمن الذي باعت به العبد. قال محمد بن رشد: وهذا على القول بأنه إذا مات ثم طلقها لا يرجع عليها بشيء، وأن الغلة تكون بينهما بنصفين وأنها إن وهبته أو أعتقته تلزمها فيه القيمة يوم وهبت أو أعتقت، وهو قول ابن القاسم وروايته عن مالك في المدونة وقول أشهب وابن نافع وروايتهما عن مالك في أول رسم من هذا السماع، وأما على القول بأن لها جميع الغلة وأنها إن وهبته أو أعتقته تلزمها القيمة يوم القبض وهو قول غير ابن القاسم في كتاب النكاح الثاني من المدونة فيلزمها إذا باعته قيمته يوم قبضته، وعلى هذا يأتي قول مالك في أول رسم هذا السماع أمر بذلك في وجوب رجوع الزوج عليها بنصف قيمته إذا مات

стр. 1926

في يديها ثم طلقها، وبالله التوفيق. [مسألة: الرجل تكون له المرأة الحريصة المبالغة في تأدية حقه] مسألة وسألته عن الرجل تكون له المرأة الحريصة المبالغة في تأدية حقه، فإذا رأته داخلا تلقته فأخذت عنه ثيابه ونزعت نعليه، ولم تزل قائمة حتى يجلس، فقال: أما تلقيها إياه ونزعها ثيابه ونعليه فلا أرى بذلك بأسا، وأما قيامها فلا أرى ذلك ولا أرى أن يفعله، هذا من التجبر والسلطان، فقلت له: والله ما ذلك من شأنه ولا تشبهه هذه الحال، ولكنها تريد إكرامه وتوقيره وتأدية حقه، وإنه لينهاها عن ذلك ويمنعها منه، فقال لي: كيف استقامتها في غير ذلك؟ فقلت له: من أقوم الناس طريقة في كل أمرها، فقال: تؤدي حقه في غير هذا، فأما هذا فلا أرى أن تفعله، إن هذا من فعل الجبابرة، بعض هؤلاء الولاة يكون الناس ينتظرونه جلوسا فإذا طلع عليهم قاموا له حتى يجلس، فلا خير في هذا ولا أحبه، وليس هذا من أمر الإسلام، فأرى أن تدع هذا وتؤدي حقه في غير ذلك، وليس هذا مثل الذي أخبر الله عنه: ﴿هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾ [النمل: ٤٠] قال عمر بن الخطاب ﵁ للدابة التي ركب: ما نزلت عنها حتى تغيرت نفسي، قال مالك: ولعمر فضله. قال محمد بن رشد: القيام للرجل على أربعه أوجه: وجه يكون القيام فيه محظورا، ووجه يكون فيه مكروها، ووجه يكون فيه جائزا، ووجه يكون فيه حسنا، فأما الوجه الذي يكون فيه محظورا لا يحل، فهو أن يقوم إكبارا وتعظيما لمن يحب أن يقام إليه تكبرا وتجبرا على القائمين إليه، وأما الوجه الذي يكون القيام فيه مكروها فهو أن يقوم إكبارا وتعظيما وإجلالا لمن لا يحب أن

стр. 1927

يقام إليه ولا يتكبر على القائمين إليه، فهذا يكره للتشبه بفعل الجبابرة ولما يخشى أن يدخله من تغير نفس المقوم إليه، وأما الوجه الذي يكون القيام فيه جائزا فهو أن يقوم تجلة وإكبارا لمن لا يريد ذلك ولا يشبه حاله حال الجبابرة ويؤمن أن تتغير نفس المقوم إليه لذلك، وهذه صفة معدومة إلا فيمن كان بالنبوة معصوما، لأنه إذا تغيرت نفس عمر بالدابة التي ركب عليها، فمن سواه بذلك أحرى، وأما الوجه الذي يكون فيه القيام حسنا فهو أن يقوم الرجل إلى القادم عليه من سفر فرحا بقدومه ليسلم عليه، أو إلى القادم عليه مسرورا بنعمة أولاها الله إياه ليهنئه بها، أو إلى القادم عليه المصاب بمصيبة ليعزيه بمصابه وما أشبه ذلك، فعلى هذا يتخرج ما ورد في هذا الباب من الآثار ولا يتعارض شيء منها، من ذلك أنه قال: «من أحب أن يمثل له الرجال قياما فليتبوأ مقعده من النار ويروى: من أحب أن يستجم» ، ومعناه معنى الأول، وقد رواه بعض الناس: «من أحب أن يستخم له الناس قياما» ، وقال: معناه أن يطول قيامهم له حتى تتغير روائحهم من طول القيام كما يفعل الجبابرة من طول قيام الناس على رؤوسهم، وليس ذلك بصحيح، لأن معاوية بن أبي سفيان راوي الحديث عن النبي ﷺ أعلم بمعناه، روي «عن أبي مجلز قال: دخل معاوية بيتا فيه عبد الله بن الزبير وعبد الله بن عامر، فقام ابن عامر وثبت ابن الزبير وكان أرزنهما فقال معاوية: اجلس يا ابن عامر، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: من أحب أن يمثل له الرجال قياما فليتبوأ مقعده من النار» وقام النبي ﷺ لعكرمة بن أبي جهل عند قدومه عليه من اليمن فرحا بقدومه عليه مسلما، ورمى عليه رداء فسلم عليه وبايعه، وقام طلحة بن عبد الله بحضرته ﷺ لكعب بن مالك ليهنئه بتوبة الله عليه، فلم ينكر ذلك عليه ولا قام من مجلس النبي ﵇ أحد سواه إليه، فكان كعب يقول: لا أنساها لطلحة، وكان رسول الله ﷺ يكره أن يقام إليه فلا يقوم إليه من علم بكراهيته لذلك، روي «عن أنس أنه قال: لم يكن شخص أحب إليهم من

стр. 1928

رسول الله ﷺ ، فكانوا إذا رأوه لم يقوموا لما يعلمون من كراهيته لذلك» وروي عن أبي هريرة أنه قال: «كنا نقعد مع رسول الله ﷺ في المسجد بالغدوات فإذا قام إلى بيته لم نزل قياما حتى يدخل بيته» ، فتأويل ذلك أنهم كانوا يفعلون ذلك لما يلزمهم من إكبار النبي ﷺ وتوقيره لقول الله : ﴿وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾ [الفتح: ٩] قبل أن يعلموا بكراهيته لذلك، وأما ما روي من «قوله للأنصار: قوموا إلى سيدكم» فيحتمل أن يكون إنما أمرهم بذلك تجلة له وإكراما لعلمه ﷺ أنه لا يحب ذلك منهم، وأنه ليس ممن يتكبر عليهم، وقد قيل: إنه إنما أمرهم بالقيام إليه ليعينوه على النزول من على الحمار الذي أتى عليه لأنه كان مريضا من الجرح الذي كان أصابه، وكان رجلا بدينا، فهو وجه كراهية مالك لقيام المرأة إلى زوجها، وبالله التوفيق. [مسألة: يعطي الرجل ابنته ويكتبها له هبة فينفق عليها حتى إذا بلغت أراد أخذها] مسألة وسئل عن الرجل يعطي الرجل ابنته ويكتبها له هبة فينفق عليها حتى إذا بلغت أراد أخذها فقال: أما الرجل يعطي الرجل ابنته ليس بينه وبينها حرمة يحرم بها عليه نكاحها، فليس ذلك بحسن أن يعطيها غير ذي محرم، فأما ذو حرمة ممن لا تحل له مثل العم والخال ومن لا يحل له نكاحها، فإن ذلك لا بأس به، وإن أراد أبوها أن يأخذها منه لم أر ذلك له إلا على وجه إساءة إليها وضرر، فقيل له: أفيكون للذي وهبت له أن ينكحها بغير رضا أبيها؟ فقال: أرى إنكاحها إلى الذي وهبت له إن كان جعل ذلك بيده إذا دعا إلى سداد، قلت: أرأيت إن مات الأب أله أن ينكح الجارية بغير إذنها فقال: لا، وذلك مثل أن لو جعل ذلك

стр. 1929

إلى ابنه ثم مات، لم يكن له أن ينكحها إلا بإذنها. قال محمد بن رشد: كراهيته للرجل أن يهب ابنته لمن لا حرمة بينه وبينها، صحيحة بينة في المعنى، وقد ذهب أهل النظر إلى أن ما في كتاب النكاح الأول من المدونة في مسألة رجال من الموالي يكفلون صبيانا من العرب، يدل على أنه لا كراهية في ذلك، خلاف ما ها هنا وليس ذلك بصحيح لأنه لم يتكلم هناك على ما تكلم عليه ها هنا من جواز الفعل ابتداء، وإنما تكلم في إنكاحها إذا وقعت الحضانة، فقال: أرى تزويجها جائزا عليها، يريد بغير رضاها، والوجه في ذلك أنه أنزله بالحضانة لها في حياة أبيها منزلة الوكيل له على إنكاحها، فلا يحتاج في ذلك إلى رضاها، وذلك خلاف قوله ها هنا؛ إذ لم ير إنكاحها إليه بالهبة والحضانة، إلا أن يكون جعل ذلك إليه نصا، وحكى ابن حبيب مسألة مالك في المدونة في صبيان الأعراب على خلاف ما وقعت في المدونة، فقال فيها: وتكون فيهم الجارية وقد مات أبوها وغاب أهلها، فإن الذي كفلها ورباها أولى بعقد نكاحها لما قد ولي منها، يريد أنه أولى بعقد نكاحها من ولاتها، فأنزله منزلة الوصي بالحضانة، وذلك نحو ما في كتاب القسمة من المدونة أن الرجل تجوز مقاسمته على اللقيط الذي هو في حجره، والمشهور المعلوم في المذهب أن الولي أحق بالإنكاح من الحاضن، وقد جعل ابن العطار مسألة المدونة أصلا بنى عليه فقال: ولا يجوز للكافل أن يزوج ذات الأب وإن كفلها ورباها، إذا كان أبوها بالحضرة إلا أن يكون غائبا فيزوجها الكافل بغير رضاها على نحو ما وقع في المدونة من صبيان الأعراب الذين يدفعونهم إلى من يكفلهم، قال: وكذلك حال أهل البدو عندنا مع أهل الحضر، قال: والكافل والمربي والحاضن في غير ذات الأب كالولي، يريد أن له أن يزوجها برضاها، وذلك من قوله صحيح مثل قوله في آخر هذه الرواية، وقوله: وإن أراد أبوها أن يأخذها منه لم أر ذلك له إلا على وجه إساءة إليها وضرر صحيح، والوجه في ذلك أن هبته إياها له إنما هي هبة حضانته التي له، فإذا وهبها لم يكن له أن يرجع فيها، ووجه آخر أنه إذا وهبه إياها فقد ملكه الانتفاع بها بنفقته عليها فأشبه عقدة الإجارة عليها، وذلك إذا لم يكن لها أم ولا من هو أحق بحضانتها منه، فإن كان لها أم هي

стр. 1930

معه في عصمته، فروى ابن نافع عن مالك في المدنية أن ذلك لازم لها وإن طلقها إذا لم يرد بذلك ضررها، وكان ذلك منه على وجه المعروف والصلة وطلب الخير، وقال في النكاح الثاني من المدونة: مثل الرجل الفقير المحتاج، خلاف ظاهر ما في المدونة، وأما إن كان لها أم مطلقة فليس ذلك له لأنها أحق بحضانتها منه إلا أن يكون له مال ينفق عليها منه فلا يكون للأم في ذلك كلام إلا أن يشاء أن يخصها وينفق عليها، ونص رواية ابن نافع عن مالك في المدنية قال: سألت مالكا عن الرجل يهب ولده لإنسان، قال مالك: الهبة إنما هي حضانة، فإن كانت أم الولد حية نظر لها في أمره، فإن كان إنما وهبه ضررا لأمه لم يجز ذلك، وإن كان وهبه للنظر وطلب الخير والصلة جاز ذلك عليها إذا كانت هبته إياها على وجه المعروف الجائز، ثم إن طلق أمه بعد ذلك لم يكن له أن يأخذه ممن وهبه له، وبالله التوفيق. [الترغيب في نكاح البكر الولود] ومن كتاب الطلاق قال: وسمعته يقول: تزوج عمر بن الخطاب ﵁ امرأة ثم دخل على حفصة ابنته فرفته ودعت له بالبركة وقالت: أما إنها لا ولد فيها، فقال: ما نكحت إلا للولد، ثم خرج من عند حفصة فأرسل إليها بالطلاق من ساعته، ولم يكن دخل بها. قال محمد بن رشد: معنى رفته دعت له بالرفاء أي بإتمام الصحبة وحسن العشرة، وهو مأخوذ من رفو الثوب: إذا أصلح ورم ما كان فيه من خلل وفساد، وصواب الكلمة رفأته لأن الفعل مهموز، وإنما كرهها عمر لكونها لا ولد فيها وقال: إنما نكحت للولد؛ لقول النبي ﷺ : «تزوجوا فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة» روي عنه ﵁ أنه قال: إني لأتزوج المرأة وما لي فيها حاجة، وأطؤها وما أشتهيها، فقيل له: وما يحملك على ذلك يا أمير المؤمنين؟ قال: رجاء أن يكون مني من يكاثر به النبي ﷺ النبيين يوم
следующие страницы →