Полный текст (9 112 стр.). Показаны 1926–1965 · переход к 1931.
стр. 1926
في يديها ثم طلقها، وبالله التوفيق.
[مسألة: الرجل تكون له المرأة الحريصة المبالغة في تأدية حقه]
مسألة وسألته عن الرجل تكون له المرأة الحريصة المبالغة في تأدية حقه، فإذا رأته داخلا تلقته فأخذت عنه ثيابه ونزعت نعليه، ولم تزل قائمة حتى يجلس، فقال: أما تلقيها إياه ونزعها ثيابه ونعليه فلا أرى بذلك بأسا، وأما قيامها فلا أرى ذلك ولا أرى أن يفعله، هذا من التجبر والسلطان، فقلت له: والله ما ذلك من شأنه ولا تشبهه هذه الحال، ولكنها تريد إكرامه وتوقيره وتأدية حقه، وإنه لينهاها عن ذلك ويمنعها منه، فقال لي: كيف استقامتها في غير ذلك؟ فقلت له: من أقوم الناس طريقة في كل أمرها، فقال: تؤدي حقه في غير هذا، فأما هذا فلا أرى أن تفعله، إن هذا من فعل الجبابرة، بعض هؤلاء الولاة يكون الناس ينتظرونه جلوسا فإذا طلع عليهم قاموا له حتى يجلس، فلا خير في هذا ولا أحبه، وليس هذا من أمر الإسلام، فأرى أن تدع هذا وتؤدي حقه في غير ذلك، وليس هذا مثل الذي أخبر الله عنه: ﴿هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾ [النمل: ٤٠] قال عمر بن الخطاب ﵁ للدابة التي ركب: ما نزلت عنها حتى تغيرت نفسي، قال مالك: ولعمر فضله.
قال محمد بن رشد: القيام للرجل على أربعه أوجه: وجه يكون القيام فيه محظورا، ووجه يكون فيه مكروها، ووجه يكون فيه جائزا، ووجه يكون فيه حسنا، فأما الوجه الذي يكون فيه محظورا لا يحل، فهو أن يقوم إكبارا وتعظيما لمن يحب أن يقام إليه تكبرا وتجبرا على القائمين إليه، وأما الوجه الذي يكون القيام فيه مكروها فهو أن يقوم إكبارا وتعظيما وإجلالا لمن لا يحب أن
стр. 1927
يقام إليه ولا يتكبر على القائمين إليه، فهذا يكره للتشبه بفعل الجبابرة ولما يخشى أن يدخله من تغير نفس المقوم إليه، وأما الوجه الذي يكون القيام فيه جائزا فهو أن يقوم تجلة وإكبارا لمن لا يريد ذلك ولا يشبه حاله حال الجبابرة ويؤمن أن تتغير نفس المقوم إليه لذلك، وهذه صفة معدومة إلا فيمن كان بالنبوة معصوما، لأنه إذا تغيرت نفس عمر بالدابة التي ركب عليها، فمن سواه بذلك أحرى، وأما الوجه الذي يكون فيه القيام حسنا فهو أن يقوم الرجل إلى القادم عليه من سفر فرحا بقدومه ليسلم عليه، أو إلى القادم عليه مسرورا بنعمة أولاها الله إياه ليهنئه بها، أو إلى القادم عليه المصاب بمصيبة ليعزيه بمصابه وما أشبه ذلك، فعلى هذا يتخرج ما ورد في هذا الباب من الآثار ولا يتعارض شيء منها، من ذلك أنه قال: «من أحب أن يمثل له الرجال قياما فليتبوأ مقعده من النار ويروى: من أحب أن يستجم» ، ومعناه معنى الأول، وقد رواه بعض الناس: «من أحب أن يستخم له الناس قياما» ، وقال: معناه أن يطول قيامهم له حتى تتغير روائحهم من طول القيام كما يفعل الجبابرة من طول قيام الناس على رؤوسهم، وليس ذلك بصحيح، لأن معاوية بن أبي سفيان راوي الحديث عن النبي ﷺ أعلم بمعناه، روي «عن أبي مجلز قال: دخل معاوية بيتا فيه عبد الله بن الزبير وعبد الله بن عامر، فقام ابن عامر وثبت ابن الزبير وكان أرزنهما فقال معاوية: اجلس يا ابن عامر، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: من أحب أن يمثل له الرجال قياما فليتبوأ مقعده من النار» وقام النبي ﷺ لعكرمة بن أبي جهل عند قدومه عليه من اليمن فرحا بقدومه عليه مسلما، ورمى عليه رداء فسلم عليه وبايعه، وقام طلحة بن عبد الله بحضرته ﷺ لكعب بن مالك ليهنئه بتوبة الله عليه، فلم ينكر ذلك عليه ولا قام من مجلس النبي ﵇ أحد سواه إليه، فكان كعب يقول: لا أنساها لطلحة، وكان رسول الله ﷺ يكره أن يقام إليه فلا يقوم إليه من علم بكراهيته لذلك، روي «عن أنس أنه قال: لم يكن شخص أحب إليهم من
стр. 1928
رسول الله ﷺ ، فكانوا إذا رأوه لم يقوموا لما يعلمون من كراهيته لذلك» وروي عن أبي هريرة أنه قال: «كنا نقعد مع رسول الله ﷺ في المسجد بالغدوات فإذا قام إلى بيته لم نزل قياما حتى يدخل بيته» ، فتأويل ذلك أنهم كانوا يفعلون ذلك لما يلزمهم من إكبار النبي ﷺ وتوقيره لقول الله : ﴿وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾ [الفتح: ٩] قبل أن يعلموا بكراهيته لذلك، وأما ما روي من «قوله للأنصار: قوموا إلى سيدكم» فيحتمل أن يكون إنما أمرهم بذلك تجلة له وإكراما لعلمه ﷺ أنه لا يحب ذلك منهم، وأنه ليس ممن يتكبر عليهم، وقد قيل: إنه إنما أمرهم بالقيام إليه ليعينوه على النزول من على الحمار الذي أتى عليه لأنه كان مريضا من الجرح الذي كان أصابه، وكان رجلا بدينا، فهو وجه كراهية مالك لقيام المرأة إلى زوجها، وبالله التوفيق.
[مسألة: يعطي الرجل ابنته ويكتبها له هبة فينفق عليها حتى إذا بلغت أراد أخذها]
مسألة وسئل عن الرجل يعطي الرجل ابنته ويكتبها له هبة فينفق عليها حتى إذا بلغت أراد أخذها فقال: أما الرجل يعطي الرجل ابنته ليس بينه وبينها حرمة يحرم بها عليه نكاحها، فليس ذلك بحسن أن يعطيها غير ذي محرم، فأما ذو حرمة ممن لا تحل له مثل العم والخال ومن لا يحل له نكاحها، فإن ذلك لا بأس به، وإن أراد أبوها أن يأخذها منه لم أر ذلك له إلا على وجه إساءة إليها وضرر، فقيل له: أفيكون للذي وهبت له أن ينكحها بغير رضا أبيها؟ فقال: أرى إنكاحها إلى الذي وهبت له إن كان جعل ذلك بيده إذا دعا إلى سداد، قلت: أرأيت إن مات الأب أله أن ينكح الجارية بغير إذنها فقال: لا، وذلك مثل أن لو جعل ذلك
стр. 1929
إلى ابنه ثم مات، لم يكن له أن ينكحها إلا بإذنها.
قال محمد بن رشد: كراهيته للرجل أن يهب ابنته لمن لا حرمة بينه وبينها، صحيحة بينة في المعنى، وقد ذهب أهل النظر إلى أن ما في كتاب النكاح الأول من المدونة في مسألة رجال من الموالي يكفلون صبيانا من العرب، يدل على أنه لا كراهية في ذلك، خلاف ما ها هنا وليس ذلك بصحيح لأنه لم يتكلم هناك على ما تكلم عليه ها هنا من جواز الفعل ابتداء، وإنما تكلم في إنكاحها إذا وقعت الحضانة، فقال: أرى تزويجها جائزا عليها، يريد بغير رضاها، والوجه في ذلك أنه أنزله بالحضانة لها في حياة أبيها منزلة الوكيل له على إنكاحها، فلا يحتاج في ذلك إلى رضاها، وذلك خلاف قوله ها هنا؛ إذ لم ير إنكاحها إليه بالهبة والحضانة، إلا أن يكون جعل ذلك إليه نصا، وحكى ابن حبيب مسألة مالك في المدونة في صبيان الأعراب على خلاف ما وقعت في المدونة، فقال فيها: وتكون فيهم الجارية وقد مات أبوها وغاب أهلها، فإن الذي كفلها ورباها أولى بعقد نكاحها لما قد ولي منها، يريد أنه أولى بعقد نكاحها من ولاتها، فأنزله منزلة الوصي بالحضانة، وذلك نحو ما في كتاب القسمة من المدونة أن الرجل تجوز مقاسمته على اللقيط الذي هو في حجره، والمشهور المعلوم في المذهب أن الولي أحق بالإنكاح من الحاضن، وقد جعل ابن العطار مسألة المدونة أصلا بنى عليه فقال: ولا يجوز للكافل أن يزوج ذات الأب وإن كفلها ورباها، إذا كان أبوها بالحضرة إلا أن يكون غائبا فيزوجها الكافل بغير رضاها على نحو ما وقع في المدونة من صبيان الأعراب الذين يدفعونهم إلى من يكفلهم، قال: وكذلك حال أهل البدو عندنا مع أهل الحضر، قال: والكافل والمربي والحاضن في غير ذات الأب كالولي، يريد أن له أن يزوجها برضاها، وذلك من قوله صحيح مثل قوله في آخر هذه الرواية، وقوله: وإن أراد أبوها أن يأخذها منه لم أر ذلك له إلا على وجه إساءة إليها وضرر صحيح، والوجه في ذلك أن هبته إياها له إنما هي هبة حضانته التي له، فإذا وهبها لم يكن له أن يرجع فيها، ووجه آخر أنه إذا وهبه إياها فقد ملكه الانتفاع بها بنفقته عليها فأشبه عقدة الإجارة عليها، وذلك إذا لم يكن لها أم ولا من هو أحق بحضانتها منه، فإن كان لها أم هي
стр. 1930
معه في عصمته، فروى ابن نافع عن مالك في المدنية أن ذلك لازم لها وإن طلقها إذا لم يرد بذلك ضررها، وكان ذلك منه على وجه المعروف والصلة وطلب الخير، وقال في النكاح الثاني من المدونة: مثل الرجل الفقير المحتاج، خلاف ظاهر ما في المدونة، وأما إن كان لها أم مطلقة فليس ذلك له لأنها أحق بحضانتها منه إلا أن يكون له مال ينفق عليها منه فلا يكون للأم في ذلك كلام إلا أن يشاء أن يخصها وينفق عليها، ونص رواية ابن نافع عن مالك في المدنية قال: سألت مالكا عن الرجل يهب ولده لإنسان، قال مالك: الهبة إنما هي حضانة، فإن كانت أم الولد حية نظر لها في أمره، فإن كان إنما وهبه ضررا لأمه لم يجز ذلك، وإن كان وهبه للنظر وطلب الخير والصلة جاز ذلك عليها إذا كانت هبته إياها على وجه المعروف الجائز، ثم إن طلق أمه بعد ذلك لم يكن له أن يأخذه ممن وهبه له، وبالله التوفيق.
[الترغيب في نكاح البكر الولود]
ومن كتاب الطلاق قال: وسمعته يقول: تزوج عمر بن الخطاب ﵁ امرأة ثم دخل على حفصة ابنته فرفته ودعت له بالبركة وقالت: أما إنها لا ولد فيها، فقال: ما نكحت إلا للولد، ثم خرج من عند حفصة فأرسل إليها بالطلاق من ساعته، ولم يكن دخل بها.
قال محمد بن رشد: معنى رفته دعت له بالرفاء أي بإتمام الصحبة وحسن العشرة، وهو مأخوذ من رفو الثوب: إذا أصلح ورم ما كان فيه من خلل وفساد، وصواب الكلمة رفأته لأن الفعل مهموز، وإنما كرهها عمر لكونها لا ولد فيها وقال: إنما نكحت للولد؛ لقول النبي ﷺ : «تزوجوا فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة» روي عنه ﵁ أنه قال: إني لأتزوج المرأة وما لي فيها حاجة، وأطؤها وما أشتهيها، فقيل له: وما يحملك على ذلك يا أمير المؤمنين؟ قال: رجاء أن يكون مني من يكاثر به النبي ﷺ النبيين يوم
стр. 1931
القيامة، فإني سمعته يقول: «عليكم بالأبكار فإنهن أعذب أفواها وأحسن أخلاقا وأنتق أرحاما، وإني مكاثر. بكم الأمم يوم القيامة» يعني بقوله، أنتق أرحاما: أقبل للولد.
[مسألة: تزوج امرأة بألف ودخل بها ثم مات فطلبت صداقها]
مسألة وسئل عمن تزوج امرأة بألف دينار ودخل بها وأقام معها نحوا من ثمانية أشهر ثم مات، فطلبت صداقها، هل ترى اليمين على ورثته؟ فقال: أرى على ورثته أن يحلفوا ما نعلم بقي لها عليه صداق حتى مات، قال: وليس يدخل النساء على أزواجهن إلا بالرضى من مهورهن.
قال محمد بن رشد: أوجب اليمين على الورثة في هذه الرواية على العلم وإن لم تدع ذلك المرأة عليهم، خلاف ما في كتاب النكاح الثاني من المدونة من أنهم لا يمين عليهم إلا أن تدعي عليهم العلم، وخلاف ما في كتاب بيع الغرر منها في مسألة التداعي في وقت موت الجارية الغائبة المشتراة على الصفة إن كان قبل الصفة أو بعدها، وإنما يجب عليهم اليمين إذا كانوا ممن يظن بهم العلم على ما قال في كتاب العيوب والأقضية من المدونة، فإن نكلوا عن اليمين حلفت المرأة على ما تدعي معرفته من أنها لم تقبض صداقها وتستوجبه لا على أن الورثة علموا أنها لم تقبض، فهذه اليمين ترجع على غير ما نكل عنه الورثة، ولها مظاهر كثيرة، فيختلف في لحوق هذه اليمين للورثة لأنها يمين تهمة إذا لم تحقق الزوجة عليهم الدعوى على ما ذكرناه، ولا يختلف في رجوعها على الزوجة لمعرفتها بما تحلف عليه كما يختلف في رجوع يمين التهمة، وبالله التوفيق.
[مسألة: زوج وليته صغيرة لم تبلغ المشورة في نفسها]
مسألة وسئل عمن زوج وليته صغيرة لم تبلغ المشورة في نفسها فقال:
стр. 1932
لا يزوجها، قلت له: فإن زوجها فرق بينهما؟ قال: لا أدري، قد زوج بعض الناس هكذا، فإذا تفاوت ووقعت المواريث فلا أدري. قال محمد بن رشد: قد مضى القول مستوفى في هذه المسألة في رسم شك في طوافه، من سماع ابن القاسم، فلا معنى لإعادته، وسيأتي في الرسم الذي بعد هذا وفي رسم لم يدرك، من سماع عيسى، وبالله التوفيق.
[مسألة: عبد كان لسيده بيده مال فكتب إليه أن اشتر جارية أيصلح له وطؤها]
مسألة قال: وسئل عن عبد كان لسيده بيده مال فكتب إليه أن اشتر جارية أيصلح له وطؤها؟ قال: أما من مال سيده فلا يصلح إلا أن يكون أسلفه ثمنها.
قال محمد بن رشد: قد مضى القول في هذه المسألة في رسم باع غلاما من سماع ابن القاسم، فلا معنى لإعادته.
[مسألة: هبة الرجل لعبده الدني الهيئة العامل في السوق الجارية يطؤها]
مسألة وسألته عن هبة الرجل لعبده الدني الهيئة العامل في السوق الجارية يطؤها، قال: نعم، إن كانت هبته مستقيمة، قلت له: يكون أن يزوجه إياها مخافة أن يبيعه فلا يقدر على نزعها منه، فيقول: أهبها له فإن بدا لي نزعتها منه، فقال: لا يعجبني هذا، يعيره إياها لا، إلا هبة صحيحة، يريد بذلك سروره وولده وإعفافه.
قال محمد بن رشد: وهذه المسألة أيضا قد مضت والقول فيها في رسم باع غلاما من سماع ابن القاسم، فلا وجه لإعادته، والمعنى فيها بين، وبالله التوفيق.
[مسألة: نكحها أن تضع عنه نصف المهر ولا يخرجها من المدينة]
مسألة وسئل مالك عن امرأة نكحت على أربعمائة دينار صداقا على
стр. 1933
أن تضع له مائتي دينار ولا يخرجها من المدينة، فنكحته على ذلك، ثم أراد إخراجها فطلبت ما وضعت عنه، فقال: إن كان أكثر لها من الصداق ليس ذلك صداق مثلها، فله أن يخرجها ولا ترجع عليه بالذي وضعت عنه من أجل الشرط، وإن كان صداق مثلها فوضعت عنه على أن لا يخرجها من المدينة، فإن له أن يخرجها حيث شاء وعليه أن يرد عليها الذي وضعت عنه من صداقها، يرجع إليها، وله أن يخرج بها حيث شاء، قلت له: إن كان الذي أصدقها أكثر من صداق مثلها فوضعت عنه على أن يسكنها بلدها، فليس ذلك لها، وله أن يخرج بها حيث شاء ولا شيء عليه فيما وضعت عنه، وإن كان الذي أصدقها [فوضعت] صداق مثلها على أن يسكنها بلدها فليس ذلك له، وله أن يخرج بها حيث شاء، ولها عليه ما وضعت عنه من صداق مثلها؟ قال: نعم.
قال محمد بن رشد: ظاهر هذه الرواية أن ما وضعت المرأة في العقد للشرط من صداق مثلها لا يلزمها كما لا يلزمه الشرط، فيكون لها ما وضعت من صداق مثلها وفى لها بالشرط أو لم يف، وهو قول ابن كنانة وروايته عن مالك، ومثله في مختصر ما ليس في المختصر لابن شعبان خلاف رواية علي بن زياد عن مالك في النكاح الثاني من المدونة أن لها أن ترجع فيما وضعت من صداق مثلها بالشرط إذا لم يف لها بالشرط، ومذهب ابن القاسم وروايته عن مالك أن ما وضع للزوج في عقد النكاح من الصداق على الشرط موضوع عن الزوج، ولا يلزمه الشرط، كان الموضوع من صداق المثل أو زائدا عليه، وقد قيل: إن ما وضعت في العقد من صداقها على الشرط كما وضعت بعد العقد لا تكون له الوضيعة إلا أن يفي بالشرط كان الموضوع من صداق المثل أو زائدا عليه، حكى هذا القول ابن حبيب عن بعض الناس، وقد روي عن مالك
стр. 1934
أنها إذا وضعت في العقد من صداقها شيئا للشرط سقط الشرط وردت إلى صداق مثلها، والقياس أن يفسخ قبل الدخول ويثبت بعده، ويسقط الشرط، ويكون لها صداق مثلها إلا إن ينقص من المسمى فلا ينقص منه شيء، وكذلك يلزم على قياس هذا القول إذا تزوجها بكذا وكذا على أن لها من الشرط عليه كذا وكذا، والمشهور أن النكاح جائز والشرط غير لازم، ولا اختلاف بينهم فيما وضعت عنه بعد العقد من التسمية، أن الوضيعة إنما تكون له إن وفى بالشرط، ولا اختلاف بينهم أيضا أن ما اشترطت من الشروط في العقد دون تسمية صداق ساقط والنكاح لازم، فإن وقع النكاح دون شرط ثم سمى الصداق على الشرط سقط الشرط ووفيت تمام صداق مثلها إن كانت التسمية أقل من ذلك، وبالله التوفيق.
[مسألة: يتزوج المرأة بالعبد ثم يوجد مسروقا وقد دخل بها فيؤخذ منها]
مسألة وسئل عن الذي يتزوج المرأة بالعبد ثم يوجد مسروقا وقد دخل بها فيؤخذ منها، قال: يحال بينه وبينها حتى يعطيها مهرها، وليس مثل الذي يخالع امرأته بالعبد يأخذه ثم يوجد مسروقا؛ لأن الخلع ينقطع به الميراث.
قال محمد بن رشد: قوله: حتى يعطيها مهرها، يريد صداق مثلها، وهو الصحيح في القياس لأن العبد عوض من البضع، فإذا استحق العبد من يد المرأة وجب أن ترجع بقيمة بضعها لفواته بالعقد عليه وقيمته صداق المثل، وإنما كان العقد دون الدخول في النكاح فوتا لما يوجبه من الحرمة، وقد قيل: إنه ليس بفوت، ويفسخ النكاح إذا كان الصداق عرضا بعينه واستحق قبل الدخول، وهو قول يحيى في العشرة، قال: إن المرأة إذا تزوجت بعبد غائب فمات قبل النكاح فسخ، والمشهور في المذهب أنها ترجع بقيمة العبد المستحق من يدها كما يرجع الزوج بقيمته إذا اسحق من يده في الخلع، وما في هذه الرواية هو القياس، وقوله إنه يحال بينه وبينها حتى يعطيها مهرها يحتمل أن يريد أن ذلك من حق الزوجة فإن رضيت أن تتبعه بمهرها وتبيح له التمادي
стр. 1935
على وطئها، جاز ذلك، ويحتمل أن يريد أنه لا يباح له التمادي على وطئها وإن رضيت بذلك حتى يدفع إليها مهرها من أجل أنه يكره للرجل أن يدخل بامرأته حتى يدفع إليها مهرها أو ربع دينار منه، والتأويل الأول أصح في المعنى، والثاني أظهر من جهة اللفظ، وإليه نحا ابن المواز، وقد قيل: إنه لا يكون ذلك من حقها وله أن يتمادى على وطئها وتتبعه بمهرها دينا ثابتا في ذمته، ووجه القول الأول أنها مغلوبة على الدخول بها بما أعطاها من مهرها، فلما استحق وأخرج من يدها كانت على رأس أمرها كما لو غصبها نفسها قبل أن يعطيها صداقها، فقد روى ابن أبي جعفر الدمياطي عن ابن القاسم أنه يؤدب ويحال بينه وبينها حتى يعطيها صداقها، بخلاف إذا أذنوا له في الدخول عليها ليراها فوطئها. ووجه القول الثاني أنه لما فعل في الدخول بها ما يجوز له ولم يتعد، كان بمنزلة ما لو أذنت له في الدخول عليها، فوجب أن لا يمنع من التمادي على وطئها، وهذا الاختلاف إنما هو عندي إذا لم يغرها بذلك، وأما إذا علم أنه مسروق وغرها فيكون من حقها أن تمنعه من نفسها حتى يعطيها مهرها، على ما قاله بعد هذا في هذا الرسم قياسا على ما قالوا في المكاتب يقاطع سيده على حلي استرفعه أو ثياب استودعها، أنه يرد في الرق ولا يعتق، وما في رسم العشور بعد هذا في مسألة الغرر من أنه إن كان قريبا لم يمنع من أهله وكان ذلك دينا يتبع به معناه عندي أنه لا يمنع من أهله إذا رضيت أن تبيح له التمادي على وطئها على أن تتبعه بمهرها، وقد كان الشيوخ يحملون ذلك على ظاهره من أنه ليس لها أن تمنعه من التمادي على وطئها إذ قد فات الأمر بالدخول بها، وقال ابن المواز: معناه إن بقي بيدها من صداقها ربع دينار فأكثر، وأما إن لم يبق من صداقها بيدها شيء فلها أن تمنعه نفسها حتى يعطيها ربع دينار، وذلك كله بعيد في المعنى، إذ لا فرق بين أن يغرها بما يدفعه إليها مما لا شبهة له فيه وبين أن يغصبها نفسها، وبالله التوفيق.
[مسألة: زوجها غير ولي ابن عم له وأشهدت له على ذلك ووليها قريب يعرفون مكانه]
مسألة قال: وسئل مالك عن امرأة زوجها غير ولي ابن عم له،
стр. 1936
وأشهدت له على ذلك ووليها قريب يعرفون مكانه، فقال له مالك: أدخل بها؟ فقال: نعم، قال: فالذي تزوجها كفؤ؟ قال: نعم، قال مالك: أرى تدع هذا وتدع الكلام فيه، كانت في الناس حطمة، وتقول: أصابتني الضيعة، وتزوجها كفؤ فلا أرى أن تتكلم في هذا. قال محمد بن رشد: مذهب مالك ﵀ في رواية أشهب عنه أن لا يزوج الأجنبي الشريفة ولا الوضيعة، خلاف قول ابن القاسم وروايته عن مالك في أن للمرأة الدنية والمسكينة أن تستخلف رجلا أجنبيا يعقد نكاحها، فرأى إجازة النكاح لما وقع للحطمة التي كانت في الناس وما خشي على المرأة بسبب ذلك من الضيعة على أصله في مراعاة الخلاف، لا سيما وقد اختلف في ذلك قوله، ونحو هذا أيضا في سماع أشهب من كتاب الأيمان بالطلاق، وبالله التوفيق.
[مسألة: نكح إلى قوم بخادم فأبوا أن يدخلوها عليه حتى يعطيهم الخادم]
مسألة وسئل عمن نكح إلى قوم بخادم فأبوا أن يدخلوها عليه حتى يعطيهم الخادم، فذهب فاستعار خادما فأعطاهم إياها ودخل على امرأته، ثم علموا بذلك فقال: ترد الخادم إلى أهلها ويحال بينه وبين امرأته حتى يعطيها مهرها، وكذلك المكاتب يأتي بحلي استرفعه أو سرقه أو ثياب، فيقاطع سيده، ثم يؤخذ ذلك منه، أيعتق هذا هكذا بالباطل؟ لا يؤخذ الحق بالباطل.
قال محمد بن رشد: لا يختلف في أنه يحال بينه وبينها في هذه المسألة لأنه قد غرها بخلاف المسألة المتقدمة، ويريد بمهرها ها هنا الخادم التي تزوجها عليها على صفة ما وصفوا، ولو تزوجها على خادم بعينها فاستحقت لكان لها صداق مثلها، وقد مضى القول على ذلك قبل هذا في هذا الرسم، ويريد بقوله: إن المكاتب لا يعتق: إذا قاطع سيده بما لا شبهة له في ملكه، أنه يرد مكاتبا كما كان قبل انقطاعه، ولا اختلاف في هذا، وإنما اختلف إذا قاطع
стр. 1937
سيده بما كان له في ملكه شبهة فاستحق، والقولان في المكاتب من المدونة.
[مسألة: تزوجها على أنها طالق البتة إن خرج بها من بلدها إلا برضاها]
مسألة وسئل عمن تزوج امرأة على أنها طالق البتة إن خرج بها من بلدها إلا برضاها، فخرج يطلب الزرع فأقام هنالك فأطال المقام فتحملت امرأته حتى قدمت عليه، أترى عليه شيئا؟ فقال: نعم، أرى ذلك عليه، هو الذي أخرجها، تركها عارية جائعة لا يبعث إليها نفقة ولا كسوة فأخرجها بذلك، فروجع في ذلك فقال: أرى ذلك عليه، إن شاء بعث إليها بنفقة، قيل له: إلا أن يكون من عذر سجن أو مرض أو حاجة، فقال: أرى ذلك عليه، لو شاء بعث إليها نفقة.
قال محمد بن رشد: مثل هذا في نوازل أصبغ من كتاب الأيمان بالطلاق، وحكى ابن سحنون عن أبيه أنه لا حنث عليه، وقول مالك أظهر لأن اضطراره إياها إلى الخروج إخراج، والحنث يدخل بأقل الوجوه، وأما إذا كان له عذر من مرض أو سجن أو حاجة، فلا يجب أن يحنث، فقوله: أرى ذلك عليه لو شاء بعث إليها نفقة، يريد: إذا لم تكن الأعذار التي ذكرت من السجن والمرض والحاجة، والله أعلم.
[مسألة: يكسب مالا حراما فيتزوج به]
مسألة وسئل عمن يكسب مالا حراما فيتزوج به، أتخاف أن يكون ذلك مضارعا للزنا؟ قال: إني والله لأخافه، ولكن لا أقوله.
قال محمد بن رشد: وجه اتقاء مالك أن يكون فعله مضارعا للزنا هو أن الله تعالى إنما أباح الفرج بنكاح أو ملك يمين، وقال رسول الله ﷺ . «لا نكاح إلا بولي وصداق» فنفى أن يكون نكاحا جائزا إلا على هذه الصفة،
стр. 1938
والمتزوج بمال حرام لم يتزوج بصداق إذ ليس المال الحرام بمال له، فإذا وطئ فيه فقد وطئ فرجا بغير ملك يمين ولا نكاح أباحه له الشرع، وبالله التوفيق.
[مسألة: أحسنا أن يستأمر الرجل ابنته البكر]
مسألة وسئل: أترى حسنا أن يستأمر الرجل ابنته البكر؟ فقال: إن ذلك لحسن، وإن فعل بغير إذنها فذلك له، وإني لأخاف أن يتراقى هذا بالناس في استئذان الأب ابنته البكر حتى يجري بين الناس ويمضي، وإن أخف الشأن أن يزوج ابنته حيث رجا لها النكاح، ولا يجوز عليها أمر ولي غير أبيها إلا بإذنها.
قال محمد بن رشد: استحسانه أن يستأمر الرجل ابنته البكر في النكاح صحيح جيد، إذ من أهل العلم من يرى أنه لا يجوز له إنكاحها إلا بإذنها، فالخروج من الخلاف باستئمارها أولى، وليس صوابا هذا مما يخفى، وبالله التوفيق.
[مسألة: يواعد المرأة في عدتها ثم يتزوجها بعد انقضاء عدتها ويدخل بها]
مسألة وسألته عن الذي يواعد المرأة في عدتها ثم يتزوجها بعد انقضاء عدتها ويدخل بها، قال: أرى أن يفسخ في رأيي وتكون طلقة لما فيه من الشبهة احتياطا، ثم ينكحها نكاحا جديدا، قلت له: أترى هذا مثل الذي ينكح المرأة في العدة ثم يدخل بها فلا يتراجعان أبدا؟ فقال: لا، هذا ينكحها بعد أن يفسخ وإن كان مسها.
قال محمد بن رشد: أوجب الله تعالى العدة في الموت والطلاق حفظا للأنساب وتحصينا للفروج، ونهى عن النكاح فيها وعن المواعدة فقال: ﴿وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٥] وقال:
стр. 1939
﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلا أَنْ تَقُولُوا قَوْلا مَعْرُوفًا﴾ [البقرة: ٢٣٥] وهو التعريض. واختلف إذا واعد في العدة ثم تزوج بعدها، فقيل: إن النكاح يفسخ لأنه بني على المواعدة المنهي عنها وهي رواية أشهب هذه، وقيل: إنه لا يفسخ إذ لم ينعقد في العدة، وهي رواية ابن وهب عن مالك في المدونة لأنه استحب الفسخ فيها ولم يوجبه، واختلف على القول بوجوب فسخه إذا لم يفسخ حتى دخل ووطئ، فقيل: إنها لا تحرم عليه بذلك، وهي رواية أشهب هذه ورواية عيسى عن ابن القاسم في رسم الجواب من كتاب طلاق السنة، وقيل: إنها تحرم عليه، وهي رواية عيسى عن ابن القاسم في رسم الرهون من هذا الكتاب إذا كان الوعد شبيها بالإيجاب. وأما إذا تزوج في العدة فلا اختلاف أن النكاح يفسخ، واختلف هل تحرم عليه للأبد أم لا، على أربعة أقوال: أحدها أنها تحرم عليه بالعقد وإن لم يطأ، حكى هذا القول عبد الوهاب ولم يسم قائله، والثاني أنها لا تحرم عليه إلا بالوطء في العدة وهو قول المغيرة وغيره في المدونة ورواية عيسى عن ابن القاسم في طلاق السنة في رسم الجواب، والثالث أنها تحرم عليه بالوطء، كان في العدة أو بعدها، وهو قول مالك في المدونة وظاهر قول عبد العزيز فيها، والرابع أنها لا تحرم أصلا وإن وطئ في العدة، وهو قول ابن نافع وروايته عن عبد العزيز بن أبي سلمة. وأما القبلة والمباشرة بعد العدة فلا يقع التحريم بها باتفاق، واختلف إذا قبل أو باشر في العدة، فقيل: إن ذلك بمنزلة الوطء فيها يقع بها التحريم، وهو قوله في المدونة وقيل: إن التحريم لا يقع بذلك، وهي رواية عيسى عن ابن القاسم في كتاب طلاق السنة، قال: لأن الوطء بعينه فيه من الاختلاف ما فيه، فكيف إذا لم يطأ؟ فهذا تحصيل القول في هذه المسألة.
[مسألة: ينكح وهو مريض هل يقيم على ذلك النكاح إذا صح]
مسألة وسئل عن الذي ينكح وهو مريض، أترى أن يقيم على ذلك النكاح إذا صح؟ فقال: لا أرى ذلك الآن، قلت له: أرأيت لو
стр. 1940
نكح وهو مريض ثم ماتت أيرثها؟ فقال: لا يرثها ولا ترثه، أنا أقول: ليس ذلك النكاح بشيء فكيف يرثها؟ قال سحنون: هذه الرواية أفضل من رواية ابن القاسم، وسئل عنها سحنون فقال مثله، ورواها أصبغ عن أشهب وقال: هو رأيي لم أزل أقوله وأرد خلافه، وقد ذكره ابن وهب عن مالك وليس رواية ابن القاسم عندي بشيء.
قال محمد بن رشد: قد حكى ابن القاسم عن مالك القولين جميعا في النكاح الثاني من المدونة، وذكر أن الذي رجع إليه منهما أن يثبت النكاح إذا صح وأمره أن يمحو القول الأول، وإياه اختار ابن القاسم، وهو الأظهر، لأن المرض ليس بعلة في فساد النكاح إلا من أجل ما يخشى من الموت، ولو أمكن أن يعلم أنه لا يموت من ذلك المرض ويصح منه لجاز النكاح فيه، فإذا صح كشف الغيب بصحته أن النكاح وقع في حال يصح إيقاعه فيه فوجب أن يجوز، ووجه القول الأول أنه نكاح فسد لوقوعه في حال لا يصح إيقاعه فيه فوجب أن لا يصح بزوال تلك الحال، أصل ذلك المحرم لا يثبت نكاحه وإن لم يعثر عليه حتى حل من إحرامه، والذي يبيع أو يشتري بعد النداء يوم الجمعة لا يثبت بيعه وشراؤه إذا لم يفسخ حتى انقضت الصلاة على القول بوجوب فسخه، وليس ذلك بقياس صحيح لأن العلة ها هنا الإحرام وحضور الصلاة. ألا ترى أنا لا نجيز للمحرم النكاح وإن علمنا أنه سيحل منه ولا لمن تجب عليه الجمعة البيع في وقت صلاة الجمعة وإن علمنا أن الوقت المنهي عن البيع والشراء فيه سينقضي، فبان الفرق بين الموضعين. وأما قوله: إنه لا يرثها، فإنما يأتي على ما اختاره سحنون من أن كل نكاح كان الزوجان فيه مغلوبين على الفسخ فلا طلاق فيه ولا ميراث، وأما على ما اختاره ابن القاسم من أن الطلاق والميراث يكونان في كل نكاح اختلف الناس فيه، فينبغي أن يرثها لأنه نكاح مختلف فيه لا سيما على قوله بأن النكاح يثبت إذا صح، لذهاب العلة بالصحة، لأنها تذهب أيضا بالموت إذ لا يمكن أن ترثه هي بعد الموت، وأما
стр. 1941
تعليله بأنه لا يرثها من أجل أنها لا ترثه، فليست بعلة بينة إذ قد يطرأ على النكاح المتقرر بين الزوجين ما يمنع أحدهما الميراث دون صاحبه، مثل أن يخالعها في مرضه، والله الموفق.
[مسألة: نكح امرأة في مؤخر المسجد ثم قام فلقيه رجل فقال أنا أكره كتمان ذلك]
ومن كتاب الطلاق قال: وسئل مالك عمن نكح امرأة في مؤخر المسجد ثم قام فلقيه رجل فقال له: كأنكم كنتم على إملاك؟ فقال: لا، فقال: أنا أكره كتمان ذلك، وأحب إلي أن يفشى، ولا أرى عليه في قوله شيئا.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن النكاح يستحب فيه الإعلان، وقد استجيز فيه لعلة الإعلان من اللهو ما لا يستجاز في غيره، ومعنى قوله: لا أرى عليه في قوله هذا شيئا؛ أي ليس عليه شيء له تأثير في النكاح؛ لأن عليه فيه إثم الكذب المحرم في الشريعة إلا في مواضع معلومة على وجوه مخصوصة، وبالله التوفيق.
[مسألة: يقول له رجل ألك امرأة فيقول لا وله امرأة]
مسألة قيل له: أرأيت الذي يقول له رجل: ألك امرأة؟ فيقول: لا، وله امرأة؟ فقال: لا أرى عليه شيئا إذا كان على هذا الوجه.
قال محمد بن رشد: معنى قوله: لا أرى عليه شيئا؛ أي لا أرى عليه طلاقا، ومثل هذا في أول رسم من سماع ابن القاسم من كتاب طلاق السنة وفي رسم لم يدرك من سماع عيسى من كتاب العتق، وقال ابن القاسم في سماعه المذكور وعيسى في سماعه المذكور أيضا: إنه يحلف ما أراد بذلك طلاقا، وزاد ابن القاسم: ويؤدب.
[مسألة: الرجل المتزوج باثنين في تحديد نيته أي المرأتين طلق]
مسألة وسئل عمن خطب امرأة وله امرأة كانت أم ولد له فسألوه أن
стр. 1942
يطلقها فأبى، وأبوا إلا ذلك، فتركهم وأضرب عنهم حتى تزوج امرأة أخرى فصارت له امرأتان، ثم رجع إليهم فخطبها فقالت: لا أتزوجك إلا أن تطلق عني امرأتك، تعني الأولى التي كانت سألته طلاقها، فقال لها: أنا أفعل، فلما قعدوا للإملاك قال: اشهدوا أن امرأتي طالق البتة، إذا ملكت عقدة النكاح هذه، وهو ينوي بذلك المرأة التي نكح أخيرا، ولا يظنون هم إلا الأولى التي كانوا سألوه طلاقها، فلما بلغ القوم أنه لم يطلق عنهم التي كانوا سألوه، وأنه إنما طلق أخرى تزوجها، ناكروه [ذاك] فقال: أما النكاح فلا أرى أن يفسخ ولا أرى ما أراد إلا على ما أراد، فأرى عليه اليمين بالله الذي لا إله إلا هو ما طلق إلا هذه الآخرة، الناس ينوون في مثل هذا، وإنما مثل هذا رجل كانت له امرأة ليس له غيرها، قد علم ذلك قوم، ثم تزوج أخرى لم يعلموا بها فسألوه طلاق امرأته ولا يعلمون له إلا الأولى فقال: امرأتي طالق البتة، فهو ما أراد.
قال محمد بن رشد: جوابه في هذه المسألة على القول بأن اليمين على نية الحالف لا على نية المحلوف له، وهو قول مالك في رسم شك في طوافه من سماع ابن القاسم من كتاب النذور، وفي رسم البز من سماع ابن القاسم أيضا من كتاب الأيمان بالطلاق، وهو قول ابن وهب في سماع عيسى وزونان من كتاب الأيمان بالطلاق، وقد اختلف في ذلك اختلافا كثيرا حسبما مضى تحصيله في رسم شك في طوافه من سماع ابن القاسم من كتاب النذور وإيجابه اليمين عليه أنه ما طلق إلا هذه على القول في لحوق يمين التهمة، وقد اختلف في ذلك، فإن نكل عن اليمين طلقت عليه دون رد يمين، وقيل: بعد رد اليمين، وأما الأخرى التي زعم أنه أرادها فتطلق عليه على كل حال بإقراره أنه أرادها.
стр. 1943
[مسألة: المتناكحين صغيرين ينكحهم الأولياء ثم يبلغ فينكر]
مسألة قال: وسئل عن المتناكحين صغيرين، ينكحهم الأولياء، ثم يبلغ فينكر، قال: لا أدري، قيل: أفليس الميراث ثابتا بينهما إذا ماتا؟ فقال: بلى لعمري، وسئل عن الذي يزوج وليته قبل أن تبلغ ثم تبلغ فلا ترضى، قال: أرى أن يفسخ، ولا يجوز له أن ينكحها حتى تبلغ ما يبلغ النساء فيشاورها.
قال محمد بن رشد: قد مضى القول في هذه المسألة مستوفى في رسم شك في طوافه من سماع ابن القاسم، وتأتي في رسم لم يدرك من سماع عيسى وفي سماع أصبغ، والحمد لله.
[مسألة: تزوج امرأة فأذنت له بالدخول عليها قبل أن يعطيها صداقها]
مسألة وسئل فقيل له: إني تزوجت امرأة فأذنت لي بالدخول عليها والسكنى والمبيت معها قبل أن أعطيها صداقها وأنفق عليها وأستقي لها ماء، فأنا أضطجع معها إلى جنبها في اللحاف وتمنعني نفسها حتى أعطيها صداقها وليس عندي، فقال له: ذلك لها، أرضها من مهرها، استعن عليها ببعض جاراتها، فأما النفقة عليها فذلك لها عليك.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال أن من حقها أن تمنعه نفسها حتى تأخذ صداقها، وإن أذنت له بالدخول عليها والاضطجاع إلى جنبها؛ إذ كان من حقها أن تمنعه من ذلك كله حتى يعطيها صداقها فلا يلزمها منه إلا ما أباحته له ورضيت به، وقوله: استعن عليها ببعض جاراتها، يريد في التأخير أو الهبة إلا في ربع دينار من ذلك، إذ يكره له مالك الدخول دون أن يقدم لها من الصداق ربع دينار على ما يأتي له بعد هذا فيمن نكح بدين، أنه استحب له أن ينقد شيئا قبل الدخول، ومثل ما في آخر رسم استأذن ورسم أوصى، من سماع عيسى، وقد أجاز ذلك ابن المسيب وغيره ولم يروا فيه كراهة، وهو معنى قول
стр. 1944
الله : ﴿وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ﴾ [النساء: ٢٤] وهو عند مالك خفيف، وإنما كرهه من كرهه مخافة أن تهب له الصداق فيبقى البضع دون شيء، وأما قوله في النفقة: إنها لها عليه، فهو صحيح، إذ هي واجبة بحق الاستمتاع، فيلزمه إذا دعي إلى الدخول، وقد قيل: إنها تجب بالعقد، والأول هو المشهور في المذهب، والله الموفق للصواب.
[مسألة: تزوج امرأة على أن لا يمنعها من المسجد]
مسألة وسئل مالك عمن تزوج امرأة على أن لا يمنعها من المسجد، فقال: ينبغي له أن يفي لها بما قال، ولا يقضى بذلك عليه، فإن أبى أن يدعها فذلك له، وله أن يمنعها.
قال محمد بن رشد: وكذلك ينبغي له أن لا يمنعها من المسجد وإن لم تشترط ذلك عليه لأنه مندوب إليه بقول النبي ﵇: «لا تمنعوا إماء الله مساجد الله» وذلك عليه مع الشرط آكد لثلاثة أوجه: أحدها قول رسول الله ﷺ : «أحق الشروط أن تفوا بها ما استحللتم به الفروج» والثاني الوفاء بالعهد، إذ قد قال رسول الله ﷺ : «إن الخلف فيه من علامات النفاق» والثالث مراعاة الاختلاف، إذ قد ذهب جماعة من العلماء إلى أنها واجبة يقضى بها، روي عن ابن شهاب أنه قال: كان من أدركت من العلماء يقضون بها لقول رسول الله ﷺ : «أحق الشروط أن تفوا بها ما استحللتم به الفروج» والشروط في النكاح على مذهب مالك تنقسم على قسمين: قسم لا يفسد به النكاح، وقسم يفسد به النكاح، فأما ما كان منها لا يفسد به النكاح مثل أن يتزوجها على أن لا يتزوج عليها ولا يتسرى معها ولا يخرجها من البلد ولا يمنعها من المسجد، وما أشبه ذلك، فلا يخلو من أن تكون مطلقة أو مقيدة
стр. 1945
فإن كانت مطلقة غير مقيدة استحب للزوج الوفاء بها لقول رسول الله ﷺ : «أحق الشروط أن تفوا بها ما استحللتم به الفروج» ولم تلزمه، وإن كانت مقيدة، فلا تخلو من أن تكون مقيدة بتمليك أو طلاق أو عتاق، أو تكون مقيدة بوضع بعض الصداق، فأما إن كانت مقيدة بتمليك أو طلاق أو عتاق، فهي لازمة والنكاح جائز، وقيل: إن النكاح فاسد يفسخ قبل الدخول ويثبت بعده ويكون للمرأة صداق مثلها، وهو قول سحنون، وللخروج من هذا الخلاف تفقد الشرط عندنا في الصدقات على الطوع، وهذا إذا كانت التسمية في أصل العقد مع الشرط، وأما إن تزوجها نكاح تفويض على الشرط ثم سمى لها بعد ذلك الصداق، فلا اختلاف في أن النكاح جائز والشرط لازم، وأما إن كانت مقيدة بوضع بعض الصداق فقد مضى ما في ذلك من الاختلاف في الرسم الذي قبل هذا، فلا معنى لإعادته. وأما ما كان منها يفسد به النكاح فلا حد لها وبعضها أشد من بعض، من ذلك أن يتزوجها على أن لا ميراث بينهما أو على أن الطلاق بيدها أو على أن لا نفقة لها أو على أن الخيار لأحدهما، وما أشبه ذلك مما الحكم فيه إذا وقع مذكور في مواضعه من الكتاب، وسيأتي على ذلك كله إن شاء الله الكلام، وبالله التوفيق.
[مسألة: نكح نكاح سر بلا شهداء هل يطلقها طلقة أو يدعها بغير طلاق ويفسخ منه]
مسألة وسئل عمن نكح نكاح سر بلا شهداء أحب إليك أن يطلقها طلقة أو يدعها بغير طلاق ويفسخ منه؟ فقال: يطلقها طلقة ثم يدعها حتى تنقضي عدتها ثم يتزوجها.
قال محمد بن رشد: ليس الإشهاد من شروط صحة العقد، وإنما يجب عند الدخول، ومن تزوج ولم يشهد فنكاحه صحيح ويشهدان فيما يستقبلان إلا أن يكونا قصدا إلى الاستسرار بالعقد، فلا يصح أن يثبتا عليه لنهي رسول الله ﷺ عن نكاح السر، ويؤمر أن يطلقها طلقة كما قال مالك ﵀ لشبهة العقد، ثم يستأنف العقد معها بعد أن تستبرئ نفسها بثلاث حيض إن كان قد دخل بها، هذا الذي يؤمر به في نكاح السر من أتى مستفتيا
стр. 1946
فيه قبل الدخول وبعده، وأما من وجد مع امرأة في بيت فادعى أنه نكح نكاح سر فيفرق بينهما بطلقة لإقرارهما على أنفسهما بالنكاح، ويحدان إن أقرا بالوطء إلا أن يكون الدخول فاشيا أو يكون على العقد شاهد واحد فيدرأوا الحد بالشبهة، واختلف إذا شهد على النكاح شاهدان وأمرا بالكتمان فقيل: ذلك من نكاح السر ويفسخ قبل الدخول وبعده إلا أن يطول بعد الدخول فلا يفسخ ويكون فيه الصداق المسمى، وهو المشهور في المذهب، وقيل: النكاح صحيح لا فساد فيه، فيثبت قبل الدخول وبعده، ويؤمر الشهود بإعلان النكاح وينهوا عن كتمانه، وإلى هذا ذهب يحيى بن يحيى، وبالله التوفيق.
[مسألة: المرأة تزوج نفسها أو تزوجها امرأة أخرى]
مسألة وسئل عن المرأة تزوج نفسها أو تزوجها امرأة أخرى فقال: أرى أن يفرق بينهما، دخل بها أو لم يدخل، وأحب إلي أن تكون طلقة.
قال محمد بن رشد: هذا صحيح على ما اختاره ابن القاسم وأخذ به لرواية العتبية عن مالك من أن الطلاق والميراث يكون في كل نكاح اختلف الناس فيه، ومثله في رسم العرية من سماع عيسى وغيره خلاف ما اختاره سحنون من أن كل نكاح كان الزوجان مغلوبين على فسخه، فلا طلاق فيه ولا ميراث، وذلك كله في المدونة.
[مسألة: المرأة تنكح الرجل على أن لا يتسرر عليها ولا ينكح إلا بإذنها]
مسألة قال: وسئل عن المرأة تنكح الرجل على أن لا يتسرر عليها ولا ينكح إلا بإذنها، وإلا فأمرها بيدها، فيسألها أن تأذن له فتفعل فيقيم يطلب النكاح، ثم تنزع فتقول: قد رجعت فيما أعطيتك، ولم يعقد نكاحا ولا شيئا، قال: ذلك يختلف إن كانت أشهدت إني قد
стр. 1947
أبطلت عنه شرطي ووضعته له فذلك، وإن كانت أشهدت له في ذلك على امرأة واحدة، فذلك له.
قال محمد بن رشد: قد مضى القول في هذه المسألة مستوفى في أول رسم من سماع ابن القاسم، فلا معنى لإعادته، وسيأتي أيضا في رسم باع شاة من سماع عيسى، وفي سماع أصبغ هذا المعنى.
[مسألة: نكح امرأة بدين إلى أجل]
مسألة قال: وسئل عمن نكح امرأة بدين إلى أجل فقال: إني لأستحب أن ينقد شيئا، ولو فعل لجاز ذلك، ولكن أحب إلي أن يقدم شيئا.
قال محمد بن رشد: قد تقدم القول على هذا المعنى في هذا الرسم فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.
[مسألة: الدعوة إلى الوليمة]
مسألة وسئل عن الدعوة إلى الوليمة فقال: أرى أن يجيب إلا أن يكون له علة من مرض أو غيره، قيل له: أرأيت إن أخر ذلك إلى يوم السابع ثم دعا أيجب ذلك على من دعي؟ فقال: إني أرى أن يأتي، وليس ذلك مثل الوليمة لأنه ربما جعل الرجل الوليمة والسابع، قلت: أرأيت الذي يؤذن فيجيء فيقف ثم يستأذن وليست به علة ولا له حاجة؟ فقال: إني أرى أن يأتي فيبرك وينصرف، وإني ربما فعلت ذلك، قلت: أرأيت صاحب الوليمة يدعو إنسانا فيقول له: اذهب فانظر من لقيت فادعه، فيدعو الرجل، أهو في سعة من ترك إجابته؟ فقال: أرجو ألا يكون على هذا بأس أن لا يأتيها لأنه لا يعرفه بعينه ولم يتعمده.
стр. 1948
قال محمد بن رشد: قد مضى في رسم طلق بن حبيب من سماع ابن القاسم القول في وجوب إجابة الداعي إلى وليمة العرس خاصة وأنه لا سعة له في التخلف عنها إلا من عذر، وأنه في سعة من ترك الأكل فيها، فلا معنى لإعادة شيء من ذلك. وإنما افترقت الوليمة من غيرها من الأطعمة في وجوب الإتيان إليها لقول رسول الله ﷺ : «لا بد للعرس من وليمة» ، ولقوله لعبد الرحمن بن عوف «أولم ولو بشاة» ولقوله: «الوليمة حق والثاني معروف، والثالث سمعة ورياء» فإذا جعل الرجل الوليمة والسابع جميعا كان حقا على من دعي إلى الوليمة أن يأتي لأنه دعي إلى حق، وكان من دعي إلى السابع بخلاف ذلك إذ لم يدع إلى حق، وإنما دعي إلى معروف، فإن شاء أن يأتي وإن شاء أن يترك، وكذلك إن ترك الوليمة وفعل السابع لأنه ترك الحق وفعل المعروف، فلم يكن على من دعي إليه أن يجيب، وأما إن أخر الوليمة إلى يوم السابع فقال مالك: إني أرى أن يأتي، ولم ير ذلك مثل الوليمة، قال: لأنه ربما جعل الرجل الوليمة والسابع، ووجه تعليله تخفيف الإتيان بأنه ربما جعل الرجل الوليمة والسابع هو أنه لما كان الرجل قد يجعلهما جميعا، احتمل عنده أن يكون لم يؤخر الوليمة إلى يوم السابع، وإنما تركها وعمل السابع، ولو كان من عادة الناس في البلد ألا يولموا على أعراسهم إلا يوم السابع لوجب على من دعي إليها أن يأتيها لأنها هي الوليمة بعينها، وبالله التوفيق.
[مسألة: المرأة تنكح المحتاج قد عظمت حاجته فلا يجد ما ينفق عليها]
مسألة قال: وسألته عن المرأة تنكح المحتاج قد عظمت حاجته فلا يجد ما ينفق عليها، ثم تطلب النفقة هل ترى عليه نفقة؟ قال: ما أمر الناس إلا أن عليه النفقة إلا أن يكون بعض هؤلاء السؤال الذين يطوفون على الأبواب، فلا أرى لها عليه نفقة.
стр. 1949
قال محمد بن رشد: وقع في بعض الكتب: قد علمت حاجته، وما في الكتاب من قوله: قد عظمت حاجته، أصح في المعنى؛ لأن النفقة لو كانت واجبة لها على المحتاج الذي قد علم احتياجه إذا لم يكن سائلا لكان أحرى أن يجب لها عليه إذا كان سائلا لأن مسكنة الذي ليس بسائل أشد من مسكنة السائل على ما جاء في الحديث من قول النبي ﷺ : «ليس المسكين بهذا الطواف الذي يطوف على الناس» ، الحديث، وإنما لم يوجب لها على السائل الذي يطوف على الأبواب نفقة لأن حاله مشهور، فحملها على العلم بذلك بخلاف الذي ليس بسائل، فيرجع معنى الرواية إلى أنها إذا تزوجته وهي تعلم أنه فقير لا يقدر على الإنفاق فلا نفقة لها عليه كان سائلا أو لم يكن، وإلى أنها في السائل محمولة على العلم بحاله بخلاف الذي ليس بسائل، ويؤيد هذا التأويل قول ابن حبيب، قال: وإذا تزوجته وهو فقير لا شيء عنده، فقد عرفت أن مثله لا يجري النفقة على النساء، فليس لها بعد ذلك قول، وفي المدونة من قول يحيى بن سعيد ما يدل على أن الفقير لا نفقة عليه لزوجته، ومعناه إذا علمت بفقره، وهو قوله: إذا تزوج الرجل المرأة وهو غني ثم احتاج فلم يجد ما ينفق عليها فرق بينهما، وقال أبو الحسن القابسي: إذا ترك السائل التطواف كانت لامرأته حجة، وفرق بينهما، وقال محمد بن عبد الحكم: على الزوج الإنفاق على كل حال وإن كان سائلا يطوف بالأبواب، فرأى محمد بن عبد الحكم النفقة لها عليه واجبة وإن كانت مسكنته ظاهرة مشهورة بتطوافه على الأبواب، وهو أظهر، إذ قد يسأل وله مال، وقد يكون الفقير في الظاهر له مال في الباطن، فهي تقول: لولا أن له مالا لم يتزوجني إذ قد علم أن على الزوج أن ينفق على زوجته، وأما إذا لم تعلم بفقره فلا اختلاف في أن لها النفقة عليه، فإن لم ينفق طلقت عليه، وبالله التوفيق.
[مسألة: أصدقها ستين دينارا فقال أبوها نضع عنك عشرين على ألا تخرج بها]
مسألة قال: وسئل عمن خطب امرأة فواطأها على ستين دينارا صداقا،
стр. 1950
فلما أراد أن يتزوجها على ذلك قال له أبوها: هل لك أن نضع عنك عشرين دينارا ونزوجكها بأربعين دينارا على أن لها ألا تخرج بها من المدينة؟ فقال: نعم، وتزوجها على ذلك. ثم أراد الخروج بها فقال: ذلك له، وعليه العشرون دينارا التي وضع من صداقها لمكان الشرط، قيل له: إنه لم يقع النكاح بالستين، إنما كان مذاكرة، فقال: ولكن ذلك صداقها، وإنما الذي لا يكون له فيه شيء أن تقول: أتزوجك بمائتي دينار أضع عنك مائة على أن لا تخرجني، فهذا ليس بصداق، وله أن يخرجها ولا شيء عليه، قيل له: أرأيت إذا واطأها على ستين دينارا ثم وضعت له عشرين على أن لا يخرجها من بلدها، ثم طلقها قبل أن يمسها، أتأخذ منه نصف الصداق ثلاثين أم عشرين؟ فقال: لا بل لا تأخذ إلا عشرين، وليس لها في هذا حجة؛ لأنه قد تركها على ما شرط لها ولم يخرجها، فليس لها إلا نصف الأربعين، قال: وإني لأرى الوفاء لمن شرط لامرأته أن لا يخرجها حسنا ينبغي له أن يفعل، ولا أرى ذلك عليه، وإني لأكره أن ينكح على مثل هذا ألا يخرجها من بلدها ولا يمنعها من داخل يدخل عليها، ولا يمنعها من حج ولا عمرة ولا من الخروج، إذا كان هكذا فهو لا يملكها ملكا تاما، فأنا أكرهه كما أكره أن يشتري الرجل الجارية بشرط، وليس هكذا يكون النكاح.
قال محمد بن رشد: لم يختلفوا أن ما وضعت عنه بعد العقد من صداقها للشرط لها أن ترجع فيه إن لم يف لها بالشرط، وجعل هاهنا ما وضعت عنه مما تواطأوا عليه، وإن لم يتم العقد بمنزلة ذلك لها أن ترجع فيه إن لم يف لها بالشرط، قال محمد بن المواز: وذلك إذا كان الزوج قد رضي بما تواطأوا عليه، وأما إذا لم يكن من الزوج رضى إلا بما عقد بعضه ببعض فلا رجوع لها في شيء من ذلك، وقول محمد تتميم للمسألة وبيان لها، وهي مسألة صحيحة والوجه فيها أنها لم ترض أن تتزوج بما دون الستين التي قد
стр. 1951
رضي بها إلا على الشرط الذي شرطت عليه، فإذا لم يف لها بالشروط رجعت عليه بتمام الستين التي قد كان رضي بها دون شرط، وقد مضى في هذا الرسم القول في وجه استحسان مالك أن من شرط لامرأته شرطا لا يلزمه الوفاء به أن يفي به، فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.
[مسألة: أراد الخروج بامرأته إلى موضع يزعم أنه أرفق به وتأبى امرأته أن تتبعه]
مسألة وسئل عمن أراد الخروج بامرأته إلى موضع يزعم أنه أرفق به، وتأبى امرأته أن تتبعه، أذلك له؟ فقال: كيف حاله لها قبل أن يريد الخروج بها، ينظر إلى صلاحه وإحسانه إليها، ليس له أن يخرج بها إلى ثم ثُم يطعمها شوك الحيتان.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال، إنه إذا كان محسنا إليها ومن أهل الصلاح حكم له بالخروج بها، أحبت أم كرهت، وإن كان بخلاف هذه الصفة من الإساءة إليها والفساد في دينه، لم يُمَكَّن من الخروج بها إذا أبت أن تخرج معه لما تخشى من إضاعته لها لقلة رغبته فيها، وهو محمول على ما يوجب الخروج بها حتى يعلم خلاف ذلك، هذا الذي يقتضيه ظاهر قوله في كتاب إرخاء الستور من المدونة، والحر في هذا بخلاف العبد على ما قاله ابن القاسم في رسم الجواب من طلاق السنة، وبالله التوفيق.
[المرأة تجعل في أطراف رأسها الصوف تمسك به المشط]
ومن كتاب الجنائز قال: وسئل مالك عن المرأة تجعل في أطراف رأسها الصوف تمسك به المشط، قال: لا بأس بهذا، الشعر شعرها، لا بأس به.
قال محمد بن رشد: قوله: في أطراف رأسها، معناه في أطراف شعر رأسها، خرج مخرج قوله: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] يريد أهل القرية، ومعنى قوله: تمسك به المشط؛ أي تستبقي به أثر المشط في رأسها، وهو الترجيل، فتقيه بذلك من التشعث، فلم ير بذلك بأسا إذا كان الشعر شعرها لم تصله بشعر غيرها لأن
стр. 1952
هذا هو الذي جاء فيه الحديث بلعن الواصلة والمستوصلة، وبالله التوفيق.
[مسألة: المرأة تتزوج تريد التحليل لزوجها والذي تزوجها لم يرد ذلك]
مسألة وروى أشهب وابن نافع قالا: قيل لمالك: أرأيت إذا تزوجت المرأة وهي تريد التحليل لزوجها لذلك تزوجته إلا أن الزوج الذي تزوجها لم يرد ذلك ولم يعلم به أيحلها هذا النكاح لزوجها الأول؟ فقال: لا أرى بهذا النكاح بأسا، وأراه يحلها لزوجها الأول لأن المرأة ليس بيدها من هذا شيء، ليس تقدر على الطلاق، وقد تزوج المرأةَ النكاحَ الحسن، وهي تحب أن ترجع إلى زوجها الأول، فلا أرى بهذا بأسا لأنه ليس إلى المرأة من الطلاق شيء، وليس ذلك بيدها.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال: إن نية المرأة في نكاحها التحليل لزوجها لا يضرها ولا يؤثر في صحة النكاح ولا في وقوع التحليل إذ ليس بيدها من الطلاق شيء، ويدل على ذلك من الحديث قول النبي ﷺ لتميمة بنت وهب زوجة رفاعة إذ طلقها ثلاثا فنكحت بعده عبد الرحمن بن الزبير فاعترض عنها فناشدته الطلاق فطلقها فأتت النبي ﷺ فأخبرته بذلك فقال ﷺ : «أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك» ، وكذلك المطلق لا تؤثر نيته في النكاح ولا في وقوع التحليل به إذ لا مدخل له في إمساك الزوج الثاني ولا إلى طلاقه، وقد قال إبراهيم النخعي والحسن البصري: إذا هم أحد الثلاثة بالتحليل فسد النكاح، وهو بعيد جدا، وإنما يعتبر في ذلك نية الزوج الذي الطلاق بيده، فإذا تزوج الرجل المرأة المطلقة ثلاثا ونيته أن يحلها لزوجها احتسابا في ذلك وإن لم يكن بمواطأة بينه وبين الزوجة أو الزوج فهو نكاح فاسد لا تحل به المرأة لزوجها الذي طلقها بإجماع من مالك وأصحابه، قال ابن حبيب: وكذلك لو قال في
стр. 1953
نفسه: إن وافقتني أمسكتها وإلا كنت قد احتسبت في تحليلها كان نكاحا فاسدا لم يحل له المقام عليه ولا تحل به المرأة لزوجها الأول إذا خالطت نية الزوج شيئا من إرادة التحليل، واختلف في المذهب إذا تزوجها رجل قد كان حلف أن يتزوج على امرأته ليس يمينه هل يحلها هذا النكاح أم لا يحلها على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه يحلها كانت تشبه مناكحه فيبر في يمينه أو لا تشبه مناكحه فلم يبر في يمينه؛ لأنه نكاح صحيح لو شاء أن يقيم عليه أقام، وهو قول ابن القاسم وروايته عن مالك، والثاني: أنه لا يحلها كانت مما يشبه مناكحه فيبر في يمينه أو ممن لا تشبه مناكحه فلا يبر، وهو قول ابن دينار وأحد قولي ابن كنانة، والثالث: الفرق بين أن تكون تشبه مناكحه أو ممن لا تشبه مناكحه وهو أحد قولي ابن كنانة، ومن أهل العلم من قال: لا بأس أن يتزوجها ليحلها إذا لم يعلم الزوجان بذلك، وهو مأجور على ذلك، وهو قول ابن القاسم وسالم وربيعة ويحيى بن سعيد. وأما عقد النكاح على التحليل فلا اختلاف بين أهل العلم أن ذلك لا يجوز، وهو داخل تحت اللعنة، روي أن رسول الله ﷺ قال: «لعن الله المحلل والمحلل له» من رواية علي وابن مسعود وأبي هريرة وعقبة، وفي حديث عقبة: «ألا أدلكم على التيس المستعار؟ هو المحلل» وإنما اختلفوا في جوازه إذا وقع، فالذي ذهب إليه مالك وجميع أصحابه وأكثر أهل العلم أنه نكاح فاسد لا يحل المقام عليه يفسخ قبل الدخول وبعده، ويكون فيه الصداق المسمى، وقيل: صداق المثل، ومن أهل العلم من أجاز النكاح وأبطل الشرط، وبالله التوفيق.
[مرت به امرأة في الظلام يظنها امرأته فقال لها أنت طالق إن وطئتك الليلة]
من سماع عيسى بن دينار من عبد الرحمن بن القاسم
من كتاب نَقَدَهَا نَقْدها قال عيسى: قال ابن القاسم في رجل تزوج امرأة فنقدها
стр. 1954
نقْدها ثم أراد سفرا، فسأل أهلها أن يدخلوا عليه امرأته فأجابوه، فلما كان العتمة أدخلت عليه جارية " امرأته وامرأته ثيب، ثم سألوه أن يكف عن وطئها فقال: أنا أطأ امرأتي كل مملوك لي حر إن وطئتها الليلة وهو يشير إلى الجارية يظن أنها امرأته، ثم إنه وطئها تلك الليلة، فلما دخل عليه أهله إذا الجارية لا امرأته، فلما مضى لهم نحو من شهر إذا الجارية قد حملت وعليه لامرأته كل امرأة يتزوجها فهي طالق وكل جارية يتخذها فهي حرة وأمرها بيدها، قال ابن القاسم: أرى أن رقيقه أحرار ويلحق به الولد ولا تُقَوَّم الجارية عليه، ولا حد عليه ولا على الجارية، ولا طلاق عليه في امرأته ولا تمليك لها؛ لأنه لم يطأ جارية يملكها، ولا تمليك لها. وإن كانت المرأة لم تعلم بأمر الجارية وإنما أهلها صنعوا ذلك بغير علم منها رجعت على الزوج بقيمة الولد، ولم يرجع الزوج على الذين غروه ودلسوا له بشيء؛ لأنه لا يكون أسوأ حالا من الذي يغتصب الجارية فيبيعها فيتخذها المشتري أم ولد فيستحقها صاحبها فيأخذها ويأخذ قيمة ولدها، والمشتري لا يرجع على المغتصب بأكثر من الثمن الذي دفع إليه ولا يرجع عليه بما أدى من قيمة ولدها، وإن كان ذلك بعلم من المرأة فلا شيء لها عليه من قيمة الولد ولا تقوم عليه الجارية إلا أن يشاء هو ذلك، قيل: فإن لم تكن الجارية أخرجت إليه إلا أنهم سألوه أن يكف عن وطئها قبل أن يخرجوها فحلف بمثل تلك اليمن وليست هي حاضرة ثم أخرجت إليه فلا شيء عليه.
قال محمد بن رشد: قوله: أرى أن رقيقه أحرار خلاف قوله في أول هذا الرسم من كتاب الأيمان بالطلاق في الذي مرت به امرأة في ظلمة الليل فوضع يده عليها وهو يظن أنها امرأته، فقال لها: أنت طالق إن وطئتك الليلة وهو يرى أنها امرأته ثم وطئها تلك الليلة فقال: لا شيء عليه لأنه وطأ غير امرأته لأنه حلف أن لا يطأها وهو يشير إلى الجارية وهو يظن أنها امرأته،
стр. 1955
والقولان قائمان من كتاب العتق الأول من المدونة في الذي دعا عبدا له يقال له ناصح ليعتقه فأجابه مرزوق فقال له: أنت حر وهو يظنه ناصحا، والأظهر أنه لا شيء عليه في رقيقه فيما بينه وبين الله تعالى على ما قاله في مسألة العتق ولا في القضاء والحكم أيضا إذا ثبت البساط المذكور في المسألة. وقوله: ولا تقوم عليه الجارية خلاف ما حكى ابن حبيب في الواضحة عن ابن الماجشون في الذي يزوج الرجل ابنته فيحبسها ويبعث إليه بأمته فيصيبها من أنها تقوم عليه لأنه وطئها على شبهة درأ بها عنه الحد بمنزلة الذي يحل له الجارية، وقول ابن القاسم أظهر لأن الذي حللت له الجارية فعل ما لا يجوز له لمن وطئها فكان ذلك منه رضى بالتزام قيمتها، وهذا لم يتعد في وطء هذه الجارية وإنما وطئها وهو يرى أنها امرأته، فوجب أن لا يكون عليه في ذلك شيء من حد ولا قيمة لقول النبي ﵇: «تجاوز الله لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» ، ولم ير على الجارية حدا لأنه عذرها بالملك فجعلها من أجله في حكم المكرهة على أصله في سماعه من كتاب الحج في المحرم يطأ جاريته وهو محرم أن عليه أن يحجها ويهدي عنها أكرهها أو لم يكرهها، قال: وليست الأمة في الاستكراه مثل الحرة، وقال ابن الماجشون: إنها تحد إلا أن تقول لم أعلم وظننت أنكم زوجتموني منه، وعلى الذي أدخل عليه الجارية النكال الموجع من الإمام، وسائر ما ذكر في المسألة صحيح بين المعنى لا اختلاف فيه ولا إشكال في شيء من معانيه، وبالله التوفيق.
[مسألة: الذي يصيبه البرص أيفرق بينه وبين امرأته]
مسألة وسئل عن الذي يصيبه البرص أيفرق بينه وبين امرأته؟ قال: إن جاء من ذلك أمر ضرر يعرف أنه لا يستطاع أن يقام عليه فرق بينه وبينها. وإن كان خفيفا فليس ذلك لها، والبرص عند ابن القاسم خفيف، قال ابن القاسم: وأما الجذام البين فإنه يفرق بينه
стр. 1956
وبينها، وكذلك قال مالك.
قال محمد بن رشد: قد مضى في رسم البز من سماع ابن القاسم القول في حكم البرص يقربه أحد الزوجين أو يحدث به بعد العقد فلا معنى لإعادة ذلك، وأما الجذام البين فسواء كان بالزوج من قبل العقد أو حدث به بعد العقد فيما يجب للزوجة من أن يفرق بينها وبينه، فإن فرق بينهما قبل الدخول لم يكن لها شيء من الصداق، وإن فرق بينهما بعد الدخول كان لها جميع صداقها، وإن رجي برؤه لم يفرق بينهما إلا بعد أن يضرب له أجل لعلاجه، قاله ابن القاسم في المدونة. ولأشهب في سماع زونان أنه لا يفرق بينهما إلا أن يكون متفاحشا لا يحتمل النظر إليه وتغض الأبصار دونه، ومعنى ذلك إذا كان حادثا فلا اختلاف في وجوب التفرقة بينهما بالجذام الذي يكون بالزوج، قبل العقد إذا كان بينا وإن لم يكن متفاحشا، فإن رضيت بالمقام معه ثم أرادت بعد ذلك القيام عليه ففي ذلك ثلاثة أقوال: أحدها: أن ذلك ليس لها إلا أن يزيد، وهو قول ابن القاسم في رسم الجواب بعد هذا، والثاني: أن ذلك ليس لها وإن زاد، وهو دليل قول ابن وهب في سماع زونان قوله فيه إنه يفرق بينهما وإن لم يكن مؤذيا ولا فاحشا لأنه يزيد ولا تؤمن زيادته وانتقاصه، والثالث: أن ذلك لها وإن لم يزد، وهو ظاهر قول أشهب في سماع زونان، قاله في الفاحش على أصله في أنه لا يفرق بينهما إلا فيه، وأما إذا كان الجذام بالمرأة، فإن كان قديما قبل العقد كان للزوج ردها به إذا كان بينا وإن لم يكن فاحشا، وإن كان حادثا بعد العقد فهي مصيبة نزلت بالزوج، إن شاء طلق ويكون عليه نصف الصداق قبل الدخول وجميعه بعد الدخول، وإن شاء أمسك. وأما الجنون بالزوج فسواء أيضا كان به قديما قبل العقد أو حادثا بعده من حق الزوجة أن يفرق بينه وبينها به بعد أن يضرب له أجل سنة لتداويه، قيل: وإن كان يعفيها من نفسه ولا يخاف عليها منه، وهو قول ابن القاسم وروايته عن مالك في رسم باع شاة من سماع عيسى بعد هذا، وقيل: بل إذا كان لا يعفيها من نفسه ويخاف عليها منه، وهو قول ابن وهب وأشهب في سماع زونان وقول ربيعة في النكاح الثاني من المدونة، فإن فرق
стр. 1957
بينهما قبل الدخول لم يكن لها شيء من الصداق. وأما الجنون بالمرأة فإن كان قديما قبل العقد كان للزوج ردها به، وإن كان حادثا بعده فهي مصيبة نزلت بالزوج، إن شاء طلق، وإن شاء أمسك، ويكون عليه نصف الصداق قبل الدخول وجميعه بعد الدخول، والحمد لله.
[مسألة: أيتزوج الرجل الحر أمة وهو يجد طولا]
مسألة وسئل مالك أيتزوج الرجل الحر أمة وهو يجد طولا؟ قال: نعم
قال محمد بن رشد: قال ابن القاسم بعد هذا [في هذا] الرسم: لا بأس أن يتزوجها وإن كان لا يخاف على نفسه عنتا وهو واجد للطول، وهو المشهور عند ابن القاسم، والمشهور عن مالك أنه لا يجوز له أن يتزوجها إلا مع عدم الطول وخوف العنت، وهذا الاختلاف جار على الاختلاف في القول بدليل الخطاب، فمن رأى القول بدليل الخطاب لم يبح نكاح الأمة للحر إلا بالشرطين، ومن لم ير القول به أباح ذلك له دون الشرطين، والعلة في المنع من ذلك إلا بالشرطين عند من رأى القول بدليل الخطاب الكراهة للحر في أن ينكح نكاحا يرق فيه ولده، فعلى هذا إذا تزوج الحر أمة من يعتق عليه ولده منها أو كان ممن لا يولد له كالحصور وشبهه جاز نكاحه مع عدم الشرطين لعدم علة المنع قولا واحدا كالعبد، فعلى القول بأن الحر يتزوج الأمة وإن كان واجدا للطول آمنا من العنت لا كلام للحرة إن تزوج الأمة عليها أو تزوجها على الأمة لأن الأمة على هذا القول من نسائه كالعبد، هذا الذي نزل عليه ألفاظ المدونة. وقد تأول أبو إسحاق التونسي أن الحق في ذلك للحرة على كلا القولين جميعا سواء، وهذا إنما يصح على قول ابن الماجشون الذي يرى الخيار للحرة إذا تزوج العبد عليها الأمة أو تزوجها على الأمة، وقد اختلف على القول بالمنع إلا مع الطول في الطول ما هو؟ فقيل: الصداق والنفقة، وقيل:
стр. 1958
الصداق وحده طول وإن عجز [أيضا] عن النفقة، واختلف أيضا في الحرة تكون عنده هل هي طول تمنعه من نكاح أمة، واختلف على القول بأنها طول إن تزوج أمة ثم وجد طولا، فقيل: إنه يفارق الأمة ويتزوج حرة، وقيل: بل يبقى معها إلا أن يتزوج حرة فيفارقها، وقيل: بل يبقى معها وإن تزوج حرة لأنه قد تقدم تزويجه إياها بوجه جائز، وأما إن ذهب عنه خوف العنت بتزويج الأمة فليس عليه مفارقتها قولا واحدا، وبالله التوفيق.
[مسألة: المرأة البكر أو غير البكر تعطي الرجل دنانير على أن يتزوجها بها]
مسألة وسئل عن المرأة البكر أو غير البكر تعطي الرجل دنانير على أن يتزوجها بها، قال: إن كانت ثيبا فزادها على ما أعطته ربع دينار فصاعدا فلا بأس به، وإن كانت بكرا فسخ النكاح إلا أن يتم لها الصداق، إذا لم يدخل بها [لأن أصل النكاح صحيح] وأما إذا دخل بها ألزم الصداق وكان لها صداق مثلها، رجع ابن القاسم ثم قال: النكاح ثابت دخل بها أو لم يدخل، وإن كانت بكرا كان عليه أن يعطيها من ماله مثل الذي أصدقها من مالها، وإن كانت ثيبا فأعطاها من ماله ربع دينار لم يكن عليه أكثر من ذلك.
قال محمد بن رشد: أما الثيب فإن زادها على ما أعطت ربع دينار فأكثر جاز النكاح لأنها مالكة أمر نفسها فعطيتها له جائزة، والرضى بالصداق إليها، فقد رضيت بما زادها على ما أعطته صداقا، وإن زادها أقل من ربع دينار على ما أعطته كان بمنزلة من تزوج بأقل من ربع دينار يكون مخيرا على مذهب ابن القاسم في المدونة قبل الدخول بين أن يتم لها ربع دينار أو يفسخ النكاح، ويلزمه بعد الدخول تمام ربع دينار، ويفسخ قبل الدخول ويثبت
стр. 1959
بعده بصداق المثل على قول غيره فيها، وإن لم يزدها شيئا إن كان الذي أعطته أكثر من الذي زوجها به كان بمنزلة من نكح على أنه لا صداق عليه يفسخ قبل الدخول وبعده كالموهوبة، وقيل: يفسخ قبله ويمضي بعده بصداق المثل على حكم النكاح الفاسد لصداقه، وأما البكر فسواء زادها على ما أعطته شيئا أو لم يزدها لا يجوز ذلك له لأنها مولى عليها لا تجوز عطيتها، واختلف قول ابن القاسم فيما يلزمه، فمرة قال: النكاح ثابت لا خيار له فيه دخل أو لم يدخل، ويؤخذ منه من ماله مثل ما كان أصدقها من مالها، ووجه ذلك أنها قد استحقت ما كان أصدقها فوجب أن ترجع عليه بمثله، كالعبد يعطي الرجل دنانير ليشتريه بها من سيده فيشتريه ولا يستثنى [من] ماله، وهو قوله الذي رجع إليه هاهنا، ومثله بعد هذا في سماع سحنون، ومرة قال: إن كان قبل الدخول كان مخيرا بين أن يعطيها من ماله مثل ما كان أصدقها من مالها وبين أن يفسخ النكاح، وإن كان بعد الدخول كان لها صداق مثلها، ووجه هذا القول أن أصل النكاح صحيح لأنه لم يقع إلا بصداق غير أن الزوج لو علم أن العطية لا تمضي له لم يرض أن يبذل هذا الصداق من ماله، فلا يلزمه بعد الدخول إلا صداق المثل، ويفسخ النكاح قبل الدخول إلا أن يرضى أن يعطيها من ماله مثل ما كان أصدقها، وبالله التوفيق.
[مسألة: يخطب المرأة فتأبى عليه إلا أن يجعل طلاقها في طلاق صاحبتها]
مسألة وسئل عن الرجل تكون له المرأة فيخطب فتأبى عليه إلا أن يجعل طلاقها في طلاق صاحبتها فيرضى فيدخل بها ثم يطلق الأولى، قال: إن كان إنما أراد طلاقها في طلاق صاحبتها أنه إن طلقها فصاحبتها طالق فلا شيء عليه إن طلق الأولى، وإن لم تكن له نية فهما جميعا طالقتان لأن المرأة إذا تزوجت إنما تشترط أنك إن طلقتني فصاحبتي طالق، فهذا وجه ما يعرف، فإن كان هذا الذي أراد فلا شيء عليه، وإن لم ينو شيئا من ذلك فهما جميعا طالقتان.
стр. 1960
قال محمد بن رشد: حمل يمينه على ما يقتضيه اللفظ إذا لم تكن له نية ولم يراع المعنى الذي هو معروف من قصد المرأة في شرطها، وهذا أصل مختلف فيه، والأظهر مراعاته، فيجب على ذلك إن لم تكن له نية ألا شيء عليه وأن لا يكونا جميعا طالقتين إلا أن يكون أراد أنه إن طلق صاحبتها فهي طالق، وبالله التوفيق.
[مسألة: الرجل الحر الذي لا زوجة له أينكح الأمة وهو يجد طولا لحرة]
مسألة وسئل عن الرجل الحر الذي لا زوجة له أينكح الأمة وهو يجد طولا لحرة أو لا يجد ولا يخاف على نفسه عنتا، قال: لا بأس بذلك.
قال محمد بن رشد: قد مضى القول في هذه المسألة قبل هذا في هذا الرسم، فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.
[مسألة: تزوج أمة على أنه إن تزوج عليها أو تسرر فأمرها بيد مولاها فهلك مولاها]
مسألة وسئل عن رجل تزوج أمة على أنه إن تزوج عليها أو تسرر فأمرها بيد مولاها فهلك مولاها، قال: ما أرى بيدها شيئا وأرى ورثته بمنزلته أو وصيه إن كان ورثته صغارا.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة صحيحة لأن الشرط يورث في الأمة إذا جعله إلى مولاها بخلاف الحرة لأن الأمة ملك، فإذا جعل الأمر بيد مولاها فمولاها كل من انتقل إليه الملك بميراث، وكذلك كل مشيئة تكون في ملك فهي تورث، ولو جعل الأمر بيد غير مولاها فهلك لم يكن بيد ورثته من ذلك شيء، ولرجع الأمر إليها لأن الشرط إنما أخذ لها على معنى ما حكى ابن القاسم عن مالك في كتاب بيع الخيار من المدونة إذا جعل الأمر بيد الأمة فماتت وإن كان لم يتبين ذلك منه، ولو أوصى بذلك إلى أحد لجازت وصيته بذلك، قاله مالك بعد هذا في رسم استأذن. وفي كتاب بيع الخيار من المدونة
стр. 1961
خلاف [هذا من] رواية علي بن زياد عنه فيه، وبالله التوفيق.
[مسألة: أمة تحت حر ولدت أولادا له وأرادوا بيعها وولدها فقال زوجها أنا آخذها]
مسألة وقال مالك في أمة تحت حر ولدت أولادا له وأرادوا بيعها وولدها فقال زوجها: أنا آخذها، قال مالك: أنا أرى أنه أحق بها بما أعطوا بها لأن في ذلك خيرا يعتق ولدها ولا أرى به بأسا.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال: لأن الزوج إذا أراد أن يأخذهم بالثمن الذي أعطوا بهم فبيعهم من غيره بذلك الثمن إضرار بالولد في غير منفعة تصير إليهم، فلا يمكنون من ذلك إذ لا مضرة عليهم في بيعهم من الزوج ولا منفعة لهم في بيعهم من سواه، ولو باعوها وحدها دون ولدها لم يكن أحق بها بما يعطى فيها إلا أن تكون حاملا إذ لا تكون له أم ولد إذا اشتراها وإن كانت قد ولدت منه قبل الشراء إلا أن يشتريها وهي حامل منه، وفي ذلك اختلاف قد روي عن مالك أنها لا تكون له أم ولد حتى يكون أصل الحمل بعد الشراء. ومثل هذا في رسم اغتسل من سماع ابن القاسم من كتاب العتق وفي غير ما موضع، وكذلك يجب في كل شيء مشترك لا شفعة فيه إذا باع بعض الأشراك أنصباءهم أن يكون لمن بقي منهم أن يأخذ ذلك بالثمن الذي يعطى فيه ما لم ينفذ البيع، والله الموفق.
[رجل ملك ابنته رجلا فسأله أن يخلي له مع امرأته فقال له الأب نعم]
ومن كتاب أوله
استأذن سيده في تدبير جاريته قال: وسألت ابن القاسم عن رجل ملك ابنته رجلا فسأله أن يخلي له مع امرأته، فقال له الأب: نعم، فذهب أبوها إلى رجل فسأله ابنته أن يخليها مع ختنه ففعل فخلا بها فافتضها، قال: إن كانت طاوعته ضربت الحد ولا صداق لها، وإن كان استكرهها كان لها
стр. 1962
الصداق على أبوي الجارية المملكة إلا أن لا يكون عندهما شيء فيكون ذلك لها على الذي افتضها إن كان موسرا ويتبع هو أبوي الجارية، وعلى أبوي الجارية المملكة وأبوي الجارية المستكرهة النكال على كل حال.
قال محمد بن رشد: قال في المدونة: إن الصداق على الذي افتضها ويرجع الذي افتضها على الذي غره، وهو القياس، وما هنا استحسان لأنا إذا قضينا لها بالصداق على الذي افتضها أعدينا الذي افتضها بذلك على الذي غره، فالقضاء لها بالصداق على الغار أولى من أجل أنه أقل عناء، والذي يوجبه النظر الصحيح أن تكون مخيرة في اتباع من شاءت منهما لأن الذي افتضها غريمها والغار غريم غريمها، فلها أن ترجع عليه بما لغريمها أن يرجع عليه، وسائر قوله في المسألة صحيح لا وجه للقول فيه، وبالله التوفيق.
[مسألة: عن الرجل ينكح ابنته رجلا ويشترط عليه إن تزوج عليها فأمرها بيدها]
مسألة قال: وسألت ابن القاسم عن الرجل ينكح ابنته رجلا ويشترط عليه إن تزوج عليها فأمرها بيدها، وذلك من صداقها، فتضع المرأة صداقها عن زوجها، هل ترى الشرط قد وضع عن زوجها بوضع الصداق عنه؟ وهل للمرأة قضاء في ذلك الشرط مع أبيها ما كان حيا؟ أو هل للأب أن يسنده إلى أحد إذا مات؟ أو هل بيد المرأة من ذلك الشرط شيء، إن لم يسنده أبوها إلى أحد؟ قال ابن القاسم: أما قولك ذلك من صداقها فذلك باطل ولا يوضع عنه الشرط بوضع الصداق وذلك بيد أبيها، فإن تزوج فأراد الأب أن يطلق وأرادت هي الإقامة مع زوجها نظر في ذلك، فإن كان الذي أرادت من ذلك هو حظها وهو خير لها لم يكن للأب أن يطلق، وإن كان الذي أراد أبوها من الفراق هو حظها وهو خير لها كان القضاء
стр. 1963
في ذلك، قضاء أبيها ولم يقبل لها قول؛ لأني سمعت مالكا يسأل عن الرجل يجعل أمر امرأته بيد أبيها إن لم يأت إلى أجل سماه، فحل الأجل ولم يأت فأراد أبوها أن يطلق، وقالت المرأة: لا أحب فراق زوجي فقال مالك: القول في ذلك قولها، ويمنع أبوها من الفراق، وإن مات أبوها وأسند ذلك إلى أحد كان ذلك له وكان في ذلك بمنزلة أبيها، قال: وإن مات ولم يسنده إلى أحد فليس بيدها من ذلك شيء، وفي سماع [أبي محمد] يحيى قال ابن القاسم: وإن طلق الأب قبل أن يمنعه السلطان مضى الطلاق، وإن طلق بعد منع السلطان فلا يجوز.
قال محمد بن رشد: قال ابن القاسم في الذي اشترط على زوج ابنته إن تزوج عليها فأمرها بيدها إنه إن تزوج عليها فأراد الأب أن يفرق بينهما وأرادت هي البقاء مع زوجها إن السلطان ينظر في ذلك، فمن رأى الحظ في إرادته منهما كان القضاء قضاءه الأب كان أو الابنة، ولم يقل كما قال مالك في الذي جعل أمر امرأته بيد أبيها إن لم يأت إلى أجل سماه إنه إن لم يأت إلى الأجل فأراد الأب أن يفرق بينهما وأرادت هي البقاء مع زوجها إن القول في ذلك قولها ويمنع أبوها من الفراق، والوجه فيما ذهب إليه إنه جعل لاشتراط الأب على زوج ابنته أن أمرها بيده إن تزوج عليها حقا فلم ير أن يخرج من يده إلا بنظر السلطان لأنه يقول: أنا أعلم أنه إنما تزوج عليها إرادة الإضرار بها من حيث لم تعلم هي، ولذلك شرطت أن أمرها بيدي فوجب أن ينظر السلطان في ذلك، بخلاف جعل الزوج ذلك بيده دون أن يشترط عليه؛ لأنه إذا لم يشترطه عليه فإنما فعله لزوجته لا له، فكانت أحق بالقضاء في ذلك منه، والله أعلم، ولا فرق بين المسألتين إلا من جهة الشرط. وقوله: إنه إن مات فأسند ذلك إلى أحد كان ذلك له هو مثل ما له في كتاب بيع الخيار من المدونة خلاف رواية علي بن زياد عنه في ذلك فيه،
стр. 1964
وقوله: وإن مات ولم يسنده إلى أحد فليس بيدها من ذلك شيء خلاف ما حكى عنه ابن القاسم في كتاب بيع الخيار من المدونة لأنه قال فيه. فكأني رأيت مالكا رأى ذلك لها، أو قال ذلك لها ولم أتبينه، وبالله التوفيق.
[مسألة: أصدقها مائة دينار فدخل بها قبل أن يقدم إليها شيئا أيحال بينه وبين وطئها]
مسألة قال عيسى: قلت له: فلو كان فرض مائة دينار أو نحوها فدخل بها قبل أن يقدم إليها شيئا، أيحال بينه وبين وطئها حتى يقدم إليها أدنى ما ينكح به؟ فقال: يقال أعطها ربع دينار ولا يجتنب مسيسها بعد أن دخل بها.
قال محمد بن رشد: قوله: يقال أعطها ربع دينار ولا يجتنب مسيسها بعد أن دخل بها كلام متناقض فليس على ظاهره، ومعناه: الإنكار أن يكون عليه أن يعطيها ربع دينار قبل أن يعود إلى مسيسها، وتقديره: أيقال له أعطها ربع دينار وهو ليس عليه أن يجتنب مسيسها أي ليس يقال له ذلك، وكذلك في سماع أبي زيد أن ذلك يكون دينا عليه ولا يكف عن وطئها، ومحمد بن المواز يرى الوطء الثاني كالأول فيكره له التمادي على الوطء حتى يعطيها ربع دينار [ولها عنده أن تمنعه نفسها حتى يعطيها ربع دينار، وإن كانت قد أذنت له في الدخول عليها فدخل، وهو إغراق؛ لأن الدخول بها قبل أن يقدم إليها شيئا من صداقها ليس بحرام، وإنما يكره مخافة أن تهب له بعد ذلك الصداق فيكون قد استحل فرجها بلا صداق، فإذا دخل فقد فات الأمر وذهب موضع الكراهية، ولو أذنت له بالدخول عليها قبل أن يدفع إليها من صداقها شيئا لما كان له أن يدخل حتى يقدم إليها من صداقها ربع دينار، ولكان لها أن تمنعه من ذلك أيضا لأن الكراهة في ذلك حق لله تعالى، فلا يلزمها الإذن فيما زاد على ربع دينار، وقد مضى هذا في رسم الطلاق الثاني
стр. 1965
والثالث من سماع أشهب، ويأتي في رسم أوصى ورسم يوصي ورسم العشور من سماع عيسى وفي سماع أبي زيد، وبالله التوفيق لا رب غيره ولا معبود سواه.
[مقدار ما كان يتوضأ به رسول الله ﷺ ويغتسل]
ومن كتاب العرية قال ابن القاسم وسفيان بن عيينة: الفرق ثلاثة آصع.
قال محمد بن رشد: زاد في سماع أصبغ من كتاب الوضوء وهو الذي كان يتوضأ منه رسول الله ﷺ ويتطهر، وهو المعنى المقصود إليه، وقد مضى هنالك القول في صفته وتسميته ومبلغ ما يحمل من الماء ووجه تخريج ما يعارض ظاهره من الآثار في مقدار ما كان يتوضأ به رسول الله ﷺ ويغتسل مستوفى، فمن أحب الوقوف من ذلك على الشفاء تأمله هناك، ولا وجه لإعادته هنا إذ ذلك الموضع به أليق وأولى، وبالله التوفيق.
[مسألة: زوج ابنه في صحته فحمل عنه الصداق في ماله ثم مات]
مسألة قال: وكل من زوج ابنه في صحته فحمل عنه الصداق في ماله أو زوج ابنته في حياته أجنبيا أو قريبا فحمل صداقها في ماله ثم مات أن ذلك يكون في ماله من رأس المال ولا يحاسب به الابن ولا الابنة في موروثهما منه ويحاصان الغرماء في الموت، وإن حمل ذلك عنهما في المرض لم يجز في شيء منهما من ماله وخير ابنه فإن شاء بنى وغرم الصداق، وإن شاء فارق ولا شيء عليه إذا لم يكن دخل، وإن دخل اتبع به دينا، قلت: وكذلك الأجنبي الذي زوجه ابنته في مرضه وحمل عنه الصداق إن دخل غرم، وإن شاء فارق ولا شيء عليه إذا لم يكن دخل؟ قال: نعم، وإنما هيج هذه المسألة ابن أبي حسان في رجل قال في مرضه لابن أخيه قد وصلتك بابنتي فإنه إن قبل زوج وخفف عنه من الصداق بقدر ما يرى مما أراد من التخفيف عنه.
следующие страницы →