Полный текст (9 112 стр.). Показаны 2171–2210 · переход к 2176.
стр. 2171
[مسألة: الرجل يزوج ابنه صغيرا بشروط فيها طلاق أو عتاق]
مسألة وسئل ابن وهب عن الرجل يزوج ابنه صغيرا بشروط فيها طلاق أو عتاق، إن ذلك لازم للابن وإن كبر؛ لأنه وطئ عليه، وأنه لا يفسخ النكاح لذلك، دخل أو لم يدخل، والشروط لازمة له؛ لأن أباه الناظر له.
قال محمد بن رشد: إلزامه الشروط التي شرط عليه أبوه وهو صغير، خلاف مذهب ابن القاسم فيما يأتي بعد هذا السماع، وخلاف ما حكى عنه ابن حبيب من رواية أصبغ، وعن ابن الماجشون، من أنها لا تلزمه إلا أن يلتزمها بعد البلوغ، فإن أبى من التزامها لم يلزمه النكاح، ولا شيء من الصداق، إلا أن ترضى المرأة بإسقاط الشروط عنه، فيلزمه النكاح، فإذا دخل بها قبل البلوغ أو قبل العلم بالشروط سقطت عنه، وإن دخل بها بعد البلوغ، وبعد أن علم بالشروط لزمته. وفي كتاب محمد بن المواز عن ابن القاسم من رواية أصبغ عنه إنه إن لم يرض قبل البناء بالشروط، قيل له: إما أن ترضى وإما أن تطلق، فإن طلق فعليه نصف المهر. وهذا إذا اعتبرته من قول ابن القاسم مثل قول ابن وهب، ومثل قول ابن الماجشون، في الذي يزوج ابنه الصغير ولا مال له، فيكتب الصداق عليه، إن ذلك لازم له. وقد مضى ذلك في رسم "باع شاة" من سماع عيسى.
[مسألة: رجل يزعم لقوم أنه من فخذ من العرب فيوجد من غير ذلك الفخذ]
مسألة وعن رجل يزعم لقوم أنه من قريش، أو من فخذ من العرب، فيوجد من غير ذلك الفخذ. قال ابن القاسم: إن كان مولى فالمرأة بالخيار، إن شاءت أقامت وإن شاءت فارقت، إذا كانت عربية، وأما إن كان عربيا وهو من غير القبيل الذي سمّى، فلا أرى لها خيارا، وأراها امرأته، إلا أن تكون قرشية، تزوجت على أنه من
стр. 2172
قريش، فإذا هو من العرب، أو تكون عربية، تزوجت على ادعائه، فذلك لها.
قال محمد بن رشد: اضطرب قول ابن القاسم في هذه المسألة؛ لأن قوله في أولها: إذا كانت عربية، يدل على أنها إذا كانت مولاة فتزوجته على أنه من قريش أو من العرب، فوجد من الموالي، فلا خيار لها من أنها إذا كانت من العرب فتزوجته على أنه من قريش فوجد من العرب فلم ير لها على هذا خيارا بما شرطت، إلا أن يوجد الزوج أدنى منها، مثل أن تكون من العرب فتزوجته على أنه من العرب أو من قريش، فيوجد من الموالي، أو تكون من قريش، فتتزوجه على أنه من قريش، فيوجد من الموالي أو من العرب. وقوله في آخرها: أو تكون عربية تزوجت على ادعائه، يريد تزوجته على أنه من قريش، فوجد من العرب، فلها الخيار، خلاف قوله أولا إذ جعل لها الخيار إذا وجدته أدنى مما شرطت وإن كان مثلها ولم يجعل لها أولا خيارا بما شرطت، إلا أن يوجد أدنى منها، ويلزم على قوله آخرا إذا كانت مولاة فتزوجته على أنه من قريش، فوجدته من العرب أو من الموالي، أو على أنه من العرب، فوجدته من الموالي أن يكون لها الخيار، وهو أظهر على قياس قولهم فيمن ابتاع عبدا على أنه من جنس، فوجده من جنس آخر أدنى من ذلك الجنس، فتحصيل هذا أنه إذا وجدته أفضل مما شرطت لم يكن لها خيار، وإن وجدته أدنى مما شرطت، وأدنى منها فلها الخيار، وإن وجدته أدنى مما شرطت وهو أرفع منها أو مثلها ففي ذلك قولان: أحدهما أن لها الخيار، والثاني لا خيار لها، وهما قائمان من هذه الرواية، على ما بيناه. وإذا وجب لها الخيار فاختارت نفسها قبل الدخول، فهي تطليقة بائنة ولا شيء لها من الصداق، وإن لم تعلم حتى دخل بها، فاختارت نفسها بعد الدخول، فهي تطليقة بائنة أيضا إن لها جميع صداقها؛ لأنها قد استوجبته بالمسيس. وكذلك الحكم في الرجل يتزوج المرأة على أنها من قريش أو من العرب، فتوجد على غير ذلك، يكون للرجل الرد، حيث يكون للمرأة الخيار وبالله التوفيق.
стр. 2173
[مسألة: يتزوج المرأة ثم يجدها لغية]
مسألة وعن الرجل يتزوج المرأة ثم يجدها لغية إنها إن كانت حين خطبها انتسبت له، فقالت: أنا فلانة ابنة فلان، فإني أرى النكاح مفسوخا، فإن كان دخل بها فلها صداقها بما استحل منها قبل، فإن كان ذلك إنما هو في أبيها وجَدّ أبيها لغية، هل يفسخ النكاح عنه؟ قال: لا أرى أن يفسخ بذلك، وليس هو في أبيها بمنزلته فيها، والرجل أيضا إذا انتسب للمرأة وغرها بتلك المنزلة.
قال محمد بن رشد: قوله: فإني أرى النكاح مفسوخا، معناه إن له أن يفسخه عن نفسه، فلا يلزمه شيء من الصداق إن كان قبل الدخول، ويكون الفسخ فيه تطليقة؛ لأنه نكاح فاسد، فيكون مفسوخا بالحكم. وقوله: إذا كان دخل بها فلها صداقها ما استحل منها، خلاف المعلوم من قولهم: إن له أن يرجع عليها؛ لأنها غرته إذا انتسبت له، ويترك لها من صداقها قدر ما يستحل به الفرج، وإنما يكون لها صداقها بما استحل منها، إذا كان وليها الذي أنكحها هو الذي نسبها له، وغره منها، فيكون هو الذي يجب الرجوع عليه، والأصل في هذا قول عمر بن الخطاب ﵁: أيما رجل تزوج امرأة وبها جنون أو جذام فمسها فلها صداقها كاملا، وذلك لزوجها غرم على وليها. قال مالك: وإنما يكون ذلك غرم على وليها إذا كان وليها الذي أنكحها أبوها أو أخوها أو من يرى أنه يعلم ذلك منها، فأما إن كان وليها الذي أنكحها ابن عم، أو مولى، أو من العشيرة ممن يرى أنه لا يعلم ذلك منها فليس عليه غرم، وترد المرأة ما أخذت من صداقها، ويُترك لها قدر ما تستحل به. وقوله: والرجل أيضا إذا انتسب للمرأة وغرها بتلك المنزلة، يريد: أنها إذا تزوجته على نسب فوجدته لغية، فلها الخيار وإن كانت مولاة، وإن كانت هي لغية، فتزوجته على نسب، فوجدته لغية، فعلى ما تقدم من الاختلاف في المسألة التي قبل هذه.
стр. 2174
[مسألة: يجعل بضع ابنته بيد أخيه هل ينكحها العم بغير إذن الأب]
مسألة وقال: في الرجل يجعل بضع ابنته بيد أخيه، هل يُنكحها العم بغير إذن الأب، والأب بغير إذن العم؟ قال: نعم من أنكحها منهما فهو جائز.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال، وهو مما لا اختلاف فيه؛ لأن الأب لا تسقط ولايته عن ابنته بجعله بضعها بيد أخيه، فإنكاح من أنكحها منهما جائز. فإن أنكحها كل واحد منهما ولم يعلم بإنكاح صاحبه، فهي للأول منهما، إلا أن يدخل بها الآخر. قال ذلك مالك في المدونة وغيرها.
[مسألة: العبد يتزوج بغير إذن السيد]
مسألة وسئل عن العبد يتزوج بغير إذن السيد، فيراه السيد يدخل على امرأته، هل يلزم السيد الصداق حين رآه ولم يكن أذن له في النكاح؟ قال: إن شهد على أن السيد علم بنكاحه وأقره، رأيت النكاح جائزا، ورأيت الصداق على العبد بما أقر به سيده من ذلك بعد العلم به.
قال محمد بن رشد ﵀: قد مضت هذه المسألة متكررة، والقول فيها في رسم الرهون من سماع عيسى، فلا معنى لإعادة ذلك.
[مسألة: زوج ابنا له صغيرا وأصدق عنه وشرط في نكاحه]
مسألة وسئل عن رجل زوج ابنا له صغيرا وأصدق عنه، وشرط في نكاح الصبي أنه إن استسر عليها أو تزوج فهي طالق ألبتة، فبنى الغلام بأهله ثم أراد أن يتسرر أو ينكح عليها. قال: ذلك له، إلا
стр. 2175
أن يعلم أن الابن قد علم بالشروط التي شرط لها فدخل بها على ذلك ووطئها، فإن ذلك يلزمه.
قلت: أرأيت لو أن الأب حين نكح ابنه شرط عليه شروطا أنه ليس له أن يتسرر ولا ينكح، فإن نكح فهي طالق ألبتة. فقال أهل المرأة للزوج: قد شرط ذلك عليك وأنت كبير، وقال الزوج: بل شرط عليّ ذلك وأنا صغير. قال ابن القاسم: على الزوج البينة، أنه شرط ذلك عليه وهو صغير، فإن لم يأت بالبينة حلف أهل المرأة وكان القول قولهم.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة صحيحة مبنية على أن الابن الصغير لا يلزمه ما شرط عليه أبوه من الشروط، إلا أن يلتزمها بعد البلوغ، أو يدخل بعد العلم بها، فيكون ذلك رضا منه، خلاف قول ابن وهب في أول السماع، فإن دخل ولم يعلم بها سقطت عنه وهو محمول على أنه لم يعلم، حتى يثبت عليه أنه علم بها. وذلك بيّن من قوله: وذلك له إلا أن يعلم أن الابن قد علم، وذلك أنه علم أنه شرطها عليه وهو صغير بتقاررهما على ذلك، أو بينة قامت عليه. وأما إن اختلفا فقال الابن: كنت صغيرا إذ شرط ذلك عليّ الأب، وقال أولياء المرأة: بل كنت بعد كبيرا، فعلى الابن البينة؛ لأنه الآن كبير، يلزمه ما شرط عليه أبوه بحضرته، فهو مدّع أنه كان حينئذ صغيرا ممن لا يلزمه ما شرط عليه أبوه بحضرته، فإن أقام البينة كان بالخيار، في أن يلتزم الشروط أو يفارق، ولا يكون عليه شيء من الصداق، إلا أن تسقط المرأة عنه الشروط، فيلزمه النكاح، وإن لم يكن بينة، حلف أهل المرأه وكان القول قولهم، ولزمته الشروط، إلا أن يشاء أن يطلق، فيلزمه نصف الصداق، وأهل المرأة الذين يحلفون، هم: الأب أو الوصي، دون من سواهما من الأولياء، فإن نكلوا عن اليمين، حلف الزوج، وكان كمن أقام البينة على
стр. 2176
دعواه. وإنما أوجب هاهنا اليمين على أهل المرأة لا عليها؛ لأنهم ادعوا ذلك، وذلك خلاف ما في أول رسم من سماع ابن القاسم، ولو لم يدعوا ذلك وقالوا: لا علم لنا به، لحلفت الزوجة، كما تحلف إذا قامت بشرط المغيب أو عدم الإنفاق. وقد مضى القول في أول رسم من سماع ابن القاسم على هذا المعنى مقسما مستوفى، فلا معنى لإعادة شيء منه، وبالله التوفيق.
[مسألة: أصدق امرأته مائة دينار فدخل عليها ولم يدفع إليها شيئا من الصداق]
مسألة وسئل عن رجل أصدق امرأته مائة دينار، فدخل عليها ولم يدفع إليها شيئا من الصداق، أترى أن يكف عن الوطء حتى يدفع إليها ربع دينار؟ قال: بل يكون دينا عليه، ولا يكف عن وطئها. قيل له: فإنه أصدقها أقل من ربع دينار، قال: إن لم يكن بنى بها أُمر أن يتم لها ربع دينار، ويثبت النكاح، وإن دخل بها أتم لها ربع دينار، ولا يوقف عن وطئها حتى يتمها.
قال محمد بن رشد: لم ير ابن القاسم على الرجل إذا دخل بامرأته قبل أن يدفع إليها شيئا من صداقها، أن يكف عن وطئها حتى يدفع لها منه ربع دينار، وكره له قبل أن يدخل بها ابتداء قبل أن يدفع إليها، ولو ربع دينار من صداقها. ومحمد بن المواز يساوي بين الوجهين. وقد مضى القول في ذلك في رسم استأذن من سماع عيسى. وفي غيره من المواضع.
وقوله: إنه إذا أصدقها أقل من ربع دينار، أُمر إن كان لم يبن بها أن يكمل لها ربع دينار، ويثبت النكاح، يريد إن شاء، وإن أبى فسخ النكاح ولم يلزمه شيء، وإن دخل بها أتم لها ربع دينار، شاء أو أبى ولا يفسخ النكاح، وهذا على قوله في المدونة خلاف قول غيره فيها، وخلاف قوله في سماع سحنون. وأما قوله: إنه لا يكف عن وطئها حتى يتمها فهو على قياس قوله في النكاح بصداق صحيح، إذا دخل بها قبل أن يقدم لها شيئا من الصداق، وبالله التوفيق.
стр. 2177
[مسألة: تزوج امرأة ولم يبن بها حتى ماتت فقبَّلها وهي ميتة أو وطئها]
مسألة وقال: في رجل تزوج امرأة ولم يبن بها حتى ماتت، فقبَّلها وهي ميتة أو وطئها. قال: لا ينكح أمها ولا ابنتها.
قال محمد بن رشد: أما أمها فإنها تحرم عليه بالعقد عليها، وإن لم يقبل ولا وطئ؛ لأنها مبهمة ولا شرط فيها. وأما الابنة فلا تحرم إلا بالدخول بالأم، أو التلذذ بها؛ لقوله : ﴿مِنْ نِسَائِكُمُ اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٣] فجعل ابن القاسم وطأها أو التلذذ بها، وهي ميتة أو حية سواء، في وجوب تحريم ابنتها بذلك؛ إذ لا ينقطع عنده بموتها ما كان بينهما من الحرمة، بدليل أنه يجوز له أن يغسلها.
ويأتي على مذهب أهل العراق الذين يرون ما كان بينهما من الحرمة منقطعا بموتها، فلا يجيزون له غسلها، ولا تحرم عليه ابنتها بوطئه إياها بعد موتها، وهو الذي يوجبه النظر والقياس؛ لأنه وطء لا يحصنه، ولا يوجب لها عليه صداقا؛ ولأن عصمة النكاح تنقطع بينهما بموتها. وإن كانت حرمة الزوجية باقية بينهما، بدليل أنه يجوز له عند الجميع أن يتزوج رابعة إن كانت له ثلاث زوجات سواها، وقول ابن القاسم استحسان، فلعله راعى قول زيد بن ثابت، الذي يقول: إن الرجل إذا تزوج المرأة فماتت قبل أن يدخل بها، لم تحل له ابنتها، بخلاف إذا طلقها قبل أن يدخل بها.
[مسألة: ماتت امرأته فتزوج أختها قبل أن تقبر الميتة هل لزوجها أن يغسلها]
مسألة وقال في الرجل ماتت امرأته فتزوج أختها قبل أن تقبر الميتة، أترى لزوجها أن يغسلها؟ قال: أكره ذلك، ولا أحرمه.
قال محمد بن رشد: وكذلك لو ماتت امرأته قبل أن يدخل بها، فتزوج ابنتها قبل أن تقبر الميتة، لكره له أن يغسلها، ولم يحرم ذلك عليه، وسحنون يجيز ذلك ولا يكرهه، ذكر له أن بعض أهل العلم يقول: إن الرجل إذا
стр. 2178
كانت له أربع نسوة، فماتت إحداهن، ثم تزوج الخامسة قبل أن تغسل الميتة، أنه لا يجوز له غسلها، فقال: ليس الذي قلت من مذهبنا في شيء، وله أن يغسل الميتة، ألا ترى أن له أن يغسلها وإن لم يتزوج الخامسة، فإن كان إنما يغسلها؛ لأنها امرأته، فكيف يتزوج الخامسة؟ وكراهية ابن القاسم لذلك من غير تحريم، يدل على أن مباشرته إياها بعد موتها، لا يحرم عليه ابنتها، ويبين ما ذهبنا إليه في المسألة التي قبل هذه، من أن منعه فيها الرجل أن يتزوج بنت امرأته إذا كان قد قبَّلها أو وطئها بعد موتها، إنما هو استحسان على غير قياس، وبالله التوفيق.
[مسألة: تزوج أمة فلم يبن بها حتى فلس سيدها وقد كان دفع الصداق إلى سيدها]
مسألة وعن رجل تزوج أمة، فلم يبن بها حتى فلس سيدها، وقد كان دفع الصداق إلى سيدها، فباعها السلطان في دينه، فاشتراها زوجها، هل ترى له أن يرجع على سيدها بالصداق الذي دفع إليه؟ قال: لا؛ لأن السلطان هو الذي باعها عليه.
قال محمد بن رشد: ظاهر قوله أنه لا يرجع عليه بشيء من الصداق، وذلك لا يصح؛ لأن الصداق المسمى لا يجب جميعه إلا بالموت أو الدخول، فإنما معناه أنه لا يرجع عليه بجميعه، وإنما يرجع عليه بنصفه؛ لأن الفراق جاء من قبله إذا اشتراها، وهو يعلم أن امرأته تحرم عليه باشترائه إياها، فصار كالمطلق قبل الدخول، وقد فرض أن له نصف ما فرض، ولو اشتراها من السلطان وهو لا يعلم أنها امرأته لحرمت عليه، ورجع بجميع الصداق على السيد؛ لأنه تحريم لم يتعمده.
يبين هذا في كتاب النكاح الثالث من المدونة: أن الرجل إذا تزوج المرأة ولم يدخل بها حتى تزوج أمها وهو لا يعلم، فيبني بها، أن الابنة تحرم عليه، ولا يكون لها عليه من الصداق نصف ولا غيره؛ لأنه تحريم لم يتعمده، وهو محمول على أنه لم يعلم أنها زوجته حتى يعلم أنه علم، فإن ادعى أنه لم يعلم أنها زوجته حلف على ذلك، ورجع بجميع الصداق.
وفي النكاح الثاني من المدونة: أن السيد لا شيء له من
стр. 2179
الصداق إذا باعها منه قبل الدخول، وهو دليل قوله هاهنا؛ لأن السلطان هو الذي باعها عليه، وإنما لم يكن له من الصداق شيء إذا باعها هو منه، وإن كان الزوج عالما أنها زوجته؛ لأنه لما كان أملك بالبيع غلب أمره على الزوج، فجعل كأن الفسخ والتحريم جاء من قبله دون الزوج. ولو باعها السيد ممن اشتراها للزوج وهو لا يعلم؛ لكان له نصف الصداق، بمنزلة إذا باعها السلطان، ولعيسى في كتاب القطعان أن بيع السلطان كبيع السيد، فيرجع بجميع الصداق، وهو بعيد، وبالله التوفيق.
[مسألة: تزوج جارية امرأته]
مسألة وقال في رجل يتزوج جارية امرأته: إنه لا بأس به.
قال محمد بن رشد: كره ذلك ابن كنانة، مراعاة لقول من رأى للزوج شبهة في مال الزوجة، فدرأ الحد عنه في وقوعه بجاريتها، روي ذلك عن عبد الله بن مسعود وهو شذوذ، فالصحيح أنه لا كراهة في تزويجه إياها، وأنه يحد إن وقع بها على ما جاء عن عمر بن الخطاب، وعن علي بن أبي طالب، وقد روى ذلك مالك، عن النبي ﵇ من رواية النعمان بن بشير. وأما ما روي عن سلمة بن المحبق: «أن رجلا زنى بجارية امرأته، فقال النبي ﵇: "إن كان استكرهها، فهي حرة، وعليه مثلها، وإن كانت طاوعته فعليه مثلها» فقيل فيه: إن ذلك كان في أول الإسلام، حين كانت العقوبات تجب في الأقوال بانتهاك الحرم التي ليست بأموال، ثم نسخ ذلك بما أنزل الله من الحدود على ما جاء في حديث النعمان بن بشير، وبالله التوفيق.
[مسألة: ساق إلى امرأته جارية في صداقها فأراد أن يتزوجها قبل أن يبني بها]
مسألة قيل له: أرأيت إن هو ساق إلى امرأته جارية في صداقها، فأراد
стр. 2180
أن يتزوجها قبل أن يبني بها؟ قال: لا يجوز له؛ لأنه شريك فيها.
قال محمد بن رشد: وكذلك إن زنى بها لم يحد، وهو على مذهبه، وروايته عن مالك، في أنه إن ماتت الجارية، ثم طلقها فالمصيبة منهما، والغلة بينهما، ويأتي على ما مضى في أول سماع أشهب، أنه إن أصدقها عبدا فمات عندها ثم طلقها قبل البناء. إن المصيبة منها يرجع عليها بنصف قيمته؛ إنه لا يجوز له أن يتزوجها إن كانت أمة، ويحد إن زنى بها، والقولان في وجوب الحد عليه إن زنى بها في ثمانية أبى زيد منصوص عليهما على هذين الأصلين، فقف على ذلك. وأما إن بنى بها، فيجوز له أن يتزوجها، ويحد إن زنى بها؛ لأنها قد استوجبتها بالدخول، فهو بمنزلة إذا كانت لها من غير صداقها. وقد مضى القول على ذلك قبل هذا، وبالله التوفيق.
[مسألة: فجر بامرأة أينكح ابنتها]
مسألة وقال: في رجل فجر بامرأة، أينكح ابنتها؟ قال: لا. قيل له: فإن فجر بامرأة أتحل له أختها؟ قال: نعم؛ لأنها ممن يحل له أن يتزوجها بعد أختها، ولا يحل له أن يتزوج البنت بعد أمها.
قال محمد بن رشد: ظاهر قوله: إنه إذا فجر بالمرأة لا يتزوج ابنتها، على الوجوب، خلاف مذهب مالك في المدونة أن ذلك على الكراهة، لا على الوجوب، ومثل ما في الواضحة من أن الحرام يحرم الحلال، خلاف ما في الموطأ من أنه لا يحرمه هي ثلاثة أقوال: الإباحة، والكراهة، والتحريم، مرة رأى مالك التحريم في ذلك عبادة، لا لعلة، فقصره على الموضع الذي ذكره إليه فيه، وهو النكاح الحلال؛ لأنه قال: ﴿وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ﴾ [النساء: ٢٣] وليست المزني بها حليلة للزاني، ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] . وليس المزني بها من نساء الزاني، ومرة رآه لعلة، وهي ألا يجبر الرجل وابنه المرأة الواحدة، وأن لا يجبر المرأة
стр. 2181
وابنتها الرجل الواحد، فطرد العلة في الحرام، ومرة ترجح الأمر عنده، فرآه من المشتبهات، الذي تركه أحسن، والأظهر أنه عبادة، لا لعلة، بدليل إجماعهم على تحريم زوجة الابن على الأب، وزوجة الأب على الابن بالعقد، دون الدخول. ومن رأى التحريم لعلة الاختيار، قال: حمل العقد محمل الدخول؛ إذ لا يكون العقد إلا للدخول، فعلى القول بأنه يكره للرجل أن يتزوج المرأة إذا زنى بأمها أو بابنتها، والمرأة إذا زنى بها أبوه أو ابنه أن يتزوجها، فعثر على ذلك قبل الدخول، أو كان الزنا بعد العقد وقبل الدخول، أمر بفراقها بطلاق، وكان عليه نصف الصداق، وعلى القول بأن الزنا يحرم الحلال إن كان التزويج بعد الزنا، فعثر على ذلك قبل الدخول، يفرق بينهما بغير طلاق، ولم يكن لها شيء من الصداق، وإن كان الزنا بعد التزويج، وهو عالم أن نكاح المزني بها يحرم عليه امرأته، فرق بينهما، وكان عليه نصف الصداق؛ لأن الفراق جاء من قبله على ما مضى فوق هذا في الذي يشتري امرأته قبل البناء، وهو عالم أنها امرأته، أو ليس بعالم، ولا اختلاف في أن الوطء الفاسد في العقد الصحيح، أو في العقد المختلف في تحريمه، يحرم الربيبة، وأما إن كان العقد فاسدا لم يختلف في تحريمه، فوطئ فيه وهو عالم بفساده، كالزاني يحد، ولا تحرم عليه الربيبة، إلا على القول بأن الزنا يحرمها.
واختلف إن وطئها وهو يظن أن النكاح صحيح، أو أنها زوجته وما أشبه ذلك مما يكون شبهة يدرأ بها عنه الحد، على القول بأن الزنا لا يحرم، هل يقع ذلك التحريم، كالوطء بالنكاح من أجل أنه وطء لا حد فيه أم لا؟ على قولين؛ الأصح منهما في النظر، أنه لا يقع به التحريم؛ لأنه إنما وطئ من ليست له بزوجة، فإذا لم يجعل التحريم لعلة الاختبار، وقال: إنه عبادة لغير علة، وجب ألا يوجب ذلك حرمة، وقد اختلف من هذا المعنى في الذي يريد من الليل زوجته، فتقع يده على ابنته فيباشرها متلذذا بها، أو يطأها، هل تحرم عليه أمها وهي زوجته، فحكم له بعض القرويين بحكم الربيبة، وحرم عليه
стр. 2182
بذلك أنها زوجة، وروي عن سحنون، والليث بن سعد: أنها لا تحرم عليه. وهو الصحيح؛ لأن ابنته ذا محرم منه لا ينعقد له فيها نكاح ألبتة، فهي بخلاف الربيبة؛ لأن الربيبة قد كان له أن يتزوجها لو لم يتزوج أمها، فهي التي ورد تحريم كل واحد منهما بنكاح صاحبتها، وبالله التوفيق.
[مسألة: أحضر رجلا فقيل نراك تنصر هذا ولقد بلغنا أنه ختنك فقال نعم أنصره]
مسألة وقال: في رجل أحضر رجلا، فقيل: نراك تنصر هذا، ولقد بلغنا أنه ختنك، فقال: نعم أنصره، واشهدوا أني قد زوجته ابنتي، فقيل له بكم؟ فقال بما شاء، ثم قام الرجل بعد ذلك فقال: امرأتي، فقال الأب: والله ما كنت إلا لاعبا، قال: يحلف الأب بالله ما كان ذلك منه، على وجه النكاح، ولا شيء عليه، قيل له: طلب ذلك بحدثانه أو بعد ذلك بيومين. قال: ذلك سواء.
قال محمد بن رشد: هذا من قول ابن القاسم، مثل ما حكى أبو عبيد عن مالك، ورواه الواقدي عنه من أن هزل النكاح هزل، ولا يجوز منه إلا ما كان على وجه الجد، خلاف المشهور المعلوم من قول مالك وأصحابه في المدونة وغيرها، من أن هزله جد، على ما جاء في ذلك عن جماعة من السلف عمر بن الخطاب، وسعيد بن المسيب، وغيرهما.
[مسألة: فوض إليه فبنى وأرخيت الستور فأنكر أهل الجارية أخذ الصداق]
مسألة وقال: في رجل فوض إليه، فبنى وأرخيت الستور، فأنكر أهل الجارية أن يكون دفع شيئا من الصداق، وقال: دفعت. قال: القول قول الزوج.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأنه لما كان القول قوله بعد الدخول في الصداق المسمى إذا ادعى أنه دفعه قبل الدخول، من أجل أنه
стр. 2183
ليس له أن يدخل حتى يؤديه، وجب أن يكون القول قوله، دفع صداق المثل إذا فوض إليه، من أجل أنه ليس له أن يدخل بها في التفويض، حتى يدفع إليها صداق مثلها، وإن كان الذي ادعى أنه دفع إليها أقل من صداق مثلها، حلف على ذلك، ووفاها تمام صداقها، وإن ادعى عليها أو على أبيها إن كانت بكرا الرضا بذلك من صداق مثلها، لم يصدق وحلفتْ على ذلك هي وأبوها إن كانت بكرا، وإن ادعى أنه دفع إليها أكثر من صداق مثلها، ليلزمها التجهز بذلك إليه لم يصدق في الزائد، وأسقطته عن نفسها بيمينها، تحلف بالله ما دفع إليها شيئا ويحلف هو بالله لقد دفع إليها ما ادعى، ويكون عليها أن تتجهز إليه من ذلك بقدر صداق مثلها.
[مسألة: الولي ينكح الجارية على إن رضيت فترضى]
مسألة وعن الولي ينكح الجارية على إن رضيت فترضى، قال: يفسخ النكاح، قيل له: وإن كانت قريبا، قال: نعم، قيل له: فإن بنى بها، قال: أما البناء فلا أدري، وضعف الفسخ فيه. وروايته في معنى قوله، فلا يرى الفسخ إذا بنى.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأنه إذا تزوجها على إن رضيت فهو نكاح العقد على خيار، وإن كانت قريبة، إلا أن تكون حاضرة في البلد، فيرسلا إليها ليعلما رضاها في الفور قبل أن يفترقا من مجلسهما، فيجوز ذلك على معنى ما مضى في آخر سماع أصبغ، وقوله: إنه لا يفسخ بعد البناء، وهو أحد قولي مالك في المدونة، وفي رسم باع شاة، من سماع عيسى. وقد مضى من القول على ذلك هنالك ما لا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.
[مسألة: قال في مرضه قد زوجت ابنتي فلانا وأصدقتها عنه مائة دينار]
مسألة قال: وسألته عن رجل قال في مرضه: قد زوجت ابنتي فلانا وأصدقتها عنه مائة دينار، قال: ذلك جائز، ويخرج من الثلث، إذا
стр. 2184
كان أجنبيا. قال: ولو قال: قد أصدقت امرأة ابني عن ابني مائة دينار، لم يجز.
قال محمد بن رشد: قد مضى القول في هذه المسألة موعبا في رسم العرية، من سماع عيسى، فلا معنى لإعادة شيء من ذلك هاهنا، وبالله التوفيق.
[مسألة: أسلم وامرأته من غير أهل الكتاب فعرض عليها الإسلام فأبت ثم أسلمت]
مسألة قال: ولو أن رجلا أسلم، وامرأته من غير أهل الكتاب، فعرض عليها الإسلام فأبت، ثم أسلمت بعد ذلك، لم يكن له عليها رجعة إلا بنكاح جديد.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لقول الله : ﴿وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠] وهو يبين ما وقع في المدونة من أن الفرقة لا تقع بينهما إذا لم تسلم بعد إسلامه، إلا أن يتطاول ذلك بأكثر من الشهر، أن معناه إنما هو إذا غفل عن عرض الإسلام عليها. قال بعض شيوخ القرويين: وهذا في المدخول بها، فلا يستحق في ذلك الشهر، ولا تكون زوجته إلا إذا أسلمت بالقرب، ولا فرق في القياس بين المدخول بها وغير المدخول بها في هذا؛ لأن العصمة بينهما قائمة وإن لم يدخل بها، وقد أمره الله ألا يمسك بها، فإما أن يحمل أمره على الفور فيهما جميعا، أو على التراخي فيهما جميعا، وحمله مالك على التراخي، وخفف الشهر في ذلك ما لم توقف فتابا الإسلام، وبالله التوفيق.
[مسألة: أراد أن يتزوج امرأة ربيبه زوج أمه]
مسألة وقال في رجل أراد أن يتزوج امرأة ربيبه زوج أمه: إنه لا بأس به.
стр. 2185
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن الله إنما حرم عليه زوجة أبيه؛ لقوله: ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ﴾ [النساء: ٢٢] وربيبه ليس بأب له، فلا حرمة بينه وبين زوجته، إلا أن يكون تزوج أمه ودخل بها، وهي ترضعه؛ لأنه يصير بذلك، أبا له من الرضاعة، فلا يتزوج امرأته.
[مسألة: تزوج صبية صغيرة وشرط لها عليه إن تزوج عليها فأمر نفسها بيدها]
مسألة وقال ابن القاسم في رجل تزوج صبية صغيرة، وشرط لها عليه إن تزوج عليها، فأمر نفسها بيدها، فتزوج عليها، وهي صبية صغيرة، قال: إن كانت قد عقلت وعرفت الطلاق والخيار، فلها الخيار. وإن كانت لم تعرف ذلك استوني بها حتى تعقل، ثم تختار، إن شاءت. قيل له: فإن كان تزوجها على أنه إن تزوج عليها، فأمر التي تزوج عليها بيدها، فتزوج عليها، وهي صغيرة لا تعقل، قال: يفسخ نكاحه.
قال محمد بن رشد: أما التي شرط لها عليه إن تزوج عليها، فأمر نفسها بيدها، فتزوج عليها، وهي صغيرة لا تعقل. فقوله فيها: إنه يستأنى بها حتى تعقل، ثم تختار إن شاءت، فهو صحيح. مفسر لجميع الروايات. من ذلك ما وقع في كتاب التمليك في رسم: الشجرة من سماع ابن القاسم، ورسم: بع ولا نقصان عليك من سماع عيسى. ووجه ذلك أنه إذا تزوج عليها وهي صغيرة لا تعقل، فقد أوجب لها في نفسها التمليك إذا عقلت، وقد لا تعقل أو تموت قبل أن تعقل، فكان ذلك بمنزلة الذي يقول لامرأته: أمرك بيدك، إذا قدم فلان، إن الأمر يكون بيدها إذا قدم فلان. وأما التي شرط لها عليه أنه إن تزوج عليها، فأمر التي تزوج عليها بيدها وهي صغيرة لا تعقل، فقد مضى القول في نظيرها في رسم إن خرجت من سماع عيسى؛ لأن الصغيرة التي لا تعقل كالمجنونة، فالكلام على تلك يغني عن الكلام على هذه
стр. 2186
ولو كانت ممن يعقل لكان لها الخيار، وإن لم تبلغ في المسألتين جميعا، ولا اختلاف في ذلك أحفظه، وبالله التوفيق.
[مسألة: يتزوج سرا بشهادة شاهدين ويستكتما ذلك]
مسألة قال ابن القاسم: كل نكاح اختلف فيه ليس بحرام، فإن طلق فيه لزمه الطلاق، مثل أن يحلف بطلاق امرأة إن تزوجها، ونكاح المريض، ونكاح السر الذي يتزوج سرا بشهادة شاهدين ويستكتما ذلك، فتطلق في ذلك كله قبل أن يفسخ إن الطلاق قد لزمه، ولا تحل له حتى تنكح زوجا غيره إن كانت البتة.
قال محمد بن رشد: هذا مذهب ابن القاسم في المدونة الذي اختاره لرواية بلغته عن مالك إن كل نكاح اختلف الناس فيه، فالفسخ فيه طلاق، والطلاق فيه قبل الفسخ لازم، والميراث فيه واجب، والخلع فيه جائز نافذ، وإن كان الفساد في العقد دون الصداق، وجب فيه جميع الصداق المسمى بالموت، ونصفه بالطلاق قبل الدخول ما لم يفسخ. وكل نكاح لم يختلف في فساده، فلا طلاق فيه ولا ميراث، والخلع فيه مردود؛ لأن مذهب ابن القاسم أن الخلع تابع للطلاق، خلاف قول ابن الماجشون، ومذهب ابن المواز. وقد ذكرنا ذلك في سماع سحنون.
والذي أجازه سحنون، وقال به أكثر الرواة، إن كل نكاح كانا مغلوبين على فسخه، فالفسخ فيه ليس بطلاق، ولا طلاق ولا ميراث فيه قبل الفسخ، حيث يغلبان عليه، فما فسد لصداقه على هذا القول، لا طلاق ولا ميراث فيه قبل الدخول، ويكون الطلاق والميراث فيه بعد الدخول، ولا كتاب النكاح الثالث من المدونة قول ثابت، وهو: أن ما كان من الأنكحة يفسخ قبل الدخول وبعده، فلا طلاق فيه ولا ميراث قبل الدخول ولا بعده، وإن كان قد اختلف فيه، وما كان منها يفسخ قبل الدخول
стр. 2187
ويثبت بعده، ففيه الطلاق والميراث قبل وبعد، والمشهور في المذهب، أن الحرمة تقع بكل نكاح مختلف فيه، وأجرى ابن حبيب الحرمة مجرى الطلاق والميراث، ومثله لابن القاسم في الدمياطية، قال في المريض يتزوج المرأة في مرضه: إنها تحل لابنه وأبيه إن لم يكن دخل بها، وبالله التوفيق.
[مسألة: يزوج ابنته ويقبض صداقها وهي بكر وقد استهلكه]
مسألة وعن الرجل يزوج ابنته ويقبض صداقها وهي بكر، وقد استهلكه. قال: إذا أقر به فهو ضامن له. قيل: فقال: قد دفعته إليها، قال: إن كان دفعه إليها عينا فهو له ضامن؛ لأن الأبكار، ليس يدفع إليهن الدنانير، إنما يجهزن. قيل: فدخلت على زوجها، وزعم أنه جهزها بصداق كذا وكذا ودفعه إليها وأنكرت ذلك، قال: يحلف ويبرأ.
قال محمد بن رشد: قد مضت هذه المسألة بعينيها على نصها في أول سماع أصبغ، والكلام عليها هناك مستوفى، فلا معنى لإعادته مرة أخرى.
[مسألة: تزوج امرأة وكان في صداقها خادم فدخل بها فطلبت الخادم]
مسألة وقال: في رجل تزوج امرأة، وكان في صداقها خادم، فدخل بها، فطلبت الخادم، فقال: قد صالحتني منها على دنانير، ودفعتها إليك، قال: لا يصدق الزوج؛ لأنه مدع قال: فإن أقرت بالصلح صدق، ولم يكن لها شيء، إذا قال: قد دفعتها إليك، وإن زعمت أنها لم تقبض شيئا.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال: إن الزوج لا يصدق في دعواه دفع الدنانير إليها صلحا عن الخادم؛ لأنه مدع في شراء الخادم الذي عليه لها منها، ولا دليل له على ذلك؛ يصدق دعواه، فوجب أن يكون عليه إقامة البينة؛ لقول
стр. 2188
النبي ﵇: «البينة على من ادعى، واليمين على من أنكر» فإن أقرت له بالصلح كان القول قوله في دفع الدنانير إليها؛ لأن تمكينها إياه من الدخول بها دليل على صحة دعواه في الدفع إليها، وبالله التوفيق.
[مسألة: شرط أبو الجارية على أبي الزوج أنه إن أسلم زوج ابنتي فأمرها بيدها أو بيدي]
مسألة وعن نصراني تزوج نصرانية وشرط أبو الجارية على أبي الزوج: أنه إن أسلم زوج ابنتي فأمرها بيدها أو بيدي، قال: إن أسلم الزوج قبل أن يحتلم أو بعدما احتلم وقبل أن يبني، أو بعدما بنى، فلا شيء بيد امرأته، ولا بيد أبيها، ويسقط ذلك كله.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال: لأن الشروط المنعقدة بين الزوجين من أهل الذمة في نكاحهما لا تلزمهما بعد الإسلام، كانت مما يلزم أهل الإسلام، أو مما لا يلزم؛ لأنه لا يلزم أهل الإسلام منها إلا ما كان بعد يمين من طلاق أو تمليك، وذلك لا يلزم الكافر. وهذا معنى ما وقع في كتاب النكاح الثالث من المدونة على اختلاف في ذلك بين الروايات، يرجع جميعها إلى هذا، وبالله التوفيق.
[مسألة: يبعث من يزوجه فيزوجه ثم يموت الزوج ولا يدرى أقبل النكاح أو بعد]
مسألة وقال ابن القاسم في الذي يبعث من يزوجه، فيزوجه ثم يموت الزوج، ولا يدرى أقبل النكاح أو بعد؟ إنه لا ميراث بينهما حتى يعلم أنه مات بعده، وإن البينة على المرأة.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قال، وهو مما لا اختلاف فيه؛ لأنه لا يرث أحد أحدا بشك، والمرأة غير وارثة حتى يعلم أن النكاح وقع قبل موته، فعليها إقامة البينة على ذلك، وبالله التوفيق.
стр. 2189
[مسألة: يطأ الجارية ثم يزوجها غلامه فتلد منه جارية]
مسألة وقال ابن القاسم في الرجل يطأ الجارية ثم يزوجها غلامه، فتلد منه جارية: إنها لا تحل لابنه. وروى عيسى بن دينار، أنه لا بأس به. قال عيسى: وإنما هو بمنزلة ما لو تزوج امرأة فوطئها ثم طلقها أو مات عنها، ثم تزوجت زوجا فولدت جارية؛ أنه لا بأس به أن يتزوجها ابن الأول من غيرها، ولا بأس أن يتزوج ابنها من الآخر ابنة الأول من غيرها.
قال محمد بن رشد: وقعت هذه المسألة في بعض الأمهات في آخر هذا السماع، وقول ابن القاسم في سماع أبي زيد منه: إنه لا يحل للرجل أن يتزوج ابنة عبد أبيه من جارية قد وطئها أبوه بعيد. ورواية عيسى عنه: أنه لا بأس بذلك، هو الصحيح؛ إذ لا حرمة بينه وبينها، إلا أن يكون قد صار لها -أعني الجارية- ابن من وطء أبيه، فلم ينقطع عنها حتى تزوجها العبد، فحملت منه فوضعت وأرضعت ابنتها بذلك اللبن الذي كان أصله من أبيه، ولم ينقطع؛ لأنها تصير بذلك أخته للأب من الرضاعة، على ظاهر ما في المدونة، خلاف ما حكى ابن شعبان، وقال فيه: إنه إجماع من أن لبن المرأة ينقطع من زوجها الأول بوضعها من الثاني.
والمسألة التي شبهها بها عيسى هي مثلها سواء، يدخل كل واحد منهما ما يدخل صاحبتها؛ إذ لا فرق بين الوطء بالملك والنكاح، وبين العبد والحر فيما يوجب ذلك من حرمة النكاح، وقد أجمعوا أنه لا يجوز للرجل أن يتزوج ما ولدت امرأة أبيه قبل أبيه، واختلفوا هل يجوز له أن يتزوج ما ولدت بعد أبيه على ثلاثة أقوال: أحدها: أن ذلك جائز، وهو قول مالك وكافة أصحابه العلماء، ورواية عيسى، عن ابن القاسم هنا. والثاني: أن ذلك لا يحل، وهو قول ابن القاسم في رواية أبي زيد عنه، وقد ذكرنا بعد ذلك، وأنه لا يصح إذا لم ترضعها بلبن لم ينقطع من أبيه. والثالث: أن ذلك مكروه، حكى ذلك ابن حبيب، عن طاوس، وما للكراهية في ذلك عندي وجه، إلا إن كانت أمها أرضعتها بلبن زوجها الثاني، فينفي أن يكون
стр. 2190
وطء زوجها الأول وهو الأب، قد زاد في لبنها من الزوج الثاني، وإن كان قد انقطع من الأول، أو لم يكن لها منه لبن أصلا.
وإن كانت ولدتها لما تلحق من الأنساب من أبيه، مخافة أن يكون الولد منه؛ لاحتمال أن يكون أهريقت عليه الدم (كذا) فجش الولد في بطنها، وظنت أن ذلك حيض انقضت به عدتها فتزوجت، فلما أصاب الولد الماء، تحرك الولد، ووضعته لما يلحق بها الأنساب من أبيه، فهذا له وجه أيضا. وإلا فلا، والله ولي التوفيق.
تم كتاب النكاح بحمد الله وحسن عونه وتأييده، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.
стр. 2191
[كتاب الرضاع]
[يفارق امرأته وهي ترضع فتكون موسرة وهو معسر لا يجد ما يسترضع به]
كتاب الرضاع
стр. 2192
من سماع عبد الرحمن بن القاسم، من مالك، رواية سحنون
من كتاب أوله: أخذ يشرب خمرا قال ابن القاسم: سمعت مالكا يقول في الرجل يفارق امرأته وهي ترضع، فتكون موسرة وهو معسر، لا يجد ما يسترضع به، أترى أن تلزم رضاعه؟ قال: نعم، إلا أن تكون لا تقوى على "ذلك، فقيل له: فإن أيسر يوما، أتراه أن تتبعه بما أرضعته؟ قال: لا أراه تتبعه بذلك.
قال محمد بن رشد: قوله: إن المرأة المطلقة تلزم رضاع ولدها إذا لم يكن للأب مال، معناه إذا لم يكن للولد مال أيضا، فإذا لم يكن لواحد منهما مال، ولها لبن ومال، كانت مخيرة بين أن ترضع ولدها، أو تسترضع له من مالها، قال ذلك مالك هاهنا، وابن القاسم في سماع أصبغ.
وقد قيل: إن ذلك لا يلزمها، ولا رجوع لها على من أيسر منهما بشيء، كانت قد أرضعته أو استرضعها له من مالها؛ لأن ذلك قد سقط عنهما بعدمهما؛ لقوله : ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] ، وتوجه عليها بقول الله : ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٣٣] لأنه محمول على عمومه في
стр. 2193
ذات الزوج، والمطلقة مع عسر الأب، والدليل على وجوب الرضاع على الأب إذا فارق وله مال، قول الله : ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٦] فمن حق المرأة المطلقة أن ترضع ولدها بأجر مثلها، واختلف إذا وجد الأب من يرضعه له باطلا أو بدون أجرة مثلها وهو موسر، فقيل: لا كلام له في ذلك، وللأم أن ترضعه بأجرة مثلها، وهو قول مالك في المدونة، وقيل: إن الأم إن لم ترد أن ترضعه باطلا أو بما وجد كان له أن يدفعه إلى من يرضعه له باطلا أو بما وجد.
وهو قول مالك في رواية ابن وهب عنه، ومعنى ذلك إذا أرضعته عند أمه ولم يخرجه من حضانتها. وأما إن أبت الأم أن ترضعه، فيستأجر له الأب من يرضعه، وليس عليه أن يكون ذلك عند أمه، وما دامت المرأة في عصمة الزوج، فعليها رضاع ولدها، إلا ألا يكون لها لبن، أو تكون شريفة لا ترضع مثلها، ويقبل الولد غيرها، فيكون على الأب أن يسترضع له من ماله، وبالله التوفيق.
[مسألة: لبن الفحل يحرم كما يحرم من قبل الأم]
مسألة قال: وقال مالك: إن رجلا أفتى بالرضاعة بشيء، كأنه لم يرها إلا من قبل الأم، فقال له عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم: لا تفت بفتيا، لا تتقلب من الليل في فراشك إلا ذكرته.
قال محمد بن رشد: الصحيح الذي عليه فقهاء الأمصار، أن لبن الفحل يحرم كما يحرم من قبل الأم؛ بدليل حديث عائشة عن النبي ﵇ في شان عمها: أفلح، أخي أبي القعيس، وقد كرهته طائفة من العرب، ورخصت فيه أخرى، فأنكر عبد الله بن أبي بكر على من رخص فيه، ورأى أن
стр. 2194
ذلك لا يقوله إلا من لم ينعم النظر، ونهاه أن يفتي في شيء من الأشياء دون تدبر صحيح، فيندم على ذلك متى ما تذكر، مخافة أن يخرج بالتقصير عما يلزمه من بلوغ الاجتهاد، وبالله التوفيق.
[يسافر مع أخته من الرضاعة هل هو ذا محرم]
ومن كتاب مساجد القبائل وسئل مالك عن الرجل يسافر مع أخته من الرضاعة، هل تراه ذا محرم؟ قال: نعم، أراه ذا محرم.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن الله ﵎ يقول: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] إلى قوله: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء: ٢٣] ، وقال الرسول ﵇: «يحرم من الرضاعة ما يحرم من الولادة» ، فلا اختلاف أعلمه في أن ذوي المحارم من الرضاعة كذوي المحارم من النسب في جميع الأحكام، إذا كان التحريم من قبل الأم المرضعة، ولم يكن من قبل الفحل الذي اللبن منه، للاختلاف الذي جاء في لبن الفحل، فقد روي عن عائشة ﵂: أنه كان يدخل عليها من أرضعه بنات أختها وبنات أخيها، ولا يدخل عليها من أرضعه نساء إخوتها، فرخص في لبن الفحل جماعة من العلماء؛ لما جاء عن عائشة فيه، وقد مضى القول على ذلك في رسم الطلاق الأول من سماع أشهب من كتاب النكاح، وبالله التوفيق.
[مسألة: المرأة المتجالة تسافر مع غير ولي إلى مكة]
مسألة وسئل مالك عن المرأة المتجالة، تسافر مع غير ولي إلى مكة،
стр. 2195
قال: تخرج في جماعة من النساء، وناس مأمونين لا تخافهم على نفسها.
قال محمد بن رشد: قوله: إلى مكة يريد في حجة الفريضة، وذكر المتجالة إنما وقع في السؤال، فخرج الجواب عليه، فلا يستدل بذلك على أن غير المتجالة بخلاف المتجالة، بل المتجالة وغير المتجالة. في ذلك سواء عند مالك. هذا قوله في الموطأ وغيره؛ لأن عدم المرأة التي لا زوج لها، أو لها زوج لا يريد الخروج معها وليا يخرج معها لا يسقط فرض الحج عنها، بدليل إجماعهم على أنها إذا أسلمت في بلاد الحرب، يجب عليها الهجرة إلى بلد الإسلام، وإن لم يكن معها ذو محرم، فهذا مخصص من عموم قول النبي ﵇: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر، تسافر مسيرة يوم وليلة إلا ومعها ذو محرم منها» ، بالإجماع، وحجها مع غير ذي محرم إذا لم يكن لها محرم، ولا زوج يحج معها، مخصص منه بالقياس، على ما أجمعوا عليه.
وقد اختلف ألفاظ الأحاديث في حد السفر الذي لا يجوز للمرأة أن تسافره إلا مع ذي محرم منها أو زوج، ففي بعضها البريد، وفي بعضها اليوم، وفي بعضها الليلتين، وفي بعضها ثلاثة أيام، وفي بعضها ألا تسافر المرأة ومعها ذو محرم دون حد. واختلف على ذلك كله الفقهاء، فمنهم من لم يحد للمرأة أن تسافر مع ذي محرم سفرا قريبا ولا بعيدا، وإن كان أقل من بريد، وهو مذهب أهل الظاهر، ومنهم من حد لها في ذلك البريد، ومنهم من حد لها في ذلك اليوم، ومنهم من حد لها في ذلك الليلتين، ومنهم من حد لها في ذلك
стр. 2196
مسيرة ثلاثة أيام، وهو مذهب أبي حنيفة. ومن مذهبه أن المرأة إذا كانت بينها وبين مكة ثلاثة أيام أو أكثر، ولم يكن لها زوج ولا ذو محرم يخرج معها، ففرض الحج سقط عنها، وقد تقدمت الحجة عليه في ذلك لمالك. وذهب مالك إلى أن الحد لا ذلك مسيرة يوم وليلة، على ما في روايته في حديث الموطأ، وجعل ذلك أصلا فيما يقصر فيه الصلاة، كما جعل أبو حنيفة مسيرة الثلاثة أيام التي ذهب إليها في ذلك حدا تقصر فيه الصلاة.
[تزوج أمة فولدت منه ثم أعتق سيد الأمة ولده منها]
ومن كتاب أوله باع غلاما
وسئل عن رجل تزوج أمة، فولدت منه، ثم أعتق سيد الأمة ولده منها، قال: إن الرضاع عليه.
قال محمد بن رشد: الهاء من عليه عائدة على الزوج، لا على السيد المعتق؛ لأن السيد لما أعتقه صار حرا، فسقطت عنه نفقته، ووجبت على أبيه، ولو كان أبوه معدما أو لم يكن له أب لما سقط عنه رضاعه ونفقته في حال صغره؛ لأن من أعتق صغيرا ليس له من ينفق عليه، فنفقته عليه، وبالله التوفيق.
[تزوجت رجلا فولدت منه ثم عمدت إلى أخت لها صغيرة فأرضعتها من لبنه]
ومن سماع أشهب، وابن نافع من مالك رواية سحنون
من كتاب الطلاق الثاني قال أشهب وابن نافع: سئل مالك عن امرأة تزوجت رجلا فولدت منه، ثم عمدت إلى أخت لها صغيرة، فأرضعتها من لبن ذلك الرجل، ثم مات فتزوجت بعده زوجا غيره، وقد شمت أختها التي أرضعت، فهي أختها وابنتها من لبن زوجها
стр. 2197
الأول، أفتراها تحرم على زوجها الآخر؟ قال: نعم، أراها من الربائب، هي بنت امرأته، فقيل: أينظر إلى شعرها ويدخل عليها وتدخل عليه؟ قال: نعم، ينظر إلى شعرها، ويدخل عليها، وهي منه بحرمة، قال الله : ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ﴾ [النساء: ٢٣] .
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن الرجل إذا تزوج المرأة ودخل بها، حرم عليه كل ما ولدت من غيره أو أرضعته قبل أن يتزوجها أو بعد أن تزوجها؛ لقول الله : ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٣] ، وقول النبي ﵇: «يحرم من الرضاعة ما يحرم من الولادة» ، وقوله في الرواية: إنها ولدت من الزوج الأول، وإنها أرضعت أختها بلبنه، لا تأثير له في تحريمها على الزوج الثاني، سواء ولدت منه أو لم تلد، وسواء أرضعت بلبنه، أو بلبن من غير زوج تحرم على الزوج الذي دخل بها؛ لأنها قد صارت ابنتها من الرضاعة بإرضاعها إياها في حولي رضاعها كيف ما كان، وإنما جرى ذلك في السؤال وصفا للحال على ما كان.
[يطلق امرأته، ولها منه ولدا هل لها أن تطرح ولده من ساعتها]
ومن كتاب الطلاق الثالث وسئل عن الرجل يطلق امرأته، ولها منه ولدا، ألها أن تطرح ولده من ساعتها؟ فقال: لا حتى يلتمس له مرضعا.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ قال الله : ﴿لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ﴾ [البقرة: ٢٣٣] ليس له أن يأخذ ولده منها إذا أحبت أن ترضعه، ولا لها أن تطرحه إليه إذا لم يجد من يرضعه، وقد مضى في أول
стр. 2198
سماع ابن القاسم القول فيما ترضعه به من الأجرة إذا أحبت رضاعه، وما في ذلك من الاختلاف، فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.
[المرأة تشرب الشجرة فيدر بشربها لبنها فترضع به أيحرم بذلك الرضاع]
ومن كتاب الطلاق
قال: وسمعته، وسئل عن المرأة تشرب الشجرة فيدر بشربها لبنها فترضع به، أيحرم بذلك الرضاع؟ فقال: نعم، يحرم بذلك، أليس بلبن؟ فقال: بلى، فقال: نعم، يحرم بذلك، وليس ذلك بصواب. وأخاف أن تكون هذه علة، كلما فجرت امرأة وكثر لبنها قالت هذا القول، قيل له: بلغنا أن رجلا شربها فدر حتى أرضع، فقال: بلغك الباطل والزور، وإنما يحدثك بها قوم نفاق. قال الله : ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٣٣] يجيء الرجل يرضع.
قال محمد بن رشد: قوله: إن المرأة إذا در لبنها بشيء تشربه فأرضعت به، إنه لبن يحرم، هو مثل ما في المدونة من أن لبن الجارية البكر يحرم، وأن لبن النساء يحرم على كل حال، بظاهر قول الله : ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء: ٢٣] ولم يخص ذات زوج ممن لا زوج لها، وكره للنساء شرب هذه الشجرة، التي يزعمن أنها تدر اللبن من غير وطء، ولم يحقق ما يزعمن من ذلك، وخشي أن يكون ذلك من قول الفواجر وما يعتذرن به إذا كثر لبنهن من الفجور، ولما قيل له: إن رجلا شربها فدر له لبن أرضع به، أنكر ذلك، وقال: إنه باطل وزور، وهو كما قال؛ لأن ذلك خرق عادة، وقد أجرى الله الأمور على عوائد، فهو لا يخرقها في غير خرق العادات إلا معجزة للأنبياء، أو كرامة للأولياء، وبالله التوفيق.
стр. 2199
[مسألة: المرأة المسلمة ترضع ولد النصراني]
مسألة وسألته عن المرأة المسلمة ترضع ولد النصراني، فقال: أما أن تعطيه ثديها، فلا أرى بذلك بأسا، وأما أن تذهب فتكون عندهم في بيوتهم فلا يعجبني، وكرهه.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال: إنه لا ينبغي للمرأة المسلمة أن ترضع ولد النصراني في بيته، فإن ذلك لها مكروه من وجه امتهانها له، فإن آجرت نفسها منه ظئرا على ذلك، فسخت إجارتها. فإن ماتت مضت، ولم تحرم الأجرة؛ لأن أجرة المسلم نفسه من النصراني أو اليهودي على أربعة أقسام: جائزة، ومكروهة، ومحظورة، وحرام؛ فالجائزة: أن يعمل له عملا في بيت نفسه أو حانوته، كالصانع يعمل للناس، فلا بأس أن يعمل من غير أن يستبد بعمله. والمكروهة: أن يستبد بجميع عمله من غير أن يكون تحت يده، مثل أن يكون مقارضا أو مساقيا. والمحظورة أن يؤجر نفسه منه في عمل يكون فيه تحت يده، كأجير الخدمة في بيته، وإجارة المرأة نفسها منه لترضع له ابنه في بيته، وما أشبه ذلك، فهذه تفسخ إن عثر عليها، فإن فاتت مضت، وكانت له الأجرة، والحرام أن يؤاجر نفسه منه لما لا يحل من عمل الخمر، أو رعي الخنازير وما أشبه ذلك، فهذه تفسخ إن عثر عليها قبل العمل، فإن فاتت بالعمل تصدق بالأجرة على المساكين، ولم يسوغ إياها.
[مسألة: تزوج امرأة كانت تقول لزوجها الذي تزوجها قبل ذلك أخي أخي]
مسألة وسئل عن رجل تزوج امرأة، شهد عليها أنها كانت تسمع تقول لزوجها الذي تزوجها قبل ذلك: أخي أخي، فقال: لا أرى هذا شيئا يحرم نكاحها، وهو أمر لم أسمع أحدا يذكره، وهو ابن
стр. 2200
خالها، ولم يعلم، وهذا من كلام الناس، تقول المرأة للرجل: أخي أخي، للرجل الذي لا قرابة بينها وبينه، تريد أن تقربه بذلك، لا أرى هذا في رأيي يحرم، هذا من أكثر كلام الناس، ولا أرى عليك في ذلك شيئا، فأقم مع امرأتك.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن المؤمنين بعضهم أولياء بعض، وإخوة لبعض؛ قال : ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١] ، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠] ، وقال ﷺ : «لا يحل للمسلم أن يهجر أخاه السلم» الحديث، وقال ﵇: «من حق المسلم على أخيه أن يسلم عليه إن لقيه» الحديث، فوجب ألا يكون ما سمع من قول المرأة للرجل قبل أن تتزوجه: أخي أخي، مما يحرم عليه نكاحها، ولا المقام معها إذا نكحها؛ لأنها تقول ذلك على وجه الإطلاق والتقريب، وقد يقول ذلك الرجل للمرأة قبل أن يتزوجها، فلا يحرم ذلك عليه نكاحها، وقد يقول لامرأته يا أختي، فلا يكون ذلك طلاقا، ولا يعد ذلك فراقا، كما أنه قد يقول الرجل للصبي الذي لا يعرف له نسب يا بني افعل كذا وكذا، ولا تفعل كذا وكذا، فلا يعد ذلك استلحاقا منه له، ولا إقرارا به.
[مسألة: أولم بعد الدخول]
مسألة وسئل فقيل له: أترى إن أولم بعد الدخول؟ فقال: ليس بذلك بأس، أنا أرى أن يفعل ذلك.
стр. 2201
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن المعنى الذي من أجله أمر الرسول ﵇ بالوليمة، وحض عليه بقوله لعبد الرحمن بن عوف: «أولم ولو بشاة.» هو ما قاله ربيعة في رسم طلق، من سماع ابن القاسم، من كتاب النكاح، من إشهار النكاح وإظهاره ومعرفته؛ لأن الشهود يهلكون، فإذا كان ذلك هو المعنى في الوليمة، فلا تفوت بالدخول. ويستحب للرجل إذا لم يولم عند الدخول، أن يولم بعده، ليشهر بذلك نكاحه ويظهره، وبالله التوفيق.
[مسألة: أرضعت امرأة ابنا لي ألي أن أتزوج ابنتها]
مسألة قال: وسئل فقيل له: أرأيت إذا أرضعت امرأة ابنا لي، ألي أن أتزوج ابنتها؟ فقال: نعم، وما بينك أنت وبينها لا بأس بذلك.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال: إن إرضاع المرأة ابنه لا توجب حرمة بينه وبين ابنتها؛ لأنها لا تصير بذلك ابنة له، وإنما تصير أختا لابنه، فالحرمة إنما هي بين ابنه وابنتها، هو الذي لا يحل له نكاحها؛ لأن حرمة الرضاع لا تسري من قبل المرضع إلا إلى ولده الذكور والإناث، وإن سفلوا، فيجوز له أن يتزوج ابنة المرأة التي أرضعت ابنه؛ لأنها أخت ابنته من الرضاعة، ويجوز للمرأة التي أرضعت ابن الرجل، أن تتزوج أخو الولد الذي أرضعت، إذ لا حرمة بين الولد والمرأة وبين أبي أختها من الرضاعة، ولا بين الرجل وأم أخيه من الرضاعة، والرضاع في هذا بخلاف النسب، لا يحل للرجل أن يتزوج أم أخته من النسب؛ لأنها زوجة أبيه، ولا يحل للرجل أن يتزوج أخت ابنه من النسب؛ لأنها ربيبة، وأما نكاح الرجل أخت أخيه، أو أخت عمته، أو عمة عمته، فذلك جائز في الرضاع والنسب، إذ لا حرمة بينه وبين واحدة منهن.
стр. 2202
[مسألة: يزوج ابنه صغيرا امرأة كبيرة ثم يباري عنه فيتزوج المرأة أجنبي]
من سماع عيسى عن ابن القاسم
من كتاب نقدها نقدها
وسئل عن الرجل يزوج ابنه صغيرا امرأة كبيرة، ثم يباري عنه، فيتزوج المرأة أجنبي، فترضع تلك المرأة الصبي الذي بارأت، قال: تحرم على زوجها؛ لأنها حليلة ابنه؛ لأن الصغير كان زوجها وهي حليلة له، وقد صار ولدا لزوجها الأجنبي؛ لأنه رضع من لبنه، فقد صار ابنه من الرضاعة.
قال محمد بن رشد: وهذا بين على ما قال؛ لأن المرأة إذا أرضعت صبيا بلبن رجل صار ابنها من الرضاعة، وابنا لزوجها الذي كان اللبن منه من الرضاعة، فلما صار ابنا لزوجها، حرمت على زوجها، إذ قد كانت زوجة له، ولا يحل للرجل أن يتزوج زوجة ابنه؛ لقول الله : ﴿وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] ، وليس في قول الله : ﴿مِنْ أَصْلابِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] دليل على أن حلائل الأبناء من الرضاع حلال؛ لأن ذلك إنما جاء تحليلا لحلائل الأبناء الأدعياء، لا لحلال الأبناء من الرضاعة، وذلك أن النبي ﵇ لما تزوج بنت جحش وقد كانت زوجة لزيد بن حارثة الذي كان تبناه، قال المنافقون: وقد كان ينهى عن ذلك، فأنزل الله تجويز الفعلة: ﴿وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] ، وأنزل: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولا﴾ [الأحزاب: ٣٧] .
[مسألة: يسترضع ولدا من امرأة له قد طلقها]
مسألة وسئل عن الرجل يسترضع ولدا من امرأة له قد طلقها، أو
стр. 2203
من غيرها، فيعطيها رضاع سنة ثم يموت الأب، قال: إذا مات الأب كان ما بقي من أجر السنة التي بقيت بين الورثة؛ لأنه إنما كان يجب عليه رضاعه ما كان حيا، قيل له: فلو كان ابنه غلاما يأكل الطعام، وهو عند أم له قد طلقها، فهو يجري له النفقة عندها، فقدم إليها نفقة سنة، فمات، أو فلس بعد ستة أشهر، قال: إذا مات فما بقي من النفقة فهو للورثة، وأما إذا فلس، فإن كان حين جعل ذلك هو جائز الأمر قائم الوجه، ولم يأت في ذلك منه سرف ولا محاباة، ولا أمر يتهم عليه، فذلك جائز، وإن كان على غير ذلك، رد ما بقي عنده من النفقة. قد قال ابن القاسم في غير هذا الكتاب، في الرجل يدفع إلى امرأته نفقة ولده، وقد طلقها، فيدفع إليها نفقة كثيرة، ثلاثين دينارا ونحوها ثم يفلس، قال: إن كان يوم دفع إليها عليه دين يحيط بماله، أخذ ذلك كله منها؛ لأنه فار بماله، فإن لم يكن عليه دين لم يؤخذ منها شيء.
قال محمد بن رشد: قوله فيما قدم الرجل من أجرة رضاع ابنه، أو من نفقته إلى التي ترضعه أو تحضنه: إن الابن لا يستوجب ذلك، كالعطية المحوزة، إذ لم يدفعه على وجه العطية له، وإنما دفع ما يرى أنه لازم له، وهو لا يلزمه إلا ما كان حيا، ويكون ما بقي من ذلك إن مات الأب موروثا عنه، هو مثل قوله في كتاب الجعل والإجارة من المدونة، خلاف قول أشهب وروايته عن مالك، في أن ذلك كالعطية للابن يستحقها طول حياته، وإن مات الأب، وإن مات هو في حياة الأب رجع ما بقي منها إليه، كالعبد المخدم حياة المخدم، إن مات المخدم استحقه المخدم طول حياته، وإن مات المخدم رجع العبد إلى سيده المخدم، فكان القياس على قول ابن القاسم، إذ لم يراع تقديم الأب، فيما قدم من أجرة رضاع ابنه أو نفقته، وجعل ذلك كأنه في يده،
стр. 2204
يكون لورثته إن مات، ما بقي من ذلك أن يكون لغرمائه إن فلس ما بقي من ذلك أيضا، وإن كان يوم دفع ذلك وقدمه لا دين عليه، ولا يترك له من ذلك إلا قدر ما يترك للمفلس، إذا فلس من نفقة ولده الصغير، وذلك نفقة الأيام، على قوله في المدونة، والشهر على ما في الواضحة.
فقوله: إنه إن كان يوم دفع ذلك قائم الوجه، جائز الأمر، جاز ذلك للابن، إنما يصح على مذهب أشهب، وروايته عن مالك، الذي يرى ذلك عطية محوزة للابن، ويريد بقوله قائم الوجه جائز الأمر، أن يكون المفلس مأمونا عليه، مع كثرة ما عليه من الديون، مع ألا يتحقق أنها مستغرقة لجميع ماله، فيقوم من قوله هذا أن من وهب أو تصدق أو حبس أو أعتق، وهو غريم لقوم بديون كثيرة، إلا أنه قائم الوجه غير مخوف عليه الفلس، أن أفعاله غير مردودة، وإن لم يخص الشهود قدر ما معه من المال، وما عليه من الدين، وبهذا كان يفتي ابن زرب، ويستدل بهذه الرواية ويقول: لا يخلو أحد من أن يكون عليه دين. وقوله صحيح، واستدلاله حسن.
وأما إذا علم أن ما عليه من الدين يستغرق ما بيده من المال، فلا يجوز له هبة ولا عتق ولا عطية، ولا شيء من المعروف، ويجوز له أن يتزوج منه، وأن ينفق منه على ولده الذين يلزمه الإنفاق عليهم، وأن يؤدي منه ما لزمه من عقل جرح خطأ، أو عمد لا قصاص فيه، ولا يجوز له أن يؤدي منه عن جرح يجب عليه فيه القصاص. هذا معنى قول مالك في المدونة وغيرها، وبه يقول ابن القاسم؛ فقوله في آخر المسألة في الذي دفع ثلاثين دينارا أو نحوها لنفقة ابنه، ثم فلس: إنه إن كان يوم دفع ذلك عليه دين يحيط بماله أخذ ذلك كله منها؛ لأنه فار بماله، صحيح؛ لا اختلاف فيه إذا فلس بحدثان دفعها قبل أن ينفق منها شيء، وأما إن فلس بعد أن أنفق بعضها، فإنما يرد ما بقي منها، إذ من حق المديان أن ينفق على ولده مما بيده من المال، وإن كانت الديون مستغرقة له، ما لم يفلس.
وأما قوله فإن لم يكن عليه دين لم يؤخذ منها شيء، فقد بينا أن ذلك
стр. 2205
إنما يصح على قول أشهب وروايته عن مالك، لا على أصل ابن القاسم، وقد مضى في رسم العشور من سماع عيسى، من كتاب النكاح، طرف من هذا المعنى، فقف على ذلك، وبالله التوفيق.
[مسألة: تزوج ثلاث نسوة صغار وكبيرة فأرضعت الكبيرة الصغار]
ومن كتاب أسلم وله بنون صغار وسئل عن رجل تزوج أربع نسوة: ثلاث صغار، وواحدة كبيرة، فقامت الكبيرة فأرضعت الثلاث الصغار، فقال: إن كان دخل بالكبيرة حرمن عليه جميعا، وإن كان لم يبن بواحدة منهن، حرمت عليه الكبيرة منهن أبدا، واختار من سائرهن الثلاث الصغار واحدة، وفارق سائرهن في بعض الروايات، ولم يدخلها ولا تكلم عليه القاضي ﵁.
[أخوين ولد لأحدهما جارية وللآخر غلام فأرضع أحد الصبيين جدة الصبيين أم أبويهما]
من سماع سحنون من ابن القاسم قال سحنون: وسئل ابن القاسم عن أخوين ولد لأحدهما جارية، وللآخر غلام، فأرضع أحد الصبيين جدة الصبيين أم أبويهما، قال: لا يتناكحان أبدا.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن المرضع منهما يصير ابنا للجدة بإرضاعها إياه، فإن كان المرضع الصبي صار عما للصبية، وإن كانت المرضعة الصبية صارت عمة للصبي، ولا يحل للرجل أن يتزوج عمته ولا ابنة أخيه، وهذا إن كان الرجلان الأخوان اللذان ولد لأحدهما جارية، والآخر غلاما شقيقين أو لأم؛ لأن الأم تجمعها في الوجهين، ويصير من أرضعته أخا لهما جميعا، فيصير عم ابنة الآخر، إن كان المرضع الذكر، أو عمه ابن الآخر إن كانت المرضعة الأنثى، وكذلك إن كانا لأب، فأرضعت أحد الصبيين جدته،
стр. 2206
أو جدة الآخر من لبن من وطء الجد، وأما إن أرضعته بلبن من غير وطء الجد، فلا يوجب ذلك بينهما حرمة؛ لأن أخت العم وعمة الأخ من الرضاعة والنسب حلال، كأخت الأخ، وعمة العم، وبالله التوفيق.
[الصبي يموت أبوه ولا مال له ولا شيء له وللأم مال ولا لبن لها]
من سماع أصبغ من ابن القاسم سألت ابن القاسم عن الصبي يموت أبوه ولا مال له ولا شيء له، وللأم مال ولا لبن لها، وهي ترضع، أيجب عليها أن تسترضع له من مالها؟ قال: نعم، إني لأرى ذلك، ولو لم يجب ذلك عليها، إذا لم يكن لها لبن؛ أما كان عليها أن ترضعه إذا كان لها لبن؟
قال محمد بن رشد: هذا استدلال مغلوب؛ لأن وجوب إرضاعه عليها إذا كان لها لبن، أصل لإيجاب الله ذلك تعالى عليها بقوله: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٣٣] ، ووجوب ذلك عليها في مالها إذا لم يكن لها لبن، فرع مقيس عليه عند من شهد به، فلا يستدل بالفرع على أصله، وقد ذهب إسماعيل القاضي إلى أن ذلك لا يجب عليها، وإياه اختار أبو إسحاق التونسي، وقال: لو وجب عليها ذلك في عسر الأب إذا لم يكن لها لبن وهي مطلقة؛ لوجب ذلك عليها في يسر الأب إذا لم يكن لها لبن، وهي في عصمته، وقال ابن الكاتب: إنما يجب ذلك عليها من باب وجوب إعانة من يخشى هلاكه، لا من الوجه الذي وجب ذلك على الأب؛ لأن ذلك من النفقة، بخلاف اللبن الذي هو در من درها، وبالله التوفيق.
[مسألة: يشتري الجارية ولها ابنة ترضعها فيطأها وهي ترضع ابنتها]
مسألة قال أصبغ: قلت لابن القاسم: الرجل يشتري الجارية ولها ابنة ترضعها، فيطأها وهي ترضع ابنتها، ثم تكبر الابنة، فيريد هبتها لابنه يطأها قال: لا خير فيه، ولا يعجبني؛ لأن ماءه وقع في
стр. 2207
لبنها. قال ابن القاسم: وكذلك الرجل يتزوج المرأة ولها ابنة من غيره ترضعها، فيدخل فيطأها وهي ترضع، ثم تكبر الابنة، فيريد أن يزوجها ابنا له، لا يحل ذلك، ولا خير فيه؛ لأن اللقاح واحد.
قال محمد بن رشد: هذا بين لا إشكال فيه، على القول بأن لبن الفحل يحرم، وهو الذي عليه جماعة فقهاء الأمصار؛ لحديث عائشة، عن النبي ﵇ في شأن عمها أفلح أخي أبي القعيس، وقد رخصت في ذلك طائفة من العلماء لما جاء من فعل عائشة على ما مضى في أول رسم من سماع ابن القاسم.
[مسألة: له امرأتان وله أخ صغير فأرضعت إحدى امرأتيه أخاه]
مسألة قال أصبغ: قلت لابن القاسم: فالرجل تكون له امرأتان، وله أخ صغير، فأرضعت إحدى امرأتيه أخاه ذلك، فأراد أخوه ذلك أن يتزوج امرأة أخيه الأخرى التي لم ترضعه، وقد مات أخوه عنها أو طلقها، قال: لا يحل له ذلك، إنها امرأة أبيه حين أرضعته بلبنه.
قال محمد بن رشد: وهذا بين أيضا، لا إشكال فيه على القول بأن لبن الفحل يحرم كما مضى في المسألة التي فوق هذه، وبالله التوفيق.
[مسألة: ترضع صبيا بلبن رجل هو زوجها لها منه ولد ومن غيره ولد]
مسألة قال أصبغ: قال ابن القاسم: في المرأة ترضع صبيا بلبن رجل هو زوجها لها منه ولد، ومن غيره ولد، ولذلك الرجل ولد من غيرها، إن جميع ولدها من ذلك الرجل الذي أرضعت الغلام من لبنه، وجميع ولدها من غيرها، وولده من غيرها حرام على ذلك
стр. 2208
الصبي. قال أصبغ: وما يولد له منها ومن غيرها للأبد، وتلد من غيره حرام عليه. قال ابن القاسم: لأنه صار أبوه من الرضاعة، فكل ولد له أخوه، قال الرسول ﵇: «يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب» .
قال محمد بن رشد: ويحرم عليه أيضا بنات ولدها، وبنات ولده من الذكران والإناث ما سفلوا؛ لأنهم بنات إخوته، ويحرم عليه أيضا أمهاتها وجميع جداتها وإن علون؛ لأنهن جدات له وبناتهن؛ لأنهن عمات له وخالات، ويحرم عليه أيضا أخواتهما؛ لأن أخوات المرأة خالات له، وأخوات الرجل عمات له، ويحرم عليه أيضا عماتهما وخالاتهما، ولا يحرم عليه شيء من أولاد هؤلاء، وكذلك يحرم أيضا على ولد هذا الصبي وإن سفلوا، بنات المرأة المرضعة، وبنات الرجل الذي اللبن منه دنية، دون شيء من أولاد أولادهما وأمهاتهما وجداتهما، وبنات الأمهات والجدات، وأخواتهما دون شيء من بناتهما، والأصل في هذا أن حرمة الرضاع تسري من قبل المرضعة إلا إلى الولد وولد الولد، وبالله التوفيق.
[مسألة: أرضعته جارية جده بلبن من وطء جده أتحرم عليه بنات عمه]
مسألة قيل لأصبغ: فما تقول فيمن أرضعته جارية جده بلبن من وطء جده، أتحرم عليه بنات عمه أم لا؟ قال: نعم، قد صار عما لهن أخا أبيهن.
стр. 2209
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأنه إذا رضع جارية جده بلبن من وطء جده، صار ولدا لجده، وولد الجد عم يحرم عليه بنات عمه؛ لأنهن صرن بنات أخيه، وقد مضى هذا المعنى في سماع سحنون فوق هذا، وبالله التوفيق.
[مسألة: جارية أرضعتها جدتها لأمها]
مسألة وسئل عن جارية أرضعتها جدتها لأمها، أتحل لابن عمها وهو ابن خالتها أم لا؟ قال: لا تحل له إذا كان ابن خالتها؛ لأنها قد صارت ابنة للجدة برضاعها إياها، فصارت أختا لأمه، وصارت بذلك خالة الغلام، كخالة الولادة، فهي محرمة عليه، ولو لم يكن ابن العم من خالة، وكان لغير خالة، لم يضر ذلك إن شاء الله.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال؛ لأن الجدة للأم إذا أرضعت حفيدتها ابنة ابنتها، صارت ابنة لها، أختا لسائر بنيها وبناتها، فولد بعض بناتها ابن أختها وهي خالته، فلا تحل له، وولد بعض بنيها ابن أخيها، وهي عمته، كما أن الجدة للأب إذا أرضعت حفيدتها ابن ابنتها، صارت بذلك ابنتها أختا لسائر ولدها، فولد بعض ولدها الذكور ابن أختها وهي عمته، وولد بعض ولدها الإناث ابن أختها وهي خالته، وبالله التوفيق.
[مسألة: يتزوج المرأة فيدخل بها ثم يفارقها، فيتزوجها رجل آخر فتلد منه]
مسألة وقال في الرجل يتزوج المرأة، فيدخل بها، ثم يفارقها، فيتزوجها رجل آخر، فتلد منه، ثم ترضع جارية، هل يتزوج زوجها تلك الجارية التي أرضعها؟ قال: لا؛ قال ﵎: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٣] فإذا دخل الرجل
стр. 2210
بالمرأة حرم عليه كل ما ولدت أو أرضعت من غيره. قيل: فهل يتزوجها ابنه؟ قال: لا بأس بذلك، قال عيسى: إنما هو بمنزلة ما لو تزوج امرأة فوطئها ثم طلقها أو مات عنها ثم تزوجها زوجا فولدت له جارية، أنه لا بأس أن يتزوجها ابن الأول من غيرها، ولا بأس أن يتزوج ابنها من الأخرى ابنة الأول من غيرها.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال: إن الرجل إذا تزوج المرأة ودخل بها، لا يحل له أن يتزوج ما ولدت من غيره، ولا ما أرضعت قبله ولا بعده؛ لأنهن من الربائب المدخول بأمهاتهن المحرمات بنص التنزيل، قال : ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٣] ، والرضاع والنسب في ذلك سواء؛ لقول الله : ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء: ٢٣] ، وقول النبي ﵇: «يحرم من الرضاعة ما يحرم من الولادة» . وأما قوله فيما ولدت أو أرضعت بعده: إنه لا بأس أن يتزوجها ابنه، ومتابعة عيسى له على ذلك، فقد مضى القول فيه مستوفى في آخر سماع أبي زيد من كتاب النكاح، وبالله التوفيق.
[مسألة: تزوج امرأة كبيرة فدخل بها ثم تزوج صبية صغيرة فأرضعتها ختنته]
مسألة قال عيسى: قلت لابن القاسم: وإن تزوج امرأة كبيرة فدخل بها، ثم تزوج صبية صغيرة فأرضعتها ختنته: أم امرأته الكبيرة، كان له أن يختار أيتهما شاء، ويفارق الأخرى؛ لأنهما قد صارتا أختين حين أرضعتهما، وقد كان عقد النكاح فيهما حلالا. قال أصبغ: صواب حسن.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأنه لما أرضعت الصغيرة أم امرأته الأخرى صارتا أختين، فحرم عليه المقام معهما جميعا، ووجب عليه أن
следующие страницы →