← Фикх малики

Фикх малики · id 21751

البيان والتحصيل

ابن رشد الجد

Полный текст (9 112 стр.). Показаны 2136–2175 · переход к 2141.

стр. 2136

سمعته بعد ذلك يقول في السفيه يتزوج ثم يموت، إنها لا ميراث لها منه إذا لم يكن وليه علم وينتزع منها جميع ما أعطاها، إلا قدر ما تستحل به، ربع دينار، إذا كان أصابها. قال محمد بن رشد: قوله: سمعته بعد ذلك يقول، ليس بخلاف لما حكاه عنه أولا، وإنما فيه زيادة التكلم على حكم الصداق أنه يبطل كما يبطل الميراث، ولا يكون لها شيء إلا قدر ما تستحل به الفرج، إذا كان قد دخل بها. ووجه هذا القول: أن النظر في النكاح يرتفع بموت السفيه، ولا يرفع بموت الزوجة. فإذا مات هو لم يكن لها صداق ولا ميراث، لكون النكاح محمولا على الرد حتى يجاز، وإذا ماتت هي نظر له الولي فيما يرى له من الحظ في إجازة النكاح أو رده، إذ قد يكون الميراث أكثر من الصداق، فيكون الحظ له في إجازة النكاح. وقد يكون الصداق أكثر من الميراث، فيكون الحظ له في رد النكاح. وقد قيل: إن نكاح السفيه بغير إذن وليه محمول على الجواز حتى يرد، وقيل: إن النظر فيه يرتفع بموت من مات منهما، وقيل: إن النظر فيه قائم لا يرتفع بموت من مات منهما. فيتحصل على هذا في المسألة ثمانية أقوال: أحدها هذا وهو قول مطرف وابن الماجشون، وأبيه، وعبد العزيز بن أبي حازم. والثاني أنهما يتوارثان ويمضي الصداق على القول بأن النكاح محمول على الإجازة حتى يرد وأن النظر في النكاح يرتفع بموت من مات منهما. وهذا القول حكاه ابن حبيب عن ابن القاسم من رواية أصبغ عنه. والثالث أنهما لا يتوارثان، ويبطل الصداق، إلا أن يكون قد دخل بها، فيكون لها منه قدر ما يستحل به الفرج، على القول بأن النكاح محمول على الرد يجاز، وأن النظر فيه يرتفع بموت من مات منهما. وهو قول ابن القاسم في العشرة، والرابع أن الميراث بينهما ثابت مراعاة الاختلاف ويبطل الصداق، إلا أن يكون قد دخل بها، فيكون لها قدر ما تستحل به الفرج،

стр. 2137

على القول بأن النكاح محمول على الرد حتى يجاز، وأن النظر فيه يرتفع بموت من مات منهما، وهو قول ابن القاسم في العشرة. والخامس أن الميراث بينهما مراعاة للاختلاف وينظر في النكاح، فإن كان نكاح غبطة مما لو نظر فيه الولي يوم وقع أجازه، كان لها الصداق، دخل أو لم يدخل. وإن كان على غير ذلك بطل الصداق إلا أن يكون قد دخل بها، فيكون لها قدر ما تستحل به الفرج. وهو قول أصبغ في الخمسة. والسادس أن الميراث بينهما مراعاة للاختلاف، ويبطل الصداق إن كان الزوج هو الميت، وينظر في النكاح إن كانت الزوجة هي الميتة، فإن كان نكاح غبطة كان لها الصداق، وإن لم يكن نكاح غبطة بطل الصداق، إلا أن يكون كان الزوج قد دخل، فيكون لها قدر ما يستحل به الفرج. وهذا القول يتخرج على القول بأن النكاح على الرد حتى يجاز، وأن النظر في النكاح يرتفع بموت الزوج، لا بموت الزوجة. والسابع أن الميراث بينهما مراعاة للاختلاف، ويثبت الصداق إن كان الزوج هو الميت، وينظر في النكاح إن كانت الزوجة هي الميتة على ما ذكرناه في القول الذي قبل هذا. وهذا القول يتخرج على القول بأن النكاح على الجواز حتى يرد، وأن النظر في النكاح يرتفع بموت الزوج، لا بموت الزوجة. والثامن أنه ينظر في النكاح، فإن كان نكاح غبطة مما لو نظر فيه الولي أجازه، كان الميراث بينهما، ووجب لها الصداق. وإن كان على غير ذلك لم يكن بينهما ميراث، ولا كان لها صداق، إلا أن يكون قد دخل بها، فيكون لها قدر ما تستحل به وبالله التوفيق. [مسألة: يتزوج المرأة بعبد غائب] مسألة قال: وسمعت ابن القاسم وسئل عن الذي يتزوج المرأة بعبد غائب قال: لا بأس به. وإن كانت غيبة بعيدة، وإن كان لا يدخل بها، وهي مثل الاشتراء لا بأس أن يشتريه إن كانت غيبة

стр. 2138

بعيدة. وإن كانت غيبة العبد قريبة في الذي تزوجت به فلا بأس أن يدخل بها مثل الاشتراء أيضا. وإن أصيب العبد فلها قيمته، قال: وإن لم تعلم المرأة العبد ولم يوصف لها فلا ينبغي التزويج على ذلك، كما لا ينبغي اشتراء عبد آبق، ولا بعير شارد، ولا شيء غائب غير موصوف، فإن وقع النكاح على ذلك فسخ، إن كان لم يدخل بها، وإن كان قد دخل بها كان لها صداق مثلها. قال محمد بن رشد: أجرى ابن القاسم النكاح بالعبد الغائب مجرى البيع في جميع الأحوال، فقال: إنه لا بأس أن يتزوج به وإن كانت غيبة بعيدة، يريد: ما لم يتفاحش بعد ذلك، وقد اختلف في حد ذلك، فحكى الفضل عن أصبغ أنه أجازه فيما بين إفريقية والمدينة، وأراه غلطا؛ لأن الذي حكى عليه ابن مزين، أنه إنما يجوز في مثل ما بين المدينة ومصر، وفيما بين مصر وإفريقية، وهو قول ابن حبيب في الواضحة، وزاد قال: وعلى مسيرة العشرين والشهر ونحوه. ولم يجز ابن القاسم أن يدخل بها في الغيبة البعيدة، كما لا يجوز النقد فيه. وقد أجاز أن يدخل بها في القريب الغيبة، كما لا يجوز النقد فيه. وحد القرب على ظاهر قوله إذا قاسه على الشهر اليوم واليومين والثلاثة، ونحو ذلك. وقال أصبغ: الأربعة والخمسة. وأجاز ابن حبيب للزوج أن يدخل بها في البعيد الغيبة، إلا أنه استحب أن يعطيها ربع دينار عند ابتنائه بها قبل قبضها الرقيق الغائبة، ففرق بين الدخول في النكاح، والنقد في البيع. وقوله: فإن أصيب العبد فلها قيمته، يريد في القريب الغيبة والبعيد، على ما اختاره من قول مالك، في أن المصيبة في الغائب الذي يشترى على الصفة من البائع حتى يقبضه المتاع، قربت غيبته أو بعدت. وقوله: إن لها قيمته، على أصله في أن الصداق إذا استحق وكان عرضا أن لها أن ترجع بقيمته. وعلى ما في رسم الطلاق من سماع أشهب، يكون لها

стр. 2139

صداق مثلها، إذ لا فرق بين المسألتين. وقد مضى القول على ذلك هنالك. وفي العشرة ليحيى أن المصيبة من المرأة بالعقد في النكاح، بخلاف البيوع. وزاد: ولو ماتوا قبل النكاح لا يفسخ النكاح، فيلزم على قياس قوله: إذا استحق الصداق وهو عرض قبل الدخول أن يفسخ النكاح، وكذلك إذا مات العبد الغائب المتزوج به بعد العقد وقبل القبض على القول بأن المصيبة من الزوج وبالله التوفيق. وأما إذا لم تعرف المرأة العبد ولم يوصف لها فلا إشكال ولا اختلاف في أنه نكاح فاسد، قبل الدخول ويثبت بعده بصداق المثل وبالله التوفيق. [مسألة: اليتيمة يزوجها وليها وقد أشعرت وقاربت الحيض] مسألة وقال: في اليتيمة يزوجها وليها وقد أشعرت وقاربت الحيض وجرت عليها المواسي وشارفت الحيض فأنكحت برضاها فذلك جائز، وقاله أصبغ: حسن. قال محمد بن رشد: قد تقدمت هذه المسألة، وتحصيل القول عليها في رسم شك في طوافه من سماع ابن القاسم، فلا معنى لإعادة ذلك أيضا في سماع ابن القاسم وأشهب وفي سماع عيسى. [مسألة: تزوج امرأة بكرا فدخل عليها فافتضها بأصبعه ثم طلقها] مسألة قال أصبغ: سمعت ابن القاسم يقول في رجل تزوج امرأة بكرا فدخل عليها فافتضها بأصبعه، ثم طلقها، أترى أن يكون لها الصداق كاملا لأنه قد فعل ذلك على وجه النكاح؟ قال: نعم، وليس بمنزلة الأجنبي يفعل ذلك بها، أرى في الأجنبي أن يكون عليه

стр. 2140

بقدر ما شانها. أصبغ: إن قيل هذا على الاستحسان فعسى، وإنه لضعيف، والقياس أنه وغيره بالأصبع سواء. وهو رأيي لا أرى غرم ذلك عليه واجبا، ولها نصف الصداق. قال محمد بن رشد: قد مضى لابن القاسم في سماع سحنون مثل قول أصبغ ها هنا، ومضى القول على المسألة هناك، فلا معنى لإعادته هنا مرة أخرى، وبالله التوفيق. [مسألة: يصيبه الجذام قبل الدخول فيفرق بينهما هل لها من الصداق شيء] مسألة قال أصبغ: سألت ابن القاسم عن الذي يصيبه الجذام قبل الدخول، فيفرق بينهما هل لها من الصداق شيء؟ قال: ليس لها من الصداق قليل ولا كثير؛ لأنها فارقته ولم تصبر عليه، بمنزلة النصرانية تسلم قبل الدخول فلا يكون لها من الصداق شيء، كذلك قال في مسألتك: إنه لا صداق لها ولا شيء. قال أصبغ: وهو قول مالك في النصرانية أيضا، وهو قولنا جميعا. قال محمد بن رشد: هذا كما قال؛ لأن الزوج غلب على الفراق، ولم يكن منه طلاق، فوجب ألا يكون عليه شيء من الصداق؛ لأن الله إنما أوجب نصف الصداق قبل الدخول على المطلق بقوله: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧] الآية، وقد مضى هذا المعنى وما يتعلق به في سماع سحنون، وبالله التوفيق. [مسألة: يتزوج المرأة ثم يجد بها ضررا ترد منه وقد مسها] مسألة قال أصبغ: قال: وسمعت ابن القاسم وسئل في الذي يتزوج

стр. 2141

المرأة ثم يجد بها ضررا ترد منه، وقد مسها، إنه إن كان الولي قريب القرابة، يريد ممن يعلم بدائها، ولا يخفى عليه، ولا يعذر فيه، ترك لها القليل والكثير، ورجع الزوج على الولي بصداقه، يعني كله، ولم يرجع الولي عليها به، فإن لم يجد عند الولي شيئا، ووجده معدما، لم يرجع على المرأة بشيء ولم ينزع منها شيئا؛ لأن الولي هو الذي غره وليس هي التي غرته من نفسها، ولعلها أن تكون بكرا، فليس عليها هي أن تخرج إلى الخاطب فتعلمه بدائها، ولا ترسل إليه. وهذا على الولي، فإن لم يجد الزوج للولي شيئا اتبعه به دينا، ولم يُنزع من المرأة شيء. وقاله أصبغ. والبكر والثيب سواء، إذا كان من الأولياء الذين يعلمون ذلك، ويحمل عليهم بالعلم. قال محمد بن رشد: التقريب القرابة من الأولياء، الذي يحمل على العلم بعيب المرأة، ويجب للزوج الرجوع عليه بالصداق، إذا لم يخبره بالعيب الأب والأخ والابن. قاله مالك في موطأه، وابن حبيب في الواضحة. وسواء كان العيب جنونا، أو جذاما أو برصا، أو داء في الفرج خفيا، أو ظاهرا على ظاهر قوله في هذه الرواية. إذ قال فيها ضررا ترد منه، ولم يخص ضررا من ضرر. وهو قول ابن حبيب في الواضحة. وقول أصبغ: والبكر والثيب في هذا سواء، صحيح؛ لأن البكر أمرها كله إلى الأب. والثيب إذا وكلته على أن يزوجها، فقد وكلته على أن يخبر بما علمه من عيبها، إذ لا يجوز له سوى ذلك، فإذا كتم ذلك كان قد غر ووجب عليه الرجوع. قال في الرواية: فإن وجده معدما لم يرجع على المرأة بشيء. ووجه ذلك أنه لم يقع منها تقصير ولا غرور. وقال ابن حبيب: في الواضحة أنه يرجع عليها إن كانت موسرة، فإن كانا معدمين رجع على أولهما يسرا، ولم يكن لمن رجع عليه منهما أن يرجع على صاحبه بما رجع عليه. ووجه إيجابه الرجوع على المرأة في عدم الولي، أن الصداق وإن كان الولي قد غر الزوج، فقد حصل إلى المرأة بغير حق، فلا يترك عندها منه إلا قدر ما يستحل به الفرج، إذا لم يجد الزّوج على

стр. 2142

من يرجع به، فإن كانت قد اشترت به جهازا أخذ منها ما اشترت، إذ ليست ها هنا بمتعدية، بخلاف إذا كانت هي الغارة، ووجب الرجوع عليها على ما ذكره ابن حبيب. واختلف إذا كان الأب أو الأخ غائبا غيبة طويلة، يخفى عليه في مثلها خبرها ومعرفة دائها وعيبها. فقال ابن حبيب: يحلف أنه ما علم به، ويسقط الغرم عنه ويرجع على الزوجة. وقال أشهب: بل يرجع عليه وإن خفي عليه، كما يرجع عليه في البرص الذي يكون في المكان الذي يخفى. وأما سائر الأولياء، فلا يجب الرجوع عليهم بشيء من الصداق؛ لأنهم يُحملون على أنهم لا يعلمون حتى يثبت عليهم أنهم علموا، فإن اتهم بمعرفة عيبها استحلف على ذلك. قاله ابن حبيب، يريد فإن نكل غرم، وإن حلف غرمتها المرأة. وفي كتاب ابن المواز لا يمين عليه، إلا أن يدعي عليه الزوج العلم فيحلف، فإن نكل غرم بعد يمين الزوج، فإن نكل الزوج أيضا عن اليمين أو حلف الولي سقط عنه الغرم في الوجهين، وبطل رجوعه على المرأة. قال فضل: وهو جيد على أصولهم فافهمه، يريد لأنه قد أبرأ المرأة إذا ادعى أن الولي قد علم؛ لأنه إذا علم بالعيب ولم يخبر به فهو الغادر. دون المرأة؛ لأنه العاقد للنكاح، والمرأة تقول: إنما وكلته على أن يزوجني ويخبر بعيبي، فإذا لم يفعل فهو الغار دوني. ولو زوجها بحضرتها ولم يخبر واحد منهما بالعيب، لكانا جميعا غارين، يرجع الزوج على من وجد منهما مليا، فإن رجع على الولي رجع الولي على المرأة، وإن رجع على المرأة، لم ترجع المرأة على الولي. وقد ذهب بعض المتأخرين إلى أن جميع الأولياء محمولون على العلم بالجنون والجذام؛ لأن الخبر بذلك يشيع، فلا يخفى ذلك على الجيران، فضلا على الأولياء. وهو ظاهر قول عمر بن الخطاب ﵁: أيما رجل تزوج امرأة وبها جنون أو جذام فمسها فلها صداقها كاملا، وذلك لزوجها غرم على وليها. قال هذا المتأخر: وكذلك البرص إذا كان في الوجه أو الذراع أو اللسان، وأما إن كان في سائر الجسم الذي تستره الثياب، فيحمل على العلم به الأب والأخ والابن، دون سائر الأولياء. قال: وأما عيب الفرج، فإن كان ظاهرا لا يخفى على الأم حين التربية حمل الأب وحده على العلم به، دون

стр. 2143

الأخ ومن سواه؛ لأن ذلك مما يستر عنه وعنهم، وإن كان مما قد يخفى عليها، لم يحمل الأب على العلم به. فقسم هذا القائل على أربعة أقسام: منها ما يحمل على العلم به جميع الأولياء، وهو الجنون والجذام والبرص فيما يظهر من البدن. ومنها ما لا يحمل على العلم به إلا الأب، وهو داء الفرج الذي لا يخفى على الأم. ومنها ما لا يحمل على العلم به إلا الأب والأخ والابن، وهو البرص فيما لا يظهر من البدن. وقد حكى الفضل في داء الفرج الخفي عن عيسى بن دينار، أن الرجوع في ذلك لا يكون إلا على المرأة، ونسبه إلى العتبية، ولم يقع ذلك له فيها عندنا مثل قول القائل فيه. وأصل مالك في هذه المسألة قول عمر بن الخطاب: أيما رجل تزوج امرأة وبها جنون أو جذام - قال في بعض الروايات: أو قرن - فمسها فلها صداقها كاملا، وذلك لزوجها غرم على وليها. وذهب الشافعي إلى أنه إنما يجب للزوج أن يردها بذلك ما لم يدخل ويمس، فإذا دخل ومس وجب عليه الصداق، ولم يكن له رد، وكانت امرأته، إن شاء طلق، وإن شاء أمسك. وروى ذلك عن علي بن أبي طالب ﵁، وهو أظهر في القياس. وذهب أبو حنيفة إلى أنه لا رد للزوج في ذلك قبل الدخول ولا بعده، قاله في هذه العيوب الكبار، قياسا على ما اتفق عليه في العيوب الصغار وبالله التوفيق. [مسألة: رجل زوج ابنا له كبيرا غائبا وزعم أنه أمره بذلك، فقدم الابن فأنكر] مسألة وسئل ابن القاسم عن رجل زوج ابنا له كبيرا غائبا، وزعم أنه أمره بذلك، فقدم الابن فأنكر، قال: يحلف ولا يكون على الأب صداق. قيل: أرأيت إن مات قبل أن يقدم ويعلم رضاه؟ قال: للمرأة الميراث مع الأب إن لم يكن له وارث غيره، وما يصيبها في نصيبه إن كان معها وارث غيره؛ لأنه يقر بأن لها معه في الميراث نصيبا حتى يشهد بأنها امرأته. قال أصبغ: بمنزلة وارث أقر بوارث

стр. 2144

آخر، فهذا يرث في نصيبه، فأما النكاح فلا. قال محمد بن رشد: أوجب ابن القاسم في هذه المسألة على أنه ما أمره أن يزوجه. ومثله في أصل الأسدية، وقال في المدونة: إن النكاح لا يثبت إذا أنكر ولم يذكر يمينا. وقال فضل: رواية أصبغ في إيجاب اليمين على الابن بعيدة جدا؛ لأنه لم يقر بأمر في شيء، فأما تضعيفه لإيجاب اليمين عليه فصواب؛ لأنها يمين لا يوجب النكول عنها حكما، وإنما أمره باليمين، رجاء أن يقر فيلزمه النكاح، وأما تعليله بذلك، بأنه لم يقر بأمر في شيء، فليس بعلة صحيحة، إذ لا فرق في إيجاب اليمين عليه بين أن ينكر أن يكون أمره بشيء، وبين أن ينكر أن يكون أمره بتزويج هذه، ويقر أنه أمره بتزويج غيرها. وقد مضى الاختلاف في هذا المعنى في رسم البز من سماع ابن القاسم، وفي رسم أول عبد ابتاعه من سماع يحيى. وأما قوله إنه يحلف ولا يكون على الأب صداق، فهو مثل ما في المدونة لابن القاسم؛ لأنه قال فيها: إنه لا يلزمه شيء من الصداق، وإن كان قد ضمنه عنه. وقد قيل: إنه يلزمه نصف الصداق، وإن لم يضمنه عنه. وهو قول ربيعة، وقيل: إنه لا يلزمه إلا أن يكون ضمنه عنه. وإلى هذا ذهب ابن المواز، وحكاه عن أصحاب مالك، وهو قول غير ابن القاسم في المدونة يضمن الرسول ما ضمن. والاختلاف في وجوب نصف الصداق على الأب جار على اختلافهم في الفسخ. هل يكون بطلاق أو بغير طلاق. فروى محمد بن أبي السبئي عن مالك أنه كان فسخا بغير طلاق، وروى عيسى عن ابن القاسم في المدنية أنه يكون فسخا بطلاق. وقد مضى القول في أول رسم من سماع ابن القاسم الاختلاف في وقوع الحرمة به. فهو على هذا الأصل. وأما قوله في الميراث فصحيح لا اختلاف فيه ولا كلام، وبالله التوفيق. [مسألة: تزوج ابنته وهو غائب يزوجها رجل تم يقدم الأب فيقول أنا أمرته بذلك] مسألة قال أصبغ: سمعت أشهب وسئل عن الذي تُزَوَّج ابنته وهو

стр. 2145

غائب، يزوجها رجل، تم يقدم الأب فيقول: أنا أمرته بذلك، وفوضته إليه، أيصدق ويجوز ذلك؟ قال: لا يجوز ذلك ولا يصدق، إلا أن تكون من النساء اللاتي يجوز أن يزوجهن غير الآباء من الأولياء، فيجوز إذا قال ذلك. قال أصبغ: يعني الثيب ها هنا، والبكر في الجواب الأول. قال محمد بن رشد: الفرق بين الثيب والبكر، أن الرجل إذا زوجت ابنته البكر بغير إذنه، فهو عقد فاسد، لا يجوز للأب أن يجيزه، فإذا قال: أنا أمرته اتهم أن يكون أراد إجازة العقد الفاسد، وإذا ولت الثيب على نفسها رجلا أجنبيا فزوجها، كان للولي إجازة النكاح وفسخه، إلا أن يطول بعد الدخول فلا يفسخ. فإذا قال الأب أنا أمرته كان أحرى أن يجوز. وعلى قول غير ابن القاسم في المدونة، وإن أجازه الولي لم يجز؛ لأنه عقد غير ولي ليصدق الأب في الثيب أيضا؛ لأنه يتهم على إمضاء العقد الفاسد. وبالله التوفيق. [مسألة: دخل بها في نكاح فاسد ففرق بينهما فتزوجها رجل في الحيض] مسألة قال: وسئل أشهب عن النكاح الفاسد الذي يفسخ إذا دخل بها، ففرق بينهما، فتزوجها رجل في تلك الحيض الثلاث دون الاستبراء، ففرق بينهما، أله النكاح بعد ذلك؟ قال: لا تحل له أبدا. وقاله أصبغ وهي عدة. قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن حكم التزويج في العدة من النكاح الفاسد والصحيح سواء، بإجماع العلماء، لا يفرق أحد منهم في ذلك بينهما، وإنما اختلفوا فيهما جميعا اختلافا واحدا على ما مضى في رسم الطلاق الثاني من سماع أشهب وبالله التوفيق. [مسألة: يقيم البينة على امرأة أنه تزوجها وهي تجحد ذلك] مسألة قال: وسألت أشهب عن الذي يقيم البينة على امرأة أنه

стр. 2146

تزوجها وهي تجحد ذلك، وتقيم أخت تلك المرأة على ذلك الرجل بعينيه البينة أنه تزوجها، وهو ينكر ذلك، ولم توقت البينة وقتا، وهم متكافئون في العدالة أو غير متكافئين. قال: أرى أن يفسخ النكاحان أيضا، وسواء كانوا متكافئين أو غير متكافئين في هذا. قلت له: فإن شهدت بينة كل واحد منهما على الدخول، قال: ذلك سواء، يفسخ دخل أو لم يدخل، فإن دخل بهما أزواجهما فالصداق لهما. قال: وسألت ابن وهب، فقال لي مثله. قال محمد بن رشد: وهذا كما قالا إن فسخ النكاحين جميعا واجب إذا كانت البينتان عدلتين، وإن كانت إحداهما أعدل من الأخرى؛ لأن النكاح الثاني فاسد على كل حال، إذ لا يجوز نكاح الأخت على الأخت لنهي الله عن الجمع بينهما. فلما لم يعلم أيهما هو، وجب أن يفسخا جميعا. والفسخ منه بطلاق، ولا عدة على واحدة منهما ولا صداق لها إن كان لم يدخل بها. وإن ماتت التي أقام البينة أنه تزوجها قبل أن يفسخ النكاح بينه وبينها، كان له نصف ميراثها؛ لأن المنازعة في ميراثها بينه وبين الورثة. يقول هو: هي زوجتي، فلها ميراثها. ويقول الورثة: بل الأخرى هي زوجتك؛ لأنك تزوجتها أولا ونكاح هذه فاسد، فلا ميراث لك منها، فيقسم بينهما بنصفين للتداعي. وإن قالت الورثة: لا ندري لعل الأخرى هي التي تزوجت أولا، فلا ميراث لك من هذه، حلف وأخذ جميع ميراثها، وقيل: إنه لا ميراث له منها إلا بيقين، وإن مات هو قبل الفسخ كان الميراث والصداق للتي ادعت أنه تزوجها وأقامت البينة على ذلك؛ لأنه قد علم أن الميراث لأحدهما، والأخرى تنكره، فلا شيء لها من الميراث ولا من الصداق إذا لم يدخل بها.

стр. 2147

وعلى كل واحد منهما من العدة أربعة أشهر وعشرا إن كان لم يدخل بها، وأقصى الأجلين إن كان قد دخل بها. [مسألة: قال له زوج فلانا ابنتك بخمسين دينارا وهي علي لك ففعل ثم مات] مسألة قال أصبغ: سمعت أشهب وسئل عمن قال لرجل: زوج فلانا ابنتك بخمسين دينارا، وهي علي لك، ففعل، ثم مات المعطي قبل أن يقبض ذلك منه، وقبل أن يدخل الزوج بالمرأة. قال: يؤخذ من ماله، فقيل له: أفيرجع بها ورثته على الزوج؟ قال: إن كان ضمانا رجعوا عليه بها، وإن كان صلة لم يرجعوا عليه بشيء. قال محمد بن رشد: قوله: إن كان ضمانا رجعوا عليه، يفيد أن لفظ الضمان في عقد النكاح حمالة لا حمل، خلاف قوله في سماع سحنون. وقد مضى القول على ذلك هناك. وفي رسم الكبش من سماع يحيى، ولم يبين على ما يحمل قوله وهي: لك علي، إن كان على الصلة التي هي بمعنى العطية، والحمل على الضمان الذي هو بمعنى الحمالة، والأظهر أن يكون محمولا على الصلة حتى يتبين أنه أراد بذلك الحمالة. [مسألة: تزوج امرأة وشرطوا عليه ألا يدخل بها خمس سنين] مسألة وسئل عن رجل تزوج امرأة وشرطوا عليه ألا يدخل بها خمس سنين، قال: بئسما صنعوا والشرط باطل، والنكاح جائز ثابت، وإن أراد الدخول قبل ذلك فذلك له. قال أصبغ: مالك يقول: إن كان لصغر أو لطعون فلهم شرطهم. وقول مالك إنما يشبهه اشتراط تأخيرها، وما هو عندي أنا بالقوي، إذا احتملت الدخول بالرجال والوطء.

стр. 2148

قال محمد بن رشد: قوله في اشتراط تأخير البناء خمسة أعوام، إن الشرط باطل والنكاح ثابت جائز صحيح، على مذهب مالك في أن الشروط التي لا تفسد النكاح لا تلزم إذا لم تكن مقيدة بتمليك أو طلاق، حسبما مضى في رسم الطلاق الثلاث من سماع أشهب. وما حكى أصبغ عن مالك أنه يلزم الشرط إن كان لصغر أو طعون، معناه في السنة ونحوها، كذلك وقع له في المدونة. ويريد بالصغر، الذي قد يمكن معه الوطء، وأما إن كانت في سن من لا يوطأ مثلها، فمن حق أهلها أن يمنعوه من البناء بها حتى تدرك وتطيق الرجال، وإن لم يشترطوا ذلك، كذلك في المدونة. ولما كان البناء قد يحكم بتأخيره إذا دعت إليه الزوجة، وإن لم يكن في ذلك شرط، حسب ما مضى في رسم الطلاق الأول من سماع أشهب، ألزم مالك الشرط فيما قرب من المدة وهي السنة؛ لأنها حد في أنواع كثيرة من العلم، من ذلك العنّين يؤجل سنة، والجراح يتربص سنة، والعهدة في الجنون والجذام والبرص سنة، وأشباه هذا كثير. وبالله التوفيق. وقول أصبغ: وما ذلك بالقوي إذا احتملت الدخول بالرجال والوطء، يريد أنه ليس على حقيقة القياس، وإنما هو استحسان وبالله التوفيق. [مسألة: نكح فلما فرغ من العقدة استكتم الشهود] مسألة قال أصبغ: سألت أشهب عمن نكح، فلما فرغ من العقدة استكتم الشهود. قال: إن لم تكن تلك نيته، وعليه نكح. يعني بالضمير فلا بأس به. قلت: فإن كان على ذلك نكح وهو نيته. أيفارق؟ قال: نعم يفارق. قال أصبغ: محمول قوله ضميره هو، ولست أرى ذلك يُفسد النكاح إن لم يكن إلا ضميره في نفسه؛ لأنه ينكح وضميره الفراق، فلا يكون بذلك بأس. ولكن إن كان بذلك الضمير،

стр. 2149

تحقيق مواطأة بينه وبين المرأة والأولياء، وعلى وجه مأخذ النكاح بالاستتار منهم، فهو الفاسد. وهو من وجه نكاح المتعة، وهو الذي يفارق كما قال ولا يقيم عليه. قال محمد بن رشد: ذهب أبو إسحاق التونسي إلى تصحيح قول أصبغ، وتصويب اعتراضه على أشهب. فقال: أما ضميره هو وحده فلا يضر ذلك النكاح؛ لأن الفساد إذا كان من جهة واحدة لا يضر النكاح. وقول أشهب يفارق، فيه ضعف، إلا أن يكون عنده أن فساد العقد إذا كان من جهة أحد المتعاقدين، يفسد فيلزم عليه لو تزوجها بحر أو بعبد اغتصبه، ولم تعلم أن النكاح فاسد. وإن كان سحنون قد قاله في الذي تزوج بالحر ولم يقبله في الذي تزوج بالعبد المغصوب، وليس عندي بصحيح؛ لأن أشهب لم يقل: إن النكاح يفسد بضميره هو، ولا أن النكاح يفسخ بذلك كما تأوله عليه أصبغ، وإنما رأى له أن يفارق امرأته استحسانا من غير إيجاب يُحكم عليه به، لكون الفساد من جهته خاصة بإقراره على نفسه أنه نوى قبل العقد الكتمان للذي ظهر منه بعد العقد. وقوله صحيح؛ لأن الفساد لما لم يوجد إلا من جهته لم يصح أن يحكم بالفراق؛ لأن ذلك حكم على الزوجة بفساد لم يثبت، ولا أقرت به. ووجب لما كان الزوج مالكا للطلاق أن يؤمر بالفراق، لإقراره على نفسه بالفساد؛ لأنه نوى نية فاسدة، صدّقها بفعله، فوجب أن يكون لها تأثير في حقه الذي يملكه من الطلاق. ولو كانت الزوجة والأولياء هم الذين نووا الكتمان قبل العقد، واستكتموا الشهود بعده دون الزوج، لم يكن لذلك تأثير، إذ ليست المرأة مالكة للطلاق. وما حكى أبو إسحاق التونسي عن سحنون، من تزوج بحر لم تعلم به المرأة، فنكاحه فاسد، وهو خلاف ما مضى من قوله في رسم العشور، من سماع عيسى، مثل قول ابن الماجشون. وقد مضى القول على ذلك هنالك وبالله التوفيق.

стр. 2150

[مسألة: تزوج جارية على أنها بكر فدخل عليها فزعم أنه وجدها ثيبا ولا عذرة لها] مسألة قال أصبغ: وسمعت أشهب وسئل عمن تزوج جارية على أنها بكر، فدخل عليها فزعم أنه وجدها ثيبا ولا عذرة لها، قال: تلزمه، ولا شيء له، قيل: فأتى إلى أبيها فقال: زوجتني على أنها بكر، فلم أجدها ذلك، فردوا عليّ مالي. فقال أبوها: صدقت، كانت تكنس في البيت فدخل ذلك منها شيء، فذهب منها وهي لا تعلم، فأمسك يا هذا مالك ولا تتكلم. قال: يرجع الأب على الزوج. فيأخذه، ولا شيء للزوج في ذلك. قال أصبغ: لا أرى ذلك، ولا يعجبني ما قال من وجهين: من وجه أنه إن كان شرطا مشروطا عليه نكح باشتراط في النكاح، فله الرد، وهو كاشتراط البياض وصحة العينين وألا عيوب، وكاشتراط المال يكون لها، إن لها كذا وكذا اشتراطا عليه يتزوج، فيجده على غير ذلك، وإن لم يكن اشتراطا في العذرة، فقد دفعه الأب طائعا، فليس له بالجهالة رجوع، ولا يصدق، ويحمل على إرادة الستر منه؛ لأنه قد صارت كالفرقة؛ لأن ذلك يكون له فرقة، وترجع به المرأة على الأب إن كان انتزعه منها فأعطاه إياه. قال محمد بن رشد: الشرط في النكاح، هو أن يتزوج الرجل المرأة على أنها على صفة كذا، أو على أن لها من المال كذا، أو على أن لا يفعل كذا وكذا، أو على أن لا يمنعها كذا وكذا، وما أشبهه. قال: فالذي تزوج المرأة على أنها بكر، فقد شرط ذلك، ولا اختلاف بينهم فيمن تزوج امرأة بشرط أنها على صفة فلم يجدها على تلك الصفة، أن له الرد. وإنما قال أشهب: إنها تلزمه ولا شيء له؛ لأن البكر في اللسان هي التي لم يكن لها زوج، عذراء

стр. 2151

كانت أو غير عذراء، فلم يعذره بالجهل، ورآها لازمة له حتى يتزوج على أنها بكر عذراء. قال ابن لبابة: أو يقع في الشرط بيان، بأن يقول على أنها بكر، فإن لم تكن بكرا رددتها، وذلك نحو ما في نوازل سحنون من كتاب العيوب، في الذي يشتري العبد فيقول للتاجر: هل فيه من عيب؟ فيقول: هو قائم العينين، فيسأل عن قائم العينين، فيقال: هو الذي لا يبصر، إن البيع لازم، وليس له أن يرده. ولو وصفها الولي عند الخطبة بأنها عذراء، ولم يشترط ذلك عليه لجرى ذلك على الاختلاف في الذي يصف وليته بالجمال والمال، فتوجد على خلاف ذلك. وقد مضى القول في ذلك في رسم يوصي من سماع عيسى. فإذا لم يكن الشرط عاملا في العذرة، ورد الأب الصداق إلى الزوج على ما طلب، فلا يخلو ذلك من ثلاثة أوجه: أحدها أن يكون رده إليه على شرط الفراق كالفدية، والثاني أن يكون رده إليه على أن تكون زوجته بحالها باقية في عصمته. والثالث أن يكون رده إليه على غير بيان. فأما إذا رده إليه على شرط الفراق، فهو له، لا يرجع به عليه؛ لأنه أخذه على عوض، وهو الفراق وترجع الزوجة على أبيها به؛ لأنه أتلفه عليها بغير حق. وأما إذا رده إليه على أن تكون زوجته بحالها باقية في عصمته، فللأب أن يرجع به عليه، يأخذه لابنته، عذر بالجهل في الخطأ على مال ابنته أو لم يعذر على ما ذهب ابن القاسم الذي لا يجيز هبة الأب مال ابنه الصغير. وأما على مذهب مطرف وابن الماجشون، الذي يرى عطية الأب مال ابنه الصغير سائغة للمعطي، وعلى الأب عوض ذلك من ماله، اشترط له العوض أو لم يشترطه. فإن عذر بالجهل كان له الرجوع على الزوج بما دفع إليه، وإن لم يعذر بالجهل كان له ما رد إليه، ولزمه غرم ذلك لابنته. وقد اختلف في ذلك، والاختلاف فيه إنما يعود إلى هل يصدق فيما ادعاه من الجهل أم لا؟ وأما إذا رده إليه على غير بيان، فحمله أشهب على غير الفدية، وأوجب للأب الرجوع بما رده إليه، وحمله أصبغ على الفدية وجعل للزوج ما رد إليه الأب من الصداق، بما ألزمه نفسه من الفراق، وأوجب على الأب غرم ذلك لابنته. وهذا كله إذا لم يحمل تزويجه إياها على أنها بكر شرطا في العذرة، وأما إذا حمل على أنه شرط في

стр. 2152

العذرة، فالذي فعله الأب من رد الصداق إليه على الفدية سائغ للزوج وماض على الابنة؛ لأنه هو الواجب في ذلك، وليس في قول أصبغ بيان على ما يحمل الشرط من ذلك، إن كان على ما يقتضيه اللسان، على ما ذهب إليه أشهب، أو على ما يعرفه عامة الناس من أن البكر هي ذات العذرة. وقوله: لأنه قد صارت كالفرقة صحيح عند محمد. وفي بعض الكتب كالفدية، وهو أصح في المعنى. ولا حد على الذي ادعى أنه وجد زوجته البكر ثيبا؛ لأن العذرة قد تذهب بغير الجماع، فإن أعاد ذلك عليها في العتاب، أو بعد فراقها بسنين، حلف ما أراد بذلك قذفها، وسقط عنه الحد. وقع ذلك في المدونة لمالك وابن القاسم. وهذا كله ما لم يتبين أنه أراد به الفاحشة والله أعلم. [مسألة: تزوج امرأة وله امرأتين فشرط لها أن امرأته طالق وقال أردت فلانة] مسألة قال أصبغ: سألت عن رجل تزوج امرأة وله امرأتين سواها قد عرفت إحداهما فشرط لها أن امرأته طالق، ثم قال: أردت بإحداهما فلانة، لغير التي تعرف. قال: ذلك له، ويحلف، أنه إنما أراد الأخرى، يعني التي لم تعرفها، ويكون القول قوله. وقاله أصبغ. قال محمد بن رشد: هذا بين على القول بأن اليمين على نية الحالف، ويلزم على القول إن اليمين على نية المحلوف له أن يُطلَّقا عليه جميعا: إحداهما بما نوى والأخرى بما نوت الزوجة المحلوف لها. والله أعلم. [مسألة: يشترط لامرأته أن كل امرأة يتزوجها عليها فأمرها بيدها] مسألة وسئل عن الذي يشترط لامرأته أن كل امرأة يتزوجها عليها فأمرها بيدها، فأذنت له أن ينكح فنكح، ثم أرادت أن تطلق عليه، قال: ذلك لها، وكذلك لو شرط لها أن كل جارية يتسررها عليها

стр. 2153

فأمرها بيدها، إن شاءت أعتقت وإن شاءت أمسكت، فأذنت له أن يشتري جارية ويتسررها ففعل، فأرادت أن تعتق عليه، قال: ذلك لها، قيل له: فإن اشترط لها إن تزوج أو تسرر عليها فأمر الجارية وعتقها بيدها، فقالت: اشهدوا أنه إذا تزوج أو تسرر فقد طلقت عليه وأعتقت، ثم تزوج أو تسرر، قال: ذلك الطلاق والعتق باطل، إلا ما يطلق أو يعتق من ذي قبل، حين تزوج أو تسرر، وقاس قوله في هذا الأصل كله بنظيره، ونحن نخالفه. قال محمد بن رشد: إنما رأى لها أن تطلق عليه وتعتق، ما تزوج أو تسرر، بعد أن أذنت له في التزويج والتسرر، من أجل أنه لم يستثن في الشرط إذنها، ولو استثناه فقال فيه: إلا بإذنها، فأذنت له، لم يكن لها أن ترجع، ولزمها الإذن على مذهبه، إذ لا اختلاف في ذلك، وإنما الاختلاف إذا لم يكن في الشرط إلا بإذنها، فرأى أشهب أن لها أن ترجع فتأخذ بشرطها وإن أذنت، بخلاف ذلك إذا كان في الشرط إلا بإذنها، ولم ير ذلك لها مالك، بمنزلة إذا كان في الشرط إلا بإذنها، فساوى مالك بين الوجهين جميعا، وفرق بينهما. وقد مضى القول على هذه المسألة موعبا في أول رسم من سماع ابن القاسم. وأما إذا قالت: اشهدوا أنه إذا تزوج أو تسرر فقد طلقت وأعتقت، فينفذ عليه الطلاق والعتق عند مالك، خلاف قول أشهب. والاختلاف في هذا كله جار على أصل مختلف فيه، وهو الاختلاف في لزوم إسقاط الحق قبل وجوبه. وبالله التوفيق. [مسألة: السفيه أيزوج أخته] مسألة قال: وسمعت أشهب وسئل عن السفيه أيزوج أخته؟ قال: نعم، حسبته قال: إن كان ذا رأي فيما أعلم، ولا مولى عليه. وإن كان سفيها، وإلا فلا.

стр. 2154

قال محمد بن رشد: القائل حسبته قال، إلى آخر قوله، هو أصبغ، وفي قوله التباس؛ لأنه عبر عن الظن بالعلم، وقدم وأخر، فتقدير قوله حسبت: أشهب، زاد فيما أظن على قوله: نعم، وهذا إن كان ذا رأي، ولم يكن مولى عليه فزوجها وإن كان سفيها، وإلا فلا، فعلى هذا لم ير للسفيه إن كان في ولاية أن يزوج، وإن كان ذا رأي، ورأى للسفيه إذا لم يكن في ولاية أن يزوج أخته إذا كان ذا رأي، وكذلك ابنته البكر قبل البلوغ وبعده، وقد قيل: إن للسفيه المولى عليه أن يزوج أخته وابنته البكر قبل البلوغ وبعده، إذا كان ذا رأي. وهذا على القول بأن وصيه ليس بوصي على ولده، وقد مضى الاختلاف في ذلك في رسم المحرم من سماع ابن القاسم من كتاب النذور. فإن زوج السفيه المولى عليه، ولا رأي له، ابنته البكر، أو أخته، أو مولاته، أو أمته، فسخ النكاح، وقيل: ينظر فيه. وإن زوج السفيه المولى عليه وله رأي على مذهب من لا يرى له أن يزوج أخته، مضى النكاح، وإن زوج ابنته البكر، أو أمته نظر فيه، فإن كان صوابا أمضي، وإن زوج السفيه الذي ليس بمولى عليه ولا له رأي ابنته البكر، نظر فيه، وإن زوج أخته مضى، إلا أن يكون غير صواب، وإن زوج أمته، جرى ذلك على الاختلاف في جواز فعله في ماله، فلا اختلاف في أن المولى عليه إذا لم يكن له رأي لا يجوز له أن يزوج ابنته ولا أخته ولا أمته، ولا اختلاف في أن السفيه يجوز له أن يزوج ابنته البكر قبل بلوغها وبعده، وأخته ومولاته، إذا لم يكن في ولاية، وكان ذا رأي. ولوصي اليتيم المولى عليه أن يزوج إماءه باتفاق، واختلف هل له تزويج بناته الأبكار بعد بلوغهن، فيزوجهن على القول بأنهن في ولايته، ولا يزوجهن على القول بأنهن ليس في ولايته. وأما أخواته وعمامته ومولياته فلا يزوجهن، فإن فعل مضى ولم يفسخ. قاله ابن الهندي. واحتج له بمسألة كتاب الوصايا الأول من المدونة وهو بعيد، وإنما الاختلاف في الوصي المطلق، وذلك إذا قال الرجل: فلان وصي، هل له أن يزوج من لا ولاية له عليهن من قرابة الموصي ومولياته؟

стр. 2155

على ثلاثة أقوال: أحدها إن له أن يزوجهن، وهو أولى بذلك من الأولياء، وهو مذهب ابن القاسم، وإليه ذهب ابن حبيب. والثاني إن له أن يزوجهن، إلا أن الأولياء أحق بذلك منه، وهو قول أصبغ. والثالث إنه ليس له أن يزوجهن، وهو قول سحنون. وأما الصغير، فليس من الأولياء؛ لأن شروط صحة الولاية في النكاح خمسة، وهي: الذكورة، والبلوغ، والعقل، والحرية، والإسلام. وليست العدالة ولا الرشد في المال بشرط في صحتها. فإن زوج الفاسق أو السفيه، وهما ذوا رأي، مضى النكاح، وإن كان الاختيار أن يكون عدلا رشيدا. واختلف في عدم الولاية على الولي، هل هي شرط في صحة ولايته أم لا على ما مضى من الاختلاف والتقسيم في ذلك وبالله التوفيق. [مسألة: اشترط لامرأته إن تزوج عليها فأمرها بيدها] مسألة قال أصبغ: وسمعت أشهب، وسئل عن الذي اشترط لامرأته إن تزوج عليها فأمرها بيدها، فسافر سفرا فتزوج ووطئ، وهي لا تعلم، ثم قدم فعلمت قال: فأمرها بيدها. قال: وإن ماتت المرأة التي تزوج عليها أو فارقها دون أن تعلم، ثم علمت، فلها الخيار أيضا. قال أصبغ: وهذا في التي أمرها بيدها في الشرط. قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن القضاء قد وجب عليها في نفسها بتزويجه عليها، فلا يسقط ما وجب لها من ذلك موت المتزوجة ولا طلاقها، وإنما اختلف إذا شرط لها أن يكون أمر الداخلة عليها بيدها فتزوج عليها ثم طلقها، هل يسقط ما كان بيدها من طلاق الداخلة عليها أم لا؟ فقال ابن القاسم في آخر هذا السماع: إن ذلك بيدها بعد الطلاق. وهو قوله أيضا في كتاب ابن سحنون. وقال ابن الماجشون في ثمانية أبي زيد: وليس لها ذلك بعد الطلاق. وقال سحنون: إن كان الطلاق بائنا فلا حكم لها في ذلك، وإن كان غير بائن فلها ذلك. وقول سحنون مفسر لقول ابن الماجشون، فالاختلاف إنما هو في الطلاق البائن والله أعلم.

стр. 2156

[مسألة: أقر في مرضه بأنه قد قبض صداق ابنته ومات] مسألة وسئل أشهب عمن أقر في مرضه، بأنه قد قبض صداق ابنته ومات، قال: إن كان له مال أخذ من ماله، وإن لم يكن للزوج إليها سبيل إلا بالصداق يدفعه ويتبع به الميت المقر، قال أصبغ: هذه عندي مثل المسألة التي أوصى أن يزوج ابنته ابن أخيه. ويمهر عنه من ماله، وقد قال فيها أيضا إنها وصية لابنته، فإحداهما ترد الأخرى من قوله، وهذه غفلة، هي ها هنا أولى بأن تلحق بالأخرى، ولا أرى أن يجوز إقراره إذا كان في مرض يحجب عنه القضاء في ماله، فهي تهمة كتهمة وصية، وتصير كأنها وصية لها وتوليجا، وإن كان ابن وهب قال لي مثل قول أشهب في إجازته لم يزل ذلك قول ابن وهب. قال محمد بن رشد: قول أشهب في الذي أقر في مرضه أنه قبض صداق ابنته ومات، إنه يؤخذ من ماله إن كان له مال، معناه: إن كان الزوج موسرا له مال؛ لأنه إذا كان موسرا فلا تهمة على الأب في إقراره؛ لأنه حق للزوج، أقر له به، لا منفعة للابنة فيه؛ لأنها إن لم تأخذ صداقها من مال أبيها أخذته من زوجها، لتقرره لها عليه، وثبوته في ذمته قبل الإقرار، وأما إن كان معدما لا مال له، فهي وصية لابنته، لا يؤخذ لها ذلك من ماله؛ لأنه يتَّهم أن يكون إنما أراد أن يولج إليها من ماله الصداق الذي قد نوى بكونه على معدم، فلا تشبه هذه المسألة مسألة الذي أوصى أن تزوج ابنته ابن أخيه، ويمهر عنه من ماله؛ لأن الصداق لم يكن واجبا على الزوج قبل الوصية، وإنما وجب للابنة في مال الأب بقبول الزوج النكاح على ذلك، فلذلك قيل فيه إنها وصية للابنة، ولو زوَّج رجل ابنته من رجل بصداق سماه، ثم أوصى في مرضه أن يؤدى من ماله الصداق على الزوج لابنته، والزوج موسر لجاز، وكانت وصية للزوج باتفاق، فتفرقة أشهب بين المسألتين صحيحة، وما نسب إليه أصبغ من الغفلة في ذلك لائقة به في المساواة بينهما على ما ذكرناه. والله أعلم. وقول

стр. 2157

أشهب: وإن لم يكن له مال لم يكن للزوج إليها سبيل إلا بالصداق يدفعه ويتبع به الميت المقر هو على أصله في المسألة التي بعدها خلاف مذهب ابن القاسم، وسيأتي الكلام على ذلك إن شاء الله وبالله التوفيق. [مسألة: قبض الآباء صدقات البنات] مسألة قال أصبغ: قال لي أشهب في قبض الآباء صدُقات البنات: إن ما قبضوا ببينة أو بغير بينة، فليس ذلك بسواء، يريد أن ما قبضوا ببينة فزعموا أنه ضاع، أن ضياعه من الابنة، وليس على الزوج من الضياع شيء ولا على الأب، ويدخل الزوج بامرأته. وإن كان بغير بينة ولم يكن للزوج إليها سبيل إلا بدفع الصداق. وقال ابن وهب مثله سواء حرفا بحرف، سألتهما عنهما فاجتمعا لي على هذا القول، وزاد ابن وهب في التفسير والكلام، ولا شيء على الأب في الضياع. وإن كان الدفع بغير بينة، فالقول قوله، غير أنه لا سبيل للزوج إلى المرأة إلا بدفع الصداق، ولا يصدق الأب على أنه قبضه كانت مسألته في الإنكار، وهو كله رأي أصبغ. قال محمد بن رشد: قول أشهب وابن وهب هذا إن الزوج لا يبرأ من صداق زوجته البكر بإقرار أبيها بقبضه إذا ادّعى تلفه، خلاف قول ابن القاسم في آخر هذا السماع، وفى أول رسم منه، وخلاف ظاهر قول مالك في المدونة وغيرها: إن الغريم يبرأ من الدين الذي عليه بإقرار الوصي والوكيل المفوض إليه بالقبض، وإن ادعيا التلف، بخلاف الوكيل الذي ليس بمفوض، فحكم ابن وهب وأشهب للأب في إقراره قبض صداق ابنته البكر قبل الدخول، بحكم الوكيل الذي ليس بمفوض إليه. ولا اختلاف بينهم في أنه يبرأ من الصداق بعد الدخول بإقرار الأب أو الوصي يقبضه منه وإن ادّعى تلفه. وبالله التوفيق. [مسألة: المرأة تصدق الصداق عينا فيتلف منها ثم يطلقها قبل الدخول] مسألة قال أصبغ: وسئل ابن القاسم عن المرأة تصدق الصداق عينا

стр. 2158

فيتلف منها، ثم يطلقها قبل الدخول، أيرجع عليها بشيء؟ قال: نعم هي ضامنة، إلا أن يأتي أمر معروف يعرف هلاكه وتلفه ببينة تقوم على ذلك بغير ضيعة منها فلا ضمان عليها. قال أصبغ: لا يعجبني وأراها ضامنة وغارمة على كل حال، قامت بتلفها ببينة أو لم تقم، بضيعة أو بغير ضيعة، وليس العين في هذا كالعرض والحيوان العين عين مضمونة ساعة تستوفيه، ومال من مالها، والزكاة جائزة عليها، فلو زكتها أعواما ثم طلقها لم يكن عليه من ذلك الزكاة شيء، ولم تدخل الزكاة عليه كما تدخل في المواشي للضمان والاعتقاد، فأراها عليها على كل حال، تبعها بضعها. ولو اشترت جهازا بأمر ظاهر معروف أو منسوب، ثم سرق الجهاز، أو أصابه أمر فضاع أو تلف، لم أر عليها ضمانا ولا غرما وكان كما لو أصدقها إياه بعينه فتلف بعد ذلك. وقال ابن الماجشون: كل ما يضمنه المستعير فالمرأة إذا أصدقته فهي له ضامنة إذا ضاع عندها، إلا أن تقوم لها بينة على هلاكه، وعليها أن تخلف ذلك من مالها إذا لم تقم لها بينة على هلاكه، يشتري به جهازا لزوجها، لم يفرق ابن الماجشون بين العرض والعين، كما فرقه أصبغ، وكما لا يضمنه المستعير إذا ضاع عنده، فلا ضمان على المرأة فيه إذا أصدقته وضاع عندها. قال محمد بن رشد: قول ابن الماجشون في مساواته بين العين وما يغاب عليه من العرض، إن المرأة ضامنة له، إلا أن تقوم البينة على تلفه على ما

стр. 2159

تأول عليه العتبي مفسرا لقول ابن القاسم، وذلك على قياس قوله وروايته عن مالك في المدونة، إن المرأة والزوج شريكان فيما أصدقها قبل الدخول، تكون غلة ذلك بينهما والمصيبة منهما إن طلقها قبل الدخول، وعلى قياس قول غير ابن القاسم الذي يرى الغلة لها، يكون الضمان منها فيما يغلب عليه من العروض وإن قامت البينة على تلفه. وفيما لا يغاب عليه من الحيوان، وهو قول مالك في أول رسم من سماع أشهب أخذ بذلك. وقد مضى القول على ذلك هنالك، ولم يعجب ابن حبيب تفرقة أصبغ بين العين وما يغاب عليه من العرض، على أنها أظهر من قول ابن القاسم؛ لأنها لو باعت العرض الذي أصدقها بعين أو عرض ثم طلقها، كان له أن يأخذ نصف ما باعته به، ولو صرفت العين أو اشترت به عرضا لغير جهازها ثم طلقها، لما كان له إلا نصف ما نقدها من العين، فكما يكون لها ربح العين، فكذلك يكون عليها ضمانه. والظاهر من قول ابن الماجشون إنها ضمانة للعين، بخلاف العرض مثل قول أصبغ، خلاف ما تأول عليه العتبي من أنه لم يفرق بين العين والعرض؛ لأنه مثل ذلك بالعارية، فقال: إن كل ما يضمنه المستعير، فالمرأة له ضامنة، ومستعير الدنانير والدراهم ضامن لها، وإن قامت البينة على تلفها؛ لأن الربح لها. فأما استدلال أصبغ بالزكاة فلا يلزم ابن القاسم؛ لأن الذي يأتي على مذهبه أن ما أدت من زكاة العين إذا قامت البينة على ذلك، بمنزلة ما تلف منه بالبينة والله أعلم. [مسألة: قال لها إن تزوجت عليك فأمرك بيدك فأذنت له قبل ما يريد التزويج بكثير] مسألة قال ابن القاسم: وإذا قال لها إن تزوجت عليك فأمرك بيدك، فأذنت له قبل ما يريد التزويج بكثير، ثم طال، فأرادت أن ترجع لما طال ذلك، قال: لم يكن لها أن ترجع، ومن القوة في ذلك لو أذنت له أن يفعل متى ما أراده قبل أن يريد أن يفعل، ثم فعل بعد ذلك، فأرادت الرجوع لم يكن لها ذلك، وليس بيدها شيء إن شاء الله.

стр. 2160

قال محمد بن رشد: قوله: إنها ليس لها أن ترجع إذا أذنت له ففعل خلاف ما تقدم لأشهب في هذا الرسم، وقد مضى القول في هذه المسألة موعبا في أول رسم من سماع ابن القاسم، فلا معنى لإعادته وبالله التوفيق. [مسألة: يدعى إلى الصنيع فجاء فوجد فيه لعبا أيدخل] مسألة قال أصبغ: وسمعت ابن القاسم، وسئل عن الذي يدعى إلى الصنيع، فجاء فوجد فيه لعبا، أيدخل؟ قال: إن كان شيئا خفيفا مثل الدف والكبر الذي يلعب به النساء، فما أرى به بأسا. قال أصبغ: ولا يعجبني، وليرجع. وقد أخبرني ابن وهب أنه سمع مالكا يسأل عن الذي يحضر الصنيع فيه اللهو، فقال: ما يعجبني للرجل ذي الهيئة يحضر اللعب، وأخبرني ابن وهب عن مالك وسئل عن ضرب الكبر والمزمار، أو غير ذلك من اللهو، ينالك سماعه، وتجد لذته وأنت في طريق أو مجلس غيره، قال مالك: أرى أن يقوم من ذلك المجلس. قال أصبغ: وأخبرني ابن وهب عن بكر بن مضر، عن عمرو بن الحارث، «أن رجلا دعا عبد الله بن مسعود إلى وليمة، فلما جاء سمع لهوا فرجع، فلقيه الذي دعاه فقال له: ما لك رجعت، ألا تدخل؟ فقال: إني سمعت رسول الله ﵇ يقول: " من كثَّر سواد قوم فهو منهم، ومن رضي عمل قوم كان شريك من عمله» . قال أصبغ: وأخبرني ابن وهب عن خالد بن حميد عن يحيى بن أبي أسيد، أن الحسن البصري كان إذا دُعي إلى الوليمة

стр. 2161

يقول: أفيها برابط؟ فإن قيل: نعم، قال: لا دعوة لهم ولا نعمة عين. قال أصبغ: ما جاز للنساء مما جُوز لهن من الدف والكبر في العرس، فلا يجوز للرجل عمله. وما لا يجوز لهم عمله، فلا يجوز لهم حضوره، ولا يجوز للنساء غير الكبر والدف، ولا غناء معهما ولا ضرب ولا برابط ولا مزمار، وذلك حرام محرم في الفرح وغيره، إلا ضرب الدف والكبر هملا وبذكر الله وتسبيحه، وحمدا على ما هدى. أو برجز خفيف لا بمنكسر ولا طويل، مثل الذي جاء في جواز الأنصار «أتيناكم أتيناكم تحيونا نحيوكم ولولا الحبة السمرا لم نحلل بواديكم» وما أشبه ذلك. ولا يعجبني مع ذلك التصفيق بالأيدي وهو أخف من غيره. قال أصبغ: وقد أخبرني عبد الله بن وهب عن الليث أن عمر بن عبد العزيز كتب بقطع اللهو كله إلا الدف وحده بالعرس. فهذا رأيي وأحب إلى العامة والخاصة العمل به، ولا أرى به بأسا في الملاك على مثل العرس، وما فسرنا فيه فهو منه. وقد حدثني عيسى بن يونس عن خالد بن الياس العذري عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن القاسم بن محمد بن أبي

стр. 2162

بكر الصديق عن عائشة أن الرسول ﵇ قال: «أظهروا النكاح واضربوا عليه بالغربال» . ابن وهب عن عبد الله بن الأسود المالكي عن عامر بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عن الزبير بن العوام عن رسول الله ﵇ قال: «أعلنوا النكاح» . قال أصبغ: فالإعلان به عندي الملاك والعرس جميعا أن يعلن بهما، ولا يستخفى بهما سرا في التفسير ويظهر بهما ببعض اللهو، مثل الدف والكبر للنساء. والغربال هو الدف المدور، وليس المزهر، والمزهر مكروه وهو محدث، والفرق بينهما أن المزهر ألهى، وكل ما كان ألهى فهو أغفل عن ذكر الله وكان من الباطل، وما كان من الباطل فمحرم على المؤمنين اللهو والباطل. قال ﵇: «كل لهو يلهو به المؤمن حرام إلا ثلاث» . قال القاسم بن محمد: إذا أجمع الحق والباطل يوم القيامة، كان الغناء من الباطل، وكان الباطل في النار. قال أصبغ: والباطل كله محرم على المؤمنين. قال الله تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا﴾ [المؤمنون: ١١٥] كما أن القمار محرم للهو، وميسره فهو لهو كله. قال محمد بن رشد: قد مضى القول في اللهو والعرس، وما يجوز

стр. 2163

من عمله وحضوره، موعبا في رسم طلق ابن حبيب من سماع ابن القاسم. وفي رسم سلف دينارا من سماع عيسى، فلا معنى لإعادة شيء من ذلك ها هنا، والثلاث التي أبيح اللهو بها في الحديث المذكور: «ملاعبة الرجل امرأته، وتأديبه فرسه، ورميه عن قوسه» . وبالله التوفيق. [مسألة: الجارية إذا كانت بكرا أو يتيمة فأقرت بعد الخلوة بأنه لم يمسها] مسألة قال أصبغ: سمعت ابن وهب وسئل عن الجارية إذا كانت بكرا لا قضاء لها في مالها، أو يتيمة مولى عليها، أو صغيرة لم تبلغ المحيض، إلا أنه قد بلغ مثلها أن توطأ، فأقرت له بعد الخلوة وإرخاء الستور، بأنه لم يمسها، أينفعه تصديقها إياه، وإقرارها له، أو لا ينفعه؛ لأنها تسقط عنه بذلك نصف الصداق؟ قال: لا، بل ينفعه، ويسقط عنه نصف الصداق، ولا يلزمه إلا نصفه؛ لأن هذا مما لا يستدل على صدقه ولا على كذبه إلا بقولهن، فهن فيه مأمونات مقبول قولهن، كما هن مأمونات على الحيض والعدة والولادة وما أشبه ذلك، جعل الله ذلك إليهن. قال: ومن الدليل أيضا على ذلك ما فسرت لك من أن الصداق لا يجب مع الخلوة وغلق الباب وإرخاء الستر إلا بدعوى المرأة المسيس، فلو كان يجب بالخلوة بغير دعوى المرأة المسيس ما نفعه طرح البكر السفيه والصغيرة التي ذكرت لك عنه؛ لأنهن يطرحن شيئا قد وجب، وهن ممن لا طرح لهن، ولا قضاء في أموالهن، فلما كان لا يجب إلا بدعواهن، سقط بإقرارهن وتصديقهن الزوج بترك المسيس، لا بل بسكوتهن عن ادعائه يسقط فضلا عن غيره من الأشياء والله أعلم. قال أصبغ: ورأيي في جميع هذه المسألة من أولها إلى آخرها على قول ابن وهب وروايته عن مالك. قال محمد بن رشد: قوله: إن الصداق لا يجب إلا بدعوى الزوجة

стр. 2164

المسيس، بكرا كانت أو ثيبا، كبيرة أو صغيرة، رشيدة أو سفيهة، ذات أب أو يتيمة، صحيح لا اختلاف فيه في مذهب مالك؛ لأن إرخاء الستر عند مالك وجميع أصحابه لا يوجب الصداق، وإنما هو شبهة يوجب أن يكون القول قول الزوجة في المسيس، كشاهد، واليد، ومعرفة العفاص والوكاء، مع يمينها إن أنكر الزوج المسيس. قاله في كتاب ابن المواز، وكتاب ابن الجهم، ورواه عيسى عن ابن القاسم في الذي يغيب على المرأة غصبا، فإن كانت صغيرة حلف الزوج وأدَّى نصف الصداق، إلى أن تبلغ فتحلف وتأخذ نصف الصداق الثاني، فإن نكلت عن اليمين لم يكن للزوج أن يحلف ثانية، وإن نكل أولا عن اليمين غرم جميع الصداق، ولم يكن له أن يحلفها إذا بلغت، حكم الصغير يقوم له بحقه شاهد، وقد قيل إنه لا يمين عليها إن كانت صغيرة، وهو بعيد؛ لأن الصغر لا يسقط اليمين الواجبة مع الكبر، فلا فرق بين الصغيرة والكبيرة، إلا فيما ذكرناه من تأخير الصغيرة باليمين. وقد روي عن أحمد بن المعدل أنه لا يمين عليها وإن كانت كبيرة، وهو بعيد، ما له وجه، إلا مراعاة قول من يرى الصداق واجبا لها بالخلوة وإن لم يكن مسيس، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه على ظاهر قول عمر بن الخطاب: إذا أرخيت الستور فقد وجب الصداق، فإذا أقرت أنه لم يمسها لم يكن لها إلا نصف الصداق، إلا أن يُقر الزوج أنه قد مس وهي أمة أو مولى عليها بأب أو وصي، فيكون لسيد الأمة أو ولي المرأة أن يأخذ الصداق منه بإقراره، ولا يكون لها أن تسقط حقا قد أقر لها به الزوج، قاله سحنون ومطرف. وخالفه في ذلك ابن الماجشون وغيره، ولا اختلاف في أن خلوة البناء توجب أن يكون القول قول المرأة في دعوى المسيس. واختلف إذا خلا بها ولم تكن خلوة بناء، على أربعة أقوال: أحدها: أن القول قولها حيث ما أخذهما الغلق، كان في بيته أو في بيتها، وهو أحد قولي مالك وبه أخذ مطرف وابن الماجشون، وابن عبد الحكم، وأصبغ، على ظاهر قول عمر بن الخطاب: إذا أرخيت الستور فقد وجب الصداق.

стр. 2165

والثاني: أن القول قول الزوج حيثما أخذهما الغلق، ما لم تكن خلوة بناء، وهو قول عيسى بن دينار. والثالث: الفرق بين أن يكون أخذهما الغلق في بيته، أو في بيتها. وهو قول مالك الثاني، ومذهب ابن القاسم، على ما روي عن سعيد بن المسيب. والرابع: أنها إن كانت ثيبا فالقول قولها، وإن كانت بكرا نظر إليها النساء، فإذا رأيْن لها أثر افتضاض صُدقت عليه، وإن لم يرين لها أثر افتضاض، لم يكن لها إلا النصف من الصداق. حكى ذلك عبد الوهاب عن مالك وبالله التوفيق. [مسألة: المريض يوصي إن حدث به حدث الموت فقد زوجت ابنتي من ابن أخي] مسألة قال أصبغ: سألت أشهب وابن وهب عن المريض يوصي إن حدث به حدث الموت، فقد زوجت ابنتي من ابن أخي، وأصدقتها عنه مائة دينار من مالي، فيموت، فقالا: النكاح جائز. قال أشهب: ولا يكون لها من مال الأب شيء، ولا يؤخذ الصداق من ماله، ويقال لابن الأخ: أعط الصداق من مالك والنكاح ثابت، فإن أبى ترك النكاح، ولا شيء عليه. وقاله ابن القاسم حرفا بحرف اجتمعا عليه. وقال ابن وهب: يؤخذ من مال الميت وهي وصية لزوج. قلت لابن وهب: فإن أبى أن يكون له من المال شيء؟ قال: لا. قلت: أَفَتَرَى الآن أنها وصية للبنت، لو كانت وصية للزوج، كانت ها هنا؟ فقال: إنما هي له وصية على شيء، إن فعله تمت له، وإلا لم تتم له، كالذي يقول: إن أحسن فلان كفالة ولدي والقيام معهم وكفلهم بأعيانهم فقد زوجته ابنتي، أو قد وصلته بكذا

стр. 2166

وكذا، فإن فعل كان ذلك له، وإلا لم يكن له شيء. قال أصبغ: وقول أشهب وابن القاسم، أعجب إليّ؛ لأنها تصير وصية للبنت، وهي المرأة، فإن تم الفعل منه تم لها فهي وصية لوارث، وأراه قول مالك أيضا. قال محمد بن رشد: قد مضى قبل هذا في هذا السماع ما فيه بيان لهذه المسألة، ومضى القول فيها مستوفى في رسم العارية من سماع عيسى، فلا معنى لإعادة ذلك هنا وبالله التوفيق. [مسألة: الوصي بمنزلة الأب في جميع أمور الولد الصغار] مسألة قال أصبغ: الوصي بمنزلة الأب في جميع أمور الولد الصغار، كلما جاز للأب فيهم جاز للوصي، إلا شيئا واحدا، ليس له أن يزوج الصغيرة إلا برضاها؛ للحديث: «اليتيمة تُستأذن في نفسها» . قال أصبغ: ولو تزوجت أم الصبيان، كان الوصي أولى بحضانتهم من أمهم، جواري كانوا أو غلمانا، وإن كن الجواري قد بلغن أبكارا، فالوصي أولى بحضانتهن من أمهن إن تزوجت. قيل له: فإن كان لهن أخ أو عم أو ابن عم عدولا رضا، أفلا يكون هؤلاء أولى بحضانة الجواري والصبيان من الوصي؟ قال: لا الوصي أولى بحضانتهم، ويكونون عنده من إخوتهم وإن كانوا رضا، وإن انتقل الوصي إلى بلد آخر، كان له أن يحملهم معه، الجواري والصبيان، وليس لإخوتهم، ولا عمومتهم أن يأخذوهم منه؛ لأنه بمنزلة أبيهم في كل شيء، إلا تزويج الإناث فقط قبل أن

стр. 2167

يبلغن، وما سوى ذلك فهو والأب سواء. قال محمد بن رشد: قوله في أول المسألة في الوصي: ليس له أن يزوج الصغيرة إلا برضاها، كلام وقع على غير تحصيل؛ لأن الصغيرة ليس له أن يزوجها وإن رضيت، إذ لا رضى لها قبل البلوغ، فهو بخلاف الأب، في أنه لا يزوج الصغيرة أصلا، ولا البكر البالغ إلا برضاها. وقال: إنه أحق بحضانة الغلمان والجواري وإن بلغن، من الأم إذا تزوجت، ومن جميع الأولياء. وقد اختلف في ذلك، فقيل: إنما يكون الوصي إذا تزوجت الأم أحق بحضانة بنيها الذكور، وأما الإناث، فكونهن مع زوج أمهن؛ لأنه محرم منهن أولى من كونهن مع الوصي، إذ لا حرمة بينه وبينهن، إلا أن يخاف عليهن عند الأم غير الزوج، فيكون الوصي أولى بحضانتهن، وكذلك ابن العم، بخلاف الأخ والعم، لا اختلاف في أن الأخ والعم أحق من الأم بحضانة ابنتها إذا تزوجت. وقع هذا المعنى لمالك في كتاب ابن المواز. وهذا إذا أراد الوصي أو ابن العم أن تكون الابنة معه ومع أهله في داره، وأما إن أراد أن يعزلها قي موضع من يقوم عليها من ثقات النساء ولعلهن لها قرابات، فيكون أحق لها من الأم إذا تزوجت والله أعلم. [مسألة: الرجل يزوج ابنته البكر ويقر بقبض الصداق] مسألة قلت: أرأيت الرجل يزوج ابنته البكر ويقر بقبض الصداق وذلك في صحة أو مرض؟ قال: إن كان في مرض اتهمته أن يكون إنما أراد بذلك الابنة، بمنزلة الذي يزوج ابنته ويتحمل الصداق وهو مريض، فيجوز النكاح، ولا يكون عليه الاحتمال؛ لأنها وصية للابنة. ولا تجوز وصيته لوارث، فإن كان صحيحا جاز ذلك على الأب إن كان موسرا، وإن كان معسرا اتبعته به دينا. قلت: فإن قال الأب قبضته وضاع مني، ولم يكن عند الزوج بينة بالدفع إلا إقرار الأب. قال: إن كانت البنت بكرا لزمها ذلك،

стр. 2168

وكان قبضه لها قبضا، وضياعه منها ضياع، ولم يكن على الزوج شيء. قال محمد بن رشد: قوله: إن كان في مرض اتهمته أن يكون إنما أراد بذلك الابنة، يريد: إن كان ذلك كله في مرض التزويج والإقرار، وفي حال واحدة أيضا، وذلك مثل أن يقول: أشهدكم أني قد زوجت ابنتي من فلان بكذا وكذا وقبضته منه، فهذا هو الذي يكون بمنزلة من يزوج ابنته في مرضه ويتحمل الصداق عنه، كما قال. ويدخل ذلك من الاختلاف ما دخله، وأما إن زوج ابنته في صحته أو في مرضه بصداق مسمى، ثم أقر بعد ذلك في مرضه أنه قبض منه، فإن كان الزوج موسرا أخذت ذلك من مال الأب إن كان له مال، واتبعته به دينا في ذمته إن لم يكن له مال، وكان للزوج أن يدخل بها عند ابن القاسم، خلاف قول أشهب فيما تقدم إنه إن لم يكن له مال، لم يكن للزوج إليها سبيل، إلا بدفع الصداق، يدفعه ويتبع به الميت المقر، وإن كان الزوج معدما، لم يجز إقراره في المرض؛ لأن ذلك وصية ابنته. وأما إن أقر في صحته أنه قبضه منه، فيبرأ الزوج بإقراره على كل حال عند ابن القاسم، ويكون للزوج أن يدخل بها، فإن ادعى الأب تلفه صُدق مع يمينه، من أجل حق الزوج، وكانت مصيبته منها، وإن لم يدع تلفه وكان معسرا، اتبعته به دينا، ولا يكون للزوج أن يدخل بها عند أشهب وابن وهب، حتى يؤدي الصداق إن كان الأب معسرا وادعى تلفه، فإقرار الأب في مرضه الذي مات منه بقبض صداق ابنته، يكون في حال وصيته لابنته لا يجوز، وذلك إذا كان إقراره بعد العقد والزوج عديم، وفي حال وصية جائزة للزوج، وذلك إذا كان إقراره بعد العقد، والزوج موسر، وفي حال يختلف، هل يكون إقراره وصية له أو لها؟ وذلك إذا كان إقراره مع العقد في حال واحدة. والله الموفق. [مسألة: رجل شرط لامرأته أن كل امرأة يتزوجها عليها فأمرها بيدها] مسألة قال أصبغ: سئل ابن القاسم عن رجل شرط لامرأته أن كل

стр. 2169

امرأة يتزوجها عليها فأمرها بيدها، فيتزوج عليها سرا، وكتمها، ثم طلق التي شرط لها ذلك، قال: ذلك بيدها وإن طلقها. وقاله أصبغ. قال محمد بن رشد: قد مضى القول على هذه المسألة وما فيها من الاختلاف في هذا الرسم، فلا معنى لإعادته. [مسألة: الرجل يتزوج على المرأة على أن يستشير فلانا] مسألة قال أصبغ: قلت لابن القاسم: ما تقول في الرجل يتزوج على المرأة على أن يستشير فلانا؟ قال: لا يحل ويفسخ، دخل أو لم يدخل، إلا أن تكون مشورة فلان قريبا، وهو حاضر في البلد، فيرسلان إليه في فورهما ذلك، ليعلما رأيه فيجوز ذلك. قلت: فإن كان كذلك فمات أحد الزوجين قبل أن يستشار فلان ورضي؟ قال: لا. قلت: فإن قال المستشار: لا أرضى، ويقول الزوج: قد رضيت، أيثبت النكاح؟ قال: نعم ذلك له وهو ثابت. قلت: فإن قال الزوج قبل أن يستشير فلانا: أنا أثبت النكاح ولا أستشير فلانا، قال: ذلك له أيضا، وهو بمنزلة الرجل يبيع السلعة على هذه الوجوه. قال محمد بن رشد: قوله في الذي يتزوج المرأة على أن يستشير فلانا: إن النكاح يفسخ دخل أو لم يدخل هو أحد قولي مالك في المدونة، وفي رسم باع شاة من سماع عيسى. وقد مضى القول على ذلك هنالك، فلا معنى لإعادته. وقوله: إلا أن تكون مشورة فلان قريبا وهما حاضران، فيرسلان إليه

стр. 2170

في فورهما؛ ليعلما رأيه، فيجوز ذلك معناه: إذا كان ذلك في مجلسهما قبل أن يفترقا منه فيقوم من هذا، جواز النكاح على خيار المجلس. وقد مضى القول على ذلك أيضا في رسم باع شاة المذكور. وأما قوله إذا مات أحد الزوجين قبل أن يستشار فلان، إنهما لا يتوارثان، فهو صحيح، لا اختلاف فيه. وسقوط الميراث قبل الرضا وقبل المشورة، هي العلة في فساد النكاح على الخيار، أو على المشورة إلى ما بعد المجلس وإن قرب، وأما إن مات أحدهما بعد الرضا أو بعد المشورة وقبل الدخول، أو قبله وبعده، على القول بأنه يفسخ بعده، فيجري ذلك على الاختلاف الواقع في المدونة وغيرها، في وجوب الميراث والطلاق فيما يفسخ بحكم من الأنكحة التي اختلف أهل العلم في جوازها. وقوله: إن للزوج الذي اشترط المشورة أن يتركها وأن يخالف ما يشير عليه به المستشار صحيح لا اختلاف في المذهب أحفظه إلا ما حكى أبو إسحاق التونسي من أن ظاهر ما في كتاب ابن المواز المشورة، كالخيار في أن المستشار إذا سبق فأشار بشيء لزم، وهو بعيد. وقوله: وهو بمنزلة الرجل يبيع السلعة على هذه الوجوه: يريد في الحد الذي يجوز فيه الخيار والمشورة في النكاح وهو المجلس، على ما دلت عليه هذه الرواية. [النصراني يوصي إليه أخ له مسلم أو عبد يوصي إليه أو امرأة يوصي إليها] من سماع أبي زيد بن أبي الغمر، من عبد الرحمن بن القاسم. قال أبو زيد: وقال ابن كنانة وابن القاسم في النصراني يوصي إليه أخ له مسلم، أو عبد يوصي إليه، أو امرأة يوصي إليها، إنهم كلهم يزوجون الغلمان، ولا يزوجون الجواري. وقال: لا يزوج العبد ابنته الحرة ويزوج ابنه. قال محمد بن رشد: هذا مثل ما مضى في رسم باع شاة وغيره من سماع عيسى، وهو مبين لما في المدونة ولما في كتاب ابن المواز ولما في رسم سنّ من سماع ابن القاسم، وقد مضى هنالك القول في هذه المسألة مجردا. وتحصيل من يجوز للمرأة والعبد والنصراني، أن يلي عقد النكاح عليه، وفيمن لا يجوز لواحد منهم أن يلي العقد عليه، ويجوز له على ذلك، الاستخلاف، وفيمن لا يجوز لهم ولاية العقد عليه ولا الاستخلاف على ذلك، فلا معنى لإعادة شيء من ذلك وبالله التوفيق.

стр. 2171

[مسألة: الرجل يزوج ابنه صغيرا بشروط فيها طلاق أو عتاق] مسألة وسئل ابن وهب عن الرجل يزوج ابنه صغيرا بشروط فيها طلاق أو عتاق، إن ذلك لازم للابن وإن كبر؛ لأنه وطئ عليه، وأنه لا يفسخ النكاح لذلك، دخل أو لم يدخل، والشروط لازمة له؛ لأن أباه الناظر له. قال محمد بن رشد: إلزامه الشروط التي شرط عليه أبوه وهو صغير، خلاف مذهب ابن القاسم فيما يأتي بعد هذا السماع، وخلاف ما حكى عنه ابن حبيب من رواية أصبغ، وعن ابن الماجشون، من أنها لا تلزمه إلا أن يلتزمها بعد البلوغ، فإن أبى من التزامها لم يلزمه النكاح، ولا شيء من الصداق، إلا أن ترضى المرأة بإسقاط الشروط عنه، فيلزمه النكاح، فإذا دخل بها قبل البلوغ أو قبل العلم بالشروط سقطت عنه، وإن دخل بها بعد البلوغ، وبعد أن علم بالشروط لزمته. وفي كتاب محمد بن المواز عن ابن القاسم من رواية أصبغ عنه إنه إن لم يرض قبل البناء بالشروط، قيل له: إما أن ترضى وإما أن تطلق، فإن طلق فعليه نصف المهر. وهذا إذا اعتبرته من قول ابن القاسم مثل قول ابن وهب، ومثل قول ابن الماجشون، في الذي يزوج ابنه الصغير ولا مال له، فيكتب الصداق عليه، إن ذلك لازم له. وقد مضى ذلك في رسم "باع شاة" من سماع عيسى. [مسألة: رجل يزعم لقوم أنه من فخذ من العرب فيوجد من غير ذلك الفخذ] مسألة وعن رجل يزعم لقوم أنه من قريش، أو من فخذ من العرب، فيوجد من غير ذلك الفخذ. قال ابن القاسم: إن كان مولى فالمرأة بالخيار، إن شاءت أقامت وإن شاءت فارقت، إذا كانت عربية، وأما إن كان عربيا وهو من غير القبيل الذي سمّى، فلا أرى لها خيارا، وأراها امرأته، إلا أن تكون قرشية، تزوجت على أنه من

стр. 2172

قريش، فإذا هو من العرب، أو تكون عربية، تزوجت على ادعائه، فذلك لها. قال محمد بن رشد: اضطرب قول ابن القاسم في هذه المسألة؛ لأن قوله في أولها: إذا كانت عربية، يدل على أنها إذا كانت مولاة فتزوجته على أنه من قريش أو من العرب، فوجد من الموالي، فلا خيار لها من أنها إذا كانت من العرب فتزوجته على أنه من قريش فوجد من العرب فلم ير لها على هذا خيارا بما شرطت، إلا أن يوجد الزوج أدنى منها، مثل أن تكون من العرب فتزوجته على أنه من العرب أو من قريش، فيوجد من الموالي، أو تكون من قريش، فتتزوجه على أنه من قريش، فيوجد من الموالي أو من العرب. وقوله في آخرها: أو تكون عربية تزوجت على ادعائه، يريد تزوجته على أنه من قريش، فوجد من العرب، فلها الخيار، خلاف قوله أولا إذ جعل لها الخيار إذا وجدته أدنى مما شرطت وإن كان مثلها ولم يجعل لها أولا خيارا بما شرطت، إلا أن يوجد أدنى منها، ويلزم على قوله آخرا إذا كانت مولاة فتزوجته على أنه من قريش، فوجدته من العرب أو من الموالي، أو على أنه من العرب، فوجدته من الموالي أن يكون لها الخيار، وهو أظهر على قياس قولهم فيمن ابتاع عبدا على أنه من جنس، فوجده من جنس آخر أدنى من ذلك الجنس، فتحصيل هذا أنه إذا وجدته أفضل مما شرطت لم يكن لها خيار، وإن وجدته أدنى مما شرطت، وأدنى منها فلها الخيار، وإن وجدته أدنى مما شرطت وهو أرفع منها أو مثلها ففي ذلك قولان: أحدهما أن لها الخيار، والثاني لا خيار لها، وهما قائمان من هذه الرواية، على ما بيناه. وإذا وجب لها الخيار فاختارت نفسها قبل الدخول، فهي تطليقة بائنة ولا شيء لها من الصداق، وإن لم تعلم حتى دخل بها، فاختارت نفسها بعد الدخول، فهي تطليقة بائنة أيضا إن لها جميع صداقها؛ لأنها قد استوجبته بالمسيس. وكذلك الحكم في الرجل يتزوج المرأة على أنها من قريش أو من العرب، فتوجد على غير ذلك، يكون للرجل الرد، حيث يكون للمرأة الخيار وبالله التوفيق.

стр. 2173

[مسألة: يتزوج المرأة ثم يجدها لغية] مسألة وعن الرجل يتزوج المرأة ثم يجدها لغية إنها إن كانت حين خطبها انتسبت له، فقالت: أنا فلانة ابنة فلان، فإني أرى النكاح مفسوخا، فإن كان دخل بها فلها صداقها بما استحل منها قبل، فإن كان ذلك إنما هو في أبيها وجَدّ أبيها لغية، هل يفسخ النكاح عنه؟ قال: لا أرى أن يفسخ بذلك، وليس هو في أبيها بمنزلته فيها، والرجل أيضا إذا انتسب للمرأة وغرها بتلك المنزلة. قال محمد بن رشد: قوله: فإني أرى النكاح مفسوخا، معناه إن له أن يفسخه عن نفسه، فلا يلزمه شيء من الصداق إن كان قبل الدخول، ويكون الفسخ فيه تطليقة؛ لأنه نكاح فاسد، فيكون مفسوخا بالحكم. وقوله: إذا كان دخل بها فلها صداقها ما استحل منها، خلاف المعلوم من قولهم: إن له أن يرجع عليها؛ لأنها غرته إذا انتسبت له، ويترك لها من صداقها قدر ما يستحل به الفرج، وإنما يكون لها صداقها بما استحل منها، إذا كان وليها الذي أنكحها هو الذي نسبها له، وغره منها، فيكون هو الذي يجب الرجوع عليه، والأصل في هذا قول عمر بن الخطاب ﵁: أيما رجل تزوج امرأة وبها جنون أو جذام فمسها فلها صداقها كاملا، وذلك لزوجها غرم على وليها. قال مالك: وإنما يكون ذلك غرم على وليها إذا كان وليها الذي أنكحها أبوها أو أخوها أو من يرى أنه يعلم ذلك منها، فأما إن كان وليها الذي أنكحها ابن عم، أو مولى، أو من العشيرة ممن يرى أنه لا يعلم ذلك منها فليس عليه غرم، وترد المرأة ما أخذت من صداقها، ويُترك لها قدر ما تستحل به. وقوله: والرجل أيضا إذا انتسب للمرأة وغرها بتلك المنزلة، يريد: أنها إذا تزوجته على نسب فوجدته لغية، فلها الخيار وإن كانت مولاة، وإن كانت هي لغية، فتزوجته على نسب، فوجدته لغية، فعلى ما تقدم من الاختلاف في المسألة التي قبل هذه.

стр. 2174

[مسألة: يجعل بضع ابنته بيد أخيه هل ينكحها العم بغير إذن الأب] مسألة وقال: في الرجل يجعل بضع ابنته بيد أخيه، هل يُنكحها العم بغير إذن الأب، والأب بغير إذن العم؟ قال: نعم من أنكحها منهما فهو جائز. قال محمد بن رشد: وهذا كما قال، وهو مما لا اختلاف فيه؛ لأن الأب لا تسقط ولايته عن ابنته بجعله بضعها بيد أخيه، فإنكاح من أنكحها منهما جائز. فإن أنكحها كل واحد منهما ولم يعلم بإنكاح صاحبه، فهي للأول منهما، إلا أن يدخل بها الآخر. قال ذلك مالك في المدونة وغيرها. [مسألة: العبد يتزوج بغير إذن السيد] مسألة وسئل عن العبد يتزوج بغير إذن السيد، فيراه السيد يدخل على امرأته، هل يلزم السيد الصداق حين رآه ولم يكن أذن له في النكاح؟ قال: إن شهد على أن السيد علم بنكاحه وأقره، رأيت النكاح جائزا، ورأيت الصداق على العبد بما أقر به سيده من ذلك بعد العلم به. قال محمد بن رشد ﵀: قد مضت هذه المسألة متكررة، والقول فيها في رسم الرهون من سماع عيسى، فلا معنى لإعادة ذلك. [مسألة: زوج ابنا له صغيرا وأصدق عنه وشرط في نكاحه] مسألة وسئل عن رجل زوج ابنا له صغيرا وأصدق عنه، وشرط في نكاح الصبي أنه إن استسر عليها أو تزوج فهي طالق ألبتة، فبنى الغلام بأهله ثم أراد أن يتسرر أو ينكح عليها. قال: ذلك له، إلا

стр. 2175

أن يعلم أن الابن قد علم بالشروط التي شرط لها فدخل بها على ذلك ووطئها، فإن ذلك يلزمه. قلت: أرأيت لو أن الأب حين نكح ابنه شرط عليه شروطا أنه ليس له أن يتسرر ولا ينكح، فإن نكح فهي طالق ألبتة. فقال أهل المرأة للزوج: قد شرط ذلك عليك وأنت كبير، وقال الزوج: بل شرط عليّ ذلك وأنا صغير. قال ابن القاسم: على الزوج البينة، أنه شرط ذلك عليه وهو صغير، فإن لم يأت بالبينة حلف أهل المرأة وكان القول قولهم. قال محمد بن رشد: هذه مسألة صحيحة مبنية على أن الابن الصغير لا يلزمه ما شرط عليه أبوه من الشروط، إلا أن يلتزمها بعد البلوغ، أو يدخل بعد العلم بها، فيكون ذلك رضا منه، خلاف قول ابن وهب في أول السماع، فإن دخل ولم يعلم بها سقطت عنه وهو محمول على أنه لم يعلم، حتى يثبت عليه أنه علم بها. وذلك بيّن من قوله: وذلك له إلا أن يعلم أن الابن قد علم، وذلك أنه علم أنه شرطها عليه وهو صغير بتقاررهما على ذلك، أو بينة قامت عليه. وأما إن اختلفا فقال الابن: كنت صغيرا إذ شرط ذلك عليّ الأب، وقال أولياء المرأة: بل كنت بعد كبيرا، فعلى الابن البينة؛ لأنه الآن كبير، يلزمه ما شرط عليه أبوه بحضرته، فهو مدّع أنه كان حينئذ صغيرا ممن لا يلزمه ما شرط عليه أبوه بحضرته، فإن أقام البينة كان بالخيار، في أن يلتزم الشروط أو يفارق، ولا يكون عليه شيء من الصداق، إلا أن تسقط المرأة عنه الشروط، فيلزمه النكاح، وإن لم يكن بينة، حلف أهل المرأه وكان القول قولهم، ولزمته الشروط، إلا أن يشاء أن يطلق، فيلزمه نصف الصداق، وأهل المرأة الذين يحلفون، هم: الأب أو الوصي، دون من سواهما من الأولياء، فإن نكلوا عن اليمين، حلف الزوج، وكان كمن أقام البينة على
следующие страницы →