Полный текст (9 112 стр.). Показаны 2311–2350 · переход к 2316.
стр. 2311
[مسألة: قال لامرأته خيرة الله في يديك]
مسألة وقال في رجل قال لامرأته: خيرة الله في يديك، فاختارت، وقال: لم أرد الطلاق، قال: يحلف بالله ما أراد به طلاقا ولا تمليكا، ولا شيء عليه، وكان من الحجة في قوله خيرة الله في يديك، قال: يقال: خار الله لك وما أشبه ذلك. قيل له: أفسكوته عنها وهو يسمعها تقضي؟ قال: يحلف بالله الذي لا إله إلا هو ما كان صمته عنها رضى بذلك، ولا شيء عليه لأنه يقول تركتها تتكلم ما أصنع بها.
قال محمد بن رشد: أما يمينه في قوله خيرة الله في يديك، إنه ما أراد به طلاقا ولا تمليكا، فبين أن ذلك على ما قال، إذ يشبه ألا يكون أراد بذلك طلاقا ولا تمليكا.
وأما قوله في الذي سكت وهو يسمعها تقضي: إنه يحلف ما كان صمته رضى بذلك، فمعناه إذا أنكر في المجلس، ولو لم ينكر حتى طال الأمر وافترقا، ثم أتى بعد ذلك وزعم أنه لم يكن صمته رضى بذلك، لم يصدق في ذلك؛ لأن سكوته على ما قضت به حتى طال الأمر يدل على أنه أراد تمليكها بقوله خيرة الله في يديك، وبالله التوفيق.
[مسألة: دخلت عليه امرأته فقال هي طالق ألبتة]
مسألة وقال أشهب بهذه المسألة، ونزلت في رجل دخلت عليه امرأته فقال: هي طالق ألبتة، إن لم أفترعها الليلة، فوطئها فإذا هي ثيب ليست ببكر، قال: لا شيء عليه، إنما أراد وهو يظن أنها عذراء. قلت: أرأيت إن كان حين علم أنها ثيب، واستقر ذلك عنده، ترك وطأها تلك الليلة، فلم يطأها أتطلق عليه؟ قال: نعم، قال أصبغ: ولو علم قبل الوطء بعد اليمين أنها ثيب، فترك وطأها ليلته رأيته حانثا. .
стр. 2312
قال محمد بن رشد: ﵀: وهذا كما قال: إنه إذا وطئت تلك الليلة فلا حنث عليه، بكرا كانت أو ثيبا؛ لأن معنى يمينه إنما هو ليفترعها الليلة بوطئه إياها، فإذا وطئها بر وإن لم يفترعها بوطئه إياها، إذ قد فات ذلك منها كمسألة كتاب النذور من المدونة في الذي يحلف ليذبحن حمامات يتيمة فألفاها قد ماتت، ولا اختلاف هذا، إذ قد فات افتراعها، فلا قدرة له عليه، وإنما الاختلاف إذا كان قادرا على ما حلف من جهة الإمكان، إلا أن الشرع يمنعه منه، كمثل أن يجدها تلك الليلة حائضا، فقال ابن القاسم في الواضحة: هو حانث، ومثله في الأيمان بالطلاق من المدونة في الذي يحلف أن يبيع أمته، فإذا هي حامل، قال أصبغ: لا حنث عليه، واختاره ابن حبيب؛ لأن امتناع الوطء فيها من جهة الشرع، كامتناعه من جهة عدم الإمكان، فحمل ابن القاسم يمينه على اللفظ، وحمله أصبغ على المعنى؛ لأن الحلف إنما أراد الوطء الحلال في مقصد يمينه، وبالله التوفيق.
[مسألة: يقول لامرأته وجهي من وجهك حرام]
مسألة وقال: في الذي يقول لامرأته وجهي من وجهك حرام: إنها ألبتة لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة صحيحة، لا اختلاف فيها في المذهب؛ لأن قوله وجهي من وجهك حرام، بمنزلة قوله: أنت علي حرام، فهي في المدخول بها ثلاث، ولا ينوى إن ادعى أنه أراد بذلك واحدة أو اثنتين إلا أن يأتي مستفتيا، ولا ينوى في التي لم يدخل بها؛ لأن الواحدة تحرمها وقد تكررت هذه المسألة والتي قبلها في هذا الرسم بعينه من كتاب الأيمان بالطلاق، والله الموفق.
[مسألة: صالح امرأته ثم قال لها اختاري فاختارت]
مسألة وقال مالك: من صالح امرأته ثم قال لها: اختاري، فاختارت
стр. 2313
أنها واحدة، وذلك إذا تداعيا إلى الصلح وتهايآ له، واجتمعا عليه، فيخيرها عند ذلك قبل وجوب الصلح، أو مع وجوبه، قال مالك: وذلك أنهم يرون الصلح لا يتم لهم إلا بذلك. وقد نزل بنا هذا في غير واحد فأشرت بذلك وهو رأي ابن القاسم.
قال محمد بن رشد: قد تقدمت هذه المسألة والقول فيها في رسم الشجرة من سماع ابن القاسم فلا معنى لإعادة ذلك.
[مسألة: قالت لزوجها أنا أضع لك ما لي عليك من مهري على أن تملكني أمري]
مسألة ولو أن المرأة قالت لزوجها: أنا أضع لك ما لي عليك من مهري، على أن تملكني أمري، ففعل، فاختارت نفسها إنها البتات إلا أن ينكر عليها أنه لم يرد إلا واحدة، فيحلف وتكون واحدة بائنة.
قال محمد بن رشد: قوله: إنه إذا ناكرها تكون واحدة بائنة بسبب ما أعطته من المال على التمليك، خلاف قول مالك في رسم سعد من سماع ابن القاسم. وقد مضى بيان ذلك هنالك فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.
[مسألة: قال لامرأته إن أعطيتني ما لي عليك فارقتك]
مسألة وقال ابن القاسم: فيمن قال لامرأته، إن أعطيتني ما لي عليك فارقتك، أو أنا أفارقك ففعلت، فلما قبض ذلك أبا أن يفارقها. قال: قد اختلف فيها. وأحب ذلك إلي أن يحلف بالله، إنه إنما قاله لينظر فيه، إما أن يفعل إن بدا له، أو لا يفعل، كأنه يقول: لم أرد به أني قد فعلت ساعتئذ، قال: ثم لا أرى عليه شيئا، وهي امرأته.
стр. 2314
قال محمد بن رشد: هذه مسألة قد مضى بيانها والقول فيها في أول رسم من سماع ابن القاسم فلا معنى لإعادته.
[مسألة: أعتق أم ولده على إن أسلمت له ولده الصغير منها يكون عنده أنه يرد إليها]
مسألة وقال: فيمن أعتق أم ولده، على إن أسلمت له ولده الصغير منها، يكون عنده أنه يرد إليها، وليس ذلك بمنزلة الحرة التي صالحها على أن تسلمهم إليه، فذلك جائز ولا يرد إليها.
قال محمد بن رشد: مثل هذا في سماع أبي زيد من كتاب العتق، وقد روي عن ابن القاسم أن ذلك يلزمها بمنزلة الحرة. حكى ابن المواز عنه القولين جميعا، والأصل في هذا الاختلاف، أنه لما أعتقها على أن أسلمت إليه ولده منها، حصل إسقاطها لما يجب لها من حضانة ولدها في حال العتق معا، فمرة رأى الإسقاط مقدما على العتق، فلم يلزمها إياه، إذ لم تلتزمه إلا في حال رقها، وفي حين لا تملك نفسها، ويقدر السيد فيه على إكراهها، فصارت في حكم المغلوبة على ذلك، ومرة رأى العتق مقدما على الإسقاط فألزمها إياه، إذ لم تلزمه إلا في حال حريتها بعد عتقها، فأشبهت الحرة يصالحها على أن تسقط حقها في حضانة ولدها.
والأظهر أن ذلك لا يلزمهما؛ لأنهما إذا وقعا معا، فقد وقع كل واحد منهما قبل كمال صاحبه، وعلى هذا الأصل وقع الاختلاف في الرجل يعتق أمته على أن تتزوجه بكذا وكذا وقد مضى القول على ذلك مستوفى في رسم حلف من سماع ابن القاسم من كتاب النكاح، وفيه بيان هذه المسألة.
[مسألة: نصراني أسلمت امرأته فأراد أن يسلم فقالت أفتدي منك بمالي]
مسألة وقال: في نصراني أسلمت امرأته، فأراد أن يسلم، فقالت: أفتدي منك بمالي، على أن لا تسلم حتى أملك أمري أو على أن لا يكون ذلك على رجعة، ففعل، ثم أسلم. قال: إن افتدت منه قبل أن
стр. 2315
يسلم، لم يثبت ذلك عليه، ورد ما أخذ منها، وكان له عليها الرجعة إن أسلم في عدتها؛ لأنه لو طلقها وهو كافر، لم يلزمها من طلاقه شيء، فجعله بمنزلة طلاقه.
قلت: فلو كانت افتدت منه على ذلك فلم يسلم أو أسلم بعد انقضاء عدتها، أكان يكون له للذي افتدت به منه؟ قال: فلا أرى له شيئا وأرى أن تأخذه منه.
قال محمد بن رشد: وهذا بين على ما قال؛ لأن الخلع طلاق، فلما كان طلاقه باطلا غير لازم كان خلعه مردودا غير ثابت، وبالله التوفيق لا شريك له وبه أستعين.
[الجارية تنكح ويدخل بها زوجها قبل أن تبلغ المحيض]
ومن كتاب بع ولا نقصان عليك قال مالك في الجارية تنكح، ويدخل بها زوجها قبل أن تبلغ المحيض، فيملكها زوجها فتطلق نفسها هل يلزمها ذلك الطلاق؟ فقال مالك: نعم، يلزمها ما طلقت إذا ملكت إذا كانت قد بلغت مبلغا يعرف ما ملكت أن يوطأ مثلها.
قلت لابن القاسم: وما الفرق بينها وبين الغلام؟ فإن الغلام قد يكون قد عقل وخالط الرجال، فلا يجوز طلاقه إذا لم يحتلم. قال: لأن الجارية إذا بلغت مبلغا يوطأ مثلها، كان الحد على من قذفها، وإن الغلام لا يكون الحد على من قذفه حتى يحتلم.
قال محمد بن رشد: تفرقته هذه بين تمليك الجارية قبل البلوغ، بأن الحد يجب على من قذف الجارية قبل البلوغ إذا كانت قد بلغت مبلغا يوطأ مثلها، وأن الغلام لا حد على من قذفه حتى يحتلم صحيح؛ لأن الرجل لو ملك أمر امرأته صبيا أو نصرانيا فطلقها عليه للزمه ذلك، وإن كان لا حد على من قذف واحدا منهما، وإنما جاز قضاء المملكة قبل البلوغ؛ لأن الطلاق
стр. 2316
إنما هو من الزوج الذي ملكها أمرها، لا منها، إذ الطلاق إنما هو للرجال لا للنساء، وقد مضى في رسم الشجرة من سماع ابن القاسم، في حكم المملكة قبل البلوغ. ومضى في رسم تأخير العشاء من سماع ابن القاسم من كتاب طلاق السنة، القول في طلاق المناهز للاحتلام فلا معنى لإعادة ذلك، وبالله التوفيق.
[جعل أمر امرأته بيد ثلاثة نفر]
ومن كتاب لم يدرك من صلاة الإمام وقال: في رجل جعل أمر امرأته بيد ثلاثة نفر، فطلق أحدهم واحدة، وطلق الآخر اثنتين، وطلق الآخر ثلاثا، قال: تكون واحدة لأنهم كلهم اجتمعوا على واحدة، وهم بمنزلة الشهداء لو أن رجلا شهد على أنه طلق امرأته ثلاثة، وشهد آخر بأنه طلق امرأته واحدة، كانت واحدة؛ لأنهما قد اجتمعا على واحدة.
قال محمد بن رشد: أما الذي جعل أمر امرأته بيد ثلاثة نفر، فطلق أحدهم واحدة والآخر اثنتين والآخر ثلاثا، فإنها تكون واحدة كما قال، إذ لا يلزمه إلا ما اجتمعوا عليه كالحكمين إذا اختلفا في عدد الطلاق، ولو لم يطلق أحدهم شيئا لم يلزمه مما طلق الآخران شيء.
وقد قيل: إنهم إذا اختلفوا لم يلزمه شيء وهو قول أصبغ في هذا وفي الحكمين، أنهما إذا اختلفا لم يلزم الزوج شيء، من ذلك، ورواه عن ابن القاسم وأما قوله: إنهم بمنزلة الشهداء إلى آخر قوله: فهو صحيح على المشهور من مذهب ابن القاسم، وروايته عن مالك، في أن الشهادة على الطلاق تلفق، اتفقت أو اختلفت، إذا كانت في مجلسين، وأنه يؤخذ بالزائد فيها إذا اختلفت وكانت في مجلس واحد، فإذا شهد أحد الشاهدين على رجل أنه طلق امرأته واحدة، وقال الآخر: بل إنما طلقها ثلاثا، وشهد أنه طلقها ثلاثا في غير ذلك المجلس، فهي واحدة؛ لأنهما قد اجتمعا على الواحدة، فإن كان منكرا للطلاق جملة حلف أنه ما طلق شيئا ولزمته واحدة، وإن كان مقرا بالواحدة، حلف أنه ما طلق إلا واحدة ولم يلزمه
стр. 2317
غيرها. ويأتي على قول ربيعة في المدونة وما يأتي في رسم حمل صبيا من سماع عيسى من كتاب الشهادات أن الشهادات لا تلفق، ويحلف المشهود عليه على تكذيب شهادتهما، ولا يلزمه شيء، ولو كانوا ثلاثة، فشهد أحدهم أنه طلق واحدة، والثاني أنه طلق اثنتين، والثالث أنه طلق ثلاثا، للزمه على القول الأول تطليقتان ويبرأ من الطلقة الثالثة بيمينه، كانا في مجلس واحد أو في مجلسين، وعلى القول الثاني يحلف ولا يلزمه شيء، ولو كانوا أربعة فشهد الاثنان أنه طلق واحدة، وشهد الاثنان أنه طلق اثنتين في ذلك المجلس، للزمته اثنتان على القول الأول، وعلى القول الثاني يقضى بأعدل الشهود، فإن تكافئوا في العدالة سقطتا، وحلف المشهود عليه، ولم يلزمه شيء ولو كان ذلك في مجلس آخر، للزمته طلقتان على القول الأول، وبرئ من الثالثة مع يمينه، ولزمته على القول الثالث ثلاث تطليقات.
[قال لامرأته إن غبت عنك سنة فأمرك بيدك]
ومن كتاب سلف دينارا وسئل عمن قال لامرأته: إن غبت عنك سنة فأمرك بيدك، فقالت: قد اخترت ألا أريد غيرك، ثم غاب عنها سنة فأرادت أن تختار، قال: ليس ذلك لها.
قال محمد بن رشد: هذا على ما مضى في رسم أوصى من قول مالك والليث، ويأتي على ما روى أصبغ عن أشهب في كتاب النكاح، أن ذلك لها، وقد مضى بيان ذلك هناك، وبالله التوفيق.
[مسألة: جعل أمرها بيد الأخرى ثم وقع بين المرأتين شر]
مسألة وقال: في رجل كانت تحته امرأتان، فجعل أمر الواحدة بيد الأخرى، يمكث خمس سنين، يطأ التي جعل أمرها بيد الأخرى، ثم وقع بين المرأتين شر، فطلقتها، فقال لها زوجها: إن كانت طالقا فأنت طالق. قال ابن القاسم: ليس عليه فيهما شيء جميعا، لا
стр. 2318
يطلق هذه ولا هذه؛ لأنه قد يطأ التي جعل أمرها بيد الأخرى، فلما كان يطأها انفسخ ما كان جعل بيد الأخرى حين لم تطلق عليه حتى وطئ.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة صحيحة بينة في المعنى، وقد بين ابن القاسم وجه قوله فيها بما لا مزيد عليه، وبالله التوفيق.
[قال لامرأته أمرك بيدك وهو جاهل يظن أن ذلك طلاق]
ومن كتاب إن خرجت من هذه الدار وسئل مالك عن رجل قال لامرأته: أمرك بيدك وهو جاهل يظن أن ذلك طلاق، قال: إن كان أراد بقوله أمرك بيدك أنت طالق، فهي طالق.
قال محمد بن رشد: هذا صحيح على ما في المدونة من أنه ما ليس من ألفاظ الطلاق فلا يلزم به الطلاق، إلا أنه ينوى باللفظ بعينه الطلاق وقد قيل: إنه لا يلزمه به الطلاق، وإن نواه، وهو قول مطرف في الثمانية وروايته عن مالك، ويقوم من قول ابن الماجشون في كتاب الظهار من المدونة. وقال أشهب: لا يلزمه بذلك الطلاق، إلا أن يريد أنها طالق إذا.. . من اللفظ لا طالق بنفس اللفظ وهو قول لا وجه له.
[مسألة: ملك امرأته فقضت بالبتة فلم ينكر عليها وادعى أنه جاهل]
مسألة وقال مالك: من ملك امرأته فقضت بالبتة فلم ينكر عليها وادعى أنه جاهل، وظن أن ذلك ليس له، وأراد أن ينكر عليها حين علم، قال: ليس ذلك له، ولا يعذر بالجهالة.
قال محمد بن رشد: هذه إحدى المسائل التي مضى القول فيها في رسم يوصي إن الجاهل لا يعذر فيها بجهله، فلا معنى لإعادة ذكرها، والأصل في هذا أنه ما كان يتعلق به حق لغيره، فلا يعذر الجاهل فيه بجهله،
стр. 2319
وما لا يتعلق به حق لغيره، فإن كان مما يسعه ترك تعلمه، عذر بجهله، وإن كان مما لا يسعه ترك تعلمه، لم يعذر فيه بجهله، فهذه جملة كافية، يرد إليها ما شذ عنها، وبالله التوفيق.
[مسألة: طلق امرأته طلقة فقالت له: خذ مني عشرة دنانير ولا تراجعني]
مسألة وسألت ابن القاسم عن رجل طلق امرأته طلقة، فقالت له: خذ مني عشرة دنانير، ولا تراجعني، ففعل، فهل تكون عليه طلقة أخرى؟ قال: هذا صلح، وقد بانت منه بتطليقتين، وتبنى على ما اعتدت، وإنما تبتدئ العدة التي تراجع ثم تطلق، فإن تلك تبتدئ العدة من آخر ما طلقها، مس أو لم يمس، إلا المولى، فإنه إن قال أنا أمس فلم يمس، لم تبتدئ العدة ومضت على عدتها.
قال محمد بن رشد: أما قوله في التي قالت لزوجها: خذ مني عشرة دنانير ولا تراجعني: إنه صلح، فهو خلاف ما في سماع زونان عن أشهب، عن ظاهر ما في هذه الرواية، إذ لم يفرق فيها بين أن يكون قد قبض العشرة أو لم يقبضها ويحتمل أن تتأول هذه الرواية على أنه قد قبض العشرة؛ لأن معنى قول أشهب في سماع زونان على أنه لم يقبض العشرة، فلا يكون ذلك اختلافا من القول، إذ لا يتصور الخلاف إلا إذا رجع عن قوله قبل أن يقبض العشرة، وظاهر قول أشهب هذا أن الأمر لا يلزمه وإن قبض العشرة، وله أن يردها بعد أن قبضها ويراجعها، وهو بعيد؛ لأنه إذا قبض العشرة فقد ألزم نفسه ما واجبته عليه المرأة من إسقاط حقه في مراجعته إياها، ولزمته بذلك طلقة بائنة قولا واحدا، وإنما الخلاف إذا قال لها لما جاءته بالعشرة: لا أخذها، ولا أترك حقي في المراجعة؛ لأني لم أوجب ذلك على نفسي، وإنما وعدت به، وذلك على قياس المسألة التي مضى الكلام عليها في أول سماع
стр. 2320
ابن القاسم. وهي: إذا قالت المرأة لزوجها: خذ مني عشرين دينارا وفارقني، فلما جاءته بها، قال: لا آخذها ولا أفارقك، ويدخلها القول الثالث، وهو: الفرق بين أن تبيع في العشرة متاعها، وتكسر فيها عروضها، وبين أن تأتيه بها من غير شيء يفسده على نفسها، فينبغي أن لا يحمل قول أشهب على ظاهره، وأن يتأول على ما يصح، فيقال: إن معنى قوله: ويرد العشرة أن يتركها لها ولا يأخذها منها وذلك جائز في الكلام، كما يقول الرجل: رددت السلعة بالعيب، وإن كان لم يقبضها بعد؛ لأن ما وجب للرجل قبضه، فكأنه قد قبضه. وإذا حمل قول أشهب هذا على أنه لم يقبض العشرة احتمل أن يحمل ما في رسم خرجت من سماع عيسى على أنه قبض العشرة، فلا يكون ذلك اختلافا من القول، وبالله التوفيق.
وإن قالت له: خذ مني عشرة دنانير، على ألا رجعة لك علي، لكان صلحا باتفاق. وقد مضى ذلك في رسم باع غلاما من سماع ابن القاسم. وقوله: إنها تبنى على عدتها، بخلاف ما لو راجعها ثم طلقها صحيح، وقد مضى القول فيه مستوفى في رسم سلعة سماها من سماع ابن القاسم من كتاب طلاق السنة فلا معنى لإعادة ذلك.
[مسألة: صالح الرجل امرأته أو خالعها فقال لها أنت طالق]
مسألة وقال ابن القاسم: إذا صالح الرجل امرأته أو خالعها فقال لها: أنت طالق، كانت تطليقتين: طلقة للخلع، وطلقة لما طلق، ولو قال: لم أرد إلا طلقة الخلع، لم ينو في ذلك، وكانت تطليقتين، ولو قال لها: أنت طالق، طلقة الخلع، لم يلزمه إلا واحدة.
قال محمد بن رشد: أما قوله في التي خالع زوجته وقال لها: أنت طالق إنها تكون طلقتين، فهو مثل ما في المدونة. ومثل قول عثمان ﵁ فيها: إن الخلع مع الطلاق تطليقتان، وذلك إذا قال: قد خالعتك أنت طالق، أو قد خالعتك وأنت طالق نسقا لا صماتا بين ذلك. وأما إن خالعها
стр. 2321
وسكت، ثم قال بعد ذلك: أنت طالق، فلا يلزمه الطلاق؛ لأن الخلع طلاق بائن، فلا يرتدف عليه الطلاق. وقد كان ابن عتاب يفتي بأن من بارا امرأته في الحيض هذه المباراة، التي جرا عرف الناس عليها، ثم طلقها بعد ذلك، إن الطلاق يرتدف عليه فيها، ما لم تنقض العدة.
وذلك استحسان على غير قياس، مراعاة لقول من يراها طلقة رجعية. وقد حكى عن أبي المطرف بن فرج أنه أفتى بأن يجبر على الرجعة من بارا امرأته في الحيض، وكان يحمل ذلك منه على الوهم والخطأ، وليس بخطأ صراح، ووجهه مراعاة الخلاف في كونها طلقة رجعية.
وأما إن قال لها: أنت طالق طلقة الخلع، فبين أنه لا يلزمه على مذهب ابن القاسم إلا طلقة واحدة، وتكون بائنة؛ لأن ابن القاسم لا يراعي في هذا اللفظ دون المعنى، فيقول: إن الرجل إذا قال لامرأته: قد خالعتك أو باريتك، أو صالحتك، أو طلقتك طلاق المباراة، أو طلاق الصلح، أو أنت مبراة أو مصالحة، أو مخالعة، أو ما أشبه ذلك من الألفاظ، فهي واحدة بائنة على سنة الخلع، وإن لم يأخذ من الزوجة على ذلك شيئا.
وابن الماجشون يرى ذلك كله بتاتا من أجل أنه أراد بها بائنة منه بذلك، ولا تبين المرأة من زوجها إلا بالخلع أو الثلاث، فإذا لم يكن خلعا كان بتاتا، فيراه بمنزلة من قال لزوجته: أنت طالق طلقة بائنة، ومطرف يرى ذلك كله طلاقا رجعيا، ووجه قوله إنه إنما لم يلفظ بالثلاث، ولا أراد البتات وجب أن يكون الطلاق رجعيا؛ لأن الطلقة الواحدة لا تبين فيها المرأة إلا بخلع يأخذه منها.
وقد روى ذلك ابن وهب عن مالك فيمن خالع وأعطى قال في المدونة: وروى غيره أنها بائن، وأكثر الرواة على أنها غير بائن؛ لأنها إنما تبين من زوجها بخلع، فإذا لم يأخذ منها شيئا فليس بخلع، وإنما هو رجل طلق. وأعطى وبالله بالتوفيق.
[مسألة: سألت من زوجها أن يخيرها أو تعطيه عشرة دنانير]
مسألة قال ابن القاسم: قال مالك: لو أن امرأة قالت لزوجها: خذ مني عشرة دنانير، وخيرني، ففعل ذلك، وأجابها وأخذ العشرة، أو
стр. 2322
قالت له: ملكني على مثل ذلك، ففعل، أو أراد الصلح، فقال لها: ضعي عني كذا وكذا وأصالحك فتراوضا على ذلك، وأجاب بعضهما بعضا، إلا أنه لم يقع الصلح ولا الإشهاد بينهما، ثم بدا للمرأة في هذه الوجوه بعد أن تواجبا عليها.
قال مالك: أما التي سألت من زوجها أن يخيرها أو تعطيه عشرة دنانير، ففعل وخيرها، فإنها إن اختارت نفسها كانت ألبتة، وإن أبت أن تختار وقالت قد بدا لي، فإن العشرة دنانير تكون للزوج، اختارت أو لم تختر، وكذلك التي سألت التمليك أنها إذا بدا لها وأبت أن تقضي، فالعشرة الدنانير للزوج، قضت أو لم تقض، فإن قضت ولم ينكر ذلك عليها زوجها في مجلسها فهي البتة، ولا تحل له حتى تنكح زوجا غيره، وإن أنكر ذلك وقال: لم أملكك إلا واحدة، كان القول قوله مع يمينه، وكانت طلقة بائنة يخطبها إن شاء مع الخطاب، وإن أراد الصلح على ما ذكرت، فإنها إن بدا لها قبل الإشهاد، ووقع الصلح، فإن ذلك لها، ولا غرم عليها، ولا شيء لزوجها مما سمت له، ولا يلزمه طلاق.
قال محمد بن رشد: لا اختلاف في أنه لا رجوع للمرأة في العشرة دنانير التي أعطته على أن يملكها أو يخيرها، وإنما قد وجبت للزوج بما أعطاها من التمليك والتخيير، قضت أو ردت، وإنما اختلف قول مالك هل يجوز التخيير والتمليك في ذلك على سننها أم لا؟ فمرة رأى أنهما يحولان عن سنتهما فتقع الطلقة الواحدة بكل واحد منهما بائنة كطلقة الخلع، بسبب ما أعطته من المال، فيكون للزوج أن يناكرها في الخيار، كما له أن يناكرها في التمليك، وتكون الطلقة أو الطلقتان في ذلك بائنتين، فلا يكون للزوج عليها في ذلك رجعة، وهو قول ابن القاسم في هذه الرواية، إذ نص فيها على أنه إذا ناكرها كانت طلقة بائنة، ومرة رأى أن التخيير والتمليك لا يحولان بذلك عن سنتهما معا، فلا يكون لها أن تقضي في الخيار إلا بالثلاث، ولا يكون للزوج أن يناكرها فيها ويكون له أن يناكرها في التمليك، وتكون له الرجعة، وهو الذي
стр. 2323
يأتي على ما مضى من قول مالك في رسم سعد، من سماع ابن القاسم، وقد مضى القول على هذا هناك. وأما إذا تداعيا إلى الصلح، وتراضيا عليه، وأجاب بعضهما بعضا إليه، فلكل واحد منهما أن يرجع عليه ما لم يقع الصلح ويمضياه على أنفسهما، فإن وقع لم يكن لواحد منهما الرجوع عنه، ولزمهما التشاهد عليه. وقد مضى هذا المعنى في رسم من سماع ابن القاسم، وهو الذي يأتي على ما في المدونة، وبالله التوفيق.
[مسألة: اصطلح الرجل وامرأته على الفراق فقال لها قد خيرتك فاختارت نفسها]
مسألة وقال مالك: إذا اصطلح الرجل وامرأته على الفراق، فقال لها: قد خيرتك فاختارت نفسها، فإن ذلك الخيار لا يكون ألبتة، وإنما هي طلقة واحدة بائنة؛ لأن الخيار في هذا ليس بخيار، وإنما هو صلح، فكل خيار لم تشتره المرأة، ولم يكن من الرجل إلا على وجه الصلح، فإن ذلك لا يكون إلا طلقة واحدة.
قال محمد بن رشد: قد مضت هذه المسألة والقول فيها في رسم الشجرة من سماع ابن القاسم، وتكررت أيضا في رسم أوصى من هذا السماع فلا وجه لإعادة القول فيها.
[مسألة: كان لامرأته عليه حق فنجمته عليه في أشهر مختلفة]
مسألة وسئل عن رجل كان لامرأته عليه حق، فنجمته عليه في أشهر مختلفة، على أن إن لم يوفها كل نجم عند حلوله، فأمرها بيدها، فيحل نجم تقضي، فتختار نفسها. قال: إن مسها بعد حلول الأجل، أو ضاجعها، أو تلذذ بها، أو كان معها في بيت واحد، فلا أرى لها في ذلك النجم خيار، إلا أن تمنعه نفسها وتدفعه عن نفسها بأمر يعرف عند الناس، فإن فعلت فلها الخيار متى ما اختارت ما كان، لا يمسها ولا يقربها، وإن كان معها في بيت واحد، وادعت أنها منعته
стр. 2324
نفسها حتى قضت، وادعى الزوج المسيس، فالزوج مصدق، إذا كان يأوي إليها، ولها من الخيار في النجم الآخر الذي يحل، وفي جميع النجوم التي وقتت له مثل ما كان لها.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة صحيحة على أصولهم، وقوله فيها: إن لها أن تقضي بعد حلول الأجل متى ما شاءت، ما كانت، لا يطأها زوجها ولا يقربها هو، مثل قول مالك في المدونة في الأمة تعتق تحت العبد، إن لها الخيار، ما لم يمسها زوجها. وقد مضى بيان هذا المعنى وما يتعلق به في رسم حلف من سماع ابن القاسم، فأغنى ذلك عن إعادته هاهنا، وبالله التوفيق.
[مسألة: يخدم قبل أن يبني بأهله فتختار المرأة نفسها]
مسألة وسئل عن الرجل يخدم قبل أن يبني بأهله، فتختار المرأة نفسها قال: لا صداق لها، وكذلك النصرانية. تسلم قبل أن يبني بها، والأمة تعتق قبل البناء بها، فتختار نفسها، قال: فلا صداق لها.
قال محمد بن رشد: هذا كله كما قال: لأن الله قال: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧] ، فلما لم يكن واحد من هؤلاء مطلقا باختياره، لم يجب عليه نصف الصداق، ولا شيء منه. وقد مضى هذا المعنى مشروحا في رسم الصلاة من كتاب طلاق السنة، وفي سماع سحنون من كتاب النكاح فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.
[يقول لامرأته لأنت أحرم علي من أمي]
ومن كتاب أسلم وسئل عن الذي يقول لامرأته: لأنت أحرم علي من أمي قال: أراها البتة.
стр. 2325
قال محمد بن رشد: معنى هذا إذا أراد بذلك الطلاق، وأما لو لم تكن له نية لكان ظهارا، فقد قال في المدونة: إنه إذا قال: حرام كأمي أو مثل أمي ولا نية له إنه ظهار. قال: وهذا مما لا اختلاف فيه، ولا فرق بين أن يقول: أنت حرام كأمي أو أنت أحرم من أمي في أنه ظهار، وإذا لم تكن له نية، وذلك بين من سماع ابن القاسم من كتاب الظهار، فإذا أراد بذلك الطلاق فهي البتة، على مذهب ابن القاسم، ولا ينوى في واحدة ولا في اثنتين، وقال سحنون: ينوى فيما أراد من الطلاق، ولو قال: أنت حرام، ولم يقل مثل أمي لكان طلاقا على مذهب ابن القاسم، وإن أراد به الظهار.
وحكى اللخمي أن لسحنون في العتبية أنه ينوى في أنه أراد بذلك الظهار، وليس ذلك بموجود له عندنا في العتبية فأراه غلطا والله أعلم. وحكي عن يحيى بن عمر أنه قال: يلزمه الطلاق، فإن تزوجها ولم يقربها حتى يكفر كفارة الظهار قال: وهذا قول من لم يتبين له في المسألة حكم، والله أعلم.
[وطئ المرأة المملك طلاقها بعلم المملك ذلك فيها]
ومن كتاب جاع فباع امرأته وسأله رجل فقال: كانت تحتي امرأة فخطبت أخرى، فقالت: لا أتزوجك إلا أن تجعل أمر امرأتك التي تحتك بيدي، قال: ففعلت وتزوجتها على ذلك فأقامت شهرا وأنا مع امرأتي أياما أمسها فلما دخلت بها طلقتها بالبتة قال: أكان عليك شرط أن أمرها بيدها حين تدخل عليها، أو لم تذكر ذلك؟ قال: ليس علي إلا ما أخبرتك أن أمر امرأتي التي تحتي بيدك، فقال: لا شيء بيدها إذا مسستها ووطئتها بعد أن جعلت ذلك بيدها، فلم تقض شيئا حتى مسست ووطئت.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال: وهو مما لا اختلاف فيه إن وطئ المرأة المملك طلاقها بعلم المملك ذلك فيها يسقط ما له من طلاقها. وقد مضى هذا في رسم سلف وغيره، وبالله التوفيق.
стр. 2326
[مسألة: يجعل زوجها أمرها بيدها إلى أجل إن لم يأت]
مسألة وسأله ابن عبد الحكم فقال له: المرأة التي يجعل زوجها أمرها بيدها إلى أجل إن لم يأت، فتجاوز الأجل، ولم تقض شيئا، تنسى أو تجهل، قال: تحلف بالله ما تركت ما كان بيدها من ذلك، ويكون القول قولها.
قال محمد بن رشد: قوله: فتجاوز الأجل، يريد بمثل الشهر والشهرين على ما مضى في رسم حلف من سماع ابن القاسم، ولو أقامت أكثر من ذلك لعد ذلك منها رضى، ولم يكن لها خيار، حسبما مضى القول فيه هناك، وإيجاب ابن القاسم اليمين عليها هاهنا خلاف روايته عن مالك في الرسم المذكور من سماع ابن القاسم، ومثل ما لمالك في كتاب ابن المواز، ولو أشهدت عند الأجل أنها تنتظره، وهي على حقها لكان ذلك بيدها، وإن طال دون يمين، على ما في رسم شهد من سماع عيسى من كتاب النكاح. وقد مضى في رسم الشهيدين الشريكين من سماع ابن القاسم قبل هذا نحو هذا، وبالله التوفيق.
[مسألة: الأمة تعتق وهي حائض]
مسألة وسئل عن الأمة تعتق وهي حائض، هل لها أن تختار قبل أن تطهر؟ فقال: لا تختار حتى تطهر، وقال ابن القاسم في غير هذا الكتاب: وإنما يكره أن تختار وهي حائض، فإن فعلت جاز ذلك على الزوج.
قلت: فإن عتق زوجها قبل أن تطهر أترى ذلك يقطع خيارها؟ قال: لا أرى ذلك يقطع خيارها؛ لأنها قد وقع لها الخيار، وإنما منع من ذلك حيضتها.
قال محمد بن رشد: قوله: إنها لا تختار حتى تطهر صحيح، إذ لا
стр. 2327
يجوز إيقاع الطلاق في الحيض بحال، إلا للمولى على اختلاف في ذلك من قول مالك، فإن فعلت، جاز على الزوج، ولم يجبر على الرجعة؛ لأنه طلاق بائن. قد روي عن مالك أن للعبد الرجعة إن أعتق، فعلى هذه الرواية إن اختارت نفسها في حال الحيض، فأعتق زوجها قبل أن تنقضي عدتها أجبر على رجعتها.
وقوله: إنه إن أعتق زوجها قبل أن تطهر لم يقطع ذلك خيارها، ليس بخلاف للمدونة من أنه إذا أعتق قبل أن تختار فلا خيار لها، بدليل قوله: لأنها قد وقع لها الخيار، وإنما منعها من ذلك حيضتها، يريد، فلم يكن منها تفريط، ولذلك كان لها الخيار، والتي لم تختر حتى عتق زوجها، وقد كان منها تفريط، فلذلك لم يكن لها خيار، وهذا ظاهر الروايات، ويأتي على ذلك أنها إذا أعتقت وأعتق هو بعدها، بفور ذلك قبل أن يكون منها تفريط في اختيارها نفسها، إن لها الخيار، وقد ذهب ابن زرب إلى أن رواية عيسى هذه خلاف لما في المدونة.
وهو القياس؛ لأن الخيار إنما وجب لها من أجل نقصان مرتبته عن مرتبتها فإذا ارتفعت العلة وجب أن يرتفع الحكم بارتفاعها والأول هو الظاهر من الروايات، والله أعلم.
[بارا امرأته على مال أعطته وعلى أن ترضع ولده سنتين]
ومن كتاب الرهون وقال في رجل بارا امرأته على مال أعطته وعلى أن ترضع ولده سنتين، هل يجوز أن تتزوج حتى يفرغ من رضاعها؟ قال: أرى أن ينظر في ذلك، فإن كان لا يضر بالصبي، لم يحل بينهما وبين التزويج، وإن كان في ذلك ضرر، لم تترك، وهو عندي بمنزلة من يسترضع ولده من امرأة لا زوج لها، وأرادت التزويج فأرى أن ينظر في ذلك على وجه ما وصفت لك.
قال محمد بن رشد: قد مضى في رسم الطلاق من سماع أشهب، القول في هذه المسألة مستوفى فلا وجه لإعادته.
стр. 2328
[جعل أمر امرأته بيد أبيها إن لم يأت بحقها إلى سنة]
ومن كتاب إن أمكنتني وسئل عن رجل جعل أمر امرأته بيد أبيها إن لم يأت بحقها إلى سنة، فأراد أبو الجارية سفرا قبل الأجل، فجمع قوما وأشهدهم، وقال لهم: إن ختني جعل أمر ابنتي بيدي، إن لم يأت بحقها إلى سنة، وأشهدكم أني قد زدته خمس عشرة ليلة بعد السنة، ثم بدا له بعد ذلك فقال: لا أزيده شيئا فقال: ليس ذلك له، ولزوج ابنته الخمس عشرة ليلة التي جعل له لا يكون لأبيها فيها قضاء في طلاقه حتى تمضي الخمس عشرة ليلة بعد السنة، ثم يقضي إن أحب إن لم يأت بحقها.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن ذلك قد وجب للزوج، فليس له أن يرجع فيه، وبالله التوفيق.
[جعل أمر امرأته بأيدي رجلين]
ومن كتاب العتق قال عيسى: وسألت ابن القاسم عن رجل جعل أمر امرأته بأيدي رجلين، فقال: أمر امرأتي بأيديكما، فطلقا جميعا واحدة، فقال: يجوز، إذا طلقا جميعا واحدة، فإن طلق كل واحد منهما لم يجز، حتى يجتمعا جميعا على واحدة، أو عليهما جميعا، وإن قال أمر امرأتي جميعا بأيديكما إن شئتما فهو مثله أيضا، وإن قال: طلقا امرأتي، فأيهما طلق جاز طلاقه، وإن طلق كل واحد منهما طلقة جاز، وإن طلقاهما جميعا كلتيهما جاز، وإن طلق واحدة منهما طلقة واحدة جاز، وإن طلقهما جميعا واحد جاز، وذلك من قبل أنهما رسولان، فأيهما بلغ الطلاق جاز، وإن طلق البتة، وقال الزوج: لم أرد إلا واحدة، كان القول قول الزوج، وإن قال: طلقا امرأتي جميعا إن شئتما، فطلقا جميعا واحدة، أو طلقاهما جميعا واحدة، أو طلق كل
стр. 2329
واحد منهما واحدة، لم تجز حتى يجتمعا عليهما جميعا؛ لأنه إنما قال: طلاق امرأتي جميعا إن شئتما بأيديكما، فإن شاءا جميعا، وإلا فلا أمر لهما فيها.
قال محمد بن رشد: أما إذا قال: أمر امرأتي بأيديكما فلا اختلاف في أن ذلك تمليك، وأن الطلاق لا يقع إلا باجتماعهما عليهما جميعا، أو على أحديهما. وأما إذا قال: أعلما امرأتي بطلاقها، فلا اختلاف في أن ذلك رسالة، وأن الطلاق واقع عليه، أعلماها أو لم يعلماها، وأما إذا قال: طلقا امرأتي فهذا لفظ يحتمل الرسالة والتمليك.
واختلف على ما يحمل من ذلك، فقيل: إنه محمول على الرسالة حتى يريد التمليك، وهو قول ابن القاسم هنا، وفي المدونة، إلا أنه حمل الرسالة على الإجماع فرأى الطلاق واقعا عليه بنفس الرسالة، بلغاها الطلاق أو لم يبلغاها بمنزلة قوله لهما: أعلما امرأتي بطلاقها وحمل الرسالة هنا على غير الإجماع، فرأى أن الطلاق لا يقع عليه إلا بتبليغ من بلغها الطلاق منهما، كما لو وكل كل واحد منهما على أن يطلق عليه، فإن طلق عليه جاز، وما لم يطلق لم يلزمه شيء، وله أن يمنعه من أن يطلق عليه إن شاء بخلاف المملك الطلاق، وقيل؛ إنه محمول على التمليك حتى يريد الرسالة، وهو قول أصبغ، وإياه اختار ابن حبيب.
وأما إذا قال: طلقا امرأتي إن شئتما فهذا تمليك، إلا أنه يقتضي أنه ليس لهما أن يجتمعا على طلاق الواحدة، بخلاف قوله: أمر امرأتي بأيديكما؛ لأن قوله: أمر امرأتي بأيديكما، معناه أمر امرأتي بأيديكما، تطلقان من شئتما منهما أو جميعا إن شئتما، ولا يحتمل أن يكون معنى قوله طلقا امرأتي هذا لجمعه إياهما في الطلاق. وهذا بين لا اختلاف فيه. والله أعلم ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد الكريم.
стр. 2330
[كتاب التخيير والتمليك الثاني] [ سأل ختنه أن يخلي سبيله، فقال له الزوج لا تكثر علي الأمر في يديك]
стр. 2331
من سماع يحيى بن يحيى من ابن القاسم من كتاب الكبش قال يحيى: وسألت ابن القاسم عن الرجل يزوج ابنته البكر، رجلا فتكرهه الابنة والأهل، فيسأله أبو الجارية أن يفارقها، فيكره ذلك، ويمسك عنه زمانا، يرجو الاستصلاح للجارية، وإلى أهل الرجل، فتمادوا في الكراهة له أعواما، وإن الرجل لقي ختنه يوما، فأقبل عليه وسأله أن يخلي سبيله، فقال له الزوج: لا تكثر علي، الأمر في يديك، فاصنع ما شئت، فقال أبو الجارية لمن حوله: قد أحسن وأجل، جزاه الله خيرا أما إذا جعلت الأمر بأيديهما فما لنا عليك من سبيل، فقال له رجل ممن حضره: قد أمكنك الرجل، وجعل الأمر بيدك، فقال أبو الجارية عند ذلك: أشهدكم أني قد اخترت ابنتي، وفرقت بينهما، فأطرق الزوج قليلا، ثم قال: إني لم أرد ذلك، فماذا ترى أن يلزم الزوج بهذا القول؟ فقال: أرى القول قول أبي الجارية فيما طلق به من واحدة أو أكثر، وهو عندي بمنزلة الذي يملك امرأته أمرها، فإن كان الزوج ناكر الأب إن زاد على طلقة، أحلف وكانت طلقة بائنة؛ لأنه لم يبن بها. قيل له: وكيف ينوى وهو يزعم أنه لم يرد طلاقا؟ فكيف يجوز له أن يدعي أنه نوى
стр. 2332
واحدة، وقد أنكر ألبتة أن يكون أراد بقوله شيئا من الطلاق؟ وما ترى قوله: لم أرد هذا إنكارا على الأب إذا جاوز طلقة؟ قال: ذلك له، وإن كان أنكر أن يكون أراد طلاقا. ويحلف وكذلك قال مالك.
قال محمد بن رشد: وقع في بعض الكتب، فأطرق الرجل طويلا، يريد أطرق مفكرا فيما قضى به الأب من الفراق، وناظرا لنفسه فيما بين أن يسلمه أو ينكره، فسواء كان ذلك قليلا أو كثيرا ما لم يطل الأمر حتى ينقضي المجلس، فيتبين منه التسليم بفعل الأب، فلا يكون له بعد ذلك أن ينكر ما مضى في أول رسم إن خرجت من سماع عيسى، وإنما قال: إن القول قول الأب فيما طلق به من واحدة أو أكثر، لاحتمال قوله قد اخترت ابنتي، وفرقت بينهما، أن يريد بذلك الثلاث، وأن يريد به الواحدة؛ لأن قول المملك الطلاق، يحمل على ما يحمل عليه قول الزوج ابتداء، ولو قال الرجل لامرأته: قد فارقتك قبل الدخول، لنوي فيما أراد بذلك من واحدة أو أكثر، فكذلك يسأل الأب هاهنا ما أراد بقوله، قد فرقت بينهما، وقد مضى القول في أن الزوج يقبل منه نيته في أنه أراد واحدة، ويمكن من الحلف على ذلك بعد أن أنكر أن يكون أراد بذلك الطلاق، وفيما يكون الحكم إن أقام على قوله: إنه لم يرد بذلك الطلاق في رسم كتب عليه ذكر حق من سماع ابن القاسم، فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.
[صالح امرأته في مرضها على إن أعطته لفراقه إياها دارا وعرضا من العروض]
ومن كتاب الصبرة وسئل عن رجل صالح امرأته في مرضها على إن أعطته لفراقه إياها دارا وعرضا من العروض، وتعجل قبض ذلك، قال مالك: إن كان للذي أعطته قدر ميراثه منها فأدنى جاز له ذلك.
قلت له: أرأيت إن كان يوم أخذه قدر ميراثه، ويوم ماتت قيمة ما أخذ أكثر من ميراثه منها أتراه جائزا؟ وكيف إن كان يوم أخذه أكثر من ميراثه، ويوم ماتت قدر الميراث، وأدنى، متى ينظر إلى
стр. 2333
قيمة ما أعطته؟ فقال: حين يقع الصلح بينهما.
قلت: أرأيت إن هلك ماله أو بعضه قبل أن تموت، أيرجع الورثة على الزوج بشيء؟ قال: لا أرى ذلك لهم قد انقطع الأمر بينهم يوم وقع الصلح، فكأنه عندما حكم واقع مضى بأمر جائز؛ لأن الذي أخذ الزوج، لو هلك لم يرجع على الورثة من قيمته بشيء.
قلت له: أرأيت إن أعطته دارا أو أرضا؟ فقال الورثة: لا نجيز؛ لأن مثل هذا إنما كنا أجمعين نقتسمه بالسهام، فإذا خصته به فنحن نخرج له القيمة، ونأخذه. فقال ليس ذلك لهم؛ لأنه قد ضمنه ومصالحته إياها بالذي أعطته كبيع من البيوع.
قال محمد بن رشد: اختلف في خلع المريضة على ثلاثة أقوال: أحدها: أن ذلك جائز على ورثتها إذا خالعت بخلع مثلها. روى ذلك ابن وهب عن مالك، فعلى هذه الرواية غلب الخلع على حق الورثة وجعله كبيعها وشرائها، يجوز إذا لم يكن فيه محاباة بأن تخالع بأكثر من خلع مثلها.
والثاني: إن ذلك لا يجوز من غير تفصيل، وهو ظاهر قول مالك في المدونة وكتاب ابن المواز. ووجه هذا القول أن ما خالعت به في مرضها، أرادت أن يأخذه الزوج من رأس مالها، عاشت أو ماتت، وهو غير وارث، فوجب أن يبطل وإن كان أقل من ميراثه منها. والقول الثالث: أن ذلك يجوز إن كان قدر ميراثها منها فأقل، ولا يجوز إن كان أكثر من ميراثه منها، واختلف على هذا القول متى ينظر فيه، فقيل يوم الصلح، فإن كان مثل ميراثه منها أو أقل أخذه، وإن كان أكثر من ميراثه منها لم يكن له منه شيء إلا أن تصح من مرضها، ولا ميراث له منها على حال، وهو قول ابن القاسم هاهنا.
وظاهر قوله في المدونة، وقيل يوم الموت، وهو قول أصبغ في الواضحة وقول ابن نافع في المدونة، ويكون ما خالعت به على هذا القول موقوفا إن كان شيئا بعينه، لا
стр. 2334
تقضي فيه شيئا إلا أن تحتاج إليه فتنفقه، فإن صحت أخذه إن كان قائما، أو ثمنه إن مات باستنفاقها إياه؛ وإن تلف كانت مصيبته منه، وإن ماتت أخذه كله أو ما أدرك منه إن فات باستنفاق أو غيره إن كان قدر ميراثه منها فأدنى، وإن كان أكثر من ميراثه منها لم يكن له شيء منه، ولا ميراث له منها على حال، وإن كانت خالعت على شيء غير معين، وكانت غنية لم يوقف عليها شيء منه، ولا ميراث له منها على حال، وإن كانت خالعت على شيء غير معين، وكانت غنية لم يوقف على شيء من مالها، وكان لها أن تنفق منه كما ينفق المريض في مرضه، فإن صحت مضى ذلك عليها، وإن ماتت في مرضها نظر في ذلك على ما تقدم.
وقوله: إنها صالحته على أرض أو دار أو قيمة ذلك قدر ميراثه منها فأقل، إن ذلك جائز على الورثة، ولا كلام لهم فيه، دليل على ما حكى سحنون عن بعض أهل العلم، إنه لا يجوز للمريض أن يبيع من بعض ورثته أغبط ماله، وإن لم يحاب في الثمن، وبالله التوفيق.
[مسألة: الصبية التي يوطأ مثلها يبني -بها زوجها فتصالحه على مال]
مسألة وسئل عن الصبية التي يوطأ مثلها يبني بها زوجها فتصالحه على مال تدفعه إليه، ولم تبلغ المحيض، أيجوز ذلك الصلح بينهما؟ فقال: نعم، أراه جائزا تقع به الفرقة بينهما ويكون للزوج ما أعطته إذا كان ما أعطته يصالح به مثلها.
قال محمد بن رشد: وقع في المدنية لمالك من رواية ابن نافع عنه مثل رواية يحيى هذه، وزاد وإن كان أعطت أمرا يستنكر، ليس مثله يخالع به مثلها، رد عليها جميع ما أعطته وثبت عليه الطلاق.
قال أبو بكر بن محمد: المعروف من قول أصحابنا: إن المال مردود، والخلع ماض، وقاله ابن الماجشون في الواضحة: ولا اختلاف إن كانت ما خلعت به خلع مثلها، هل يرد المال؟ لما في رده من الحظ لليتيمة مع نفوذ الطلاق على الزوج، أو لا يرد؛ لأنه وقع على وجه نظر، لو دعا الوصي إليه ابتداء لفعله، وعلى هذا يختلفون
стр. 2335
في الصبي، يبيع أو يبتاع، أو يفعل ما يشبه البيع والشراء، مما يخرج على عوض، ولا يقصد فيه إلى فعل معروف، وذلك سداد ونظر من فعله يوم فعله فلا ينظر فيه الأب أو الوصي حتى يكون غير سداد، بنماء أو حوالة سوق بزيادة فيما باعه، أو حوالة سوق بنقصان فيما ابتاعه، فقيل: إنه ليس له أن ينقصه؛ لأنه إنما ينظر في فعله يوم وقع، وعلى هذا تأتي رواية يحيى هذه، وما ذكرناه من رواية ابن نافع عن مالك في المدونة وما وقع لأصبغ في الخمسة، وقيل له: أن ينقصه لأنه إنما ينظر في فعله يوم ينظر فيه، وعلى هذا يأتي قول من قال في هذه المسألة: إن الخلع ماض والمال مردود، وهو المشهور في المذهب. ويقوم ذلك أيضا من قول أصبغ في نوازله من كتاب المديان والتفليس، وهو الذي يأتي على ما في كتاب كراء الأرضين من المدونة في أن ما اشترى الوصي من مال اليتيم، يعاد في السوق؛ لأنه قال: إنه يعاد، ولم يقل: إنه ينظر إليه يوم ابتاعه إن كانت قيمته يوم النظر فيه أكثر، وإذا قاله فيما اشترى الوصي من مال اليتيم، فأحرى أن يقوله فيما باعه اليتيم، وبالله التوفيق.
[مسألة: اليتيمة البالغ إذا كرهت زوجها فافتدت منه وهي بكر لم يبن بها]
مسألة قيل لسحنون: ما تقول في اليتيمة البالغ إذا كرهت زوجها فافتدت منه وهي بكر لم يبن بها؟ هل ترى ما أخذ منها الزوج هل يسوغ له وما تركت له محطوطا عنه؟ وكيف إن قامت بعد ذلك تطلبه فيما أخذ منها وما تركت له؟ قال سحنون: وأرى ذلك جائزا عليها، ولازما لها، ولا رجوع لها في شيء مما أعطته أو وضعت عنه.
قال محمد بن رشد: هذا معلوم من مذهب سحنون إن البكر التي لم يول عليها بأب أو وصي، أفعالها جائزة، إذا بلغت المحيض، وهو قول غير ابن القاسم في كتاب النكاح الثاني من المدونة، ورواية زياد عن مالك، وقد قيل: إن أفعالها مردودة ما لم تعنس أو تتزوج، ويدخل بها زوجها، وتقيم معه
стр. 2336
مدة يحمل أمرها فيها على الرشد قبل العام، وهو قول ابن الماجشون. وقيل: ثلاثة أعوام ونحوها. واختلف في حد تعنيسها على خمسة أقوال: أحدها: ثلاثين سنة، وهو قول ابن الماجشون، وقيل أقل من الثلاثين، وهو قول ابن نافع وقيل أربعون وهي رواية مطرف عن مالك وأصبغ وقيل من الخمسين إلى الستين.
وهي رواية سحنون عن ابن القاسم وقيل حتى تقعد عن المحيض وهو قول مالك في المدنية من رواية ابن القاسم عنه، وبالله التوفيق.
[قال الرجل امرأتي طالق واحدة بائنة للتي قد دخل بها]
ومن كتاب الصلاة قال: وسمعت مالكا يقول: إذا قال الرجل: امرأتي طالق واحدة بائنة، للتي قد دخل بها، فهي ألبتة؛ لأنه لو قال هي بائنة، ولم يقل طالق واحدة بائنة، كانت البتة. قال: وإن قال هي طالق طلاق الخلع، كانت واحدة بائنة، وكذلك لو قال قد خلعت امرأتي أو باريتها، أو افتدت مني، لزمته طلقة واحدة بائنة، وكذلك يلزمه طلقة واحدة بائنة، إذا قال هي طالق طلاق الخلع. قال: فإن قال لامرأته: قد خيرتك، فقالت: قد طلقت نفسي واحدة بائنة، إن ذلك ليس بشيء؛ لأن المخيرة ليس لها أن تقضي إلا بفراق ألبتة، أو تقيم على غير طلاق، قال: وإن قال لامرأته: قد ملكتك أمرك، فقالت: قد طلقت نفسي واحدة بائنة، فإن أنكر عليها احلف ما ملكها إلا واحدة، وكان أحق بامرأته، إن أراد ارتجاعها، ويكون الذي قضت به من قولها طلقت نفسي واحدة بائنة، وواحدة غير بائنة، وإن لم ينكر عليها فهي ألبتة، وذلك أنه إذا قال لها: هو من قبل نفسه من غير أن يملك امرأته امرأتي طالق واحدة بائنة، كانت ألبتة في رأيي.
قال محمد بن رشد: قال في المخيرة إذا قالت: قد اخترت واحدة بائنة، إن ذلك ليس بشيء، وكان القياس أن يكون ثلاثا، كما يكون في
стр. 2337
التمليك ثلاثا، إلا أن يناكرها، وكما يكون ثلاثا، إذا قال هو لامرأته: ابتداء من غير تمليك ولا تخيير: أنت طالق واحدة بائنة، وكذلك في المدنية من رواية عيسى عن ابن القاسم: إن الرجل إذا ملك امرأته ألبتة، فقالت: قد طلقت نفسي واحدة بائنة، إنها ثلاث وليس له أن يناكرها، وأنه إذا ملكها فطلقت واحدة بائنة فهي ثلاث، إلا أن يناكرها، ووجه رواية يحيى أنه إذا خيرها، فإنما جعل لها أن تختار ثلاثا أو تترك، فإذا قالت: قد اخترت واحدة بائنة، كانت بقولها واحدة، قد تركت ما جعل إليها، واتهمت في قولها بائنة، إنها نادمة، ولم يصدق فيها، وواحدة هي من ألفاظ المملكة، فإذا وصفت ببائنة، قيل لها: هي ثلاث، إلا أن يناكرها، وأما قوله في الذي قال لامرأته: أنت طالق طلاق الخلع، أو قد خالعتك، أو باريتك، إنها طلقة بائنة، فقد مضى ذلك وما فيه من الاختلاف في رسم إن خرجت من سماع عيسى، وبالله التوفيق.
[سألت زوجها النفقة وقالت لا أضع ذلك عنك إلا أن تجعل أمري بيدي]
ومن كتاب المكاتب وسألته عن امرأة سألت زوجها النفقة عند خروجه إلى سفره، وقالت: لا أضع ذلك عنك إلا أن تجعل أمري بيدي، إن أقمت أكثر من سنة، فقال: بل أجعل أمرك بيد فلان، إن أقمت عنك أكثر من سنة، فأجابت وفعل الرجل.
فلما أقام أكثر من سنة، أراد الرجل أن يطلق عليه، وكرهت المرأة فقال: قال مالك: يجبر على اتباع قول المرأة؛ لأن ذلك إنما جعل بيده وثيقة لها.
قلت له: فإن لم ترفع ذلك إلى السلطان حتى يطلق عليه، قال: أرى الطلاق قد وقع على الرجل الذي جعل ذلك بيده، إلا أن يكون السلطان قد تقدم إليه ونهاه، وأعلمه أنه لا يجيز طلاقه، فإن تعدى أمر السلطان، لم يضر ذلك للذي جعل التمليك بيد هذا المتعدي.
стр. 2338
قال محمد بن رشد: قد مضت هذه المسألة في أول سماع عيسى من هذا الكتاب، ومضى القول عليه مستوفى في رسم استأذن من سماع عيسى من كتاب النكاح، فمن أحب الوقوف عليه تأمله هناك.
[يجعل زوجها بيدها الخيار إلى أجل مسمى]
ومن كتاب الأقضية قال يحيى: وسألت ابن وهب عن المرأة يجعل زوجها بيدها الخيار إلى أجل مسمى، فلما حل الأجل، لم تقل شيئا، ولم تقض بطلاق ولا غيره، ثم بدا لها بعد انقضاء الأجل: فأرادت أن تطلق نفسها بالذي كان من الخيار بيدها، فقال الذي أخذ به في هذه الأجل ولها في نفسها وليس لها بيدها من طلاقها شيء، إذا لم تقض به عند الأجل الذي جعل ذلك بيدها عنده، وهي عندي بمنزلة المرأة يخيرها زوجها وهما قاعدان، فلا تقضي شيئا حتى يقوم عنها ويفترقان من مجلسهما غير هارب عنها، ولا متعجل للقيام، ليقطع ما جعل بيدها، فلا يكون لها شيء مما كان أعطاها إذا لم تقض به حتى افترقا من مجلسهما بحال ما وصفت لك، وكذلك الذي يجعل الخيار بيدها عند أجل من الآجال فتركته عند الأجل، أرى ألا شيء لها بعد انفصاله.
قال محمد بن رشد: جعل ابن وهب حكم التي وجب لها التمليك بانقضاء الأجل، كحكم المواجهة بالتمليك في سقوط ما بيدها، بترك القضاء عند الأجل، الذي وجب لها التمليك فيه، وذلك مثل قول أشهب في سماع زونان.
ومثل قول ابن القاسم في رسم شهد من سماع عيسى من كتاب النكاح خلاف المشهور من مذهب ابن القاسم، وروايته عن مالك وقد مضى القول على هذه المسألة موعبا في رسم حلف من سماع ابن القاسم من هذا الكتاب، وفي غير ما موضع فلا معنى لإعادة ذلك، وبالله التوفيق.
стр. 2339
[الرجل يصالح عن امرأته]
ومن كتاب أول عبد ابتاعه قال: وسألته عن الرجل يصالح عن امرأته، أو عن رجل أجنبي، على أمر يدفعه إلى الذي يصالحه من مال الذي يصالح عنه، فإن أنكر ذلك المصالح عنه، فهو في مال المصالح. قال: وذلك جائز لازم للذي صالح، والغرم عليه إن كره الذي صولح عنه أن يقبل ما أوجب عليه المصالح من الغرم.
قلت: وإن اشترط المصالح على الرجل أني إنما أدفع ما أصالح به من مالي، فإن أنكر الذي أصالح عنه، فأنا أقوم عليه بمثل ما كان يطلبه الذي صالحت عنه إن أنكر صلحي عنه وسخطه.
قال محمد بن رشد: ظاهر قوله في هذه المسألة أنه إنما أوجب على المصالح غرم عن الزوجة بغير إذنها أو عن الغريم الذي عليه الدين بغير إذنه، وهو منكر لما عليه من الدين، إذا لم يرض واحد منهما بالصلح من أجل أنه اشترط ذلك عليه، وهو ظاهر قول ابن القاسم وروايته عن مالك في كتاب إرخاء الستور من المدونة وقول ابن حبيب في كتاب الوثائق: إن المرأة ترجع على الزوج، ولا يرجع الزوج على من صالحه عنها إلا أن يشترط عليه الضمان، وهو خلاف قول ابن القاسم وروايته عن مالك في كتاب الصلح من المدونة وقول أصبغ في الواضحة وفي نوازله بعد هذا من هذا الكتاب من أنه إذا صالح ضامن، وإن لم يشترط عليه أنه ضامن؛ لأنه بمصالحته إياه أخرج امرأته من يده، أو طرح سائر دينه، فذلك كالمبايعة.
وقال ابن دينار: إن صالح عن المرأة أبوها أو ابنها أو أخوها أو من له قرابة، فهم ضامنون، وأما غيرهم فلا، ولم يجب على ما سأله عنه من اشتراط المصالح عن الرجل، إنه يدفع ذلك من ماله، على أنه إن أنكر ذلك المصالح عنه اتبعه بمثل ما كان يطلبه به، للذي صالحه عنه، والجواب عن ذلك أنه لا يجوز؛ لأنه مخاطرة وغرر وشراء دنانير مجهولة، بدنانير معلومة، فذلك في الحرام البين الذي لا خفاء به، ولو اشترط أنه إن أنكر المصالح عنه، رجع في ماله، وأخذه لما جاز
стр. 2340
ذلك أيضا على قياس مسألة نوازل عيسى من كتاب المديان والتفليس، فتدبر ذلك وبالله التوفيق. وأما إذا كان الذي عليه الدين مقرا بما عليه، فصالح عنه بغير ما عليه، ففي ذلك ثلاثة أقوال قائمة من المدونة. . أحدها أنه لا يجوز أن يصالح عنه بما يكون فيه مخيرا بين أن يدفع ما عليه أو ما صالح به عنه إلا أن يكون التخيير يرجع إلى قلة وكثرة.
والثاني إن ذلك جائز، وإن كان مخيرا في كل حال، والثالث أنه يجوز إن كان التخيير يرجع إلى ما يجوز تحويل بعضه في بعض، ولا يجوز إن كان التخيير يرجع إلى ما لا يجوز تحويل بعضه في بعض، وهذه جملة سيأتي تفسيرها في غير هذا الموضع إن شاء الله تعالى، وبه التوفيق.
[تصالح زوجها على عبد في الحضر]
ومن سماع سحنون من عبد الرحمن بن القاسم قال سحنون: وسألت ابن القاسم عن المرأة تصالح زوجها على عبد في الحضر، فوجد به عيبا أو يموت، فتدعي المرأة أنه مات بعد الصلح، وينكر الزوج، قال: على المرأة البينة أنه مات بعد الصلح، أو حدث به عيب بعد الصلح.
قلت له: فإن ثبت أنه مات بعد الصلح، لا يكون فيه عهدة قال: لا، وليس هو مثل البيع.
قال محمد بن رشد: اعترض بعض أهل النظر قوله في هذه المسألة، على المرأة البينة أنه حدث به عيب بعد الصلح، وقال: هذا خلاف أصولهم في أن ما كان من العيوب يقدم ويحدث، ولا يدرى إن كان حادثا بعد العقد، أو قديما قبله، القول فيه قول البائع، فكان ينبغي أن يكون القول قول المرأة في أن العيب لم يكن بالعبد يوم الصلح، أو لم يعلم أنه كان به يومئذ، إن كان مما يخفى، إلا أن يكون للزوج بينة أنه كان به عندها، وليس ذلك بصحيح، بل المسألة صحيحة، لا فرق بين العيب والموت إذا وجد العيب بالعبد قبل القبض؛ لأن ذهاب البعض كذهاب الكل، وهو معنى المسألة،
стр. 2341
وقد نص ابن حبيب على ذلك، وبين الفرق بين وجود العيب الذي يقوم ويحدث قبل القبض أو بعده في البيوع من الواضحة. فانظر ذلك، وقف عليه، والله المعين.
[اشتكت به امرأته أنه يضربها ويؤذيها]
من سماع عبد المالك بن الحسن من ابن وهب قال عبد المالك: سئل عبد الله بن وهب عن رجل اشتكت به امرأته أنه يضربها ويؤذيها، فكتب لها على نفسه كتابا إن عاد إلى أذاها فهي مصدقة فيما تدعي من أذاه لها، وأمرها بيدها، تختار نفسها بطلاق البتة، فلما كان بعد أيام، أشهدت تلك المرأة رجالا وزوجها غائب عنها، أن زوجها قد عاد، إلى آذاها، وأنها قد طلقت نفسها، فأنكر الزوج أن يكون أذاها، وندمت المرأة فيما كانت أشهدت عليه الشهود من شكيتها الأذى، وطلقت نفسها ألبتة، وأنكرت أن يكون أذاها وزعمت أنها لعب بها وخدعت حتى كذبت على زوجها، فهل يلزمها وزوجها ما كان من طلاقها نفسها ويجوز قولها: إن زوجها آذاها حتى أشهدت على طلاقها نفسها، ولا يعرف ذلك إلا بما قالت يومئذ، فقال: قد بانت منه بالبتة، ولا تحل له حتى تنكح زوجا غيره؛ لأنه قد أعطاها التصديق، وجعل القول قولها، وقد زعمت الضرر واختارت عليه نفسها. فلم يبق بيده ولا بيدها قليل ولا كثير، ولا ينفعها ندمها بعد ذلك، وتكذيبها نفسها، وقولها: خدعت ليس بنافعها بعد وقوع الطلاق عليها.
وقال أشهب: سواء في جميع ذلك رجوعها، لا رجوع لها، ولكن ينظر متى ادعت أنه قد أتى إليها ما وجب لها به التمليك وفارقت، فإن كان بين ذلك الأيام، أو أقرت بأنها لم تفارقه إلا بعد افتراقهما من المجلس الذي آذاها فيه، فلا خيار لها؛ لأنها تركت الخيار حين وجب لها، وإن كان ذلك قريبا أو كانت قد قالت أو تقول الآن إنما
стр. 2342
قلت لكم: إني اخترت في المجلس، فقد وجب الفراق بينهما، وإن أنكرت أو كذبت نفسها.
قال محمد بن رشد: قول أشهب: إنها إن أقرت أنها لم تفارقه إلا بعد افتراقهما من المجلس الذي آذاها فيه، فلا خيار لها، هو مثل قول ابن وهب في رسم الأقضية من سماع يحيى: إن ذلك بمنزلة المواجهة بالتمليك سواء، يسقط حقها بانقضاء المجلس الذي وجب لها فيه التمليك، على قول مالك الأول، ومثل قول ابن القاسم في رسم شهد من سماع عيسى من كتاب النكاح، خلاف المشهور من قوله وروايته عن مالك، والذي يأتي في هذه المسألة على المشهور من قول مالك، إن ذلك بيدها وإن طال الأمر بعد الوقت الذي وجب لها فيه التمليك، بأذاه إياها إذا منعته نفسها، بدليل امتناعها منه كالأمة تعتق تحت العبد، وقد مضى هذا المعنى مشروحا مبينا في رسم حلف من سماع ابن القاسم قبل هذا.
وأما قول ابن وهب في إعمال التصديق الذي جعل إلى الزوجة، وإمضاء الطلاق عليها، فلا اختلاف فيه، إذا لم يكن ذلك شرطا في أصل العقد، وقد اختلف إذا كان التمليك بشرط التصديق في الضرر، مشترطا في أصل العقد.
فروي عن سحنون أنه قال: أخاف أن يفسخ قبل البناء، فإن دخل بها فلا يقبل قولها إلا ببينة على الضرر. وكان ابن دحون يفتي بأن من التزم التصديق في الضرر، إن ذلك لا يلزمه، ولا يجوز إلا بالبينة، ومن هذا المعنى مسألة الذي يزوج أجيرا له جارية له على أنه إن رأى منه أمرا يكرهه، فأمرها بيده، وقد مضى القول فيها في أول رسم من سماع ابن القاسم من كتاب النكاح، فقف عليه، فإن الاختلاف الذي ذكرته فيها داخل بالمعنى في شرط التصديق في الضرر في أصل العقد، والله الموفق.
[مسألة: قال لامرأته اختاري فنقلت متاعها]
مسألة وسئل عن رجل قال لامرأته: اختاري، فنقلت متاعها، فسئلت فقالت: لم أرد شيئا، فقال: إن لم تكن اختارت فلا شيء لها.
стр. 2343
قال محمد بن رشد: قد مضت هذه المسألة والقول فيها مستوفى في رسم كتب عليه من سماع ابن القاسم فلا معنى لإعادته.
[مسألة: طلق امرأته تطليقة ثم قالت له أنا أعطيك عشرة دنانير]
مسألة وقال أشهب: في رجل طلق امرأته تطليقة ثم قالت له: أنا أعطيك عشرة دنانير، على أن لا تراجعني، فقال: إن شاء راجعها، فإن راجعها رد عليها العشرة.
قال محمد بن رشد: قول أشهب هذا، خلاف قول ابن القاسم في رسم إن خرجت من سماع عيسى، وليس خلافا لما في رسم باع غلاما من سماع ابن القاسم؛ لأنها مسألة أخرى، لا اختلاف فيها.
وقد مضى القول هناك، وفي سماع عيسى، وظاهر قول أشهب هذا إن الأمر لا يلزمه وإن قبض العشرة، وله أن يردها بعد أن قبضها ويراجعها، وهو بعيد؛ لأنه إذا قبض العشرة، فقد ألزم نفسه ما واجبته عليه المرأة من إسقاط حقه في مراجعته إياها، ولزمته بذلك طلقة واحدة، قولا واحدا.
وإنما الخلاف إذا قال لها لما جاءته بالعشرة: لا أخذها، ولا أترك حقي في المراجعة؛ لأني لم أوجب ذلك على نفسي، وإنما وعدت به، وذلك على قياس المسألة التي مضى الكلام عليها في أول سماع ابن القاسم، وهي إذا قالت المرأة لزوجها: خذ مني عشرين دينارا، وفارقني، فلما جاءته بها قال: لا آخذها ولا أفارقك ويدخل فيها القول الثالث، وهو الفرق بين أن تبيع بالعشرة متاعها، وتكسر بها عروضها، وبين أن تأتيه بها من غير شيء تفسده على نفسها، فينبغي ألا يحمل قول أشهب على ظاهره، وأن يتأول على ما يصح، فيقال: إن معنى قوله: ويرد العشرة أي يتركها، ولا يأخذها منها، وذلك جائز في الكلام، كما يقول الرجل رددت السلعة بالعيب، وإن كان لم يقبضها بعد؛ لأن ما وجب للرجل قبضه، فكأنه قد قبضه، وإذا حمل قول أشهب هذا على أنه لم يقبض
стр. 2344
العشرة، احتمل أن يحمل ما في رسم إن خرجت من سماع عيسى على أنه قبض العشرة، فلا يكون ذلك اختلافا من القول، وبالله التوفيق.
[ملك امرأته نفسها فقالت اخترت أمري]
ومن سماع أصبغ بن الفرج من ابن القاسم
من كتاب النكاح قال أصبغ: سمعت ابن القاسم يقول فيمن ملك امرأته نفسها فقالت: اخترت أمري، فسئلت ما أردت بذلك، فقالت: الصلح فتفرقا على ذلك ثم علم أنه صلح، فلا يراجعها إلا بنكاح جديد، وإن خيرها فقالت مثل ذلك، فهو سواء، وهو صلح إذا كان قد رضي بذلك. قيل له: إنما ظن أنه يلزمه، فقال: أليس قد رضيا وافترقا على الرضا. قال: هو صلح، قال أصبغ: هذا الجواب على رأي من لا يرى قولها: اخترت أمري ولم تسم الصلح، وأراد به شيئا. وأنا لا أرى ذلك الرأي؛ لأن قولها اخترت أمري في الخيار والتمليك فراقا لأنه عندي جواب له للكلام إلى آخر قول أصبغ.
قال محمد بن رشد: إنما ألزمه الصلح الذي قالت المرأة إنها أرادته بقولها: قد اخترت أمري في التخيير والتمليك، لرضى الزوج به، وافتراقهما عليه، ولو لم يرض به، وأنكره لم يلزمه شيء في المسألتين جميعا؛ لأنه يرى قولها: اخترت أمري طلاقا.
هذا ظاهر الرواية، ومعنى ذلك: إذا قالت أردت الصلح أو رضيت الصلح به، وأما إن قالت: إنما أردت بذلك أني اخترت طلقة الصلح، أو طلاق الصلح، لا تنبغي ألا يكون في التخيير شيئا، وأن يكون له أن يناكرها في التمليك، بمنزلة إذا ملكها أو خيرها فقالت: قد اخترت واحدة بائنة، على ما مضى في رسم الصلاة من سماع يحيى. وقد مضى القول على ذلك هنالك. ولا اختلاف في قولها اخترت نفسي إن ذلك
стр. 2345
ثلاثا، ولا تسأل المرأة عما أرادت بذلك، ولا في قولها قبلت أمري إنها تسأل فيما أرادت بذلك، واختلف في اخترت أمري وقبلت نفسي، فذهب أصبغ إلى أنهما جميعا ثلاث ثلاث، ولا تسأل ما أرادت بذلك، وذهب أشهب إلى أنها تسأل فيهما جميعا. وذهب ابن القاسم، تسأل في اخترت أمري، ولا تسأل في قبلت نفسي. فهذا تحصيل القول في هذه الأربعة ألفاظ، وبالله التوفيق.
[مسألة: له أربع نسوة فسافر فقدم بخامسة فزعم أنه قد كان خير امرأة من نسائه]
مسألة قال أصبغ: سئل ابن القاسم عن رجل له أربع نسوة، فسافر، فقدم بخامسة، فزعم أنه قد كان خير امرأة من نسائه، فاختارت نفسها وسماها، وقالت المرأة: لم يخيرني، قال: لا يقبل قوله، ويفرق بينه وبين الخامسة، ويدرأ عنه الحد فيها إن كان أصابها، وتطلق عليه المرأة التي زعم أنه كان خيرها فاختارت، وتستقبل العدة من يوم أظهر وأخبر أنه خيرها، وتستبرئ الأولى التي تزوجها، وفرق بينهما نفسها بثلاث حيض، إن كان أصابها ودخل بها، ثم يكون خاطبا من الخطاب فيها قال أصبغ مثله، وقال: فإن صدقته المرأة في الخيار وفي الاختيار، فلا يصدق، ولا ينتفع بذلك، والجواب فيها على جواب التكذيب والإنكار سواء في جميع ذلك.
قال محمد بن رشد: قول أصبغ تفسير لقول ابن القاسم، والمسألة كلها بينة صحيحة؛ لأنه يؤخذ في الحكم الظاهر بما أقر به على نفسه من طلاق التي خيرها فاختارت نفسها، ولا يصدق في الباطن على ذلك؛ لأنه مدع فيه ليصح له نكاح الخامسة، فعليه إقامة البينة على ذلك.
وقوله: إنها تستقبل العدة من يوم أظهر وأخبر أنه خيرها، معناه العدة التي يباح لها بالحكم أن تتزوج بانقضائها، وأما العدة التي تحل بها للأزواج في باطن الأمر فيما بينها وبين الله، فمن يوم خيرها واختارت نفسها، وبالله التوفيق.
стр. 2346
[مسألة: يرسل إلى امرأته يملكها أمرها]
مسألة وسمعته وسئل عن الرجل يرسل إلى امرأته يملكها أمرها، ثم يبدو له قبل أن يبلغ لها ذلك الرسول، وكيف إن توانى الرسول، فذهب غيره ممن سمع ذلك منه إليها، فقالت: قد اخترت نفسي، قال: قد وقع الفراق في هذا الوجه وخرج ما كان في يده، وليس له أن يرد الرسول إذا كانت الرسالة على الإجماع، وإنما هو بمنزلة الكتاب إذا كتب على الإجماع، فليس له أن يحبسه إلا أن يكون حين كتبه أراد أن يستشير وينظر، فذلك له.
قال محمد بن رشد: قوله: وليس له أن يرد الرسول إذا كانت الرسالة على الإجماع، يدل على أنه إذا كانت الرسالة على غير الإجماع، وعلى أنه يرد الرسول إن أحب فذلك له، ولا اختلاف في هذين الوجهين البينين، وإنما الاختلاف إذا أرسله ولم تكن له نية على ما هو محمول، فحمله في المدونة على الإجماع حتى يريد غيره الإجماع، وفي رسم العتق من سماع عيسى على غير الإجماع حتى يريد الإجماع، وقد مضى القول على ذلك هنالك، ولا أعلم في الكتاب اختلافا أنه إذا كتبه، ولا نية له، أنه محمول على الإجماع.
ويلزمه الطلاق، ولا في أنه أكتبه على أن ينظر ويستشير، فإن رأى أن ينفذه أنفذه، وإن رأى ألا ينفذه، لم ينفذه، فأرسل به ولا نية له أن الطلاق قد لزمه حسبما ذكرناه في سماع أشهب من كتاب طلاق السنة، واتفاقهم على هذا في الكتاب يقتضي على اختلافهم في الرسول، ويبين أن الأصح من القولين في ذلك ما في المدونة، وبالله التوفيق.
[صالح امرأته وادعى أنه صالحها على عبدها فلان]
من مسائل نوازل سئل عنها أصبغ وسئل عن رجل صالح امرأته، وادعى أنه صالحها على عبدها فلان، وادعت أنها صالحته على عشرة دنانير، وأنكرت دعواه في العبد، فأقام شاهدين، فشهدا أنه إنما صالحها على العبد، وأقامت
стр. 2347
هي أيضا شاهدين أنها صالحته على عشرة دنانير، وزعم الشهود الأربعة أنهم حضروا صلحهما في يوم واحد، وساعة واحدة، وكلمة واحدة، فقال شاهدان: لفظ لفظة، فصالح فيها على العبد ورضيت، وقال آخران: بل تلك اللفظة التي لفظها قد حضرناها معكم. إنما صالحها على عشرة دنانير.
قال أصبغ: هذه بينة قد أكذبت بعضها بعضا اجتمعت على أن اللفظة كانت واحدة، واختلفتا فيما وقع به الصلح، فأرى الشهادة كلها مطروحة؛ لأن البينة متكافئة ومكذبة بعضها بعضا، كأنها لم تشهد أصلا، فإن شاء الزوج أخذ العشرة التي أقرت بها المرأة فذلك، وإلا فقد تم الصلح ولا شيء له.
قلت: فإن ادعى الزوج حين شهدت البينتان، أنه صالحها بالأمرين جميعا: الدنانير، والعبد، قال: ذلك سواء؛ لأن البينة قد أكذبت بعضها بعضا فهي مطروحة.
قال محمد بن رشد: قول أصبغ هذا صحيح على مذهب ابن القاسم؛ لأنه لم يختلف قوله في أن الشهود إذا اختلفوا هكذا في نوعين، وتكافأت البينتان أنهما تسقطان، وإنما اختلف قوله إذا شهدت إحدى البينتين بأكثر مما شهدت به البينة الأخرى، فمرة قال: إنه يؤخذ بالبينة التي زادت، وهو المشهور من قوله، ومرة قال: إنهما إذا تكافأتا سقطتا، كاختلافهما في النوعين. والقولان في المدونة.
وقد فرق بين أن تكون الزيادة في المعنى دون اللفظ، مثل أن تشهد إحدى البينتين بمائة، والثانية بخمسين، وبين أن تكون الزيادة في اللفظ والمعنى، مثل أن تشهد إحدى البينتين بمائة وخمسين والثانية بمائة، وهي تفريقة حسنة، لها وجه ظاهر.
وقد روى المدنيون عن مالك، أن الشهود إذا اختلفوا في النوعين، قضى بشهادتهما جميعا، ولم يجعل ذلك تكاذبا، فعلى قوله: إن ادعى الزوج العبد والدنانير، قضى له بهما جميعا، وإن ادعى العبد، قضى له به بشهادة من أحقه له، وبالله التوفيق.
стр. 2348
[مسألة: يقول لامرأته أنت صلح أو أنت طالق طلاق الصلح]
مسألة وسألته عن الرجل يقول لامرأته: أنت صلح، أو أنت طالق طلاق الصلح، أو قد صالحتك، أو يقول للناس: اشهدوا أني قد صالحت امرأتي والمرأة حاضرة أو غائبة عالمة أو لم تعلم، راضية أو كارهة، قال: فذلك كله سواء، وهي طالق طلقة بائنة، لا رجعة له عليها، أخذ منها شيئا أو لم يأخذ، فذلك كله سواء، وكذلك إن قال لها: أنت مبارية، أو قال: قد طلقتك طلاق المباراة، أو باريتك، أو قد باريتها، رضيت بذلك أو لم ترض، فهي طالق طلاق المباراة، وطلاق الصلح في كل ما سألت عنه.
قال لي: وأما قوله: أنت طالق طلقة بائنة، فهذه كقوله: أنت بائنة. وألغى قوله أنت طالق طلقة لقوله بائنة، فهي بائنة. وكذلك حين قال: أنت طالق طلاق الصلح ألغى قوله: أنت طالق، وجعله صلحا، وضعف قول من يقول: إن قوله أنت طالق طلاق الصلح، وقوله قد صالحتك، ولم ترض إن ذلك ثلاث.
قال محمد بن رشد: هذا كله مذهب ابن القاسم. وقد مضى في رسم إن خرجت من سماع عيسى بيان مذهبه في ذلك وما فيه من الاختلاف فلا معنى لإعادته، وتكررت المسألة أيضا في رسم الصلاة من سماع يحيى، وبالله التوفيق.
[مسألة: اشترط لامرأته كل امرأة يتزوجها عليها فأمرها بيدها]
مسألة وقال: فيمن اشترط لامرأته كل امرأة يتزوجها عليها فأمرها بيدها، فتزوج عليها سرا وكتمها، ثم طلق التي شرط ذلك لها قال ذلك بيدها وإن طلقها.
قال محمد بن رشد: ابن الماجشون لا يرى بيدها شيئا من ذلك بعد
стр. 2349
طلاقها، ومعناه في الطلاق البائن على ما روي عن سحنون وقد مضت المسألة والقول فيها في سماع أصبغ من كتاب النكاح، وبالله التوفيق.
[مسألة: يأتي الجماعة فيقول لهم اشهدوا أني قد خالعت امرأتي على كذا وكذا دينارا]
مسألة وسئل ابن نافع عن الرجل يأتي الجماعة فيقول لهم: اشهدوا أني قد خالعت امرأتي على كذا وكذا دينارا، والمرأة غائبة، هل ترى لهذا خلعا، حضرت المرأة، أو غابت أمضت الخلع أو أنكرته؟ قال: أراه خلعا بائنا، وتطليقة بائنة إلا أن يكون أراد أكثر من ذلك منها، فيكون إلى ما أراد به من الأكثر، ويقال للمرأة إذا حضرت أتمضين الذي ادعى عليك من عطيتك له في خلعك أم لا تمضين؟ فإن أمضته له فكسبيل ذلك، وإن أبت مضى الخلع وكانت أملك بنفسها، وحلفت له أنها لم تعطه شيئا ولم يكن له من الذي ادعاه من عطيتها قليل ولا كثير، ويمضي الخلع.
قال محمد بن رشد: قوله: ويقال للمرأة إذا حضرت أتمضين ما ادعى عليك من عطيتك له أم لا تمضين؟ يدل على أنه إنما أراد بقوله في مغيب المرأة: اشهدوا أني قد خالعت امرأتي على كذا وكذا، أي اشهدوا على أني قد خالعتها قبل هذا فيما بيني وبينها على كذا وكذا.
وهذا ما لا اختلاف فيه، أن الخلع له لازم، فإن أقرت المرأة بما ادعى عليها أنها سمته له على الخلع لزمها، وإلا حلفت وسقط عنها والطلاق لازم له على كل حال، وإنما الاختلاف إذا قال لهم وهي غائبة: أشهدكم أني قد خالعتها لقوله هذا على كذا وكذا، هل يلزمها الخلع إن لم ترض أن تعطيه ما خالع عليه أم لا؟ على قولين وقد مضى ذلك في أول رسم من سماع ابن القاسم، وبالله التوفيق.
[مسألة: البكر يزوجها وليها ثم يباريها وليها]
مسألة قيل لأصبغ: ما تقول في البكر يزوجها وليها، ثم يباريها وليها
стр. 2350
من زوجها برضاها، أو تباري هي عن نفسها، ووليها ليس بوالد ولا وصي؟ وكيف إن كانت صغيرة لم تبلغ المحيض زوجها أبوها ثم هلك عنها، فباراها زوجها قبل بلوغها وقبل دخوله بها، ثم تنتقض وتطلب نصف صداقها؟ وكيف أن يباريها إلا بحميل يحمل له بما أدركه من قبلها في نصف صداقها؟ هل يلزم الحميل حمالته إن رأيت أن لها نصف الصداق؟ قال: لا يجوز عليها ما بارت به ما دامت في حال الصغر ولم تحض، أو السفه بالضعف، وحد الولاية لو كان لها ولي، فهذا يرد ما أعطت أو بارت به عليها متى ما قامت، ويمضي الفراق على كل حال بينهما؛ لأنه طلاق من الزوج.
وهذه مثل الذي يبارى عنها بغير علمها من أب أو أخ، فيمضي الفراق، ولها الرجوع على زوجها بما وضع له، أو أعطى من مالها بغير علمها، فالصغيرة والسفيهة واحدة، فافهم، والحميل الذي ذكرت في مسألتك للمباراة وما لحق بها ضامن، إن كان ممن لا يولى على مثله أيضا، فالحميل هاهنا والذي بارا عن المرأة بغير علمها ولا أمرها، سواهما غارمان، غير أن الزوج في هذا يرجع على الذي عامله إذا رجعت عليه، المرأة، والذي بارى عن الصبية لا يرجع بشيء؛ لأن الصبي لا يرجع عليه، والصبية بمنزلة السفيه الذي يبيع فيبطل ثمنه عنه، ولا يكون للمشتري عليه فيه رجعة، وكذلك حميله. وحميله أولى بالبعد من الرجوع بالصبية في مسألتك بهذا المجرى.
قال محمد بن رشد: قوله: إن البكر التي لا أب لها ولا وصي، إذا بارى عنها وليها، أو بارت هي عن نفسها، وإن الصغيرة التي يزوجها أبوها فيهلك عنها، ثم يباريها زوجها قبل البناء بها، يمضي الفراق عليه، ويرجع بما وضعت من صداقها وهي صغيرة أو بكر سفيهة، أو وضعه وليها إذا لم يكن أبا ولا وصيا، بمنزلة الذي يباري عنها بغير علمها أبوها أو أخوها يمضي الفراق على كل حال؛ لأنه طلاق من الزوج، وترجع على زوجها بما وضع أو
следующие страницы →