Полный текст (9 112 стр.). Показаны 2346–2385 · переход к 2351.
стр. 2346
[مسألة: يرسل إلى امرأته يملكها أمرها]
مسألة وسمعته وسئل عن الرجل يرسل إلى امرأته يملكها أمرها، ثم يبدو له قبل أن يبلغ لها ذلك الرسول، وكيف إن توانى الرسول، فذهب غيره ممن سمع ذلك منه إليها، فقالت: قد اخترت نفسي، قال: قد وقع الفراق في هذا الوجه وخرج ما كان في يده، وليس له أن يرد الرسول إذا كانت الرسالة على الإجماع، وإنما هو بمنزلة الكتاب إذا كتب على الإجماع، فليس له أن يحبسه إلا أن يكون حين كتبه أراد أن يستشير وينظر، فذلك له.
قال محمد بن رشد: قوله: وليس له أن يرد الرسول إذا كانت الرسالة على الإجماع، يدل على أنه إذا كانت الرسالة على غير الإجماع، وعلى أنه يرد الرسول إن أحب فذلك له، ولا اختلاف في هذين الوجهين البينين، وإنما الاختلاف إذا أرسله ولم تكن له نية على ما هو محمول، فحمله في المدونة على الإجماع حتى يريد غيره الإجماع، وفي رسم العتق من سماع عيسى على غير الإجماع حتى يريد الإجماع، وقد مضى القول على ذلك هنالك، ولا أعلم في الكتاب اختلافا أنه إذا كتبه، ولا نية له، أنه محمول على الإجماع.
ويلزمه الطلاق، ولا في أنه أكتبه على أن ينظر ويستشير، فإن رأى أن ينفذه أنفذه، وإن رأى ألا ينفذه، لم ينفذه، فأرسل به ولا نية له أن الطلاق قد لزمه حسبما ذكرناه في سماع أشهب من كتاب طلاق السنة، واتفاقهم على هذا في الكتاب يقتضي على اختلافهم في الرسول، ويبين أن الأصح من القولين في ذلك ما في المدونة، وبالله التوفيق.
[صالح امرأته وادعى أنه صالحها على عبدها فلان]
من مسائل نوازل سئل عنها أصبغ وسئل عن رجل صالح امرأته، وادعى أنه صالحها على عبدها فلان، وادعت أنها صالحته على عشرة دنانير، وأنكرت دعواه في العبد، فأقام شاهدين، فشهدا أنه إنما صالحها على العبد، وأقامت
стр. 2347
هي أيضا شاهدين أنها صالحته على عشرة دنانير، وزعم الشهود الأربعة أنهم حضروا صلحهما في يوم واحد، وساعة واحدة، وكلمة واحدة، فقال شاهدان: لفظ لفظة، فصالح فيها على العبد ورضيت، وقال آخران: بل تلك اللفظة التي لفظها قد حضرناها معكم. إنما صالحها على عشرة دنانير.
قال أصبغ: هذه بينة قد أكذبت بعضها بعضا اجتمعت على أن اللفظة كانت واحدة، واختلفتا فيما وقع به الصلح، فأرى الشهادة كلها مطروحة؛ لأن البينة متكافئة ومكذبة بعضها بعضا، كأنها لم تشهد أصلا، فإن شاء الزوج أخذ العشرة التي أقرت بها المرأة فذلك، وإلا فقد تم الصلح ولا شيء له.
قلت: فإن ادعى الزوج حين شهدت البينتان، أنه صالحها بالأمرين جميعا: الدنانير، والعبد، قال: ذلك سواء؛ لأن البينة قد أكذبت بعضها بعضا فهي مطروحة.
قال محمد بن رشد: قول أصبغ هذا صحيح على مذهب ابن القاسم؛ لأنه لم يختلف قوله في أن الشهود إذا اختلفوا هكذا في نوعين، وتكافأت البينتان أنهما تسقطان، وإنما اختلف قوله إذا شهدت إحدى البينتين بأكثر مما شهدت به البينة الأخرى، فمرة قال: إنه يؤخذ بالبينة التي زادت، وهو المشهور من قوله، ومرة قال: إنهما إذا تكافأتا سقطتا، كاختلافهما في النوعين. والقولان في المدونة.
وقد فرق بين أن تكون الزيادة في المعنى دون اللفظ، مثل أن تشهد إحدى البينتين بمائة، والثانية بخمسين، وبين أن تكون الزيادة في اللفظ والمعنى، مثل أن تشهد إحدى البينتين بمائة وخمسين والثانية بمائة، وهي تفريقة حسنة، لها وجه ظاهر.
وقد روى المدنيون عن مالك، أن الشهود إذا اختلفوا في النوعين، قضى بشهادتهما جميعا، ولم يجعل ذلك تكاذبا، فعلى قوله: إن ادعى الزوج العبد والدنانير، قضى له بهما جميعا، وإن ادعى العبد، قضى له به بشهادة من أحقه له، وبالله التوفيق.
стр. 2348
[مسألة: يقول لامرأته أنت صلح أو أنت طالق طلاق الصلح]
مسألة وسألته عن الرجل يقول لامرأته: أنت صلح، أو أنت طالق طلاق الصلح، أو قد صالحتك، أو يقول للناس: اشهدوا أني قد صالحت امرأتي والمرأة حاضرة أو غائبة عالمة أو لم تعلم، راضية أو كارهة، قال: فذلك كله سواء، وهي طالق طلقة بائنة، لا رجعة له عليها، أخذ منها شيئا أو لم يأخذ، فذلك كله سواء، وكذلك إن قال لها: أنت مبارية، أو قال: قد طلقتك طلاق المباراة، أو باريتك، أو قد باريتها، رضيت بذلك أو لم ترض، فهي طالق طلاق المباراة، وطلاق الصلح في كل ما سألت عنه.
قال لي: وأما قوله: أنت طالق طلقة بائنة، فهذه كقوله: أنت بائنة. وألغى قوله أنت طالق طلقة لقوله بائنة، فهي بائنة. وكذلك حين قال: أنت طالق طلاق الصلح ألغى قوله: أنت طالق، وجعله صلحا، وضعف قول من يقول: إن قوله أنت طالق طلاق الصلح، وقوله قد صالحتك، ولم ترض إن ذلك ثلاث.
قال محمد بن رشد: هذا كله مذهب ابن القاسم. وقد مضى في رسم إن خرجت من سماع عيسى بيان مذهبه في ذلك وما فيه من الاختلاف فلا معنى لإعادته، وتكررت المسألة أيضا في رسم الصلاة من سماع يحيى، وبالله التوفيق.
[مسألة: اشترط لامرأته كل امرأة يتزوجها عليها فأمرها بيدها]
مسألة وقال: فيمن اشترط لامرأته كل امرأة يتزوجها عليها فأمرها بيدها، فتزوج عليها سرا وكتمها، ثم طلق التي شرط ذلك لها قال ذلك بيدها وإن طلقها.
قال محمد بن رشد: ابن الماجشون لا يرى بيدها شيئا من ذلك بعد
стр. 2349
طلاقها، ومعناه في الطلاق البائن على ما روي عن سحنون وقد مضت المسألة والقول فيها في سماع أصبغ من كتاب النكاح، وبالله التوفيق.
[مسألة: يأتي الجماعة فيقول لهم اشهدوا أني قد خالعت امرأتي على كذا وكذا دينارا]
مسألة وسئل ابن نافع عن الرجل يأتي الجماعة فيقول لهم: اشهدوا أني قد خالعت امرأتي على كذا وكذا دينارا، والمرأة غائبة، هل ترى لهذا خلعا، حضرت المرأة، أو غابت أمضت الخلع أو أنكرته؟ قال: أراه خلعا بائنا، وتطليقة بائنة إلا أن يكون أراد أكثر من ذلك منها، فيكون إلى ما أراد به من الأكثر، ويقال للمرأة إذا حضرت أتمضين الذي ادعى عليك من عطيتك له في خلعك أم لا تمضين؟ فإن أمضته له فكسبيل ذلك، وإن أبت مضى الخلع وكانت أملك بنفسها، وحلفت له أنها لم تعطه شيئا ولم يكن له من الذي ادعاه من عطيتها قليل ولا كثير، ويمضي الخلع.
قال محمد بن رشد: قوله: ويقال للمرأة إذا حضرت أتمضين ما ادعى عليك من عطيتك له أم لا تمضين؟ يدل على أنه إنما أراد بقوله في مغيب المرأة: اشهدوا أني قد خالعت امرأتي على كذا وكذا، أي اشهدوا على أني قد خالعتها قبل هذا فيما بيني وبينها على كذا وكذا.
وهذا ما لا اختلاف فيه، أن الخلع له لازم، فإن أقرت المرأة بما ادعى عليها أنها سمته له على الخلع لزمها، وإلا حلفت وسقط عنها والطلاق لازم له على كل حال، وإنما الاختلاف إذا قال لهم وهي غائبة: أشهدكم أني قد خالعتها لقوله هذا على كذا وكذا، هل يلزمها الخلع إن لم ترض أن تعطيه ما خالع عليه أم لا؟ على قولين وقد مضى ذلك في أول رسم من سماع ابن القاسم، وبالله التوفيق.
[مسألة: البكر يزوجها وليها ثم يباريها وليها]
مسألة قيل لأصبغ: ما تقول في البكر يزوجها وليها، ثم يباريها وليها
стр. 2350
من زوجها برضاها، أو تباري هي عن نفسها، ووليها ليس بوالد ولا وصي؟ وكيف إن كانت صغيرة لم تبلغ المحيض زوجها أبوها ثم هلك عنها، فباراها زوجها قبل بلوغها وقبل دخوله بها، ثم تنتقض وتطلب نصف صداقها؟ وكيف أن يباريها إلا بحميل يحمل له بما أدركه من قبلها في نصف صداقها؟ هل يلزم الحميل حمالته إن رأيت أن لها نصف الصداق؟ قال: لا يجوز عليها ما بارت به ما دامت في حال الصغر ولم تحض، أو السفه بالضعف، وحد الولاية لو كان لها ولي، فهذا يرد ما أعطت أو بارت به عليها متى ما قامت، ويمضي الفراق على كل حال بينهما؛ لأنه طلاق من الزوج.
وهذه مثل الذي يبارى عنها بغير علمها من أب أو أخ، فيمضي الفراق، ولها الرجوع على زوجها بما وضع له، أو أعطى من مالها بغير علمها، فالصغيرة والسفيهة واحدة، فافهم، والحميل الذي ذكرت في مسألتك للمباراة وما لحق بها ضامن، إن كان ممن لا يولى على مثله أيضا، فالحميل هاهنا والذي بارا عن المرأة بغير علمها ولا أمرها، سواهما غارمان، غير أن الزوج في هذا يرجع على الذي عامله إذا رجعت عليه، المرأة، والذي بارى عن الصبية لا يرجع بشيء؛ لأن الصبي لا يرجع عليه، والصبية بمنزلة السفيه الذي يبيع فيبطل ثمنه عنه، ولا يكون للمشتري عليه فيه رجعة، وكذلك حميله. وحميله أولى بالبعد من الرجوع بالصبية في مسألتك بهذا المجرى.
قال محمد بن رشد: قوله: إن البكر التي لا أب لها ولا وصي، إذا بارى عنها وليها، أو بارت هي عن نفسها، وإن الصغيرة التي يزوجها أبوها فيهلك عنها، ثم يباريها زوجها قبل البناء بها، يمضي الفراق عليه، ويرجع بما وضعت من صداقها وهي صغيرة أو بكر سفيهة، أو وضعه وليها إذا لم يكن أبا ولا وصيا، بمنزلة الذي يباري عنها بغير علمها أبوها أو أخوها يمضي الفراق على كل حال؛ لأنه طلاق من الزوج، وترجع على زوجها بما وضع أو
стр. 2351
أعطى له من مالها بغير علمها صحيح على مذهب ابن القاسم خلاف قول سحنون في البكر التي لا أب لها ولا وصي، إن أفعالها جائزة، وقد مضى ذلك له في رسم الصبرة من سماع يحيى، وقوله: إن الحميل الذي تحمل للزوج بما أدركه من قبل البكر، أو الصغيرة، في مباراته إياهما ضامن إن كان لا يولى على مثله صحيح أيضا، لا اختلاف فيه وسواء أقام الولي عنها فأبطل ما وضعت عن الزوج، أو قامت هي عن نفسها، إلا أن يكون إنما تحمل بما أدركه منها، فلا يلزمه ضمان، إلا أن تكون هي القائمة في ذلك عن نفسها.
قاله في نوازله من كتاب الكفالة والحوالة. وقوله: والحميل هاهنا، والذي بارا عن المرأة بغير علمها ولا أمرها سواهما غارمان، هو مثل ما في كتاب الصلح من المدونة. ومثل قول أصبغ في الواضحة: إن المصالح ضامن وإن لم يشترط عليه للضمان، خلاف ظاهر ما في كتاب إرخاء الستور من المدونة.
وما مضى في أول رسم ابتاعه من سماع يحيى. وما ذكر ابن حبيب في كتاب الوثائق، إنه لا ضمان عليه إلا أن يشترط عليه الضمان. وأما قوله: غير أن الزوج يرجع في هذا على الذي عامله إذا رجعت عليه المرأة، والذي بارى على الصبية لا يرجع بشيء، فمعناه: غير أن الزوج يرجع في هذا على الذي عامله، وعلى الحميل الذي تحمل له إذا رجعت عليه المرأة، والذي بارى الصبية ولم يباره عنها أحد، لا يرجع بشيء إذا لم يأخذ ضامنا.
وأما إذا أخذ ضامنا من الصبية في مباراته إياها، فإنه يرجع عليه، كما يرجع على الذي بارى عن المرأة بغير علمها ولا أمرها، وإنما تفترق المسألتان، إذا لم يأخذ هاهنا من الصبية في مباراته إياها، فلا يرجع عليها. ويرجع على الذي بارى عن المرأة بغير علمها ولا إذنها، وإن لم يقل أنا ضامن، وقد قيل: إنه لا ضمان عليه إلا أن يشترط عليه الضمان ذكرناه. ولابن دينار في المدينة قول ثالث إنه إن كان أبا أو ابنا أو أخا فهم ضامنون، وأما غيرهم فلا، وبالله التوفيق.
[مسألة: يصالح امرأته على عبد آبق]
مسألة قيل لأصبغ: فالرجل يصالح امرأته على عبد آبق وعلى إن
стр. 2352
أعطاها هو عشرة دنانير، فقال: ينظر إلى قيمة العبد يوم وقع الصلح، فإن كانت قيمته أكثر من عشرة دنانير، ردت المرأة العشرة إلى الزوج، وكان لها من العبد مقدار العشرة، وللزوج ما بقي، مثل أن تكون قيمته خمسة عشر، فيكون لها ثلثاه، وللزوج ثلثه.
قال أصبغ: فإن كانت قيمته عشرة فأدنى أمضيت ما صنعا، ومضت العشرة للمرأة والعبد للزوج، وجعلته بسبيل الصلح، كأنها صالحته على العبد الآبق وحده، أو كأنه صالحها على العشرة وحدها.
قيل له: فإن كان مكان العبد ومسألتي على حالها جنين أو ثمرة لم تطب أو لم توبر متى ينظر إلى قيمة ذلك؟ قال أصبغ: أما في الجنين، فقيمته يوم ولدته أمه وتم؛ لأنه قبل ذلك لم يكن شيئا، وفي الثمرة التي لم توبر ينظر لقيمتها يوم أبرت؛ لأنها لم تكن قبل ذلك شيئا.
وقد صارت الآن ثمرة تصير للبالغ إن باع أو يشترط وإن لم تطب فيوم وقع الصلح؛ لأنها كانت بعد ثمر، إلا أنها كانت في حال غرر وخوف ورجا، كحال العبد في إباقه.
قال محمد بن رشد: لم يجر أصبغ في هذه المسألة على أصل؛ لأنه نقض البيع فيما قابل العشرة من الآبق، وجعل للخلع من الآبق ما زاد على العشرة، وقال: إنه إذا لم يكن في قيمة الآبق زيادة على العشرة، مضى البيع بينهما، ولم ينقض، وكان يلزم إذا نقض البيع فيما قابل العشرة من الآبق، أن ينقض البيع في جميعه إذا كانت العشرة مقابلة لجميعه، ولم يكن في قيمته زيادة على العشرة، وكذلك لأصبغ في كتاب ابن المواز أنه إن كانت قيمته عشرة فأدنى، ردت العشرة إلى الزوج، والآبق إلى المرأة.
وهو الذي يطرد على أصله، وكذلك لم يجر أيضا على أصل واحد في تقويم ما سمت المرأة للزوج من الغرر، إذ قال في العبد الآبق وفي الثمرة التي قد أبرت ولم يبد صلاحها إنه ينظر إلى قيمة ذلك يوم وقع الصلح، يريد على غرره، لو كان يحمل بيعه على ذلك.
وقال في الجنين: إنه ينظر إلى قيمته يوم ولدته أمه، وكان يلزمه أن
стр. 2353
يقول في الجنين، قيمته يوم وقع الصلح به على غرره، كما قال في الثمرة التي لم تطب، وفي العبد الآبق، أو أن يقول في الثمرة والآبق: إن القيمة تكون في ذلك يوم يحل البيع بطياب الثمرة ووجود العبد الآبق كما قال في الجنين؛ إن القيمة تكون فيه يوم يحل بيعه، وهو يوم ولادته، وكذلك قال سحنون: إن القيمة تكون في الآبق والشارد والجنين، يوم يقبض ذلك الزوج.
وأما قوله في الثمرة التي لم توبر: إن القيمة تكون فيها يوم الإبار، فهو خارج عن ذلك كله، إذ لم يقل: إن القيمة تكون فيه يوم وقع الصلح على غررها، على ما قال في الآبق والثمرة التي أبرت، ولم يبد صلاحها، ولا قال: إن القيمة تكون فيها يوم الطياب على ما قال في الجنين. وقول أصبغ في هذه المسألة يأتي على قياس قول ابن نافع ومطرف في المصالح بشقص فيه شفعة عن موضحتين، إحداهما عمدا والأخرى خطأ لأنه لم يجعل من قيمة الآبق للخلع الذي هو مجهول إلا ما زاد على العشرة دنانير، المعلومة، كما لم يجعل ابن نافع ومطرف من قيمة الشقص لموضحة العمد المجهول ديتها، إلا ما زاد على موضحة الخطأ المعلوم ديتها، إلا أنه نقض أصله في آخر المسألة، والذي في كتاب ابن المواز هو الذي يطرد على أصله، والذي يأتي فيها على قياس قول ابن القاسم في الموضحتين، إذ جعل نصف الشقص للموضحة العمد، ونصفه للموضحة الخطأ؟ إذ قال: إن الشفيع يأخذ الشقص بالشفعة بدية موضحة الخطأ وبنصف قيمة الشقص أن يكون نصف الآبق العشرة دنانير، ونصفه للخلع للذي هو مجهول، فيفسخ البيع في نصفه، وترد المرأة العشرة دنانير إلى الزوج، ويكون لها نصف الآبق، ونصفه للزوج.
والذي يأتي فيها على قياس قول المخزومي الذي جعل الشقص للموضحة العمد، وحمل على ذلك دية موضحة الخطأ أن ينظر إلى قيمة الآبق، فيضم إلى ذلك العشرة الدنانير، ثم ينظر ما يقع للعشرة من الجميع، فإن كان يقع من ذلك الثلث، علمت أنه يقع للعشرة دنانير من العبد الآبق الثلث، وللخلع الثلثان، فيفسخ البيع في الثلث، وترد العشرة إلى الزوج، ويكون للزوجة من العبد الثلث الذي انفسخ فيه البيع، وللزوج الثلثان بالخلع، وهكذا قال سحنون في كتاب ابنه في هذه
стр. 2354
المسألة، قياسا على قول المخزومي الذي استحسنه في مسألة الصلح بالشقص عن الموضحتين، إلا أنه قال: إن القيمة في العبد الآبق، تكون يوم يقبض ذلك الزوج على ما ذكرناه من مذهبه في ذلك، وإذا لم ير سحنون القيمة في العبد، إلا يوم يقبضه الزوج، فالذي يأتي على مذهبه في ذلك، أنه إن عثر على الأمر قبل القبض، مضى الطلاق على الزوج وانفسخ البيع جملة في العبد الآبق، فرجع إلى الزوجة تطلبه لنفسها، ورجعت العشرة إلى الزوج، وكذلك يلزم على قول أصبغ في الجنين والثمرة التي لم توبر، إذ قال: إن التقويم في الجنين، لا يكون حتى يوضع، ولا في الثمرة حتى توبر، وإن عثر على ذلك قبل أن يوضع الجنين، وقبل أن توبر الثمرة أن يمضي الطلاق على الزوج وينفسخ البيع جملة في الجنين والثمرة، إذ لا يصح إن عثر على الأمر قبل الوقت الذي يصح فيه التقويم أن يؤخر الحكم فيه إلى وقت يصح فيه التقويم.
فتنتفع المرأة بالعشرة، وهي لا تجب لها، ولا بد من ردها، أو رد بعضها إلى الزوج، وإن كان ابن لبابة قد ذهب إلى هذا فقال: قول أصبغ ليس له وجه يصح تأويله عليه، فلو قال يمضي الطلاق ويمهل في أمرها حتى يرجع الآبق ويخرج الجنين، ويجوز بيع الثمرة، فإذا كان ذلك قوم الانتفاع بالعشرة على الرجاء والخوف في الأمر الماضي من يوم تعاملهما، إلى يوم جاز البيع في العبد والجنين والثمرة، فيضاف ذلك إلى العشرة، ويكون للزوج من عبدها وثمرتها وجنينها هذه العدة، يباع ذلك فيها، والفضل للزوج إن كان في ذلك فضل، وإن لم يكن فضل ولم يكن له ولا عليه شيء، ومضى الطلاق عليه، ولو قال قائل يمضي الطلاق وله خلع مثله، كما روى عيسى عن ابن القاسم في رسم إن خرجت إذا خالع بثمر لم يبد صلاحه، إن الثمرة لها، وله عليها في مالها خلع مثلها، يريد لكان لذلك وجه، فأما هذا فله وجه كما ذهب إليه، وأما الأول فلا يصح من غير ما وجه. والله تعالى أعلم وبه التوفيق. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
[يقول لامرأته إن أنا أخذت من مال ابنتك شيئا فأمرها بيدك]
من سماع أبي زيد بن أبي الغمر من عبد الرحمن بن القاسم قال أبو زيد: أخبرنا ابن القاسم عن الرجل يقول لامرأته:
стр. 2355
إن أنا أخذت من مال ابنتك شيئا، فأمرها بيدك، فيأخذ منه ويستهلكه، فهل يكون في يد الأب ما جعل الزوج بيده؟ وكيف إن قالت الابنة لزوجها قد وضعت عنك ما جعلت لأبي، وهل ذلك إن كان في عقدة النكاح أو بعد عقدة النكاح واحد؟ .
قال ابن القاسم: إن كان ذلك من الأب عند شرط النكاح على وجه النظر لابنته، والاحتياط لها أو بعد عقدة النكاح، وتركت الابنة ذلك، فلا أرى أن يجوز فراق الأب، وأرى أن يجبر الأب على أن لا يفرق بينهما إذا رضيت الابنة بترك ذلك، إذا كانت مرضية الحال، وإن كانت غير مرضية الحال، فأرى قضاء الأب عليها جائزا.
قال محمد بن رشد: إنما شرط في تركها الشرط لزوجها، أن تكون مرضية الحال، من أجل أن الأب إنما اشترط ذلك عليه حياطة لمالها، فإذا كانت ممن لا يجوز لها أمرها في مالها، لم يجز لها أن تضع الشرط عن زوجها فيه، وإن كانت ممن يرضى حالها ويجوز أمرها في مالها، جاز لها أن تضع الشرط عن زوجها؛ لأن الحق فيه إنما هو لها، إذ هي أملك بمالها منه.
وأما إذا أخذ من مالها شيئا واستهلك قبل أن تضع عنه الشرط، أو وهي ممن لا يجوز لها وضع الشرط، فالقضاء في ذلك، بيد الأب، فإن أحب الأب أن يفرق بينهما، وأحبت هي الإقامة مع زوجها، فلم يعط في ذلك جوابا بينا.
والذي ينبغي أن ينظر السلطان في ذلك، كما قال في رسم استأذن من سماع عيسى من كتاب النكاح، في الذي شرط على زوج ابنته أنه إن نكح عليها، فأمرها بيده؛ لأن حجة الأب بالضرر الداخل عليها في مالها، أقوى من حجته في الضرر الداخل عليها بالنكاح، وهذه المسألة بخلاف أول مسألة من سماع عيسى للمعاني المفرقة بينهما، وبالله التوفيق.
[مسألة: دفع إليه مالا قراضا واشترط عليه إن أحدث فيه حدثا فأمر امرأته بيد المقارض]
مسألة وسئل عن رجل دفع إلى رجل مالا قراضا واشترط عليه إن
стр. 2356
أحدث فيه حدثا فأمر امرأته بيد المقارض ما حدث، هل له من ذلك شيء أن يقضي؟ قال: نعم، إذا كان حدثا بينا يعرف، فأرى ذلك بيد صاحب المال، وإنما هو بمنزلة اليمين إذا حدث فيه حدث، فامرأته طالق، فما كان يلزمه في نفسه، فكذلك إذا أحدث فيه حدثا، كان مما جعل في تمليك امرأته بيد صاحب المال.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن التمليك يجر إلى الطلاق فهو يلزم بما يلزم به الطلاق من الشروط. ولا اختلاف في ذلك، والله الموفق.
[مسألة: ملك امرأته أمرها فقالت ما أنت لي بزوج وما أنا لك بامرأة]
مسألة وقال في رجل ملك امرأته أمرها فقالت: ما أنت لي بزوج، وما أنا لك بامرأة، قال: هي البتة إلا أن يناكرها.
قال محمد بن رشد: هذه الألفاظ وما أشبهها قال فيها في المدونة: إنها تكون طلاقا إذا أريد بها الطلاق، فلما قالت ذلك المرأة جوابا لزوجها في التمليك، حملت على أنها أرادت بها الطلاق.
وأما قوله: إنها تكون ثلاثا إلا أن يناكرها، فقد اختلف في ذلك، فقيل: إنها تكون واحدة، إلا أن يريد بها ثلاثا. وقد مضى هذا في سماع أبي زيد من كتاب طلاق السنة، وبالله التوفيق.
[مسألة: شهد عليه شاهد أنه خير امرأته فاختارت نفسها]
مسألة وسئل عمن شهد عليه شاهد أنه خير امرأته، فاختارت نفسها، وشهد آخر أنه أقر عندهم أنه خير امرأته، وأنها اختارت نفسها فقال: أراها ألبتة، وأراها شهادة جائزة قد اجتمعا على التحريم جميعا.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن الشهادة على الرجل أنه فعل
стр. 2357
شيئا، كالشهادة عليه أنه أقر أنه فعله، يثبت هذا بما يثبت هذا، ويوجب هذا ما يوجب هذا، فوجب أن تلفق الشهادة في ذلك، إذ لم يختلف الفعل والإقرار، ومثل هذا في كتاب الغضب وكتاب القذف من المدونة، ولا اختلاف فيه أحفظه في المذهب، وبالله التوفيق.
[مسألة: يجعل لامرأته بعد الدخول إن غاب عنها سنة فأمرها بيدها]
مسألة وقال في رجل يجعل لامرأته بعد الدخول إن غاب عنها سنة فأمرها بيدها، فيغيب فتختار نفسها، فيأتي فيقول: لم أرد إلا واحدة، إنه يحلف ويكون أحق بها، إذا أدركها في عدتها، وإن لم يدركها في عدتها كان خاطبا من الخطاب.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال، وهو مما لا اختلاف فيه إن له أن يناكرها إذا أنكر عليها ما قضت به من الثلاث ساعة علمه، وإن كان ذلك بعد مدة من اختيارها نفسها.
[مسألة: يقول للرجل كلما جاء شهر وكلما حاضت امرأتي حيضة فأمرها بيدك]
مسألة وقال في الرجل يقول للرجل: كلما جاء شهر، وكلما حاضت امرأتي حيضة فأمرها بيدك، إنه يوقف الذي جعل ذلك بيده متى ما علم، فإن طلق الثلاث جميعا جاز ذلك عليه، وإن أبى أن يطلق سقط ما بيده. قال: وإن أراد الزوج أن يرجع فيما جعل بيده من ذلك قبل أن يوقف، فليس ذلك له.
قال محمد بن رشد: مساواته في هذه المسألة بين أن يقول: كلما جاء شهر، وكلما حاضت امرأتي حيضة صحيح، على أصله في المساواة في تعجيل الطلاق بين أن يقول امرأتي طالق، كلما جاء شهر، أو كلما حاضت حيضة؛ لأن ما كان من الأجل يعجل فيه الطلاق، يعجل فيه التوقيت في التمليك.
وقوله: فإن طلق الثلاث جميعا جاز ذلك عليه، ليريد ولا مناكرة له في ذلك،
стр. 2358
لأن لفظة كلما تقتضي التكرار، فكما يعجل عليه فيها الطلاق ثلاثا في المسألتين جميعا، فكذلك يكون للمملك بها أن يقضي بالثلاث فيهما جميعا، ولا يكون للزوج في ذلك مناكرة، ويأتي على مذهب من رأى فيمن قال: كلما حاضت امرأتي حيضة فهي طالق، إنه لا يلزمه فيها إلا طلقة واحدة إن كانت أمة، أو تطليقتين، إن كانت حرة، أن يكون للزوج أن يناكرها إن طلق المملك ثلاثا في الحرة، وتكون اثنتين، أو إن طلق اثنتين في الأمة، وتكون واحدة، ويأتي على مذهب أشهب فيمن قال لرجل: أمر امرأتي بيدك، كلما حاضت حيضة، إنه لا يوقف، ولا يكون بيده شيء حتى تحيض، كلما حاضت ما بقي من طلاق ذلك المملك شيء، ولا يسقط ما بيد المملك في ذلك الوطء؛ لأنه على مذهبه، كمن قال: كلما فعلت فلانة كذا وكذا، فأمرها بيدك.
وفي مختصر ما ليس في المختصر. أن من ملك امرأته أمرها أو رجلا أجنبيا إلى أجل، أنه لا قضاء لواحد منهما في ذلك، حتى يأتي ذلك الأجل، وللزوج أن يطأ إلى ذلك الأجل، كالتمليك إلى قدوم فلان سواء، والمشهور في المذهب تعجيل التوقيف في ذلك، كما يعجل الطلاق فيه على من حلف بالطلاق إليه، وأن الوطء بعلم المملك يقطعه، كانت الزوجة أو أجنبيا، وهو مذهب ابن القاسم.
وقيل: إنه لا يقطعه وهو مذهب أصبغ وقيل: إنه يقطعه إن كانت الزوجة هي المملكة، ولا يقطعه إن كان المملك أجنبيا. وهو قول ابن الماجشون واختيار ابن حبيب.
[مسألة: نزلت به يمين فأفتي أن قد بانت منك امرأتك]
مسألة قلت: فرجل نزلت به يمين، فأفتي أن قد بانت منك امرأتك، فقال لها وللناس: قد بانت امرأتي، ثم علم أنه لا شيء عليه، فقال: لا ينفعه وقد بانت منه، إذا قال ذلك.
قال محمد بن رشد: قد مضت هذه المسألة مكررة في رسم النكاح من سماع أصبغ من كتاب طلاق السنة. ومضى القول فيها هناك، فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.
стр. 2359
[مسألة: جعل أمر امرأته بيدها فقالت قد فرغت]
مسألة وقال: فيمن جعل أمر امرأته بيدها، فقالت: قد فرغت، أو جعله في يد رجل فقال: قد فرغت إن ذلك مثل قولها وقوله قد قبلت، يسأل وتسأل ماذا قبلا.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن قولها قد فرغت من الألفاظ التي يحتمل أن يريد بها الطلاق، فوجب أن تسأل عما أرادت بذلك مثل إذا قالت قد شئت، أو قد رضيت، أو قبلت، أو قد اخترت، وما أشبه ذلك، والله الموفق.
[مسألة: قال الزوج إن لم أطلقها إلى رأس الهلال فأمرك بيدك]
مسألة وسئل عن رجل كانت تحته امرأة، فتزوج عليها، فقالت له امرأته القديمة: هكذا تزوجت علي، فقال الزوج: إن لم أطلقها إلى رأس الهلال، فأمرك بيدك، فقالت: أشهدكم إن لم يطلقها إلى رأس الهلال، فقد اخترت نفسي بثلاث ألبتة. قال: إن لم يطلقها إلى رأس الهلال كما قال، طلقت امرأته التي جعل أمرها بيدها.
قال محمد بن رشد: هذا من قول ابن القاسم خلاف قوله في المدونة ومذهبه المعلوم في رسم أوصى من سماع عيسى وغيره. مثل مذهب أصبغ وسحنون. وقد مضى القول في ذلك في رسم أوصى من سماع عيسى من هذا الكتاب، وفي رسم القطعان من سماع عيسى من كتاب طلاق السنة فلا معنى لإعادة شيء من ذلك، وبالله التوفيق.
[مسألة: قال لامرأته إن أعطيتني عشرة دنانير طلقتك]
مسألة وقال في رجل قال لامرأته: إن أعطيتني عشرة دنانير طلقتك، فجاءته بها، فقال: قد بدا لي أن أطلقك، قال ذلك على وجه إن
стр. 2360
كانت باعت متاعها، وكسرت حليها في ذلك حتى جاءته بها، فأرى الطلاق قد ثبت، ورأيته في معنى قوله يقول: وإن جاءته بها من غير أن تتكلف بيع دارها ولا حليها ولا متاعها، فذلك بيد الزوج.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة فيها ثلاثة أقوال. وقد مضى القول فيها مستوفى في أول رسم من سماع ابن القاسم فلا معنى لإعادته هنا مرة أخرى، وبالله التوفيق.
كمل كتاب التخيير والتمليك
والحمد لله
стр. 2361
[كتاب طلاق السنة الأول] [ نفقة الأب ينفق على ولده]
стр. 2362
من سماع ابن القاسم من كتاب قطع الشجر قال سحنون: أخبرني ابن القاسم قال: سمعت مالكا يقول في الرجل ينفق على ولده ولهم مال قد ورثوه من أمهم، فكتب عليهم ما أنفق، فلما هلك أراد سائرهم من الورثة أن يحاسبوهم ويحتجوا عليهم بالكتاب، قال: إن كان مالهم عنده موضوعا، فليس عليهم غرم ما أنفق عليهم، إذا لم يقل ذلك عند موته؛ لأن الأب ينفق على ولده، وإن كان لهم مال، ومن أمر الناس أن ينفق الرجل على ولده، ولهم المال، وإن كان مالهم في عرض أو حيوان، رأيت أن يحاسبوهم به؛ لأنه كتبه، وإنما اختلف ذلك؛ لأن المال الموضوع في يديه لم يكن يمنعه منه شيء، فلعله إنما كتبه يريد أن يلزمهم أو يتركه فتركه، وأما الذي كان في العروض والحيوان، فإنه يرى أنه يمنعه من ذلك بيعه، وكتب عليهم فيما يرى، والله أعلم. قال ابن القاسم: وهذا أحسن ما سمعت إلي.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة تتفرع إلى وجوه، وقعت مفرقة في مواضع من هذا السماع، وفي رسم باع شاة من سماع عيسى، وفي سماع أبي زيد من كتاب الوصايا، يعارض بعضها بعضا في الظاهر، فكان الشيوخ يحملون ذلك على أنه اختلاف عن القول، وقوله: إنه لا اختلاف في شيء مما
стр. 2363
وقع في هذه الروايات كلها، وبيان ذلك أن مال الابن لا يخلو من أربعة أحوال: أحدها أن يكون عينا قائما في يد الأب، والثاني: أن يكون عرضا قائما في يده، والثالث: أن يكون قد استهلكه، وحصل في ذمته، والرابع: أن يكون لم يصل بعد إلى يده، فأما إن كان عينا قائما في يده، وألفي على حاله في تركته، فلا يخلو من أن يكون كتب النفقة عليه أو لم يكتبها، فإن كتبها عليه لم تؤخذ من ماله، إلا أن يوصي بذلك، وهو دليل قوله في هذه الرواية إذ لم يقل ذلك عند موته، وإن كان لم يكتبها عليه لم تؤخذ من ماله، وإن كان أوصى بذلك. قاله ابن القاسم في سماع أبي زيد من كتاب الوصايا.
وأما إن كان المال عرضا بيده بعينه، ألفي في تركته، فلا يخلو أيضا من أن يكون كتب النفقة عليه أو لم يكتبها، فإن كان كتبها حوسب بها الابن، وإن أوصى الأب ألا يحاسب بها، وهو ظاهر ما في هذه الرواية، ووجه ذلك أنه لما كتبها عليه دل على أنه لم يرد أن يتطوع بها، فوصيته ألا يحاسب بها وصية لوارث، وهو قول أصبغ في الواضحة: إن المال إذا كان عرضا لم تجز وصية الأب ألا يحاسب بها، ومثله لابن القاسم في المدنية.
وإن كان لم يكتبها عليه حوسب بها، إلا أن يكون أوصى الأب ألا يحاسب بها فتنفذ وصيته. وهذا قول ابن القاسم في رسم باع شاة من سماع عيسى.
وأما الحالة الثالثة وهي أن يكون الأب قد استهلك المال وحصل في ذمته، فإن الابن يحاسب في ذلك، كتب الأب عليه النفقة أو لم يكتبها، وهو قول مالك في رسم الشجرة بعد هذا، إلا أن يكون كتب لابنه بذلك ذكر حق، أشهد له به، فلا يحاسب بما أنفق عليه. قال ذلك مالك في رواية زياد بن جعفر عنه. وهو تفسير لما في الكتاب.
وأما الحال الرابعة وهو ألا يكون قبض المال، ولا صار بيده بعد، فسواء كان عينا أو عرضا، هو بمنزلة إذا كان عرضا بيده. وقد مضى الحكم في ذلك. وما في رسم سلعة سماها، ورسم كتب عليه ذكر حق محتمل أن يكون تكلم فيهما على أن المال لم يصل إلى يده، أو على أنه قد أخذه واستهلكه.
وقد مضى الكلام على حكم الوجهين، ولا فرق بين موت الأب وموت الابن فيما يجب من محاسبته بما أنفق عليه أبوه، وبالله التوفيق.
стр. 2364
[مسألة: دخل عليه وعنده امرأته فقال ما هذه قال مولاة لي هل لك أن أزوجكها]
مسألة وقال مالك في رجل دخل عليه رجل وعنده امرأته، فقال: ما هذه المرأة؟ قال: مولاة لي، هل لك أن أزوجكها؟ قال: نعم، فخرج، فكان يهزل. قال مالك: لا أرى عليه طلاقا، إلا أن ينوي ذلك. قال ابن القاسم: أرى أن يحلف ما أراد بذلك طلاقا، ثم لا شيء عليه، ويؤدب.
قال محمد بن رشد: لم ير مالك وابن القاسم على الرجل في هذه المسألة طلاقا في زوجته، وإن كان زوجها بعد قوله إنها مولاته، ومن قولهما إن بيع الرجل زوجته طلقة بائنة، كذا وقع لهما في سماع زونان من هذا الكتاب وفي سماع عيسى من كتاب الحدود، وفي سماع يحيى من كتاب العتق.
وقد روي عن مالك أنها ثلاثة، كالموهوبة، وهو قول أصبغ، وأحد قولي ابن عبد الحكم، وتزويجه إياها كبيعه لها، سواء. كذا قال محمد، فإنما لم يريا عليه طلاقا في هذه الرواية من أجل أنه زوجها هازلا، فقولهما في هذا ينحو إلى رواية الواقدي عن مالك، وفي سماع أبي زيد من كتاب النكاح، من أن النكاح لا يجب بالهزل، وإيجاب ابن القاسم عليه اليمن صحيح مبين لقول مالك، ومثله لعيسى في رسم لم يدرك من سماع عيسى من كتاب العتق.
فإن حلف ترك مع زوجته، وإن نكل عن اليمين جرى ذلك على الاختلاف في الذي يقوم عليه شاهد بالطلاق، فينكل عن اليمين، فقيل: إنه يطلق عليه، وقيل: إنه يسجن حتى يحلف، فإن طال ولم يحلف ترك، وقيل: إنه يحال بينه وبينها، ولا يسجن، فإن طلبت امرأته المسيس، ضرب له أجل المولى.
ولابن القاسم في المجموعة في هذه المسألة أنها تحرم عليه بالثلاث، بنى بها أو لم يبن. وهو على قياس القول بأن تزويج الرجل امرأته بتات وأن هزل النكاح جد، وأما على مذهب من لا يرى النكاح في بيع الرجل امرأته طلاقا، وهو قول ابن وهب في سماع زونان وأحد قولي محمد بن عبد الحكم، يبين أنه طلاق عليه في هذه المسألة، وبالله التوفيق.
стр. 2365
[مسألة: ماتت المرأة أو طلقت أو اختلعت من زوجها قبل أن تظهر الزوج على عيبها]
مسألة قال مالك: إذا ماتت. المرأة أو طلقت أو اختلعت من زوجها قبل أن تظهر الزوج على عيبها فلا شيء له، قال سحنون: ويرجع بالصداق على الذي غره، وإن كانت هي غرته أخذ منها وترك لها ربع دينار، وكذلك لو كان الزوج غرها من نفسه، ثم خالعته بشيء، ثم علمت بعيبه، رجعت عليه بما أعطته؛ لأنه قد كان لها أن تفارقه.
قال محمد بن رشد: أما إذا ماتت المرأة قبل أن يظهر الزوج على عيبها، فلا اختلاف في أنه لا شيء للزوج في العيب الذي غرته به؛ لأنها إذا ماتت فقد وجب له ميراثه منها كالصحيحة سواء، وعيبها الذي كان بها من جنون، أو جذام وشبهه، لا يضر بعد موتها، وكان كمن اشترى عبدا وبه عيب، فلم يعلم حتى ذهب، إنه لا شيء له فيه.
وأما إذا طلقها أو خالعها فقال مالك: لا شيء له، وقال سحنون: له عليها الرجوع بعد الطلاق وبعد الخلع، فإن طلق قبل البناء رجع بجميع الصداق عليها إن كان نقده، وسقط عنه إن كان لم ينقده لأنه كان له أن يردها ويسقط عنه جميعه، وإن طلق بعد البناء رجع بجميع الصداق على الذي غره، وإن كانت هي غرته رجع عليها، وترك لها منه ربع دينار، وإن خالعها قبل البناء بأقل من صداقها، رجع عليها بتمام صداقها، وكذاك إن خالعها بعد البناء بأقل من صداقها، وكانت هي الغارة، رجع عليها ببقية صداقها، إلا أنه يترك لها من ذلك ربع دينار، وإن كان الولي هو الغار رجع عليه بتمام صداقها، وكان لها منه ما أبقت لنفسها مما لم يخالع عليه، وإن كان خالعها بمثل الصداق، أو أكثر منه، فذلك لازم لها وماض عليها، كان ذلك قبل البناء أو بعده؛ لأنه كان له المقام عليها.
وجه قول مالك إن العيب لم يضره لما طلق أو خالع باختياره قبل أن يعلم به، فوجب ألا يرجع له بشيء، كمن اشترى عبدا فباعه قبل أن يعلم بالعيب، إنه لا رجوع له بشيء.
ووجه قول سحنون: إنه لما رجع بضعها إليها
стр. 2366
بالطلاق أو المخالعة أشبه الرد، فوجب للزوج الرجوع عليها بما يجب في الرد، كمن اشترى عبدا وبه عيب لم يعلم به حتى باعه من بائعه، إن له الرجوع عليه بتمام الثمن، وكذلك إذا كان العيب بالزوج فلم تعلم به الزوجة حتى مات عنها أو طلقها أو خالعها، لا رجوع عليه بشيء عند مالك، وخالفه سحنون في المخالعة، فقال: إن كانت خالعته قبل البناء بأكثر من صداقها، رجعت عليه بالزائد، وإن كانت خالعته بعد البناء، رجعت عليه بجميع ما خالعته به من قليل أو كثير؛ لأنه قد انكشف بما ظهر بالزوج من العيوب إن الرد كان لها، والصداق قد وجب لها بالدخول.
[مسألة: رجل وامرأة شهدا على رجل بطلاق امرأته وهو غائب]
مسألة وقال مالك في رجل وامرأة شهدا على رجل بطلاق امرأته وهو غائب: إنه ينفق عليها، وتطلب ذلك فإن ثبت ذلك اعتدت من يوم طلق، ولا غرم عليها فيما أنفقت؛ لأنه ألبس على نفسه.
قال محمد بن رشد: قوله: إنه ينفق عليها وتطلب ذلك، يريد أنه ينفق عليها من ماله إذا طلبت الزوجة ذلك، ويطلب ثبت ذلك بشاهد آخر يشهد مع الشاهد الأول، إذ لا تجوز شهادة النساء في الطلاق، فإن ثبت ذلك، يريد بشاهد آخر، اعتدت من يوم طلق، وذلك إذا اتفق الشاهدان على اليوم الذي طلق فيه، فإن اختلفا اعتدت من اليوم الآخر؛ لأن الشهادة تلفق على مذهب مالك، فتضاف الشهادة الأولى إلى الأخيرة، لا الأخيرة إلى الأولى، ولو لم يذكر اليوم الذي طلق فيه، فمات (كذا) أن يسأل الشهود عن ذلك كانت العدة من يوم شهادتهما عند القاضي، لا من يوم الحكم بالطلاق إن تأخر الحكم عن الشهادة.
وقوله: ولا غرم عليها فيما أنفقت لأنه ألبس على نفسه يريد، أنه لا غرم عليها فيما أنفقت من مالها، أو أنفق عليها
стр. 2367
منه من يوم الطلاق، إلى يوم علمت بطلاقه؛ لأنه ألبس على نفسه، أي فرط، إذ لم يعلمها بطلاقه إياها، وفعلت هي ما كان يجوز لها من الإنفاق على نفسها من ماله، وما كان يحكم لها به عليه لو سألت ذلك، ولو أنفقت من مالها أو تسلفت لرجعت عليه بذلك عند مالك. قاله في سماع أشهب بعد هذا.
وقال ابن نافع: لا يرجع بشيء من ذلك، وأما الذي يموت وهو غائب، فتغرم الزوجة ما أنفقت من ماله بعد موته؛ لأنه لم يكن منه تفريط. هذا قوله في كتاب طلاق السنة من المدونة.
ويجب على هذا التعليل أن تغرم ما أنفقت من ماله بعد أن طلق إلى أن يمضي من المدونة ما يمكن أن يصل العلم إليها بذلك دون تفريط، وهو مقدار المسافة إلى ذلك الموضع، إلا أنهم لم يقولوا ذلك، فوجه سقوط ذلك عنها هو أنه أذن لها في الإنفاق من ماله، فلا رجوع له عليها فيما أذن لها فيه، والله أعلم.
[مسألة: عبد أعجمي عاتبه سيده في جارية زوجها إياه، فقال قد فارقتها]
مسألة وقال مالك في عبد أعجمي عاتبه سيده في جارية زوجها إياه، فقال: قد فارقتها قال: يسأل العبد، فإن عرف ما أراد من الطلاق فذلك له، وإلا فهي ألبتة، إذا كان لا يدري من أجل العجمية. قال ابن القاسم: كأني رأيت محمل قوله في ذلك إذا لم يعرف الطلاق، أنه أراد أن يبرأ منها فلذلك ألزمه ألبتة.
قال محمد بن رشد: الفراق من كنايات الطلاق، وقد قيل فيه: إنه من صريحه لقول الله : ﴿أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٢] فلا يعذر الأعجمي بجهله أن ذلك طلاق، ويحمل إذا جهل ذلك على أنه أراد أن يبرأ منها، فتلزمه ألبتة، على ما ظهر لابن القاسم من نحو قول مالك ونحوه لأصبغ في نوازله من كتاب الأيمان بالطلاق، ويكون إذا جهل ذلك بمنزلة غير
стр. 2368
الأعجمي، إذا لم تكن له نية؛ لأن من قال لامرأته: قد فارقتك ولا نية له في واحدة ولا في اثنتين، فهي ثلاث، إذا كان قد دخل بها، ولا فرق في هذه المسألة بين أن يقول الأعجمي: لم أرد ما أردت، أو يقول لم تكن لي نية، وإنما يفترق ذلك إذا قال: أنت طالق، وكذلك روي عن مالك؛ لأنه حمل قوله: لا أدري ما أردت على أنه أراد شيئا ونسيه، وحمله سعيد بن المسيب ويحيى بن سعيد في التخيير والتمليك من المدونة، على أنه لم تكن له نية، إذ قال الرجل لامرأته: قد فارقتك ولم يدخل بها، فقيل: هي واحدة، إلا أن يريد ثلاثا، وقيل: هي واحدة، إلا أن يريد واحدة، والقولان في رسم يوصي من سماع عيسى من كتاب الأيمان بالطلاق، وفي كتاب التخيير والتمليك من المدونة في قد خليت سبيلك ولا فرق بينهما.
[مسألة: طلقها زوجها ولها منه ولد فرمته عليه استثقالا له]
مسألة قال ابن القاسم: سمعت مالكا قال في امرأة طلقها زوجها، ولها منه ولد فرمته عليه استثقالا له، فليس لها أن تأخذه؛ لأنها قد أسقطت حقها في حضانته، إلا على القول بأن الحضانة من حق المحضون، وهو قول ابن الماجشون، ولو كانت إنما ردته إليه من علة ومرض، أو انقطاع لبنها، لكان لها أن تأخذه إذا صحت أو عاد إليها اللبن، على ما وقع لمالك في أول سماع أشهب من كتاب الأيمان بالطلاق، ولو تركته بعد أن زال العذر حتى طال الأمر السنة وشبهها، لم يكن لها أن تأخذه منه. واختلف إذا مات هل لها أن تأخذه لمن تصير إليه الحضانة بعده؟ فقال في آخر رسم من سماع أشهب: ليس لها أن تأخذه؛ لأنه رأى تركها إياه عند أبيه إسقاطا منها لحقها في حضانته. وقد قيل: إن لها أن تأخذه بعد موته؛ لأن تركها له عند أبيه، إنما يحمل منها على إسقاط حضانتها للأب
стр. 2369
خاصة، وكذلك إذا قامت الجدة بعد السنة، لم يكن لها أن تأخذه. وقال ابن نافع: لها أن تأخذه. ومثله لابن القاسم في المدنية إن لها أن تأخذه، إلا أن يكون عرض عليها فأبت من أخذه. وهذا على الاختلاف في السكوت، هل هو على الإقرار والإذن أم لا؟ وهو أصل قد اختلف فيه قول ابن القاسم، وبالله التوفيق.
[مسألة: يكره السلطان المرء على أن يحج أباه]
مسألة قال مالك: لا يكره سلطان المرء على أن يحج أباه، ولا على إنكاحه.
قال محمد بن رشد: قوله: إن السلطان لا يكره الرجل على أن يحج أباه صحيح، على القول بأن الحج على التراخي، ويأتي على القول بأنه على الفور، إنه يلزمه ذلك، كما يلزمه أن يشتري له ماء لغسله ووضوئه، إذ لا يسعه أن يؤخر ذلك من أمر دينه، وأما إنكاحه. فقد روي عن أشهب أنه يجبر على إنكاحه، ووجه ذلك أن النكاح مما قد تدعو إليه الحاجة، وتمسه الضرورة، فوجب أن يكون كالنفقة، وإذا كان يجبر على أن ينفق على زوجته؟ لحاجته إليها وجب أن يجبر على تزويجه لحاجته إليها، فقول أشهب ينحو إلى ما في المدونة من إيجاب النفقة على زوج الأب. وقول مالك منها ينحو إلى قول المغيرة، وقول محمد بن عبد الحكم، في أنه لا يجب على الرجل أن ينفق على ربيبته، ولو تحققنا حاجة الأب إلى النكاح لانبغى ألا يختلف في أن على الابن أن يزوجه، فالاختلاف في هذا إنما هو عائد إلى تصديق الأب فيما يدعي من الحاجة إلى النكاح، وبالله التوفيق.
стр. 2370
[الرجل يلي ولده ويكون لهم الميراث]
ومن كتاب سلعة سماها وسئل عن الرجل يلي ولده، ويكون لهم الميراث، فيموت ولده، فتقوم جدته في ذلك، فيقول أبوه قد أنفقت عليه في رضاعه، وفي كذا وكذا لأمر يسميه أترى عليه يمينا؟ قال: أما إن كان رجل مقل مأمون، فلا أرى ذلك، وإن كان غنيا فأنى له أن يحلف، فإن جل الآباء هم ينفقون على أولادهم، وإن كانت لهم أموال.
قال محمد بن رشد: لم يفرق في هذه المسألة بين أن يكون الميراث الذي لهم عروضا أو قرضا، كما فرق بين ذلك إذا مات الأب في أول مسألة من السماع، فدل ذلك على أنه تكلم في هذه المسألة على أن الميراث لم يقبضه بعد ولا صار بيده، أو على أنه قبضه واستنفقه، أو على أنه نقص منه قدر ما ادعى أنه أنفقه على ابنه. وقد مضى الحكم في يمين التهمة، والله أعلم.
[مسألة: يسافر بامرأته ولم يدخل بها]
مسألة وسئل عن الرجل يسافر بامرأته ولم يدخل بها، فيقيم عنها الأشهر، فتطلب النفقة، قال: أرى أن ينفق عليها من ماله، ويلزم ذلك.
قال محمد بن رشد: قد قيل: لا نفقة لها إن كان مغيبه قريبا؛ لأنها لا نفقة لها حتى تدعو إلى البناء، وهي لم تدع إليه قبل مغيبه، فإذا طلبته وهو بالقرب، كتب إليه، فإما أن يبني أو ينفق. وقيل: لها النفقة من حين تدعو إلى البناء، وإن كان غائبا على قرب، فليس عليها أن تنظره في شيء قد وجب لها في ماله. وهذا القول أقيس، وهو ظاهر الرواية، إذ لم يفرق فيها بين قرب ولا بعد، وبالله التوفيق.
стр. 2371
[مسألة: المختلعة يتزوجها زوجها ثم يطلقها قبل أن يمسها أتستأنف العدة أم تبنى]
مسألة وسئل عن المختلعة يتزوجها زوجها ثم يطلقها قبل أن يمسها أتستأنف العدة أم تبنى؟ قال: بل تبنى، وذلك أنه ليس لها إلا نصف الصداق، وهو نكاح جديد، ولا يشبه الذي يطلقها واحدة ثم يرتجعها، تلك تستأنف العدة، وإن لم يطأها ليس حالهما واحدة.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال: لأن المختلعة قد بانت من زوجها، فإن تزوجها ثم طلقها قبل أن يمسها لم يكن عليها عدة من هذا الطلاق الثاني؛ لأنها مطلقة قبل الدخول، فوجب أن تبني على عدتها؛ لأنها عدة قد لزمتها من طلاق بعد الدخول، فلا تنهدم إلا بالدخول، ولو مات الزوج بعد أن تزوجها، وقبل أن يدخل بها، لوجب عليها أقصى الأجلين، لوجوب العدتين جميعا عليها، الأولى بالخلع بعد الدخول، والثانية بالموت بعد النكاح وقبل الدخول، وأما التي يطلقها واحدة، ثم يرتجعها فيطلقها قبل أن يمسها "فإنها تستأنف العدة لأن الرجعة تهدم العدة، ويعود بها الزوج إلى حاله قبل الطلاق؛ لأن العصمة لم تزل بالطلاق، وإنما حدث به فيها ثلم صلح بالرجعة، فوجب إذا ارتجعها ثم طلقها، أن يستأنف العدة، مس بعد ارتجاعه أو لم يمس؛ لأنه وإن لم يمس بعد الرجعة، فقد مس قبلها وقبل الطلاق الذي انهدمت عدته بالرجعة، فصار طلاقه هذا طلاقا من نكاح قد مس فيه، وكذلك الموت يهدم العدة عند مالك، كما تهدمها الرجعة عنده، فترجع المرأة إذا مات زوجها في العدة، إلى عدة الوفاة، ومن أهل العلم من يرى أنه لا يهدمها، فتعتد المرأة إذا مات زوجها في عدتها أقصى الأجلين، وهو قول ابن عباس وسليم بن يسار، وابن شهاب، ولا أحفظ من يقول إن الرجعة لا تهدم العدة، وأنه إذا ارتجعها ثم طلقها قبل أن يمسها إنها تبني على العدة، إلا ما يروى عن منازعة ابن أبي ذيب في ذلك لابن شهاب، إذ قال له ابن شهاب: إنها تستأنف العدة، فقال له ابن أبي ذيب: ما هكذا قلت لي، فقال له: نعم، فقال له: لا، فقال له: نعم، فقال له: كذبت، فقال له: بل كذبت،
стр. 2372
فحلف ألا يحدثه بحديث أبدا، فكتب إليه بأحاديث إذ كان من مذهبه أن من. حلف لا يكلم رجلا لا يحنث بالكتابة إليه وهو قول أشهب، والله الموفق.
[مسألة: تأتيها وفاة زوجها وزوجها غائب]
مسألة وسئل عن المرأة تأتيها وفاة زوجها، وزوجها غائب، أترى أن تشهد على ذلك؟ فقال: لم؟ أفي شك هي؟ فقال: لا، قال: ما أرى ذلك عليها إذا كانت على ثبت من أمرها، إلا أن تكون على شك.
قال محمد بن رشد: قوله: أترى أن تشهد على ذلك؟ معناه أترى أن تطلب الشهادة على صحة الخبر بذلك؟ فلم ير ذلك عليها، إذا لم تشك في صحته، وهو كما قال، إذ لا يلزمها أن تعتد بالشك، ولا تستبيح النكاح به بعد العدة، وبالله التوفيق.
[مسألة: المفقود الذي يخرج إلى بلد بتجارة فيفقد فلا يدرى أين وجه]
مسألة وسئل عن المفقود الذي يخرج إلى بلد بتجارة، فيفقد فلا يدرى أين وجه؟ أترى هذا مفقودا؟ قال: نعم، وأرى أن يكتب إلى ذلك الموضع فيطلب ويسأل عنه، فإن عما أمره، ضرب لامرأته بعد ذلك أجل المفقود.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال، وهو مما لا اختلاف فيه، إن المفقود الذي يضرب لامرأته أجل المفقود بعد البحث عنه، والسؤال عن خبره في الناحية التي توجه إليها، ويوقف ماله حتى يأتي عليه من الزمان ما لا يجيء لمثله، هو الذي يفقد في بلاد المسلمين، وقد خرج لتجارة أو غيرها، وإن عرف البلد الذي نزع إليه ثم غاب خبره، على ما في سماع أبي زيد. وسيأتي في أول سماع أشهب، وفي رسم أسلم، من سماع عيسى بيان حكم المفقود في بلاد الحرب، وبين الصفين في قتال العدو، وفي قتال المسلمين، إن شاء الله، وبالله التوفيق.
стр. 2373
[مسألة: تحيض حيضة في كل سبعة أشهر يهلك زوجها فتعتد أربعة أشهر وعشرا]
مسألة وسئل عن المرأة التي تكون حيضتها في ستة أشهر، أو سبعة أشهر حيضة، إنها تحيض حيضة في كل سبعة أشهر يهلك زوجها فتعتد أربعة أشهر وعشرا، أترى أن تتزوج؟ قال: أرى أن ينظر في ذلك فإن نويت في نفسها رأيت أن ينظر إليها من النساء من يعرف الحمل، فإن رأين أنه ليس بها شيء، وأنها ليست مرتابة، رأيت أن تتزوج وإنه لا ينبغي أن يحمل الخاص على شيء لا تحمل عليه العامة فمن النساء من لا تحيض أبدا.
قال محمد بن رشد: هذا هو المشهور في المذهب المعلوم من قول مالك وأصحابه: إن المتوفى عنها زوجها وقد دخل بها تحل بتمام أربعة أشهر وعشرا، وإن لم تحض فيها إذا لم يمر بها فيها وقت حيضتها، ولم يكن بها ريبة من حمل، وروى ابن كنانة عن مالك في سماع أشهب أنها لا تحل حتى تحيض، أو يمر بها تسعة أشهر.
وحكى ابن المواز أن مالكا رجع عن هذا القول، وكذلك هو شذوذ من القول؛ لأنها قد أكملت العدة التي فرضها الله عليها، ولا ريبة بها، فوجب أن تحل، وكذلك إذا مر بها فيها وقت حيضتها فلم تحض من أجل أنها ترضع، وأما إن مر بها فيها وقت حيضتها فلم تحض، وليس بها عذر يمنع الحيض، من مرض أو رضاع، فالمشهور في المذهب، أنها لا تحل حتى تحيض، أو تمر بها تسعة أشهر، ولم يختلف في ذلك قول مالك، وهو قول عامة أصحابه؛ لأن ارتفاع الحيض من غير سبب يعلم لارتفاعه ريبة، وذهب ابن الماجشون، وسحنون، إلى أنها تحل بتمام الأربعة أشهر وعشرا إذا لم يكن بها من الريبة أكثر من ارتفاع الحيض، وأما إن ارتابت من الحمل بامتلاء في البطن، فلا اختلاف في أنها لا تحل حتى تسلم من تلك الريبة، أو تبلغ أقصى أمد الحمل. واختلف إذا ارتفع حيضها بالمرض، فقال أشهب: إن
стр. 2374
ارتفاعه به كارتفاعه بالرضاع، لا يكون ارتفاع الحيض معه ريبة في الوفاة ولا في الطلاق، فتحل في الوفاة بأربعة أشهر وعشرا، وتعتد في الطلاق بالأقراء وإن تباعدت قال ابن القاسم ورواه عن مالك: أن ارتفاع الحيض مع المرض ريبة، كالصحيحة، فتتربص في الوفاة بتسعة أشهر، وفي الطلاق بسنة، تسعة أشهر استبراء، وثلاثة عدة، وبالله التوفيق.
ومن كتاب أوله شك في طوافه
وسئل عن امرأة المفقود إذا خرجت من الأربع سنين، وضرب لها أجل أربعة أشهر، أترى عليها إحدادا؟ قال: نعم، أرى عليها الإحداد. قال ابن القاسم: وإنما يكون عليها الإحداد في الأربعة أشهر وعشر.
قال محمد بن رشد: ابن الماجشون، لا يرى عليها الإحداد في ذلك، وإليه ذهب سحنون، من أجل أنها عدة متيقنة، إذ لعل الزوج حي، أو قد مات، قبل ذلك بمدة، فانقضت العدة. وقول ابن القاسم هو القياس؛ لأنها عدة وفاة بظاهر الحكم، تحل بها للأزواج، فوجب أن يكون عليها الإحداد كالعدة المتيقنة.
[مسألة: العبد يكون متزوجا فيطلق تطليقة فيريد سيده أن يمنعه من الرجعة]
مسألة وسئل مالك عن العبد يكون متزوجا فيطلق تطليقة فيريد سيده أن يمنعه من الرجعة، ويريد العبد أن يرتجع والسيد منعه قال: ليس لسيده أن يمنعه.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن الطلاق الرجعي لا يزيل العصمة، وإنما يوجب فيها ثلما يمنع الوطء. وأحكام الزوجية كلها قائمة من النفقة والموارثة، بارتفاع الرق، فإليه أن يرفع هذا الثلم عن العصمة بالرجعة، بدليل قول الله : ﴿لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق: ١]
стр. 2375
وهو الرجعة عند الجميع وليس ذلك بابتداء نكاح، فيكون لسيده أن يمنعه من ذلك. ألا ترى أن المحرم يراجع زوجته؟ وبالله التوفيق.
[مسألة: المرأة يكون لها ولد صغير ولولدها مال أتنال معهم منه]
مسألة وسئل مالك عن المرأة يكون لها ولد صغير، ولولدها مال، أتنال معهم منه؟ قال: إن كانت محتاجة، فأرى في ذلك لها، قيل له: إنها موسرة، أفترى أن تأكل؟ قال: لا، قيل له: أفتخلط نفقتها بنفقتهم وتأكل معهم؟ قال: إن كانت تفضل، فلا أرى بأسا، قيل له: إنها تقوم عليهم وتلي أمرهم افترى أن تأكل معهم وإن لم تحتج؟ فلم ير ذلك إلا أن تكون محتاجة.
قال محمد بن رشد: وهذا كله على ما قال، إن كانت محتاجة، فلها أن تأكل من ماله؛ لأن النفقة تجب لها فيه بالحكم لو سألت ذلك، وجائز للرجل أن يأخذ لنفسه ما يجب له بالحكم، لقول رسول الله ﵇ لهند: «خذي يا هند ما يكفيك وولدك بالمعروف» ، فأباح لها أن تأخذ من مال زوجها بغير إذنه ما يجب لها فيه ولولدها من حق، ولم ير لها إن كانت موسرة أن تأكل من مالهم، وإن كانت تقوم عليهم، وتلي أمرهم، لقول الله : ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ [النساء: ٦] ، فظاهر قوله هذا خلاف ما في هذا الرسم بعينه من كتاب النكاح من أن للحاضن النفقة في مال المحضون، وقد مضى من القول على ذلك هنالك، ما فيه كفاية إن شاء الله. وأما خلط
стр. 2376
نفقتها بنفقتهم إن كانت لفضل، فالأصل في جواز ذلك قول الله : ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ [البقرة: ٢٢٠] ، يقول الله تعالى يعلم من يقصد بمخالطة يتيمه أن يوقفه ممن يقصد بذلك أن يرتفق به وسيأتي مثل هذا في رسم أخذ يشرب خمرا.
ومن كتاب الشجرة تطعم بطنين في السنة
وسئل مالك عن الرجل يطلق امرأته ويريد سفرا فتدعي حملا أو تقول: دع لي نفقتي قال: ليس ذلك لها، وإنما هو بمنزلة المقيم في ذلك، ولكن يستانا بها، فإن استمر بها حمل جمع لها ذلك كله، فيدفع إليها، ولا يمنع من سفره.
قال محمد بن رشد: هذا مثل ما في كتاب النكاح الثاني من المدونة، سواء إنه لا يلزمه أن يقيم لها حميلا بالنفقة، فإن خرج وظهر بها حمل فأنفقت على نفسها رجعت عليه بذلك، إذا كان موسرا يوم أنفقت، ولا اختلاف في هذا أعلمه، وبالله التوفيق.
[مسألة: كان يأخذ لابنه عطاء وقسما فهلك الأب]
مسألة وسئل عن رجل كان يأخذ لابنه عطاء وقسما، فهلك الأب، فقال بنون له آخرون: نحن نريد أن نحاسبك، قد أنفق ذلك عليك، وكان الابن في حجر أبيه، قال: أرى أن يحسب ذلك ويحاسب به، فما كان في ذلك من فضل كان للابن قبل أبيه.
стр. 2377
قال محمد بن رشد: قوله: فما كان في ذلك من فضل كان للابن قبل أبيه، يدل على أن ما كان يأخذ لابنه قد كان استنفقه وصار له في ذمته، وقد أتى القول على ذلك في التقسيم الذي ذكرناه في أول مسألة من السماع فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.
[امرأة كانت تسكن مع زوجها ثم هلك زوجها وله منها ابنة بنت ثمان سنين]
ومن كتاب حلف ليرفعن أمرا وسئل مالك عن امرأة كانت تسكن مع زوجها ثم هلك زوجها، وله منها ابنة بنت ثمان سنين، وللمتوفى إخوة ولأم الجارية إخوة من مسكن الزوج على رأس مرحلتين، فأرادت أن تدخل بابنتها إلى إخوتها وهو مسكنها الذي كانت تسكنه قبل أن تتزوج، فأبى عمومة الجارية أن يتركوها، قال: قال مالك: المرأة لا أرى أن تدخل بها من عندهم قالت: فإن أخوتي يريدون أن يدخلوني قال: ليس ذلك لهم، وليس لك أن تخرجيها من عند ولاتها.
قال محمد بن رشد: مثل هذا في كتاب ابن المواز من قول ابن القاسم وروايته عن مالك، إنه ليس لها أن تدخل بهم مسافة الرحلة والرحلتين، قال أشهب: ولا إلى الثلاثة برد، وهو مثل ما في المدونة من أنه ليس لها أن تخرج بهم إلى المكان القريب، وليس في حد ذلك شيئا يرجع إليه في الكتاب أو السنة، وإنما هو الاجتهاد، لقول الله : ﴿لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ﴾ [البقرة: ٢٣٣] ، وقول النبي ﵇: «إذا اجتمع ضرران، نفي الأصغر للأكبر» ؛ لأن منع المرأة من الخروج بولدها إضرار
стр. 2378
بها، وإباحة ذلك لها إضرار بأولياء الصبي، فوجب الاجتهاد في ذلك، ولذلك وقع فيه هذا الاختلاف، والله الموفق.
[مسألة: المتوفى عنها زوجها تؤذن إلى العرس أتخرج إليه]
مسألة وسئل مالك عن المتوفى عنها زوجها تؤذن إلى العرس، أتخرج إليه؟ قال: نعم ولا تبيت إلا في بيتها، ولا تتهيأ بشيء مما تنهى عنه المتوفى عنها زوجها أن تلبسه.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال، إن لها أن تخرج إلى العرس إذا لم تبت إلا في بيتها، ولا تتهيأ بما لا يجوز للحاد أن تفعله، إذ لا حرج عليها في حضور العرس إذا لم يكن فيه من اللهو إلا ما أجيز في العرس، وقد مضى القول فيما يجوز من ذلك مما لا يجوز في رسم سلف من سماع عيسى من كتاب النكاح، وبالله التوفيق.
[مسألة: تزوج امرأة لم يدخل بها وأراد سفرا]
مسألة وسئل عن رجل تزوج امرأة لم يدخل بها وأراد سفرا فقال لهم: أدخلوها علي الليلة، فقالوا: لا تفعل فوقع بينهم شجر من الكلام فقال لهم: اتركوني ليس لي فيها حاجة، ودعوني، فانصرف عنهم.
قال مالك: أردت بذلك طلاقا؟ قال: لا، قال: ليس عليك شيء، قد يقول الرجل لامرأته ليس لي بك حاجة، فإذا لم يرد به طلاقا فليس عليه شيء، وإن كان لها من يحلفه حلف بالله ما أراد بذلك طلاقا.
قال محمد بن رشد: وهذا بين على ما قال؛ لأن ذلك ليس من ألفاظ الطلاق، فلا يكون طلاقا، إلا أن يريد الطلاق، وتتهمه أنه أراد الطلاق بذلك، فهذه المسألة عندي ضعيفة، فإن لم يطع باليمين، ونكل عنها ترك مع امرأته، ولم يدخل ذلك من الاختلاف ما ذكرناه في أول رسم في مسألة الذي
стр. 2379
قال في امرأته: إنها مولاته، وزوجها هازلا بذلك، وبالله التوفيق.
[مسألة: صالح امرأته على أن ترضع ولده سنتين وتكفله أربع سنين بعد ذلك]
مسألة وسئل عن رجل صالح امرأته على أن ترضع ولده سنتين وتكفله أربع سنين بعد ذلك، لتمام ست سنين، فإن ماتت قبل ذلك فأبوها ضامن لنفقة الصبي حتى تستكمل ست سنين، واشترط عليها إن لم يكن أصل هذا الصلح جائزا فله الرجعة عليها، ورضيا بالصلح، وتفرقا عليه.
قال مالك: الشرط باطل، ولا يصلح في صلح رجل وامرأة أكز من الرضاع، فإن كان قد رضيا بالصلح وتفرقا على ذلك، فما كان فوق الرضاع فهو ثابت على الأب، ينفق على ولده، وما اشترط بأنه إن لم يكن هذا الصلح جائزا فلي عليك الرجعة، فهذا باطل، لا رجعة له عليها، ولا أحب أن يصالح أحد على مثل هذا، إنما الصلح في ذلك إلى الفطام. قال سحنون: يلزمها النفقة لو اشترط عليها نفقة خمس عشرة سنة لكان ذلك لازما لها.
قال محمد بن رشد: قوله في اشتراط الرجعة عليها إن لم يكن الصلح جائزا إنه شرط باطل، صحيح بين في المعنى في الصحة؛ لأن الشرع قد أحكم أن تبين المرأة من زوجها بالصلح، كان جائزا أو غير جائز، فاشتراطه أن يكون له الرجعة عليها إن لم يكن الصلح جائزا لا يجوز؛ لأنه شرط يخالف حكم الشرع، قد قال رسول الله ﵇: «من اشترط شرطا ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط» ، وقوله: ولا يصلح في صلح رجل وامرأة أكثر من الرضاع، هو مثل قوله في المدونة: وإنما لم يجز ذلك؛ لأنه غرر، إذ قد يموت الصبي قبل الأجل الذي التزمت نفقته إليه، ومن
стр. 2380
قوله: إن الخلع بالعبد الآبق، والجمل الشارد، والجنين في بطن أمه، والثمرة قبل أن يبدو صلاحها جائز، فقيل: إن ذلك اختلاف من قوله وقيل: إن ذلك فرق بين المسألتين؛ لأن غرر العبد الآبق، والجنين، وما أشبهه، لا يقدر على إزالته، وقد تدعو المرأة الضرورة إلى المخالعة، وليس لها إلا ذلك، وغرر التزام نفقة الولد بعد الرضاع أعواما يقدر على إزالتها بأن يشترط ألا يسقط النفقة عنها بالموت، وأن يكون للزوج أن يأخذها به إلى الأجل الذي سمياه وإن بعد، وكذلك ما أشبه النفقة مما يقدر على إزالته كالصلح بمال إلى أجل مجهول، وما أشبه ذلك.
فيتحصل في المسألة ثلاثة أقوال: أحدها هذا والثاني أن الخلع بالغرر جائز، كان الغرر مما يقدر على إزالته أو لا يقدر، وهو قول المخزومي في المدونة وقول سحنون هنا، والثالث أن ذلك لا يجوز، كان مما يقدر على إزالته أولا يقدر، وهو قول ابن القاسم في رسم إن خرجت من سماع عيسى من هذا الكتاب؛ لأنه إذا لم يجز الخلع بالغرر الذي لا يقدر على إزالته، فأحرى أن لا يجيزه بالغرر الذي يقدر على إزالته، واختلف على القول بأن الخلع بالغرر لا يجوز إذا ألزم الزوج الطلاق، وأبطل ما خالع عليه من الغرر، هل له أن يرجع عليها، إذا أبطل عنها الجميع بخلع مثلها؟ وإذا أبطل عنها البعض، كالذي يخالع على رضاع ابنها، والنفقة عليه بعد الرضاع إلى أجل معلوم إذا بطل عنها ما أراد على حول الرضاع أن يرجع عليها بمقدار ذلك الجزء من خلع مثلها، على قياس قول ابن القاسم في رسم إن خرجت من سماع عيسى، وأما المختلعة على رضاع الولد خاصة، فلا اختلاف في جواز ذلك، وإن كان فيه غرر، إذ قد يموت الولد قبل انقضاء أمد الرضاع من قبل أن الرضاع قد يتوجه عليها في عدم الأب، فلما كان قد
стр. 2381
يتوجه عليها في حال استخف الغرر فيه، ولا رجوع للأب عليها بشيء إذا مات الولد قبل انقضاء أمد الرضاع، إذا كانا إنما عملا على أن أبرأته من مؤونة رضاعه بإفصاح وبيان.
واختلف إذا وقع الأمر مبهما، فحمله مالك في المدونة على ما تأول عليه ابن القاسم على أنها إنما أبرأته من مئونة رضاعه، فلا يرجع عليها بشيء، وقال ما رأيت أحدا طلب ذلك. وفي المختصر الكبير، إنه لو طلب ذلك لكان فيه قول، وبالله التوفيق.
[مسألة: له الأخت بالأندلس فيريد أن يخرج إليها ويخاف عليها الضيعة]
مسألة وسئل مالك عن الرجل تكون له الأخت بالأندلس، فيريد أن يخرج إليها ويخاف عليها الضيعة، وفيما بينه وبينها فساد وحرب، يخاف الهلاك على دينه، قال: لا أحب له أن يدخل في شيء يخاف فيه الهلاك على دينه.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن الخوف على الدين، كالخوف على النفس وأشد، وإذا كان ذلك يسقط فرض الحج، لقول الله : ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا﴾ [آل عمران: ٩٧] ، فأحرى أن يسقط عنه ما يلزمه من إعانة أخته مخافة الضيعة عليها.
[يغيب عن امرأته سنين ثم يتسلف لنفقتها]
ومن كتاب طلق وسئل مالك عن الرجل يغيب عن امرأته سنين، ثم يتسلف لنفقتها، ويعلم ذلك جيرانها من حالها، وأنه لا يبعث إليها بنفقة، فيموت في غيبته، فتطلب ذلك، وتريد أن تأخذه من ماله، أترى ذلك لها؟ قال: هذه أمور إنما يقضى فيها على وجه ما ينزل باجتهاد الإمام العدل في ذلك، والحي إذا قدم أبين عندي شأنا، إن طلبت النفقة أغرم فإن أنكر أحلف يريد بذلك ويبرأ، وقال في الموت:
стр. 2382
يغيب عشرين سنة، ثم يموت، فتريد أخذ ماله استنكارا أن يكون لها ذلك في الموت، إلا أنه قال اجتهاد الإمام العدل في ذلك حين ينزل بالذي يرى.
قال ابن القاسم: ذلك رأيي وأحسن ما سمعت في ذلك، قال: وبلغني عن مالك أنه قال: إن كان حيا وقدم وقد كانت رفعت ذلك إلى السلطان، رأيت أن ترجع عليه إن كان موسرا في غيبته، وإن كانت لم ترفع ذلك إلى السلطان، فقدم فأنكر، وزعم أنه قد بعث إليها أو خلف عندها، رأيت أن يحلف ويبرأ، وإن قدم فأقر، نظر، فإن كان موسرا في غيبته اتبعته، وإن كان معسرا لم تتبعه إلا من يوم أيسر، وإن مات لم أر لها شيئا إلا أن ترفع ذلك إلى السلطان، فتكون لها يوم رفعت ذلك إلى السلطان، إلى أن مات، وما كان قبل ذلك فلا شيء له؛ لأنه لو قدم فأنكر، صدق وحلف، وهو قول مالك.
قال سحنون: إذا قدم الزوج فقال: كنت في غيبتي معدما، كان القول قوله مع يمينه، وكلفت المرأة البينة أنه كان مليا وقاله عثمان بن كنانة.
قال محمد بن رشد: لا اختلاف أحفظه في أن القول قول الزوج مع يمينه إنه أنفق على امرأته إن كان حاضرا، أو أنه خلف عندها نفقتها، أو بعث بها إليها إن كان غائبا، إذا أنكرت الزوجة ذلك، وطلبته بالإنفاق، ويحلف في دعواه بعث النفقة إليها، لقد بعث بها إليها، فوصلت إليها وقبضتها، كذلك في سماع أشهب من كتاب الأقضية لابن غانم.
واختلف إن رفعت ذلك إلى السلطان في مغيبه، فقال: هاهنا وهو المحفوظ في المذهب: إن القول قولها من يوم رفعت ذلك إلى السلطان. وذكر أبو القاسم بن الجلاب في كتابه عن مالك في ذلك روايتين: إحداهما هذه.
والثانية إن القول قوله على كل حال، وإن رفعت ذلك إلى السلطان، ولها وجه صحيح في النظر، وهو أنها تتهم على أنها إنما فعلت ذلك إعدادا ليكون القول قولها، وإذا قدم من مغيبه فأقر أنه لم يبعث إليها بشيء، ولا خلف عندها شيئا، أو أنكر فنكل وحلفت المرأة أو
стр. 2383
كانت قد رفعت ذلك إلى السلطان، فصدقت من يوم رفعت مع يمينها على القول بأنها تصدق في ذلك، فإنه يجب لها أن تتبعه بالنفقة، إن كان موسرا، وتسقط عنه إن كان معدما. واختلف إذا قدم فادعى أنه كان في مغيبه معدما، وقد جهل حاله يوم خروجه، على ثلاثة أقوال: أحدها أنه محمول على اليسار، فلا يصدق فيما ادعى من أنه كان في مغيبه معدما، وهو قول ابن الماجشون، في الواضحة، وتأوله بعض أهل النظر، على معنى ما في المدونة، والثاني: أنه يصدق إن قدم معسرا، ولا يصدق إن قدم موسرا، وهو نص قول ابن القاسم في كتاب ابن المواز، وظاهر ما في المدونة عندي.
والثالث أنه يصدق، قدم موسرا أو معسرا، وهو ظاهر قول سحنون، وابن كنانة هاهنا، وأما إن علمت حاله يوم خروجه باليسر أو العدم، فهو محمول على ما علم به من ذلك، وإن قدم على خلاف ذلك، هذا قول ابن الماجشون في الواضحة.
وحكى أبو عمر الإشبيلي في اختصار الثمانية لابن بطير أنها رواية لابن القاسم، وهو صحيح؛ لأنه إذا خرج موسرا فقد ثبت أن الإنفاق عليه واجب، فلا يسقط عنه إلا بيقين، وإذا خرج معدما، فقد ثبت أن الإنفاق قد سقط عنه، فلا يعود عليه إلا بيقين وقد تأول ابن زرب على سحنون، وابن كنانة، إن القول قوله، إن كان معدما وإن علم أنه خرج موسرا، وأنكره، وهو تأويل بعيد، لا سيما إن كان قدم موسرا أيضا.
وأما إن مات في مغيبه، فالقياس ألا شيء لها في ماله، إذا لم ترفع ذلك إلى السلطان، على ما حكى ابن القاسم آخرا أنه بلغه عن مالك؛ لأن المعلوم من شأن الأزواج النفقة على أزواجهم، وإنما كان لها على زوجها في ذلك اليمين، فلما مات سقط حقها في ذلك، إلا أن تدعي على الورثة أنهم علموا أنه لم يخلف عندها شيئا، ولا بعث إليها بشيء، فيكون لها أن تحلف منهم على العلم، من كان مالكا لأمر نفسه، وإلى هذا ينحو قول مالك أولا، وإن كان قد رأى أن يجتهد في ذلك واستحسنه ابن القاسم.
[مسألة: الرجل يشهد عليه بأنه طلق امرأته ألبتة]
مسألة وسئل مالك عن الرجل يشهد عليه بأنه طلق امرأته ألبتة،
стр. 2384
وقد ماتت، أترى أن يرثها؟ قال: لا، هو حي، قيل له: أفرأيت إن مات هو، أترى أن ترثه؟ قال: ليس هي مثله، قال: نعم، ترثه. قاله سحنون: معناه إن الشهود كانوا قياما معه فلم يقوموا عليه حتى مات.
قال محمد بن رشد: قول سحنون: معناه إن الشهود كانوا قياما معه فلم يقوموا عليه حتى مات، ليس بصحيح، إذ لو كانوا قياما معه فلم يقوموا عليه حتى مات، لوجب أن يرث كل واحد منهما صاحبه؛ لأن شهادتهم كانت تبطل بترك قيامهم لها، وإنما وهم سحنون، في تفسير قول مالك: والله أعلم، لما وقع في كتاب الأيمان بالطلاق من المدونة من قول يحيى بن سعيد، في شهود شهدوا على رجل بعد موته، أنه طلق امرأته، لا تجوز شهادتهم إذا كانوا حضورا. ولامرأته الميراث، وكذلك لو كان يقول يحيى بن سعيد أيضا: لو ماتت هي، إن له الميراث، من أجل سقوط شهادة الشهود لحضورهم، فليس معنى مسألة مالك، إلا أن الشهود كانوا غيبا.
وكذلك وقع له في رسم حمل صبيا من سماع عيسى من كتاب الأيمان بالطلاق، أن الشهود كانوا غيبا لا يتهمون، فمالك أحق بتبيين ما أراد، ووجه تفرقته بين ميراثها منه وميراثه منها هو أنه إذا كان هو الميت، فلم يعذر إليه في شهادة الشهود، ولعله لو أعذر إليه فيهم لأبطل شهادتهم، فرأى لها الميراث، من أجل أن الشهادة لا يجب الحكم بها إلا بعد الإعذار إلى المشهود عليه، وإن كانت هي الميتة، أمكن أن يعذر إليه، فإن عجز عن المدفع وجب الحكم بالطلاق يوم وقع، فلم يكن له ميراث منها.
وقال محمد بن المواز: إنما ورثته ولم يرثها لأنه كالمطلق في المرض؛ لأن الطلاق وقع يوم الحكم، ولو لم يقع يوم الحكم لكان فيه الحد. قال أبو إسحاق: وهو كلام فيه نظر؛ لأن الحاكم إنما ينظر شهادة البينة وهي تقول: إن الطلاق وقع قبل الموت، وأما درء الحد بالشبهة إما لنسيانه، وإما لإمكان أن يكون صادقا في إنكار الشهادة، ولو كان الطلاق وقع بعد الموت لورثها هو أيضا. والقياس أنها لا ترثه، كما لا يرثها؛ لأن الإعذار
стр. 2385
يجب إليهما جميعا، فكما لا يرثها وإن لم يعذر إليها، لا ترثه وإن لم تعذر إليه، وهو قول سحنون ويحيى بن عمر. وسيأتي في رسم بع من سماع عيسى طرف من هذا المعنى، وبالله التوفيق.
[العبد يتزوج المرأة فيطلقها فتتزوج فيريد أخذ ولده]
ومن كتاب سن رسول الله ﵇ وسئل مالك عن العبد يتزوج المرأة فيطلقها، فتتزوج، فيريد أخذ ولده، فقال: شأن العبد في هذا إلى الضعف، ولعله يذهب به إلى بلدة أخرى فأرى أمه أحق به، وينظر في ذلك للولد. وقال الله : ﴿لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ﴾ [البقرة: ٢٣٣] ، قال ابن القاسم: إذا كان العبد مثل القائم في مال سيده التاجر، الذي له الكفاية، فأراه أحق بولده إذا تزوجت، وأما العبد الوغد الذي يخارج في السوق أو يبعثه سيده في الأسفار، فأرى أمه أحق به؛ لأن مثل هذا يأخذه إلى غير أهل ولا كفاية، وإن بيع العبد فانقطع به، رأيت أمه أحق به وغدا كان أو غير وغد؛ لأنه يؤخذ ماله ويذهب به في البلاد.
قال محمد بن رشد: المعنى في هذه المسألة بين، وقول ابن القاسم صحيح لا وجه للقول فيه.
[مسألة: بينه وبين ختنته كلام في امرأته فقال لها انقلي ابنتك إلى بيتك]
مسألة قال مالك: في رجل كانت بينه وبين ختنته كلام في امرأته، فقال لها: انقلي ابنتك إلى بيتك؟ ثم لقيها في الطريق، فدفع إليها دنانير، كانت لابنتها عنده، ثم قال: انقلي ابنتك إليك؟ ثم سئل بعد ذلك، فقال: لم أرد طلاقا. قال: يحلف بالله ما أراد طلاقا ولا نواه ثم ترد عليه امرأته ولا شيء عليه.
следующие страницы →