← Фикх малики

Фикх малики · id 21751

البيان والتحصيل

ابن رشد الجد

Полный текст (9 112 стр.). Показаны 2731–2770 · переход к 2736.

стр. 2731

وقت الحج فحج بر وسقط عنه الإيلاء، وإن أتى وقت الحج فلم يحج طلق عليه بالإيلاء، وإن لم يخرج حتى انقضى أجل الإيلاء طلق عليه بالإيلاء، وهذان القولان الثالث والرابع من المدونة، وإن كان يوم حلف لم يبق بينه وبين وقت الحج ما يدرك فيه الحج فلا يمنع من الوطء ولا يدخل عليه الإيلاء في بقية ذلك العام، وهو دليل قوله في الرواية، فإن لم يحج من عامه وعليه من الزمان ما يحج في مثله فهذا تحصيل القول في هذه المسألة وبالله التوفيق. [مسألة: حلف بطلاق امرأته ألا يدعها تخرج شهرا إلا لنقلة من منزل إلى منزل] مسألة وعن رجل حلف بطلاق امرأته ألا يدعها تخرج شهرا، إلا لنقلة من منزل إلى منزل فأراد أن يخرج بها إلى قرية ثم يرجع قال: لا أرى أن يخرج بها إلا أن يريد الخروج بها من ذلك المنزل. قال محمد بن رشد: قوله إلا أن يريد الخروج من ذلك المنزل معناه إلا أن يريد الانتقال من ذلك المنزل، وذلك لا يكون إلا بأن ينتقل عنه انتقالا صحيحا بجميع متاعه، فإذا فعل ذلك فلا حنث عليه، قال في سماع أبي زيد: وذلك إذا كان لخروجه مكث طويل شهرا أو نحوه، وذلك أنه حد من حلف لينتقلن من هذا المنزل استحسانا ولو رجع فيما دون الشهر لم يحنث على ما مضى القول فيه في آخر رسم من سماع أشهب وفي غيره وبالله التوفيق. [مسألة: يأمر امرأته أن تعمل عملا ويقول أنت طالق إن لم تفرغي منه] مسألة وقال في الرجل يأمر امرأته أن تعمل عملا ويقول أنت طالق إن لم تفرغي منه إلى أن أرجع إليك إن لم أهجرك أنه يهجرها ثلاثة أيام، يعني إذا لم تفرغ قبل رجوعه، فإن لم يهجرها فهو حانث.

стр. 2732

قال محمد بن رشد: قد حكى ابن حبيب خلاف هذا عن ابن القاسم أنه لا يبر إلا بأن يهجرها شهرا، ولو قال إن لم أطل هجرانك لبر على القول الأول بالشهر، وهو قول ابن الماجشون، وعلى القول الثاني لا يبر إلا بأن يهجرها سنة، ولو قال أن أهجرك حينا أو زمانا لبر بالسنة واختلف في الدهر، فقيل فيه السنة، وقيل أكثر من السنة، روي ذلك عن مالك، وقال مطرف السنتان في الدهر قليل وبالله التوفيق. [مسألة: يقول لامرأته أنت طالق إن لم أكن من أهل الجنة] مسألة وقال عن مالك في الرجل يقول لامرأته أنت طالق إن لم أكن من أهل الجنة إنها طالق ساعتئذ، قال ابن القاسم: وإن لم أدخل الجنة عندي مثله. قال محمد بن رشد: ساوى ابن القاسم بين أن يحلف الرجل بالطلاق أنه من أهل الجنة وبين أن يحلف ليدخلن الجنة في أن الطلاق قد وجب عليه، ومثله في المبسوطة لمالك إذا حلف على ذلك حتما، وقال الليث بن سعد: إنه لا شيء عليه، ونزع بقول الله : ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٤٦] وإليه ذهب ابن وهب ولا يخلو الحالف على هذا من أن يريد بيمينه أنه من أهل الجنة الذين لا يدخلون النار أو أنه من أهل الجنة الذين لا يخلدون في النار أو لا تكون له نية في شيء من ذلك، فأما إن أراد بيمينه أنه من أهل الجنة الذين لا يدخلون النار فتعجيل الطلاق عليه بين ظاهر؛ لأن المسلم لا يسلم من مواقعة الذنوب، إذ لا يعصم منها الأنبياء فضلا عمن سواهم، قال الله لنبيه ﵇: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ٢] وفي وصية الخضر لموسى: واستكثر من الحسنات فإنك مصيب السيئات، واعمل خيرا فإنك لا بد

стр. 2733

عامل شرا، ولا يدري الحالف هل يغفر الله له ذنوبه أم لا؟ لأنه يقول في كتابه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] فالحالف على هذا إنما هو حالف على أن يغفر الله ذنوبه، فهو حالف على غيب لا يعلمه إلا الله، ولا اختلاف في إيجاب تعجيل الطلاق على من حلف، فلا ينبغي أن يختلف على هذا الوجه، وأما إن أراد بيمينه أنه من أهل الجنة الذين لا يخلدون في النار فالمعنى في يمينه إنما هو لا يكفر بعد إيمانه ولا ينتقل عن إسلامه وليثبتن عليه إلى الموت، الحالف على هذا حالف ليفعلن ما أمر به من الثبوت على الإسلام حتى يأتيه الموت وهو عليه، قال الله : ﴿وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢] أي اثبتوا على إسلامكم حتى يتوفاكم ملك الموت فهذا بين أنه لا شيء عليه؛ لأنه إنما هو حالف ألا يكفر وأن يثبت على إسلامه، فهو في التمثيل كمن حلف بالطلاق أن يقيم في هذه البلدة ولا يخرج منها حتى يأتيه الموت فلا شيء عليه، لا يجب عليه الطلاق إلا بالخروج من البلدة، فكذلك هذا لا يجب عليه الطلاق إلا بالكفر، فلا ينبغي أن يختلف في هذا أيضا، وأما إن لم تكن له نية فالظاهر من مذهب مالك وابن القاسم أن يمينه تحمل على الوجه الأول فيعجل عليه الطلاق، والأظهر أن يفرق بين اللفظين فيحمل قوله: إن لم أكن من أهل الجنة على الوجه الأول فيعجل عليه الطلاق، والأظهر فيه أنه لا يطلق القول على أحد أنه من أهل الجنة إلا إذا لم يدخل النار، ويحمل قوله إن لم أدخل الجنة على الوجه الثاني فلا يكون عليه شيء؛ لأن الظاهر من قوله إن لم أدخل الجنة إن لم أدخلها أصلا، فهو بمنزلة ما لو قال: إن خلدت في النار، وذلك يرجع إلى أنه إنما حلف ألا يكفر وأن يثبت على إيمانه، وأما قول الليث بن سعد وابن وهب فمعناه عندي أنهما حملا يمينه إذا لم تكن له نية على الوجه الثاني، ولهذا قال إنه لا شيء عليه، ولا يصح أن يتأول عليهما أنهما حملا يمينه على الوجه الأول ولم يوجبا عليه الطلاق؛ لأن ذلك يخرج إلى الإرجاء الصريح ومن

стр. 2734

الحق أن ينزها عن أن يتأول عليهما ما يخرج إلى هذا فالاختلاف في هذا بين مالك والليث إنما يعود إلى ما يحمل عليه يمينه إذا لم تكن له نية وبالله التوفيق. [مسألة: قال كل ثيب أنكحها فهي طالق ثم قال بعد ذلك كل بكر أنكحها فهي طالق] مسألة وقال في رجل كل ثيب أنكحها فهي طالق، ثم قال بعد ذلك كل بكر أنكحها فهي طالق أنه يجوز له نكاح الصنف الذي حلف عليه آخرا ولا يجوز له نكاح الصنف الأول وهو رأي ابن القاسم، وأما مالك فليس قوله، سمعت مالكا يقول: لا ينكح واحدة منهما ولست أراه بارا أن ينكح الآخرة منهما. قال محمد بن رشد: قول ابن القاسم أظهر، وقد وقع له مثله في آخر رسم الصلاة من سماع يحيى؛ لأن اليمين لازمة له في الصنف الأول، فهو يجوز له نكاح شيء منه فكان بمنزلة من قال بعد ذلك كل امرأة أنكحها بأرض الإسلام فهي طالق وهو لا يقدر على الدخول إلى أرض الحراب، أو بمنزلة من قال كل امرأة أتزوجها إلا بالصين فهي طالق وبالله التوفيق. [مسألة: قال امرأتي طالق لأن رؤي الليلة الهلال إن صمت غدا مع الناس فرئي الهلال تلك الليلة] مسألة وعن قوم اجتمعوا في منزل فذكروا هلال رمضان فقال بعضهم: هو يرى الليلة، فقال رجل منهم: امرأتي طالق لأن رؤي الليلة الهلال إن صمت غدا مع الناس، فرئي الهلال تلك الليلة فخرج الرجل من جوف الليل إلى سفر فأفطر وخرج إلى سفر تقصر فيه الصلاة ويجوز في مثله الفطر. قال: أرى عليه الطلاق إلا أن يكون نوى ذلك فيدينه وإن كانت عليه بينة فله نيته. قال محمد بن رشد: إنما قال: إنه يحنث إلا أن ينوي ذلك لأن

стр. 2735

الظاهر من مقصده أنه لم ينو ذلك، وأنه إنما أراد أن يخالف الناس فيما يجب عليه من الصيام ورؤيته إياه فيفطر وهو مقيم، فإن كان نوى ذلك فيدين في نيته يريد مع يمينه، وإن كانت عليه بينة لأنها نية محتملة لا تخالف ظاهر قوله وبالله التوفيق. [مسألة: قال لامرأته أنت طالق إلى ألف سنة أو خمسمائة سنة] مسألة قال ابن القاسم: إنا نقول فيما بلغنا ونظنه من قول مالك، من قال لامرأته أنت طالق إلى ألف سنة أو خمسمائة سنة لا طلاق عليه، وإنما الطلاق في الأجل الذي يطلق به عليه ساعتئذ كل أجل كان يبلغه أعمار الناس، فكل أجل لا تبلغه الأعمار فليس بطلاق. قال محمد بن رشد: قوله: فأما كل أجل لا تبلغه الأعمار فليس بطلاق يريد الأعمار الذي يعمر إليها المفقود على الاختلاف الذي بينهم في ذلك وقد مضى هذا في رسم سلف وبالله التوفيق. [مسألة: قال قد حلفت بالطلاق حتى إن امرأتي مني حرام] مسألة قال ابن القاسم وسئل مالك عن رجل قال: قد حلفت بالطلاق حتى إن امرأتي مني حرام. قال: يحلف بالله ما أراد الطلاق وما امرأته معه حرام ويخلى بينهما. قال محمد بن رشد: قال ابن دحون في هذه المسألة إنها مسألة حائلة لا أصل لها في الفتيا إذ كان يجب أن يتبين منه بإقراره وإلى هذا ذهب ابن زرب فجعل أول مسألة من رسم يشتري الدور والمزارع من سماع يحيى مخالفة لها، وليس كما قاله؛ إذ ليس ذلك بإقرار صريح لأنه لم يقر أنه

стр. 2736

حنث، فاحتمل عند مالك أن يكون أراد أنه خشي على نفسه الحنث لكثرة أيمانه بالطلاق فلذلك نواه مع يمينه والله أعلم. [مسألة: يحلف لامرأته بطلاق كل امرأة ينكحها عليها فهي طالق البتة فيتزوج عليها سرا] مسألة وسئل عن الرجل يحلف لامرأته بطلاق كل امرأة ينكحها عليها فهي طالق البتة، فيتزوج عليها سرا لا يعلم بذلك ثم يموت وقد علم الشهود بذلك أو لم يعلموا، فقام الشهود أترثه هذه المرأة التي تزوج عليها؟ . قال: أما إذا علموا فلا شك أنها ترثه، وأما إذا لم يعلموا فقد اختلف فيه ورأيي أنها ترثه. قال محمد بن رشد: قوله: وقد علم الشهود بذلك أو لم يعلموا، علموا بتزويجه ودخوله عليها أو لم يعلموا بذلك فورثها منه إذا علم الشهود بذلك فلم يقوموا عليه حتى مات؛ لأنه أسقط شهادتهم بترك قيامهم بها، وكذلك لو ماتت هي لورثها هو إذا كان منكرا لليمين؛ لأن الشهادة قد بطلت بترك قيامهم بها، وسحنون لا يرى ترك قيامهم بالشهادة لاختلاف الناس في لزوم اليمين بالطلاق قبل النكاح وهو قول مالك في رواية أبي ضمرة من سماع حسين بن عاصم من كتاب الشهادات قوله فيه: فأما الشهادة بالحنث فإن ذلك ماضي، وإنما ورثها منه إذا لم يعلم الشهود من أجل أن القيام عليه إنما كان بعد موته لا من أجل اختلاف الناس في اليمين إذ لم يقل بذلك ولا رعاه، ولو ماتت هي لم يرثها هو على هذا التعليل، وهو قول مالك في رسم حمل صبيا قبل هذا، ولو كان القيام عليه قبل موته لم يتوارثا إذ لم يراع في ذلك الاختلاف في اليمين، وهو مذهبه في المدونة؛ لأنه جعل عليها العدة ثلاث حيض فدل ذلك على أنه لا ميراث بينهما، ويأتي على ما في سماع أبي زيد من أنه لا يفرق بينهما إذا دخلا مراعاة الاختلاف أنهما يتوارثان أيضا مراعاة للاختلاف، وقد مضى في رسم إن خرجت ما فيه بيان لما ذكرناه وبالله التوفيق.

стр. 2737

[مسألة: يقول لامرأته أنت طالق إلى سنة إلا أن يبدو لي ألا أطلقك] مسألة وسئل مالك عن الذي يقول لامرأته أنت طالق إلى سنة إلا أن يبدو لي ألا أطلقك أو يقول لعبده أنت حر إلا أن يبدو لي ألا أعتقك، فهذا كله سواء الأجل وغير الأجل في هذا سواء أراها طالقا وأراه حرا. قال محمد بن رشد: هذا كما قال وهو بين لا اختلاف فيه لأن قوله في الطلاق والعتق بعد أن أوقع ذلك على نفسه معجلا أو إلى أجل: إلا أن يبدو لي بداء منه في الطلاق والعتق الذي أوجبه على نفسه وذلك لا يجوز له، ولو قال امرأتي طالق إن فعلت كذا وكذا إلا أن يبدو أو إلا أن أرى غير ذلك لكان ذلك له، وقد مضى في رسم أوصى القول بالاستثناء في مشيئة الله باليمين بالطلاق كله، وتدبر افتراق المعاني فيه تصب إن شاء الله. [حلف بالطلاق في خصومة بينه وبين رجل ألا يفارقه حتى يبلغ أقصى حقه] ومن كتاب البراءة وسئل عن رجل حلف بالطلاق في خصومة بينه وبين رجل ألا يفارقه حتى يبلغ أقصى حقه في خصومته معه فوجد شاهدا واحدا قيل له احلف مع شاهدك وخذ حقك فنكل عن اليمين. فقال إن كان حقا يعلمه فنكل فهو حانث وإن كان لا يعلم أحق هو أم باطل إلا بشهادة الشاهد من موروث وقع له أو لغيره فترك اليمين فهو أيضا حانث، وإن كان يعلم يقينا أنه لا حق له عليه وإنما أراد غيظه وأراد ألا يأخذ منه شيئا تلك نيته فترك اليمين فلا حنث عليه. قال محمد بن رشد: قد مضى القول على هذه المسألة مستوفى في رسم كتب عليه ذكر حق من سماع ابن القاسم فلا معنى لإعادته وبالله التوفيق.

стр. 2738

[مسألة: قول الرجل امرأته طالق ثلاثا إن لم أطلقها عند رأس الهلال واحدة] مسألة وسألت ابن القاسم عن الرجل يحلف بالطلاق البتة ليطلقها رأس الهلال واحدة ثم أراد أن يتعجل تلك التطليقة فيطلقها قبل رأس الهلال هل ترى ذلك يخرجه من يمينه إن فعل؟ أو قال أنت طالق واحدة إن لم أطلقك عند رأس الهلال واحدة، هل الواحدة أو البتة في ذلك سواء؟ . قال: إن طلقها قبل رأس الهلال التطليقة التي جعل عند رأس الهلال لم يكن عليه إلا تطليقة واحدة، ولو لم يطلقها أيضا كانت طالقا واحدة ساعة تكلم بذلك ولم يؤخر إلى رأس الهلال ولو أبى إذا حلف بالله وقف فقيل له إما أن تطلق الساعة واحدة أو طلقت عليك البتة. قال محمد بن رشد: ﵁ في قول الرجل امرأته طالق ثلاثا إن لم أطلقها عند رأس الهلال واحدة، ثلاثة أقوال: أحدها قول ابن القاسم هذا إنه إن عجل عليه التطليقة التي جعل عند رأس الشهر [لم يكن عليه غيرها يأتي على مذهبه في المدونة في الذي يقول امرأتي طالق إن لم أطلقها أنه يعجل عليه الطلاق، والثاني أنه إن عجل الطلقة التي جعل عند الشهر لم يلزمه غيرها وإن أبى أن يعجلها ترك ولم يوقف على الطلاق، فإن لم يطلق حتى يحل الشهر بانت منه بالثلاث، وهو قول أصبغ وسحنون، وعليه يأتي ما في سماع أبي زيد من كتاب التخيير والتمليك؛ والثالث أنه لا يوقف حتى يأتي الشهر فيبر بالطلاق عنده أو يحنث، وإن عجل التطليقة قبل أن يأتي الشهر] لم يخرجه ذلك من يمينه ولم يكن له بد من أن يطلق عند رأس الهلال وإلا حنث، وهو قول المغيرة، وقد مضى تحصيل القول وبيانه في هذه المسألة في رسم حلف من سماع ابن القاسم من

стр. 2739

كتاب التخيير والتمليك وفي رسم أوصى من سماع عيسى منه حاشى قول المغيرة هذا، وبالله التوفيق. [مسألة: ضايقه أبوه في شيء فحلف بالطلاق ألا يدخل تلك القرية سنة إلا عابر سبيل] مسألة وقال ابن القاسم في رجل ضايقه أبوه في شيء وكان ساكنا معه في قرية فحلف بالطلاق ألا يدخل تلك القرية سنة إلا عابر سبيل، فقدمها مجتازا فبات ليلة ثم أصبح غاديا أو قدمها في أول النهار فرحل عنها من يومه أو مع الليل أو بعد العصر. قال: إن كان وجهه حين مر بها لغيرها لم يتعمد في الخروج إلى ذلك الموضع إرادة المرور بها إلا لحاجته إلى موضع غيرها ثم نزل بها مجتازا فلا بأس بما أقام إذا كان لا يقيم إلا كما يقيم المسافر لصلاح حاجته وما لا بد له كما يصنع الناس في المناهل، وليس في ذلك وقت إذا لم تكن إقامته للمنزل خاصة، وإن أراد الإقامة فلا بأس أن يتباعد عنها. وحد ما يتباعد الخمسة أميال والعشرة ونحوها. قال محمد بن رشد: قوله إنه إذا حلف ألا يدخل القرية إلا مجتازا فلا بأس عليه في إقامته بها لصلاح حاجته إذا مر عليها مجتازا عليها إلى غيرها صحيح بيّن في المعنى لا اختلاف فيه، ولا حد على ما ذكر ولو حبسه بها كريه اليوم بعد اليوم لم يحنث ما لم ينو أن يقيم بها إقامة تلزمه إتمام الصلاة بها، وأما قوله: إذا أراد الإقامة بها فإنه يتباعد عنها الخمسة الأميال والعشرة أميال ونحوها فقد مضى في رسم الطلاق الأول من سماع أشهب ما في حد ذلك من الاختلاف فلا معنى لإعادته وبالله التوفيق. [قال لختنه زوج ابنته إني أسألك حاجة فاحلف لي بالطلاق أن تقضيها] وفي كتاب الجراب وسألته عن رجل قال لختنه زوج ابنته إني أسألك حاجة

стр. 2740

فاحلف لي بالطلاق أن تقضيها، فحلف بطلاق امرأته البتة أن يقضيها، فقال له: طلق ابنتي فطلقها واحدة، فقال الأب: إنما أردت البتة كيف الأمر في هذا؟ قال ابن القاسم: القول قول الختن وهي البتة إذا كان كلامه ذلك كلاما واحدا كما ذكرت على المراجعة والنسق، وهي طالق على كل حال ثلاثا قد حلف له بالبتة ليفعلن وقد أراد الأب البتة حين راجعه في كلامه فقال إنما أردت البتة، وإنما سألتك البتة فهي البتة وإن افترقا وتداعيا بعد ذلك فقال الزوج: إنما سألتني واحدة وقد طلقتها، وقال الأب بل سألتك البتة فالقول قول الزوج والبينة على الأب؛ لأنه مدعى عليه بطلاق البتات، والزوج منكر فالقول قول الزوج ويحلف. قيل لسحنون ما تقول في عبد قال لسيده إني أسألك حاجة أفتقضيها لي؟ قال: نعم، فقال له العبد: فاحلف لي أن تقضيها لي، فقال له السيد: امرأته طالق إن لم أقضها لك، فقال له العبد: فاعتقني. قال: لا يلزمه عتقه وليس بحانث لأن هذه ليست من الحوائج التي يقضيها الناس، ولا يسألونها، قيل له: فلو قال له العبد لما أسعفه المولى بقضاء حاجته قال ما أقول لك؟ فقال المولى: امرأته طالق إن لم أقل ما تقول، قال العبد: قل أنت حر، قال أراه حانثا إن لم يقل كما قال العبد؛ إلا أن يستثني السيد بيمينه إلا أن تقول أنت حر. قال محمد بن رشد: لم يتكلم ابن القاسم على مسألة سحنون في الذي استحلف سيده بالطلاق أن يقضي له حاجته، فلما حلف له قال اعتقني ويشبه ألا يخالفه ابن القاسم فيها لأن المسألتين مفترقتان بأن العبد

стр. 2741

سأل العتق لنفسه ولم يسأله له غيره، وسأل الطلاق للمرأة غيرها ولم تسأله هي لنفسها؛ لأن من أعتق لا يقال له في عرف التخاطب إنه قضيت له حاجة بعتقه، وكذلك الطلاق لأنهما أعلى بأن يسميا حاجة في حق المعتق والمطلقة، وإنما يصح أن يسميا حاجة في حق من سأل ذلك لهما لغرض يكون له فيه، قال الله : ﴿وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا﴾ [يوسف: ٦٨] . وأما سحنون فساوى بين المسألتين، وذلك أن له في كتاب ابنه في مسألة ابن القاسم أن الزوج لا يلزمه الطلاق وإن قال: لم أظن أنك تسألني مثل هذا؛ لأن هذا ليس من الحوائج التي يتعارف الناس سؤالها إلا أن يكون جرى من الكلام ما يظن أنه أراد بحاجته الطلاق. وذهب ابن دحون إلى أن يرد قول ابن القاسم إلى قول سحنون فقال: إنما ألزمه ابن القاسم الطلاق لأنه أسعفه فيما سأله، ولو قال له ليست هذه من الحوائج التي تنقضي لما لزمه شيء على ما فسره سحنون في مسألة العبد. والصواب أن ابن القاسم يوافق سحنون في مسألة العبد ويخالفه فيما له في كتاب ابنه في مسألة الطلاق للفرق الذي ذكرناه بين المسألتين والله تعالى الموفق. والظاهر من قول سحنون أن السيد إذا استحلفه العبد بالطلاق أن يقول مثل قوله، فقال له العبد: قل أنت حر، فإنه إن قال ذلك لزمته حرية العبد، وان لم يقله لزمه طلاق امرأته، وهذا يأتي على القول بأن العتق يلزم باللفظ دون النية، وعليه يأتي قول أشهب في مسألة ناصح ومرزوق من كتاب العتق الأول من المدونة، وعلى قول القاسم لا يلزمه الحرية وإن قال ذلك إلا أن يقوله وهو يريد بذلك الحرية على طريقة الإسعاف وبالله التوفيق.

стр. 2742

[مسألة: عبد قال كل امرأة أتزوجها ما دمت عبدا فهي طالق] مسألة وسألته عن العبد يقول كل امرأة أتزوجها ما دمت عبدا فهي طالق، أو يقول كل امرأة أنكحها في أرض الإسلام فهي طالق، والحر يقول كل امرأة أتزوجها فهي طالق. قال ابن القاسم: أما العبد الذي قال كل امرأة أتزوجها ما دمت عبدا فهي طالق، فإن ذلك يلزمه لأن ذلك أجل، بمنزلة الذي يقول كل امرأة أتزوجها ما دامت أمي حية فهي طالق فهو على مثل ما قال؛ لأن ذلك أجل فهو بمنزلة أو أشد، فإن قلت إن ذلك حرم النساء كلهن ما دام عبدا فليس له أن يحرم النساء جميعا، فإن هذا أيضا قد حرم النساء جمعا ما دامت أمه باقية، وإنما لزمهما ذلك من قبل أنه أجل حياة أمه والحرية كأنها أجل إلا أن يخاف العنت ولا يقدر على التسرر فلا بأس أن ينكحها، وأما الذي قال كل امرأة أتزوجها بأرض الإسلام فإن كان يقدر على الدخول في أرض الحرب فعل وإلا لم أر بأسا أن ينكح، وأما الذي قال كل حرة أتزوجها بأرض الإسلام فهي طالق فهو كما قال قد حرم عليه الحرائر لأنه قد أبقى لنفسه من النساء الإماء ونكاح الإماء له حلال. قال محمد بن رشد: هذه مسألة صحيحة على ما بني عليه أصل المذهب من أن من حلف بطلاق ما يتزوج فحنث أو طلق ذلك من غير يمين يلزمه إذا خص ولا يلزمه إذا عم، والتخصيص يكون بالأعيان وبالأزمان وبالبلدان وبالانتساب فمن التخصيص بالأعيان أن يخص الحرائر دون الإماء أو الإماء دون الحرائر أو الأبكار، دون الثيب والثيب دون الأبكار، ومن التخصيص بالأزمان أن يقول كل امرأة أتزوجها إلى أجل كذا وكذا مما يبلغه عمره على ما مضى في رسم الرهون وغيره أو ما دمت عبدا

стр. 2743

أو ما دام فلان حيا وما أشبهه ذلك، فهذا يلزمه إلا أنه يباح له التزويج إن خشي العنت على نفسه ولم يكن له من المال ما يتسرر به؛ لأنه قد حرم على نفسه جميع النساء في هذه الحال، ومن التخصيص بالبلدان أن يقول كل امرأة أتزوجها في مصر أو فيما عدا مصر وما أشبه ذلك، ومن ذلك أن يقول كل امرأة أتزوجها بأرض الإسلام فهي طالق وهو يقدر على الدخول في أرض الحرب، إلا أن هذا يختلف فيه، فقال ابن القاسم هو تخصيص يلزمه، وقال أصبغ ليس بتخصيص فلا يلزمه، كمن استثنى عددا يسيرا من النساء أو من قرية صغيرة، وأما إن كان لا يقدر على الدخول إلى أرض الحرب فلا يلزمه لأنه كالعموم، وقد اختلف فيمن استثنى نسوة سماها عشرا أو نحوها، فقال ابن القاسم: فهو كالعموم لا يلزمه ذلك، وقال مطرف: إن كان فيما استثنى أيضا لا زوج لها يحل له نكاحها في الحال لزمته اليمين، وقال ابن الماجشون: إن كان فيمن استثنى يحل له نكاحها يوما بعد زوج أو بعد طلاق زوج، وإن لم يكن فيهن من يحل له نكاحها في هذه الحال لزمته اليمين، قال ابن حبيب: وقول ابن القاسم رخصة وتوسعة، وقول مطرف استحسان، وقول ابن الماجشون هو القياس وبالله التوفيق. ومن التخصيص بالأنساب أن يقول كل امرأة أتزوجها من قريش أو إلا من قريش وما أشبه ذلك وبالله التوفيق. [قال لامرأته إن أمكنتني من حلق رأسك فلم أحلقه فأنت طالق البتة] ومن كتاب إن أمكنتني من حلق رأسك قال ابن القاسم في رجل قال لامرأته إن أمكنتني من حلق رأسك فلم أحلقه فأنت طالق البتة، قلت فإن أراد أن يحلق بعد ذلك وأمكنته امرأته قال: لا ينفعه ذلك وقد حنث، وقاله ابن وهب. قال محمد: هذا بين على ما قال لأنه علق الحلق، بالتمكين في يمينه وأوجب الطلاق على نفسه بتركه الحلق بعد

стр. 2744

التمكين فوجب أن يحنث إذا أمكنته فلم يحلق، كما لو قال أنت طالق إن أمكنتني من حلتا رأسك لأحلقنه، فأمكنته فلم يحلق ثم أمكنته مرة أخرى فحلق لبر في يمينه، وإن لم تمكنه من الحلق لم يكن له أن يطأها حتى يحلق رأسها، فإن طلبته بحقها في الوطء ضرب له أجل الإيلاء فإن حل الأجل ولم يحلق طلق عليه بالإيلاء، وإن حلق في الأجل بر في يمينه وسقط عنه الإيلاء، وإن لم تطلبه بحقها في الوطء ولا حلق حتى مات أحدهما توارثا. لأن الحنث لا يقع عليه إلا بعد الموت إلا أن ينوي ليحلقن رأسها ساعة أمكنته من ذلك فيحنث بذلك، وقد قيل إنه محمول على التعجيل حتى يريد التأخير، والأول هو المشهور في المذهب، ولا فرق بين أن يقول الرجل امرأتي طالق إن لم أحلق رأسها وبين أن يقول امرأتي طالق لأحلقنه إن أمكنتني فأمكنته إذا لم يرد بذلك التعجيل، يبين هذا الذي ذكرناه قول مالك في أول سماع أشهب من كتاب النذور في الذي حلف إن أبق عبده ليضربنه فأبق فلم يضربه ثم أبق مرة ثانية فضربه أنه يبر بذلك وبالله التوفيق. [مسألة: قال الرجل لامرأته أنت طالق يوم يجيء أبي] مسألة وقال مالك إذا قال الرجل لامرأته أنت طالق يوم يجيء أبي فإنه يمس امرأته حتى يجيء أبوه فإن جاء أبوه طلقت عليه. قال محمد بن رشد: وهذا كما قال، ومثله في المدونة وغيرها وهو مما لا اختلاف فيه لأنه طلاق إلى أجل قد يكون وقد لا يكون، ولو طلقها إلى أجل لا بد أن يكون مثل أن يقول امرأتي طالق إذا مات فلان أو يموت فلان لعجل عليه الطلاق، واختلف إذا طلقها إلى أجل الأغلب منه أن يكون مثل أن يقول امرأتي طالق إذا حاضت فلانة وهي في سن من تحيض، فقال ابن القاسم يعجل عليه الطلاق، وقال أشهب لا يعجل عليه،

стр. 2745

واختلف في ذلك أيضا قول مالك وبالله التوفيق. [مسألة: قال المدين قد قضيتك فإذا أنكرت فأنا آتيك بحقك غدا فحلف له بالطلاق] مسألة وسئل عن رجل كان عليه خراج أرض فتعلق به فتحمل به رجل فغاب المتحمل به، فتعلق بالحميل فأتى بثلث دينار، فقيل له إن على صاحبك نصف دينار، فقال: لا والله لا أعرف إلا ثلث دينار، قيل له: اغرم السدس، فقال أنا آتيكم به غدا، قيل له احلف لنا بطلاق امرأتك أن تأتينا غدا بسدس دينار أو بصاحبنا، فحلف بالطلاق فخرج من عنده، فلما كان بالباب لقيه متقاضي الخراج الذي دونه، فشكى إليه وأخبره، فقال: لا والله ما على صاحبك إلا ثلث دينار، فارجع معي فرجع معه إلى الذي استحلفه، فقال له: لم ألزمت هذا بنصف دينار وليس على صاحبه إلا ثلث دينار؟ فقال له صاحبه الذي استحلفه: اذهب ليس عليك شيء، فخرج من عنده وذهب الأجل ولم يقضه. قال: أراه قد حنث، قال: وكذلك لو أن رجلا تعلق برجل في حق له فقال له: قد قضيتك، وقال صاحب الحق: ما قضيتي، فقال المطلوب: أما أنا فقد قضيت، فإذا أنكرت فأنا آتيك بحقك غدا، فحلف له بالطلاق، ثم نظر صاحب الحق في كتاب تقاضيه أو ذكر أنه قد تقاضاه منه، فقال له: اذهب ليس لي عليك شيء قد وجدت ما ادعوت عليك باطلا أنه لا يخرجه من يمينه إلا أن يوفيه الحق وإلا حنث، ثم يرده عليه. قلت فإن قامت للحالف بينة أنه قد قضاه ذلك الحق؟ قال: لو شهد له أبو شريح وسليمان بن القاسم لم يخرجه من يمينه حتى يوفيه الحق ثم يرده إليه.

стр. 2746

قال ولقد بلغني عن مالك في رجل أسلف أخاه عشرة دنانير، واتخذ عليه طلاق امرأته أن يوفيه إلى شهر فمات أخوه المسلف قبل الشهر وليس له وارث إلا أخوه الحالف المستسلف، قال: أرى أن يأتي السلطان فيقضيها إياه ثم يردها عليه، قلت أفترى أنت ذلك؟ قال: نعم، إني لأستحسنه قلت: فلو لم يفعل أكنت تراه حانثا؟ قال: أحب أن يفعل، ولو وقع لم أره حانثا، وكذلك الذي يشتري الرأس ويكون ثمنه إلى أجل فيحلف بالطلاق أن يوفيه الثمن إلى أجل فيجد بالعبد عيبا يرد به أو يستحق بيديه قبل الأجل أنه لا يخرجه من يمينه حتى يوفيه الثمن إلى أجل فيعثر على البيع فيفسخ قبل الأجل لم يخرجه من يمينه حتى يوفيه ما حلف له عليه. قال ولو كان أعطاه درهما في درهمين إلى أجل ثم حلف بالطلاق أن يوفيه إلى الأجل ففسخ البيع بينهما قبل الأجل لم يخرجه من يمينه حتى يوفيه ما حلف له عليه ثم رعه إليه. قال محمد بن رشد: هذه المسائل كلها من شرح واحد فجرى فيها على أصل واحد وحملها على ما يقتضيه اللفظ ولم يراع في شيء منها المعنى الذي يظهر أن الحالف قصد إليه في يمينه وإن كان في بعضها أبين منه في بعض ما أذكر، أما الحميل الذي حلف ليعطين النصف الدينار الذي ادعى عليه من قبل المتحمل عنه، والغريم الذي حلف ليقضين الحق الذي ادعى عليه أنه لم يقضه فالمعنى فيهما جميعا سواء، وذلك أن كل واحد منهما حلف ليؤدين ما ادعى عليه به وهو يعلم أنه لا شيء عليه من ذلك، فالمعنى في يمين كل واحد منهما أنه إنما حلف ليؤدين إلى المحلوف له ما يدعي أن له قبله ليتخلص من دعواه ومطالبته إياه، فوجب على مراعاة المعنى إذا أقر أنه لا حق له قبله ولا مطالبة له عليه ألا يحنث إن لم يدفع إليه ما كان يدعيه قبله إذ قد برئ منه وتخلص من مطالبته إياه

стр. 2747

بإقراره أنه لا حق له ووجب على ما يقتضيه لفظ يمينه من أنه حلف ليدفعن إليه ما يدعيه قبله إن حنث لا سيما وهو إنما حلف ألا يدفعن ذلك إليه وهو يعلم أنه لا شيء له قبله منه، وأما الذي اشترى العبد بثمن إلى أجل فيحلف أن يؤدي الثمن إلى ذلك الأجل فيجد به عيبا يجب به رده فالمعنى في يمينه أنه حلف ليؤدين حقا عليه فيما يظن فوجب على مراعاة المعنى إذا وجد عيبا وسقط عنه الثمن ألا يحنث إذا لم يدفع إليه الثمن إلى الأجل إذا لم يحلف أن يتطوع بدفع ما ليس عليه ووجب على ما يقتضيه لفظ يمينه من أنه حلف ليدفعن إليه الثمن إلي الأجل أن يحنث إن لم يدفعه إليه حتى حل الأجل، والحنث في هذه أبين منها في المسألتين اللتين قبلها لأن الثمن إنما سقط عنه باختياره إذ لو شاء أن يلتزم العيب لالتزمه ولعله قد كان مغتبطا وإنما ردة فرارا من القضاء الذي عليه، ومن أصولهم أن الحنث يدخل بأقل الوجوه وقد تقدمت هذه المسألة في رسم إن خرجت وأما المتسلف الذي حلف ليؤدين السلف إلى الذي أسلفه إياه إلى أجل فمات المسلف قبل الأجل والحالف المستسلف وارثه فلا اختلاف في أن اليمين قد سقطت عنه سقوط السلف الذي حلف ليقضيه إلى الأجل، واستحسان مالك أن يقضي السلطان ثم يرده عليه ضعيف؛ لأن دفعه إليه على أن يأخذه منه لغو لا فائدة فيه ولا معنى، ولا هو من الذي حلف عليه لا في لفظ ولا في معنى؛ إذ لم يدفع إلى من حلف ليدفعن إليه ولا حقا واجبا هو عليه، وأما الذي يشتري السلعة بثمن إلى أجل فيحلف ليؤدين الثمن إلى ذلك الأجل فيوجد البيع حراما أو تستحق السلعة فإن كان الحالف عالما بفساد البيع أو أن السلعة ليست للبائع، دخل في ذلك الاختلاف الذي ذكرناه في المسألتين الأولتين يحنث علي مراعاة اللفظ إلا أن يدفع الثمن ثم يرده إليه، وليس معنى ذلك أن يدفع إليه على أن يرده عليه لأن الدفع على هذا الوجه ليس بدفع، وإنما معناه أن يدفعه

стр. 2748

إليه على ما حلف عليه ليبر في يمينه دون شرط، فإن رده إليه قبله منه، وإن أبى أن يرده عليه فقام عليه فيه حلف أنه لم يرده عليه إلا وهو ينوي أن يقوم عليه فيأخذه منه إذا خلص من يمينه ولا يحنث على مراعاة المعنى، وأما إن لم يكن عالما بفساد البيع ولا بأن السلعة ليست للبائع فالأظهر سقوط اليمين عنه بسقوط الثمن عنه بالاستحقاق أو بالفساد قياسا على مسألة السلف، وقد قيل إن اليمين لا تسقط عنه ويحنث إن لم يدفع ما حلف بدفعه إلي الذي حلف ليدفعنه إليه على مقتضى لفظه في اليمين وهو بعيد، والذي سلف دينارا في دينارين إلى أجل يحلف على قضائهما يجري على قياس هذا في التفرقة بين أن يعلم بحرام ذلك أو لم يعلم وبالله التوفيق. [مسألة: اتخذ عليه طلاق امرأته أن يوفيه المائة إردب السلف إلى الأجل] مسألة قال ولو أن رجلا سلف عشرة دنانير، في مائة إردب إلى أجل واتخذ عليه طلاق امرأته أن يوفيه المائة إردب إلى الأجل، فلما كان قبل الأجل قال: إني أخاف أن لا يكون عندي طعام فهل لك أن يقيلني أو تصالحني على أمر، فأقاله أو صالحه، ثم أخبر أنه قد لزمه الحنث ولا يخرجك ما صنعت من ذلك. فقال لصاحب الحق إنما أرد عليك ما صالحتك إن كان صالحه أو العشرة الدنانير التي أقلتك منها، ويكون الطعام لي عليك إلى أجله، فلا ينفعه ذلك وقد حنث؛ لأن هذا بيع حادث كل واحد منهما ملك أمره إن شاء فعل وإن لم يشأ لم يفعل؛ لأن الصلح وإلا قاله قد لزمتهما وليس لواحد منهما أن يرد ذلك وقد ثبت ذلك عليهما، وقد حنث صاحب اليمين ولا ينفعه أن يرد عليه ما أخذ منه، ويكون الطعام عليه إلى أجله، وكذلك قال مالك. قال محمد بن رشد: قوله لأن الصلح والإقالة قد لزمتهما وأن الذي صالح ليس له أن يرد ما صالحه كلام وقع على غير تحصيل، إذ لا يجوز

стр. 2749

قبل الأجل في الطعام المسلم فيه إلا الإقالة خاصة، فإذا صالح قبل الأجل على دنانير أقل أو أكثر من رأس المال أو على دراهم أو على عروض أو على طعام من صنف ما له عليه أقل أو أكثر أو من غير صنف ما له عليه فهو صلح حرام لا يحل ولا يجوز، ولا يحنث الحالف به لأن الطعام الذي حلف لنوفينه إلى الأجل ثابت عليه على حاله لا يسقط عنه بالصلح لأن الواجب فسخه وأن يرد عليه ما قبض منه من ذلك كله. وأما إذا أقاله من الطعام قبل الأجل على رأس ماله فقال هاهنا إنه قد حنث ومعنى ذلك إذا كانت الدنانير التي أخذ في رأس ماله ليس فيه وفاء بالطعام الذي كان عليه على ما مضى في رسم إن خرجت قبل هذا، وعلى معنى ما في المدونة حسبما بيناه في الرسم المذكور وبالله التوفيق. [مسألة: يقول لامرأتين له إنهما طالقتان إن دخلتما هذه الدار فدخلتها إحداهما] مسألة وقال ابن القاسم في رجل يقول لامرأتين له إنهما طالقتان إن دخلتما هذه الدار فدخلتها إحداهما: أنها طالقتان جميعا لأن مالكا قال في رجل قال لامرأتيه أنتما طالقتان إن دخلتما دار فلان ودار فلان فدخلت إحداهما الدارين إن الطلاق لزمه فيهما جميعا، أو قال لامرأتيه أنتما طالقتان إن مسستكما فمس إحداهما: قد لزمه فيهما جميعا، أو حلف بالطلاق إن أكل هذين القرصين فأكل واحدا إنه حانث إن أكل منهما شيئا وهو الذي سمعنا ورأينا، وأما قول من قال تطلق عليه واحدة منهما حتى تفعل الأخرى وأما أن تطلق التي دخلت منهما [فهذا ما لم يقله أحد من مشرقي ولا من مدني وإنما الذي قال أهل المشرق إنه لا يطلق عليه] واحدة منهما حتى تفعل الأخرى، وأما أن تطلق التي دخلت فهذا لا يستقيم. قال محمد بن رشد: لم يختلف قول مالك وهو قول أحد من

стр. 2750

أصحابه فيما علمت أن من حلف إلا يفعل فعلين ففعل أحدهما أو لا يفعل فعلا ففعل بعضه أنه حانث من أجل أن ما فعله من ذلك قد حلف ألا يفعله إذ هو بعض المحلوف عليه، واختلف قول ابن القاسم في الذي يقول لامرأتيه إن دخلتما الدار فأنتما طالقتان أو يقول لهما إن مسستكما فأنتما طالقتان وما أشبه ذلك على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه لا شيء عليه حتى يدخلا جميعا أو حتى يمسهما جميعا، وهو قوله في العتق الأول من المدونة. والثاني: أنهما يطلقان جميعا بدخول الواحدة منهما أو مسيس الواحدة منهما، وهو قوله ها هنا في هذه الرواية. والثالث: أنه تطلق التي دخلت أو التي مس منهما، وهو قوله في رسم الثمرة من سماع عيسى من كتاب العتق في الذي يقول لعبديه إن شئتما الحرية فأنتما حران فشاء أحدهما ولم يشأ الآخر، قال: من شاء منهما الحرية فهو حر وقوله أيضا في سماع أبي زيد من كتاب الصدقات والهبات في الذي يتصدق على الرجلين بعبد ويقول: إن قبلتما، فقبل أحدهما ولم يقبل الآخر قال: من قبل منهما كان له ما قبل، وهو قول أشهب في كتاب العتق الأول من المدونة وأنكره ها هنا وقال: إنه لم يقله مشرقي ولا مدني ولكل قول منهما وجه: فوجه القول الأول: التعلق بما يقتضيه اللفظ وعزاه ها هنا إلى أهل المشرق لأنه على أصولهم في الاقتصار في الأيمان على ما تقتضيه الألفاظ دون الاعتبار بالمعاني، ووجه القول الثاني: القياس الذي ذكره في الرواية، ووجه القول الثالث: مراعاة المعنى وهو أنه إنما أراد معاقبتهما على الدخول بالطلاق، أو معاقبة نفسه على المسيس بالطلاق فوجب أن تلحق العقوبة لمن دخل منهما، وأن تلحقه العقوبة فيمن مس منهما وبالله التوفيق.

стр. 2751

[مسألة: حلف لامرأته بالطلاق ألا يخرجها من منزلها إلا برضاها ورضا أخيها وأختها] مسألة وقال في رجل حلف لامرأته بالطلاق ألا يخرجها من منزلها إلا برضاها ورضا أخيها وأختها فرضيت المرأة أن تخرج مع زوجها وأبى الأخ والأخت، وقالت المرأة: إنما أخذتما هذا لي. قال: لا يخرج بها إلا بالاجتماع منهم على الرضى، قلت له: فإن أرادت أن تخرج زائرة وتقيم العشرة والعشرين؟ فقال: إن كان إنما كان أصل يمينه على النقلة فلا شيء عليه في الزيارة، وإن كان لم ينو شيئا فلا يخرجها. قال محمد بن رشد: قوله: إنه لا يخرج بها إلا بالاجتماع منهم على الرضى صحيح على ما أجمعوا عليه من أن الحنث يدخل بأقل الوجوه حسب ما ذكرناه في المسألة التي قبل هذه، فإن خروجه بها دون أن يرضى أحدهم كخروجه بها دون أن يرضى واحد منهم في وجوب الحنث عليه، ألا ترى أنه لو حلف ألا يدخل الدار حتى يأكل الرغيف لحنث إن دخل الدار قبل أن يستوعب أكل الرغيف، كما يحنث إن دخلها قبل أن يأكل منه شيئا، وهذا بين، ولو جعل أمرها بأيديهم إن أخرجها بغير رضاها لكان له أن يخرج بها إذا رضيت وقد مضى من بيان هذا والقول فيه في رسم حلف من سماع ابن القاسم في كتاب النكاح ما فيه كفاية وشفاء فأغنى ذلك عن إعادته هنا. وقوله: إنه لا يحنث بالزيارة وإن قامت فيها العشرة والعشرين، هذا نحو قول أشهب وأحد قولي أصبغ في أن من حلف ألا يساكن رجلا فزاره لا يحنث بالزيارة وإن طالت خلاف ما مضى في أول رسم يوصي، وقد مضى تحصيل القول في هذا المعنى في أول سماع يحيى من كتاب النذور فلا معنى لإعادته والعلم لله.

стр. 2752

[مسألة: يقول للمملوكة إن تزوجتك فأنت طالق فاشتراها] مسألة وسئل ابن القاسم عن الذي يقول للمملوكة إن تزوجتك فأنت طالق فاشتراها، فقال: لا بأس أن يطأها وكذلك إن قال إن اشتريتك فوطئتك فأنت حرة وأنت علي كظهر أمي فتزوجها فإنه يطأها ولا شيء عليه. قال محمد بن رشد: هذا كما قال؛ لأن الطلاق ليس من ألفاظ الحرية فالحرية ليست من ألفاظ الطلاق، فإذا قال الرجل: أنت حرة فلا تكون طالقا إلا أن يكون أراد بذلك الطلاق، وإذا قال لأمته: أنت طالق فلا تكون حرة إلا أن يكون أراد بذلك الحرية، واختلف إن قال لامرأته: أنت حرة مني ففي الثمانية أنها طالق البتة وإن لم ينو بذلك الطلاق وفي التخيير والتمليك من المدونة لابن شهاب أنه يحلف ما أراد بذلك الطلاق ولا يلزمه طلاق، وكذلك على قياس هذا لو قال لأمته: أنت طالق مني وكذلك التزويج ليس من ألفاظ التسري والشراء ليس من ألفاظ التزويج، فإذا قال الرجل للرجل: قد بعتك ابنتي أو أمتي بكذا وكذا لا يكون ذلك نكاحا إلا أن يكون أراد بذلك النكاح، وإذا قال في أمته قد زوجتك أمتي بكذا وكذا لا يكون ذلك بيعا إلا أن يكون أراد بذلك البيع، فصح بما ذكرناه أن من قال في مملوكة إن تزوجتها فهي طالق أنه لا شيء عليه إن اشتراها إلا أن يكون أراد بذلك إن اشتريتها فهي حرة، وأما من قال: إن اشتريتك فأنت حرة فلا شيء عليه إن تزوجها إلا أن يكون أراد بذلك إن تزوجتها فهي طالق وبالله التوفيق ولا رب غيره. [قال لامرأته أنت طالق البتة إن صالحتك فصالحها] ومن كتاب القطعان قال عيسى وسألت ابن القاسم عن الرجل يحلف بطلاق امرأته واحدة على أن يصالحها فصالحها هل يرد ما أخذ منها في الصلح؟ قال ابن القاسم: لا يرد ذلك عليها وهو بمنزلة من قال

стр. 2753

لغلامه: إن قاطعتك إلى سنة فأنت حر فقاطعه قبل السنة أنه حر ولا يرد عليه شيئا، قال ابن القاسم: ولو قال لامرأته أنت طالق البتة إن صالحتك فصالحها فإنها تطلق عليه بالبتة، ويرد عليها ما أخذ منها في الصلح وهو بمنزلة من قال لغلامه إن قاطعتك فأنت حر ولم يقل إلى سنة فقاطعه فإنه حر ويرد عليه ما أخذ منه. قال عيسى: وإنما فرق بينهما لأنه حين قال لها: أنت طالق واحدة إن صالحتك فصالحها حنث فيها بتطليقه اليمين ثم وقعت عليه طلقة الصلح وهي في عدة منه يملك رجعتها لو شاء، فأخرج من يده ما كان يملك من رجعتها بالذي أخذ منها بالصلح، فلذلك لم يرد ذلك عليها، وأنه إذا قال: أنت طالق البتة فصالحها فإنها تطلق بالبتة ثم يقع الصلح وليست منه بامرأة فأخذ منها ما أخذ بغير شيء يخرجه من يديه، فلذلك يرد ذلك عليها وكذلك حين قال لغلامه: إن قاطعتك إلى سنة فأنت حر فقاطعه قبل السنة فله ما أخذ للذي يعجل للعبد من العتق قبل السنة، وإذا قال: إن قاطعتك فأنت حر، فقاطعه فهو حر ويدفع إليه ما أعطاه لأنه لم يتعجل هاهنا العتق قبل أجل كان ضربه كما فعل في الأول، فهذا فرق ما بينهما. قال محمد بن رشد: أما الذي يحلف بطلاق امرأته واحدة يريد وقد دخل بها ألا يصالحها فيصالحها فلا خلاف في أنه لا يرد عليها ما أخذ منها في الصلح كما قال، وتمثيله ذلك بالذي يقول لغلامه إن قاطعتك إلى سنة فأنت حر فقاطعه قبل السنة أنه حر ولا يرد عليه شيئا صحيح أيضا على المعنى دون اللفظ؛ لأنه قال فيه إن قاطعتك إلى سنة فأنت حر، والصواب إن قاطعتك فأنت حر إلى سنة وعلى هذا يصح التمثيل وهو الذي أراد، وأما على ما وقع من قوله إن قاطعتك إلى سنة فأنت حر فلا يصح التمثيل لأن الجواب على هذا في مذهبه إنما هو أن يكون حرا في الوقت إن قاطعه

стр. 2754

قبل السنة، ويرد عليه ما أخذ منه، كقوله: إن قاطعتك فأنت حرة؛ لأنه لما قاطعه قبل السنة كان ما أخذ منه في القطاعة بعد وجوب الحرية له على مذهبه الذي ذهب إليه، وأما إذا قال لامرأته: أنت طالق البتة أو أنت طالق واحدة وهي غير مدخول بها إن صالحتك فصالحها فذهب ابن القاسم إلى أنه يجب عليه أن يرد عليها ما أخذ منها بالمصالحة بمنزلة من قال لعبده: أنت حر ولم يقل إلى سنة إن قاطعتك فقاطعه أنه يرد عليه ما أخذ منه في المقاطعة، وحكى البرقي عن أشهب أنه لا يرد في ذلك على الزوجة شيئا مما أخذ في الصلح ولا على العبد شيئا مما أخذ منه في المقاطعة. قال: وكان يعجب بها ويقول: إنما رضي بالحنث لمكان ما أخذ منها، وكذلك أقول إنه الصحيح في النظر والقياس؛ لأنه إذا قال لامرأته أنت طالق البتة إن صالحتك فصالحها إنما يقع الطلاق عليه بالمصالحة التي جعلها شرطا لوقوعه فكانت المصالحة هي السابقة للطلاق إذ لا يكون المشروط إلا تابعا لشرطه، فإذا كانت المصالحة سابقة للطلاق مضت ولم يجب على الزوج رد ما أخذ منها، وبطل الطلاق واحدة كان أو ثلاثا لوقوعه بعد الصلح في غير زوجة، وكذلك القول في قول الرجل لعبده أنت حر إن قاطعتك تمضي المقاطعة إن قاطعه لتقدمها الحرية. ووجه ما ذهب إليه ابن القاسم على ما فسره عيسى أنه جعل الطلاق سابقا للمصالحة، فإن كان الطلاق واحدة في المدخول بها مضت المصالحة لوقوعها في العدة وملكت المرأة بها نفسها، وإن كان الطلاق واحدة أو ثلاثا في التي لم يدخل بها بطلت ورد الزوج ما أخذ فيها لأنها وقعت فارغة في غير زوجة، وهذا منكسر من قوله إذ لو تقدم الطلاق المصالحة لوجب أن يقع عليه بالمصالحة طلقة بائنة إذا كان الطلاق واحدة في التي قد دخل بها وهذا ما لا يقوله هو ولا غيره. وجعل ابن القاسم في هذه المسألة الشرط تابعا للمشروط إنما بناه والله أعلم على قول مالك فيمن قال لعبده إن بعتك فأنت حر فباعه أنه حر على البائع، وليس ذلك بصحيح؛ لأن قول مالك في هذه المسألة

стр. 2755

استحسان على غير قياس، والقياس فيها قول من قال: إنه لا شيء على البائع لأن العتق إنما وقع من البائع بعد حصول العبد للمشتري بالشراء، وإنما ينبغي أن تقاس هذه المسألة على قولهم فيمن قال إن اشتريت فلانا فهو حر أو إن تزوجت فلانة فهي طالق أن الحرية تلزمه بالشراء والطلاق بالتزويج لوقوع الحرية بعد الشراء والطلاق بعد النكاح على الأصل الصحيح في وقوع المشروط عقيب الشرط وبالله التوفيق. [مسألة: قال لامرأته إن أنت خرجت من عتبة الباب فأنت طالق ثلاثا] مسألة قال عيسى: وحدثني ابن وهب عن ابن شعبان قال: بلغني أن ابن عمر وسعد بن أبي وقاص استفتاهما رجل قال لامرأته إن أنت خرجت من عتبة الباب فأنت طالق ثلاثا، قال فأخرجت إحدى رجليها وحبست الأخرى ثم أدخلت التي أخرجت فقالا له: قد حرمت عليك لا تحل لك حتى تنكح زوجا غيرك، قال عيسى: وقال ابن القاسم مثله. قال محمد بن رشد: لم يفرق ابن القاسم في هذه الرواية ولا ابن عمر وسعد بن أبي وقاص فيما ذكر عنهما في هذه الحكاية بين أن يكون اعتمادها على الرجل الذي أخرجته من العتبة أو على الرجل الذي لم تخرجه فحمله أصبغ وغيره على عمومه في كل حال، ويحتمل أن يحمل قولهم على أنها اعتمدت عليهما معا أو على التي أخرجت لأن ابن حبيب حكى عن ابن الماجشون أنه إن كان اعتمادها على الرجل التي أخرجت فقد حنث، وإن كان اعتمادها إنما كان على الرجل التي لم تخرجه فلا حنث عليه، وهو جيد من قوله، إلا أنه قال: لا يحنث إن كان اعتمادها عليهما جميعا، وهو بعيد؛ لأنا إن حملنا قول ابن عمر وسعد بن أبي وقاص

стр. 2756

وابن القاسم على أنهم رأوا الطلاق قد وقع على الحالف بإخراج رجلها من العتبة وإن كانت لم تعتمد عليه لزمنا عليه أن يوجب الحنث بإخراج يدها من العتبة وهو بعيد، وقد قال ابن الماجشون أنه لا يحنث وإن أخرجت [رأسها وصدرها إذا كان اعتمادها على رجليها في داخل العتبة بخلاف العتبة إذا كانت راقدة لأنها حينئذ يكون اعتمادها على يديها فيحنث إذا أخرجت صدرها ورأسها ولا يحنث إذا أخرجت رأسها ورجليها وهي] راقدة، وبالله التوفيق. [مسألة: حلف الذي عليه القمح بالطلاق أن يوفيه صاحبه إلى الأجل ثم أقاله] مسألة وسئل عن الرجل يكون له على الرجل قمح من تسليف كان سلفه إياه وقد حلف الذي عليه القمح بالطلاق أن يوفيه صاحبه إلى الأجل، ثم أقال صاحب القمح الذي عليه القمح قبل الأجل. قال ابن القاسم: إن كان الذي أقاله به هو مثل ثمن القمح قبل الأجل حين يقيله فلا حنث عليه. وقال أشهب مثله. قال محمد بن رشد: قد مضت هذه المسألة في الذي قبل هذا وفي رسم إن خرجت، فلا وجه لإعادته، وبالله التوفيق. [مسألة: قال لعبده إن لم أبعك فامرأته طالق البتة فمات العبد أو أبق] مسألة وقال ابن القاسم: في رجل قال لعبده إن لم أبعك فامرأته طالق البتة فمات العبد أو أبق. قال: أما الموت فإنه إن لم يكن فرط في بيعه حتى مات العبد فلا شيء عليه، وإن كان فرط في بيعه حتى لو شاء أن يبيعه

стр. 2757

قبل أن يموت باعه ففرط في ذلك حتى مات العبد فهو حانث. قال: وأما الإباق فإن رفعت المرأة أمرها إلى السلطان ضرب له أجل المولي أربعة أشهر من يوم ترفع ذلك إليه، فإن أخذ العبد فباعه قبل الأربعة أشهر فقد بر، وإن لم يقدر على العبد حتى مضت الأربعة الأشهر طلق عليه طلاق الإيلاء واحدة، فإن وجد العبد وباعه في العدة ارتجع، وإن لم يقدر على العبد حتى خرج من العدة فلا رجعة له عليها. هذه مسألة صحيحة بينة على معنى ما في المدونة وغيرها وستأتي متكررة في سماع أبي زيد فلا وجه للقول فيها، وبالله التوفيق. [مسألة: قال لامرأته إن لم أتزوج عليك فأنت طالق البتة] مسألة وسئل ابن القاسم عن رجل قال لامرأته إن لم أتزوج عليك فأنت طالق البتة ثم قال لها: إن تزوجت عليك فتلك المرأة طالق البتة. قال: أراها الساعة طلقت عليه بالبتة إلا أن يشاء أن تدع ذلك وتقيم معه لا يطأها ولا ينظر إلى شعرها فإن رفعت أمرها طلقت مكانها. قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأنه على حنث ولا يقدر على البر فلا سبيل له إلى وطء امرأته أبدا، فإن رضيت أن تبقى معه بغير وطء بقيت وان رفعت أمرها وسألته الوطء طلقت مكانها ولم يضرب له أجل الإيلاء إذ لا يقدر على الفيء، وقال: إنه يضرب له أجل الإيلاء ولا يجوز له الوطء لعلها أن ترضى بالبقاء معه على غير وطء فإذا حل أجل الإيلاء ولم ترض بالمقام معه على غير وطء طلق عليه بانقضائه، والقولان قائمان

стр. 2758

من المدونة من كتاب الإيلاء وهذه المسألة تمام مسألة رسم أوصى فيما تقدم وبالله التوفيق. [مسألة: يحلف لامرأته بطلاقها البتة ليتزوجن عليها إلى شهر فيتزوج قبله] مسألة وسئل عن الذي يحلف لامرأته بطلاقها البتة ليتزوجن عليها إلى شهر فيتزوج قبل الشهر ويدخل بها بعد الشهر. قال: أراه حانثا وإنما التزويج المسيس. قال محمد بن رشد: هذه مسألة صحيحة على أصولهم في أن البر لا يكون إلا بأكمل الوجوه، وقد مضت والقول فيها في رسم لم يدرك من سماع ابن القاسم فلا معنى لإعادة ذلك وبالله التوفيق. [مسألة: قال لرجل امرأتي طالق البتة إن ساكنتك وكان معه في بيت وحلف ليلا] مسألة وسئل عن رجل قال لرجل: امرأتي طالق البتة إن ساكنتك وكان معه في بيت وحلف ليلا. فقال: ينتقل مكانه وإن أخر ذلك إلى الصباح حنث، قال: ولو قال امرأته طالق البتة لأنتقلن عنك فإنه يطلب ويرتاد لنفسه منزلا ولكن لا يطأ حتى ينتقل. قال محمد بن رشد: هذا مثل ما في النذور من المدونة في الذي يحلف بالطلاق ألا يساكن رجلا أنه يخرج تلك الساعة وإن كان في جوف الليل فإن أقام حتى يصبح حنث ألا يكون نوى ذلك، وقد قيل له يوم وليلة، وهو قول أصبغ وأشهب، قال ابن لبابة: ولا يمنع في خلال ذلك من الوطء وقوله صحيح لأن اليوم والليلة عندهما كالأجل، فهو في ذلك على بر، وقد قيل: إن له ومن الفسحة في ذلك ما يرتاد فيه موضعا ينتقل إليه، وهو ظاهر ما في سماع ابن القاسم، وقد مضى القول على ذلك هنالك وأما

стр. 2759

الحالف لينتقلن فإن لم ينو الاستعجال فليس له أن يطأ حتى ينتقل ويضرب له أجل الإيلاء إن رفعته امرأته في ذلك، وأن أخذ في الانتقال ساعة حلف لم يمنع من الوطء، وفي المدنية من رواية ابن القاسم عن مالك أنه محمول على التعجيل حتى ينوي التأخير، وإن لم ينتقل ساعة حلف وإن كان في جوف الليل حنث كالذي يحلف على ترك المساكنة، وقد مضى في أول سماع ابن القاسم بيان القول في الحلف على ترك المساكنة فلا معنى لإعادة ذلك هنا وبالله التوفيق. [مسألة: بينه وبين رجل منازعة فقال امرأته طالق البتة إن لم يكن أبي ميتا خيرا من أبيك حيا] مسألة وسئل عن رجل كان بينه وبين رجل منازعة فقال: امرأته طالق البتة إن لم يكن أبي ميتا خيرا من أبيك حيا، أو قال: إن لم أكن أنا ميتا خيرا منك حيا. قال ابن القاسم: تطلق عليه امرأته بالبتة. قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن الميت ليس جزءا من الحي في شيء من أمور الدنيا ولا بأكثر أعمالا منه وطاعات في هذا الوقت؛ لأن الميت ليس من أهل العمل، فوجب أن يكون حانثا إلا أن يكون له نية مثل أن يقول إنما أردت أن أبي خير لي ميتا من أبيك لك حيا إذ يكرمني الناس لما يعلمون من خير أبي، بخلاف ما لك أنت مع أبيك في حياته لما يعلمون من شره ويكون ذلك معروفا، فتكون له نيته، ومثل أن يقول إنما أردت أن الناس يتنادون بحياة أبيك لما هو عليه من الأحوال المذمومة، وأبي ينتفع الناس بعد موته بما عمله في حياته من طريق أصلحه أو مال حبسه أو علم أبقاه وخلده وما أشبه ذلك ويكون ما ذكره من ذلك معروفا فينوى فيه والله أعلم. [حلف بالطلاق ألا يدخل على امرأته فلان فيأتي فلان ذلك إلى بيت ليدخله فيدخل رجله] وفي كتاب باع شاة وسئل عن الرجل يحلف بالطلاق ألا يدخل على امرأته فلان

стр. 2760

فيأتي فلان ذلك إلى بيت ليدخله فيدخل رجله الواحدة في البيت فيصاح به، لا تفعل، فإن فيه فلانة فيرجع. قال مالك: هو حانث، وهو مثل الذي يحلف ألا يأكل هذين القرصتين فيأكل أحدهما أنه حانث. قال محمد بن رشد: قول مالك هذا مثل ظاهر ما تقدم في الرسم الذي قبل هذا لابن عمر وسعد بن أبي وقاص وابن القاسم ﵃، وقد مضى القول على ذلك فلا معنى لإعادته وبالله التوفيق. [مسألة: قال لامرأة من النساء كل امرأة أنكحها غيرك فهي طالق] مسألة وقال مالك: من قال لامرأة من النساء كل امرأة أنكحها غيرك فهي طالق فهو مثل الذي يقول: كل امرأة أنكحها عليك فهي طالق. قال محمد بن رشد: قول مالك إن قول الرجل لامرأة من النساء كل امرأة أنكحها غيرك فهي طالق فهو مثل قوله لها إن لم أنكحك فكل امرأة أنكحها فهي طالق، هو مثل قوله في كتاب الأيمان بالطلاق من المدونة سواء، وفي ذلك من قوله نظر في أن قوله لها كل امرأة أنكحها غيرك فهي طالق نص جلي لا يحتمل التأويل في أنه حرم على نفسه نكاح جميع النساء سواها فلا يلزمه شيء إذ لم يحض من النساء إلا امرأة واحدة على أصل مذهبه كانت متزوجة أو غير متزوجة خلاف قول ابن الماجشون في أن ذلك يلزمه وإن كانت متزوجة إذا كانت ممن تحل له يوما ما، وخلاف قول مطرف في أن ذلك إنما يلزمه إذا كانت غير متزوجة، وقوله لها إن لم أنكحها فكل امرأة أنكحها فهي طالق كلام محتمل لأن ظاهره يقتضي

стр. 2761

أنه إنما أوجب على نفسه طلاق كل امرأة ينكحها قبلها، فعلى هذا يلزمه الطلاق إذ له أن يتزوج بعدها ما شاء من النساء وإلى هذا ذهب ابن عبدوس وسحنون إلا أنهما اختلفا فيما تزوج قبلها فقال ابن عبدوس: يلزمه فيها الطلاق ساعة تزوجها، وقال سحنون: لا يعجل عليه الطلاق ويوقف عنها حتى ينظر هل يتزوجها أو لا، فإن طلبت امرأته الوطء ضرب له أجل الإيلاء فإن لم يتزوجها حتى ينقضي الأجل طلق عليه بالإيلاء وإن تزوجها بر وانحل عنه أجل الإيلاء، وكذلك إن ماتت أيضا لأنه يصير بموتها قد امتنع من نكاح جميع النساء إلى غير أمد فلم يلزمه ذلك ولم يلتفت مالك إلى ما يقضيه ظاهر لفظه، وحمله على معنى ما ظهر إليه من أنه أراد بذلك طلاق كل امرأة يتزوجها سواها وقاس عليها المسألة الأخرى إلا أنه لم يقصد بذلك حقيقة القياس إذ لا يقاس ما لا احتمال فيه على ما فيه احتمال، وإنما قصد إلى التشبيه بين المسألتين ولعله ظهر إليه من المسائل أنه إنما شك في حكم المسألة الأولى. وقوله: إن قول الرجل لامرأته كل امرأة أنكحها غيرك فهي طالق مثل قوله لها كل امرأة أنكحها عليك فهي طالق، يريد أن قول الرجل لامرأته كل امرأة أنكحها غيرك أو سواك فهي طالق يلزمه، وتكون بمنزلة أن لو قال لها كل امرأة أتزوجها عليك، بخلاف إذا قال ذلك لأجنبية. قال محمد بن رشد: وأصبغ بن الفرج، لا شيء عليه، قال ذلك لزوجته أو لأجنبية، وذلك بمنزلة أن يقول كل امرأة أتزوجها ولا يزيد علي ذلك، وإنما قال لزوجته إذا قال عليك. [مسألة: يقول إن لم يجيء أبي إلى شهر فامرأتي طالق] مسألة وسألته عن الذي يقول إن لم يجيء أبي إلى شهر فامرأتي طالق أو إن لم يقضه غريمه فامرأته طالق والحق حال علي الغريم أو إلى أجل أو إن لم يعطني فلان دينارا إلى شهر هل يطأ في هذا

стр. 2762

كله ضرب لذلك أجلا أو لم يضرب. قال ابن القاسم أما الذي حلف بالطلاق إن لم يجيء أبوه فإنه إن كان ضرب لذلك أجلا فهو يطأ إلى ذلك الأجل وإن لم يضرب أجلا ضرب له أجل المولى فإن جاء وإلا طلق عليه طلاق الإيلاء، وأما الذي حلف على غريم له ليقضينه فإنه إن كان الحق حالا تلوم له ولم يضرب له أجل المولي لأن كل من حلف على فعل غيره ليفعلنه لم يكن فيه أجل المولي وتلوم له على قدر ما بدا مما أراد فإن فعل وإلا حنث، كذلك قال لي مالك: وإن كان حقه إلى أجل فحلف على ذلك فلا شيء عليه إلى الأجل. قلت له فسواء قال إن لم يقضني إلى الأجل أو قال إن لم يقضني؟ قال: ذلك كله سواء لأنه قد علمنا أنه إنما حلف إلى الأجل إلا أن يقول حلفت على أن يعجل لي حقي فيتلوم له، قلت: ولم جعلت الذي حقه حال فحلف عليه ليقضينه مثل الذي حلف على رجل ليبين له وهذا السلطان يقضي عليه إن يقض وهذا لا يقضي عليه بأن يهب له؟ قال: لأنه حلف على فعل غيره، أرأيت لو أكرهه السلطان أكنت تراه بارا؟ قال: لا يكون بارا وإن قضي عليه السلطان فقضاه إلا أن يكون نوى إلا أن يغلبه السلطان [فإذا لم ينو ذلك فهو حانث إذا أكرهه السلطان؛ لأن مالكا قال: من رجل سأله رجل حقه فحلف بالطلاق ألا يقضيه شيئا: إنه حانث إن قضى عليه السلطان فقضاه إياه] ، وسواء إذا حلف على غريمة ليقضينه طائعا أو كارها في الأجل أنه يتلوم له ولا يضرب له أجل المولى لأنه إنما حلف على فعل غيره فليس

стр. 2763

يختلف إن لم يمتي وإن لم يقضني، قال ابن القاسم: كل من كان يتلوم له في امرأته من هؤلاء وغيرهم فإنه إذا مضى من الأجل مثل الذي يتلوم له فإنه حانث ولا يسأل عن شيء، والتلوم في ذلك ليس بواحد، إنما ينظر في هذا إلى قدر ما يرى وما يرجى له، والذي يحلف إن لم يجئ أبي ولم يضرب أجلا إنما يضرب له من يوم ترفع امرأته ذلك. قال القاضي ﵀: فرق في هذه الرواية في الحالف على غيره ليفعلن فعلا ولم يضرب لذلك أجلا بين أن يكون المحلوف عليه غائبا أو حاضرا وقد مضى تحصيل القول في هذه المسألة في رسم يوصي بمكاتبه من سماع عيسى من كتاب الإيلاء فغنيت بذلك عن إعادته هنا مرة أخرى وبالله التوفيق. [مسألة: حلف بطلاق امرأته ألا يرزأها من مالها شيئا فقربت إليه طعاما فأكل منه] مسألة وسئل عن رجل حلف بطلاق امرأته ألا يرزأها من مالها شيئا فقربت إليه طعاما فأكل منه. قال: قد حنث. قال محمد بن رشد: وهذا كما قال لأنه إذا أكل من طعامها فقد رزأها في مالها إلا أن تكون له نية في شيء بعينه ويأتي مستفتيا فتكون له نيته. [مسألة: حلف بالطلاق البتة ألا يأذن لها إلى أهلها فأذن لها فلم تسر] مسألة وسئل عن رجل حلف بالطلاق البتة ألا يأذن لها إلى أهلها فأذن لها فلم تسر.

стр. 2764

قال: إذا أذن لها فقد حنث سارت أو لم تسر. قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن الذي حلف ألا يفعله هو الإذن فلما أذن لها وجب أن يحنث وبالله التوفيق. [مسألة: حلف بالطلاق ألا يدخل على أخته في بيتها فدخل عليها غير بيتها] مسألة وسئل عن رجل حلف بالطلاق ألا يدخل على أخته في بيتها فدخل عليها غير بيتها. قال: إن كان إنما حلف على قطيعتها فدخل عليها في بيتها أو غير بيتها فقد حنث، قال ابن القاسم: إن كان نوى البيت بعينه فلا بأس أن يدخل عليها في غير بيتها، وإن لم تكن له نية فقد حنث. قال محمد بن رشد: حمل ابن القاسم يمينه على القطيعة حتى ينوي البيت بعينه؛ لأن ذلك هو المعنى المقصود بالأيمان في العرف والعادة وهو مصدق في دعوى أنه أراد البيت بعينه وإن كان على يمينه بينة؛ لأن البينة في ذلك موافقة للفظ ويحلف على ذلك لدعواه خلاف العرف والعادة، والحمد لله. [مسألة: قال لرجل أطلقت امرأتك قال نعم كما طلقت أنت امرأتك] مسألة وسئل عن رجل قال لرجل: أطلقت امرأتك؟ قال: نعم كما طلقت أنت امرأتك، فإذا هو قد طلق امرأته ولم يعلم بذلك، هل عليه طلاق؟ وإنما كان على وجه لعب. قال: إذا لم يكن يعلم أن الآخر طلق ولم يكن يريد هو بذلك طلاقا [وحلف على ذلك] فلا طلاق عليه، قال ابن

стр. 2765

القاسم: وذلك إذا استيقن أنه لم يعلم. [قال القاضي: إذا شهد عليه بذلك القول وقيم عليه بالطلاق فلا يصدق فيما ادعاه من ذلك إذا لم يظهر ما يدل على صدق دعواه، مما يقع به اليقين أنه لم يعلم بطلاق الرجل امرأته من شاهد دال أو فحوى كلام أو ما أشبه ذلك، إذ لا يصح أن يقطع بمعرفة ذلك ببينة، فإذا استوقن أنه لم يعلم] ، بشيء من هذه الوجوه دون أن يتحقق العلم بذلك حلف كما قال إنه لم يعلم بذلك ولا أراد بذلك الطلاق، ولا يحلف أنه كان لاعبا لأن اللاعب يلزمه الطلاق [إذا نواه] كما يلزم المجد؛ لأن هزله جد على ما يأتي لأصبغ في نوازله بعد هذا، وعلى ما مضى في رسم الطلاق من سماع أشهب من كتاب التخيير والتمليك، ولو أمكن أن يتحقق أنه لم يعلم بطلاق الرجل امرأته لما لزمته يمين إذا كان قوله: كما طلقت أنت امرأتك نسقا بقوله: نعم، على اختلاف في هذا الأصل قد ذكرناه في رسم كتب عليه من سماع ابن القاسم، ولو أتى مستفتيا غير مطلوب بالطلاق لصدق فيما ادعاه كله دون يمين، وبالله التوفيق. [سمى الرجل امرأة بعينها وقال إن تزوجت فلانة فهي طالق واحدة] ومن كتاب حمل صبيا على [دابة] قال ابن القاسم: إذا سمى الرجل امرأة بعينها وقال: إن تزوجت فلانة فهي طالق واحدة، فإنه إن تزوجها طلقت عليه بواحدة، فإن نكحها بعد ذلك لم تطلق عليه. قال محمد بن رشد: قد مضت هذه المسألة والقول [فيها] مستوفى في هذا الرسم بعينه من صدر السماع فاكتفيت بذلك عن إعادته وبالله التوفيق.

стр. 2766

من سماع يحيى بن يحيى من ابن القاسم من كتاب الكبش قال يحيى: وسألت ابن القاسم عن رجل أراد أن يُدخل على بنته وهي مريضة رجالا يشهدهم على وصيتها فحلف زوجها بطلاقها ألا يدخل عليها أولئك النفر الذين أراد أبوها أن يدخلهم عليها، فأخرجت المرأة من الدار إلى القوم فأشهدتم على وصيتها ثم صحت، أترى زوجها حانثا إذا أشهدت أولئك النفر بأعيانهم وإن كانوا لم يدخلوا عليها إذ أخرجت إليهم؟ فقال: بل أرى أن يُنَوَّى، فإن قال: إنما كرهت دخولهم لئلا يروا من حال بيتي ما أكره دُيِّن في ذلك واستحلف وإن أقر أنه إنما كان حلف لكيلا تشهدهم على ما كانت ترضى، فإذا خرجت إليهم فأشهدتهم فكأن قد دخلوا فهو حانث. قلت أرأيت إن خاصمته امرأته في هذه اليمين زمانا وهو منكر أن يكون حلف بها فلما قامت عليه البينة ادعى أنه إنما كره حين حلف دخولهم بيته ولم يرد منعها من إشهادهم، وقد كان منكرا للحلف في أصل الخصومة؟ . قال: نعم، لا أرى إنكاره لليمين يقطع عنه أن ينوى في يمينه ويدين فيها. قلت: أرأيت إن كان حين حلف قد بين لمن حضر من العدول أنه قد كان مكابرا لها ولا سيما فيما كانت تريد أن توصي به يشتد ذلك عليه ويظهر منعها منه والسخط عليها فيه حتى يستدل أن يمينه إنما كانت كراهية لإشهادها على ما كانت تريد أن

стр. 2767

توصي به ولعله ممن يسر بدخول الرجال عليه لحسن حال بيته وصلاح هيئته أتنويه أم لا؟ فقال: لا أرى أن تقطع عنه على ما ادعى من النية للذي وصفت من حالته وأرى أن يدين ما ادعى ويحلف عليه ثم لا حنث عليه إن حلف على ما ادعى من نيته. قال محمد بن رشد: الظاهر من مقصد الحالف أنه إنما أراد ألا يشهد أولئك النفر على وصيتها فيحمل يمينه على ذلك ويحنث إذا أشهدتهم وإن لم يدخلوا عليها، إلا أن يدعي أنه إنما أراد ألا يدخلوا عليها فيصدق في نيته مع يمينه وإن كان مطلوبا بالطلاق، وقد شهد عليه باليمين؛ لأنها نية محتملة مطابقة لظاهر لفظه، ولو كان مستفتيا غير مطلوب بالطلاق لم يكن عليه يمين فيما ادعى من النية. وأما قوله إنه يُنَوَّى في ذلك بعد أن أنكر اليمين فهو على ما في رسم كتب عليه ذكر حق من سماع ابن القاسم من كتاب التخيير والتمليك وفي رسم الكبش من سماع يحيى منه من أن الرجل إن ناكر زوجته فيما قضت به في التمليك بعد أن أنكر أن يكون ملكها، وقد مضى من القول على ذلك هنالك ما فيه كفاية لمن تأمله فيه ولم ير شهادة الشهود بما يظهر إليهم من قصد المشهود عليه وإرادته عاملة في إسقاط ثبوته، والوجه في ذلك أنه لا يمتنع أن يكون نازعهم في الوصية وكره أن توصي بها، ثم لم يحلف على ذلك ونوى في يمينه شيئا آخر مخافة أن يحنث فيما نازعهم به لو حلف عليه فهو أعلم بنيته التي لا يطلع عليها سواه إلا الله ، فوجب ألا تبطل لا سيما واللفظ يطابقها، وقد وقع في رسم الطلاق من سماع أشهب من كتاب التخيير والتمليك وفي رسم أصبغ من كتاب التدبير إعمال الشهادة بنحو هذا وبالله التوفيق: [مسألة: تسلف من رجل مالا وحلف له بالطلاق ليقضينه ساعة يبلغ منزله] مسألة قال يحيى وسألت ابن القاسم عن رجل تسلف من رجل مالا وحلف له بالطلاق ليقضينه ساعة يبلغ منزله أو ساعة ينزل

стр. 2768

منزله فأقبل المستسلف راجعا إلى منزله ومعه المسلف فبلغا المنزل حيث غابت الشمس فدخل الحالف منزله فاشتغل ببعض شأنه ونسي يمينه، فلما كان ثلث الليل أو نحوه ذكر يمينه فخرج إلى صاحبه بالمال فقضاه إياه. قال أراه حانثا إلا أن يكون نوى بيمينه ساعة أبلغ منزلي أو أنزل منزلي يريد بذلك إذا بلغ ليقضينه، ولم يرد ساعة نزوله ولا ساعة بلوغه فأرى أن يُنَوَّى في ذلك ويحلف عليه ولا حنث عليه إذا قضاه من ليلته أو الغد. قلت: أرأيت إن كان لم ينو ساعة يبلغ إنما أراد ليقضينه إذا جاء منزله أتراه في سعة من تأخير القضاء اليوم واليومين أو الثلاثة أو كم تراهما في سعة من ذلك؟ فقال اليوم والليلة. قال محمد بن رشد: قوله: إنه حانث إلا أن يكون نوى إذا بلغ ليقضينه ولم يرد ليقضينه ساعة بلوغه صحيح على أصولهم في أن يمين الحالف إذا عريت من النية والبساط محمولة على ما يقتضيه لفظا في اللسان أو على أظهر محتملاته إن كان محتملا لوجهين أو أكثر، وقوله ساعة يبلغ يقتضي أن يقتضيه في تلك الساعة بعينها فإن أخر قضاءه عنها وجب أن يحنث ونواه مع يمينه يريد إذا طولب بالطلاق ولم يأت مستفتيا لأن الساعة لما لم تكن مؤقتة ولا محدودة احتمل أن يريد بها الساعة التي يصل فيها بعينها وأن يريد بذلك التعجيل، فوجب أن يصدق في أنه إنما أراد بذلك أن يعجل له حقه إذا بلغ ولا يمطله به مع يمينه على ذلك إن كان مطلوبا ولم يأت مستفتيا فلا يحنث إذا قضاه فيما دون الليلة واليوم مما يكون إذا فعله فقد عجل له حقه ولم يمطله به، ولو حلف ليقضينه حقه إذا جاء منزله ولم يرد بذلك التعجيل لما حنث بتأخيره قضاءه إذا جاء منزله إلا أنه لا يجوز له أن يطأ حتى يقضيه؛ لأنه على حنث ويدخل عليه الإيلاء إن رافعته امرأته وطلبته بحقها في الوطء، فهذا وجه القول في هذه المسألة، وبالله التوفيق.

стр. 2769

[يقول امرأته طالق أو غلامه حر إن فعل كذا وكذا فحنث] ومن كتاب الصبرة قال يحيى: وسألت ابن القاسم في الرجل يقول امرأته طالق أو غلامه حر إن فعل كذا وكذا، فحنث أنه يخير فيقال له: أوجبت حنثا في أيّهما شئت إن شئت، فأعتق العبد، وإن شئت فطلق المرأة، أنت في ذلك بالخيار؛ لأنه قد استثنى حين حلف فقال: امرأته طالق، أو غلامه حر، فمن أجل ذلك خُيِّر. قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن موضوع أو في اللسان في الماضي للشك، وفي المستقبل للتخيير؛ لاستحالة أن يخير أحد فيما قد فات ومضى، أو يشك في أي الأمرين كان، ولما لم يكن أحدهما، فوجب إذا قال الرجل: امرأته طالق، أو غلامه حر، إن فعل فلان كذا وكذا، أو فعلت كذا وكذا، ففعله أن يخير فيما شاء من ذلك إلا أن يقول: ولا خيار لي في ذلك، أو يريد ذلك فيلزمه عتق العبد، وطلاق المرأة، وقد مضى في رسم العرية، من سماع عيسى، إذا قال: امرأتي طالق، أو غلامي حر، إن لم يفعل كذا وكذا، والقول في ذلك، فهو تتميم هذه المسألة، وبالله التوفيق. [مسألة: يسلف في الطعام إلى أجل ويحلف له البائع بالطلاق ليقضينه إلى الأجل] مسألة وعن الرجل يسلف في الطعام إلى أجل، ويحلف له البائع بالطلاق ليقضينه إلى الأجل الذي يسلفه إليه، ثم يسلفه صفقة هو ورجل آخر، فيقضيه عند أجل الصفقة الأولى التي حلف له فيها، وشريكه غائب، فلما قدم أنكر، وقال: لا يجوز أن تقضي منه شيئا دوني، والذي اقتضيت منه بيننا، أيبر الحالف، ويجوز لهذا ما اقتضى أم لا؟ قال: أرى ما اقتضى يمضى، على كان وجب للمحلوف له

стр. 2770

من تسليفه الذي اختص به، وعلى الصفقة الأخرى التي له ولشريكه على قدر ما كان على الغريم من ذلك الدين، ويكون للمحلوف له بقدر ما يصير لدينه الذي وجب له خاصة، ويكون لشريكه وله بقدر ما يصير للدين الذي كان لهما على الغريم يقتسمانه، ولا يكون له ما اقتضى خالصا دون أن يحاص فيه شريكه على ما فسرت لك، ولا يبرأ الحالف؛ لأنه لم يدفع إلى المحلوف جميع حقه عند الأجل. قال محمد بن رشد: ذكر ابن زيد هذه المسألة في النوادر، وقال فيها: إن قوله عند أجل الصفقة الأولى غلط في النقل، قال: ورأيت في بعض النسخ من المجموعة، فأعطاه عند الأجل عدد الصفقة الأولى قال: وهذا أصح، ولم يفسر عم دفع؟ فقسم على الصفقتين، وقول ابن أبي زيد: وهذا أصح، معناه وهذا الصحيح؛ إذ لا يصح معنى المسألة إلا على ذلك، وقوله: ولم يفسر عم دفع صحيح، إذ لو تبين أنه إنما يدفع إليه ذلك العدد على الصفقة الأولى لما كان لشريكه عليه في ذلك دخول، وأبرأ الحالف في يمينه، وأما قوله فقسم على الصفقتين، فإنه اتبع به ظاهر ما في الرواية، وليس ذلك بصحيح على ما نذكره بعد، وقد رأيت لابن دحون في هذه المسألة أنه قال فيها: هي وهم، وإن كان الطعام كله إلى أجل واحد؛ لأنه لو كان لرجلين على رجل دين بينهما، ولأحدهما دين مفرد، والأجل سواء فقضى الذي له الدين المفرد لم يكن للآخر كلام إلا أن يكون مفسرا، فيكون له كلام على اختلاف في ذلك، وقول ابن دحون: فقضى الذي له الدين المفرد لم يكن للآخر كلام فهو الوهم، فليست المسألة بوهم في إيجاب الحنث، وإنما هي وهم في صفقة القبض لا في القبض؛ إذ الصواب أن يفض ما اقتضى على ما كان وجب للمحلوف له من تسليفه الذي اختص به، وعلى ما يجب من الصفقة الأخرى دخل معه فيه الشريك، وحنث الحالف؛ إذ لم يصح للقابض جميع حقه قبل الأجل، وهذا بيّن، والله سبحانه أعلم.
следующие страницы →