← Фикх малики

Фикх малики · id 21751

البيان والتحصيل

ابن رشد الجد

Полный текст (9 112 стр.). Показаны 2766–2805 · переход к 2771.

стр. 2766

من سماع يحيى بن يحيى من ابن القاسم من كتاب الكبش قال يحيى: وسألت ابن القاسم عن رجل أراد أن يُدخل على بنته وهي مريضة رجالا يشهدهم على وصيتها فحلف زوجها بطلاقها ألا يدخل عليها أولئك النفر الذين أراد أبوها أن يدخلهم عليها، فأخرجت المرأة من الدار إلى القوم فأشهدتم على وصيتها ثم صحت، أترى زوجها حانثا إذا أشهدت أولئك النفر بأعيانهم وإن كانوا لم يدخلوا عليها إذ أخرجت إليهم؟ فقال: بل أرى أن يُنَوَّى، فإن قال: إنما كرهت دخولهم لئلا يروا من حال بيتي ما أكره دُيِّن في ذلك واستحلف وإن أقر أنه إنما كان حلف لكيلا تشهدهم على ما كانت ترضى، فإذا خرجت إليهم فأشهدتهم فكأن قد دخلوا فهو حانث. قلت أرأيت إن خاصمته امرأته في هذه اليمين زمانا وهو منكر أن يكون حلف بها فلما قامت عليه البينة ادعى أنه إنما كره حين حلف دخولهم بيته ولم يرد منعها من إشهادهم، وقد كان منكرا للحلف في أصل الخصومة؟ . قال: نعم، لا أرى إنكاره لليمين يقطع عنه أن ينوى في يمينه ويدين فيها. قلت: أرأيت إن كان حين حلف قد بين لمن حضر من العدول أنه قد كان مكابرا لها ولا سيما فيما كانت تريد أن توصي به يشتد ذلك عليه ويظهر منعها منه والسخط عليها فيه حتى يستدل أن يمينه إنما كانت كراهية لإشهادها على ما كانت تريد أن

стр. 2767

توصي به ولعله ممن يسر بدخول الرجال عليه لحسن حال بيته وصلاح هيئته أتنويه أم لا؟ فقال: لا أرى أن تقطع عنه على ما ادعى من النية للذي وصفت من حالته وأرى أن يدين ما ادعى ويحلف عليه ثم لا حنث عليه إن حلف على ما ادعى من نيته. قال محمد بن رشد: الظاهر من مقصد الحالف أنه إنما أراد ألا يشهد أولئك النفر على وصيتها فيحمل يمينه على ذلك ويحنث إذا أشهدتهم وإن لم يدخلوا عليها، إلا أن يدعي أنه إنما أراد ألا يدخلوا عليها فيصدق في نيته مع يمينه وإن كان مطلوبا بالطلاق، وقد شهد عليه باليمين؛ لأنها نية محتملة مطابقة لظاهر لفظه، ولو كان مستفتيا غير مطلوب بالطلاق لم يكن عليه يمين فيما ادعى من النية. وأما قوله إنه يُنَوَّى في ذلك بعد أن أنكر اليمين فهو على ما في رسم كتب عليه ذكر حق من سماع ابن القاسم من كتاب التخيير والتمليك وفي رسم الكبش من سماع يحيى منه من أن الرجل إن ناكر زوجته فيما قضت به في التمليك بعد أن أنكر أن يكون ملكها، وقد مضى من القول على ذلك هنالك ما فيه كفاية لمن تأمله فيه ولم ير شهادة الشهود بما يظهر إليهم من قصد المشهود عليه وإرادته عاملة في إسقاط ثبوته، والوجه في ذلك أنه لا يمتنع أن يكون نازعهم في الوصية وكره أن توصي بها، ثم لم يحلف على ذلك ونوى في يمينه شيئا آخر مخافة أن يحنث فيما نازعهم به لو حلف عليه فهو أعلم بنيته التي لا يطلع عليها سواه إلا الله ، فوجب ألا تبطل لا سيما واللفظ يطابقها، وقد وقع في رسم الطلاق من سماع أشهب من كتاب التخيير والتمليك وفي رسم أصبغ من كتاب التدبير إعمال الشهادة بنحو هذا وبالله التوفيق: [مسألة: تسلف من رجل مالا وحلف له بالطلاق ليقضينه ساعة يبلغ منزله] مسألة قال يحيى وسألت ابن القاسم عن رجل تسلف من رجل مالا وحلف له بالطلاق ليقضينه ساعة يبلغ منزله أو ساعة ينزل

стр. 2768

منزله فأقبل المستسلف راجعا إلى منزله ومعه المسلف فبلغا المنزل حيث غابت الشمس فدخل الحالف منزله فاشتغل ببعض شأنه ونسي يمينه، فلما كان ثلث الليل أو نحوه ذكر يمينه فخرج إلى صاحبه بالمال فقضاه إياه. قال أراه حانثا إلا أن يكون نوى بيمينه ساعة أبلغ منزلي أو أنزل منزلي يريد بذلك إذا بلغ ليقضينه، ولم يرد ساعة نزوله ولا ساعة بلوغه فأرى أن يُنَوَّى في ذلك ويحلف عليه ولا حنث عليه إذا قضاه من ليلته أو الغد. قلت: أرأيت إن كان لم ينو ساعة يبلغ إنما أراد ليقضينه إذا جاء منزله أتراه في سعة من تأخير القضاء اليوم واليومين أو الثلاثة أو كم تراهما في سعة من ذلك؟ فقال اليوم والليلة. قال محمد بن رشد: قوله: إنه حانث إلا أن يكون نوى إذا بلغ ليقضينه ولم يرد ليقضينه ساعة بلوغه صحيح على أصولهم في أن يمين الحالف إذا عريت من النية والبساط محمولة على ما يقتضيه لفظا في اللسان أو على أظهر محتملاته إن كان محتملا لوجهين أو أكثر، وقوله ساعة يبلغ يقتضي أن يقتضيه في تلك الساعة بعينها فإن أخر قضاءه عنها وجب أن يحنث ونواه مع يمينه يريد إذا طولب بالطلاق ولم يأت مستفتيا لأن الساعة لما لم تكن مؤقتة ولا محدودة احتمل أن يريد بها الساعة التي يصل فيها بعينها وأن يريد بذلك التعجيل، فوجب أن يصدق في أنه إنما أراد بذلك أن يعجل له حقه إذا بلغ ولا يمطله به مع يمينه على ذلك إن كان مطلوبا ولم يأت مستفتيا فلا يحنث إذا قضاه فيما دون الليلة واليوم مما يكون إذا فعله فقد عجل له حقه ولم يمطله به، ولو حلف ليقضينه حقه إذا جاء منزله ولم يرد بذلك التعجيل لما حنث بتأخيره قضاءه إذا جاء منزله إلا أنه لا يجوز له أن يطأ حتى يقضيه؛ لأنه على حنث ويدخل عليه الإيلاء إن رافعته امرأته وطلبته بحقها في الوطء، فهذا وجه القول في هذه المسألة، وبالله التوفيق.

стр. 2769

[يقول امرأته طالق أو غلامه حر إن فعل كذا وكذا فحنث] ومن كتاب الصبرة قال يحيى: وسألت ابن القاسم في الرجل يقول امرأته طالق أو غلامه حر إن فعل كذا وكذا، فحنث أنه يخير فيقال له: أوجبت حنثا في أيّهما شئت إن شئت، فأعتق العبد، وإن شئت فطلق المرأة، أنت في ذلك بالخيار؛ لأنه قد استثنى حين حلف فقال: امرأته طالق، أو غلامه حر، فمن أجل ذلك خُيِّر. قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن موضوع أو في اللسان في الماضي للشك، وفي المستقبل للتخيير؛ لاستحالة أن يخير أحد فيما قد فات ومضى، أو يشك في أي الأمرين كان، ولما لم يكن أحدهما، فوجب إذا قال الرجل: امرأته طالق، أو غلامه حر، إن فعل فلان كذا وكذا، أو فعلت كذا وكذا، ففعله أن يخير فيما شاء من ذلك إلا أن يقول: ولا خيار لي في ذلك، أو يريد ذلك فيلزمه عتق العبد، وطلاق المرأة، وقد مضى في رسم العرية، من سماع عيسى، إذا قال: امرأتي طالق، أو غلامي حر، إن لم يفعل كذا وكذا، والقول في ذلك، فهو تتميم هذه المسألة، وبالله التوفيق. [مسألة: يسلف في الطعام إلى أجل ويحلف له البائع بالطلاق ليقضينه إلى الأجل] مسألة وعن الرجل يسلف في الطعام إلى أجل، ويحلف له البائع بالطلاق ليقضينه إلى الأجل الذي يسلفه إليه، ثم يسلفه صفقة هو ورجل آخر، فيقضيه عند أجل الصفقة الأولى التي حلف له فيها، وشريكه غائب، فلما قدم أنكر، وقال: لا يجوز أن تقضي منه شيئا دوني، والذي اقتضيت منه بيننا، أيبر الحالف، ويجوز لهذا ما اقتضى أم لا؟ قال: أرى ما اقتضى يمضى، على كان وجب للمحلوف له

стр. 2770

من تسليفه الذي اختص به، وعلى الصفقة الأخرى التي له ولشريكه على قدر ما كان على الغريم من ذلك الدين، ويكون للمحلوف له بقدر ما يصير لدينه الذي وجب له خاصة، ويكون لشريكه وله بقدر ما يصير للدين الذي كان لهما على الغريم يقتسمانه، ولا يكون له ما اقتضى خالصا دون أن يحاص فيه شريكه على ما فسرت لك، ولا يبرأ الحالف؛ لأنه لم يدفع إلى المحلوف جميع حقه عند الأجل. قال محمد بن رشد: ذكر ابن زيد هذه المسألة في النوادر، وقال فيها: إن قوله عند أجل الصفقة الأولى غلط في النقل، قال: ورأيت في بعض النسخ من المجموعة، فأعطاه عند الأجل عدد الصفقة الأولى قال: وهذا أصح، ولم يفسر عم دفع؟ فقسم على الصفقتين، وقول ابن أبي زيد: وهذا أصح، معناه وهذا الصحيح؛ إذ لا يصح معنى المسألة إلا على ذلك، وقوله: ولم يفسر عم دفع صحيح، إذ لو تبين أنه إنما يدفع إليه ذلك العدد على الصفقة الأولى لما كان لشريكه عليه في ذلك دخول، وأبرأ الحالف في يمينه، وأما قوله فقسم على الصفقتين، فإنه اتبع به ظاهر ما في الرواية، وليس ذلك بصحيح على ما نذكره بعد، وقد رأيت لابن دحون في هذه المسألة أنه قال فيها: هي وهم، وإن كان الطعام كله إلى أجل واحد؛ لأنه لو كان لرجلين على رجل دين بينهما، ولأحدهما دين مفرد، والأجل سواء فقضى الذي له الدين المفرد لم يكن للآخر كلام إلا أن يكون مفسرا، فيكون له كلام على اختلاف في ذلك، وقول ابن دحون: فقضى الذي له الدين المفرد لم يكن للآخر كلام فهو الوهم، فليست المسألة بوهم في إيجاب الحنث، وإنما هي وهم في صفقة القبض لا في القبض؛ إذ الصواب أن يفض ما اقتضى على ما كان وجب للمحلوف له من تسليفه الذي اختص به، وعلى ما يجب من الصفقة الأخرى دخل معه فيه الشريك، وحنث الحالف؛ إذ لم يصح للقابض جميع حقه قبل الأجل، وهذا بيّن، والله سبحانه أعلم.

стр. 2771

[يحلف للرجل بطلاق امرأته ليقضين رجلا حقه يوم الفطر] ومن كتاب الصلاة وسئل عن الرجل يحلف للرجل بطلاق امرأته ليقضين رجلا حقه يوم الفطر، وهو من بعض أهل المياه، فأفطر واليوم السبت، وقضاه ذلك اليوم ثم جاء الثبت من أهل الحاضرة أن الفطر كان يوم الجمعة، قال: سمعت مالكا يقول: هو حانث. قال محمد بن رشد: هذه المسألة صحيحة على أصل المذهب، في أن من حلف ألا يفعل فعلا ففعله مخطئا أو جاهلا أو ناسيا يحنث؛ لأن يمينه تحمل على عموم لفظه في جميع ذلك إلا أن يخص بنيته شيئا من ذلك، فتكون له نيته مثال ذلك في الخطأ والجهل أن يحلف الرجل ألا يكلم رجلا، فيكلمه جاهلا به، يظن أنه غيره، وقد مضى القول في ذلك، في رسم سلف، من سماع عيسى، وكذلك هذا لا ينتفع بجهله أن يوم الجمعة كان يوم الفطر إلا أن تكون له نية تخرجه من الحنث في ذلك، وإنما مثل ذلك أن يحلف الرجل ليقضين رجلا حقه يوم كذا، فيمر ذلك اليوم، وهو يظن أنه لم يأت بعد، وبالله التوفيق. [مسألة: يستحلف غريمه بالطلاق فيقول إنما نويت واحدة وقد حنث في ظاهر أمره] مسألة وقال في الذي يستحلف غريمه بالطلاق، فيقول: إنما نويت واحدة، أو قال: قد استثنيت سرا، وحركت به لساني، وقد حنث في ظاهر أمره: إن الطلاق يلزمه بما استحلف عليه، فقيل له: ففيم بينه وبين الله تعالى ماذا ترى عليه؟ قال: لا شيء عليه، قال: وإن حلف بالمشي، أو بالهدي، أو بالله، أو بيمين ليس طلبها إلى العباد، وإنما عليه الكفارة فيما بينه وبين الله، دين عليه ذلك ونواه، ونفعه استثناؤه، ولم يضره ما نوى المستحلف إن حلف بالمشي إلى بيت الله، فقال: نويت مسجدا من مساجده نوى ذلك، وإن حلف بالله فقال:

стр. 2772

قد استثنيت سرا، وحركت به لساني، نوى ذلك، ولم يكن عليه شيء. وهذا وما أشبهه مخالف للطلاق والعتق وما أشبههما. قال ابن القاسم: وكل ما وصفت لك من تفسير صور هذه المسألة، فإنما ذلك إذا أحلفه غريمه، فأما إذا تطوع له باليمين من غير أن يسأله ذلك الغريم، ولا أن يلجأه إليه، فكل ما حلف به فهو يلزمه على ما أظهر، وهو لا ينفعه ما أسر من لغز ولا استثناء، لا في المشي إلى بيت الله، وفي نذر، ولا في شيء مما يحلف به متطوعا. قال محمد بن رشد: قوله في الذي يستحلف غريمه بالطلاق فيقول: إنما نويت واحدة، أو استثنيت سرا، وحركت لساني: إن الطلاق يلزمه بما استحلف عليه، هو مثل ما مضى في قوله في رسم حمل صبيا، من سماع عيسى، ومثل قول ابن الماجشون وسحنون أن اليمين على نية المستحلف، لا على نية الحالف، خلاف قول مالك في رسم البز، من سماع ابن القاسم، وقول ابن وهب في سماع زونان عنه، الواقع عنه، وفي رسم حمل صبيا أيضا، من سماع عيسى. وتفرقته في هذا بين ما يقضي عليه به، وما لا يقضى عليه به، هو مثل ما له في سماع أصبغ في كتاب النذور، وأما قوله: إنه إذا تطوع له باليمين من غير أن يسأله ذلك، فلا ينفعه ما أسر من لغز أو استثناء في شيء من الأشياء، بخلاف إذا سأله ذلك واستحلفه، فهو مثل قوله في رسم أوصى، من سماع عيسى، في كتاب النذور، وخلاف قوله، في سماع أصبغ منه، وهذه مسألة تتفرع إلى وجوه، والاختلاف فيها كثير قد مضى تحصيله في رسم شك في طوافه، من سماع ابن القاسم، من كتاب النذور، وبالله تعالى التوفيق.

стр. 2773

[مسألة: قال الغريم امرأتي طالق البتة إن كنت لم أدفع إليه حقك] مسألة وقال في الرجل يأمر غريما له أن يدفع ما له عليه إلى وكيل له، ثم سأله بعد أيام فقال: قد دفعت إلى وكيلك ما أمرتني، فقال: قد كتب إلي وكيلي أنه لم يقبض منك شيئا، فقال الغريم: امرأتي طالق البتة إن كنت لم أدفع إليه حقك، وقال الطالب: امرأتي طالق إن كنت دفعت إليه شيئا. قال: أما المطلوب فينوى في يمينه، ولا يبرأ من الحق إلا ببينة على الدفع، وأما الطالب فحانث من عاجل أمره؛ لأنه حلف على غيب لا علم له به، ولا يجوز للإمام أن يقر امرأته عنده، وقد تبين أنه حلف على غير علم، ولا يقين من شأن الذي حلف عليه. وقال القاضي ﵀: قوله: ولا يجوز للإمام أن يقر امرأته عنده؛ من أجل أنه حلف على ما لا يستيقنه، وإن كان لم يرم بذلك مرمى الغيب، وإنما غلب ذلك على ظنه؛ لصدق وكيله عنده هو على ما مضى تحصيل القول فيه في رسم يوصي، من سماع عيسى، فلا معنى لإعادته هنا مرة أخرى، وبالله التوفيق. [مسألة: له امرأتان فيحلف بطلاق إحداهما لأنكحن عليها] مسألة وسئل عن الرجل تكون له امرأتان، فيحلف بطلاق إحداهما: لأنكحن عليها، ويحلف للأخرى بطلاقها ألا ينكح عليها، فينكح عليها امرأة، ويمسها، فإذا هي أخته من الرضاعة. قال: يفرق بينه وبين أخته من الرضاعة، ولا يعد نكاحها نكاحا فيما رجا من البر، فيما حلف لإحدى امرأتيه لينكحن عليها، وعليه أن ينكح عليها أخرى نكاحا حلالا ثابتا على غير تحليل، ولا

стр. 2774

من ذوات المحارم من نسب ولا رضاعة، قال: وأما الذي حلف بطلاقها ألا ينكح عليها فقد حنث فيها، وهي طالق بما حلف واحدة فأكثر من ذلك؛ لأنه قد نكح عليها، وهو مجمع على حنثه فيما حلف به بطلاقها. قلت له: أرأيت هذا الذي يحلف بطلاق امرأته لينكحن عليها إن نكح عليها امرأة في عدتها ومسها، أو في غير عدتها ومسها في الحيضة ثم طلقها؟ قال: لا يبر بنكاح واحدة منهما، ولا يعد مسيس ما لم يحله الله مسيسا، ولا يبر حتى ينكح نكاحا حلالا، ويمس مسيسا حلالا. قال محمد بن رشد: هذا كله صحيح لا اختلاف فيه في المذهب على أصولهم في أن الحنث يدخل بأقل الوجوه، والبر لا يكون إلا بأكمل الوجوه، وقد مضى القول على هذا المعنى في مواضع، من ذلك رسم استأذن، وأول رسم لم يدرك، ورسم إن خرجت، من سماع عيسى، وبالله التوفيق. [مسألة: يشترط عليه عند النكاح إن تزوج عليها فهي طالق ويتزوج عليها] مسألة وقال في الرجل يشترط عليه عند النكاح إن تزوج عليها فهي طالق، ويتزوج عليها، ويقول: إنما أردت واحدة، ويقول: ما اشترطت إلا لأكون طالقا البتة: إنه لا يقبل قوله، وهي البتة. قال محمد بن رشد: هذه مسألة قد مضى القول فيها مستوفى في رسم الرهون، من سماع عيسى، من كتاب النكاح، وفي رسم استأذن، من سماع عيسى، من كتاب التخيير والتمليك؛ فليتأمله من أحب الوقوف عليه هنالك، وبالله التوفيق.

стр. 2775

[مسألة: يقول لامرأته أنت طالق البتة إن سألتني الطلاق إن لم أطلقك فسألته] مسألة وقال في الرجل يقول لامرأته: أنت طالق البتة إن سألتني الطلاق، إن لم أطلقك، فسألته الطلاق فقال: أمرك بيدك، فقضت بالطلاق أو تركته: إن ذلك لا يخرجه من يمينه، وقد حنث بالذي حلف به من الطلاق واحدة، أو أكثر منها؛ لأنها حين سألته الطلاق لم يطلقها كما حلف، وليس يكون التمليك طلاقا أبدا، وربما ردت ذلك المرأة، ولم تقض شيئا فأراه حانثا. قال: أرأيت إذا لم يقل: إن سألتني الطلاق فلم أطلقك ساعتئذ فأنت طالق، فأحب أن يؤخر ذلك أياما، فقال: أنا أطلقها يسوف نفسه يوما بيوم، أيكون ذلك له؟ قال: لا يجوز له تأخير ذلك عن مجلسها الذي سألته الطلاق فيه، فإن أخر ذلك حنث. قال محمد بن رشد: سحنون يقول: إنها إن طلقت نفسها بر، وإن لم تطلق نفسها حنث، ولا كلام في أنها إذا لم تطلق نفسها ولا طلقها هو حتى انقضى المجلس الذي سألته فيه الطلاق فقد حنث، وإنما الكلام إذا طلقت نفسها بالتمليك، أو ردت فطلقها هو في الحين، فقول ابن القاسم: إنه حانث صحيح، إن كان ملكها، ونيته أنها إن ردت بقيت زوجة له، وقول سحنون: لا حنث عليه صحيح أيضا إن كان ملكها، ونيته أن يطلقها إن ردت ولم تطلق، فحصل من هذا أن الخلاف بينهما إنما هو على ما يحتمل أمره إن لم تكن له نية، والله أعلم. وقوله: إنه لا يجوز له تأخير ذلك عن مجلسها الذي سألته الطلاق فيه، فإن أخر ذلك حنث صحيح، وقد مضى ما يبينه في أول مسألة من رسم إن أمكنني، من سماع عيسى، فلا معنى لإعادته، وفي سماع أبي زيد أنه لو قال: لأعطينها أو للألحفنها، لبر بتمليكه إياها، إلا أن يكون أراد بذلك لأطلقنها، وهو صحيح، ليس بخلاف؛ لقوله هاهنا، وبالله التوفيق.

стр. 2776

[مسألة: يحلف بطلاق كل امرأة ينكحها بمصر ثم يحلف بطلاق كل امرأة ينكحها في غير مصر] مسألة وقال في الذي يحلف بطلاق كل امرأة ينكحها بمصر، ثم يحلف بعد ذلك بطلاق كل امرأة ينكحها في غير مصر، أنه لا بأس أن ينكح في غير مصر لا ينكح بمصر، ألا ترى أن يمينه الأولى تلزمه، ولا يكون له أن يخرج نفسه مما قد كان وقع عليه من تحريم النكاح عليه بمصر الأولى، بأن يقول بعد تلك اليمين: كل امرأة أنكحها في غير مصر طالق، يريد حين عم البلدان أن يكون في سعة، كمن يقول: كل امرأة أنكحها في جميع البلدان فهي طالق، فليس ذلك له، ولكن يمينه الأولى تلزمه، والأخرى التي ضيق بها على نفسه، وعم بها تحريم النكاح كله على نفسه موضوعة عنه، ينكح في أي البلدان إن شاء ما عدا مصر. قال: ولو قال: كل امرأة أنكحها في غير مصر طالق، فلما أراد أن يضع يمينه عن نفسه قال أيضا: كل امرأة أنكحها بمصر طالق، فإن ذلك غير نافع له فيما كان ألزمه نفسه من اليمين الأولى، ليس له أن ينكح في غير مصر، ويمينه الثانية موضوعة عند، ولا بأس أن ينكح بمصر ما بدا له من النساء. قال محمد بن رشد: قد مضى القول على هذه المسألة في رسم الرهون، من سماع عيسى، فلا وجه لإعادته، وبالله تعالى التوفيق. [يقول إني حلفت بالطلاق أن لا أكلم فلانا فجاء قوم يشهدون أنهم حضروه يكلم ذلك الرجل] وفي كتاب يشتري الدور والمزارع للتجارة وقال في الرجل: يقول: إني حلفت بالطلاق أن لا أكلم فلانا، فجاء قوم يشهدون أنهم حضروه يكلم ذلك الرجل بعدما كان أقر أنه حلف ألا يكلمه، فقال: امرأتي طالق إن كنت حلفت، وما كان الذي قلت إلا كذبة كذبتها، ولقد كلمت فلانا، وما علي يمين

стр. 2777

بطلاق ولا غيره ألا أكلمه. قال: يحنث ولا يدين؛ لأن الفعل الذي أقر ألا يفعله قد ثبت عليه أنه فعله بعد إقراره باليمين التي زعم أنه حلف بها ألا يفعل ذلك الفعل، قال: ومن قال: لقد كلمت اليوم فلانا، أو أتيت فلانا، أو أكلت طعاما كذا وكذا، ثم عوتب في بعض ذلك فقال: امرأته طالق إن فعل شيئا من ذلك، فإنه يدين ويحلف بالله ما فعل الذي حلف أنه لم يفعله مما كان زعم أنه قد كان فعله، وأنه إنما كان كذب أولا، ثم لا حنث عليه إلا أن تقوم عليه بينة بعد يمينه بالطلاق، أنه لم يفعل ذلك الشيء، فشهدت البينة أنه فعله قبل أن يحلف فيحنث، أو يقر بعد يمينه أنه كان فعله، فيلزمه أيضا الحنث بإقراره. قال: ومن شهد عليه قوم بحق لرجل أو أنه فعل شيئا ينكره، فقال بعد شهادتهم عليه: امرأته طالق إن لم يكونوا شهدوا عليه بزور، وما كان لفلان قبلي شيء، وما فعلت الذي شهدوا به علي، وإلا فامرأته طالق، فإنه يدين ويحلف أنهم كذبة في شهادتهم، ويحبس عن امرأته، فإن أقر بتصديق الشهداء أو جاء آخرون فشهدوا على تصديق شهادة الأولين الذين حلف بتكذيبهم حنث في يمينه، قال: وكذلك لو حلف بالطلاق إن كان لفلان عليه كذا وكذا، وإن كان كلم اليوم فلانا، فشهد عليه عدول بإثبات الحق، أو أنه كلم ذلك الرجل، فإن الحنث يلزمه. قال محمد بن رشد: هذه المسائل كلها صحاح، وأصلها في كتاب الأيمان بالطلاق من المدونة، وتكررت في أول سماع ابن القاسم، من كتاب الشهادات، ولا اختلاف أحفظه في شيء منها، وتلخيصها أن اليمين على الفعل بالطلاق كان ببينة أو بإقرار، إذا تقدم على الإقرار بالفعل أو الشهادة

стр. 2778

عليه به طلقت عليه امرأته، وإن تقدم الإقرار منه بالفعل أو الشهادة به عليه على اليمين كان ببينة أو بإقرار لم يطلق عليه. والفرق بين أن يتقدم اليمين على الفعل، أو الفعل على اليمين هو أن اليمين إذا تقدم ببينة أو إقرار، فقد لزم حكمه، ووجب ألا يصدق في إبطاله، وإذا تقدم الفعل ببينة أو بإقرار لم تثبت اليمين بتكذيب ذلك حكم إذا لم يقصد الحالف إلى إيجاب حكم الطلاق الذي حلف به على نفسه، وإنما قصد إلى تحقيق نفي ذلك الفعل، وبالله التوفيق. [مسألة: يكون عليه الحق لرجل فيحلف له بالحرية أو بالطلاق ليقضينه إلى أجل كذا وكذا] مسألة وسئل عن الذي يكون عليه الحق لرجل، فيحلف له بالحرية أو بالطلاق؛ ليقضينه إلى أجل كذا وكذا إلا أن ينظره صاحب الحق، فيريد المطلوب بالحق سفرا، فيسأل صاحبه أن يؤخره عن الأجل خوفا من أن يحل الأجل الذي حلف ليقضينه إليه، إلا أن ينظره وهو غائب في سفره، فيقول صاحب الحق له: قد أنظرتك قدر ما تقيم في سيرك ورجوعك إلى البلد الذي أخبرتني أنك تريده، وبعد رجوعك إلينا بعشرين يوما فتوجه الغريم، يريد سفره، فتتصعب عليه الطريق، ويخاف اللصوص، فيرجع إلى بلده تاركا لسفره لما حدث في الطريق من الخوف، فيحل الأجل أيلزمه أن يقضيه عند حلوله إن لم ينظره نظرة يبتدئها، أم يحنث بما كان أنظره حين أراد الخروج؟ قال: أرى تلك النظرة تسقط عنه؛ لتركه ذلك السفر الذي من أجله كانت النظرة فيه، وفيه كان وجه الطلبة، وعليه أن يستنظره نظرة يحددها له، وإلا حنث إن لم يقضيه عند الأجل. قيل له: فالعشرين يوما التي وسع عليه فيها بعد رجوعه من سفره، أتكون له إذا لم يخرج؟ قال: لا، لو كانت تكون له لكان

стр. 2779

له أن يقدر قدر مسيره ورجوعه فيوسع عليه فيه، بل أرى كل ما كان من النظرة بسبب ذلك السفر قد سقط بتركه الخروج. قلت: أرأيت إن كان رجوعه لغير إقامة، وهو يسعى جاهدا في أن يمضي لسفره، وينتظر خروج جماعة وكتيف من الناس، ليقوى على ما خافوا من اللصوص، فهو في ذلك حتى حال الأجل، أيجوز له أن يتهيأ للخروج بعد حلول الأجل أن يمضي النظرة التي كانت سبقت، أم يلزمه الغريم إن أبى أن ينظره؟ قال محمد بن رشد: قوله: إن النظرة التي أنظره بسبب السفر تسقط بتركه السفر صحيح؛ لأنه إنما أنظره من أجل السفر الذي أخبره أنه يريد، فصار السفر شرطا للنظرة وعلة لها، فوجب أن تسقط بسقوطه بمنزلة أن لو قال له: قد أنظرتك إن سافرت هذا السفر الذي تذكره، وذلك نحو قول سحنون في جامع البيوع، في الذي يبتاع العبد، أو البعير فيابق العبد، ويشرد البعير، فيستوضع البائع، ثم يجده بعد ذلك: إن الوضيعة تسقط عن البائع، ولم يجب على الذي تأخر سفره بسبب ما حدث في الطريق حتى حل الأجل من غير أن يتركه أو يرجع بنيته عنه، والجواب في ذلك أن يكون له النظرة إن خرج في سفره، إلا قدر ما تأخر بسبب ما عرض من التعذر في الطريق، ومثال ما يعرف به ذلك أن ينظره، فإن كان بينه وبين حلول الأجل يوم، استنظره شهر أو مقدار ما يغيب في سفره الذي استنظره بسببه ثلاثة أشهر، فلم يخرج حتى حل الأجل بمضي شهر أن يكون له من النظرة ما بقي من الثلاثة الأشهر، وذلك شهران والعشرون يوما، فإن لم يقضه إلى شهرين والعشرين يوما حنث، فيوكل عند خروجه وكيلا يقضيه قبل انقضاء هذه المدة؛ لئلا يحنث، ومن حق صاحب الدين أن يأخذ منه حميلا بذلك، وبالله التوفيق. [يقول كل امرأة أتزوجها إلا فلانة فهي طالق] ومن كتاب المكاتب قال: وسألته عن الرجل يقول: كل امرأة أتزوجها إلا فلانة

стр. 2780

فهي طالق، وتلك المرأة متزوجة أو غير متزوجة. فقال: ينكح ما بدا له. من النساء، ولا حنث عليه، قال: وسمعت مالكا يقول: إنما هي عندي بمنزلة الرجل، يقول: إن لم أنكح فلانة، فكل امرأة أنكحها طالق، فلا أرى عليه بأسا أن ينكح ما بدا له، قلت: فإن كان قال: كل امرأة أنكحها طالق إلا فلانة وفلانة وفلانة يسمي عشرا، أو نحو ذلك ألا ترى أن ينكح إلا واحدة منهن، قال: أما التسمية اليسيرة التي ليس فيهن سعة في النكاح، فكأنه حرم على نفسه نكاح غيرهن، وهو لا يجد إلى غيرهن سبيلا، فلا أرى عليه بأسا، أن ينكح غيرهن إن أمكنه ذلك، وكان من نكاحهن في سعة، فلا ينبغي له أن ينكح إلا منهن، فإن تعداهن فينكح من غيرهن حنث بما سمى من الطلاق. قال محمد بن رشد: إنما لم يلزمه على مذهبه شيء إذا عم أو لم يبق إلا عددا يسيرا يمكن إلا يزوجوه، ولا يرضوا به؛ لقول الله : ﴿لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٧] ، وقوله: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: ١] ، فإذا لم يترك لنفسه مدخلا في الحلال، لم يلزمه ما عقد على نفسه، وقد مضى من القول على هذه المسألة في رسم الجواب، ورسم باع شاة، من سماع عيسى، ما فيه كفاية، فلا وجه لإعادته، وبالله التوفيق. [مسألة: يقول امرأته طالق إن لم يكن فلان يعرف هذا الحق يدعيه] مسألة قال: وسألته عن الرجل يقول: امرأته طالق إن لم يكن فلان

стр. 2781

يعرف هذا الحق يدعيه، فسئل الذي ادعى عليه الحق فيقول: امرأته طالق إن كان يعرف له فيه حقا قال: يدينان جميعا، ثم لا يحنث واحد منهما. قال محمد بن رشد: مثل هذا في المدونة في كتاب الأيمان بالطلاق، وكتاب العتق الأول أنهما يدينان ولم يذكر يمينا، وروى محمد بن يحيى الشيباني عن مالك أنهما يدينان جميعا ولا يحلفان، وروى عيسى، عن ابن القاسم أنهما يدينان في ذلك ويحلفان، ومثله مضى في رسم الطلاق الأول، من سماع أشهب نحو هذه المسألة، وموضع هذا الاختلاف إنما هو إذا طولبا بحكم الطلاق، وهو جار على اختلافهم في لحوق أيمان التهمة في التداعي، وأما إذا أتيا مستفتيين غير مطلوبين، فلا وجه لليمين في ذلك، وبالله تعالى التوفيق. [مسألة: من على أخيه بفاكهة جنانه فحلف أخوه بالطلاق ألا يدخل تلك الجنان وباعه الأخ] مسألة وسألته عن الرجل من على أخيه بفاكهة جنانه، فحلف أخوه بالطلاق ألا يدخل تلك الجنان، وباعه الأخ، أيدخل الحالف الجنان إذا صارت لغير الأخ الذي من على الحالف بفاكهتها؟ فقال: إذا دخلها حنث كانت لأخيه أو لغيره، وذلك أنه أبهم يمينه فقال: هذه الجنان، فلا يجوز له دخولها أبدا، ولو كان قال: إن دخلت جنانك، لم يكن بدخوله بأس إذا صارت لغيره، قال: إلا أن يخرب حتى يصير طريقا للعامة ليس فيها جنان، ولا يحمى المرور فيها على أحد، فإن سلكها مارا، فلا حنث عليه، قال: وكذلك الذي يحلف ألا يركب دابة رجل، فيقول: إن ركبت هذه الدابة، ولا يقول: دابتك، فلا يجوز له ركوبها، وإن صارت لغيره، وكل ما أشبه هذه الوجوه فهو مثل ما فسرت لك. قال محمد بن رشد: فرق ابن القاسم في هذه الرواية بين أن

стр. 2782

يحلف ألا يدخل جنانه، أو ألا يدخل هذه الجنان، فرأى أن الجنان يتعين بالإشارة إليه، فيحنث إن دخله بعد أن خرج من ملك المحلوف عليه، إلا أن ينوي ما دام في يديه، ولا يتعين بإضافته إلى المحلوف عليه، فلا حنث إن دخله بعد أن خرج من ملكه، وذلك مثل ما في المدونة خلاف ما مضى في رسم لم يدرك، من سماع عيسى، وقد مضى القول على ذلك هنالك. وحكى ابن دحون أنه وقع في هذه المسألة في بعض هذه الكتب مر على أخيه بفاكهة جنانه بالراء قال: فإذا كان بالراء، فسواء قال في يمينه هذه الجنان أو جنانك يحنث كلما دخلها، وإن خرجت من ملكه أنه لم يتقدم بساط مِن منّ، فيحمل عليه إذا خرجت عن ملكه، فكأنه ذهب إلى أنه إنما فرق في هذه الرواية بين أن يقول: جنانك، أو هذه الجنان من أجل أنه من عليه بفاكهة الجنان، ولو لم يمن عليه بها لساوى بين ذلك، كما فعل في رسم لم يدرك، من سماع عيسى، وليس ما ذهب إليه في ذلك بشيء؛ لأن الذي ثبت في الرواية إنما هو التفرقة بين أن يقول جنانك، أو هذه الجنان، كانت الرواية بالراء أو بالنون، فدل ذلك على أنه لم يعتبر المن من غير المن، وإنما اعتبر ما يتعين به الجنان من الألفاظ، مما لا يتعين به منها، فبان أن قوله فيها مثل ما في المدونة خلاف ما مضى في سماع عيسى. وقوله أيضا: إنه إذا كان بالراء يحنث كلما دخلها غلط؛ لأن الحنث لا يتكرر عليه، وإنما يحنث بدخوله مرة، ثم لا حنث عليه إن دخله بعد ذلك ثانية على المشهور المعلوم في المذهب، وقد مضى القول في ذلك على المشهور المعلوم في المذهب، وقد مضى القول في ذلك في رسم حمل صبيا، من سماع عيسى وغيره، وبالله التوفيق. [قال امرأته طالق إن كانت هذه الطريق فأقاموا حتى أصبحوا فإذا هم على غير الطريق] ومن سماع سحنون وسؤاله ابن القاسم وأشهب وقال في رجل صاحب قوما، فجن عليهم الليل، فقال لهم الرجل: يا قوم، إنكم أخطأتم الطريق التي تريدون إلى البلدة التي خرجتم إليها، فقالوا: لا، فقال: امرأته طالق إن كانت هذه

стр. 2783

الطريق، فأقاموا حتى أصبحوا، فإذا هم على غير الطريق التي خرجوا فيها، إلا أنها طريق إلى البلدة التي يريدون إليها. فقال سحنون: لا حنث عليه. قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأنه قد تبين أنهم أخطئوا الطريق التي كانوا عليها، وعلى ذلك حلف لا على أنهم على طريق إلى غير البلدة التي خرجوا إليها، وبالله التوفيق. [مسألة: وقع بينه وبين امرأته كلام وكان يريد سفرا فقالت له لا تبرح فقال أنت طالق] مسألة وسئل سحنون عن رجل حلف بطلاق امرأته، وذلك أنه وقع فيما بينه وبين امرأته كلام، وكان يريد سفرا، فقالت له: لا تبرح، فقال: أنت طالق، إن لم أسافر، ولا رجعت حتى أستغني. فقال: أما إذا أفاد من المال قدر مائتي درهم، وكانت المائتا درهم غنى لمثله، ولم يكن عليه من الدين ما يفترقها، ووجبت عليه فيها الزكاة، فقد بر، وليرجع إن أحب. قال محمد بن رشد: إنما حد في هذا مائتي درهم؛ لأن من ملك من المال ما تجب عليه فيه الزكاة فهو ممن يقع عليه اسم غني؛ بدليل أن الله تعالى أمر أن تؤخذ الصدقة من الأغنياء، فترد على الفقراء، وشرط أن تكون مايتا درهم غنى لمثله، يريد في حقه مؤنته، وقلة عياله؛ لأنه إذا كان كثير المؤنة، كثير العيال، يكون من الفقراء في أيسر مدة، ويذهب عنه الغنى ويرتفع عنه اسمه، ولم يقصد الحالف بقوله: حتى أستغني إلا غنى ينتفع بتماديه معه، واستطاعته به على زمانه، وقوله: قدر مائتي درهم، ولم يقل مائتي درهم يدل على أنه لو قدم بعروض للتجارة قيمتها مائتا درهم ولا دين عليه، هي غنى لمثله، لبر بذلك وكأن له أن يرجع؛ لأن العروض للتجارة تجب فيها الزكاة، فلا فرق بينها وبين العين في البر بها، قال سحنون في كتاب ابنه: وإن قدم بعرض يساوي عشرين دينارا، فليس ينجيه من الحنث ذلك إلا أن

стр. 2784

يكون عرضا كثيرا، وقد يأخذ الزكاة من له العروض من خادم ودار، إلا يكون عرضا كثيرا جدا، وإن قدم بعشرين دينارا أو مائتي درهم حصل ممن تجب عليه الزكاة، وإن كان ذا عيال، ومعنى ذلك عندي إن كانت العروض التي قدم لغير التجارة أو للتجارة، وهو غير مدير؛ لأنه إذا لم يكن مديرا فليس ممن يجب عليه الزكاة في عروضه، فلا يسمى غنيا، وإن كانت الصدقة لا تحل له بسبب ما له من العروض، إلا أن تكثر عروضه، وأما إذا كان مديرا، فلا فرق بين أن تكون له مائتا درهم، أو يكون له قدرها من العروض في استحقاقه لاسم الغني، فعلى هذا التأويل يتفق قوله في سماعه هذا مع ما له في كتاب ابنه، ولا يكون متعارضا، وبالله التوفيق. [مسألة: حلف ألا يبيعه منه ثم قال إنما حلفت وأنا ناسٍ لبيعي إياه منه] مسألة وقال في رجل كان بينه وبين امرأته منزل، فأراد بيعه، فذهب إلى رجل فاشتراه منه، وأشهد البينة بالبيع، ثم إن المشتري قيل له: إن هذا المنزل الذي اشتريت من فلان ليس هو كله له، وإنما هو بينه وبين امرأته، فأنا أخاف عليك من ناحيتها إن أنت دفعت إلى هذا الثمن كله، ولكن يقول له: أدفع إليك وإلى امرأتك، فإنه قيل لي: إنه بينك وبينها ففعل، ولقيه في ذلك، وأعلمه بما قيل له، وقال له: اذهب بنا إلى امرأتك أعطيك المال عندها، فإني أخاف أن يستحق علي نصف المنزل، فحلف بطلاق امرأته إن باع منه شيئا، ثم إنه قام عليه المشتري عند السلطان، وسلمت له امرأته البيع هل ترى أن يحنث إن قضي عليه بذلك. قال: لا حنث عليه، وذلك أن الحكم عليه فيه ثابت، فإنما يمضي شيئا قد كان ثبت عليه، فما أرى عليه حنثا، وقاله سحنون. قال القاضي ﵀: وفي مسائل لأصبغ في نوازله بعد هذا أنه

стр. 2785

حانث، وقد تأول ذلك على مالك في مسألة الأمة الواقعة في رسم أخذ يشرب خمرا، من سماع ابن القاسم، وليس ذلك بصحيح على ما قد مضى بيانه هناك. ووجه قول سحنون أنه اعتبر اللفظ، ولم يراع المعنى، وذلك أنه إنما حلف ألا يبيعه بعد، والبيع قد مضى وفات، فلا يمكنه بيعه ثانية إلا أن يرجع ملكه إليه بوجه من وجوه الملك، فوجب ألا يقع عليه حنث. ووجه قول أصبغ أنه لما حلف ألا يبيعه منه وقد باعه، كان المعنى في يمينه أنه إنما أراد ألا يمكنه منه بالبيع الذي باعه منه لا على ألا يبيعه منه؛ إذ لا يمكن أن يبيعه منه، إذ قد فات بيعه منه، وحلف الرجل على ألا يفعل ما يمكنه فعله لغو وسفه، لا وجه له ولا فائدة فيه، فوجب أن يحمل يمينه على ما له وجه وفائدة، وهو المنع من تسليم المبيع إليه بذلك البيع المتقدم، ولو حلف ألا يبيعه منه بعد أن باعه منه وكيله، ولم يعلم بذلك لما كان عليه شيء باتفاق، كما لو حلف على غيره ألا يبيع، أو ألا يهب، أو ألا يتصدق، أو لا يعتق، وهو لا يعلم أنه فعل شيئا من ذلك، فيوجد قد فعله، وقد مضى هذا المعنى في رسم العارية، من سماع عيسى، من كتاب النذور، وهو أيضا في رسم سلف، من سماع عيسى، من كتاب العتق، وأما إن قال الحالف: إنها حلفت وأنا أظن أن البيع لا يتم بينهما، ولا يلزم إلا بالافتراق، فسيأتي القول عليه في نوازل أصبغ إن شاء الله، ومثله في المعنى لو حلف ألا يبيعه منه، ثم قال: إنما حلفت وأنا ناسٍ لبيعي إياه منه، وبالله التوفيق. [مسألة: يقول غزيل طالق إن لم أقضك حقك وامرأته غزيل وهو ينوي غيرها] مسألة وسئل أشهب عن الرجل يحلف للرجل بالطلاق يقول: غزيل طالق إن لم أقضك حقك، وامرأته غزيل، وهو ينوي غيرها غزيلا أخرى لجاريته، ثم لا يقضيه.

стр. 2786

قال: هو حانث، ولا تنفعه نيته. قال محمد بن رشد: ظاهر قوله أنه حانث، ولا تنفعه نيته، وإن جاء مستفتيا، وهذا على القول بأن اليمين على نية المحلوف له، وأما على القول بأن اليمين على نية الحالف، فتكون له نيته إذا جاء مستفتيا، وكذلك لو قال: امرأتي طالق إن لم أقضك حقك، فلا يقضيه، ويأتي مستفتيا فيقول: إنما أردت امرأة أخرى كانت لي قبل ذلك، لكانت له نيته على القول بأن اليمين على نية الحالف، خلاف ظاهر ما في التخيير والتمليك من المدونة، من أنه لا يُنَوَّى في أنه أراد امرأة أخرى قد كانت له، إذا قال له: امرأتي طالق، كما ينوى إذا قال: فلانة طالق، وعلى هذا الظاهر كان يحمل المسألة جميع من رأيت من الشيوخ، أو سمعت عنه كلاما فيها، أو رأيته له، ومثله في الواضحة، وليس ذلك بصحيح، بل لا فرق بين المسألتين كما ذكرته، وإنما قال في المدونة: إنه لا ينوى إذا قال: امرأتي طالق، ولم تكن عليه بينة، وكان مستفتيا من أجل أنه حلف للسلطان وألغز له، فكانت اليمين على نيته، وقد مضى في أول سماع أشهب تفصيل القول في حكم الملغز باليمين على غيره، فلا معنى لإعادته، ولو كان الذي حلف لغريمه ليقضينه حقه بطلاق غزيل قد حضرته نيته، فادعى أنه أراد جارية له لم يصدق باتفاق، ولو قال: غزيل طالق من غير أن يحلف لأحد، وأتى مستفتيا لنوي باتفاق. فوجه ينوي فيه باتفاق، ووجه لا ينوى فيه باتفاق، ووجه يختلف في تنويته، ولا فرق في شيء من ذلك كله بين أن يقول: امرأتي طالق، أو فلانة طالق على ما ذكرناه وبيناه، وبالله تعالى التوفيق. [مسألة: حلف بالطلاق ليقضينه حقه إلى رمضان ثم سأله التأخير لرمضان آخر] مسألة قلت له: فالرجل يحلف بالطلاق ليقضينه حقه إلى رمضان، وقد كان سأل الغريم صاحب الحق أن يؤخره إلى رمضان من عام آخر.

стр. 2787

فقال: هو حانث، ولا تنفعه نيته، قال ابن القاسم: له نيته فيما بينه وبين الله تعالى. قال القاضي ﵀: المسئول في هذه المسألة هو أشهب، فقوله هو حانث ولا تنفعه نيته ظاهره، وإن أتى مستفتيا على أصله في المسألة التي قبلها من أن اليمين على نية المحلوف له، وقول ابن القاسم: له نيته فيما بينه وبين الله تعالى، هو على أحد قوليه في أن اليمين على نية الحالف، وقد مضى القول على ذلك في رسم البز، من سماع ابن القاسم وغيره. [مسألة: يقول امرأتي طالق إن كان فيها وفاء من حقه فيجد وفاء من حقه] مسألة قال سحنون: وسأل رجل أشهب فقال له: إني اتزنت من رجل عند صيرفي حقا لي، فقال الصيرفي: لم يوفك حقك، فقال: الذي قضاني: سر معي إلى غيره، فقلت: امرأتي طالق إن كان فيها وفاء من حقي، ثم سرت معه، فوجدنا وفاء من حقي. فقال له أشهب: قد حنثت، قال الرجل: إني إنما حلفت على ما أخبرني به الصيرفي. قال: قد غرك ولا ينفعك. قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن يمينه إنما وقعت على أن ما أخبره به الصيرفي حق، فلما تبين كذبه وجب عليه الحنث. [مسألة: يقول امرأتي طالق إن دخلت دار فلان ثم يقول نويت في نفسي شهرا] مسألة وسئل ابن القاسم في رجل يقول: امرأتي طالق إن دخلت دار فلان، ثم يقول ويأتي مستفتيا: نويت في نفسي شهرا. قال: لا حنث عليه، قال ابن القاسم - في رجل يقول: امرأتي طالق إن كلمت بني فلان، ويقول: نويت في نفسي إلا فلانا -: إن ذلك

стр. 2788

لا ينفعه؛ لأن الثينا لا تكون إلا بأن يتكلم به لسانه. قال محمد بن رشد: أما المسألة الأولى فلا اختلاف فيها بين أحد من أصحاب مالك وغيرهم؛ لقول النبي ﷺ : «إنما الأعمال بالنيات، ولكل امرئ ما نوى» ، وأما قوله في المسألة الثانية: إن الاستثناء لا يكون إلا بتحريك اللسان فهو المشهور في المذهب، وقد مضى القول على ذلك في رسم الجنائز والذبائح والنذور، من سماع أشهب، فمن أحب الوقوف عليه، تأمله فيه. [مسألة: حلف ليقضين فلانا حقه صلاة الظهر أي حين يقضينه] مسألة وسئل ابن القاسم عن الذي يحلف ليقضين فلانا حقه صلاة الظهر، أي حين يقضينه، أي أوسط صلاة الناس أو أولها أو آخرها؟ قال: بل أولها أول ما يصلون وعند الزوال، قلت: فإن لم يقضه حتى صلى بعض الناس وبقي آخرون؟ قال محمد بن رشد: هذا هو الاختيار أن يقضيه في أول الوقت؛ لأنه أبرأ من الحنث، فإن لم يفعل حتى صلى بعض الناس، وبقى آخرون لم يحنث؛ إذ لا يحنث إلا بانقضاء جميع الوقت قاله سحنون في كتاب ابنه، يريد الوقت المستحب، القامة للظهر، والقامتان للعصر؛ لأنه هو الوقت الذي يتسع الناس في تأخير صلاتهم إليه، فتحمل يمين الحالف عليه، وقد مضى في رسم حمل صبيا، من سماع عيسى، القول فيمن حلف ليقضينه حقه غدوة أو بكرة مستوفى، فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق. [مسألة: يحلف للرجل ليقضينه إلى أجل فيغيب الحالف] مسألة قال: وسألت ابن القاسم عن الرجل يحلف للرجل ليقضينه إلى أجل، فيغيب الحالف، فتخاف امرأته أن يحنث، فتدفع ذلك إلى

стр. 2789

السلطان، فيقضي السلطان الغريم من مال الحالف. قال: لا ينفعه ذلك، وهو حانث، قلت: فإن رفع الغريم أمره إلى السلطان، فحكم السلطان بدينه وقضاه من مال الحالف؟ قال: هو حانث إلا أن يكون وكل السلطان أن يقضي عنه، أو وكل أحدا، ألا ترى أنه يقضي عنه الحق، فيسقط عنه الحق بغير وكالة، ولا يسقط عنه اليمين، والسلطان وغيره في هذا سواء، وهو خلاف مغيب المحلوف له، ودفع الحالف المال إلى السلطان أن ذلك يخرجه من يمينه. قال محمد بن رشد: قوله: إنه لا يبرأ ويخرج من الحنث بقضاء السلطان عنه إلا أن يوكله على ذلك، هو عندي على خلاف أصله فيمن حلف ألا يقضي غريمه، أو ألا يفعل فعلا، فقضاه السلطان من ماله، أو قضى عليه بالقضاء، أو حكم عليه بذلك الفعل أنه حانث؛ لأنه إذا كان قضاء السلطان من ماله يحنث به، كما لو قضاه هو إذا حلف ألا يقضيه، وجب على قياس ذلك، ألا يكون قضاء السلطان عنه من ماله يبر به، كما لو قضاه هو إذا حلف ليقضينه. وإذا كان قضاء السلطان عنه من ماله لا يحنث به، إذ ليس قضاء السلطان كقضائه هو إذا حلف ألا يقضينه، يجب على قياس ذلك أن يكون قضاء السلطان عنه من ماله لا يبر به، إذ ليس قضاء السلطان كقضائه هو إذا حلف أن يقضيه، لا فرق بين الموضعين؛ لأنا إما أن نجعل السلطان في ذلك كوكيله عن ذلك، فيحنث بفعله إذا حلف ألا يفعل، ويبر بفعله إذا حلف ليفعلن، وهو أصل ابن الماجشون، وقد مضى ذكر الاختلاف في ذلك، في آخر سماع أشهب، وغير ما رسم، من سماع ابن القاسم، فيبر بقضاء الوكيل الموكل على القضاء، ولا يبر بقضاء الوكيل الذي ليس بموكل على القضاء، ويأتي في قضاء السلطان عنه قولان على ما بيناه، وقد مضى في رسم أسلم، من سماع عيسى، القول في قضاء الوكيل عنه، وما يتعلق بذلك، وبالله التوفيق.

стр. 2790

[مسألة: يقول لامرأته أنت طالق إن خرجت إلا برضاك فيفعل] مسألة وسألت ابن القاسم عن الرجل يقول لامرأته: أنت طالق إن خرجت إلا برضاك، أو فعلت كذا وكذا إلا برضاك فيفعل، فقامت عليه البينة، فقال: قد أذنت لي، وقالت: ما أذنت لك. قال: هي طالق، وهي مثل مسألة الدين، وكذلك كل ما كان مثل هذا الوجه، وهو قول المخزومي: وإن صدقته لم يكن لي بد من أن أحلفه بالله: لقد أذنت له. قال محمد بن رشد: قوله: وهي مثل مسألة الدين؛ يريد مسألة الرجل يحلف بطلاق امرأته إن لم يقض رجلا حقه إلى أجل سماه، وقد مضى القول فيها في آخر أول رسم، من سماع ابن القاسم، فما ذكرناه من الاختلاف فيها إذا حل الأجل، وزعم أنه قد قضاه، وزعمت المرأة أنه لم يقضه، وأنه قد حنث فيها بالطلاق، يدخل في ذلك إذا وطء، وزعم أنها قد أذنت له قبل الوطء يصدق في قول؛ أنها قد أذنت له، وإن أنكرت أن تكون أذنت له، ولا يصدق في قول، وإن أقرت أنها قد أذنت له، ويكلف بإقامة البينة أنها أذنت له قبل أن يطأ، ومعنى ذلك إذا كان له طالب باليمين غيرها، وقال أصبغ في نوازله: وإن كانت زوجته أو أم ولد ومن أشبهها ممن لا يشهد على مثله صدق إذا ادعى الإذن وجاء مستفتيا، وإن كان مشهودا عليه ومخاصما، كلف البينة على الإذن؛ وإلا أمضى عليه السلطان بدليل قوله: إنه لا يصدقه في غيرهما ممن يشهد على مثله، وإن أتى مستفتيا، وهو بعيد والصواب أن يصدق فيمن يشهد عليه إن أتى مستفتيا، وفي الزوجة وأم الولد، وإن كان مشهودا عليه ومخاصما، وبالله التوفيق. [مسألة: قال لامرأته أنت طالق لئن لم تقومي لأصبن الزيت في البلاعة] مسألة وسئل عن الرجل يقول لامرأته: قومي في الليل وسهرت، فإن الزيت غالٍ، فقالت: لا، فقال: أنت طالق؛ لئن لم تقومي لأصبنه

стр. 2791

في البلاعة، فلم تقم فصبه دون البلاعة. فقال: هو حانث إذا صبه دون البلاعة، إلا أن يكون نوى لأهريقنه، أو لأتلفنه، وكانت تلك نيته إذا لم تقم؛ لأن مالكا قال في مسألة الرجل يحلف لامرأته لتبيتن في هذا البيت، فتبيت على دكان في باب البيت؛ لأنها استأذنته على بيت أهلها، فأبى وحلف بما حلف به، وذكر مسألة مالك في رجل يشتري ثوبا لامرأته فكرهته، فحلف ألا تلبسه فرده، فاشترته المرأة فلبسته، فقال مالك: هو حانث إلا أن يكون نوى وأراد ألا تلبسه من ماله، والآخر حانث إلا أن يكون نوى بقوله: لا تبيت في هذا البيت، يريد ألا تسيري إلى أهلك، ولم يرد البيت بعينه. قال ابن القاسم: وأصل هذا أن ينظر إلى ما لفظ به، فيؤخذ به إلا أن تكون له نية، فيحتمل على نيته، وذلك أن مالكا سئل عن رجل قال لرجل: سرقت مني دينارا فقال: أنا سرقته، امرأتي طالق إن كان لك عندي دينار، فذهب ينظر فإذا جاريته سرقته وجعلته عنده، فقال مالك: هو حانث إلا أن يكون نوى عمله، وأراد ذلك، وقد سئل مالك أيضا عن رجل سئل سلفا، فقال: امرأتي طالق إن كان لي شيء أملكه، وليس ذلك له، ثم طلع له مال قد كان ورثه، ولم يكن علم به، قال مالك: هو حانث إلا أن يكون نوى أني لا أملك شيئا أعلمه، فإنما يؤخذ الناس بما لفظوا، فيحمل به على قولهم إلا أن تكون لهم نية، وذلك أن رجلا سأله عن رجل حمل لرجل جلودا، فلما بلغه غايته جعل الجلود على يدي رجل حتى يوفي الكري كراءه، فلما وفاه قال له الكري: احلف لي أنه ليس لغيرك فيه شيء، فنظر إلى علامة، فلم ينكر شيئا فحلف له، ثم نظر فإذا الذي كانت عنده قد أبدل منها شيئا،

стр. 2792

قال: هو حانث، واحتج بالمسائل التي قبلها، وذكر قول مالك وما احتج به من الناس يؤخذون بألفاظهم، إلا أن تكون لهم نية فيحملون عليها، وذكر قول مالك في مسألة الذي حلف وسئل السلف فحلف ما لي شيء أملكه، فطلع له مال من قبل ميراث لم يكن علم به، قال: قرأتها على مالك، فقال: امحها فمحوتها، وقال: هو حانث، وذكر الذي سأله عن مسألة الجلود أن ابن كنانة وابن نافع قالا: ليس بحانث، فقال له ابن القاسم: إن مالكا قال أخبرتك، وإليه رجع إلى أن الناس يؤخذون بما لفظوا به، واحتج ابن القاسم بما قال له من المسألة التي قرأها على مالك، وأمره أن يمحوها. قال محمد بن رشد: لم يراع مالك، وابن القاسم في هذه المسائل كلها بساطا، وحنث الحالف بمقتضى لفظه فيها، إلا أن تكون له نية، ومثله لمالك في رسم سلعة سماها، من سماع ابن القاسم، في رسم سلف، من سماع ابن القاسم، من كتاب التخيير والتمليك، وفي سماع أشهب من كتاب العتق، ولابن القاسم في سماع محمد بن خالد بعد هذا، والمشهور في المذهب مراعاة البساط بأن تحمل اليمين إذا لم تكن للحالف نية على بساطها، ولا تحمل على مقتضى اللفظ إلا عند عدم البساط، وهو قول مالك في رسم الطلاق الثاني، من سماع أشهب في هذا الكتاب، في مسألة النقيب، وقول ابن كنانة وابن نافع هاهنا، وقال ابن كنانة في المدنية في مسألته البالوعة، لم يسم البالوعة لشيء ينفعها به، وإنما أراد هرقه، فقد فعل، فلا حنث عليه، وهو قول أصبغ: إنه لا حنث عليه، قال: إلا أن يكون جمع من الزيت شيئا مما أهراق فتركه ولم يصبه في الحفرة، فهو حانث، وقال سحنون في نوازله من كتاب النذور في بعض الروايات: الأيمان على بساطها، فإذا وجدت اليمين ليس لها بساط فاهرب منها، وقد قيل: إن اليمين إذا لم يكن لها بساط تحمل على ما يعرف من عرف الناس في كلامهم ومقاصدهم في أيمانهم، والقولان قائمان من المدونة، وقد مضى القول في هذا المعنى

стр. 2793

مجودا في رسم جاع وغيره، من سماع عيسى، من كتاب النذور، وبالله التوفيق. [مسألة: حلف الرجل للرجل بالطلاق ليقضينه إلى أجل إلا أن يشاء أن يؤخره] مسألة وسمعت أشهب يقول: إذا حلف الرجل للرجل بالطلاق ليقضينه إلى أجل إلا أن يشاء أن يؤخره أو يأتيه أمر غالب من سلطان أو غيره، فلما خاف الأجل وأن يحنث سأله أن يؤخره فأخره إلى أيام، أرأيت إن عرض له في تلك الأيام أمر سلطان، فلم يستطع قضاءه حتى مضت أيحنث؟ قال: لا. قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله؛ لأنه قد استثنى الأمرين جميعا، فله ما استثناه في كل واحد منهما على انفراده، إن أخره كان له التأخير، وإن لم يعرض له فيها أمر يغلبه من سلطان أو غيره، وإن عرض له أمر يغلبه من سلطان أو غيره كان به معذورا، ولم يحنث، وإن لم يؤخره. [مسألة: يقول للرجل احلف لي بالطلاق فيقول له الحلال علي حرام ويحاشي امرأته] مسألة قيل لأشهب: فالرجل يقول للرجل: احلف لي بالطلاق، فيقول له: الحلال علي حرام، ويحاشي امرأته؟ فقال: لا شيء عليه، وفي رواية أصبغ أنها البتة. قال محمد بن رشد: محاشاة الرجل امرأته إذا قال: الحلال علي حرام، أو حلف بذلك على وجهين؛ أحدهما: أن يقول: الحلال علي حرام، حاشى امرأتي، أو إلا امرأتي، أو سوى امرأتي، أو ما أشبه هذا من حروف الاستثناء، فهذه المحاشاة لا بد فيها من تحريك اللسان، فإن نواها بقلبه ولم يحرك بها لسانه لم ينتفع بها على المشهور في المذهب، وقد مضى هذا قبل هذا السماع وغيره، والثاني: أن يقول: الحلال علي حرام، وينوي إيقاع لفظه بالحلال علي حرام على ما عدا امرأته، فهذه المحاشاة

стр. 2794

هي التي تكون بالنية دون تحريك اللسان، فإذا حاشى امرأته بقلبه في الموضع التي تكون فيه المحاشاة بقلبه، أو بلسانه في الموضع الذي لا بد فيه من تحريك اللسان حسبما ذكرناه، فهو موضع الاختلاف الذي أشار إليه في الرواية، وقد مضى تحصيله والقول فيه مجودا في سماع أصبغ من كتاب النذور، فلا معنى لإعادة ذلك، ومضت المسألة أيضا في رسم الطلاق الثاني، من سماع أشهب، من هذا الكتاب، وبالله التوفيق. [مسألة: قال امرأته طالق البتة إن كنت فعلت أو فعل بي فأقاموا البينة على قوله] مسألة قال ابن القاسم: قال مالك في الرجل: يقول فعل بي فلان وأعطاني، أو فعلت كذا وكذا فيأتيه رجل فيقول: قد بلغني أنك فعلت كذا وكذا، أو فعل بك كذا وكذا، قال: امرأته طالق البتة إن كنت فعلت أو فعل بي، فأقاموا البينة على قوله أنه قد كان أقر بذلك. قال: يحلف بالله ما كان إلا كاذبا، ولا شيء عليه، إلا أن تقوم بينة أن فعله عاينوه، أو فعل به ما قال عاينوه، فإنه يطلق عليه، فأما البينة على إقراره فلا؛ لأنه يقول: كذبت، قال ابن القاسم: ولو أنه أقر بعد، لم يلزمه الحنث أنه قد كان فعل، فشهد على إقراره طلق عليه. قال محمد بن رشد: قد مضت هذه المسألة، والقول فيها في رسم يشتري الدور والمزارع من سماع يحيى، فلا معنى لإعادة ذلك، وبالله التوفيق. تم الجزء الثالث من كتاب الأيمان بالطلاق بحمد لله وعونه، يتلوه الكتاب الرابع.

стр. 2795

[كتاب الأيمان بالطلاق الرابع] [حلف لهم بطلاق امرأته على ذلك أنه لا يعلمه في موضع من المواضع] كتاب الأيمان بالطلاق الرابع

стр. 2796

من مسائل نوازل سئل عنها سحنون قال سحنون في الرجل يكون له على الرجل ذكر حق بشهود، فتلف ذكر الحق، فسأل الشهود عن شهادتهم، فذكروا شهادتهم في الكتاب، فقال لهم صاحب ذكر الحق: إنه قد تلف مني، فاكتبوا لي غيره، وحلف لهم بطلاق امرأته على ذلك أنه لا يعلمه في موضع من المواضع، ولا هو في بيته، ثم وجده في بيته. قال: لا حنث عليه؛ لأنه إنما أراد علمه. قال محمد بن رشد: لم يحنثه سحنون في هذه المسألة بما يقتضيه مجرد اللفظ وحملها على البساط والمعنى المراد، وهو المشهور في المذهب خلاف قول مالك وابن القاسم في المسائل التي تقدمت، في سماع سحنون مثل قول ابن نافع وابن كنانة فيها، وقد مضى القول على ذلك، فلا وجه لإعادته، وبالله التوفيق. [مسألة: قال لامرأته أنت طالق أربعا إلا ثلاثا] مسألة ولو أن رجلا قال لامرأته: أنت طالق أربعا إلا ثلاثا، فهي ثلاث؛ لأنه بمنزلة لو قال: أنت طالق ثلاثا فهي ثلاث من قبل أنه يعد نادما، قال سحنون: وكذلك أيضا لو قال: أنت طالق مائة طلقة إلا تسعا وتسعين، فهي أيضا البتة؛ لأن الثلاث دخلت في العدة

стр. 2797

التي استثنى، قال: ولقد سألني عن هذه المسألة رجل، وأنا سائر إلى الشرق، وذكرها عن بعض أهل العراق، فتفكرت فيها، فلم أر لها مخرجا، ولا الصواب فيها غير هذا. قال محمد بن رشد: قول الرجل لامرأته: أنت طالق أربعا إلا ثلاثا، استثنى أكثر الجملة، وقد اختلف في استثناء أكثر الجملة، فقيل: إن ذلك في اللسان غير جائز، وقيل: إنه جائز، وهو الصحيح، والدليل على جوازه قول الله : ﴿فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٢] ﴿إِلا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [ص: ٨٣] ، وقوله : ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الحجر: ٤٢] لأنه استثنى في الآية الأولى المخلصين من الغاوين، وفي الثانية الغاوين من المخلصين، فلا بد أن يكون أحد الاستثناء من أكثر الجملة، فعلى هذا يكون قول الرجل لامرأته: أنت طالق أربعا إلا ثلاثا واحدة، ويحتمل أن يكون على هذا القول أيضا ثلاثا؛ لأن استثناء أكثر الجملة وإن كان جائزا في اللسان، فليس بمستعمل عند الناس في عرف كلامهم، فلما لم يكن ذلك معروفا من عادتهم في كلامهم حمل من قائله في الطلاق على أنه لم يقصد إلى ذلك، وإنما كان ندما منه استدركه، ليخرج به عما كان ألزمه نفسه من الثلاث، وأما على القول بأن استثناء أكثر الجملة غير جائز، فلا كلام في أن قول الرجل لامرأته: أنت طالق أربعا إلا ثلاثا ثلاث، هذا وجه القول في هذه المسألة على الأصول، ولم يذهب سحنون إلى شيء من هذا المعنى، والذي نحا إليه على ما يوجبه تعليله أن ما لفظ به من عدد الطلاق فيما فوق الثلاث لما كان الحكم فيه أن يكون ثلاثا كان كأنه إنما لفظ بالثلاث، فجعل قوله أربعا إلا ثلاثا، وقوله: مائة إلا تسعة وتسعين، كقوله ثلاث إلا ثلاثا، وذلك بين من قوله فهي البتة؛ لأن الثلاث دخلت في العدة التي استثنى، فعلى قوله لو قال الرجل: امرأتي طالق مائة إلا طلقة، كانت اثنتين؛ لأن الطلقة المستثناة على مذهبه إنما تقع مستثناة من الثلاث؛ إذ

стр. 2798

قوله عنده: مائة كقوله ثلاث، والأظهر على مذهب ابن القاسم وغيره أن تكون ثلاثا، ويجعل الطلقة التي استثنى مستثناة من المائة التي سمى، فتبقى تسعة وتسعون، يلزمه منها ثلاث، ويسقط الباقي. ولو قال: أنت طالق ثلاثا، إلا اثنين، إلا واحدة؛ لكانت مطلقة تطليقتين؛ لأن الواحدة مستثناة من الاثنتين، وما بقي من الاثنتين وهي واحدة، فهي المستثناة من الثلاث؛ بدليل قول الله تعالى: ﴿إِلا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٥٩] ﴿إِلا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ﴾ [الحجر: ٦٠] ، فكانت المرأة مستثناة من الاستثناء، وبالله التوفيق. [مسألة: حلف بالطلاق أن يقضي رجلا حقه رأس الهلال] مسألة وسئل أصبغ عن رجل حلف بالطلاق أن يقضي رجلا حقه رأس الهلال، فلما كان قبل حلول الأجل بأيام جاءه يتقاضاه، فقال: والله ما أجد شيئا، وإني لأخاف الحنث، فانطلق الطالب إلى رجل فقال: إن فلانا حلف لي في حق لي عليه أن يوفيني إلى الهلال، وهو معسر، وأنا أخاف عليه الحنث، فهاك عشرة دنانير، فأسلفها إياه على أنها من مالك، ولا تخبره بشيء، فانطلق إليه الرجل فقال: قد بلغني أنك حلفت لفلان في قضاء عشرة دنانير، وأنك أعسرت بها، فقال: نعم، فقال له: فهاكها سلفا مني، فاقضها إياه، فقبضها منه سلفا، وقضاها غريمه. فقال أصبغ: إن كان الحالف لم يعلم بعملهما، ولم يكن قد سبب صاحب الحق، فلا حنث عليه في رأيي، قلت: فعلى من تباعة العشرة دنانير على الذي أخذها فأسلفها إياه؟ فقال: لا تباعة

стр. 2799

على الذي دخل في ذلك، وهي للطالب على الغريم، كما هي بغير يمين، وقد تقاضى منه العشرة التي كانت فيها اليمين. قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قال: إن الحالف إذا لم يعلم بعملهما، ولم يكن الرجل من سبب صاحب الحق حتى يكون على اليقين من صحة القضاء، فقد بر؛ لأنه قد قضى العشرة التي كانت عليه، وسقطت عن ذمته، فخلص من الحنث، وترتب في ذمته عشرة أخرى للمحلوف عليه من سلف يطلبه بها، لا يمين له عليه فيها؛ لأنها غيرها، ألا ترى أنه يجوز له أن يأخذ منه فيها طعاما، وقد كان لا يجوز له أن يأخذ منه في الأولى طعاما، إن كان باعه بها طعاما، وهذا بين، وبالله التوفيق. [مسألة: يقول إن لم تأكلي هذه البيضة فأنت طالق فتأكل منها شيئا] مسألة قال: وكان مما قال المغيرة لأبي يوسف، حين كلمه بالعراق أن قال له أبو يوسف: لم قلتم في الرجل يقول لامرأته: إن أكلت هذه البيضة فأنت طالق، فتأكل بعضها، فزعمتم أنها طالق، وقلتم في الذي يقول: إن لم تأكلي هذه البيضة، فأنت طالق، فتأكل منها شيئا أنها طالق إن لم تستوعبها، فخالفتم بين بره وحنثه، والمسألة واحدة؟ فلم كان هذا هكذا؟ فقال له المغيرة: إنما تطلق على بساط الكلام ومعاني الإرادة، ونحن نقول: لو أن رجلا كانت له أخت، وكانت به غير بارة، ولا حافظة، فقيل له: إن أختك تصنع لك طعاما، فقال: امرأته طالق إن أكل لها بيضة، فبعثت إليه ببيضة، فإنه إن أكل منها شيئا حنث؛ لأنا علمنا أنه إنما سخط أمرها لقلة برها به، وعقوقها له، ولو قال له أهله القائمون عليه، والمعرضون له: إنك بحالة الضعف، ونحن نتخوف عليك الموت في تركك الأكل، وألحوا عليه في الأكل، ثم قربوا له بيضة، فقالوا: تصبر لنا على أكلها، فإن لك فيها الراحة والقوة، ولا بد منها، فقال: امرأته طالق إن أكلها، ثم أكل بعضها، فقد دلنا بعض المعنى أنه إنما كره

стр. 2800

استيعابها لمشقتها عليه في أكلها كلها، ولم يدلنا أمره أنه أراد هاهنا ما أراد في الأخت، واليمين واحدة، غير أن البساط مختلف، ذلك حلف على الاجتناب لطعام أخته، وهذا لمشقة استيعابها. قال محمد بن رشد: وجه احتجاج المغيرة على أبي يوسف، هو أنه لما سأله عن الفرق بين البر والحنث في قول الرجل: امرأتي طالق إن أكلت هذه البيضة، أو إن لم آكلها، ورأى أنه قد خفي عليه الفرق بينهما مع وضوح المعنى فيه، أراه أن الوجه الواحد منهما قد يفترق المعنى فيه بافتراق البساط تنبيها على قصور فهمه وضعف نظره؛ لأن الأيمان إذا كانت تفترق في الوجه الواحد افتراقا لا يخفى، فافتراقها في الوجهين اللذين أحدهما نقيض الآخر بين وأجلى، هذا ما لا ريب فيه ولا امتراء. ولا اختلاف أحفظه في المذهب في أن البر يفترق من الحنث، فيحنث الرجل بما لا يبر فيه، وقد مضى بيان ذلك في رسم العرية، ورسم لم يدرك، من سماع عيسى، وفي غير ذلك من المواضع، وأما البساط فمراعاته في الأيمان على ما بينه المغيرة، هو المشهور في المذهب، وقد مضى الاختلاف فيه في سماع سحنون قبل هذا وغيره، فلا معنى لإعادة ذكره، وبالله التوفيق. [قال لها أنت طالق إن أنفقت علي يومي هذا فكانت نفقتهم تأتيهم من قبل أبويه] من سماع موسى بن معاوية عن ابن القاسم وسئل ابن القاسم عن رجل كانت بينه وبين امرأته منازعة، فقال لها: أنت طالق إن أنفقت علي يومي هذا، فكانت نفقتهم تأتيهم من قبل أبويه، فخرج الرجل، فأتى من بيت أبويه لها بطعام فأكلته. قال ابن القاسم: إن كان ذلك الطعام طعاما لو شاء أن يمنعه منعه، فأراه حانثا، وإن كان طعاما لو شاء أن يمنعه لم يمنعه، رأيت أن يدين لأنه قد علم أن أباه كان يجري عليها نفقة، ولا

стр. 2801

يستطيع منعها، فإن قال: إنما أردت من عندي، ولم أرد ما أجرى عليها أبي، فلا شيء عليه، وإن كان إنما أراد تلك النفقة لا يجري عليها بها أبوه، فقد حنث؛ لأنه قد حلف وهو يعلم أن أباه يجري عليها، وهو لا يستطيع أن يمنعه، فإن كان حلف على منعه فهو حانث، وإن لم تكن له نية حين حلف، ولم يكن طعاما يستطيع أن يمنعه، ولو علم به، فلا شيء عليه. قال محمد بن رشد: في كلام ابن القاسم هذا في هذه المسألة التباس لطوله، والمعنى فيه إذا اعتبرته أن الطعام إن كان يقدر على منعه، فهو حانث، ولا ينوى معناه مع قيام البينة عليه، وإن كان طعاما لا يقدر على منعه فهو حانث، إلا أن يقول: إنما نويت ألا أنفق عليها أنا من مالي؛ إذ فقد علمت أن نفقة أبي لا أقدر على منعها، فينوى في ذلك يريد مع يمينه، والله أعلم، من أجل قيام البينة عليه، وهو قول صحيح على أصولهم في الأيمان؛ لأن الطعام إذا كان يقدر على منعه فهو كما لو قال من عنده، فوجب أن يحنث بأكلها إياه، ولا يصدق في نية إن ادعاها مع قيام البينة عليه، كما لو أنفق عليها من ماله، ثم قال: إنما نويت طعاما كذا، أو على وجه كذا، وما أشبه ذلك، وإذا كان لا يقدر على منعه كانت النية محتملة إذا لم ينفق هو عليها عن ماله، فصدق فيها، وبالله التوفيق. [سألته امرأته الإذن إلى أهلها فقال أنت طالق إن بت الليلة إلا في بيتك أو في البيت] من سماع محمد بن خالد وسؤاله ابن القاسم قال محمد بن خالد: قال ابن القاسم في رجل سألته امرأته الإذن إلى أهلها، فقال: أنت طالق إن بت الليلة إلا في بيتك، أو في البيت، فأقامت وباتت خارجا من البيت في حجرتها. قال: إن كانت نيته بأنه إنما أراد منعها من إتيان أهلها، فلا حنث عليه، وإن لم تكن له نية فهو حانث. قال محمد بن رشد: قد تقدمت هذه المسألة لمالك في سماع سحنون، وهي على خلاف المشهور؛ لأنه اعتبر فيها مقتضى اللفظ دون ما

стр. 2802

يدل عليه البساط من المعنى، وقد مضى القول على ذلك هنالك، فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق. [مسألة: تزوج امرأة وحلف لها بطلاقها ألا يدخل بها حتى يوفيها صداقها] مسألة وسألته عن رجل تزوج امرأة، وحلف لها بطلاقها ألا يدخل بها حتى يوفيها صداقها، فطلقها واحدة من قبل أن يدخل بها، فبانت منه، فأخذت نصف الصداق، ثم إنه تزوجها بعد ذلك بأدنى من الصداق الأول الذي حلف عليه ألا يدخل عليها حتى يدفعه إليها ودخل بها. قال ابن القاسم: أما ما كان يرجع في تزويجه إياها على بقية الصداق الذي كان حلف فيه، فالحنث واقع عليه، ولو كان بتها، ثم تزوجها بعد زوج بأدنى من ذلك، لم يقع عليه حنث، وذلك أن الطلاق الذي حلف فيه لم يبق منه شيء، وهو على طلاق مبتدأ. قال محمد بن رشد: قوله: إن اليمين ترجع عليه ما بقي من طلاق ذلك الملك شيء صحيح، على معنى ما في المدونة، ومثله في رسم النذور، من سماع أصبغ، وفي نوازله بعد هذا من هذا الكتاب، وقال: إن الحنث واقع عليه إن تزوجها بعد ذلك بأدنى من الصداق الأول الذي حلف عليه، ألا يدخل بها حتى يدفعه إليها، ودخل بها، ولم يبين لماذا رأى أن الحنث واقع عليها، أن كان بأن دخل بها قبل أن يدفع إليها ما سمى لها، أو أن كان بأن سمى لها أقل من الصداق الأول الذي حلف عليه، والذي ينبغي أن يتأول عليه أنه إنما رأى الحنث واقعا من أجل أنه دخل بها قبل أن يدفع إليها ما سمى لها، ولو كان إنما دخل بها بعد أن دفع إليها ما سمى لها، لم يقع عليه حنث، وان كان ذلك أقل من الصداق الأول الذي حلف ألا يدخل عليها حتى يدفعه إليها؛ لأنه لم يحلف ألا يدخل بها حتى

стр. 2803

يدفع إليها كذا وكذا، وإنما حلف حتى يدفع إليها صداقها، فمعنى يمينه إنما هو ألا يدخل بها حتى يوفيها جميع حقها، وهذا بين، والله أعلم. [مسألة: اللصوص إذا استحلفوا الرجل بالحرية والطلاق ألا يخبر بهم فأخبر عنهم] مسألة قلت لابن القاسم: أسمعت من مالك في اللصوص إذا استحلفوا الرجل بالحرية والطلاق ألا يخبر بهم، فأخبر عنهم أنه ليس عليه في يمينه شيء؟ قال: نعم، ذلك قول مالك. قال محمد بن رشد: معنى قول مالك فيما ذهب إليه من أنه ليس عليه من يمينه شيء، إنما هو إذا خشي على نفسه منهم مكروها في نفسه باتفاق، أو في ماله على اختلاف إن لم يحلف لهم، وأما إذا لم يخش منهم مكروها على نفسه إن لم يحلف لهم، للزمته اليمين، وحنث إن أخبر عنهم، وإن كان لا يجوز له أن يستر عنهم، ويجب عليه أن يخبر عنهم حتى يقام الحد عليهم، وانظر لو كان في إخباره عنهم مع إقامة الحد عليهم جبر أموال الناس عليهم من عندهم، هل يكون ذلك عذرا له يسقط اليمين عنه أم لا، وقد مضى في رسم حمل صبيا، من سماع عيسى، ما يبين هذا، ويوضح ما هو إكراه مما ليس بإكراه، فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق. [مسألة: قال لصاحب له امرأته طالق إن كلمتك حتى تبدأني بالكلام] مسألة قال ابن خالد: وسئل ابن نافع عن رجل قال لصاحب له امرأته طالق إن كلمتك حتى تبدأني بالكلام، فقال له صاحبه: أنا والله لا أبالي، هل ترى هذا منه تبدية؟ فقال: لا. قال محمد بن رشد: قد مضى القول في هذه المسألة، في رسم العرية، من سماع عيسى، فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.

стр. 2804

[يقول لامرأته وهي حامل إذا وضعت فأنت طالق] من سماع ابن الحسن من ابن القاسم قال عبد الملك بن الحسن: سئل ابن القاسم وأنا أسمع، عن رجل قال لامرأته: إذا بلغت هي موضع كذا وكذا، فهي طالق. قال: هي طالق تلك الساعة، ومثلها أيضا الرجل يقول لامرأته وهي حامل: إذا وضعت فأنت طالق، قال: هي طالق تلك الساعة، ومثلها الرجل يقول لامرأته: إذا كفلت ابني ثلاث سنين فأنت طالق. قال: هي طالق تلك الساعة. قال محمد بن رشد: قد مضى القول في قول الرجل لامرأته إذا بلغت معي موضع كذا وكذا فأنت طالق في رسم سلف، من سماع يحيى، ومضى القول على قول الرجل لامرأته إذا كفلت ابني ثلاث سنين فأنت طالق، في رسم الشجرة، من سماع ابن القاسم: فأغنى ذلك عن إعادته هنا مرة أخرى، وبالله تعالى التوفيق. [مسألة: قال لامرأته أنت طالق البتة إن لم يكن عمر بن الخطاب من أهل الجنة] مسألة قال عبد الملك: وأخبرني غير واحد من المصريين أن ابن القاسم سئل عن رجل قال لامرأته: أنت طالق البتة إن لم يكن عمر بن الخطاب من أهل الجنة. قال ابن القاسم: لا حنث عليه، قال: وأخبرني من أثق به في أبي بكر وعمر مثل ذلك، قال ابن الصلت: وسمعت ابن القاسم يقول في عمر بن عبد العزيز: مثل ذلك. قال محمد بن رشد: أما من حلف بالطلاق أن أبا بكر وعمر من أهل الجنة، فلا ارتياب في أنه لا حنث عليه، وكذلك القول في سائر العشرة أصحاب حراء الذين شهد لهم رسول الله ﷺ بالجنة، وكذلك من جاء فيه عن النبي ﷺ من طريق صحيح أنه من أهل الجنة، كعبد الله بن سلام، فيجوز

стр. 2805

أن يشهد له بالجنة، وأما عمر بن عبد العزيز، فوقف مالك ﵀ في تحنيث من حلف عليه أنه من أهل الجنة، وقال: هو إمام هدى، وقال: هو رجل صالح، ولم يزد على ذلك؛ إذ لم يأت فيه نص يقطع العذر، ووجه ما ذهب إليه ابن القاسم التعلق بظاهر ما روي عن النبي ﷺ من قوله: «إذا أردتم أن تعلموا ماذا للعبد عند ربه، فانظروا ماذا يتبعه من حسن الثناء» ، وقوله: «أنتم شهداء الله في الأرض، فمن أثنيتم عليه بخير وجبت له الجنة، ومن أثنيتم عليه بشر وجبت له النار» ، وقد حصل الإجماع عن الأمة على حسن الثناء عليه، والإجماع معصوم؛ لقوله ﷺ : «لن تجتمع أمتي على ضلالة» ، وقد مضى في رسم الرهون، من سماع عيسى القول فيمن حلف أنه من أهل الجنة، أو أنه يدخل وهو مما يتعلق بهذا المعنى، وبالله التوفيق. [مسألة: قال امرأته طالق البتة إن قمت معك حتى أفرع من وضوئي فتوضأ] مسألة وسألته عن رجل مر به رجل وهو يتوضأ على شاطئ نهر، فقال له: قم معي في حاجة، فقال: امرأته طالق البتة إن قمت معك حتى أفرع من وضوئي، فتوضأ ثم ذهب معه، فذكر أنه نسي المضمضة أو مسح الأذنين أو الرأس، هل ترى عليه شيئا أم لا؟ قال: هو حانث؛ لأنه إنما أراد بقوله حتى أفرغ من وضوئي الوضوء الذي يتوضأ الناس، ولم يدر المفروض من المسنون. قال محمد بن رشد: وهو كما قال؛ لأن الوضوء إذا أطلق في الشرع إنما يقع على جملة الوضوء وهو يشتمل على ما فيه من الفرائض والسنن، فتحمل يمينه على جميعها لدخولها تحت لفظ الوضوء، إلا أن يخص شيئا منها بنية أو استثناء، كما يحمل على العمد والنسيان؛ لدخولها تحت عموم لفظه، إلا أن يخص النسيان من ذلك بنية أو استثناء، فتكون له نيته إن جاء مستفتيا، وبالله التوفيق.
следующие страницы →