Полный текст (9 112 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
على المنبر أعلى يمينه أم على شماله؟ قال: إن جل من عندنا ليقومون على يسار المنبر، ولقد كان عبد الله بن عبد الرحمن بن القاسم بن محمد وغيره ليقومون على يمينه، وأرى ذلك واسعا.
فقيل له فالعصا؟ قال ما أدركت أحدا ممن أدركته ولا ممن كان عندنا إلا وهو لا يعيبها، وإن قائلا ليقول إن فيها لشغلا عن مس اللحية والعبث، فقيل له: أيمس الرجل لحيته في الصلاة؟ قال: نعم، إن الرجل يمس لحيته في الصلاة ولكن لا يعبث.
قال محمد بن رشد: المنبر يكون على يمين المحراب فالجهة التي تليه منه هي يمينه والجهة الأخرى هي يساره، فوجه القيام على يمينه أقرب إلى المحراب وأقل في التخطي إليه إذا فرغ من الخطبة، ووجه القيام عن يساره ليعتمد بيمينه على عمود المنبر فالاختيار عندي لمن لا يمسك بيده عصى يتوكأ عليها في خطبته أن يقوم على يسار المنبر ليعتمد بيمينه على عمود، ولمن يمسك بيده عصا أن يقوم على يمينه.
وظاهر هذه الرواية أن إمساك الخطيب بيده عصا مباح، والذي مضى في آخر رسم "سلعة سماها" أن ذلك مستحب هو الصحيح؛ لأنه الماضي من فعل النبي ﷺ والخلفاء بعده.
وإنما قال إنه لا يعبث بلحيته في الصلاة لأن ذلك ترك للخشوع فيها، وقد روي ذلك عن النبي، ﵇، على ما مضى في أول من هذا السماع.
[المريض يكون مسكنه قريبا من المسجد فهو يتبلغ إليه ماشيا ثم يصلي جالسا]
ومن كتاب أوله باع غلاما وسئل مالك عن المريض يكون مسكنه قريبا من المسجد فهو يتبلغ إليه ماشيا ثم يصلي جالسا، قال: لا يعجبني ذلك، ولو أصابه بعد أن يأتي المسجد أمر وقد جاءه صحيحا لم أر به بأسا أن يصلي جالسا.
стр. 317
قال محمد بن رشد: وهذا كما قاله؛ لأنه إذا قدر على الإتيان من مسكنه إلى المسجد وإن كان قريبا لا يضعف عن القيام في الصلاة، وإن ضعف عن طول القيام مع الإمام فيلزمه أن يقف معه ما أطاق، فإذا ضعف عن القيام جلس في بقية ركعته، ويفعل ذلك في كل ركعة؛ لأن القيام عليه فرض في كل ركعة، ولا يسقط عنه وهو قادر عليه، وبالله التوفيق.
[مسألة: الذي يكثر عليه السهو في الصلاة]
مسألة وقال مالك في الذي يكثر عليه السهو أرى أن سجدتيه إنما تكونان بعد السلام، وذلك أنه يكثر عليه السهو، وإنما هو شيء يقوله إني أتخوف أن أكون قد سهوت ولا يستيقن، فلا أحب أن يزيد في صلاته شيئا على الشك ولعله لم يسه، ولو كان يستيقن لأمرته أن يجعلهما قبل السلام.
قال محمد بن رشد: معنى هذه المسألة في الذي يستنكح بكثرة الشك في النقصان، فلا يدري أنقص شيئا أم لم ينقص، ومثل هذا لمالك أيضا في رسم "أوصى" ورسم "إن خرجت" من سماع عيسى، يريد ولا يبني على اليقين لأنه مستنكح بكثرة السهو.
وقال ابن حبيب في الواضحة: إنه يسجد قبل السلام، واختاره الفضل. وقد روي عن مالك أنه لا سجود عليه في نحو هذه المسألة، فقال الفضل: إنها هذه المسألة، وإن ذلك اختلاف من قول مالك، وذهب محمد بن المواز أنها ليست هذه المسألة وإنما قال مالك: إنه لا سجود عليه في الذي يكثر عليه السهو في الصلاة لا الشك فيه، فهذا لا بد له من إصلاح ما سها إذ لا يشك فيه، ثم لا سجود عليه بعد إصلاحه لكثرة سهوه، ويسجد عند فضل في هذه المسألة بعد إصلاح سهوه على ما يوقن به، وبالله التوفيق.
стр. 318
[مسألة: مال محمله حتى حول رأسه إلى رأس البعير كيف يصلي]
مسألة وسئل عن الرجل مال محمله حتى حول رأسه إلى رأس البعير، فإذا أراد أن يصلي ويحول وجهه إلى دبر البعير، قال: لا أحب له أن يصلي إلا على سير البعير الذي يسير عليه.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قاله؛ لأن قبلته التي يصلي إليها إذا صلى على بعيره وجهته التي يصير إليها، لقول الله : ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥] ، فإذا صلى ووجهه إلى دبر البعير فقد صلى إلى غير قبلته في تلك الحال وإن كان وجهه تلقاء الكعبة، وبالله التوفيق.
[مسألة: صاحب المنزل أولى بالتقدم في الصلاة في منزله]
مسألة قال مالك: لم أزل أسمع أن صاحب المنزل أولى بالتقدم في الصلاة في منزله، ولقد بلغني أن رجالا من أهل الفضل والفقه إن كانوا لينزلون بالرجل في منزله فيقدمونه فيه لأنه منزله، ولم أزل أسمع أن صاحب الدابة أولى بصدرها من الذي يردفه، ورأيته يستحسنه.
قال محمد بن رشد: المعنى في كون صاحب المنزل أحق بالإمامة فيه من غيره هو أنه ليس لأحد أن يصلي في منزل غيره حتى يأذن له في الموضع الذي يصلي فيه منه، لقول النبي ﷺ لعتبان بن مالك: «أين تحب أن أصلي فأشار له إلى مكان من البيت فصلى فيه» .
فإذا لم يكن لأحد أن يتقدم في منزل رجل إلى موضع الإمام منه إلا بإذنه وكان هو أحق بالصلاة في ذلك الموضع من غيره ثبت أنه أحق بالإمامة فيه، غير أنه يستحب له إذا كان
стр. 319
في القوم أحق بالإمامة منه أن يقدمه، وكذلك صاحب الدابة هو أولى بصدر دابته إذا أباح للرجل أن يركب معه عليها، إلا أن يأذن له في ركوب مقدمها؛ لأن الذي يركب مقدمها هو الذي يملكها وهو الذي يحكم له بها لو تداعى فيها مع الذي يركب مؤخرها، فليس لأحد أن يزيله عن هذه المرتبة إلا باختياره وبالله التوفيق.
[مسألة: النوم على الوجه وهو ساجد]
مسألة وسئل مالك عن النوم على الوجه وهو ساجد، قال من طال ذلك منه فليتوضأ أحب إلي.
قال محمد بن رشد: قد تقدم تفصيل القول في هذه المسألة وتبيين وجوهها قبل هذا في رسم "سن " فلا معنى لإعادة ذلك.
[مسألة: أناس يحيون الليل كله]
مسألة فقيل له: يا أبا عبد الله، إن ناسا يحيون الليل كله، فكره ذلك كراهة شديدة وعابه وقال: إن أحدهم لا يدري ما يقرأ وينام في الصلاة، ولعله لا يصلي الصبح إلا وهو مغلوب. قال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] ، فكان رسول الله ﷺ يقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه، فأحب للرجل إذا كان يصلي من الليل فأصابه النوم أن ينام حتى يذهب عنه النوم، ولا يصلي وهو يجد ذلك. قال ابن القاسم: رجع بعد ذلك وقال لا بأس بذلك إذا قوي عليه إذا لم يضر ذلك بصلاة الصبح.
قال محمد بن رشد: قد تقدم القول على هذه المسألة في رسم "طلق" فلا فائدة لإعادته.
стр. 320
[مسألة: القيام في الصلاة من السجود بغير اعتماد على اليدين]
مسألة وسئل مالك عن القيام في الصلاة من السجود بغير اعتماد على اليدين، فقال: لا بأس بذلك وكرهه أيضا.
قال محمد بن رشد: قال في المدونة إن شاء اعتمد وإن شاء لم يعتمد، وكان لا يكره الاعتماد. وفي رسم "الصلاة" الأول من سماع أشهب أنه كره ترك الاعتماد، فمرة أجاز مالك ترك الاعتماد وفعله ورأى ذلك سواء، وهو مذهبه في المدونة، ومرة استحب الاعتماد وخفف تركه، وهو الذي يدل عليه قوله في هذه الرواية، لا بأس بذلك، أي لا بأس بتركه، ومرة استحبه وكره تركه، وهو قوله في هذه الرواية: وكرهه أيضا، أي كره تركه. وقوله في سماع أشهب أيضا وهو أولى الأقوال بالصواب؛ لأنه قد روي عن النبي ﷺ أنه قال: «إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير، ولكن يضع يديه ثم ركبتيه» فإذا أمره ﷺ أن يضع يديه بالأرض قبل ركبتيه في سجوده لئلا يشبه البعير في بروكه وجب بدليل قوله أن يضع يديه بالأرض إذا قام لئلا يشبه البعير في قيامه، وهذا بين وإلى هذا نحا بقوله في سماع أشهب ما يطيق هذا إلا الشاب الخفيف اللحم الذي يقول هاتوا من يضع جنبي، فكأنه رأى الاعتماد من السكينة في الصلاة، والله أعلم.
وفي البخاري: " عن ابن عمر أنه كان إذا سجد وضع يديه قبل ركبتيه "، وحكى عنه ابن حبيب خلاف ذلك أنه كان إذا سجد أول ما يقع منه على الأرض ركبتاه ثم يداه ثم وجهه، وإذا رفع رفع وجهه ثم يديه ثم ركبتيه.
قال محمد بن رشد: وقد روي عن وائل بن حجر أنه قال: " رأيت رسول الله ﷺ يفعل ذلك ". قال ابن حبيب: ومن تحرى هذا فحسن، ومن
стр. 321
لم يطقه فلا حرج، وذلك شأن لا يطيقه إلا الشاب الصحيح الجسم الخفيف اللحم كما قال مالك، والذي ذكر عنه البخاري أحسن وأقرب إلى السكينة، والله أعلم.
[القوم يتذاكرون الفقه القعود في ذلك أحب إليك أم الصلاة]
ومن كتاب أوله صلى نهارا ثلاث ركعات وسئل مالك عن القوم يتذاكرون الفقه، القعود في ذلك أحب إليك أم الصلاة؟ قال: بل الصلاة، فقلت له: فما بين الظهر والعصر؟ قال: قيل لسعيد بن المسيب إن قوما يصلون ما بين الظهر والعصر، فقال سعيد: ليست هذه عبادة إنما العبادة الورع عما حرم الله والتفكير في أمر الله. قال مالك: وإنما كانت صلاة القوم بالهاجرة والليل ولم تكن هذه صلاة القوم.
قال محمد بن رشد: قد روي عن مالك أن العناية بالعلم أفضل من الصلاة، وهو الذي تدل عليه الآثار. روي أن رسول الله، ﵇، قال: «مثل المجاهد في سبيل الله مثل الصائم القائم الدائم الذي لا يفتر عن صلاة ولا صيام حتى يرجع» ، وقال: «ما أعمال البر كلها في الجهاد إلا كبصقة في بحر وما أعمال البر كلها والجهاد في طلب العلم إلا كبصقة في بحر» ، ورأى في هذه الرواية أن الصلاة في الأوقات المرغب في الصلاة فيها كالهواجر وآخر الليل أفضل من الجلوس لمذاكرة العلم فكأنه ذهب إلى أن محافظة العلماء على الصلاة في هذه الأوقات وإيثارهم لذلك على الجلوس فيها لمذاكرة العلم إجماع منهم على أن ذلك أفضل، فخصص عموم الآثار الواردة في أن طلب العلم أفضل أعمال البر بهذا الإجماع فرأى
стр. 322
الصلاة فيها أفضل ورأى فيما سواها الجلوس لمذاكرة العلم أفضل، لا سيما بين الظهر والعصر، لقول سعيد بن المسيب فيها ليست عبادة، أي ليست عبادة من العبادات المرغب فيها، لا أنها ليست عبادة أصلا، ولما جاء من أن عمر بن الخطاب كان إذا صلى الظهر جلس للناس يحدثهم بما يأتيه من أخبار الأجناد ويحدثونه عن أحاديث النبي ﷺ ، فهو قول له وجه والله أعلم.
وروي عن سحنون أنه قال: يلزم أثقلهما عليه. ووجه قوله أن الأدلة استوت عنده من ناحية السمع في الأفضل من ذلك، فرجع إلى ما يوجبه النظر مما قد قرره الشرع من أن الأجود في الأعمال يكون على قدر النصب والعناء فيها، وبالله التوفيق.
[مسألة: الذي يصيبه الوعك أيجمع الصلوات كلها]
مسألة وسئل مالك عن الذي يصيبه الوعك، أيجمع الصلوات كلها؟ فقال: إن أصابه ذلك بعد أن تزيغ الشمس فليصل الظهر والعصر جميعا، فإن أفاق من الليل صلى المغرب والعشاء جميعا فيما بينه وبين طلوع الفجر.
قال محمد بن رشد: معنى هذه المسألة في الوعك الشديد الذي يشبه المغلوب على عقله فلا يقدر معه على الصلاة. وقوله إن أصابه ذلك بعد أن تزيغ الشمس فليصل الظهر والعصر، معناه إن كان من عادته أن يصيبه ذلك بعد أن تزيغ الشمس فليصل الظهر والعصر جميعا إذا زاغت الشمس قبل أن يصيبه مخافة أن يصيبه فلا يقدر على الصلاة.
ويدل على هذا التأويل قوله في آخر المسألة: فإن أفاق من الليل صلى المغرب والعشاء جميعا فيما بينه وبين طلوع الفجر؛ لأن الذي يقدر على الصلاة مع مرضه إلا أن الجمع به أرفق لا يباح له أن يؤخر المغرب والعشاء إلى عند طلوع الفجر، ويؤمر أن يجمع بينهما عند مغيب الشفق، إلا أن هذا الذي معه عقله إن خشي مغيب الشمس ولم يصل الظهر والعصر أو طلوع الفجر ولم يصل المغرب والعشاء
стр. 323
يصلي كيفما أمكنه، ولا يترك الصلاة حتى يخرج وقتها جملة، وستأتي هذه المسألة في آخر سماع موسى وبالله التوفيق.
[مسألة: يصلي في بيته فدخلت عليه شاة فأكلت ثوبا أو عجينا أيطردها]
مسألة وسئل عن الذي يصلي في بيته فدخلت عليه شاة فأكلت ثوبا أو عجينا، أيطردها ينحرف إليها؟ قال مالك: إن كان في المكتوبة فلا يفعل.
قال محمد بن رشد: قال هاهنا فلا يفعل، ووقع من قوله في سماع موسى بن معاوية فلا يقطع، ولا يؤدي ذلك إلى اختلاف.
وإنما المعنى في ذلك أنه يتمادى على صلاته ولا يشتغل فيها بطرد الشاة عن ثوبه أو عجينه إن كان طردها يسيرا لا تفسد عليه به صلاته، ولا يقطع أيضا صلاته لطردها على ذلك إن كان في طردها عنه شغل كثير تفسد عليه به صلاته.
ولم يفرق مالك في هاتين المسألتين بين أن. يكون الذي يخشى عليه من فساد ثوبه أو عجينه ما له بال وقدر وقيمة أو ما لا بال له ولا قدر لقيمته. وإلى الفرق بين ذلك ذهب ابن القاسم في سماع موسى عنه فقال في الرجل يخطف رداؤه وهو يصلي إنه لا بأس أن يقطع ويذهب في طلب ردائه ثم يستأنف صلاته.
وقال في الذي يخاف على الشيء من متاع البيت أن ينفسد مثل زقاق الزيت والخل يخاف عليها أن تنشق ما دل على أنه يسعه أن يسويها ويصلحها ويتمادى على صلاته، خلاف ما ذهب إليه مالك من كراهة الاشتغال في صلاته بنحو هذا، وهو أظهر عندي من قول مالك؛ لأنه إن ترك ذلك الشيء يفسد وله قدر وقيمة كثيرة وتمادى في صلاته ولم يشتغل بإصلاحه دخل عليه من اشتغال باله بتلفه وفساده ما هو أشد عليه من اشتغاله بتلافيه وإصلاحه ورفع الفساد عنه، مع ما في ذلك من إضاعة المال الذي قد نهى عنه النبي ﷺ .
стр. 324
[مسألة: القرية والثغر يكون فيه قوم يرابطون ستة أشهر أو أكثر أيجمعون الجمعة]
مسألة
وسئل مالك عن القرية والثغر يكون فيه قوم يرابطون ستة أشهر أو أكثر، أيجمعون الجمعة؟ قال: إن كانت قرية فيها بيوت متصلة وسوق فإني أرى لهم جمعة، وإن لم يكونوا كذلك فلا أرى لهم جمعة.
قال محمد بن رشد: يريد إن كان للقرية التي يقيم فيها المرابطون بيوت متصلة لها عدد وسوق دون القوم المرابطين بها، وجبت عليهم الجمعة، وأما إن لم يبلغوا العدد المشترط في وجوب الجمعة إلا بمن فيها من المرابطين فلا تجمع فيها الجمعة.
واختلف قول مالك في اشتراط السوق في ذلك، فمرة ذكره ومرة تركه، فليس بشرط في ذلك على أصل مذهبه. وقد مضى نحو هذا في رسم "الشجرة تطعم بطنين في السنة ".
[مسألة: الذي يقيم الصلاة لنفسه ثم يسمع الإقامة في بعض المساجد]
مسألة وسئل مالك عن الذي يقيم الصلاة لنفسه ثم يسمع الإقامة في بعض المساجد، أترى أن يقطع ويخرج لفضل الجماعة؟ قال لا أرى ذلك إن دخل في الصلاة المكتوبة أن يخرج إلى جماعة، وليتم على صلاته.
قال محمد بن رشد: مثل هذا في المدونة أنه لا يقطع ويتمادى على صلاته. والوجه في ذلك أنه لما دخل في الصلاة وجب عليه إتمامها ولم ينبغ له أن يقطعها إلا لعذر، لقول الله : ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣] ، ولا عذر له في الخروج لفضل الجماعة، إذ ليس إتيانها بواجب عليه، فلا ينبغي له ترك واجب لما ليس بواجب، وبالله التوفيق.
стр. 325
[خرج من الفسطاط وهو مقيم ثم اليوم واليومين أيتم الصلاة أم يقصر]
مسألة وسئل عمن خرج من الفسطاط إلى بئر عميرة وهو مقيم ثم اليوم واليومين، مثل ما يصنع الأكرياء حتى يجتمع الناس ويفرغوا، أيتم الصلاة أم يقصر؟ قال: بل يقصر.
قال محمد بن رشد: قد تكلمنا على هذه المسألة عندما تكلمنا على المسألة الواقعة قرب آخر رسم "حلف "، وذكرنا هناك الفرق الصحيح عندنا بين المسألتين فأغنى ذلك عن إعادته هنا، وبالله التوفيق.
[مسألة: جمعتان في مدينة واحدة في يوم واحد]
مسألة وسئل مالك عن إمام بلد نزل منها في أقصى المدينة فصلى بمكانه الجمعة واستخلف خليفة على القصبة يصلي بهم، فكان يجمع بمن حضره ويصلي خليفته بأهل المدينة فتكون جمعتان في مدينة واحدة في يوم واحد، قال مالك: لا أرى الجمعة إلا لأهل القصبة؛ لأنه ترك الجمعة في موضعها.
قال محمد بن رشد: الظاهر من قول مالك هاهنا أن الجمعة إنما تكون لأهل القصبة وأنه لا جمعة للإمام ولمن صلى معه في أقصى المدينة، وأن عليهم الإعادة ظهرا أربعا.
وهذا المعنى هنا أبين مما هو في المدونة، وإن كان ظاهرا فيها؛ لأنه لا يكون عنده على هذه الرواية جمعتان في مصر واحد. وقد روى ابن وهب وابن أبي أويس عن مالك أن صلاتهما جميعا جائزة.
وسئل عن ذلك لشك من شك في جواز صلاة من لم يصل مع الإمام، فقال صلاتهم جائزة. قال ابن وهب: ولم يشكوا في جمع الجمعة في موضعين، وإنما شكوا أن تكون الجمعة مع الإمام أوجب منها مع خليفته.
وقد قال يحيى بن عمر ومحمد بن عبد الحكم. أما الأمصار العظام مثل مصر
стр. 326
وبغداد فلا بأس أن يجمعوا في مسجدين للضرورة، وقد فعل ذلك والناس متوافرون فلم ينكروه.
[مسألة: القوم يبرزون من مكة إلى ذي طوى أيقصرون بها]
مسألة وسئل عن القوم يبرزون من مكة إلى ذي طوى يريدون المسير، أيقصرون بها؟ قال لا أرى ذلك، ولكن أرى لهم أن يتموا حتى يسيروا.
قال محمد بن رشد: مثل هذا في كتاب الحج الثالث من المدونة، وزاد لأن ذا طوى عندي من مكة، فذكر العلة في ذلك وبان بذلك أن ذلك ليس بمعارض لمسألة جب عميرة التي تقدمت في هذا الرسم.
[مسألة: يكونون في المسجد يوم عرفة فيكبرون ويدعون أيدخل معهم]
مسألة وسئل عن القوم يكونون في المسجد يوم عرفة فيكبرون فيه ويدعون حتى لا يجد بدا من كان فيه إلا أن يدخل معهم، قال: أرى له أن يخرج حتى إذا حضر الوقت رجع فصلى.
قال محمد بن رشد: قد مضى هذا المعنى في رسم "حلف بطلاق امرأته "، فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.
[مساجد القبائل يصلى فيها بغير أردية]
ومن كتاب أوله مساجد القبائل قال: وسئل مالك عن مساجد القبائل يصلى فيها بغير أردية، فكرهه وقال: قال الله ﵎: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١] .
стр. 327
قال محمد بن رشد: قد استدل مالك ﵀ لما ذهب إليه من كراهة ترك الرداء في الصلاة في المساجد بالآية التي تلاها. وهو دليل ظاهر؛ لأن الرداء من الزينة، فكان الاختيار أن لا يترك في مسجد من المساجد تعلقا بالعموم والظاهر، وإن كانت الآية إنما نزلت في الذين كانوا يطوفون بالبيت عراة، فالفرض من اللباس ما يستر العورة منه، قال الله : ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ﴾ [الأعراف: ٢٦] ، والاختيار منه في الصلاة في المساجد بلوغ الزينة المباحة، قال : ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: ٣٢] الآية وبالله التوفيق.
[مسألة: الرجل ينام بعد المغرب وبعد الصبح]
مسألة وسئل مالك عن الرجل ينام بعد المغرب، قال ذلك يكره، قيل له فالنوم بعد الصبح؟ قال ما أعلم حراما.
قال الإمام: إنما كره النوم بعد المغرب؛ لما روي عن النبي ﷺ من رواية أبي برزة الأسلمي أنه نهى «عن النوم قبل صلاة العشاء وعن الحديث بعدها» .
والمعنى في النهي عن النوم قبل صلاة العشاء مخافة أن يغلب النائم النوم فتفوته صلاتها في الجماعة أوفي وقتها المختار، وفي النهي عن الحديث بعدها إراحة الكتاب لأن النبي ﷺ قد أخبر أن القلم مرتفع عن النيام، وكره رسول الله ﷺ السمر إلا لمصل أو مسافر. وقال مجاهد: لا يجوز السمر بعد العشاء إلا لمصل أو مسافر أو مذاكر. ووجه السؤال عن النوم بعد
стр. 328
الصبح ما روي عن عبيد بن عمير أن عبد الله بن الزبير قال: يا عبيد أما علمت أن الأرض عجت إلى ربها من نومة العلماء بالضحى مخافة الغفلة عليهم، وما روي عن عثمان بن عفان قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الصبحة تمنع بعض الرزق» ، وهو حديث يضعفه أهل الإسناد، فلم يصح عند مالك شيء من ذلك، ولذلك قال ما أعلم حراما.
وقد روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه كان يقول: النوم ثلاثة، فنوم خرق، ونوم خلق، ونوم حمق، فأما نومة خرق فنومة الضحى يقضي الناس حوائجهم وهو نائم، وأما نومة خلق فنومة القائلة، وأما نومة حمق فنومة حين تحضر الصلوات وقد كره بعض الناس النوم بعد العصر لما روي أن رسول الله ﷺ قال: «من نام بعد العصر فاختلس عقله فلا يلومن إلا نفسه» . وقد عارض ذلك ما روت أسماء من «أن رسول الله ﷺ أرسل عليا في حاجة بعد أن صلى الظهر بالصهباء فرجع وقد صلى النبي ﷺ العصر فوضع النبي ﷺ رأسه في حجر علي فلم يحركه حتى غابت الشمس فقال النبي ﷺ : " اللهم إن عبدك عليا احتبس بنفسه على نبيه فرد عليه شرفها قالت أسماء فطلعت الشمس حتى وقعت على الجبال وعلى الأرض ثم قام علي ﵁ فتوضأ وصلى العصر ثم غابت الشمس» . وهذا من أجل علامات النبوءة، وفيه الرتبة الجليلة لعلي بن أبي طالب، فتحفظ هذا الحديث واجب، فمن اجتنب النوم في هذه الأوقات لما جاء فيها مما يتقى منها فما أخطا، والله أعلم.
[مسألة: الرجل يركع فيرفع رأسه فلا يعتدل قائما حتى يهوي إلى السجود]
مسألة وسئل مالك عن الرجل يركع فيرفع رأسه فلا يعتدل قائما حتى
стр. 329
يهوي إلى السجود، أترى أن يعيد تلك الركعة؟ قال: لا، ولكن لا يعود. قال ابن القاسم: وهو رأيي.
قال المؤلف: مثل هذا في رسم "التفسير" من سماع عيسى، فالاعتدال في الفصل بين أركان الصلاة على هذا من سنن الصلاة لا من فرائضها، ومن أصحابنا المتأخرين من ذهب إلى أن ذلك من فرائضها، وإن لم يعتدل قائما في رفعه من الركوع ولا جالسا في رفعه من السجود أعاد الصلاة، ودليله ما روي أن رسول الله ﷺ قال: «لا صلاة لمن لم يقم صلبه في الركوع والسجود» وأنه قال: «لا تجزئ صلاة لا يقيم الرجل فيها صلبه إذا رفع رأسه من الركوع والسجود» . وهذا ليس بدليل قاطع لاحتمال أن يريد لا صلاة له متكاملة الأجر ولا تجزئ الإجزاء الذي هو أعلى مراتب الإجزاء.
واستدل أيضا بما روي أن رسول الله ﷺ قال للذي صلى ولم يتم الركوع والسجود: «ارجع فصل فإنك لم تصل» مرة وثانية.
وهذا أيضا محتمل أن يكون إنما أمره أن يعيد ليعلمه سنة الصلاة، لا لأن الصلاة كانت فاسدة لا تجزئه، ويكون معنى قوله فإنك لم تصل، أي لم تصل الصلاة على السنة والهيئة التي ينبغي أن تصلى عليها. وسيأتي في الرسم المذكور من سماع عيسى القول فيمن خر من ركعته ساهيا ولم يرفع رأسه أصلا إن شاء الله.
[مسألة: قوم في السفر وفيهم الفقيه وذو السن والقارئ من يؤمهم]
مسألة وسئل عن القوم يكونون في السفر، من ترى أن يؤمهم وفيهم
стр. 330
الفقيه وذو السن والقارئ؟ قال: الفقيه في رأيي أرى أن يؤمهم، وإن لذي السن حقا. فقيل له أفرأيت الرجل يؤم عمه وهو أصغر منه؟ قال: العم والد فلا أرى أن يؤمه وإن كان العم أصغر منه. قال ابن القاسم إلا أن يقدمه. قال سحنون: وذلك إذا كان العم في العلم والفضل مثل ابن الأخ.
قال محمد بن رشد: قوله إن الفقيه أولى بالإمامة من القارئ صحيح؛ لأنه أعلم بأحكام الصلاة وما تفسد به مما لا تفسد منه، وهو مذهبه في المدونة؛ لأنه قال فيها: يؤم القوم أعلمهم إذا كانت له الحال الحسنة.
قيل له فأقرؤهم؟ قال: قد يقرأ من لا ترضي حاله. هذا معنى قوله، ومعنى ما روي «يؤم القوم أقرؤهم» إن أقرأهم في ذلك الوقت كان أفقههم لأنهم كانوا يقرؤون القرآن بأحكامه من حلاله وحرامه وناسخه ومنسوخه وخاصه وعامه.
وقد روي أن رسول الله ﷺ قال: «يؤم القوم أقرؤهم» ، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سنا.
فإذا اجتمع الفقيه وصاحب الحديث والمقرئ والعابد وذو السن فالفقيه أولى بالإمامة، ثم المحدث، ثم المقرئ الماهر، ثم العابد، ثم ذو السن. وإنما كان الفقيه أولى بالإمامة من المحدث وإن كان أفضل منه لأنه أعلم بأحكام الصلاة منه.
وإنما كان المحدث أولى بالإمامة من المقرئ وإن كان أفضل منه أيضا لأنه أعلم بسنن الصلاة منه. وإنما كان المقرئ الماهر بالقراءة إذا كانت له الحال الحسنة أولى بالإمامة من العابد لأن القراءة مضمنة بالصلاة وليست العبادة مضمنة بها. وإنما كان العابد أولى بالإمامة من ذي السن لزيادة فضله عليه لكثرة قرباته. وإنما كان
стр. 331
ذو السن أحق بالإمامة ممن دونه في السن لأن أعماله تزيد بزيادة سنه فهي زيادة في الفضل، فلو كان الأحدث سنا أقدم إسلاما لكان أولى بالإمامة منه إذ لا فضيلة في مجرد السن. ألا ترى إلى ما في الحديث من تقديم الأقدم هجرة على الأقدم سنا.
والإمامة تستوجب أيضا بأربعة أشياء سوى ما ذكرنا، وهي الأبوة، والعمومة، والإمارة، واستحقاق موضع الصلاة. فالأب يؤم ابنه إذا كانت له الحال الحسنة وإن كان أدنى مرتبة منه في العلم والفضل، وكذلك العم أيضا يؤم ابن أخيه، قال في الرواية وإن كان دونه في السن، فإذا جعله أحق منه بالإمامة وإن كان دونه في السن مع أن الزيادة في السن زيادة في الفضل فليلزم على قياس قوله أن يكون أحق منه بالإمامة وإن كان دونه في الفضل والعلم إذا كانت له الحال الحسنة، خلاف قول سحنون.
ويلزم على قياس قول سحنون أن يكون الابن أحق بإمامة أبيه وإن كانت له الحال الحسنة إذا كان الابن أظهر حالا منه في المعرفة أو الصلاح، وذلك بعيد لحق الأب على ابنه.
وأما الأمير وصاحب المنزل فلا كلام في أنهما أحق بالإمامة إذا كانت لهما الحال الحسنة وإن كان غيرهما أعلى مرتبة منهما في العلم والفضل.
[مسألة: العروس يدخل بأهله في ليلة الجمعة أيتخلف عن الجمعة]
مسألة وسئل عن العروس يدخل بأهله في ليلة الجمعة، أيتخلف عن الجمعة؟ قال لا، ولا عن الظهر والعصر لا يتخلف عنهما ويخرج إليهما.
ثم قال إذا كان من ينظر إليه يفتي بالجهالة جرت في الناس. قال سحنون: وقد قال بعض الناس لا يخرج لأنه حق لها من النبي ﷺ . وقال مالك: ما يعجبني للعروس ترك الصلاة كلها.
стр. 332
قال محمد بن رشد: قول مالك إن العروس ليس له أن يتخلف عن الجمعة، ولا عن الصلاة في الجماعة هو الحق الذي لا وجه لسواه، إذ لا حق للزوجة عليه في منعه من شهود الجمعة والجماعة، ولا له بالمقام عندها عذر في التخلف عنهما، وإنما معنى قول رسول الله ﷺ : «للبكر سبع وللثيب ثلاث» أن يكون معها ويبيت عندها دون سائر أزواجه إن كانت له أزواج سواها، وليس عليه أن يلزم المقام عندها ليله ونهاره فلا يخرج إلى الصلاة ولا يتصرف فيما يحتاج إليه من حوائج دنياه، ولا لها ذلك عليه إن سألته إياه، وإنما الذي لها من الحق أن يقيم عندها المدة التي وقتها رسول الله ﷺ لها دون غيرها من نسائه.
قيل عليه وعلى سائر أزواجه، وقيل بل على سائر أزواجه لا عليه. وعلى هذا الاختلاف يختلف أيضا إن لم تكن له زوجة سواها، هل لها عليه حق في المقام معها والمبيت عندها المدة التي وقتها لها رسول الله ﷺ على ما جاء في الحديث أم لا؟ فعلى القول بأن ذلك حق لها عليه وعلى سائر أزواجه يكون ذلك لها، وعلى القول بأن ذلك حق لها على أزواجه لا عليه لا يكون ذلك لها، إذ الحق لها إنما هو على أزواجه إن كانت له أزواج لا عليه.
وقد قيل إن ذلك إنما هو حق له على سائر أزواجه لا حق لها، والأول أظهر. وظاهر ما حكى سحنون عن بعض الناس أن لها من الحق عليه أن لا يخرج إلى جمعة ولا إلى غيرها، وهي جهالة ظاهرة كما قال مالك ﵀ وغلطة غير خافية. وقول مالك ما يعجبني للعروس ترك الصلاة كلها، معناه عندي ما يعجبني أن يخفف للعروس ترك الصلاة كلها في الجماعة مع الناس في المسجد، وإنما الذي يعجبني أن يخفف له ترك بعضها للاشتغال بزوجه والجري إلى تأنيسها واستمالتها، وهذا فيما عدا الجمعة التي شهودها عليه فرض، وبالله التوفيق.
стр. 333
[النبر في القرآن في الصلاة]
مسألة وسئل مالك عن النبر في القرآن في الصلاة، قال إني لأكرهه وما يعجبني ذلك.
قال محمد بن رشد: يريد بالنبر إظهار الهمزة في كل موضع على الأصل، فكره ذلك في الصلاة، واستحب فيها التسهيل على رواية ورش، لما جاء من أن رسول الله ﷺ لم تكن من لغته الهمزة. روي: " أنه «أتي بأسير يرعد فقال أدفوه "، يريد ﷺ أدفئوه من الدفء، " فذهبوا به فقتلوه فوداه» رسول الله ﷺ من عنده ". ولو أراد قتله لقال: دافوه ودَافُّوا ودَافُّوا عليه بالتثقيل.
ولهذا المعنى كان العمل جاريا بقرطبة قديما أن لا يقرأ الإمام في الصلاة بالجامع إلا برواية ورش، وإنما تغير ذلك وتركت المحافظة عليه مند زمن قريب. ويحتمل أن يريد بالنبر في القرآن في الصلاة الترجيع الذي يحدث في الصوت معه نبر في غير موضع النبر ويحتمل أن يريد التحقيق الكثير في الهمزات إلى ما سوى ذلك مما يأخذ بعض المقرئين القرأة عليهم من الترقيق والتغليظ والروم والشم وإخفاء الحركة وإخراج جميع الحروف من حقيقة مخارجها، ولا يتأتى ذلك إلا بالعناء وتقطيع بعض الحروف؛ لأن الاشتغال بذلك في الصلاة يشغل عن تدبره وتفهم حكمه والاعتبار بعبره.
стр. 334
[مسألة: أيهم أوجب أركعتا الفجر أم الوتر]
مسألة وسئل مالك أيهم أوجب، أركعتا الفجر أم الوتر؟ قال بل الوتر بكثير. قال مالك: إن ابن عمر لم يكن يركع ركعتي الفجر في السفر.
قال محمد بن رشد: هذا مثل ما في سماع أبي زيد، ومثل ما يقوم في المدونة أن ركعتي الفجر سنة خلاف ما في رسم "الصلاة" الأول من سماع أشهب، وخلاف ما لأصبغ في سماع عيسى من كتاب المحاربين أنهما ليستا بسنة. وأصل هذا الاختلاف اختلافهم في المعنى الذي من أجله تسمى النافلة سنة، إن كان لكونها مقدرة لا يزاد عليها ولا ينقص منها، أو لكون الاجتماع لها والجماعة فيها مشروعين لها وبالله التوفيق.
[مسألة: الرجل يقرأ مع الإمام فيما أسر فيفرغ من السورة التي ابتدأها]
مسألة وسئل مالك عن الرجل يقرأ مع الإمام فيما أسر فيفرغ من السورة التي ابتدأها فيقرأ معه بغيرها إذا ختمها، وربما قرأ بالسورتين والثلاث قبل أن يفرغ الإمام، قال نعم يقرأ بذلك. قال ابن القاسم: يعني أن يقرأ إذا فرغ من السورة غيرها ولا يقيم ساكتا.
قال محمد بن رشد: هو مخير إن شاء قرأ كما قال، وإن شاء سكت، وإن شاء دعا، الأمر في ذلك كله واسع.
[مسألة: الرجل إذا فاتته ركعتان أهي أول صلاته أم آخرها]
مسألة وسئل مالك عن الرجل إذا فاتته ركعتان، أهي أول صلاته أم آخرها؟ فقال هي آخر صلاته، ويقضي ما فاته بأم القرآن وسورة.
стр. 335
قال محمد بن رشد: ستأتي هذه المسألة في رسم "الجواب "، واختلاف قول مالك فيها، وسنتكلم عليها هناك إن شاء الله.
[مسألة: يدخلان المسجد وتقام الصلاة فيحرم الإمام وهما يتحدثان]
مسألة وسئل مالك عن الرجلين يدخلان المسجد وهما في مؤخر المسجد وتقام الصلاة وهما في مؤخر المسجد مقبلان إلى الإمام، فيحرم الإمام وهما يتحدثان، قال أرى أن يتركا الكلام إذا أحرم الإمام.
قال أبو الوليد: وهذا كما قال؛ لأن تحدثهما والإمام في الصلاة وهما في المسجد مقبلان إلى الصلاة من المكروه البين؛ لأنه لهو عما يقصدانه من الصلاة وإعراض عنه، وبالله التوفيق.
[صلى الظهر ثم جاء إلى المسجد فوجد الناس قعودا في آخر صلاتهم]
ومن كتاب أوله مرض وله أم ولد فحاضت وسئل مالك عن رجل صلى في بيته الظهر ثم جاء إلى المسجد فوجد الناس قعودا في آخر صلاتهم وظن أن عليهم ركعتين، فكبر ثم قعد فسلم الإمام، قال: يسلم وينصرف ولا أرى عليه شيئا. قال ابن القاسم: وقد سمعته يقول لو ركع ركعتين يريد بذلك إذا كانت صلاة يصلي بعدها، وإن انصرف ولم يفعل فلا شيء عليه.
قال محمد بن رشد: إنما خفف له القطع إذا لم يعقد ركعة من أجل أنه لم يدخل على نية النافلة، وإنما دخل على نية الفريضة، فلم يلزمه ما لم ينو. وقد مضى في رسم "سلف " ما يشبه هذا المعنى.
стр. 336
[مسألة: نسي التشهد حتى سلم الإمام وهو معه]
مسألة قال مالك من نسي التشهد حتى " سلم الإمام وهو معه، قال يتشهد ويسلم ولا يدعو بعد التشهد.
قال محمد بن رشد: يريد ولا سجود سهو عليه؛ لأنه قد تشهد قبل سلامه وإن كان بعد سلام الإمام؛ لأنه لا يخرج من الصلاة بسلام الإمام حتى يسلم هو، وبالله التوفيق.
[: قول الناس: سبحان ربي العظيم وبحمده في التشهد]
ومن كتاب أوله نذر سنة يصومها وسئل عن قول الناس: سبحان ربي العظيم وبحمده في التشهد، قال: قد كتب إلي الأمير في ذلك فأجبته أني لا أعرف هذا. فقيل له فلا تراه؟ قال: لا. فقيل له فإذا أمكن سجوده وركوعه فقد تم؟ قال: نعم.
قال محمد بن رشد: هذا مثل قوله في المدونة إنه لا يوقت في ذلك تسبيحا، وإنه إذا أمكن يديه من ركبتيه في ركوعه وجبهته من الأرض في سجوده فقد تم ركوعه وسجوده، وكان يقول: إلى هذا تمام الركوع والسجود.
وقوله: لا أعرف هذا، معناه لا أعرفه من واجبات الصلاة، وكذلك قوله إنه لا يراه، معناه لا يراه من حد السجود الذي لا يجزئ دونه لا أنه يرى تركه أحسن من فعله؛ لأن التسبيح في سجود الصلاة من السنن التي يستحب العمل بها عند الجميع.
وقد روي «أنه لما نزلت في سورة الواقعة: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٧٤] قال رسول الله ﷺ : " اجعلوها في ركوعكم، ولما نزلت:
стр. 337
﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١] قال: اجعلوها في سجودكم» . وروي عنه أنه قال: «من ركع فقال في ركوعه: سبحان ربي العظيم ثلاث مرات فقد تم ركوعه وذلك أدناه. ومن سجد وقال في سجوده: سبحان ربي الأعلى ثلاث مرات فقد تم سجوده وذلك أدناه» .
قال ابن حبيب: يريد أن ذلك أدنى التخفيف الذي ينبغي في الركوع والسجود. وقد روي عن يحيى وعيسى بن دينار أنهما قالا: من صلى الفريضة فركع وسجد ولم يذكر الله تعالى في ذلك أعاد صلاته في الوقت وبعده، وهذا على طريق الاستحسان لا على طريق الوجوب، والله أعلم.
[مسألة: قيام الرجل بعد فراغه من الصلاة يدعو قائما]
مسألة وسئل مالك عن قيام الرجل بعد فراغه من الصلاة يدعو قائما، قال: ليس هذا بصواب ولا أحب لأحد أن يفعله. وسئل أيضا عن الدعاء عند خاتمة القرآن، فقال: لا أرى أن يدعو ولا نعلمه من عمل الناس. وسئل عن الرجل ينصرف هو وأصحاب له فيقفون يدعون فأمر بهم، أترى أن أقف معهم؟ قال لا ولا أحب لهذا الذي يفعل هذا أن يفعله ولا يقف يدعو.
قال محمد بن رشد: الدعاء حسن، ولكنه إنما كره ابتداع القيام له عند تمام القرآن وقيام الرجل مع أصحابه لذلك عند انصرافهم من صلاتهم واجتماعهم لذلك عند خاتمة القرآن، كنحو ما يفعل بعض الأئمة عندنا من الخطبة على الناس عند الختمة في رمضان والدعاء فيها وتأمين الناس على
стр. 338
دعائه، وهي كلها بدع محدثات لم يكن عليها السلف، «وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة» . وهذا من نحو ما مضى في رسم "حلف بطلاق امرأته "، ورسم "صلى نهارا ثلاث ركعات "، من كراهيته للاجتماع للدعاء يوم عرفة بعد العصر في المساجد، فرحم الله مالكا فما كان أتبعه للسنة وأكرهه لمخالفة السلف.
[مسألة: تنقيض الأصابع في المسجد]
مسألة وسئل مالك عن تنقيض الأصابع في المسجد، قال: ما يعجبني ذلك في المسجد ولا في غير المسجد.
قال محمد بن رشد: وقع في المدونة كراهية ذلك في الصلاة خاصة، ولم يتكلم على ما سوى الصلاة، وكرهه مالك هاهنا في الصلاة وفي المسجد وفي غير المسجد؛ لأنه من فعل الفتيان وضعفة الناس الذين ليسوا على سمت حسن، وكرهه ابن القاسم في المسجد دون غيره من المواضع؛ لأنه من العبث الذي ينبغي أن لا يفعل في المساجد، وبالله التوفيق.
[مسألة: تشبيك الأصابع في المسجد]
مسألة وسئل عن تشبيك الأصابع في المسجد أسمعت فيه شيئا؟ قال: إنهم لا يذكرون شيئا ولا أعلم به بأسا. وأخبرنا محمد بن خالد عن عبد الله بن نافع قال: جلس داوود بن قيس إلى مالك ومالك مشبك بين أصابعه، فأومأ داوود إلى يدي مالك ليطلقهما وقال ما هذا؟ فقال له مالك: إنما يكره هذا في الصلاة.
стр. 339
قال محمد بن رشد: قد روي عن النبي ﷺ النهي عن تشبيك الأصابع في الخروج إلى المسجد للصلاة وفي المسجد وفي الصلاة. روي عن أبي أمامة قال: لقيت كعب بن عجرة وأنا أريد الجمعة وقد شبكت بين أصابعي، ففرق بينها وقال: «إنا نهينا أن يشبك أحدنا بين أصابعه في الصلاة» ، فقلت: إني لست في صلاة، فقال: ألست قد توضأت وأنت تريد الجمعة، قال قلت: بلى، قال فأنت في صلاة.
وروي عنه أنه قال: «سمعت رسول الله ﷺ يقول: إذا توضأ أحدكم وخرج يريد المسجد فهو في صلاة ما لم يشبك بين أصابعه» .
وروي عنه «أن النبي ﷺ قال له: يا كعب بن عجرة إذا توضأت فأحسنت الوضوء ثم خرجت إلى الصلاة فلا تشبك بين أصابعك فإنك في صلاة» . ولم يصح عند مالك ﵀ من هذا كله إلا النهي عن تشبيك الأصابع في الصلاة خاصة، فأخذ بذلك ولم ير بما سواه بأسا.
وإلى هذا ذهب البخاري في كتابه، فإنه بوب باب تشبيك الأصابع في المسجد وغيره، وأدخل حديث أبي موسى عن النبي ﷺ قال: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا وشبك بين أصابعه» ، وحديث أبي هريرة: «أن رسول الله ﷺ : سلم من ركعتين فقام إلى خشبة معروضة في المسجد واتكأ عليها كأنه غضبان ووضع يده اليمنى على يده اليسرى وشبك بين أصابعه» وذكر تمام الحديث.
فأما حديث أبي موسى فلا حجة فيه لأن النبي ﷺ إنما فعله للمعنى الذي ذكره على التمثيل والبيان، وأما حديث أبي هريرة فالحجة لمالك فيه قائمة، وبالله التوفيق.
[مسألة: الرجل يتنفل في الصلاة أيقرأ بسم الله الرحمن الرحيم]
مسألة وسئل عن الرجل يتنفل في الصلاة أيقرأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أو يقرأ الحمد لله رب العالمين؟ قال: يقول الحمد لله رب
стр. 340
العالمين ويقول: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ في السورة في كل سورة إذا أراد أن يتابع سورا بعضها فوق بعض، فأما في المكتوبة فلا يفعل، وليبدأ بالحمد لله رب العالمين، ولا يقول بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
قال محمد بن رشد: لم يختلف قول مالك أنه لا يقرأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ في الفريضة لا في أول الحمد ولا في أول السورة التي بعدها؛ لأنها ليست عنده آية من الحمد، وإنما تثبت في المصحف في أولها للاستفتاح لا لأنها منها كسائر السور، فبسم الله الرحمن الرحيم ليس من القرآن عند مالك إلا في سورة النمل فإنه فيها بعض آية.
وذهب الشافعي إلى أن بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ آية من الحمد فأوجب قراءتها في الصلاة في أول الحمد. ومن أهل العلم من استحب قراءتها في الفريضة في أول الحمد، وهو مذهب محمد بن مسلمة من أصحاب مالك. ومنهم من استحب قراءتها في الفريضة في أول الحمد سرا، فيتحصل في ذلك أربعة أقوال: أحدهما إيجاب قراءتها، وهو مذهب الشافعي ومن تبعه؛ والثاني كراهة قراءتها، وهو من مذهب مالك، والثالث استحباب قراءتها، وهو مذهب محمد بن مسلمة؛ والرابع الإسرار بقراءتها. فوجه كراهة قراءتها لئلا يظنها الجاهل من الحمد فيراها واجبة؛ ولأن ترك قراءتها هو المروي عن النبي ﷺ والخلفاء بعده.
وروي عنهم أنهم كانوا يفتتحون القراءة في الصلاة بالحمد لله رب العالمين. ووجه استحباب قراءتها مراعاة قول من يراها آية من الحمد فتكون الصلاة مجزية تامة بإجماع.
ووجه من رأى الإسرار بها مخافة أن يظن أنها من الحمد وأن قراءتها واجبة.
وأما قراءة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ في النافلة فلمالك في ذلك في الحمد قولان: أحدها أنه لا يقرأ فيها، والثاني أنه يقرؤه فيها. والقولان قائمان من هذه الرواية. وله في ذلك فيما عدا الحمد من السور ثلاثة أقوال: أحدها أنه يقرؤه في كل سورة، وهو قوله في هذه الرواية.
стр. 341
والثاني: لا يقرؤه في شيء منها إلا أن يكون رجلا يقرأ القرآن عرضا يريد بذلك عرضه في صلاته، وهو رواية أشهب عنه في رسم "الصلاة" الثاني. والثالث: أنه مخير إن شاء قرأه وإن شاء تركه، وهو قوله في المدونة.
[مسألة: الرجل تفوته الركعة مع الإمام متى يقوم]
مسألة وسئل عن الرجل تفوته الركعة مع الإمام متى يقوم إذا سلم واحدة أو ينتظر حتى يسلم تسليمتين؟ قال إن كان ممن يسلم تسليمتين انتظره حتى يفرغ من سلامه كله ثم يقوم.
قال محمد بن رشد: قد مضى في رسم آخر رسم "شك في طوافه " نحو هذه المسألة والقول عليه بما بين معنى هذه، وبالله التوفيق.
[مسألة: البيع يوم الجمعة]
مسألة وسئل مالك عن البيع يوم الجمعة، هل يمنع الناس من ذلك؟ قال: لا أنكره، فقلت له فإذا أذن المؤذن؟ قال: نعم أرى أن يمنعوا. قيل له فأي الأذان هو؟ قال: الذي يكون عند قعود الإمام، ويمنع من ذلك كل من تجب عليه الجمعة ومن لا تجب عليه.
قال محمد بن رشد: السنة في الآذان يوم الجمعة أن يكون بعد قعود الإمام على المنبر، وقوله إن الأذان الذي يكون عند قعود الإمام على المنبر هو الآذان الذي يعتبر به في منع الناس من البيع، إنما يعني أنه إذا أحدث الإمام قبل ذلك أذانا مثل الأذان الذي زاده عثمان، ﵁، في الزوراء عند أول الزوال على ما ذكرناه في آخر رسم "سلعة سماها" لم يعتبر به في ذلك، وقد تقدمت هذه المسألة والقول فيها في أول رسم "حلف بطلاق امرأته " فلا معنى لإعادته.
стр. 342
[مسألة: الرجل يدخل يوم الجمعة والإمام يخطب أيجلس أم يتم صلاته]
مسألة وسئل عن الرجل يدخل يوم الجمعة فيكبر قبل أن يخرج الإمام فيخرج الإمام ولم يركع ويؤذن المؤذنون، أيجلس أم يتم صلاته؟ قال بل يتم ركعتين، وإنما يجلس من لم يحرم حتى يقعد الإمام.
قلت لسحنون: فلو أني دخلت المسجد والإمام جالس والمؤذنون أمامه يؤذنون فأحرمت ساهيا أو غافلا أو كنت جالسا فلم أفرغ من ركعتي حتى فرغ المؤذنون وقام الإمام يخطب، وذكرت له أنها نزلت بي، أترى أن أمضي في صلاتي؟ فقال لي نعم، وإنما يكره ذلك ابتداء، فإذا فعله أحد مضى ولم يقطع. قال العتبي: وجدتها لابن وهب رواية عن مالك.
قال محمد بن رشد: أما من أحرم يوم الجمعة فإنه يتمادى على نافلته حتى يتمها، كان قد ركع أم لم يركع، لما جاء في ذلك عن النبي ﷺ مما تعلق به من قال أن من جاء والإمام يخطب إنه يركع قبل أن يجلس، وقد قالوا فيمن أحرم في صلاته بالتيميم ثم طلع رجل معه ماء أنه يتمادى على صلاته ولا يقطعها، وكيف بهذا؟ وأما من دخل المسجد والإمام جالس على المنبر والمؤذنون يؤذنون فأحرم جاهلا أو غافلا فإنه يتمادى ولا يقطع على قول سحنون ورواية ابن وهب عن مالك وإن لم يفرغ حتى قام الإمام إلى الخطبة.
وقد قيل إنه يقطع، وهو قول ابن شعبان في مختصر ما ليس في المختصر. وكذلك لو دخل المسجد والإمام يخطب فأحرم لتمادى على قول ابن وهب عن مالك وسحنون، ولقطع على قول ابن شعبان، إذ لا فرق بين أن يحرم والإمام يخطب أو وهو جالس على المنبر والمؤذنون يؤذنون، لما جاء من أن خروج الإمام يقطع الصلاة وكلامه يقطع الكلام. وذلك لا يكون من قائله
стр. 343
رأيا، وهذا عندي في الذي يدخل المسجد تلك الساعة فيحرم، وأما لو أحرم بالصلاة تلك الساعة من كان جالسا في المسجد لوجب أن يقطع قولا واحدا، إذ لا اختلاف في أنه لا يجوز أن يركع تلك الساعة، بخلاف الذي يدخل المسجد تلك الساعة، إذ قد قيل إنه يركع قبل أن يجلس لقول النبي ﷺ : «إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس» ، ولما جاء أنه أمر سليكا الغطفاني وهو جالس على المنبر أن يركع ركعتين ثم قال: «إذا جاء أحدكم والإمام يخطب فليصل ركعتين خفيفتين يتجوز فيهما» ، وبالله التوفيق.
[مسألة: الغدو إلى العيدين أية ساعة هي]
مسألة وسئل مالك عن الغدو إلى العيدين أية ساعة هي؟ قال: إذا طلعت الشمس، ثم قال بعد ذلك هو العمل الذي عليه أهل الفقه عندنا. فقيل له: فمتى يكبر؟ قال إذا طلعت الشمس وغدا، فقيل له أفيجهر بالتكبير أم يسره؟ قال: أمر بين ذلك، ويكبر في العيدين جميعا في الفطر والأضحى.
قال محمد بن رشد: هذا هو الوقت المختار في الغدو إلى العيد، فإن غدا قبل طلوع الشمس لم يكبر إلا أن يكون قرب طلوع الشمس أو الإسفار البين. وقال علي بن زياد عن مالك إنه لا تكبير إلا على من غدا
стр. 344
بعد طلوع الشمس، وقع ذلك في آخر رسم " حلف بطلاق امرأته " وقد تكلمنا هناك على حكم التكبير ووجهه وما الأصل فيه ومكان الاختلاف منه.
[مسألة: إشارة الرجل بأصبعه في الصلاة]
مسألة وسئل عن إشارة الرجل بأصبعه في الصلاة، قال ليشر إن شاء ولا بأس في التشهد إذا وضع يديه على ركبتيه.
قال محمد بن رشد: معنى الكلام يشير إن شاء في التشهد ولا بأس به، فظاهره التخيير من غير استحسان منه لفعله على تركه، وقد استحسن ذلك في رسم "المحرم" بعد هذا، وهو الصواب؛ لأنها السنة من فعل رسول الله ﷺ على ما في الموطأ عنه من رواية عبد الله بن عمر.
وقد مضت هذه المسألة والتكلم عليها في رسم "شك في طوافه" قبل هذا. وفي الكلام تقديم وتأخير، وتقديره: وسئل عن إشارة الرجل بأصبعه في الصلاة في التشهد وإذا وضع يديه على ركبتيه، قال ليشر إن شاء ولا بأس به، وبالله التوفيق.
[مسألة: الصلاة في مسجد النبي ﷺ أي مواضعه أحب]
مسألة وسئل مالك عن الصلاة في مسجد النبي ﷺ أي مواضعه أحب إليك؟ قال: أما النافلة فمصلى النبي ﷺ . قال ابن القاسم: وهو العمود المخلق، وأما الفريضة فيقدم إلى أول الصف أحب إلي.
قال محمد بن رشد: استحب مالك، ﵀، صلاة النافلة في مصلى النبي ﷺ للتبرك بموضع صلاته، ورأى للصلاة في ذلك الموضع فضلا على سائر المسجد. ومن الدليل على ذلك «أن عتبان بن مالك قال لرسول الله ﷺ : يا رسول الله، إنها تكون الظلمة والسيل والمطر وأنا رجل
стр. 345
ضرير البصر فصل يا رسول الله -[صلى الله عليك وسلم]- في بيتي مكانا أتخذه مصلى، فجاءه رسول الله ﷺ فقال: أين تحب أن أصلي، فأشار له إلى مكان من البيت فصلى فيه رسول الله ﷺ » . فإذا كان ذلك الموضع من بيته بصلاة رسول الله ﷺ فيه صلاة واحدة أفضل من سائر بيته، وجب أن يكون الموضع الذي كان يواظب على الصلاة فيه في مسجده أفضل من سائر المسجد بكثير.
وإنما قال: إنه يتقدم في الفريضة إلى أول الصفوف وهو الصف الأول؛ لأن فضل الصف الأول معلوم بالنص عليه من النبي ﷺ ، فهو أولى مما علم فضله بالدليل. ولمالك في رسم "التسليف في الحيوان المضمون" من هذا السماع من كتاب الجامع أن العمود المخلق ليس هو قبلة النبي ﷺ ، ولكنه كان أقرب العمد إلى مصلى النبي ﷺ ، خلاف قول ابن القاسم أن العمود المخلق هو مصلى النبي ﷺ . وبالله التوفيق.
[مسألة: صلاة الجمعة في مجالس حوانيت عمرو بن العاص]
مسألة وسئل مالك عن صلاة الجمعة في مجالس حوانيت عمرو بن العاص ووصفت له، قال: لا بأس بذلك وأراها مثل أفنية المسجد إذا كان إنما يصلى فيها من ضيق المسجد بالناس فلا أرى بذلك بأسا.
قال محمد بن رشد: يريد مصاطب الحوانيت التي لا تأخذها الغلق الشارعة إلى الطرق المتصلة بأفنية المسجد، فحكم لها بحكم أفنية المسجد ولم ير بالصلاة فيها بأسا إذا ضاق المسجد، ولم يعط فيها جوابا بينا إذا صلى فيها والمسجد واسع من غير ضرورة. والأظهر في ذلك من مذهبه هنا وفي المدونة أنه قد أساء وصلاته جائزة، وهي رواية ابن أبي أويس عنه. وقال
стр. 346
سحنون: يعيد ظهرا أربعا. ووجه قول مالك أن الصلاة لما كانت في هذه المواضع جائزة لمن ضاق عنه المسجد وجب أن تجوز صلاة من صلى فيها وإن لم يضق عنه المسجد، أصل ذلك من صلى في الصف الثاني وهو يجد سعة للدخول في الصف الأول.
ووجه قول سحنون أن المسجد من شرائط صحة الجمعة، فإذا صلى خارجا منه وهو قادر على الصلاة فيه وجب أن لا تجزئه صلاته، أصل ذلك من صلى مكشوف العورة وهو قادر على سترها.
[قراءة سورة الإخلاص مرارا في ركعة واحدة]
ومن كتاب أوله المحرم يتخذ الخرقة لفرجه وسألته عن قراءة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص: ٢] مرارا في ركعة واحدة فكره ذلك وقال: هذا من محدثات الأمور التي أحدثوا.
قال محمد بن رشد: كره مالك، ﵀، للذي يحفظ القرآن أن يكرر ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] في ركعة واحدة مرارا لئلا يعتقد آخر أن أجر من قرأ القرآن كله كأجر من قرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] ثلاث مرات تأويلا لما روي «عن النبي ﷺ من أنها تعدل ثلث القرآن» ، إذ ليس ذلك معنى الحديث عند العلماء، ولو كان ذلك معناه عندهم لاقتصروا على قراءة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] في الصلوات بدلا من قراءه السور الطوال، ولكرروها في الركعة الواحدة من فرائضهم ونوافلهم، ولا قتصروا على قراءتها دون سائر القرآن في تلاوتهم، فلما لم يفعلوا شيئا من ذلك وأجمعوا أن من قرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] في ركعة واحدة لا يساوي في الأجر من أحيا الليل وقام فيه بالقرآن كله.
قال مالك، ﵀، إن تكريرها في ركعة واحدة من محدثات الأمور ورأى ذلك بدعة، وهو كما قال، ﵁، ولا دليل على أن تكريرها في ركعة واحدة أفضل من قراءة سورة طويلة تزيد في القدر على قدر ما يجتمع من تكريرها المرات التي كررها فيها، فيما ثبت من حديث أبي سعيد الخدري أنه سمع رجلا يقرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] يرددها فلما أصبح غدا إلى رسول الله ﷺ -
стр. 347
فذكر ذلك له وكان الرجل يتقالها، فقال رسول الله ﷺ : «والذي نفسي بيده إنها لتعدل ثلث القرآن» ، إذ قد يحتمل أنه إنما كان يرددها لأنه لا يحفظ سواها، ولم يقل رسول الله ﷺ إن ذلك من فعله أفضل من قراءة السور الطوال، وإنما علم أنها تعدل ثلث القرآن من أجل أن الرجل كان يتقالها على ما جاء في الحديث، والله أعلم.
وقد اختلف العلماء في قول النبي ﷺ : «إنها تعدل ثلث القرآن» اختلافا كثيرا لا يرتفع بشيء منه على الحديث الإشكال ولا يتخلص عن أن يكون فيه اعتراض وكلام.
وقد حكى ابن عبد البر في الاستذكار عن إسحاق بن منصور أنه قال: قلت لأحمد بن حنبل قوله ﷺ في: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] إنها تعدل ثلث القرآن ما وجهه؟ فلم يقم لي فيه على أمر بين، قال: وقال لي إسحاق بن راهويه: معناه أن الله لما فضل كلامه على سائر الكلام جعل لبعضه أيضا فضلا في الثواب لمن قرأه أضعاف غيره منه تحريضا منه على تعليمه لا أن من قرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] ثلاث مرات كان كمن قرأ القرآن كله، هذا لا يستقيم ولو قرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] مائتي مرة.
قال ابن عبد البر: هذان عالمان بالسنن وإمامان في السنة ما قاما ولا قعدا في هذه المسألة، والذي عليه أهل العلم والسنة الكف عن الجدال والمناظرة فيما سبيله الاعتقاد بالأفئدة والإيمان بما تشابه من القرآن والتسليم له وبما جاء عن النبي ﷺ من نحو هذا الحديث وشبهه في أحاديث الصفات.
قال محمد بن رشد: وقد قال بعض المتأخرين إن المعنى في ذلك أن تضعيف الأجر في قراءة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] ينتهي إلى أن يكون مثل أجر قراءة ثلث القرآن غير مضاعف، وهذا أشبه ما رأيت في ذلك من التأويلات، إلا أنه بعيد من ظاهر الحديث؛ لأنه إذا لم يعدل أجر قراءة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] مضاعفا لأجر قراءة ثلث القرآن مضاعفا أو أجر قراءة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١]
стр. 348
غير مضاعف لأجر قراءة ثلث القرآن غير مضاعف فليست بعدل له على الحقيقة. والذي أقول به أن المعنى في ذلك، والله أعلم، أن الله تفضل على من قرأ جميع القرآن بأن كتب له من الأجر في قراءة ماعدا ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] مثلي ما كتب له في قراءة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] ، لا أن من قرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] وحدها يكون له من الأجر مثل من قرأ ثلث القرآن، ولا أن من قرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] ثلاث مرات يكون له من الأجر مثل من قرأ القرآن كله.
فالأجر الذي يحصل لقارئ القرآن كله مع ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] يقع منه ثلثه لقل هو الله أحد وثلثاه لسائر القرآن على هذا التأويل. مثال ذلك الصلاة الأجر الذي يحصل للمصلي في جملة صلاته يقع منه لنيته أكثر ما يقع منه لتكبيره وقراءته وقيامه وركوعه وسجوده وتشهده وسلامه، وإن كان التعب والعناء في ذلك كله أكثر من التعب والعناء في النية.
والدليل على ذلك قول النبي ﷺ : «نية المؤمن خير من عمله» ؛ لأن العمل لا ينتفع به إذا لم تقارنه نية، فإذا قارنته نية كان جل الأجر لها على معنى ما جاء في الحديث. وكذلك سائر أعمال الطاعات، فصح تأويل ما جاء في ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] على ما ذكرناه والله أعلم بمراد نبيه ﷺ .
[الرجل يدخل المسجد النبوي بأي شيء يبدأ]
مسألة وسئل عن الرجل يدخل مسجد النبي ﷺ بالمدينة بأي شيء يبدأ؟ بالسلام على النبي ﷺ أم بركعتين؟ قال: بل بركعتين، وكل ذلك واسع. قال ابن القاسم: وأحب إلي أن يركع.
قال محمد بن رشد: وجه توسعة مالك البداية بالسلام على النبي ﷺ قبل الركعتين قوله في الحديث قبل أن يجلس، فإذا سلم على النبي ﷺ ثم
стр. 349
ركع الركعتين قبل أن يجلس فقد امتثل أمر النبي ﷺ في الركوع قبل الجلوس ولم يخالفه.
ووجه اختيار ابن القاسم للبداية بالركوع قبل السلام على النبي ﷺ قوله في الحديث: «إذا دخل فليركع» والفاء في اللسان تدل على أن الثاني عقب الأول بلا مهلة، فكان الاختيار إذا دخل أن يصل دخوله بركوعه، وأن لا يجعل بينهما فاصلة من الاشتغال بشيء من الأشياء.
[مسألة: الأصبع إذا لم يجد سواكا أيجزئه من السواك]
مسألة وسئل مالك عن الأصبع إذا لم يجد سواكا، أيجزئه من السواك؟ قال: نعم.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن النبي ﷺ رغب في السواك فقال: «عليكم بالسواك» ولم يخص سواكا من غير سواك، فكان الاختيار أن يستاك بسواك لأنه أحلى للأسنان وأطهر للفم، فإن لم يجد سواكا قام الأصبع مقامه لكونه مستاكا به ممتثلا للأمر لأنه عموم إذ لم يخص به سواكا من أصبع ولا غيره، والله أعلم.
ويتصل بهذه المسألة في بعض الروايات مسألة الحاج من أهل مكة في إفاضته من منى إلى مكة، وقد مضت في رسم "الشريكين "، وفي رسم "شك في طوافه "، والكلام عليها مستوفى هناك، وبالله التوفيق.
[مسألة: رفع اليدين في الدعاء وفي الصلاة عند التكبير]
مسألة وسئل مالك عن رفع اليدين في الدعاء، قال ما يعجبني ذلك، فقيل له: فرفع اليدين في الصلاة عند التكبير؟ فقال لقد ذكر عن رسول الله ﷺ أنه كان يفعل ذلك إذا كبر وإذا رفع رأسه من
стр. 350
الركوع وإذا ركع، وما هو بالأمر العام، كأنه لم يره من العمل المعمول به. فقيل له: فالإشارة بالأصبع في الصلاة؟ قال ذلك حسن، ثم قال على أثر ذلك حجة لتضعيف رفع اليدين في الصلاة: إنه قد كان في أول الإسلام أنه من رقد قبل أن يطعم لم يطعم من الليل شيئا، فأنزل الله : ﴿فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧] فأكلوا بعد ذلك.
قال محمد بن رشد: كره مالك، ﵀، رفع اليدين في الدعاء، وظاهره خلاف لما في المدونة؛ لأنه أجاز فيها رفع اليدين في الدعاء في مواضع الدعاء كالاستسقاء وعرفة والمشعر الحرام والمقامين عند الجمرتين على ما في كتاب الصلاة الأول منها، خلاف لما في الحج الأول من أنه يرفع يديه في المقامين عند الجمرتين.
ويحتمل أن تتأول هذه الرواية على أنه أراد الدعاء في غير مواطن الدعاء، فلا يكون خلافا لما في المدونة، وهو الأولى، وقد ذكرنا هذا المعنى في رسم "شك في طوافه ".
وأما رفع اليدين عند الإحرام في الصلاة فالمشهور عن مالك أن اليدين ترفع في ذلك، وقد وقع في الحج الأول من المدونة في بعض الروايات أن رفع اليدين في ذلك عنده ضعيف، ووقع له في سماع أبي زيد من هذا الكتاب إنكار الرفع في ذلك، وإلى هذا ينحو قوله في هذه الرواية؛ لأنه احتج فيها بما دل على أن الرفع أمر قد ترك ونسخ العمل به كما نسخ تحريم الأكل برمضان بالليل بعد النوم.
والصحيح في المذهب إيجاب الرفع في ذلك بالسنة، فهو الذي تواترت به الآثار وأخذ به جماعة فقهاء الأمصار. وروى ابن وهب وعلي، واللفظ لعلي، أنه سئل
стр. 351
عن المرأة أعليها رفع يديها إذا افتتحت الصلاة مثل الرجل؟ فقال ما بلغني أن ذلك عليها وأراه يجزئها أن ترفع أدنى من الرجال. وأما رفع اليدين عند الركوع وعند الرفع منه، فمرة كرهه مالك، وهو مذهبه في المدونة ودليل هذه الرواية وما وقع في رسم "الصلاة" الأول من سماع أشهب من حكاية فعل مالك؛ ومرة استحسنه ورأى تركه واسعا، وهو قول مالك في رسم "الصلاة" الثاني من سماع أشهب.
وروى مثله عنه محمد بن يحيى السبائي؛ ومرة قال إنه يرفع ولم يذكر في ترك ذلك سعة، وهو قوله في رواية ابن وهب عنه؟ ومرة خير بين الأمرين.
والأظهر ترك الرفع في ذلك؛ لأن علي بن أبي طالب وعبد الله بن عمر كانا لا يرفعان أيديهما في ذلك، وهما رويا الرفع عن النبي ﷺ في ذلك، فلم يكونا ليتركا بعد النبي، ﵇، ما رويا عنه إلا وقد قامت عندهما الحجة بتركه. وقد روي أيضا عن النبي ﷺ الرفع عند القيام من الجلسة الوسطى وعند السجود والرفع منه، وذهب إلى ذلك بعض العلماء، ولم يأخذ مالك بذلك ولا اختلف قوله فيه، وبالله التوفيق.
[مسألة: الرجل يصلي لنفسه أيسلم اثنتين]
مسألة وسئل عن الرجل يصلي لنفسه، أيسلم اثنتين؟ قال: لا بأس بذلك، إذا فصل بالسلام الأول أن يسلم بعد ذلك عن يساره، فقيل له: فالإمام؟ فقال ما أدركت الأئمة إلا على تسليمة واحدة، فقيل له: تلقاء وجهه؟ قال يتيامن قليلا عن يمينه.
قال محمد بن رشد: قد مضى القول على هذه المسألة في آخر رسم "شك في طوافه "، ومضى طرف من ذلك في الرسم الذي قبل هذا، فقف على ذلك.
[مسألة: عما يعمل الناس به من الدعاء حين يدخلون المسجد وحين يخرجون]
مسألة وسئل عما يعمل الناس به من الدعاء حين يدخلون المسجد
стр. 352
وحين يخرجون ووقوفهم عند ذلك، قال هذا من البدع وأنكره إنكارا شديدا.
قال محمد بن رشد: هذا مثل ما مضى في صدر الرسم الذي قبل هذا، ونحو ما مضى في رسم "حلف بطلاق امرأته "، ورسم "صلى نهارا ثلاث ركعات "، في كراهة الاجتماع للدعاء في المساجد يوم عرفة بعد العصر.
[مسألة: الرجل يصلي في المحمل يعيا في تربعه فيمد رجله يستريح]
مسألة وسئل مالك عن الرجل يصلي في المحمل يعيا في تربعه فيمد رجله يستريح في ذلك، قال: أرجو أن يكون خفيفا.
قال محمد بن رشد: وجه التخفيف في ذلك بين لأنها صلاة تطوع، وقد جاء أن له أن يصليها مضطجعا مع القدرة على القيام، روي عن النبي ﷺ أنه قال: «من صلى قاعدا فله نصف أجر القائم ومن صلى نائما فله نصف أجر صلاة القاعد» ، فإذا جاز له أن يصلي مضطجعا اتسع له أن يمد رجله للاستراحة، والله أعلم.
[مسألة: الرجل يستتر بالبعير في الصلاة]
مسألة وسئل مالك عن الرجل يستتر بالبعير قال: لا بأس بذلك، فقيل له: فالخيل والحمير؟ قال لا؛ لأن الخيل والحمير أبوالها وأرواثها نجس، وأن أبوال الإبل والبقر والغنم وأرواثها ليس بالنجس، كأنه لا يرى بالسترة بالبقرة [والشاة] في معنى قوله مع الإبل بأسا.
стр. 353
قال محمد بن رشد: قد بين في الرواية وجه منعه من أن يستتر بالخيل والبغال والحمير، ولو استتر بشيء من ذلك لكان له سترة تدفع الحرج عمن يمر أمامه وكان هو قد أساء، ولم تجب عليه إعادة؛ لأنه بمنزلة من صلى وأمامه جدار مرحاض أو كافر أو جنب وما أشبه ذلك.
[مسألة: الرجل يصلي في سقائف مكة من الشمس وبينه وبين الناس فرج]
مسألة وسئل مالك عن الرجل يصلي في سقائف مكة من الشمس وبينه وبين الناس فرج، قال أرجو أن يكون ذلك واسعا، وليس كل الناس سواء، وحر مكة شديد، ولقد وضع عمر بن الخطاب، ﵁، ثوبه فسجد عليه من شدة الحر، فقيل له: فإن كان رجل يطيق أن يصلي في الشمس ويحمل ذلك أترى أن يتقدم؟ قال نعم.
قال محمد بن رشد: خفف مالك للرجل أن يصلي وحده في السقائف ويترك التقدم إلى الفرج التي في صفوف الناس لموضع الضرورة، ولو فعل ذلك من غير ضرورة لكان قد أساء وصلاته تامة على المشهور من قول مالك.
وقد روى ابن وهب عن مالك أن من صلى خلف الصف وحده أعاد أبدا، وذهب إلى ذلك جماعة من أهل العلم، لما جاء في ذلك عن النبي ﷺ مما قد ذكرناه في أول رسم "شك في طوافه ".
ولو كان معه في السقائف غيره ولم يكن منفردا فيها وحده لكانت صلاته جائزة بإجماع. وكلما كثر عدد القوم الذين يكونون معه في السقائف كانت الكراهة له في الصلاة معهم وترك التقدم إلى الفرج التي في الصفوف أخف.
وقد روى أشهب عن مالك في رسم "الصلاة" الأول أنه سئل عمن دخل من باب المسجد فوجد الناس ركوعا وعند باب المسجد ناس يصلون ركوعا وبين يديه الفرج أيركع مع هؤلاء عند باب المسجد أم يتقدم إلى الفرج؟ قال: أرى أن يركع مع هؤلاء عند باب المسجد فيدرك الركعة، إلا أن يكونوا قليلا فلا أرى أن يركع معهم،
стр. 354
ويتقدم إلى الفرج أحب إلي. وأما إذا كانوا كثيرا فإني أرى أن يركع معهم. ففي هذا دليل على ما قلناه وبالله التوفيق.
[مسألة: صلاة الليل أثلاث عشرة ركعة أم إحدى عشرة ركعة]
مسألة وسئل مالك عن حديث النبي ﷺ في صلاة الليل أي ذلك أحب إليك أثلاث عشرة ركعة، أم إحدى عشرة ركعة؟ قال: كل ذلك قد جاء، وأكثر ذلك أعجب إلي لمن قوي عليه.
قال محمد بن رشد: هذا ما لا إشكال فيه أن الكثير من الصلاة أفضل من القليل منها مع استوائها في التطويل، وإنما اختلف أهل العلم في الأفضل من طول القيام أو كثرة الركوع والسجود مع استواء مدة الصلاة، فمن أهل العلم من ذهب إلى أن كثرة الركوع والسجود أفضل، لما روي أن رسول الله ﷺ قال: «من ركع ركعة وسجد سجدة رفعه الله بها درجة وحط بها عنه خطيئة» ، ومنهم من ذهب إلى أن طول القيام أفضل، لما روي «أن رسول الله ﷺ سئل أي الصلوات أفضل؟ قال: طول القنوت» ، وفي بعض الآثار: «طول القيام» . وهذا القول أظهر، إذ ليس في الحديث الأول ما يعارض هذا الحديث، ويحتمل أن يكون ما يعطي الله للمصلي بطول القيام أفضل مما ذكره في الحديث الأول أنه يعطيه بالركوع والسجود.
وكذلك ما روي عن النبي ﷺ : «أن العبد إذا قام فصلى أتي بذنوبه فجعلت على رأسه
стр. 355
وعاتقيه فكلما ركع أو سجد تساقطت عنه» ، لا دليل فيه أيضا على أن كثرة الركوع والسجود أفضل من طول القيام؛ إذ قد يحتمل أن يكون ما يعطي الله بطول القيام في الصلاة أكثر من ذلك كله.
[مسألة: الرجل يسافر بعد أن يصبح يوم العيدين قبل أن يصلي]
مسألة وسئل مالك عن الرجل يسافر بعد أن يصبح يوم العيدين قبل أن يصلي، قال: لا يعجبني ذلك إلا أن يكون له عذر، فقيل له: فما العذر؟ فقال: غير شيء واحد.
قال محمد بن رشد: معنى ما تكلم عليه أنه سافر بعد الفجر قبل طلوع الشمس، فكره ذلك له إلا من عذر إذ لم يجب عليه الخروج لشهود العيد بعد.
ولو طلعت الشمس وحلت الصلاة لما جاز له أن يخرج لسفره، ويدع الخروج لشهود صلاة العيد كالجمعة، فكره له السفر قبل زوال الشمس، ويحرم عليه إذا زالت الشمس وحلت الصلاة؛ لقول الله : ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩] ، والله أعلم.
[مسألة: يبقى عليه حزبه من الليل أيقرأه في مسيره إلى المسجد لصلاة الصبح]
مسألة وسئل مالك عن الرجل يبقى عليه حزبه من الليل فيخرج لصلاة الصبح وقد بقي عليه حزبه، أفترى أن يقرأ في مسيره إلى المسجد؟ قال: ما أدركت أحدا ممن أقتدي به يفعل ذلك، وما يعجبني ذلك. وقال: يقرأ في السوق وما أشبهه ما يعجبني أن يقرأ
следующие страницы →