Полный текст (9 112 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
فرغوا من المغرب قام المؤذنون يؤذنون واحدا بعد واحد كأنهم يريدون أن يبطئوا بالعشاء قليلا، قال: ذلك أحسن ولا أرى به بأسا، وذلك رفق بالناس في جمع الصلاتين. فقيل له إنه ربما تجلت السماء وانقطع المطر إلا أنه يكون الطين والوحل فيجمعون، فكأنه لم ير به بأسا، قال ما زال الناس يجمعون.
قال محمد بن رشد: سلم السائل قوله إن الجمع لا منفعة لهم فيه لتمادي المطر، وليس ذلك ببين، بل هم مع تمادي المطر في الجمع أعذر، والرخصة لهم فيه أكثر، للمشقة الداخلة عليهم في الذهاب والرجوع مرتين مع تمادي المطر.
وظاهر هذه الرواية أنه أجاز الجمع في الطين والوحل وإن لم يكن مطر ولا ظلمة، إذ لم يشترط الظلمة، وذلك خلاف قوله في المدونة والواضحة، وخلاف ما في قرب آخر الرسم الأول من سماع أشهب، وقد مضى التكلم في وقت الجمع بينهما في رسم "شك في طوافه " فلا وجه لإعادته.
[التكبير خلف الصلوات بأرض العدو]
مسألة وسئل مالك عن التكبير خلف الصلوات بأرض العدو، وقال ما سمعته، إنما هو شيء أحدثه المسودة، فقيل له: فإن بعض البلدان يكبرون دبر المغرب والصبح، فقال هو ما أحدثه المسودة.
قال محمد بن رشد: المسودة هم القائمون على بني أمية بدولة بني العباس، وكانت لهم ألوية سود فنسبوا إليها، وأنكر في هذه الرواية التكبير دبر الصلوات بأرض العدو، وسكت عنه في غير دبر الصلوات، وأجازه في الجهاد من المدونة، وفي سماع أشهب من كتاب الجهاد بحضرة العدو وبغير حضرتهم وسكت عن دبر الصلوات، فكل واحدة من الروايتين مبينة لصاحبتها. وحكى ابن حبيب أن أهل العلم يستحبون التكبير في العساكر
стр. 282
والثغور والمرابطات دبر صلاة العشاء وصلاة الصباح تكبيرا عاليا ثلاث تكبيرات، ولم يزل ذلك من شأن الناس قديما، وسمعتهم يكرهون التطريب في ذلك وأن يتقدمهم واحد بالتكبير أو التهليل ثم يجيبه الآخرون بنحو من كلامه جما غفيرا، ولا بأس أن يخترق تكبيره، وما ذهب إليه مالك من كراهية التكبير دبر الصلوات أظهر؛ لأنه أمر محدث لم يكن في الزمن الأول، ولو كان لذكر ونقل، والله أعلم.
[الصلاة في مثل مساجد الحرس أيصلي فيها الظهر والعصر يجمع فيها مرتين]
ومن كتاب أوله يسلف في المتاع والحيوان وسألت مالكا عن الصلاة في مثل مساجد الحرس، أيصلي فيها الظهر والعصر يجمع فيها مرتين؟ فكره ذلك وقال: لا أحب أن تجمع في المسجد صلاة واحدة مرتين يجمع فيها بعد الصلاة.
قال ابن القاسم: إذا كان المسجد يجمع فيه بعض الصلوات ولا يجمع فيه بعضها فلا تجمع فيه صلاة مرتين. قال ابن القاسم: قال لي مالك كل مسجد تجمع فيه بعض الصلوات ولا يجمع فيه بعض فلا أرى أن يجمع فيه مرتين ما يجمع فيه وما لا يجمع.
قال مالك: وقد كان بالمدينة هاهنا مساجد يجمع فيها المغرب والعشاء والصبح ولا يجمع فيها الظهر والعصر. قال ابن القاسم: ولا أعلم إلا أنه كان من قوله فلم يكن يجمع فيها صلاة واحدة مرتين مما لم يكن يجمع فيه.
وفي رواية أشهب وابن نافع من كتاب الصلاة قال: وسئل مالك عن مساجد بالإسكندرية يحرس فيها يصلى فيها المغرب والعشاء والصبح بالأذان والإقامة، ولا يصلى فيها الظهر والعصر، فربما شهدنا الجنازة بالنهار فصلينا فيها الظهر
стр. 283
والعصر فتجمع فيها الصلاة منها مرتين، أترى ذلك واسعا؟ قال نعم لا بأس بذلك، وأما الصلوات التي تجمع فلا أرى ذلك.
قال محمد بن رشد: رواية ابن القاسم في المنع من الجمع مرتين في المسجد الذي يجمع فيه بعض الصلوات التي لا تجمع فيها، تأتي على أن الجمع في مسجد واحد مرتين كره لوجهين:
أحدهما: تفريق الجماعة.
والثاني: لئلا يكون ذلك ذريعة لأهل البدع في اعتزالهم أهل السنة وتفرقتهم بأئمتهم؛ لأن الصلاة التي لا تجمع فيه إذا جمع فيه مرتين كل ذلك ذريعة لأهل البدع إلى ما يذهبون إليه من إظهار بدعهم وإن لم يكن في ذلك تفريق جماعة، إذ ليس لتلك الصلاة في ذلك المسجد جماعة تفرق. ورواية أشهب تأتي على أن الجمع مرتين في مسجد واحد إنما كره لعلة واحدة وهي تفريق الجماعة، فإذا لم يكن لتلك الصلاة في ذلك المسجد جماعة تفرق جاز الجمع فيه مرتين، فهذا وجه الروايتين.
[مسألة: يصلي العصر ثم ينسى أنه صلى فيقوم يصلي ثم يذكر صلى]
مسألة وسئل عن الرجل يصلي العصر لنفسه ثم ينسى أنه صلى فيقوم يصلي الثانية فيركع ركعتين ثم يذكر أنه قد صلى، قال: أرى أن يضم إليها أخرى، فقلت له: يا أبا عبد الله أتكون صلاة بعد العصر؟ فقال قد كان المنكدر يصلي، وقد كان عمر ينهاه عن ذلك، وقد جاء فيها بعض ما جاء، فالشيء إذا كان صاحبه لا يريد به خلاف السنة، وإنما يفعله على غير خلاف السنة رأيت أن يفعل ذلك للذي جاء فيه من الرخصة، وإنما كره من ذلك ما كان صاحبه يتعمد به خلاف الحق.
قال محمد بن رشد: النهي عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس وبعد الصبح حتى تطلع الشمس نهي ذريعة، وإنما حقيقة الوقت
стр. 284
المنهي عن الصلاة فيه عند الطلوع وعند الغروب. ألا ترى أن رجلين لو كان أحدهما قد صلى العصر والثاني لم يصلها لجاز للذي لم يصل العصر أن يتنفل ولم يجز ذلك للآخر والوقت لهما جميعا وقت واحد، فإنما نهي الذي صلى العصر عن الصلاة بعد العصر حماية للوقت المنهي عن الصلاة فيه، لا لأن الصلاة فيه حرام.
روي عن المقدام ابن شريح: «قلت لعائشة كيف كان يصنع رسول الله ﷺ بعد الظهر والعصر، قالت: كان يصلي الهجير ثم يصلي بعدها ركعتين. ثم كان يصلي العصر ثم يصلي بعدها ركعتين، قال فقلت: فأنا رأيت عمر يضرب رجلا رآه يصلي بعد العصر، فقالت: لقد صلاهما عمر ولقد علم أن رسول الله ﷺ صلاهما، ولكن قومك أهل اليمن قوم طغام فكانوا إذا صلوا الظهر صلوا بعدها إلى العصر وإذا صلوا العصر صلوا بعدها إلى المغرب فقد أحسن» .
فلما كان هذا الذي صلى ركعة من العصر ثم ذكر أنه قد صلاها في وقت ليس بوقت منهي عن الصلاة فيه لأن الصلاة فيه حرام، وجب أن يتم ركعتين ولا يبطل عمله، لقول الله : ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣] ، فهذا وجه قول مالك والله أعلم.
ولو ذكر قبل أن يركع لكان الأظهر أن يقطع على قياس قوله في مسألة رسم "أوله مرض " بعد هذا، ولو ذكر قبل أن يركع من صلاة يصلي بعدها لجرى ذلك على اختلاف قول ابن القاسم وأشهب في كتاب الصيام من المدونة في الذي يظن أن عليه يوما من رمضان فيصبح صائما، ثم يعلم أنه لا شيء عليه، وبالله التوفيق.
стр. 285
[مسألة: القرآن يكتب أسداسا وأسباعا في المصاحف]
مسألة وسئل عن القرآن يكتب أسداسا وأسباعا في المصاحف، فكره ذلك كراهية شديدة وعابه وقال لا يفرق القرآن وقد جمعه الله تعالى، وهؤلاء يفرقونه، لا أرى ذلك.
قال محمد بن رشد: أنزل الله ﵎ القرآن جملة واحدة إلى السماء الدنيا، ثم أنزل على النبي ﷺ شيئا بعد شيء حتى كمل الدين، واجتمع القرآن جملة في الأرض كما أنزله الله تعالى من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا، فوجب أن يحافظ على كونه مجموعا، فهذا وجه كراهية مالك لتفريقه والله أعلم.
[مسألة: الصلاة في الحمام وقراءة الآية والآيتين]
مسألة قال مالك: لا أرى بأسا بالصلاة في الحمام وأن يقرأ فيه بالآية والآيتين والثلاث.
قال محمد بن رشد: قوله: لا أرى بأسا بالصلاة في الحمام، معناه إذا أيقن بطهارته؛ لأنه قد روي عن النبي ﷺ أنه «نهى عن الصلاة في سبعة مواطن، أحدها الحمام» ، ومعنى النهي عن ذلك عند مالك لما يتقى من نجاسته إذ هو موضع يتخذ للاغتسال من النجاسة وغيرها، فينبغي أن يحمل داخله على النجاسة حتى يوقن بطهارته، وخارجه حيث يخلع الناس ثيابهم على الطهارة حتى يوقن فيه بالنجاسة.
ولعله تكلم في هذه الرواية على خارج الحمام، ولذلك لم يشترط أن يعلم طهارة الموضع الذي صلى فيه، وتكلم في المدونة على داخله، ولذلك اشترط طهارة الموضع فقال: إذا كان مكانه طاهرا فلا بأس به، ولم يجز أن يقرأ فيه بالآية والآيتين والثلاث، على سبيل الارتياع والتعوذ لأنه قرآن كريم، فواجب أن يجل على أن يتلى في المواضع
стр. 286
المكروهة، وقد كره في رسم "المحرم " للرجل أن يقرأ بقية حزبه في طريق مسيره إلى المسجد، فكيف بالتلاوة في الحمام، وبالله التوفيق.
[مسألة: يغدو يوم الجمعة إلى المسجد ليصلي الصبح فيغتسل ويريد بذلك غسل الجمعة]
مسألة وسئل مالك عن الرجل يغدو يوم الجمعة إلى المسجد ليصلي الصبح فيغتسل ويريد بذلك غسل الجمعة فيقيم في المسجد حتى يصلي، قال مالك لا يعجبني ذلك، وكره ذلك الرواح تلك الساعة إلى الجمعة، ولم يعجبه غسل الجمعة تلك الساعة.
قال محمد بن رشد: غسل الجمعة عند مالك لا يكون إلا محصلا بالرواح إليها، لقول رسول الله ﷺ : «إذا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل» - وقوله: «إذا جاء أحدكم الجمعة» خرج على المجيء المعروف الذي يكون ساعة الرواح على ما بينه ﵇ بقوله: «من اغتسل ثم راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة» الحديث، فلما اغتسل هذا الرجل في غير وقت الرواح الذي ندب رسول الله ﵇ إلى الرواح فيه بالحديث المذكور بإجماع لم يجزه الغسل عنده وإن كان متصلا بخروجه. وفي سماع زونان لابن وهب أنه يجوز له أن يروح إلى الجمعة بالغسل الذي اغتسله بعد الفجر، قال والفضل أن يكون غسله متصلا برواحه، ومثله في سماع أبي قرة عن مالك، وهو خلاف المشهور من قوله.
[مسألة: المطر إذا كان الطين والأذى في الطريق أيصلي الرجل في منزله]
مسألة وسئل مالك عن المطر إذا كان الطين والأذى في الطريق،
стр. 287
أيصلي الرجل في منزله ويكون في سعة من ترك إتيانه إلى المسجد؟ قال: نعم أرجو أن يكون في سعة إن شاء الله تعالى.
قال محمد بن رشد: هذا من نحو إجازته الجمع بين المغرب والعشاء في الطين والوحل على ما تقدم في الرسم الذي قبل هذا؛ لأن فضيلة الوقت أكثر من فضيلة الجماعة، فإذا جاز ترك فضيلة الوقت لهذه العلة جاز ترك فضيلة الجماعة لها.
وقد روي عن زياد عن مالك أن صلاة الصبح في أول الوقت فذا أفضل من صلاتها في آخر الوقت في جماعة.
[مسألة: الرجل يسمع مؤذن المغرب في الحرس فيحرك فرسه ليدرك الصلاة]
مسألة وسئل مالك عن الرجل يخرج إلى الحرس فيسمع مؤذن المغرب في الحرس فيحرك فرسه ليدرك الصلاة، قال مالك: لا أرى بذلك بأسا.
قال محمد بن رشد: معناه ما لم يسرع حتى يخرج بذلك عن حد السكينة المأمور بها في الإتيان إلى الصلاة، وقد مضى هذا المعنى في أول رسم من هذا الكتاب.
[مسألة: حكم الاضطباع في الصلاة]
مسألة قال مالك: الاضطباع أن يرتدي الرجل فيخرج ثوبه من تحت يده اليمنى. قال ابن القاسم: وأراه من ناحية الصماء.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال ابن القاسم؛ لأنه إذا أخرج ثوبه من تحت يده اليمنى انكشف جنبه الأيمن فبدت عورته، ولهذه العلة جاء النهي في اشتمال الصماء.
стр. 288
[مسألة: الرجل يقعد للتشهد يوم الجمعة في نافلة فيخرج الإمام أيدعو أم يسلم]
مسألة وسئل مالك عن الرجل يقعد للتشهد يوم الجمعة في نافلة فيخرج الإمام، فأراد أن يدعو إلى أن يقوم الإمام قبل أن يسلم، قال بل يسلم ولا يدعو.
قال محمد بن رشد: قد استحب مالك في رواية ابن وهب عنه إذا لم يبق من صلاته إلا السلام أن يدعو ولا يسلم مادام المؤذنون يؤذنون والإمام جالس، والقياس ما في الكتاب لما جاء من " أن خروج الإمام يقطع الصلاة، وكلامه يقطع الكلام ". فإذا كان خروجه يقطع الصلاة وجب أن لا يكون له أن يدعو ولا يسلم بعد خروجه، كما ليس له أن يدعو ولا يسلم بعد قيامه، وبالله التوفيق.
[الرجل يجعل الخاتم في يمينه أو يجعل فيه الخيط لحاجة يريدها]
ومن كتاب أوله تأخير صلاة العشاء وسئل مالك عن الرجل يجعل الخاتم في يمينه أو يجعل فيه الخيط لحاجة يريدها، قال لا أرى بذلك بأسا.
قال محمد بن رشد: وجه إجازة هذا أو تخفيفه واضح، وذلك أن التختم في اليسار ليس بواجب، وإنما كان هو المختار لأن الأشياء إنما تتناول باليمين، فهو يأخذ الخاتم بيمينه فيجعله في يساره، فإذا جعله في يمينه ليتذكر بذلك الحاجة فلا حرج عليه في ذلك. وأما جعله فيه الخيط فليس فيه أكثر من السماجة عند من يبصره ويراه ولا يعرف وجه مقصده بذلك ومغزاه إن شاء الله، وبه التوفيق.
стр. 289
[مسألة: الخمر إذا اضطر إليها الرجل أيشرب]
مسألة وسئل عن الخمر إذا اضطر إليها الرجل، أيشرب؟ قال: لا، ولن تزيده الخمر إلا شرا لقول بقطع جوفه. قيل لأصبغ: ما الفرق للمضطر بين الميتة والخمر، أرخص للمضطر في الدم وكره له شرب الخمر إذا اضطر إليها؟ فقال لأن الله ذكر تحريم الميتة فقال: حرمت عليكم الميتة الآية ثم استثنى فقال: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ﴾ [البقرة: ١٧٣] الآية، وذكر تحريم الخمر فقال: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ [المائدة: ٩٠] الآية، فلم يستثن فيها للمضطر ولا غيره.
قال محمد بن رشد: كذا وقع في الرواية ما الفرق للمضطر بين الميتة والخمر أرخص للمضطر في الدم وكره له شرب الخمر، وكان الصواب في الكلام أن يكون أرخص للمضطر في الميتة وكره له شرب الخمر، إلا أنه ذكر الدم مكان الميتة لما كان حكمهما سواء عند الجميع في جميع الأحوال.
ووقع في بعض الروايات: ما الفرق للمضطر بين الميتة والدم؟ وهو خطأ
стр. 290
لا يصح له معنى. وقد قال ابن القاسم أيضا في سماع أصبغ من كتاب الصيد: إن المضطر يشرب الدم ولا يشرب الخمر، وقال أيضا إنه يأكل الميتة ولا يقرب ضوال الإبل. واحتج ابن وهب هناك للفرق بينهما وبين الميتة والخمر بمثل حجة أصبغ هنا سواء، وليست بحجة، إلا من جهة التعلق بالظاهر، وليس مذهبنا التعلق به وترك القياس والفرق بين الدم والخمر من جهة القياس أن تحريم الدم عبادة لا لمعنى يتوقع من شربه، وتحريم الخمر لما يتوقع من شربه من وقوع العداوة والبغضاء والصد عن ذكر الله وعن الصلاة.
والفرق بين الميتة وضوال الإبل من جهة القياس أن الميتة لا ملك لأحد عليها بخلاف ضوال الإبل، فلا يكون باستباحتها عند الضرورة متعديا على أحد كما يكون إذا استباح ضوال الإبل. فإذا قلنا بالفرق بين ذلك من جهة القياس أو من جهة التعلق بالظاهر، فهل يمتنع من الخمر وضوال الإبل وإن لم يجد الميتة؟ أو هل إنما يلزمه الامتناع منهما مع وجود الميتة؟ فالظاهر من قول أصبغ أنه يمتنع منهما بكل حال، والظاهر من قول ابن وهب إنما يلزمه الامتناع منهما إذا وجد الميتة، ويأتي على ما في الموطأ لمالك من أن المضطر إذا وجد مالا لقوم وأمن أن يعد سارقا فتقطع يده كان أكل ما وجد للقوم أولى من أكل الميتة، أنه إذا وجد الميتة وضوال الإبل أكل الضوال ولم يأكل الميتة، فهي مسألة يتحصل فيها أربعة أقوال: أحدها: المساواة بينهما، والثاني: أن الأولى به إذا وجدهما أن يأكل الميتة، والثالث: أن الأولى به إذا وجدهما أن يأكل ضوال الإبل، والرابع: أن لا يقرب ضوال الإبل بحال.
وتعليل قول مالك لقوله إن المضطر لا يشرب الخمر بأنها لا تزيده إلا شرا يدل على أنه لو كان له في شربها منفعة لجاز له أن يشربها، وأن لا فرق عنده بين الميتة والخمر في إباحتهما للمضطر.
وقد استدل محمد بن عبد الحكم في كتاب المولدات على أن هذا مذهب مالك بهذا التعليل الذي علل به قوله، واحتج على صحته بأن من غص بلقمة فخشي على نفسه الموت ولم يجد ماء يستسيغها به إلا بالخمر أن ذلك جائز له، والظاهر من قول أصبغ أن
стр. 291
ذلك لا يجوز له كما ذكرنا، وقاله محمد بن عبد الحكم في المحرم يضطر إلى الميتة أنه يأكلها ولا يأكل الصيد، يريد إلا أن لا يجد إلا الصيد فإنه يجوز له أن يأكله على أصله في الذي يغص باللقمة أنه يستسيغها بالخمر.
ولو وجد حمارا أهليا لأكله ولم يأكل الصيد للاختلاف في الحمار الأهلي، ولو وجد المضطر ميتة وخنزيرا لأكل الميتة ولم يأكل الخنزير، فهذا وجه القول في هذه المسألة مستوفى، وبالله التوفيق.
[مسألة: لا يقصر حتى ينوي حين يخرج من منزله سفرا فيه أربعة برد]
مسألة وسئل مالك عن الرجل يخرج من بيته إلى السوق، وبينه وبين منزله خمسة عشر ميلا، وخلف ذلك سوق آخر نحو ذلك أو أكثر، وخلف السوقين سوق آخر بينه وبينهما نحو من خمسة عشر ميلا، قرى بعضها خلف بعض، ونيته حين يخرج إن هو باع سلعته في السوق الأول رجع إلى أهله، وإلا تقدم حتى يبلغ آخر تلك الأسواق، أيقصر الصلاة أم يتم؟ قال مالك: لا يقصر على الشك وليتم الصلاة، ولا يقصر حتى ينوي حين يخرج من منزله سفرا فيه أربعة برد، وعندنا هاهنا مثل هذا.
قال محمد بن رشد: هذا مثل ما في المدونة في الذي يطلب حاجة على بردين فلم يزل يقال له هي بين يديك حتى سار مسيرة أيام وليالي، أنه يتم الصلاة في ذلك، وإنما يقصر في رجعته، وهذا ما لا أعرف فيه خلافا.
[مسألة: ينصت الناس في خطبة الاستسقاء والعيدين]
مسألة وقال مالك: ينصت الناس في خطبة الاستسقاء والعيدين كما ينصتون في الجمعة.
стр. 292
قال محمد بن رشد: وهذا صحيح كما قال؛ لأنها خطب مشروعة للصلاة عنده، فوجب أن يكون حكمها حكم خطبة الجمعة في الإنصات لها.
وذهب الطحاوي في خطبة العيدين إلى أنها للتعليم لا للصلاة كخطب الحج فلا يجب الاستماع إليها والإنصات لها.
ودليله ما روي «عن عبد الله بن السائب قال: شهدت العيد مع رسول الله ﷺ فلما صلى قال: إنا نخطب فمن أحب أن يجلس للخطبة فليجلس ومن أحب أن يرجع فليرجع» ، وكذلك خطبة الاستسقاء إذ لا صلاة فيه على مذهبه، وبالله التوفيق.
[مسألة: التروح في الصلاة من الحر]
مسألة وسئل عن التروح في الصلاة من الحر، فقال: الصواب أن لا يفعل. قال ابن القاسم: يريد المكتوبة، ولا بأس به في النافلة إذا غلبه الحر.
قال محمد بن رشد: الاشتغال بالتروح في الصلاة ترك للخشوع فيها، ومجاهدة النفس على الصبر على شدة الحر وترك التروح ربما أدى إلى ترك الإقبال على الصلاة، فرأى مالك ترك التروح والصبر على شدة الحر ومجاهدة النفس على ذلك في الصلاة أصوب من التروح فيها، لقول الله : ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ١] ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٢] ، واستخف ذلك ابن القاسم في النافلة إذ ليست بواجبة.
стр. 293
[مسألة: الرجل يدخل المسجد الحرام أيبدأ بركعة أم بالطواف]
مسألة وسئل مالك عن الرجل يدخل في المسجد الحرام، أيبدأ بركعة أم بالطواف؟ قال بل بالطواف.
قال محمد بن رشد: الطواف بالبيت في المسجد الحرام كالصلاة في غيره من المساجد، ولا يتم إلا بركعتين، فإن دخله وهو لا يريد الطواف به تلك الساعة وجب عليه أن يركع ركعتين قبل أن يجلس.
[مسألة: يصلي في صف آخر وقدامه صفوف منحرفة أيشق الصف إليها]
مسألة وسئل عن الصف يكون خلفه الرجل في صف آخر وأمام الصف الذي قدامه صفوف منحرفة، أترى أن يشق الصف إليها؟ قال إن كان ينال ذلك برفق فلا بأس به.
قال محمد بن رشد: وقع في بعض الكتب وأمام الصف الذي أمام الصف الذي قدامه، فعلى هذا أجاز له أن يشق صفين لسد الفرجة يراها في الصف المتقدم، ومع ذلك إذا كانت الفرجة أمامه، وأما إن كانت عن يمينه أو يساره فالذي يليها أولى بسدها منه، وقد قال ابن حبيب إن له أن يخرق لسدها الصفوف، وذلك لما جاء في الترغيب في سد الفرجة في الصف، روي أن رسول الله ﷺ قال: «من سد فرجة في الصف رفعه الله بها درجة في الجنة وبنى له في الجنة بيتا» .
[مسألة: الإمام يكون في الصلاة فينظر إلى رجل مقبل أترى أن ينتظره]
مسألة وسئل مالك عن الإمام يكون في الصلاة فينظر إلى رجل
стр. 294
مقبل، أترى أن ينتظره؟ قال لا، وكذلك لو رأى أيضا غيره أكان ينتظره؟ فنهى عن ذلك.
قال محمد بن رشد: كره مالك للإمام هذا لأن حق من دخل معه في الصلاة وتحرم بها عليه في أن يفعل ما يتبعه فيه أولى من حق من قصر عن الإتيان وأبطأ فيه.
ومن أهل العلم من أجاز ذلك في القدر اليسير الذي لا ضرر فيه على من معه في الصلاة، بدليل ما روي «أن رسول الله ﷺ سمع صوت صبي في الصلاة فخفف» «وأنه صلى فأطال السجود فسئل عن ذلك فقال: إن ابني ارتحلني فكرهت أن أعجله حتى يقضي حاجته مني» .
وقد حكى بعض الناس عن أبي حنيفة فيمن تنحنح به وهو يصلي فانتظر المتنحنح به أن صلاته فاسدة، قال وأخشى عليه، ومعنى ذلك أن يكون قد عمل بعض صلاته لغير الله ، فيكون بذلك كافرا، وهو بعيد، لما جاء عن رسول الله ﷺ مما ذكرناه، والصحيح عنه الكراهية لذلك مثل قول مالك، وهو قول الشافعي أيضا. وبالله التوفيق.
[الذي يتنخم في المسجد على الحصير ثم يدلكه برجله]
ومن كتاب أوله كتب عليه ذكر حق وسئل عن الذي يتنخم في المسجد على الحصير ثم يدلكه برجله، فكره ذلك وقال إن القاسم بن محمد رأى رجلا يمضمض في المسجد بعد فراغه من شربه ثم مجه في الحصباء، فنهاه عن ذلك، فقال له الرجل وهو يريد أن يحاجه إنه يتنخم فيه وهو شر من الماء، قال إن ذلك مما لا بد للناس منه، ولم ير مالك بالتنخم تحت الحصير بأسا، وكره مالك تقليم الأظفار ودفن القمل وقتلها في
стр. 295
المسجد. وسئل مالك عن التنخم في النعلين في المسجد، فقال أما إن كان لا يصل إلى موضع حصيرة يتنخم تحتها فلا أرى بأسا، وإن كان يصل إلى الحصيرة فإني أستحسنه ولا أحب لأحد أن يتنخم في نعليه.
قال محمد بن رشد: هذا كله بين. أما كراهيته أن يتنخم في الحصير ثم يدلكه برجله فلأن ذلك لا يزيل أثرها من الحصير، وفي ذلك إذاية للمصلين وإضاعة لحرمة المسجد.
وأجاز أن يتنخم تحت الحصير كما أجاز أن يتنخم في الحصباء ويدفنه، فقد روي أن رسول الله ﷺ قال: «التفل في المسجد خطيئة وكفارته أن يواريه» . وهذا كله في المدونة.
وكره تقليم الأظفار في المسجد لحرمته، وكره قتل القملة في المسجد ولم ير دفنها فيه بخلاف النخامة لنجاستها؛ ولأنه قد روي «أن رسول الله ﷺ نهى عن قتل القملة في المسجد وأمر بإخراجها منه» ، وكان قتل البرغوث في المسجد أخف عنده من قتل القملة، وكره التنخم في النعلين، إلا أن لا يصل إلى الحصيرة لظهور ذلك فيهما وربما وضعهما في المسجد فيعلق به شيء من ذلك.
ووقع في بعض الروايات مكان فإني أستحسنه فإني استقبحه، فيعود الاستحسان إلى التنخم تحت الحصير إن كان يصل إليها، والاستقباح إلى التنخم في النعلين إن كان يصل إلى الحصير، وهذا كله مما لا إشكال فيه.
[مسألة: رجل كبر مع الإمام فنعس أو سها حتى سجد الإمام]
مسألة وسئل مالك عن رجل كبر مع الإمام فنعس أو سها حتى سجد الإمام، قال: إن ظن أنه يدركه قبل أن يرفع رأسه من السجود فليركع ويسجد ويلحقه، وإلا فلا يعتد بها وليركع ركعة إذا فرغ من الصلاة.
стр. 296
قال محمد بن رشد: هذه مسألة المدونة، تكررت في رسم "الصلاة" الثاني من سماع أشهب، وفي أول رسم من سماع عيسى، وفي رسم "لم يدرك منه" أكمل مما وقعت هاهنا. وتلخيص ما وقع فيها من الاختلاف أن لمالك فيها ثلاثة أقوال: أحدها أنه يركع بعد رفع الإمام رأسه ويتبعه كان ذلك في أول ركعة أو بعد أن عقد معه ركعة، والثاني أنه يلغي تلك الركعة ولا يتبع الإمام فيها كان ذلك أيضا في أول ركعة أو بعد أن عقد مع الإمام ركعة، والثالث أنه إن كان ذلك في أول ركعة ألغاها ولم يتبع الإمام فيها وإن كان ذلك بعد أن عقد معه ركعة اتبعه، واختلف قوله إلى أي حد يتبعه على القول الأول إذا عقد معه ركعة على قولين: أحدهما أنه يتبعه ما لم يرفع رأسه من سجود الركعة التي غفل عنها، والثاني أنه يتبعه ما لم يركع في الركعة التي بعدها أو ما لم يرفع رأسه من ركوعها على الاختلاف في قوله في عقد الركعة هل هو الركوع أو الرفع منه.
وسواء على مذهبه غفل أو سها أو نعس أو زوحم أو اشتغل بحل إزاره أو ربطه أو ما أشبه ذلك، وسواء أيضا على مذهبه أحرم قبل أن يركع الإمام أو بعد أن ركع إذا كان لولا ما اعتراه من الغفلة وما أشبهها لأدرك معه الركعة.
وأما لو كبر بعد أن ركع الإمام فلم يدرك أن يركع معه حتى رفع الإمام رأسه فقد فاتته الركعة ولا يجزيه أن يركع بعده ويتبعه قولا واحدا. وأخذ ابن وهب وأشهب بالقول الأول إذا أحرم قبل أن يركع الإمام، وبالقول الثاني إذا أحرم بعد أن ركع الإمام، ولم يفرقا بين الزحام وغيره.
وأخذ ابن القاسم في الزحام بالقول الثاني، وفيما سواه من الغفلة والاشتغال بالقول الثالث. وأخذ بالقول الثاني في الاشتغال، وفيما سواه من الزحام أو السهو أو الغفلة بالقول الثالث. وأخذ محمد بن عبد الحكم في الجمعة بالقول الأول، وفيما عدا الجمعة بالقول الثالث، وبالله التوفيق.
[مسألة: الإمام يدخل المسجد عند الإقامة ولم يصلى ركعتي الفجر]
مسألة وسئل مالك عن إمام مسجد في عشيرته أتى إلى المسجد فلما دخل المسجد أقام المؤذن الصلاة ولم يكن ركع ركعتي
стр. 297
الفجر، أترى أن يسكت المؤذن حتى يركع ركعتي الفجر أم يصلي بهم؟ قال بل يصلي بهم الصبح ولا يسكت المؤذن لهما ولا يخرج من المسجد ولا يركع فيه بعد أن دخل المسجد ولا يسكت المؤذن.
قال محمد بن رشد: لم ير للإمام أن يسكت المؤذن لركعتي الفجر، إذ قيل فيهما إنهما من الرغائب وليستا من السنن، وهي رواية أشهب عن مالك، بخلاف الوتر الذي هو سنة، وقد قيل فيه إنه واجب فإن للإمام أن يسكت المؤذن حتى يوتر، وقد فعل ذلك عبادة بن الصامت.
[مسألة: يشرب الماء يوم الجمعة والإمام يخطب]
مسألة قال مالك: لا أحب لأحد أن يشرب الماء يوم الجمعة والإمام يخطب ولا يسقي الماء يدور به على الناس والإمام يخطب.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأنه لما كان حال الخطبة حال الصلاة في الإنصات وجب أن يكون حالها حال الصلاة في الأكل والشرب.
[مسألة: وقت الصلوات كلها]
مسألة قال: مالك وقت الصلوات كلها في كتاب الله ، فأما قول الله تعالى: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [الروم: ١٧] ، فذلك المغرب والعشاء والصبح؛ وقوله ﴿وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ [الروم: ١٨] ، فعشيا العصر، وحين تظهرون الظهر؛ وقَوْله تَعَالَى: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨] صلاة الظهر ﴿إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ [الإسراء: ٧٨] قال: الغسق غيبوبة الشفق واجتماع الليل وظلمته،
стр. 298
﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨] . قال مالك: ذلك وقت صلاة الصبح. قال: والأعراب يقولون صلاة الشاهد صلاة المغرب وذلك أني تفكرت في ذلك فإذا هي لم تنقص في السفر، هي فيه بمنزلتها في الحضر لم تقصر كما قصرت الصلوات، فلذلك سميت صلاة الشاهد.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال إن وقت الصلوات كلها في كتاب الله، ولكنها فيه مجملة غير محدودة، فلو تركنا وظاهر القرآن لم نعرف منه أوائل الأوقات التي لا تجوز الصلاة قبلها من أواخرها التي لا يجوز تأخيرها إلى ما بعدها، ولا وقت الاختيار من وقت الضرورة، ولا وقت التوسعة من وقت الرخصة للعذر، وقد بينت السنة ذلك كله وأحكمته.
فالأوقات تنقسم على خمسة أقسام: وقت اختيار وفضيلة وهو أن يصلي قبل انقضاء الوقت المستحب، وهو القامة للظهر، والقامتان للعصر، والإسفار للصبح، ومغيب الشفق للمغرب على اختلاف في ذلك، وثلث الليل أو نصفه للعشاء الآخرة؛ ووقت رخصة وتوسعة هو أن يصلي في آخر الوقت المستحب؛ ووقت رخصة للعذر وهو أن يؤخر الظهر إلى آخر وقت العصر المستحب أو يعجل العصر في أول وقت الظهر المستحب وهو أول الزوال أو بعدما يمضي منه مقدار ما يصلي فيه صلاة الظهر على اختلاف ذلك؛ ووقت تضييق من ضرورة وهو أن يؤخر الظهر والعصر إلى غروب الشمس، والصبح إلى طلوع الشمس، والمغرب والعشاء إلى طلوع الفجر؛ ووقت سنة أخذ بحظ من الفضيلة للضرورة، وهو الجمع بين الصلاتين بعرفة والمزدلفة.
وقد قيل إنما سميت المغرب صلاة الشاهد من أجل النجم الظاهر عند غروب الشمس، فالشاهد النجم، وهو أظهر مما ذهب إليه مالك؛ لأن الصبح لم تقصر أيضا هي في السفر بمنزلتها في الحضر.
стр. 299
[مسألة: قول الرجل في صلاة العشاء العتمة]
مسألة وسئل عن قول الرجل في صلاة العشاء العتمة، قال مالك: الصواب من ذلك ما قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشَاءِ﴾ [النور: ٥٨] ، فسماها الله تعالى العشاء، فأحب للرجل أن يعلمها أهله وولده ومن يكلمه بذلك، فإن اضطر أن يكلم بها أحدا ممن يظن أنه لا يفهم عنه فإني أرجو أن يكون من ذلك في سعة.
قال محمد بن رشد: وجه كراهية مالك أن تسمى العشاء الآخرة العتمة إلا عند الضرورة ما روي عن النبي ﷺ من قوله: «لا يغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم إنما هي العشاء ولكنهم يعتمون على إبلهم» . وقد قال رسول الله ﷺ : «لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا ولو يعلمون ما في التهجير لاستبقوا إليه ولو يعلمون ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حبوا» ، فسمى العشاء في هذا الحديث العتمة، فالوجه في الجمع بين الحديثين أن الذي كانت العرب تعرفه في اسم هذه الصلاة العتمة للمعنى المذكور في الحديث الأول، فكان الأمر على ذلك إلى أن أنزل الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النور: ٥٨] إلى قوله: ﴿وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشَاءِ﴾ [النور: ٥٨] ، فنهى النبي ﷺ عن تسميتها العتمة. وفي كتاب ابن مزين أن من قال في صلاة العشاء العتمة كتبت عليه سيئة، وبالله التوفيق.
стр. 300
[مسألة: براءة أيقرأ فيها بسم الله الرحمن الرحيم]
مسألة وسئل مالك عن براءة أيقرأ فيها بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ؟ قال مالك: تقرأ كما أنزلت وليس فيها بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
قال محمد بن رشد: في قوله تقرأ كما أنزلت وليس فيها بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ دليل على أن غيرها من السور أنزلت وفيها بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، ومعنى ذلك أنها أنزلت وفيها بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ للاستفتاح والفصل بينها وبين التي قبلها لا على أن ذلك قرآن منها، بدليل ما روي «عن ابن عباس أنه قال: كان جبريل إذا نزل على النبي ﷺ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ علم أن السورة قد انقضت» ، وروي «عن أبي بن كعب أنه قال: كان رسول الله ﷺ يأمر في أول كل سورة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وكانت براءة من آخر ما نزلت ولم يأمر فيها بذلك فضمت إلى الأنفال إذ كانت تشبهها» ، يريد من أجل أنها إنما نزلت بنقض العهود التي تقدمت في الأنفال، وبراءة على قوله سورتان، وكذلك هما سورتان على ما روي عن البراء أنه قال: " آخر آية نزلت يستفتونك وآخر سورة نزلت براءة " فقيل إنه إنما لم يكتب في أول براءة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ لأنها نزلت بالحرب والمنابذة والوعيد ونقض العهود، وبسم الله الرحمن الرحيم، إنما تكتب في السلم لا في المنابذة وفي استفتاح الخير لا في الوعيد ونقض العهود. وقيل إنها لم تكتب في أولها بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ إعظاما
стр. 301
لاسم الله في خطاب المشركين، وهذا يرده ما في كتاب الله من قصة سليمان في كتابه إلى صاحبة سبأ ويرد الأول بثبوت بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ في الهمزة وتبت يدا.
وقد قيل إن براءة من الأنفال فلذلك لم يفصل بينهما ببسم الله الرحمن الرحيم. روي عن عثمان بن عفان أنه قال: لما كانت قصتها شبيهة بقصتها وذهب عني أن أسأل النبي ﷺ عنها، وقع في قلبي أنها منها، فلذلك قرنت بينهما دون فصل ببسم الله الرحمن الرحيم، وبالله التوفيق، [والحمد لله ولا شريك له] ، تم كتاب الصلاة الأول.
* * *
стр. 302
[كتاب الصلاة الثاني]
[السهو قبل السلام]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ صلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم تسليما كثيرا كتاب الصلاة الثاني ومن كتاب أوله الشريكان يكون لهما مال وقال مالك في السهو قبل السلام إن عليه إذا سجد سجدتين تشهدا آخر، وروى أشهب عن مالك أنه لا تشهد لها.
قال محمد بن رشد: ابن وهب يستحب التشهد في ذلك، وذلك راجع إلى سقوط وجوبه، فوجه سقوطه ظاهر قوله في الحديث: سجد سجدتين ثم سلم ولم يذكر تشهدا ولا جلوسه بعد السجدتين من الجلوس قبلهما، إذ لم يفصل بينهما بسلام ولا ركوع، فلم يجب عليه تشهد آخر.
أصل ذلك لو ظن بعد التشهد أنه في ثالثة فلما قام ذكر أنها رابعة أنه يرجع فيسلم ولا يعيد التشهد. ووجه وجوبه أن هذا جلوس بعد سجدتين فوجب فيه التشهد، أصله الجلوس الذي قبله، وأما السجدتان اللتان بعد السلام فلا اختلاف في أنه يتشهد بعدهما.
[الناس ينصرفون من منى فيدركهم الوقت ويخافوا ذهابه قبل بلوغ مكة]
مسألة وسئل مالك عن أهل منى إذا انصرفوا فأدركهم الوقت ولم يبلغوا الأبطح ولا مكة فيما بين منى ومكة وهم يريدون أن تكون لهم إقامة، وعن أهل مكة إذا أدركهم في ذلك الوقت، قال مالك: من
стр. 303
انصرف من أهل مكة من منى إلى مكة فأدركه الوقت وخاف ذهاب الوقت قبل أن يبلغ فإني أرى أن يصلي أربعا؛ لأن صلاة منى قد انقطعت ولا يكون في ميلين ولا ثلاثة ما تقصر فيه الصلاة.
قال مالك: ومن أقام منهم بمنى ليخف الناس عنه ويذهب زحامهم قال: أرى أن يتم الصلاة وإن كان بمنى، وأرى أهل الآفاق ومن كان منهم يريد الإقامة بمكة أكثر من أربعة أيام فأرى أن يقتدي بأهل مكة في ذلك، ومن أقام لمثل زحام الناس ومن خاف فوات الوقت فيما بين مكة ومنى أن يصلي أربعا.
قال ابن القاسم: ثم قال لي مالك ركعتين في ذلك كله. قال ابن القاسم: وقوله الأول أعجب إلي. قال أصبغ: وبه أقول إنه يقصر حتى يأتي مكة، وقال سحنون مثله.
قال محمد بن رشد: قد تقدم القول على هذه المسألة في رسم "شك في طوافه " فلا معنى لإعادته.
[مسألة: الرجل يكبر في النافلة فتقام الصلاة]
مسألة قال ابن القاسم: وسئل مالك عن الرجل يكبر في النافلة فتقام الصلاة، قال: ليمض على نافلته ولا يقطعها إلا أن يخاف فوات الركعة. قال ابن القاسم: إن خاف فوات الركعة قطع بسلام، فإن لم يقطع بسلام أعاد الصلاة لأنه على إحرامه الأول، ولا يخرج من الصلاة التي كان فيها إلا بسلام، ولا يجزيه أن يحرم وينوي بذلك القطع.
قال محمد بن رشد: كذا قال في المدونة في هذه المسألة، وقال فيها في الذي يحرم في الفريضة فتقام عليه الفريضة إنه يقطع، فذهب
стр. 304
عبد الحق إلى أن الفريضة تفترق من النافلة على مذهبه في المدونة، وأنه إنما قال فيها إنه يقطع في الفريضة بخلاف النافلة؛ لأن الفريضة إذا قطعها يعود إليها، والنافلة إذا قطعها لا يعود إليها؛ ولأن المريضة إذا تمادى عليها تحول نيته إلى نية النفل، والنافلة إذا تمادى عليها لم تحل نيته عما أحرم عليه. والصواب أن لا فرق في هذا بين النافلة والفريضة، وأن الخلاف يدخله في كل واحدة منهما من صاحبتها؛ لأن نية الفرض مقتضية لنية النفل، فلا تأثير لتحول نيته من الفرض إلى النفل في إيجاب القطع؛ ولأن الفريضة وإن كان إذا قطعها يعود إليها فإنه وإن عاد إليها فقد أبطل على نفسه ما هو فيه، وإذا أتمها نافلة لم يبطل على نفسه ما دخل فيه وحصلت له نافلة وفريضة، فاستوت مع النافلة في أن الحظ له في أن لا يقطعها.
ويؤيد هذا الذي قلناه أن ابن حبيب قد قال في الفريضة إنه يتم على إحرامه ركعتين خفيفتين نافلة، ثم يدخل مع الإمام. وقد حكى الفضل أن أصحاب مالك ذهبوا إلى أنه يقطع في الفريضة ويتم في النافلة، وأن عيسى بن دينار ساوى بين الفريضة والنافلة لقول ابن حبيب، وروى أشهب عن مالك أنه يتم في الفريضة ويقطع في النافلة ضد التفرقة المذكورة، فيحصل في المسألة أربعة أقوال: هذان القولان، والثالث أنه يقطع فيهما جميعا، والرابع أنه يتم ركعتين فيهما جميعا على ما صححناه.
وأما إذا أقيمت عليه الفريضة وهو في نافلة أو فريضة وقد عقد منها ركعة فإنه يتم إليها ثانية، ولا اختلاف في هذا إلا في المغرب على ما سيأتي في سماع سحنون إن شاء الله. وإنما قال إنه يقطع بسلام ولا يجزيه أن يحرم وينوي بذلك القطع لقول رسول الله ﷺ : «تحريم الصلاة التكبير وتحليلها التسليم» ، فإذا دخل مع الإمام قبل أن يتحلل من الصلاة التي دخل فيها بسلام أو كلام بطلت عليه، وهذا بين، وبالله التوفيق.
стр. 305
[الدبيب في الركوع إذا كان على قدر صفين أو ثلاثة]
ومن كتاب أوله اغتسل على غير نية وقال في الدبيب في الركوع إذا كان على قدر صفين أو ثلاثة فلا أرى بالركوع بأسا والدبيب فيه، وأما إذا كان بعيدا فلا أحبه.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة اختلف فيها قول مالك، والذي يتحصل فيها من اختلافه ثلاثة أقوال: أحدها: رواية ابن القاسم هذه عنه أن الركوع والدبيب جائز فيما كان على قدر الصفين أو الثلاثة إذا أمكنه أن يصل إلى الصف والإمام راكع، وهو مذهبه في المدونة، فلم يترجح عنده على هذا، القول أي الأمرين أفضل إن كان الركوع دون الصف، وإدراك الركعة أو ألا يركع حتى يأخذ مقامه في الصف وإن فاتته الركعة، لما جاء في ذلك من نهي رسول الله ﷺ عن الركوع دون الصف، ومن فعل زيد بن ثابت، وعبد الله بن مسعود في ركوعهما دون الصف ودبيبهما راكعين إليه.
والقول الثاني: أنه لا يحرم حتى يأخذ مقامه في الصف، وهي رواية أشهب عنه في رسم "الصلاة" الثاني من هذا الكتاب، فرأى على هذا القول الإحرام في الصف مع فوات الركعة أفضل من الإحرام والركوع دونه مع إدراك الركعة.
والقول الثالث أنه لا يركع حتى يأخذ مقامه من الصف أو يقاربه، حكى هذا القول عنه ابن حبيب في الواضحة.
وهذا القول قريب من رواية أشهب عن مالك لأنه أستخف الركوع إذا قرب من الصف وكره الدبيب إذا بعد منه.
وأما إذا كان إذا ركع دون الصف لا يدرك أن يصل إلى الصف راكعا حتى يرفع الإمام رأسه فلا يجوز له عند مالك أن يركع دون الصف، وليتماد إلى الصف وإن فاتته الركعة قولا واحدا، فإن فعل أجزأته ركعته عنده وقد أساء، ولا يمشي إلى الصف إذا رفع رأسه من الركوع حتى يتم الركعة ويقوم في الثانية، قال ذلك في رسم "الأقضية" الثالث من سماع أشهب.
وقال ابن القاسم في المدونة إنه يركع دون الصف ويدرك الرابعة، فرأى المحافظة على الركعة أولى من المحافظة على الصف، ورجح أبو إسحاق التونسي قول ابن القاسم، وقول
стр. 306
مالك عندي أولى بالصواب، لقول النبي ﷺ لأبي بكر لما ركع دون الصف: «زادك الله حرصا ولا تعد» ، ولما جاء عنه أنه قال: «لا صلاة لمنفرد خلف الصف» . وأما ركوعه على البعد من الإمام بحيث لا يمكنه أن يصل إلى الصفوف بعد قيامه من الركعة لكثرة المشي فلا ينبغي لأحد أن يفعله إلا أن تكون معه جماعة سواه، قاله مالك في رسم "الصلاة" الأول من سماع أشهب، وفرق فيه بين الجماعة الكثيرة والقليلة استحبابا، وبالله التوفيق.
[مسألة: الصور التي في الرقوم مثل الوسائد يتخذها الرجل]
مسألة وسئل عن الصور التي في الرقوم مثل الوسائد يتخذها الرجل قال: ترك ذلك أحب إلي، ولا أحب أن يصلي على بساط فيه صور إلا أن يضطر إلى ذلك. وقد كان ابن عمر يقول: إني لا أحب أن يجعل بيني وبين الحرام سترة من الحلال ولا أحرمه.
قال محمد بن رشد: ذهب مالك، ﵀، في كراهة اتخاذ الوسائد التي فيها الصور والصلاة على البساط الذي فيه الصور من غير تحريم إلى ما ذكره في موطئه «عن أبي طلحة الأنصاري: " إذ دخل على سهل بن حنيف فدعا إنسانا فنزع من تحته نمطا، فقال له سهل بن حنيف لم تنزعه؟ قال: لأن فيه تصاوير، وقد قال رسول الله ﷺ فيها ما قد علمت، فقال له سهل بن حنيف: ألم يقل رسول الله ﷺ : إلا ما كان رقما في ثوب قال: بلى ولكنه أطيب لنفسي» ، واستظهر لما ذهب إليه بقول ابن عمر الذي ذكره، وهو حقيقة الورع؛ لأن الآثار لما تعارضت في الصور التي في البسط والثياب
стр. 307
صار ذلك من قبيل المشتبهات، وقد قال رسول الله ﷺ : «الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات فمن اتقى المشتبهات استبرأ لدينه وعرضه» ، الحديث. واختلف أهل العلم في هذا الباب على حسب اختلاف الآثار في ذلك، فيتحصل فيه من اختلافهم بعد إجماعهم على تحريم ما له ظل قائم كالصور المتخذة من الصفر والحديد والخشب ونحو ذلك أربعة أقوال:
أحدها: إباحة ما عدا ذلك سواء كان التصوير في جدار أو في ثوب مبسوط أو منصوب؛ والثاني: تحريم جميع ذلك؛ والثالث: تحريم ما كان من الصور في الجدار والثوب المنصوب، وإباحة ما كان منها في الثوب المبسوط أو المنصوب الذي يوطأ أو يتوسد؟ والرابع تحريم ما كان منها في الجدار خاصة، وإباحة ما كان منها في الثوب المبسوط أو المنصوب، وبالله التوفيق.
[مسألة: هل للإمام في العيدين تكبير ينتهي إليه يعني في الخطبة]
مسألة قال مالك: ليس للإمام في العيدين تكبير ينتهي إليه، يعني في الخطبة على المنبر.
قال محمد بن رشد: هذا على مذهبه المعلوم في كراهية الحد في مثل هذه الأمور، وقد مضت هذه المسألة والقول فيها في رسم "سن رسول الله ﷺ ".
[مسألة: أهل البادية يصيبهم كسوف الشمس أعليهم صلاة الكسوف]
مسألة وقال مالك في أهل البادية يصيبهم كسوف الشمس، قال: إن تطوع أحد فصلى بهم صلاة الكسوف لم أر بذلك بأسا.
قال محمد بن رشد: يريد أهل البادية الذين لا تجب عليهم صلاة
стр. 308
الجمعة، وأما من كان منهم تجب عليه الجمعة فلا رخصة لهم في ترك الجمع في صلاة الكسوف؛ لأن صلاة الكسوف سنة لا تترك كالعيد، وكذلك قال في المدونة.
[جاء وقد فاتته الصلاة يوم الجمعة والناس قعود فكبر وجلس]
مسألة وقال: ومن جاء وقد فاتته الصلاة يوم الجمعة والناس قعود فكبر وجلس، قال: أرى أن يعود بتكبيرة أخرى ولا يصلي بها، فقلت له: أيسلم أم يكبر؟ قال: لا، ولكن يستأنف بتكبيرة أخرى ثم يصلي.
قال محمد بن رشد: قد تقدمت هذه المسألة والقول فيها في رسم "طلق" فلا وجه لإعادتها.
[مسألة: الرجل يصلي في منزله المكتوبة أيصليها بزوجته وحدها]
مسألة وسئل عن الرجل يصلي في منزله المكتوبة، أيصليها بزوجته وحدها؟ قال: نعم وتكون وراءه.
قال محمد بن رشد: قوله للرجل أن يصلي بزوجته وحدها وأنها تكون وراءه صحيح مما أجمع عليه العلماء ولم يختلفوا فيه؛ لأن من سنة النساء في الصلاة أن يكن خلف الرجال وخلف الإمام لا في صف واحد معه ولا معهم، واحدة كانت أو اثنتين أو جماعة.
وإنما الكلام في الرجل أو الرجلين إذا كانا مع الإمام، فأما إذا كان معه رجل واحد فإنه يقوم عن يمين الإمام على ما ثبت عن النبي ﷺ في حديث ابن عباس وغيره، ولا خلاف في ذلك إلا ما يؤثر عن سعيد بن المسيب أنه يقوم عن يسار الإمام، وأراه تأول أن النبي، ﵇، ائتم بأبي بكر إذ خرج في مرضه الذي توفي فيه وهو يصلي بالناس، كما تأول مالك، ﵀، فيما مضى في رسم "سن". وقد
стр. 309
جاء في الحديث الصحيح: «أن النبي ﷺ جلس عن يسار أبي بكر» ، وقع ذلك في البخاري وغيره، فجعله لما كان في مرضه الذي توفي فيه ناسخا لحديث ابن عباس وغيره.
وأما إذا كان معه رجلان فالجمهور من أهل العلم على أنهما يقومان خلف الإمام على ما في حديث أنس وغيره من قوله: «فصففت أنا واليتيم من ورائه والعجوز من ورائنا فصلى لنا ركعتين ثم انصرف» وذهب طائفة من أهل العراق إلى أن الإمام يقوم وسطهما، لما روي «أن عبد الله بن مسعود صلى بعلقمة والأسود فجعل أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله قالا: ثم ركعنا فوضعنا أيدينا على ركبنا فضرب أيدينا بيده وطبق فلما فرغنا قال هكذا فعل رسول الله ﷺ » . وقال أبو يوسف: الإمام بالخيار، إن شاء فعل كما روى ابن مسعود، وإن شاء كما روى أنس، وبالله التوفيق.
[مسألة: الرجل في رمضان يكون منزله نائيا فيأتيه الطعام فيأكله في المسجد]
مسألة وسئل مالك عن الرجل في رمضان يكون في المسجد ويكون منزله نائيا فيأتيه من أهله الطعام فيأكله في المسجد، قال: أرجو أن يكون خفيفا.
قال محمد بن رشد: قد مضت هذه المسألة في رسم "الشجرة تطعم بطنين في السنة" أكمل من هذه، ومضى التكلم على ما كان في معناه في رسم "سلعة سماها " وغيره فلا معنى لإعادته.
[مسألة: الرجل تحضره الصلاة فيريد أن يصلي وعنان فرسه قصير لا يبلغ الأرض]
مسألة وقال مالك في الرجل تحضره الصلاة فيريد أن يصلي وعنان فرسه قصير لا يبلغ الأرض، قال: أرجو أن يكون في سعة،
стр. 310
ولا أحب أن يتعود ذلك ويكون ذلك شأنه، فأما الرجل يفعله وهو لا يعمد لذلك فأرجو أن يكون في سعة ".
قال محمد بن رشد: الذي مضى في رسم "الشجرة " من تخفيف ذلك إذا لم يجد منه بدا أحسن من هذا، فتأمل ذلك وقف عليه.
[مسألة: يؤم الرجل أصحابه في السفر بغير رداء ولا عمامة]
مسألة وقال: لا بأس أن يؤم الرجل أصحابه في السفر بغير رداء ولا عمامة.
قال محمد بن رشد: قال في المدونة وأحب إلي أن يجعل على عاتقه عمامة إذا كان مسافرا أو صلى في داره. ومثل ذلك في كتاب ابن حبيب. وقد سئل عمر بن الخطاب، ﵁، عن الصلاة في الثوب الواحد، فقال: " إذا أوسع الله عليكم فأوسعوا على أنفسكم، جمع عليه رجل ثيابه صلى في إزار ورداء "، الحديث. ورأى عبد الله بن عمر نافعا يصلي في خلوته في ثوب واحد فقال له: ألم أكسك ثوبين؟ قال: بلى، قال: أفكنت تخرج إلى السوق في ثوب واحد؟ قال: لا، قال: فالله أحق أن يتجمل له.
[المساجد تكون بالأفنية يدخلها الكلاب ويمشى فيها ويدخلها الدجاج]
ومن كتاب أوله البز وسئل مالك عن المساجد تكون بالأفنية يدخلها الكلاب ويمشى فيها ويدخلها الدجاج، أترى أن يصلى فيها؟ قال: نعم لا أرى بذلك بأسا.
стр. 311
قال محمد بن رشد: يريد - والله أعلم - ما لم يكثر دخول الكلاب والدجاج فيها ومشيهم فيها، بدليل قوله في أول رسم من هذا الكتاب في الكنائس وغيره أحب إلي لموضع وطء أقدامهم ونجسهم.
[مسألة: الرجل أيقرأ خلف صلواته يعني الركعتين الآخرتين بأم القرآن وحدها]
مسألة وسئل مالك عن الرجل أيقرأ خلف صلواته يعني الركعتين الآخرتين بأم القرآن وحدها أم يقرأ معها؟ قال: بل بأم القرآن وحدها.
قال محمد بن رشد: هذا قول مالك وجميع أصحابه، وهو مذهب أهل الحجاز، وخالف في ذلك أهل العراق، فمنهم من يقول: يسبح فيهما ولا يقرأ، وروي عن علي بن أبي طالب، ﵁، أنه كان لا يقرأ فيهما، ومنهم من أجاز التسبيح ورأى القراءة فيهما أفضل. [وهو مذهب أبي حنيفة، ومنهم من أجاز القراءة ورأى التسبيح فيهما أفضل] . وإلى هذا ذهب إبراهيم النخعي؟ ومنهم من قال إن شاء قرأ فيهما بأم القرآن وزاد منه ما كان في معنى الدعاء على ما روي عن أبي عبد الله الصنابحي أنه قال: سمعت أبا بكر الصديق قرأ في الركعة الثالثة من المغرب بأم القرآن وبهذه الآية: ﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ [آل عمران: ٨] ، الآية، وإن شاء سبح فيهما ودعا ولم يقرأ.
ولم ير مالك، ﵀، فيهما إلا القراءة، فقال في المدونة إنه لا يعرف التسبيح فيهما، وقد قال ابن القاسم في سماع أبي زيد: لو أعلم أن أحدا لا يقرأ في الركعتين الأخيرتين من الظهر ما صليت خلفه.
стр. 312
[مسألة: الرجل يكلم وهو في الصلاة فيشير بيده أو برأسه]
مسألة وسئل مالك عن الرجل يكلم وهو في الصلاة فيشير بيده أو برأسه، قال: لا يكثر، فأما الشيء الخفيف فأرجو أن لا يكون فيه بأس، فأما أن يطول ذلك فلا يعجبني.
قال محمد بن رشد: أجاز من ذلك ما خف عند الحاجة والأمر ينزل، ونجد هذا في سماع زونان عن ابن وهب لما جاء من «أن النبي ﷺ رد إشارة على من سلم عليه وهو يصلي» .
وعن أسماء بنت أبي بكر قالت: أتيت عائشة زوج النبي، ﵇، حين خسفت الشمس فإذا الناس قيام يصلون وإذا هي قائمة تصلي، فقلت: ما للناس؟ فأشارت بيدها نحو السماء وقالت: سبحان الله! فقلت آية؟ فأشارت برأسها أي نعم. وكره ما كثر منه لأنه ترك للخشوع في الصلاة الذي أثنى الله تعالى على من التزمه بقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ١] ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٢] .
[مسألة: التنحنح في الصلاة]
مسألة قيل له: فالتنحنح في الصلاة؟ قال: هذا منكر لا خير فيه.
قال محمد بن رشد: يريد إذا تنحنح ليسمع رجلا أو لينبهه في شيء كما يفعل كثير من الجهال بالإمام إذا أخطأ في القراءة في قيام رمضان، فإن فعل فقد أساء ولا شيء عليه على هذه الرواية.
قال أبو بكر الأبهري: لأن التنحنح ليس له حروف هجائية تفهم، وقد «روي عن علي بن أبي طالب، ﵁، أنه قال: كان لي من رسول الله ﷺ مدخلان، فكنت إذا دخلت عليه وهو يصلي تنحنح، وروي سبح» وهو أولى لقوله ﵇:
стр. 313
«من نابه في صلاته شيء فليسبح» . ولمالك في المختصر أنه إذا تنحنح ليسمع رجلا أو نفخ في موضع سجوده فذلك كالكلام تفسد به الصلاة عليه، وسيأتي في سماع موسى لمالك نحو قوله هنا.
[مسألة: الذي يرمي عن القوس وعليه الأصابع والمضربة]
مسألة وسئل عن الذي يرمي عن القوس وعليه الأصابع والمضربة تحضره الصلاة، أترى أن ينزعهما؟ قال: نعم، قال عبد الله بن عمر: إن اليدين يسجدان كما يسجد الوجه، وأرى أن ينزعهما إلا أن يكون ذلك في حرب.
قال محمد بن رشد: هذه المسألة تبين مسألة الخضاب التي تقدمت في رسم "شك في طوافه " على ما ذكرناه فيه.
[مسألة: الذي يقول في الصلاة إذا كبر سبحانك اللهم ربنا وبحمدك]
مسألة وسئل مالك عن الذي يقول في الصلاة إذا كبر سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، قال: " قد سمعت ذلك يقال وما أرى به بأسا إن أحب أحد يقوله، فقيل له الإمام يكبر قط ويقرأ، قال: نعم.
قال محمد بن رشد: هذا التوجيه وهو التسبيح والدعاء بعد الإحرام قبل القراءة قد روي عن النبي ﷺ ، فمما روي عنه أنه كان يقوله في ذلك: «وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين» . «قل إن صلاتي ونسكي ومحياي إلى قوله وأنا أول المسلمين» ، أي وأنا أول المسلمين من القرن الذي بعثت فيهم؛ لأنه قد
стр. 314
كان قبله أنبياء ومسلمون. وأنكر ذلك مالك في المدونة ولم ير عليه العمل. قال في المجموعة: ولو كان ما يذكر من ذلك حقا لعرف، قد صلى النبي، ﵇، والخلفاء بعده والأمراء من أهل العلم فما عمل به عندنا، وأجازه في هذه الروايات واستحسنه في رواية محمد بن يحيى السبائي عنه. وقال ابن حبيب: إنه يقوله بعد الإقامة وقبل الإحرام وذلك حسن، وبالله التوفيق.
[مسألة: الزيت تقع فيه الفارة هل ينتفع به للمصباح]
مسألة وسئل مالك عن الزيت تقع فيه الفارة هل ينتفع به للمصباح؟ قال: نعم إن قووا على التحفظ في مسه؛ لأن أهل البيت يمسون المصباح، ويأخذون القدح والقصبة وما أشبه ذلك، فإن قووا على التحفظ منه فلا بأس به.
فقيل له: فهل ينتفع به في غيره؟ قال مالك: قد قيل لي نعال يدهنونها به كأنه تجففه. قال ابن القاسم: وزعم لي غيره أنها تغسل بعد ذلك وإنما ذلك في دباغها.
قال محمد بن رشد: إجازته الاستصباح بزيت الفارة صحيح على أصله الذي لم يختلف فيه قوله في المدونة وغيرها من إجازة الانتفاع بالأشياء النجسة، ودليله على ذلك قول رسول الله ﷺ في الميتة: «ألا انتفعتم بجلدها» وتابعه على قوله جميع أصحابه إلا ابن الماجشون فإنه لم يجز الانتفاع بذلك في وجه من وجوه المنافع، لحما روي من أن رسول الله ﷺ : «أمر أن لا يستمتع من الميتة بإهاب ولا عصب» . وما ذهب إليه ابن القاسم فيما حكاه عمن حكى قوله أن تخفيف مالك لدهن النعال به معناه في
стр. 315
الدباغ لأن الغسل يأتي عليها تفسير صحيح، وينبغي أن يحمل على التفسير أيضا لإجازته في سماع أشهب من كتاب الذبائح والصيد أن يدهن به الدلاء.
وقد مضى القول في سماع أصبغ من كتاب الوضوء في إجازة غسله، وأجاز ابن وهب من أصحاب مالك بيعه، وقد مضى لمالك نحوه بدليل في أول رسم "الشجرة تطعم بطنين في السنة ".
[مسألة: يأتي من سفر فيقيم على رأس الميل والميلين أترى أن يقصر الصلاة]
مسألة وسئل مالك عن الرجل يأتي من سفر فيأتي في سعة من النهار لو أحب أن يدخل نهارا دخل، ويكره أن يدخل نهارا حتى يمسي فيقيم على رأس الميل والميلين: أترى أن يقصر الصلاة أم يتم؟ قال: بل يقصر الصلاة إلا إن كان قريبا من القرية.
فقيل له: فما حد القرب؟ قال: ما نجد في ذلك حدا، وإنما يحد في مثل هذا أهل العراق.
قال محمد بن رشد: قوله إلا أن يكون قريبا من القرية معناه فيتم وإن كان لم يصل إلى بيوت القرية وبساتينها، وإنما ذلك من أجل أنه أقام بذلك الموضع لما أراده من حاجته، ولو مشى لكان قد بلغ إلى الموضع الذي يلزمه أن يتم فيه.
وكان القياس أن يقصر حتى يدخل بيوت القرية أو يقاربها وأن لا يعتبر إقامته فيما قرب من ذلك كما لا يعتبرها فيما بعد منه. واستحسانه أن يتم إذا كانت إقامته بالقرب من بيوت القرية كنحو استحسانه لمن أقام بمنى في رجوعه من حجه إلى مكة وهو من أهل مكة، أو ينوي الإقامة بها أن يتم على القول الذي يرى أنه يتم في طريقه من منى إلى مكة، وقد مضت هذه المسألة في رسم "شك في طوافه " ورسم "الشريكين"، فقف على ذلك.
[مسألة: قيام الخطيب على المنبر في الجمعة أعلى يمينه أم على شماله]
مسألة وسئل مالك عن قيام الخطيب على المنبر في الجمعة لا يطلع
стр. 316
على المنبر أعلى يمينه أم على شماله؟ قال: إن جل من عندنا ليقومون على يسار المنبر، ولقد كان عبد الله بن عبد الرحمن بن القاسم بن محمد وغيره ليقومون على يمينه، وأرى ذلك واسعا.
فقيل له فالعصا؟ قال ما أدركت أحدا ممن أدركته ولا ممن كان عندنا إلا وهو لا يعيبها، وإن قائلا ليقول إن فيها لشغلا عن مس اللحية والعبث، فقيل له: أيمس الرجل لحيته في الصلاة؟ قال: نعم، إن الرجل يمس لحيته في الصلاة ولكن لا يعبث.
قال محمد بن رشد: المنبر يكون على يمين المحراب فالجهة التي تليه منه هي يمينه والجهة الأخرى هي يساره، فوجه القيام على يمينه أقرب إلى المحراب وأقل في التخطي إليه إذا فرغ من الخطبة، ووجه القيام عن يساره ليعتمد بيمينه على عمود المنبر فالاختيار عندي لمن لا يمسك بيده عصى يتوكأ عليها في خطبته أن يقوم على يسار المنبر ليعتمد بيمينه على عمود، ولمن يمسك بيده عصا أن يقوم على يمينه.
وظاهر هذه الرواية أن إمساك الخطيب بيده عصا مباح، والذي مضى في آخر رسم "سلعة سماها" أن ذلك مستحب هو الصحيح؛ لأنه الماضي من فعل النبي ﷺ والخلفاء بعده.
وإنما قال إنه لا يعبث بلحيته في الصلاة لأن ذلك ترك للخشوع فيها، وقد روي ذلك عن النبي، ﵇، على ما مضى في أول من هذا السماع.
[المريض يكون مسكنه قريبا من المسجد فهو يتبلغ إليه ماشيا ثم يصلي جالسا]
ومن كتاب أوله باع غلاما وسئل مالك عن المريض يكون مسكنه قريبا من المسجد فهو يتبلغ إليه ماشيا ثم يصلي جالسا، قال: لا يعجبني ذلك، ولو أصابه بعد أن يأتي المسجد أمر وقد جاءه صحيحا لم أر به بأسا أن يصلي جالسا.
стр. 317
قال محمد بن رشد: وهذا كما قاله؛ لأنه إذا قدر على الإتيان من مسكنه إلى المسجد وإن كان قريبا لا يضعف عن القيام في الصلاة، وإن ضعف عن طول القيام مع الإمام فيلزمه أن يقف معه ما أطاق، فإذا ضعف عن القيام جلس في بقية ركعته، ويفعل ذلك في كل ركعة؛ لأن القيام عليه فرض في كل ركعة، ولا يسقط عنه وهو قادر عليه، وبالله التوفيق.
[مسألة: الذي يكثر عليه السهو في الصلاة]
مسألة وقال مالك في الذي يكثر عليه السهو أرى أن سجدتيه إنما تكونان بعد السلام، وذلك أنه يكثر عليه السهو، وإنما هو شيء يقوله إني أتخوف أن أكون قد سهوت ولا يستيقن، فلا أحب أن يزيد في صلاته شيئا على الشك ولعله لم يسه، ولو كان يستيقن لأمرته أن يجعلهما قبل السلام.
قال محمد بن رشد: معنى هذه المسألة في الذي يستنكح بكثرة الشك في النقصان، فلا يدري أنقص شيئا أم لم ينقص، ومثل هذا لمالك أيضا في رسم "أوصى" ورسم "إن خرجت" من سماع عيسى، يريد ولا يبني على اليقين لأنه مستنكح بكثرة السهو.
وقال ابن حبيب في الواضحة: إنه يسجد قبل السلام، واختاره الفضل. وقد روي عن مالك أنه لا سجود عليه في نحو هذه المسألة، فقال الفضل: إنها هذه المسألة، وإن ذلك اختلاف من قول مالك، وذهب محمد بن المواز أنها ليست هذه المسألة وإنما قال مالك: إنه لا سجود عليه في الذي يكثر عليه السهو في الصلاة لا الشك فيه، فهذا لا بد له من إصلاح ما سها إذ لا يشك فيه، ثم لا سجود عليه بعد إصلاحه لكثرة سهوه، ويسجد عند فضل في هذه المسألة بعد إصلاح سهوه على ما يوقن به، وبالله التوفيق.
стр. 318
[مسألة: مال محمله حتى حول رأسه إلى رأس البعير كيف يصلي]
مسألة وسئل عن الرجل مال محمله حتى حول رأسه إلى رأس البعير، فإذا أراد أن يصلي ويحول وجهه إلى دبر البعير، قال: لا أحب له أن يصلي إلا على سير البعير الذي يسير عليه.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قاله؛ لأن قبلته التي يصلي إليها إذا صلى على بعيره وجهته التي يصير إليها، لقول الله : ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥] ، فإذا صلى ووجهه إلى دبر البعير فقد صلى إلى غير قبلته في تلك الحال وإن كان وجهه تلقاء الكعبة، وبالله التوفيق.
[مسألة: صاحب المنزل أولى بالتقدم في الصلاة في منزله]
مسألة قال مالك: لم أزل أسمع أن صاحب المنزل أولى بالتقدم في الصلاة في منزله، ولقد بلغني أن رجالا من أهل الفضل والفقه إن كانوا لينزلون بالرجل في منزله فيقدمونه فيه لأنه منزله، ولم أزل أسمع أن صاحب الدابة أولى بصدرها من الذي يردفه، ورأيته يستحسنه.
قال محمد بن رشد: المعنى في كون صاحب المنزل أحق بالإمامة فيه من غيره هو أنه ليس لأحد أن يصلي في منزل غيره حتى يأذن له في الموضع الذي يصلي فيه منه، لقول النبي ﷺ لعتبان بن مالك: «أين تحب أن أصلي فأشار له إلى مكان من البيت فصلى فيه» .
فإذا لم يكن لأحد أن يتقدم في منزل رجل إلى موضع الإمام منه إلا بإذنه وكان هو أحق بالصلاة في ذلك الموضع من غيره ثبت أنه أحق بالإمامة فيه، غير أنه يستحب له إذا كان
стр. 319
في القوم أحق بالإمامة منه أن يقدمه، وكذلك صاحب الدابة هو أولى بصدر دابته إذا أباح للرجل أن يركب معه عليها، إلا أن يأذن له في ركوب مقدمها؛ لأن الذي يركب مقدمها هو الذي يملكها وهو الذي يحكم له بها لو تداعى فيها مع الذي يركب مؤخرها، فليس لأحد أن يزيله عن هذه المرتبة إلا باختياره وبالله التوفيق.
[مسألة: النوم على الوجه وهو ساجد]
مسألة وسئل مالك عن النوم على الوجه وهو ساجد، قال من طال ذلك منه فليتوضأ أحب إلي.
قال محمد بن رشد: قد تقدم تفصيل القول في هذه المسألة وتبيين وجوهها قبل هذا في رسم "سن " فلا معنى لإعادة ذلك.
[مسألة: أناس يحيون الليل كله]
مسألة فقيل له: يا أبا عبد الله، إن ناسا يحيون الليل كله، فكره ذلك كراهة شديدة وعابه وقال: إن أحدهم لا يدري ما يقرأ وينام في الصلاة، ولعله لا يصلي الصبح إلا وهو مغلوب. قال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] ، فكان رسول الله ﷺ يقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه، فأحب للرجل إذا كان يصلي من الليل فأصابه النوم أن ينام حتى يذهب عنه النوم، ولا يصلي وهو يجد ذلك. قال ابن القاسم: رجع بعد ذلك وقال لا بأس بذلك إذا قوي عليه إذا لم يضر ذلك بصلاة الصبح.
قال محمد بن رشد: قد تقدم القول على هذه المسألة في رسم "طلق" فلا فائدة لإعادته.
стр. 320
[مسألة: القيام في الصلاة من السجود بغير اعتماد على اليدين]
مسألة وسئل مالك عن القيام في الصلاة من السجود بغير اعتماد على اليدين، فقال: لا بأس بذلك وكرهه أيضا.
قال محمد بن رشد: قال في المدونة إن شاء اعتمد وإن شاء لم يعتمد، وكان لا يكره الاعتماد. وفي رسم "الصلاة" الأول من سماع أشهب أنه كره ترك الاعتماد، فمرة أجاز مالك ترك الاعتماد وفعله ورأى ذلك سواء، وهو مذهبه في المدونة، ومرة استحب الاعتماد وخفف تركه، وهو الذي يدل عليه قوله في هذه الرواية، لا بأس بذلك، أي لا بأس بتركه، ومرة استحبه وكره تركه، وهو قوله في هذه الرواية: وكرهه أيضا، أي كره تركه. وقوله في سماع أشهب أيضا وهو أولى الأقوال بالصواب؛ لأنه قد روي عن النبي ﷺ أنه قال: «إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير، ولكن يضع يديه ثم ركبتيه» فإذا أمره ﷺ أن يضع يديه بالأرض قبل ركبتيه في سجوده لئلا يشبه البعير في بروكه وجب بدليل قوله أن يضع يديه بالأرض إذا قام لئلا يشبه البعير في قيامه، وهذا بين وإلى هذا نحا بقوله في سماع أشهب ما يطيق هذا إلا الشاب الخفيف اللحم الذي يقول هاتوا من يضع جنبي، فكأنه رأى الاعتماد من السكينة في الصلاة، والله أعلم.
وفي البخاري: " عن ابن عمر أنه كان إذا سجد وضع يديه قبل ركبتيه "، وحكى عنه ابن حبيب خلاف ذلك أنه كان إذا سجد أول ما يقع منه على الأرض ركبتاه ثم يداه ثم وجهه، وإذا رفع رفع وجهه ثم يديه ثم ركبتيه.
قال محمد بن رشد: وقد روي عن وائل بن حجر أنه قال: " رأيت رسول الله ﷺ يفعل ذلك ". قال ابن حبيب: ومن تحرى هذا فحسن، ومن
следующие страницы →