Полный текст (9 112 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال مالك ﵀ أن من بنى مسجدا بقرب مسجد آخر ليضار به أهل المسجد الأول ويفرق به جماعتهم فهو من أعظم الضرر؛ لأن الإضرار فيما يتعلق بالدين أشد منه فيما يتعلق بالنفس والمال، لا سيما في المسجد المتخذ للصلاة التي هي عماد الدين، وقد أنزل الله تعالى في ذلك ما أنزل من قوله: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا﴾ [التوبة: ١٠٧] ، إلى قوله: ﴿لا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ﴾ [التوبة: ١١٠] ، وقوله: إنما القول أبدا في الآخر من المسجدين صحيح؛ لأنه هو الذي يجب أن ينظر فيه، فإن ثبت على بانيه أنه قصد الإضرار وتفريق الجماعة لا وجها من وجوه البر وجب أن يحرق ويهدم ويترك مطرحا للزبول، كما فعل رسول الله ﷺ بمسجد الضرار، وإن ثبت أن إقراره مضر بأهل المسجد الأول ولم يثبت على بانيه أنه قصد إلى ذلك وادعى أنه أراد به القربة، لم يهدم وترك معطلا لا يصلى فيه إلا أن يحتاج إلى الصلاة فيه بأن يكثر أهل الموضع أو ينهدم المسجد الأول، وبالله التوفيق.
[مسألة: المسجد يجعل فيه المنار فإذا صعد المؤذن فيها عاين ما في الدور]
مسألة قيل لسحنون: فالمسجد يجعل فيه المنار، فإذا صعد المؤذن فيها عاين ما في الدور التي تجاور المسجد، فيريد أهل الدور منع المؤذنين من الصعود فيها، وربما كانت بعض الدور على البعد من المسجد يكون بينهم الفناء الواسع والسكة الواسعة، قال: يمنع من الصعود فيها والرقي عليها؛ لأن هذا من الضرر، وقد نهى رسول الله ﷺ عن الضرار.
قال محمد بن رشد: هذا صحيح على أصل مذهب مالك في أن الاطلاع من الضرر البين الذي يجب القضاء بقطعه، وكذلك يجب عندي
стр. 387
على مذهب من يرى من أصحاب مالك أن من أحدث في ملكه إطلاعا على جاره لا يقضى عليه بسده، ويقال لجاره: استر على نفسك في ملكك. والفرق بين الموضعين على مذهبهم أن المنار ليس بملك للمؤذن، وإنما يصعد فيه ابتغاء الخير والثواب، والاطلاع على حرم الناس محظور، ولا يحل الدخول في نافلة من الخير بمعصية، وسواء كانت الدور على القرب أو البعد إلا أن يكون البعد الكثير الذي لا يستبين معه الأشخاص والهيئات ولا الذكران من الإناث، فلا يعتبر الاطلاع معه، وقد كان بعض الشيوخ يستدل على هذا بقول عائشة ﵂: «إن كان رسول الله ﷺ ليصلي الصبح فينصرف النساء متلفعات بمروطهن ما يعرفن من الغلس» .
[مسألة: المساجد التي تكون بالمدينة أيجمع فيها بين الصلاتين في الليلة المطيرة]
مسألة وسئل عن المساجد التي تكون بالمدينة، أيجمع فيها بين الصلاتين في الليلة المطيرة؟ قال: لا أدري ما فيه، فأما مسجدنا هذا فنجمع فيه بين الصلاتين، فقيل له: إن عندنا بمصر وبرقة مساجد سوى المسجد الجامع تجمع فيه الصلوات، فتكون الليلة المطيرة فيجمع فيها بين الصلاتين، فقال: أرجو أن لا يكون بذلك بأس، وليس مساجد المدينة كهيئة مساجد الأمصار.
قال محمد بن رشد: ضعف الجمع بالمدينة فيما سوى مسجد النبي ﷺ من المساجد، ولم يرها في الجمع كمساجد سائر الأمصار. ووجه الفرق في ذلك بين مساجد المدينة ومساجد الأمصار أن لمسجد النبي ﷺ بالمدينة فضل متيقن معلوم على سائر المساجد بالمدينة، وليس للمسجد
стр. 388
الجامع في سائر الأمصار فضل على سائر المساجد بها. ووجه ثان وهو الاتباع، إذ لم يرو أنه جمع في المدينة في الزمن الأول إلا في مسجد النبي ﷺ وتضعيفه في هذه الرواية للجمع فيما سوى مسجد النبي ﷺ ينحو إلى رواية زياد عنه وهي قوله: وأظن أن رسول الله ﷺ إنما جمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء؛ لأن المسجد لم يكن يحبس مطرا ولم يكن حول المسجد عمارة، فلو ترك الناس الجمع اليوم لم أره خطأ.
[مسألة: أحرم بالصلاة خلف الإمام فكبر ورفع يديه حذو صدره]
مسألة قال: ورأيت مالكا أحرم بالصلاة خلف الإمام، فكبر ورفع يديه حذو صدره ولم يبلغ بهما منكبيه، فلما هوى راكعا كبر ولم يرفع يديه، فلما رفع رأسه من الركوع لم يرفع يديه، لم أره يرفع يديه إلا في تكبيرة الإحرام وحدها، فإني رأيته يرفع يديه فيها حذو صدره لا تبلغ حذو منكبيه، ورأيته إذا نهض من السجدة الأخرى من الركعة الأولى ومن الركعة الثانية نهض كما هو قائما ولم يجلس ثم ينهض، فإذا سلم الإمام فقضى سلامه سلم مالك عن يمينه، فقال: السلام عليكم، ثم سلم عن يساره، فقال: السلام عليكم، ثم رد على الإمام وقال: السلام عليكم، سلامه عن يمينه وعن يساره وعلى الإمام سلام واحد، يقول: السلام عليكم، ثلاثا، إلا أنه بدأ عن يمينه ثم عن يساره ثم على الإمام.
قال محمد بن رشد: رفع مالك يديه في افتتاح الصلاة نحو صدره لا يبلغ بهما منكبيه هو نحو قوله في " المدونة ": إنه يرفعهما في ذلك شيئا خفيفا، وله في " المختصر " أنه يرفعهما حذو منكبيه مثل ما في حديث ابن عمر عن النبي ﷺ ومثله في كتاب ابن شعبان، قال ابن وهب: صليت مع مالك في بيته فرأيته يرفع يديه في أول ركعة، وكان إذا ركع وإذا رفع رأسه من الركوع
стр. 389
رفع يديه حذو منكبيه، وكان يقول: "وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين"، وقال: أكره أن أحمل الجاهل على ذلك فيقول: إنه من فرض الصلاة، وقد مضى القول في رفع اليدين عند الركوع وعند الرفع منه في رسم "يتخذ الخرقة لفرجه"، من سماع ابن القاسم.
وأما نهوضه من السجود إلى القيام دون أن يرجع إلى الجلوس في الركعة الأولى والثالثة، فهو معلوم من مذهبه وعليه العلماء، وذهب الشافعي إلى أنه يرجع إلى الجلوس على ما روي عن مالك بن الحويرث أنه قال: «رأيت رسول الله ﷺ إذا كان في وتر من صلاته لم ينهض حتى يستوي قاعدا» ، والذي عليه الجمهور هو الصحيح؛ لأن ذلك قد روي عن النبي ﷺ واتصل به العمل، فدل على أنه كان آخر الأمرين من النبي ﷺ ويحتمل أن يكون ﷺ إنما فعل في صلاته ما حكاه عنه مالك بن الحويرث لعلة كانت به حينئذ؛ لأنه إنما أقام عنده أياما ثم رجع إلى أهله، لا لأن ذلك من سنة الصلاة. والنظر يوجب أيضا أن لا يكون من سننها؛ إذ لو كان من سننها لكان له تكبير كالتكبير عند سائر أركان الصلاة.
وأما تسليمه عن يمينه وعن يساره ثم على الإمام فهو كان الأول من قوليه، فقد قال ابن القاسم في " المدونة ": إنه كان يأخذ بذلك ثم تركه، وقد مضى هذا المعنى في آخر رسم "شك في طوافه" من سماع ابن القاسم مستوفى، وأما قوله: يقول السلام عليكم، فهو مثل قوله في " المدونة ": إنه لا يجزئ من السلام من الصلاة إلا السلام عليكم، ووقع هاهنا في بعض الروايات يقول: سلام عليكم سلام عليكم، بغير الألف واللام، وذلك خلاف لما في " المدونة ". وهذا الخلاف إنما هو في السلام الذي يتحلل به من
стр. 390
الصلاة، وأما في الرد على الإمام فهو خفيف؛ إذ قد وسع في الثاني من صلاة " المدونة " أن يقول فيه: عليك السلام، وبالله التوفيق.
[مسألة: صلاة العشاء في آخر وقتها وترك الحديث بعدها]
مسألة وقال له اليربوعي: كان سعيد بن المسيب يقول: لأن أنام على العشاء أحب إلي من أن أتحدث بعدها، فقال مالك: أصاب ونعما قال.
قال الإمام: يريد أن ينام عنها إلى آخر وقتها، لا أن ينام عنها حتى يخرج وقتها جملة، فرأى صلاة العشاء في آخر وقتها وترك الحديث بعدها أحب إليه من صلاتها في أول وقتها والتحدث بعدها، وذلك صواب؛ لأن تحدثه محصي عليه منه ما يكتبه صاحب اليمين ومنه ما يكتبه صاحب الشمال، فالتوقي مما يخشى أن يدخل عليه في ذلك من الإثم آكد عليه من الرغبة في زيادة فضيلة أول الوقت.
[مسألة: إمام سها في الركعة الثالثة فجلس فيها]
مسألة وسئل عن إمام سها في الركعة الثالثة فجلس فيها، فرأى من ساعته بحضرة ذلك منه مَنْ خلفه قياما فنهض قائما مكانه، أيسجد سجدتي السهو إذا قضى صلاته؟ فقال: نعم، في رأيي عليه سجدتا السهو إذا كان قد اطمأن جالسا، ثم علم بقيامهم خلفه فقام.
زعم يحيى بن سعيد أن أنس بن مالك صلى بهم في سفر، فنأى للقيام في الركعتين، فسبح به قبل أن يعتدل قائما، فجلس فسجد سجدتي السهو، فقيل لمالك: قبل السلام أم بعده؟ فقال: لم يذكر
стр. 391
ذلك يحيى، وأنا أراها بعد السلام، قيل: والذي سألتك عنه من أنه لما ذهب ليجلس في الثالثة رأى من خلفه، قد قاموا فقام، فقال: نعم يسجد في ذلك سجدتين بعد السلام، وذلك يختلف عندي، أما الرجل الذي جلس مجمعا على الجلوس ذلك أراد، فهذا الذي أرى عليه سجدتي السهو، وأما الرجل الشاك الذي إنما يتذكر في جلوسه يريد أن ينظر إلى ما يصنع الناس، فلا أرى على هذا سهوا.
قال محمد بن رشد: أوجب مالك ﵀ سجود السهو على من اطمأن جالسا ساهيا في الركعة الأولى أو الثالثة، ولم يراع قول من يرى ذلك من سنة الصلاة؛ لضعف الاختلاف في ذلك عنده، وقد بينا قبل هذا وجهه، وقال: الجلوس في موضع القيام على القيام في موضع الجلوس، فأوجب في ذلك السجود على ما حكي عن أنس بن مالك، وإن كان قبل أن يعتدل قائما؛ لأن السهو في قيامه وإن لم يعتدل قائما أكثر من السهو في جلوسه إذا لم يطمئن جالسا، مع ما في ذلك من الاختلاف. وقد اختلف فيمن قام في ركعتين من صلاة رباعية على قولين: أحدهما أنه يرجع ما لم يعتدل قائما وإن فارق الأرض على ما فعله أنس، ومثله في آخر هذا الرسم، وقاله ابن حبيب، والثاني قول ابن القاسم: إنه يرجع ما لم يفارق الأرض، ولا اختلاف أنه لا يرجع إذا اعتدل قائما، وإنما يختلف فيما يجب عليه إن رجع جاهلا، فقيل: إنه يعيد الصلاة، وهو قول عيسى بن دينار ومحمد بن عبد الحكم، حكى ذلك عنهما ابن الجلاب في مختصره، وهو قول ابن سحنون أيضا في " النوادر "، وقيل: إنه يسجد سجدتي السهو بعد السلام، وهو قول مالك في آخر هذا الرسم، وقيل: إنه يسجد قبل السلام؛ لأنه زاد الجلوس بعد أن نقصه، فاجتمع عليه نقصان وزيادة، وهو قول أشهب وعلي بن زياد، وقد روي عن مالك من رواية ابن وهب وابن أبي أويس أنه راعى الاختلاف في ذلك، أعني في الذي جلس في وتر من صلاته ساهيا،
стр. 392
فلم يوجب فيه سجود السهو إلا أن يكون جلوسه قدر ما يتشهد فيه، وتابعه على ذلك ابن أبي حازم، وقاله ابن كنانة وابن القاسم في " المدنية ". وأما الإمام الذي جلس شاكا غير مجمع على الجلوس إلا لينظر ما يصنع الناس، فبين أنه لا يسجد لما في أصل المسألة من الاختلاف.
[مسألة: الرجل يتقدم قوما في الصلاة فيقول لهم قبل أن يتقدمهم أتأذنون]
مسألة وسئل عن الرجل يتقدم قوما في الصلاة فيقول لهم قبل أن يتقدمهم: أتأذنون؟ فقال: لا أرى بذلك بأسا، فقيل له: وذلك أحب إليك أن يستأذنهم؟ فقال: إن خاف أن يكون منهم من يكرهه أن يؤمهم فليستأذنهم، ربما تقدم المرء القوم ومنهم من يكره ذلك.
قال محمد بن رشد: قوله في استئذان الرجل القوم في إمامتهم: لا أرى بذلك بأسا، يدل على أنه خفف ذلك، فكأنه رأى ترك الاستئذان أحسن إلا أن يخاف أن يكون منهم من يكرهه، وفي ذلك من قوله نظر؛ إذ قد روي أن رسول الله ﷺ قال: «لا يحل لرجل أن يؤم قوما إلا بإذنهم» . ووجه ما ذهب إليه مالك، والله أعلم، أن الرجل إذا كان مع القوم، فحضرت الصلاة وهو أحقهم بالإمامة، وعلم أنهم مقرون له بالتقدم والفضل، رأى سكوتهم على تقدمه بهم إذنا منهم له في ذلك، واستحسن أن لا يفصح باستئذانهم في ذلك؛ لما فيه من إفصاحهم بتقديمه وتفضيله، فيصير متعرضا لثنائهم عليه، إلا أن يخاف أن يكون منهم من يكرهه، فلا يكتفي بسكوتهم حتى يصر حواله بالإذن في ذلك. وأما من قد حصل إماما في مسجد أو في موضع بتقديم أهله إياه، فطرأت عليه جماعة يخشى أن يكون فيها من يكره إمامته، فليس عليه أن يستأذنهم؛ لأن أهل ذلك المسجد أو الموضع أحق بالتقديم منهم، وإن علم أن جماعته أو أكثرها أو ذا النهى والفضل منها كارهون لإمامته وجب عليه أن
стр. 393
يتأخر عن الإمامة بهم؛ لما روي من أن رسول الله ﷺ قال: «خمسة لا تجاوز صلاتهم آذانهم» ، فذكر فيهم الذي يؤم قوما وهم له كارهون. وقد روي أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: "لأن أقرب فتضرب عنقي إلا أن تتغير نفسي أحب إلي من أن أؤم قوما وهم لي كارهون". وأما إن لم يكره إمامته من جماعته إلا النفر اليسير، فيستحب له التأخر عن التقدم بهم من غير إيجاب، وبالله التوفيق.
[مسألة: يؤم القوم في الظهر أيدعو بعد فراغه من التشهد الأول]
مسألة وسألته عن الرجل يؤم القوم في الظهر، أيدعو بعد فراغه من التشهد في الركعتين الأوليين بما بدا له؟ فقال لي: نعم.
قال الشارح: يريد أن ذلك جائز لا كراهة فيه ما لم يطل؛ لأن تقصير الجلسة الأولى من مستحبات الصلاة، ولا يكره الدعاء فيها إلا في ثلاثة مواطن، وهي القيام قبل القراءة، والجلوس قبل التشهد، والركوع، وبالله التوفيق.
[مسألة: إمام الحرس إذا أقيمت الصلاة تقدمهم وعليه جبة وسيف]
مسألة قال: وسئل عن القوم يكونون في الحرس لهم إمام يؤمهم في الصلوات، فإذا أقيمت الصلاة تقدمهم وعليه جبة وسيف مرتدي به لا رداء عليه، فقال: ما يعجبني ذلك، ولكن يجعل على عاتقيه عمامة، فقيل له: إنا رأينا ابن عجلان يأتي المسجد إلى الصلاة متقلدا سيفا مرتديا فوق ذلك بعمامة لم أر أحدا منهم فعله غيره، فقال عيسى: أن يكون أفقه من غيره.
стр. 394
قال محمد بن رشد: هذه مسألة قد مضى القول فيها في آخر رسم "المحرم يتخذ الخرقة " من سماع ابن القاسم مجردا، فأغنى ذلك عن إعادته ها هنا.
[مسألة: مساجد يصلى فيها بعض الصلوات بالأذان والإقامة]
مسألة قال: وسئل عن مساجد بالإسكندرية يحرس فيها، يصلى فيها المغرب والعشاء والصبح بالأذان والإقامة، ولا يصلى فيها الظهر ولا العصر، وربما شهدنا الجنازة بالنهار، فصلينا فيها الظهر والعصر، فتجمع فيها الصلاة منها مرتين، أفترى ذلك؟ قال: نعم لا بأس بذلك، وأما الصلوات التي تجمع فيها فلا أرى ذلك فيها.
قال محمد بن رشد: قد مضت هذه المسألة واختلاف قول مالك فيها والتوجيه له في رسم "يسلف في حيوان مضمون" من سماع ابن القاسم، فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.
[مسألة: رجل قرأ في ركعة من الصبح بأم القرآن فقط وأسر بها]
مسألة قال: وسئل عن رجل قرأ في ركعة من الصبح بأم القرآن فقط وأسر بها، أترى عليه إعادة الصلاة؟ فقال: لا أرى عليه إعادة، وأرى ذلك مجزيا عنه ولا سجود سهو عليه، فقيل له: إذا قرأ بأم القرآن فقط سرا فيما يجهر فيه بالقراءة لم تر عليه سجود السهو؟ قال: نعم ولا إعادة عليه، وأرى ذلك مجزئا عنه.
قال الإمام: قوله: إنه لا سجود عليه في ترك الجهر ولا في إسقاط السورة خلاف ما في " المدونة "؛ لأنه أوجب السجود فيها في كل واحد منهما. والذي في " المدونة " هو المشهور. ووجه هذا أنه رأى الجهر في الصلاة وقراءة ما عدا أم القرآن فيها من مستحبات الصلاة لا من سننها، وقد روى أشهب
стр. 395
عن مالك أيضا فيمن أسر فيما يجهر فيه أنه يسجد بعد السلام. ووجه هذا أن السجود لما ضعف عنده في ذلك رأى أن يكون بعد السلام لئلا يدخل في نفس صلاته ما ليس منها، وكذلك يقول أشهب فيمن ترك التكبير في الصلاة أو سمع الله لمن حمده: إنه يسجد بعد السلام؛ لأن السجود في ذلك غير لازم، وإن سجد قبل السلام لم تفسد عنده صلاته، بخلاف من سجد عنده قبل السلام لإسقاط القنوت أو التسبيح، وقد كان يحيى بن يحيى يقول: من التزم القنوت في صلاته سجد إذا سها عنه، وأما من جهر فيما يسر فيه من صلاته ناسيا، فلا اختلاف أحفظه في المذهب في أنه يسجد بعد السلام. وقد يقال في الفرق بين الموضعين إن فعل ما تركه سنة أشد من ترك ما فعله سنة؛ لقول النبي ﷺ : «إذا نهيتكم عن شيء فانتهوا عنه، وإذا أمرتكم بشيء فاتوا منه ما استطعتم» ، وبالله التوفيق.
[مسألة: شهود النساء الصلوات إلى المساجد]
مسألة قال: وسئل عن شهود النساء الصلوات إلى المساجد، فقال: ذلك يختلف في المرأة المتجالة والشابة، فالمتجالة تخرج إلى المسجد ولا تكثر التردد، والمرأة الشابة تخرج إلى المسجد المرة بعد المرة، وكذلك هي في الجنائز. وذلك يختلف من العجوز والشابة، وإنما تخرج الشابة في جنائز أهلها وقرابتها.
قال الإمام: أما النساء المتجالات فلا اختلاف في جواز خروجهن إلى المساجد والجنائز والعيدين والاستسقاء وشبه ذلك، وأما النساء الشواب فلا يخرجن إلى الاستسقاء والعيدين ولا إلى المساجد إلا في الفرط، ولا إلى الجنائز إلا في جنائز أهلهن وقرابتهن. هذا الذي يأتي على هذه الرواية وعلى
стр. 396
ما في " المدونة "، فيجب على الإمام في مذهب مالك ﵀ أن يمنع النساء الشواب من الخروج إلى العيدين والاستسقاء، ولا يمنعهن من الخروج إلى المساجد؛ لجواز خروجهن إليها في الفرط، فهذا دليل قوله في " المدونة ". وفي تفسير ابن مزين أن المرأة الشابة إذا استأذنت على زوجها في الخروج إلى المسجد لم يقض لها عليه بالخروج، وكان له أن يؤدبها ويمسكها، وليس ذلك بخلاف لما في " المدونة "؛ لأن معنى ما في " المدونة " إنما هو في المنع العام. وأما المرأة الشابة في خاصتها فيكره لها الإكثار من الخروج إلى المسجد، فتؤمر ألا تخرج إليه إلا في الفرط بإذن زوجها إن كان لها زوج، فقد كانت عاتكة بنت زيد بن عمر بن نفيل تستأذن عمر بن الخطاب في الخروج إلى المسجد وهو زوجها، فيسكت، فتقول: والله لأخرجن إلا أن تمنعني فلا يمنعها ولا تخرج إلا تفلة، فقد قال رسول الله ﷺ : «إذا شهدت إحداكن العشاء فلا تمسن طيبا» . ووجه قول مالك ﵀: "إن النساء الشواب لا يمنعن من الخروج إلى المساجد" عموم قول النبي ﷺ : «لا تمنعوا إماء الله مساجد الله» . ووجه كراهيته لهن الإكثار من الخروج ما خشي على الرجال من الفتنة بهن، فقد قال ﷺ : «ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء» . ووجه قوله إنهن يمنعن من الخروج إلى العيدين والاستسقاء، مع ما جاء عن النبي ﷺ من خروج العواتق وذوات الخدور إلى العيدين- ما أحدثنه من الخروج على غير الصفة التي أذن لهن بالخروج عليها، وهي أن يكن تفلات غير متطيبات ولا يبدين لشيء من
стр. 397
زينتهن. وقد قالت عائشة ﵂: لو أدرك رسول الله ﷺ ما أحدثه النساء لمنعهن المساجد كما مُنِعَهُ نساء بني إسرائيل.
وتلخيص هذا الباب على تحقيق القول فيه عندي أن النساء أربع: عجوز قد انقطعت حاجة الرجال منها، فهي كالرجل في ذلك، ومتجالة لم تنقطع حاجة الرجال منها بالجملة، فهي تخرج إلى المسجد ولا تكثر التردد كما قال في الرواية، وشابة من الشواب، فهذه تخرج إلى المسجد في الفرط وفي جنائز أهلها وقرابتها، وشابة فاذة في الشباب والثخانة، فهذه الاختيار لها ألا تخرج أصلا، وبالله التوفيق.
[مسألة: المصلي في المحمل أين يضع يديه]
مسألة وسئل عن المصلي في المحمل أين يضع يديه؟ فقال: على ركبتيه أو فخذيه، فقيل له: فالمصلي على الدابة؟ فقال مثل ذلك.
قال محمد بن رشد: يريد أنه يضع يديه على ركبتيه أو فخذيه إذا ركع أو إذا تشهد، وأما في سائر صلاته فلا حد في أن تكون يداه على ركبتيه، يدل على ذلك قوله في " المدونة ": فإذا رفع رأسه من الركوع رفع يديه عن ركبتيه، والله أعلم، وبه التوفيق.
[مسألة: جمع المغرب والعشاء في رمضان في الليلة الممطرة]
مسألة قال: وسئل عن جمع المغرب والعشاء في رمضان في الليلة الممطرة وقد ذهب المطر وبقي الطين والظلمة، أيجمع بينهما؟ فقال: نعم، فقيل له: إنهم لا ينصرفون حتى يقنتوا، فقال: إذا كانوا لا ينصرفون فأحب إلي أن لا يجمعوا بينهما، فقيل له: أرأيت إن جمعوا بينهما ثم قنتوا؟ قال: هم من ذلك في سعة.
قال محمد بن رشد: ظاهر قوله: وبقي الطين والظلمة أن الجمع
стр. 398
لا يكون إذا لم يكن مطر إلا باجتماع الطين والظلمة، وهو مثل ما في " المدونة " خلاف ظاهر ما في رسم "أخذ يشرب خمرا"، من سماع ابن القاسم أنه يجمع في الطين والوحل وإن لم يكن مطر ولا ظلمة، وقوله: "إنهم لا يجمعون إذا كانوا لا ينصرفون حتى يقنتوا" صحيح؛ لأن الجمع إنما هو رخصة وتخفيف لمشقة الرجوع في الظلام بعد مغيب الشفق، وقوله: إنهم إن جمعوا ثم قنتوا كانوا من ذلك في سعة يقتضي أن لا إعادة عليهم للعشاء بعد مغيب الشفق. وقال ابن لبابة: إن هذا خلاف لقول عيسى وأصبغ والعتبي وابن مزين في الذي يخاف أن يغلب على عقله، فيجمع بين الصلاتين في أول الوقت أنه يعيد الآخرة منهما في وقتها إن لم يغلب عليه حتى دخل؛ لأن الجمع في هذه المسألة إنما رخص لهم فيه لعلة الافتراق، وهم لم يفترقوا حتى غاب الشفق، فكان يلزم على قول هؤلاء أن يعيدوا العشاء الآخرة؛ إذ قد ارتفعت العلة التي من أجلها أبيح لهم تعجيلها كالذي يخاف أن يغلب على عقله فيسلم مما خاف، وليس قوله عندي بصحيح، والفرق بين المسألتين أن الذي خشي أن يغلب على عقله فصلى قبل دخول الوقت المستحب يؤمر أن يعيد ليدرك ما نقصه من فضيلة الوقت المستحب، والذين جمعوا ثم قنتوا لا يؤمرون بالإعادة؛ لأنهم صلوا في جماعة، فمعهم فضل الجماعة مكان فضل الوقت المستحب، وهذا مثل قول مالك في المسافر يتم الصلاة: إنه يعيد في الوقت إن كان أتم وحده؛ ليدرك فضيلة القصر، ولا يعيد إن كان أتم في جماعة؛ لأن معه فضل الجماعة مكان ما فاته من فضل القصر؛ ولهذا قال مالك في " المدونة " في الرجل يصلي في بيته المغرب في الليلة المطيرة ثم يأتي المسجد والناس يجمعون وقد صلوا المغرب ولم يصلوا العشاء: إنه لا بأس أن يصلي معهم، وقد روي عن ابن القاسم أنه إن صلى معهم أعاد في الوقت وغيره، فقول ابن القاسم في هذه المسألة هو الذي يخالف قول مالك في الرواية لا قول عيسى ومن تابعه في المسألة التي حكى ابن لبابة. ووجه قول ابن القاسم أنه رأى فضيلة الوقت آكد من فضيلة الجماعة فأمره بالإعادة في الوقت
стр. 399
وبعد الوقت لما لم يعد في الوقت على أحد قوليه في أن من وجب عليه أن يعيد في الوقت فلم يفعل، أعاد بعد الوقت، فهذا تحقيق القول في هذه المسألة.
[مسألة: يقوم من التشهد أيعتمد على يديه]
مسألة وسئل عن الذي يقوم من التشهد أيعتمد على يديه؟ فقال: ما أبالي أي ذلك فعل، ولقد كان الأمر القديم أن يعتمد على اليدين للقيام في الصلاة.
قال محمد بن رشد: قد تقدمت هذه المسألة في هذا الرسم، ومضى القول فيها مُوعَبًا في رسم "باع غلاما" من سماع ابن القاسم.
[مسألة: لم يجهر إمام الصبح بالقراءة ففتحوا عليه فلم يجهر]
مسألة وسئل عن قوم صلوا خلف إمام الصبح، فلم يجهر بالقراءة، ففتحوا عليه فلم يجهر حتى فرغ، فقيل له ما قرأت فقال: بلى في نفسي، فقال مالك: ما أراه قرأ وإنكم تفتحون عليه لا يقرأ، هذا جاهل جدا، فأرى أن تعيدوا أنتم الصلاة، وما أراه قرأ وإنما الذي قلت لكم تعيدوا الصلاة ما كنتم في الوقت، فإذا ذهب الوقت فلا أرى عليكم إعادة.
قال محمد بن رشد: وجه هذه الرواية أن مالكا ﵀ اتهم الإمام بترك القراءة ولم يحقق ذلك عليه لقوله: بل في نفسي، أي: سرا؛ لأن القراءة في النفس دون تحريك اللسان ليست بقراءة. فلو حقق عليه أنه ترك القراءة جملة أو أنه لم يحرك بها لسانه لأوجب عليه وعليهم الإعادة في الوقت وبعده على أصل مذهبه في أن من لم يقرأ في صلاته أعادها أبدا، ولما فتحوا عليه فلم يقرأ حمل عليه أنه ترك الجهر جاهلا متعمدا فقال: هذا جاهل،
стр. 400
وأمرهم بالإعادة في الوقت مراعاة للاختلاف، إذ قد قيل: إن صلاة القوم غير مرتبطة بصلاته، وإنها لا تفسد عليهم بفسادها عليه، وقيل أيضا: إن من أسر فيما يجهر فيه من صلاته جاهلا متعمدا لا إعادة عليه، وقيل: يعيد في الوقت وبعده، ومن مذهبه مراعاة الخلاف، وفي كتاب ابن المواز أنهم يعيدون مطلقا، فظاهره في الوقت وبعده، ولم يتكلم مالك على ما يجب على الإمام في خاصته؛ لأنه صرف الأمر فيه إليه ودينه فيه ليعيد الصلاة أبدا إن كان لم يقرأ أصلا، وإن كان قرأ وأسر القراءة جهلا فعلى الاختلاف الذي ذكرناه في ذلك من أن لا إعادة عليه أو الإعادة في الوقت، أو في الوقت وبعده، وهو موجود في المذهب، من ذلك ما وقع في رسم "حمل صبيا"، من سماع عيسى من هذا الكتاب، فتدبر ذلك، وبالله التوفيق.
[مسألة: نسي في ركعة صلاها سجدة فلم يذكرها إلا وهو راكع في الثانية]
مسألة وسألته عمن نسي في ركعة صلاها سجدة فلم يذكرها إلا وهو راكع في الثانية، أيخر كما هو ساجدا للسجدة التي نسي؟ أم يرفع رأسه من الركوع، فيمضي في صلاته ويلغي الركعة التي نسي منها السجدة؟ فقال: إن اطمأن راكعا قبل أن يذكر وإن لم يرفع رأسه منها فأرى أن يلغي الركعة التي نسي منها السجدة ويتم صلاته، فيرفع رأسه من الركعة ثم يسجد ويبني على صلاته وقد ألغى الركعة التي نسي منها السجدة، وإن لم يكن اطمأن راكعا حتى ذكر أنه نسي سجدة من الركعة التي قبل هذه، فإني أرى أن يخر ساجدا كما هو قاضيا للسجدة التي نسي من ركعته، ويعتد بها ولا يرفع رأسه من الركعة، فإذا قضى السجدة قام مكانه للركعة الثانية فاستأنفها من أولها بالقراءة والركوع.
стр. 401
قال محمد بن رشد: اختلف قول مالك في عقد الركعة التي تحول بين المصلي وبين إصلاح الركعة التي قبلها، فقال في هذه الرواية: إن ذلك التمكن في الركوع وإن لم يرفع رأسه منه، وقال في رواية ابن القاسم عنه في " المدونة ": إن ذلك لا يكون إلا في الرفع من الركوع. وقد حكى ابن القاسم عنه فيها القولين جميعا أيضا في الذي يقوم في النافلة إلى ثالثة ساهيا فلا يذكر إلا وهو راكع، وهذا الاختلاف مبني على الرفع من الركوع هل هو فرض من تمام الركوع أو سنة والركوع قد تم بالتمكن فيه؟ على ما يأتي من الاختلاف في ذلك في رسم "التفسير" من سماع عيسى، ومن المسائل ما يكون فيه التمكن في الركوع عقدا للركعة باتفاق، وذلك مثل أن ينسى السورة التي مع أم القرآن أو يقدمها على أم القرآن، أو يقدم القراءة على التكبير في العيدين، أو يسلم من ركعتين ساهيا، أو يدخل في نافلة، فلا يذكر شيئا من ذلك إلا وهو راكع. ومن المسائل أيضا ما لا يكون فيه عقد الركعة إلا تمامها بسجدتيها، وذلك مثل أن يذكر صلاة وهو في صلاة، أو تقام عليه الصلاة وهو في صلاة، على مذهب من يفرق في ذلك بين أن يكون قد ركع أو لم يركع، ومثل أن ينسى القراءة جملة في الركعة الأولى على مذهب من لا يقول بالإلغاء، فإنه إن ذكر قبل أن يتم ركعة بسجدتيها قطع، وإن ذكر بعد أن كمل ركعة بسجدتيها أضاف إليها ثانية وخرج عن نافلة، وأتم أربعا وسجد قبل السلام وأعاد، واختلف إن ترك القراءة في الركعة الثالثة، فقيل إنه يرجع إلى الجلوس وسلم من ركعتين ما لم يركع، وقيل ما لم يرفع رأسه من الركوع، وقيل: ما لم يتم الثالثة بسجدتيها. فإن ركع على القول الواحد، أو رفع على القول الثاني، أو أتم الركعة بسجدتيها على القول الثالث، تمادى إلى رابعة وسجد قبل السلام وأعاد الصلاة، ومثل أن يرعف على مذهبه في " المدونة " فإنه يلغي تلك الركعة ما لم تتم بسجدتيها، وبالله التوفيق.
стр. 402
[مسألة: يصلي العشاء ثم يصلي بعدها ركعات أيوتر بواحدة أم يصلي اثنتين قبلها]
مسألة قيل له: أرأيت الذي يصلي العشاء ثم يصلي بعدها ركعات، ثم يجلس، ثم يبدو له بعد ذلك أن يوتر، أيوتر بواحدة أم يصلي اثنتين قبلها؟ فقال: أرجو أن يكون له سعة في أن يوتر بواحدة ولا يصلي قبلها إذا كان قد ركع بعد العشاء. قيل له: وإنما الوتر واحدة يفصل بينها وبين الاثنين بسلام؟ فقال: نعم، وأنا كذلك أفعل.
قال محمد بن رشد: قوله: إنه يوتر بواحدة وإن طال ما بين الركعتين والواحدة إذا كان ذلك في الليل قبل الفجر، صحيح على مذهبه أن السنة عنده أن يفصل بين الوتر وما قبله من الشفع بسلام، وهو خلاف ما في آخر رسم "لم يدرك" من سماع عيسى، وخلاف ما في " المدونة " من أنه يركع ركعتين قبل أن يوتر إذا كان الأمر قد طال. ووجه هذا القول مراعاة قول من يرى الوتر ثلاثا تباعا بغير سلام. وأما لو كان ذلك بعد الفجر وقد ركع بعد العشاء لأوتر بركعة واحدة على ما في أول رسم "أسلم" من سماع عيسى قولا واحدا؛ لما جاء من أنه لا صلاة بعد الفجر إلا ركعتا الفجر، وبالله التوفيق.
[مسألة: أرض طين وحضرت الصلاة على ذلك أيصلي أحدنا قائما إيماء]
مسألة قال: وسئل فقيل له: إنا نسافر بمصر وهي أرض طين، فربما غشينا المطر في السفر فتصير الأرض طينا، فتحضر الصلاة على ذلك، أفترى أن يصلي أحدنا قائما إيماء برأسه، فإنه إن جلس في الطين فملأ ثيابه، فقال: لا، لا يصلي قائما، ولكن يجلس فيصلي جالسا، ويسجد على الطين على قدر طاقته. فقلت له: على قدر طاقته، فقال لي: نعم على قدر طاقته.
قال محمد بن رشد: هذا قول ابن عبد الحكم من أصحاب مالك؛ إنه
стр. 403
يسجد ويجلس على الطين والخضخاص من الماء الذي لا يغمره ويمنعه من السجود فيه والجلوس إلا إحراز ثيابه، فإن صلى إيماء على مذهبهما أعاد في الوقت وبعده. وحكى ابن حبيب عن مالك ومن لقي من أصحابه أنه يصلي إيماء كالمريض الذي لا يقدر على السجود ولا على الجلوس، إلا أنه استحب أن يؤخر إلى آخر الوقت رجاء أن يتخلص إلى موضع يمكنه فيه الصلاة، يريد إلى آخر الوقت المستحب، ثم إن تخلص إلى موضع يمكنه فيه الصلاة في بقية الوقت أعاد، وهذا على مذهبه في التيمم. والذي أقول به في هذه المسألة على ما في " المدونة " في الذي لا يجد الماء لوضوئه إلا بثمن أنه إن كان الرجل واسع المال والثياب التي عليه ليست لها تلك القيمة أو لا يفسدها الطين، ولا ضرر عليه في جسمه في الصلاة فيه، لم يجز له أن يصلي إيماء، وإن كان بخلاف ذلك جاز له الإيماء؛ لأنه في الموضعين جميعا انتقال عن فرض وجب عليه لحياطة ماله. ولا اختلاف أحفظه في الراعف يتمادى به الرعاف ويخشى إن ركع أو سجد أن تتلطخ ثيابه بالدم أنه يصلي إيماء، ولا يبعد دخول الاختلاف في ذلك على القول بأن رفع النجاسة من الثياب والأبدان ليست بفريضة؛ لأن الركوع والسجود فرض، فلا يترك فرض لما ليس بفرض. وقد روى زياد عن مالك مثل ما حكى عنه ابن حبيب، وبالله التوفيق.
[مسألة: غسل العيدين أقبل الفجر أم بعده]
مسألة وسئل عن غسل العيدين أقبل الفجر أم بعده؟ فقال ذلك واسع، من الناس من يغدو قبل الفجر.
قال محمد بن رشد: قد تقدمت هذه المسألة في هذا الرسم، وقد مضى القول في توجيهها فلا وجه لإعادته.
стр. 404
[مسألة: يغتسل للعيدين وينوي بذلك الجمعة]
مسألة قيل له: أرأيت الذي يغتسل للعيدين وينوي بذلك الجمعة، أيجزئه؟ قال: لا.
قال محمد بن رشد: قد روى أبو قرة عن مالك أنه يجزئه، قاله ابن وهب في سماع زونان من هذا الكتاب، والأول هو الصحيح؛ لأنه هو الذي يوجبه ظاهر الحديث قوله ﷺ : «إذا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل» ولأن الغسل إنما شرع في الجمعة للتنظف من التفل ورائحة العرق، فإذا بعد الغسل ذهب معناه الذي شرع من أجله، وبالله التوفيق.
[مسألة: الرجل يخرج إلى ضيعة له منه على ليلتين أيقصر الصلاة]
مسألة وسئل عن الرجل يخرج إلى ضيعة له منه على ليلتين، أيقصر الصلاة؟ قال: نعم يقصر الصلاة، وأبين ذلك البرد والأميال والفراسخ على كم ضيعته منه من ميل أو فرسخ، فقيل: على خمسة عشر فرسخا وذلك خمسة وأربعون ميلا، فقال: نعم أرى أن يقصر الصلاة إلى مسيرة ذلك، الصلاة تقصر في مسيرة أربعة برد، وذلك ثمانية وأربعون ميلا، وهذا منه قريب، فأرى أن يقصر الصلاة إلى مسيرة ذلك.
قال محمد بن رشد: وقع في بعض الكتب مكان على ليلتين على ثلاثين، وهو خطأ بما دل عليه الكلام، والأصل عند مالك في أن الصلاة تقصر في ثمانية وأربعين ميلا قول النبي ﷺ «لا تسافر امرأة مسيرة يوم وليلة
стр. 405
إلا مع ذي محرم منها» ؛ لأنه قصد ﷺ إلى ذكر أقل ما يكون سفرا، وكانت الثمانية والأربعون ميلا هو المقدار الذي يسار في اليوم والليلة على السير المعتاد. ولما كان هذا المقدار مأخوذا بالاجتهاد دون توقيت حكم لما قرب منه بحكمه، فإن قصر في أقل من خمسة وأربعين ميلا إلى ستة وثلاثين، أعاد في الوقت، وإن قصر فيما دون ستة وثلاثين ميلا أعاد في الوقت وبعده، والميل ألفا ذراع، وهي ألف باع، قيل: بباع الفرس، وقيل: بباع الجمل. والثمانية والأربعون ميلا هي أربعة برد، وهي ستة عشر فرسخا؛ لأن البريد ثلاثة فراسخ، وهي اثنا عشر ميلا، والفرسخ ثلاثة أميال، والميل عشر غلاء والغلوة مائتا ذراع، وهي مائة باع، وقد قيل: إن الميل ثلاثة آلاف ذراع وخمسمائة ذراع، وبالله التوفيق.
[أم قوما في العصر فاعتدل من الركعتين قائما فحاولوا إجلاسه فأبى]
مسألة وسئل عمن أم قوما في العصر فقام من الركعتين فاعتدل قائما، فأخذوا بثوبه من ورائه يجلسونه، فأبى أن يجلس؛ لأنه اعتدل قائما، فأشار إليهم أن قوموا، فلم يزالوا يجبرونه من ورائه حتى جلس، متى يسجد سجدتي السهو؟ فقال: أرى أن يسجدهما قبل السلام، فقيل له: أرأيت إن كان سجدهما قبل السلام؟ فقال: لا أرى عليه شيئا، قد سجدهما.
стр. 406
قال محمد بن رشد: ظاهر هذه الرواية أنه يجب عليه أن يرجع إلى الجلوس ما لم يعتدل، وقد مضى التكلم على هذا في هذا الرسم، وفيما يجب عليه إن رجع جاهلا أو متعمدا، وسيأتي القول في رسم "العتق" من سماع عيسى فيمن وجب عليه سجود السهو بعد السلام فسجد قبله أو قبله فسجد بعده ناسيا أو متعمدا إن شاء الله تعالى، وبه التوفيق.
تم كتاب الصلاة الثاني
стр. 407
[كتاب الصلاة الثالث] [ مسألة: أنستسقي في العام المرتين والثلاث]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم تسليما كتاب الصلاة الثالث
صلاة الاستسقاء من سماع أشهب مسألة وسئل عن أهل برقة فقيل له: إن أهلها يشربون من ماء الأمطار، إذا كانت سال لهم واد يشربون منه، وكانت أمطارنا تكثر فيزرع عليها، فيسيل بها وادينا فنشرب منه، حتى كان عندك حديثا قل علينا المطر، فنمطر ما يزرع عليه الزرع الكثير ولا يسيل وادينا، أفترى أن نستسقي؟ فقال: نعم استسقوا، ما بأس بذلك لا بأس به، فقيل له: إنه قيل: إنما الاستسقاء إذا لم يكن مطر وأنتم قد سقيتم وزرعتم عليه زرعا كثيرا؟ فقال: ما قالوا شيئا ولا بأس بذلك.
قال: وسئل أنستسقي في العام المرتين والثلاث؟ فقال: ما في هذا حد ينتهى إليه وما بذلك بأس، فاستسقوا ما بدا لكم، قيل له: أيحول الناس أرديتهم في الاستسقاء إذا حول الإمام رداءه؟ قال: نعم إن ذلك لحسن.
قال: وسئل عن الاستسقاء بعد المغرب والصبح، فقال: لا بأس به، وقد كان يفعل هاهنا وما هو من الأمر القديم.
стр. 408
قال محمد بن رشد: قوله في أهل برقة: يستسقون إذا لم يسل واديهم الذي يشربون منه وإن كانوا قد مطررا ما زرعوا عليه الزرع الكثير، إنما يريد بذلك الدعاء لا البروز إلى المصلى على سنة الاستسقاء؛ لأن ذلك إنما يكون عند الحاجة الشديدة إلى الغيث حيث فعله رسول الله ﷺ ، وقد روى أبو المصعب عن مالك أن البروز إلى الاستسقاء لا يكون إلا عند الحطمة الشديدة، فإذا كان ذلك وبرز الناس إلى الاستسقاء فتأخر السقيا والوه كما قال مالك، ولا حد في ذلك؛ لأن الدعاء عبادة، والله يحب من عباده أن يتضرعوا إليه عندما ينزل بهم كما أمرهم حيث يقول: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠] ، وقد أثنى الله على الداعين إليه فقال: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء: ٩٠] ، وذم من قصر في ذلك فقال: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾ [المؤمنون: ٧٦] ، وكذلك قوله أيضا في الاستسقاء بعد المغرب والصبح إنما يريد به الدعاء لا البروز إلى المصلى؛ لأن السنة في ذلك لا تكون إلا في الضحى.
[مسألة: التكبير في الأذان]
مسألة قال: وسأله ابن كنانة عن التكبير في الأذان أهو مثل الإقامة الله أكبر الله أكبر مرتين؟ أم الله أكبر الله أكبر أربع مرات؟ فقال: لا، هو مثله في الإقامة، اكتب إليه: هو مثل ما يؤذن الناس عندنا اليوم.
قال المؤلف: اختلف أهل العلم من الأذان في موضعين: أحدهما: التكبير في أوله هل هو مثنى أو مربع، والثاني: الترجيع في الشهادة، فذهب أهل العراق إلى أن التكبير في أول الأذان مربع على ما روي عن أبي محذورة
стр. 409
أن «النبي ﷺ علمه الأذان تسع عشرة كلمة: الله أكبر الله أكبر الله أكبر ... » الحديث إلى تمام الأذان، وإلى أنه لا ترجيع في الشهادة؛ إذ لم يذكره في حديث عبد الله بن زيد في الأذان. قالوا: فلما لم يذكره فيه احتمل عندنا أن يكون النبي ﷺ إنما أمر به أبا محذورة؛ لأنه لم يمد به صوته أولا على ما أراد، وذهب مالك ﵀ -إلى أن التكبير في الأذان مثنى وإلى الترجيع في الشهادة، والحجة له مع أن ذلك قد روي عن أبي محذورة، فكان ما فيه من الترجيع زيادة على غيره من الأحاديث اتصال العمل به بالمدينة منذ وفاة النبي ﷺ وما اتصل به العمل من الأخبار فهو أولى مما لم يتصل به عمل منها؛ لأن ذلك يقتضي أنه هو الناسخ لها، والله أعلم.
[مسألة: التثويب في رمضان وغيره]
مسألة قال: وسئل عن التثويب في رمضان وغيره، فقال: ليس ذلك بصواب، وقد كان بعض أمراء المدينة أراد أن يصنع ذلك حتى نهي عنه فتركه.
قال محمد بن رشد: التثويب الذي أنكره مالك وقال: إنه ليس بصواب، وحكى ابن حبيب وغيره عنه أنه قال فيه: إنه ضلال -هو ما أحدثه الناس بعد النبي ﷺ من أن المؤذن كان إذا أذن فأبطأ الناس قال: بين الأذان والإقامة قد قامت الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح. روي عن مجاهد أنه قال: دخلت مع عبد الله بن عمر مسجدا وقد أذن، ونحن نريد أن نصلي فيه، فثوب المؤذن، فخرج عبد الله بن عمر من المسجد وقال: اخرج بنا من عند هذا المبتدع، ولم يصل فيه، وذلك بين من قوله في رواية ابن وهب عنه في " المجموعة "، وهو نحو مما كان يفعل عندنا بجامع قرطبة من أن يعود المؤذن بعد أذانه قبل الفجر النداء عند الفجر بقوله: حي على الصلاة حي
стр. 410
على الفلاح ثم ترك. وقيل: إنه إنما عنى بذلك قول المؤذن في أذانه حي على خير العمل؛ لأنها كلمة زادها في الأذان من خالف السنة من الشيعة. وروي أن علي بن أبي طالب ﵁ كان يقول ذلك في أذانه بعد حي على الفلاح. قال ابن حبيب: وهو خاص، ومن أحب أن يقوله فلا حرج، ولا يحمل عليه العامة. والأول هو التأويل الصحيح، يشهد له ما وقع في " المجموعة " وأن التثويب في اللغة هو الرجوع إلى الشيء، يقال: ثاب إلي عقلي، أي: رجع، وثوب الداعي: إذا كرر النداء، ومنه قيل للإقامة تثويب؛ لأنها بعد الأذان. قال رسول الله ﷺ : «إذا ثوب بالصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون» . وقد يقع التثويب على قول المؤذن في أذان الصبح: الصلاة خير من النوم، روي عن بلال أنه قال: قال لي رسول الله ﷺ : «لا تثويب في شيء من الصلوات إلا في صلاة الفجر» . وليس هذا التثويب الذي كرهه أهل العلم؛ لأنه من السنة في الأذان، وبالله التوفيق.
[مسألة: كم الوقت الذي يجب فيه النزول إلى الجمعة والعيدين]
ومن كتاب الصلاة الأول مسألة قال أشهب: قيل لمالك: كم الوقت الذي يجب فيه النزول إلى الجمعة والعيدين؟ فقال: أرى أن الذي يجب فيه النزول إلى الجمعة فرسخ، وهو ثلاثة أميال فما دونها. وإنما أخذنا ذلك من قبل أن أهل العالية كانوا ينزلون يوم الجمعة إلى الجمعة على عهد رسول الله ﷺ من العالية، وأقصى العالية على ثلاثة أميال،
стр. 411
ولم يعلم أن من وراءهم نزلوا ولا لزمهم ذلك. قيل له: وكذلك النزول إلى العيدين؟ قال: نعم وأرى الذي يجب في النزول إلى العيدين ثلاثة أميال فدون ذلك، ولقد رأيت ناسا من ولد عمر بن الخطاب ينزلون للعيدين من ذي الحليفة، وما ذلك على الناس، وليس العيدان كالجمعة؛ لأن العيدين إنما يكونان في الزمان والجمعة تكون في كل سبعة أيام.
قال محمد بن رشد: قوله في هذه الرواية: " إن النزول يجب إلى الجمعة وإلى العيدين من ثلاثة أميال" فدون خلاف قوله في " المدونة ": إنها إن كانت زيادة يسيرة فأرى ذلك عليه، والذي في " المدونة " أولى؛ إذ ليس الحد في ذلك بنص، وإنما أخذ بالاجتهاد والتأويل من فعل أهل العالية. وقد روى علي بن زياد عن مالك أنه إنما ينزل إليها من ثلاثة أميال؛ لأنه منتهى صوت المؤذن، وهذا لمن كان خارج المصر؛ لقوله : ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩] . وأما من كان في المصر الكبير فتجب عليه الجمعة، وإن كان بين منزله والجامع ستة أميال، وكذلك روى ابن أبي أويس وابن وهب عن مالك. والثلاثة الأميال تعتبر على ظاهر رواية علي بن زياد عن مالك من موضع المؤذن، وقيل: إنها تعتبر من طرف المدينة حيث يقصر الخارج ويتم الداخل، وهو قول محمد بن عبد الحكم. وقد روي عن رجل من أصحاب رسول الله ﷺ من أهل قباء أنه قال: «أمرنا رسول الله ﷺ أن نشهد الجمعة من قباء» . وروي عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «الجمعة على من آواه الليل إلى أهله» إلا أنه حديث لا يصح، قد
стр. 412
ذكره أحمد بن الحسن لأحمد بن حنبل فقال له: استغفر ربك استغفر ربك. والخليقة بالقاف وهي خليقتان: خليقة آل عمر، وخليقة آل المنكدر، وبالله التوفيق.
[مسألة: ما يعلق في أعناق النساء من القرآن وهن حيض]
مسألة قال: وسئل عما يعلق في أعناق النساء من القرآن وهن حيض، فقال: ليس بذلك بأس إذا جعل في كن في قصبة حديد أو جلد يخرز عليه، وكذلك الصبيان فلا أرى بذلك بأسا. قلت: أرأيت إن علق عليها هكذا ليس عليه شيء يكنه، فقال: ما رأيت من يفعل ذلك، وليس يفعل هذا، قيل له: أفرأيت الحبلى يكتب لها الكتاب تعلقه؟ قال: أرجو أن لا يكون بذلك بأس إذا كان ذلك من القرآن وذكر الله شيئا معروفا، وأما ما لا يدرى ما هو والكتاب العبراني وما لا يعرف فإني أكرهه، قيل له: أفترى أن يعقد في الخيط سبع عقد؟ فكرهه.
قال الإمام: إنما استخف ما يعلق في أعناق الصبيان والحيض من النساء من القرآن مع أن السنة قد أحكمت أن لا يمس القرآن إلا طاهر إكراما له من أجل أن ذلك شيء يسير منه. وقد مضى وجه الفرق بين جملته وبعضه في رسم "شك في طوافه" من سماع ابن القاسم من كتاب الوضوء، فمن أحب الوقوف عليه تأمله هناك. وإنما شرط في إجازة ذلك أن يكون في كن من قصبة حديد وشبه ذلك؛ صيانة له أن تصيبه نجاسة أو أذى؛ لأن لذلك عنده تأثيرا في جواز مسه على غير طهارة؛ لأنه لا يجوز لغير الطاهر حمل المصحف بعلاقته ولا على وسادة، وكره أن يعلق على الحبلى الكتاب بما لا يدرى، وبالعبراني الذي لا يعرف ما هو؛ لأن الاستشفاء إنما يكون بكلام
стр. 413
الله تعالي وبأسمائه الحسنى وبما يعرف من ذكره ﷻ وتقدست أسماؤه. وأما العقد في الخيط فكرهه؛ لأن الرقى إنما تكون بذكر الله لا بما أمر الله بالاستعاذة منه من فعل السواحر اللائي ينفثن على العقد يرقيها، قال تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ [الفلق: ٤] . وفي جواز تعليق هذه الأحراز والتمائم على أعناق الصبيان والمرضى والحبالى والخيل والبهائم إذا كانت بكتاب الله تعالى وما هو معروف من ذكره وأسمائه، للاستشفاء بها من المرض، أو في حال الصحة لدفع ما يتوقع من العين والمرض- بين أهل العلم اختلاف، فظاهر قول مالك في هذه الرواية إجازة ذلك، وروي عنه أنه قال: لا بأس بذلك للمرضى، وكرهه مخافة العين وما يتقى من المرض للأصحاء.
وأما التمائم بغير ذكر الله تعالى وبالكتاب العبراني وما لا يعرف ما هو فلا يجيزه بحال، لا لمريض ولا صحيح؛ لما جاء في الحديث من أن «من تعلق شيئا وكل إليه» ، «ومن علق تميمة فلا أتم الله له، ومن علق ودعة فلا ودع الله له» ؛ ولما رواه في موطاه من «أن رسول الله ﷺ بعث في بعض أسفاره رسولا والناس في مقيلهم: لا تبقين في رقبة بعير قلادة من وبر أو قلادة إلا قطعت» . ومن أهل العلم من كره التمائم ولم يجز شيئا منها بحال ولا على حال؛ لما جاء من هذه الآثار، ومنهم من أجازها في المرض ومنعها في حال الصحة لما يتقى منه، أو من العين على ما روي عن عائشة ﵂ أنها قالت: "ما علق بعد نزول البلاء فليس بتميمة".
стр. 414
وقول مالك في هذه الرواية أولى الأقوال بالصواب من جهة النظر؛ إذ يبعد إجازة تعليق تميمة لا ذكر لله فيها في حال من الأحوال، ولا وجه من طريق النظر للتفرقة فيما كان منها بذكر الله بين الصحة والمرض إلا اتباع قول عائشة في ذلك، إذ لا تقوله رأيا، والله أعلم. وقوله الثاني أتبع للأثر؛ لاستعمال الآثار كلها بحمل النهي على ما ليس فيه ذكر الله تعالى، وقول عائشة على ما كان منها بذكر الله، وبالله تعالى التوفيق.
[مسألة: صلى خلف رجل فلما قضى صلاته وجد منه ريح نبيذ]
مسألة وسئل عمن صلى خلف رجل، فلما قضى صلاته وجد منه ريح نبيذ، فقال: إن كان لم يستنكر شيئا من عقله ولا صلاته فلا أرى أن يعيد، لعله نبيذ لا بأس به.
قال محمد بن رشد: قوله: إن كان لم يستنكر شيئا من عقله ولا صلاته فلا أرى أن يعيد، يدل على أنه لو استنكر شيئا من ذلك لوجبت عليه إعادة الصلاة، وذلك صحيح؛ لأن السكران لا تجوز صلاته لنفسه، إذ لا تصح منه نية؛ لذهاب عقله، فلا تجوز صلاته لغيره، فمن صلى خلفه أعاد، قاله مالك في " المدونة ". وفي هذا الرسم متصلا بهذه المسألة في بعض الروايات يعيد في الوقت وبعده، قاله سحنون وأصبغ، وفي قوله: لعله نبيذ لا بأس به دليل على أنه لو تيقن أنه نبيذ مسكر لوجبت عليه الإعادة وإن لم يكن سكر منه، وهذا صحيح على أصل مذهبه في أن ما أسكر كثيره من الأشربة فقليله حرام كالخمر، يجب فيه الحد وإن لم يبلغ به حد السكر، وتسقط به شهادته، ويجب على من ائتم به إعادة صلاته كمن أتم بشارب الخمر على ما قال ابن وهب في سماع عبد الملك أو بفاسق معلن بالفسق من أجل أنه لا يؤتمن على ما لا تصح الصلاة إلا به من الوضوء والنية وشبه ذلك، ولا يراعى في ذلك مذهب أهل العراق فيعذر أحد به؛ لبعده عن الصواب ومخالفته لما صح وثبت من الآثار، وبعده في النظر والاعتبار.
стр. 415
[مسألة: أيصلي بعد المغرب في الليلة المطيرة التي يجمع فيها بعد المغرب نافلة]
مسألة وسئل: أحب إليك أن تصلي بعد المغرب في الليلة المطيرة التي يجمع فيها بين الصلاتين بعد المغرب نافلة؟ أم تثبت كما أنت حتى تصلي العشاء؟ قال: بل أثبت كما أنا ولا أتنفل حتى أصلي العشاء. وإنما جمع بين المغرب والعشاء للرفق بالناس، ولئلا ينقلبوا ثم يرجعوا إلى العشاء.
قال محمد بن رشد: الوجه فيما اختاره مالك من ترك التنفل بعد المغرب إذا جمع بين الصلاتين هو أنه لو أبيح ذلك للناس لكثر ذلك من فعلهم، فكان سببا لتأخير صلاة العشاء ذريعة إلى ألا ينصرفوا إلا بعد الظلام، وإنما أريد بالجمع الرفق بالناس لينصرفوا وعليهم إسفار. وهذا من نحو المنع من التنفل في المسجد بعد غروب الشمس قبل صلاة المغرب، وبالله التوفيق.
[مسألة: الرجل يقرأ القرآن في اللوح وهو غير متوضئ]
مسألة وسئل عن الرجل يقرأ القرآن في اللوح وهو غير متوضئ، فقال: لا أرى أن يمسه.
قال محمد بن رشد: معناه إذا كان يقرأ فيه على غير وجه التعليم؛ لأنه قد خففه في رسم "شك في طوافه" من سماع ابن القاسم من كتاب الوضوء إذا كان على وجه التعليم، ومضى هناك القول على وجه تخفيفه، وحمل كلامه على أن بعضه مفسر لبعض أولى من حمله على الخلاف ما أمكن ذلك، وبالله التوفيق.
стр. 416
[مسألة: تفوته ركعة من صلاة الظهر فيقوم لقضائها قبل سلام الإمام]
ومن كتاب الأقضية الثالث
مسألة قال: وسئل مالك عن الرجل تفوته ركعة من صلاة الظهر مع الإمام، فيصلي معه ثلاث ركعات، فإذا جلس الإمام في الرابعة قام فقضى تلك الركعة قبل أن يسلم، جهل ذلك، قال مالك: أرى أن لا يعتد بتلك الركعة، ثم ليجلس مع الإمام حتى يسلم، فإذا سلم قام فقضى تلك الركعة وسجد سجدتين بعد السلام.
قال محمد بن رشد: قوله: جهل ذلك، يريد أنه جهل أن الإمام لم يسلم وظن أنه قد سلم؛ لأنه جهل أن القضاء لا يكون إلا بعد سلام الإمام. ولو جهل ذلك فصلى الركعة قبل سلام الإمام جهلا لأفسد صلاته. وفي " المبسوطة " لابن نافع أنه يعتد بها ويجزيه، وهو نحو ما لابن القاسم في رسم "باع شاة" من سماع عيسى، وذلك شذوذ، وإنما الاختلاف المشهور فيمن صلى في حكم الإمام إذا لم يدرك في صلاته شيئا، ذكر ذلك ابن المواز في كتابه، فتدبر ذلك. وقوله: "سجد سجدتين بعد السلام " خلاف ما في " المدونة " وخلاف المشهور في المذهب من أن كل سهو يكون من المأموم في حكم صلاة الإمام يحمله عنه الإمام، وبالله التوفيق.
[مسألة: الرجل يدخل المسجد فيجد الإمام في الركعة أيركع دون الصف]
مسألة وسئل عن الرجل يدخل المسجد فيجد الإمام في الركعة، وهو منه على مثل ما يجوز للرجل أن يركع فيه مع الإمام من البعد، فيركع مع الإمام ويريد أن يمشي إلى أن يصل إلى الصفوف، قال: لا يمشي حتى يفرغ من سجود تلك الركعة، ولا يمشي فيما بين الركوع والسجود، ولا يجعل بينه عمل.
стр. 417
قال الإمام: قوله: وهو منه على مثل ما يجوز للرجل أن يركع فيه مع الإمام من البعد، أي: وهو منه على مثل ما يجوز للرجل أن يركع فيه معه من البعد، فيدب راكعا إلى الصف، فمعنى المسألة أنه إذا كان على هذا الحد من البعد فركع دون الصف، وعجل الإمام بالرفع قبل أن يصل إلى الصف، أنه لا يمشي حتى يفرغ من سجود تلك الركعة. وقد مضى القول في هذه المسألة مستوفى في أول رسم "اغتسل " من سماع ابن القاسم، فقف على ذلك وتدبره، وبالله التوفيق.
[مسألة: الصلاة خلف الإباضية والواصلية]
ومن كتاب الصلاة الثاني مسألة قال: وسئل عن الصلاة خلف الإباضية والواصلية، فقال: ما أحبه، فقيل له: فالسكنى معهم في بلادهم؟ فقال: ترك ذلك أحب إلي.
قال محمد بن رشد: الإباضية والواصلية فرقتان من فرق الخوارج الذين أعلم النبي ﷺ بخروجهم على المسلمين ومروقهم من الدين. وقوله في الصلاة خلفهم: لا أحبه، يدل على أنه لا يرى الإعادة على من صلى خلفهم، وهو قول سحنون وكبار أصحاب مالك، وقيل: إنه يعيد في الوقت، وهو قول ابن القاسم في " المدونة "، وقيل: إنه يعيد في الوقت وبعده، وهو قول محمد بن عبد الحكم، وقاله ابن حبيب، إلا في الوالي أو خليفته على الصلاة؛ لما في ترك الصلاة خلفهم من الخروج عليهم وما يخشى في ذلك من سفك الدماء. وقد تأول بعض الشيوخ ما في " المدونة " لمالك على عكس تفرقة ابن حبيب؛ لقوله: وأرى إن كنت تتقيه وتخافه على نفسك أن تصلي معه وتعيد ظهرا أربعا، والتفرقة بين ذلك استحسان، وكذلك الإعادة في الوقت، فالخلاف في
стр. 418
ذلك على وجه القياس راجع إلى قولين: إيجاب الإعادة أبدا على القول بأنهم يكفرون بمآل قولهم، وإسقاط الإعادة جملة على القول بأنهم لا يكفرون بمآل قولهم، وهذا فيما كان من الأهواء والبدع محتملا للوجهين؛ إذ منها ما هو كفر صريح فلا يصح أن يختلف في أن الإعادة على من صلى خلفهم، ومنها ما هو هوى خفيف لا يؤول بمعتقده إلى الكفر، فلا يصح أن يختلف في أن الإعادة غير واجبة على من صلى خلفهم، هذا وجه القول في هذه المسألة، وإن كانت الروايات إنما جاءت في ذلك مجملة، وكره السكنى معهم في بلادهم؛ لوجوه ثلاثة: أحدها: مخافة أن ينزل عليهم من الله سخط فيصيبه معهم، والثاني: مخافة أن يظن أنه معهم فيعرض نفسه لسوء الظن به، والثالث: مخافة أن يسمع كلامهم فيدخل عليه شك في اعتقاده لشبههم.
[مسألة: الطويل الشعر يعتم على شعره بعمامة ثم يصلي بها]
مسألة وسئل عن الطويل الشعر يعتم على شعره بعمامة ثم يصلي بها، فقال: أما أن يكتفه فإنه يكره، وأما أن يستدفئ فلا بأس به.
قال المؤلف: إنما كره أن يكتف شعره في الصلاة لما روي «أن رسول الله ﷺ نهى أن يصلي الرجل وشعره معقوص» ، ولقول ابن مسعود: إن الشعر يسجد معه وله بكل شعرة أجر، وذلك لا يكون رأيا، وهو مثل ما في " المدونة "، وبالله التوفيق.
[مسألة: الركاب في السفينة لا يقدرون على الركوع والسجود]
مسألة وسئل عن الركاب في السفينة لا يقدرون على الركوع والسجود إلا أن يركع أحدهم على ظهر صاحبه ويسجد، فقال
стр. 419
لم يركبونها؟ فقيل: إلى الحج والعمرة، فقال: ما أرى أن يركبوها لحج أو عمرة، أيركب حيث لا يصلي! ويل لمن ترك الصلاة.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن السجود من فرائض الصلاة، فإذا علم أنه لا يقدر في السفينة على السجود إلا على ظهر صاحبه، فلا ينبغي له ركوبها في حج ولا عمرة؛ لأنه لا يدخل على نافلة من الخير لمعصية، فإن فعل وصلى فيها وسجد على ظهر أخيه أعاد أبدا على قوله؛ لأنه قد جعل ذلك كتركه للصلاة، وهو يأتي على مذهب ابن القاسم في " المدونة " في الذي يقدح الماء من عينيه فيصلي إيماء أنه يعيد أبدا. وقال أشهب: لا إعادة عليه، وكذلك يقول في الذي لا يقدر في الزحام على سجود إلا على ظهر أخيه: إنه لا يعيد إلا في الوقت. ووجه ذلك أن الفرض عنده قد انتقل إلى الإيماء من أجل الزحام، فكان كالمريض الذي لا يستطيع السجود، فرفع إلى جبهته شيئا أومأ إليه فسجد عليه أن ذلك يجزيه، وهو عند مالك بخلاف المريض يعيد أبدا إن لم يسجد إلا على ظهر أخيه أو إيماء، فإن كان مع الإمام فلم يقدر على السجود إلا إيماء أو على ظهر أخيه حتى قام الإمام، سجد ما لم يعقد الإمام عليه الركعة التي تليها، وإن كان ذلك في الركعة الأخيرة سجد ما لم يسلم أو ما لم يطل الأمر بعد سلامه على الاختلاف في سلام الإمام هل هو كعقد ركعة أم لا.
[مسألة: الجماعة إذا كانت بموضع فلا يجوز لها أن تفترق طائفتين]
مسألة وسئل عن القوم يكونون في السفينة فينزل بعضهم ويبقى بعضهم، فيقيم الذين بقوا في السفينة الصلاة، ثم يجيء الذين كانوا نزلوا، أيجمعون تلك الصلاة في السفينة؟ فقال برأسه: لا، فروجع فيها فقال: إنما سأل الجمع مرتين فيها، ثم قال برأسه لا.
قال محمد بن رشد: وهذا بين؛ لأن الجماعة إذا كانت بموضع
стр. 420
فلا يجوز لها أن تفترق طائفتين، فتصلي كل طائفة منها بإمام على حدة؛ لقول الله : ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ١٠٧] . ألا ترى أن الله ﵎ لم يبح ذلك للغزاة مع شدة الخوف، وشرع لهم أن يجتمعوا على إمام واحد، وكذلك أهل السفينة لا يجوز لهم أن يفترقوا على طائفتين في الصلاة، فلما كان ذلك لا يجوز لهم كره للذين نزلوا إذا جاؤوا أن يجمعوا الصلاة لأنفسهم إذا كان الذين بقوا قد جمعوا تلك الصلاة؛ لئلا يكون ذلك ذريعة إلى ما لا يجوز من تفرقة الجماعة، لا سيما إن كان الذين بقوا إنما جمع بهم إمام راتب لهم، وأجاز في " المدونة " أن يصلي الذين فوق سقف السفينة بإمام والذين تحته بإمام آخر؛ لأنهما موضعان، فليس ذلك بخلاف لهذه الرواية، والله أعلم.
[مسألة: حكم التبسم في الصلاة]
مسألة وسئل عمن تبسم في الصلاة، فقال: يسجد سجدتي السهو، فقلت له: أقبل السلام أم بعده؟ فقال لي: قبل السلام.
قال محمد بن رشد: أوجب في هذه الرواية سجود السهو قبل السلام في التبسم، ولم يفرق بين أن يكون متعمدا أو جاهلا أو مغلوبا أو ناسيا يرى أنه في غير صلاة، ووجه ذلك أنه أسقط الخشوع فهو في النسيان أظهر فيما عداه، فيحتمل أن يكون ذلك وجه ما أراد على ما في " المدونة "، وفي رسم "البراءة" من سماع عيسى لا سجود عليه ناسيا كان أو متعمدا. وقد نص على ذلك في سماع عيسى فقال: لو كان عليه سجود السهو إذا نسي لكان عليه إعادة الصلاة إذا تعمد، وهو الصواب؛ إذ لا سجود على من التفت في صلاته أو عبث فيها بيده أو سوى الحصباء بنعله، أو فعل ما أشبه ذلك مما يفعله في الصلاة ترك الخشوع فيها ناسيا كان أو متعمدا باتفاق، وسيأتي التكلم
стр. 421
على حكم القهقهة في الصلاة في رسم "استأذن" ورسم "البراءة" من سماع عيسى إن شاء الله، وبه التوفيق.
[مسألة: دخل مع الإمام في صلاته فسها لكثرة الناس عن الركوع مع الإمام]
مسألة وسئل عمن دخل مع الإمام في صلاته فسها لكثرة الناس عن الركوع مع الإمام، وربما كان ذلك يوم الجمعة، فسها عن الركوع حتى رفع الإمام رأسه من الركعة، فيعلم بذلك بعد أن يرفع الناس رؤوسهم، أيعتد بها؟ فقال: إن أدركه وهو ساجد فليعتد بها، وإن لم يدركه حتى رفع رأسه من السجود فأحب إلي أن يقضي الركعة.
قال محمد بن رشد: قد مضى القول في هذه المسألة مستوفى في رسم "كتب عليه حق" من سماع ابن القاسم، فلا وجه لإعادته ها هنا، وتأتي متكررة في رسم "نقدها"، ورسم "لم يدرك" من سماع عيسى، وبالله التوفيق.
[مسألة: الصلاة في المسجد الجامع في الرداء والسراويل]
مسألة قال: وسئل عن الصلاة في المسجد الجامع في الرداء والسراويل، فقال: لا والله إن الصلاة في السراويل لقبيحة، فقيل له: أرأيت لو توشح الرداء فصلى فيه؟ فقال: ما السراويل من لباس الناس، وكره ذلك، قال: وإنما يصنع ذلك ضعفة الناس، وليست السراويلات من ثياب الناس التي يظهرون إلا أن تكون تحت القميص. قال: ولقد كنت ألبسه فما كنت ألبسه إلا بعد القميص، إن الحياء من الإيمان.
قال القاضي: هذا كما قال، إن تردي الرداء وتوشحه على السراويل دون قميص مما يستقبح من الهيئة في اللباس، ولا يفعله إلا ضعفة الناس؛ لأن السراويل تصف ولا تستر كما يستر الإزار الذي يعطف بعضه على بعض،
стр. 422
فلا ينبغي لأحد أن يصلي في المسجد الجامع في الرداء والسراويل دون قميص، تردى الرداء أو توشحه، وإن كان توشحه أخف لكونه أستر؛ لأن التجمل في الصلاة بحسن هيئة اللباس مشروع، قال الله- : ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١] . وروي عن مالك أنه قال في تفسير ذلك: معناه لتأخذوا لباسكم عند كل صلاة، قيل له: أفمن ذلك مساجد البيوت؟ قال: نعم. وقد سئل عمر بن الخطاب عن الصلاة في ثوب واحد، فقال: "إذا أوسع الله عليكم فأوسعوا على أنفسكم جمع رجل عليه ثيابه"، الحديث. وقال عبد الله بن عمر لنافع مولاه، وقد رآه يصلي في ثوب واحد: إذا صليت فخذ عليك ثوبا آخر، فإن الله أحق من تجملت له. هذا هو المختار المستحب عند أهل العلم كلهم، ولو صلى في ثوب واحد إزارا كان أو قميصا أو سراويل لأجزأته صلاته، وروي عن أشهب أن من صلى في السراويل وحدها وهو يجد الثياب، يعيد في الوقت، قال: وكذلك من أذن في السراويل وحدها أعاد أذانه ما لم يصل، فإن صلى لم يعد، وكان كمن صلى بغير أذان.
[مسألة: العجمي يصلي ولا يعرف القرآن]
مسألة قال: وسئل عن العجمي يصلي ولا يعرف القرآن، قال: ينبغي أن يتعلم، فأما أن يصلي ولا يعرف فهو يصلي ولا يعرف.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال، إن العجمي الذي لا يعرف القرآن- أي: لا يحفظ شيئا منه- ينبغي له أن يتعلم ما يصلي به ولا يتوانى في ذلك؛ لأن القرآن من فروض الصلاة، وينبغي له أن لا يصلي وحده ما لم يتعلم ما يصلي به، فإن صلى وحده بغير قراءة وهو يجد من يأتم به ممن
стр. 423
يحسن القرآن أي: يحفظه، لم تجزه صلاته وأعادها، قاله ابن المواز. وإن ائتم به أحد أعاد الصلاة، قاله ابن القاسم في " المدونة ". وكتاب ابن المواز في الذي لا يحسن القرآن أي: لا يحفظ شيئا منه ولا يعرفه، قال ابن المواز: ويعيد هو أيضا؛ لتركه الائتمام به. وقد اختلف في الذي يحسن القرآن، أي: يحفظه ولا يحسن قراءته ويلحنه على أربعة أقوال: أحدها أن الصلاة خلفه لا تجوز، وإن لم يلحن في أم القرآن إذا كان يلحن في سواها، قاله بعض المتأخرين تأويلا على ما لابن القاسم في " المدونة " في الذي لا يحسن القرآن؛ لأنه حمله على الذي لا يحسن القراءة، وقال: إن لم يفرق فيها بين أم القرآن وغيرها، وهو بعيد في التأويل غير صحيح في النظر، والثاني: أن الصلاة خلفه جائزة إن كان لا يلحن في أم القرآن، ولا تجوز إن كان يلحن في أم القرآن، والثالث: أن الصلاة لا تجوز خلفه إن كان لحنه لحنا يتغير به المعنى، مثل أن يقول: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥] بكسر الكاف، و ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٧] برفع التاء، وما أشبه ذلك، وتجوز إن كان لحنه لحنا لا يتغير به المعنى، مثل أن يقول: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [الفاتحة: ٢] بكسر الدال من الحمد ورفع الهاء من الله، وما أشبه ذلك، وهذا قول ابن القصار وعبد الوهاب، والرابع: أن الصلاة خلفه مكروهة ابتداء، فإن وقعت لم تجب إعادتها، وهذا هو الصحيح من الأقوال؛ لأن القارئ لا يقصد ما يقتضيه اللحن، بل يعتقد بقراءته ما يعتقد بها من لا يلحن فيها، وإلى هذا ذهب ابن حبيب. ومن الحجة له ما روي «أن رسول الله ﷺ دخل المسجد يوما، فمر بالموالي وهم يقرؤون ويلحنون فقال: نعم ما قرأتم، ومر بالعرب وهم يقرؤون ولا يلحنون فقال: هكذا أنزل» . وأما الألكن الذي لا تتبين قراءته والألثغ الذي لا يتأتى له النطق ببعض الحروف، والأعجمي الذي لا يفرق بين الطاء والضاد والسين والصاد وما أشبه ذلك، فلا اختلاف في أنه لا إعادة على من ائتم بهم، وإن كان الائتمام بهم مكروها إلا ألا يوجد من
стр. 424
يرضى به سواهم. وسيأتي في آخر سماع موسى القول في صلاة الذي لا يحسن القرآن مستوفى، وبالله التوفيق.
[مسألة: النفر يكونون بموضع ليس عليهم إمام يجمعون الجمعة]
مسألة وسئل عن النفر يكونون بموضع ليس عليهم إمام، يجمعون الجمعة؟ فقال: إن لم يكونوا أهل عمود جمعوا، إنما يكون الجمع على أهل القرى. فقيل له: فإن لم يؤمر عليهم؟ فقال: إي والله وإن لم يؤمر عليهم ربما صلى أبو المثنى الجمعة بالناس بغير أمر الإمام، يمرض الإمام أو يموت أو تصيبه علة.
قال محمد بن رشد: قوله: وإن لم يكونوا أهل عمود جمعوا، ظاهره خلاف ما في أول رسم من سماع عيسى أن الخصوص والمحال إذا كانت مساكن لأهلها كمساكن القرى في اجتماعها، لم يحل لهم أن يتركوا الجمعة، وعلى ذلك كان يحملها الشيوخ عندنا، ويحتمل أن يكون أراد بأهل العمود في الرواية الذين ينتجعون الكلأ ولا يستقرون بموضع، فتتفق الروايات ولا يكون بينها تعارض. والأظهر أن ذلك اختلاف من القول، وأن لا جمعة على أهل العمود؛ لأن الأصل أن الظهر أربع، فلا ينتقل عن ذلك إلا بيقين وهو المصر؛ لأنه المتفق عليه؛ لأنه أصل ما أقيمت الجمعة فيه، فوجب أن لا يجمع إلا في المصر أو فيما يشبه المصر من القرى التي فيها الأسواق والمساجد؛ إذ قد اشترط ذلك مالك في بعض الروايات عنه. وأما الوالي فليس من شرائط إقامة الجمعة عند مالك، وقد روي عن يحيى بن عمر أنه قال: الذي أجمع عليه مالك وأصحابه أن الجمعة لا تقام إلا بثلاثة: المصر، والجماعة، والإمام الذي تخاف مخالفته، وهو قول عمرو بن العاص، ﵁، روي أن قوما أتوه فسألوه أن يأذن لهم في الجمعة، فقال: هيهات، لا يقيم الجمعة إلا من أخذ بالذنوب وأقام الحدود وأعطى الحقوق. وفي
стр. 425
" المبسوط " لمحمد بن مسلمة أنه لا يصليها إلا سلطان أو مأمور أو رجل مجمع عليه، وهو قريب من ذلك كله خلاف المعلوم من مذهب مالك في " المدونة " وغيرها، وبالله التوفيق.
[مسألة: الصلاة بعد الجمعة في المسجد]
مسألة وسئل عن الصلاة بعد الجمعة في المسجد أمكروه؟ فقال: أما الناس فلا، وأما الأئمة فينصرفون ولا يصلون فيه، وقد كان رسول الله ﷺ والأئمة ينصرفون إذا فرغوا.
قال محمد بن رشد: هذا مثل ما في كتاب الصلاة الثاني من " المدونة " في الإمام أنه لا ينبغي له أن يركع في المسجد يوم الجمعة على إثر صلاة الجمعة، وخلاف قوله فيه في الناس؛ لأنه استحب لهم فيه أن لا يركعوا، ورأى ذلك لهم واسعا إن ركعوا، وخلاف قوله في الصلاة الأول منها؛ لأنه كره لهم فيه أن يركعوا ولى يوسع في ذلك. فتحصل في ركوع الناس يوم الجمعة في المسجد لمالك ثلاثة أقوال: أحدها أنه لا كراهة في الركوع ولا استحباب في الجلوس، فإن جلس لم يؤجر، وإن ركع كان له أجر صلاته كاملا، كما لو صلى في غير ذلك الوقت من الأوقات التي لا تكره فيها الصلاة، وهو الذي يأتي على هذه الرواية، والثاني أن الجلوس مستحب والركوع واسع، فإن جلس ولم يصل أجر على جلوسه، وإن صلى أجر على صلاته، والله أعلم أيهما أعظم أجرا، وهو الذي يأتي على قول مالك في الصلاة الثاني من " المدونة "، والثالث أن الركوع مكروه والجلوس مستحب، فإن جلس ولم يصل أجر، وإن صلى لم يأثم، وهذا الذي يأتي على ما في الصلاة الأول من " المدونة "، فالجلوس على هذا القول أولى من الصلاة، والصلاة على القول الأول أولى من الجلوس. وإنما جاء هذا الاختلاف لما روي «أن رسول الله ﷺ كان إذا
следующие страницы →