Полный текст (9 112 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
على حكم القهقهة في الصلاة في رسم "استأذن" ورسم "البراءة" من سماع عيسى إن شاء الله، وبه التوفيق.
[مسألة: دخل مع الإمام في صلاته فسها لكثرة الناس عن الركوع مع الإمام]
مسألة وسئل عمن دخل مع الإمام في صلاته فسها لكثرة الناس عن الركوع مع الإمام، وربما كان ذلك يوم الجمعة، فسها عن الركوع حتى رفع الإمام رأسه من الركعة، فيعلم بذلك بعد أن يرفع الناس رؤوسهم، أيعتد بها؟ فقال: إن أدركه وهو ساجد فليعتد بها، وإن لم يدركه حتى رفع رأسه من السجود فأحب إلي أن يقضي الركعة.
قال محمد بن رشد: قد مضى القول في هذه المسألة مستوفى في رسم "كتب عليه حق" من سماع ابن القاسم، فلا وجه لإعادته ها هنا، وتأتي متكررة في رسم "نقدها"، ورسم "لم يدرك" من سماع عيسى، وبالله التوفيق.
[مسألة: الصلاة في المسجد الجامع في الرداء والسراويل]
مسألة قال: وسئل عن الصلاة في المسجد الجامع في الرداء والسراويل، فقال: لا والله إن الصلاة في السراويل لقبيحة، فقيل له: أرأيت لو توشح الرداء فصلى فيه؟ فقال: ما السراويل من لباس الناس، وكره ذلك، قال: وإنما يصنع ذلك ضعفة الناس، وليست السراويلات من ثياب الناس التي يظهرون إلا أن تكون تحت القميص. قال: ولقد كنت ألبسه فما كنت ألبسه إلا بعد القميص، إن الحياء من الإيمان.
قال القاضي: هذا كما قال، إن تردي الرداء وتوشحه على السراويل دون قميص مما يستقبح من الهيئة في اللباس، ولا يفعله إلا ضعفة الناس؛ لأن السراويل تصف ولا تستر كما يستر الإزار الذي يعطف بعضه على بعض،
стр. 422
فلا ينبغي لأحد أن يصلي في المسجد الجامع في الرداء والسراويل دون قميص، تردى الرداء أو توشحه، وإن كان توشحه أخف لكونه أستر؛ لأن التجمل في الصلاة بحسن هيئة اللباس مشروع، قال الله- : ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١] . وروي عن مالك أنه قال في تفسير ذلك: معناه لتأخذوا لباسكم عند كل صلاة، قيل له: أفمن ذلك مساجد البيوت؟ قال: نعم. وقد سئل عمر بن الخطاب عن الصلاة في ثوب واحد، فقال: "إذا أوسع الله عليكم فأوسعوا على أنفسكم جمع رجل عليه ثيابه"، الحديث. وقال عبد الله بن عمر لنافع مولاه، وقد رآه يصلي في ثوب واحد: إذا صليت فخذ عليك ثوبا آخر، فإن الله أحق من تجملت له. هذا هو المختار المستحب عند أهل العلم كلهم، ولو صلى في ثوب واحد إزارا كان أو قميصا أو سراويل لأجزأته صلاته، وروي عن أشهب أن من صلى في السراويل وحدها وهو يجد الثياب، يعيد في الوقت، قال: وكذلك من أذن في السراويل وحدها أعاد أذانه ما لم يصل، فإن صلى لم يعد، وكان كمن صلى بغير أذان.
[مسألة: العجمي يصلي ولا يعرف القرآن]
مسألة قال: وسئل عن العجمي يصلي ولا يعرف القرآن، قال: ينبغي أن يتعلم، فأما أن يصلي ولا يعرف فهو يصلي ولا يعرف.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال، إن العجمي الذي لا يعرف القرآن- أي: لا يحفظ شيئا منه- ينبغي له أن يتعلم ما يصلي به ولا يتوانى في ذلك؛ لأن القرآن من فروض الصلاة، وينبغي له أن لا يصلي وحده ما لم يتعلم ما يصلي به، فإن صلى وحده بغير قراءة وهو يجد من يأتم به ممن
стр. 423
يحسن القرآن أي: يحفظه، لم تجزه صلاته وأعادها، قاله ابن المواز. وإن ائتم به أحد أعاد الصلاة، قاله ابن القاسم في " المدونة ". وكتاب ابن المواز في الذي لا يحسن القرآن أي: لا يحفظ شيئا منه ولا يعرفه، قال ابن المواز: ويعيد هو أيضا؛ لتركه الائتمام به. وقد اختلف في الذي يحسن القرآن، أي: يحفظه ولا يحسن قراءته ويلحنه على أربعة أقوال: أحدها أن الصلاة خلفه لا تجوز، وإن لم يلحن في أم القرآن إذا كان يلحن في سواها، قاله بعض المتأخرين تأويلا على ما لابن القاسم في " المدونة " في الذي لا يحسن القرآن؛ لأنه حمله على الذي لا يحسن القراءة، وقال: إن لم يفرق فيها بين أم القرآن وغيرها، وهو بعيد في التأويل غير صحيح في النظر، والثاني: أن الصلاة خلفه جائزة إن كان لا يلحن في أم القرآن، ولا تجوز إن كان يلحن في أم القرآن، والثالث: أن الصلاة لا تجوز خلفه إن كان لحنه لحنا يتغير به المعنى، مثل أن يقول: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥] بكسر الكاف، و ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٧] برفع التاء، وما أشبه ذلك، وتجوز إن كان لحنه لحنا لا يتغير به المعنى، مثل أن يقول: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [الفاتحة: ٢] بكسر الدال من الحمد ورفع الهاء من الله، وما أشبه ذلك، وهذا قول ابن القصار وعبد الوهاب، والرابع: أن الصلاة خلفه مكروهة ابتداء، فإن وقعت لم تجب إعادتها، وهذا هو الصحيح من الأقوال؛ لأن القارئ لا يقصد ما يقتضيه اللحن، بل يعتقد بقراءته ما يعتقد بها من لا يلحن فيها، وإلى هذا ذهب ابن حبيب. ومن الحجة له ما روي «أن رسول الله ﷺ دخل المسجد يوما، فمر بالموالي وهم يقرؤون ويلحنون فقال: نعم ما قرأتم، ومر بالعرب وهم يقرؤون ولا يلحنون فقال: هكذا أنزل» . وأما الألكن الذي لا تتبين قراءته والألثغ الذي لا يتأتى له النطق ببعض الحروف، والأعجمي الذي لا يفرق بين الطاء والضاد والسين والصاد وما أشبه ذلك، فلا اختلاف في أنه لا إعادة على من ائتم بهم، وإن كان الائتمام بهم مكروها إلا ألا يوجد من
стр. 424
يرضى به سواهم. وسيأتي في آخر سماع موسى القول في صلاة الذي لا يحسن القرآن مستوفى، وبالله التوفيق.
[مسألة: النفر يكونون بموضع ليس عليهم إمام يجمعون الجمعة]
مسألة وسئل عن النفر يكونون بموضع ليس عليهم إمام، يجمعون الجمعة؟ فقال: إن لم يكونوا أهل عمود جمعوا، إنما يكون الجمع على أهل القرى. فقيل له: فإن لم يؤمر عليهم؟ فقال: إي والله وإن لم يؤمر عليهم ربما صلى أبو المثنى الجمعة بالناس بغير أمر الإمام، يمرض الإمام أو يموت أو تصيبه علة.
قال محمد بن رشد: قوله: وإن لم يكونوا أهل عمود جمعوا، ظاهره خلاف ما في أول رسم من سماع عيسى أن الخصوص والمحال إذا كانت مساكن لأهلها كمساكن القرى في اجتماعها، لم يحل لهم أن يتركوا الجمعة، وعلى ذلك كان يحملها الشيوخ عندنا، ويحتمل أن يكون أراد بأهل العمود في الرواية الذين ينتجعون الكلأ ولا يستقرون بموضع، فتتفق الروايات ولا يكون بينها تعارض. والأظهر أن ذلك اختلاف من القول، وأن لا جمعة على أهل العمود؛ لأن الأصل أن الظهر أربع، فلا ينتقل عن ذلك إلا بيقين وهو المصر؛ لأنه المتفق عليه؛ لأنه أصل ما أقيمت الجمعة فيه، فوجب أن لا يجمع إلا في المصر أو فيما يشبه المصر من القرى التي فيها الأسواق والمساجد؛ إذ قد اشترط ذلك مالك في بعض الروايات عنه. وأما الوالي فليس من شرائط إقامة الجمعة عند مالك، وقد روي عن يحيى بن عمر أنه قال: الذي أجمع عليه مالك وأصحابه أن الجمعة لا تقام إلا بثلاثة: المصر، والجماعة، والإمام الذي تخاف مخالفته، وهو قول عمرو بن العاص، ﵁، روي أن قوما أتوه فسألوه أن يأذن لهم في الجمعة، فقال: هيهات، لا يقيم الجمعة إلا من أخذ بالذنوب وأقام الحدود وأعطى الحقوق. وفي
стр. 425
" المبسوط " لمحمد بن مسلمة أنه لا يصليها إلا سلطان أو مأمور أو رجل مجمع عليه، وهو قريب من ذلك كله خلاف المعلوم من مذهب مالك في " المدونة " وغيرها، وبالله التوفيق.
[مسألة: الصلاة بعد الجمعة في المسجد]
مسألة وسئل عن الصلاة بعد الجمعة في المسجد أمكروه؟ فقال: أما الناس فلا، وأما الأئمة فينصرفون ولا يصلون فيه، وقد كان رسول الله ﷺ والأئمة ينصرفون إذا فرغوا.
قال محمد بن رشد: هذا مثل ما في كتاب الصلاة الثاني من " المدونة " في الإمام أنه لا ينبغي له أن يركع في المسجد يوم الجمعة على إثر صلاة الجمعة، وخلاف قوله فيه في الناس؛ لأنه استحب لهم فيه أن لا يركعوا، ورأى ذلك لهم واسعا إن ركعوا، وخلاف قوله في الصلاة الأول منها؛ لأنه كره لهم فيه أن يركعوا ولى يوسع في ذلك. فتحصل في ركوع الناس يوم الجمعة في المسجد لمالك ثلاثة أقوال: أحدها أنه لا كراهة في الركوع ولا استحباب في الجلوس، فإن جلس لم يؤجر، وإن ركع كان له أجر صلاته كاملا، كما لو صلى في غير ذلك الوقت من الأوقات التي لا تكره فيها الصلاة، وهو الذي يأتي على هذه الرواية، والثاني أن الجلوس مستحب والركوع واسع، فإن جلس ولم يصل أجر على جلوسه، وإن صلى أجر على صلاته، والله أعلم أيهما أعظم أجرا، وهو الذي يأتي على قول مالك في الصلاة الثاني من " المدونة "، والثالث أن الركوع مكروه والجلوس مستحب، فإن جلس ولم يصل أجر، وإن صلى لم يأثم، وهذا الذي يأتي على ما في الصلاة الأول من " المدونة "، فالجلوس على هذا القول أولى من الصلاة، والصلاة على القول الأول أولى من الجلوس. وإنما جاء هذا الاختلاف لما روي «أن رسول الله ﷺ كان إذا
стр. 426
صلى الجمعة لم يركع في المسجد حتى ينصرف فيركع في بيته ركعتين» فاحتمل أن يكون هذا من فعله ﷺ خاصا للأئمة، واحتمل أن يكون عاما لجميع الناس، بدليل ما روي أن ابن عمر رأى رجلا يصلي ركعتين بعد الجمعة، فدفعه وقال: أتصلي الجمعة أربعا؟! وقد روي أن رسول الله ﷺ قال: «من كان مصليا بعد الجمعة فليصل أربعا» ، فاستحب بعض العلماء أن يصلي بعد الجمعة أربعا وكره أن يصلي بعدها ركعتين؛ ليجمع بين الحديثين، والله أعلم بالصواب.
[مسألة: أوتر بالناس في رمضان أيسلم بين الاثنتين والواحدة]
مسألة وسئل عمن أوتر بالناس في رمضان، فقال: لو كنت صانعه لم أسلم بين الاثنتين والواحدة؛ لأن بعض الناس قد قالوا: يوتر بثلاث، وإنه ليقال: إن معاذا القارئ كان يوتر بثلاث يفصل بين الاثنتين والواحدة.
قال محمد بن رشد: كذا وقعت الرواية: لو كنت صانعه لم أسلم بين الاثنتين والواحدة، وحكاها ابن حبيب: لو كنت صانعه سلمت بين الاثنتين والواحدة، على ما يوجبه مذهب مالك ﵀. والصحيح في الرواية: لم أسلم بين الاثنتين والواحدة، بدليل اعتلاله لذلك بقول الذين قالوا: إنه يوتر بثلاث، فأراد أنه لو أوتر بثلاث لا يفصل بينهن لما خالف فعله في ترك الفصل؛ إذ من الناس من يقول ذلك. وهذا نحو قول ابن القاسم في رسم
стр. 427
"لم يدرك" من سماع عيسى في الذي يدرك الإمام في آخر ركعة من الوتر، وهو ممن لا يسلم أنه يضيف إليها ركعتين بغير سلام، ونحو قوله في " الواضحة " فيمن فاتته الركعة الأولى من شفع الوتر، والإمام ممن لا يفصل بين الشفع والوتر أنه لا يسلم مع الإمام إذا سلم من الوتر، ويقوم إلى الثالثة دون سلام لئلا، يخالف فعل الإمام في ترك الفصل بالسلام وإن كان قد فارقه في الوتر، إذ لم يدخل معه في أول الشفع خلافا لابن مطرف وابن الماجشون في قولهما: إنه يسلم مع الإمام إذا كان الإمام ممن يفصل أو لا يفصل؛ إذ قد فارقه ولم يدخل معه من أول الشفع. وقد اختلف الناس في الوتر، فقيل: إنه ركعة واحدة، وقيل: إنه ثلاث ركعات لا يفصل بينهن بسلام، وقيل: إنه ثلاث ركعات يسلم في الاثنتين منهن وفي آخرهن. وذهب مالك إلى أن ركعة واحدة عقب شفع أدناه ركعتان على ما روي عن النبي ﷺ من رواية ابن عمر قال: «صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة واحدة توتر له ما قد صلى» ، وبالله التوفيق.
[مسألة: مس الذكر أتعاد منه الصلاة]
مسألة وسئل عن مس الذكر أتعاد منه الصلاة؟ فقال: لا أوجبه، وأبى، فروجع فيه فقال: يعيد ما كان في الوقت وإلا فلا. قال سحنون: لا أرى على من مس ذكره وصلى إعادة، لا في وقت ولا في غيره، ولقد قال لي ابن القاسم غير مرة: إن إعادة الوضوء عندي من مس الذكر ضعيف.
قال محمد بن رشد: هذا كله من رواية أشهب عن مالك، وقول سحنون وروايته عن ابن القاسم يرجع إلى أن مس الذكر لا ينقض الوضوء
стр. 428
بحال، خلاف ظاهر ما في رسم "الوضوء والجهاد" من سماع أشهب من كتاب الوضوء. ورواية ابن وهب عن مالك في سماع سحنون منه في الفرق بين أن يمسه عامدا أو غير عامد قول ثالث، وإليه ذهب ابن حبيب. وقد مضت هذه المسألة موعبة في رسم "اغتسل على غير نية" من سماع ابن القاسم من كتاب الوضوء، فقف على ذلك، وبالله التوفيق.
[مسألة: وقت الدم]
مسألة قال: وسئل عن وقت الدم، فقال: ليس له عندنا وقت، فقيل له: فقليله وكثيره سواء؟ فقال: لا، ولكن لا أجيبكم إلى هذا الضلال، إذا كان مثل الدرهم، ثم قال: أرأيت إن كان الدرهم من هذه البغيلة، الدراهم تختلف تكون وافية كلها وبعضها أكبر من بعض.
قال محمد بن رشد: تكررت هذه المسألة في هذا السماع من كتاب الوضوء، ومضى القول عليها هناك بما أغنى عن إعادته.
[مسألة: الإمام يكبر في العيدين على المنبر]
مسألة وسئل عن الإمام يكبر في العيدين على المنبر، أيكبر الناس بتكبيره؟ فقال: نعم، فقيل: أفينصتون كما ينصتون يوم الجمعة؟ فقال: نعم.
قال محمد بن رشد: قوله: إنهم يكبرون بتكبير الإمام، يريد سرا في أنفسهم، وذلك حسن وليس بواجب، قال ذلك في الحج الأول من " المدونة "، وهو مفسر لما هاهنا. وقد مضى القول في وجوب الإنصات في خطبة
стр. 429
العيدين، وما في ذلك من الاختلاف في أول هذا السماع وفي رسم "تأخير صلاة العشاء" من سماع ابن القاسم، وبالله التوفيق.
[مسألة: من لم يسمع قراءة الإمام للفاتحة أيقول آمين]
مسألة قال ابن نافع عن مالك: ليس على من لم يسمع قراءة الإمام أن يقول آمين إذا قال الإمام: ولا الضالين.
قال محمد بن رشد: قوله: ليس ذلك عليه، يدل على أن له أن يقوله وإن لم يكن ذلك عليه، بأن يتحرى الوقت كما يتحرى المريض الذي ترمى عنه الجمار وقت الرمي عنه فيكبر. وذهب محمد بن عبدوس إلى أن ذلك عليه، وذهب يحيى بن عمر إلى أنه لا ينبغي له أن يفعل ذلك، فهي ثلاثة أقوال، أظهرها قول يحيى؛ لأن المصلي ممنوع من الكلام، والتأمين كلام أبيح للمصلي أن يقوله في موضعه، فإذا تحرى قد يضعه في غير موضعه.
[مسألة: أدرك الإمام يوم الجمعة ساجدا فلم يسجد معه في الركعة الآخرة]
مسألة قال: وسئل عمن أدرك الإمام يوم الجمعة ساجدا فلم يسجد معه في الركعة الآخرة، أيقيم الصلاة لنفسه؟ قال: نعم، لا يجزيه إقامة الناس.
قال محمد بن رشد: معنى هذه المسألة أنه لم يحرم مع الإمام، ولو أحرم معه لبنى على إحرامه وأجزأته إقامة الناس، ولم يصح له أن يقيم إلا أن يقطع الصلاة ثم يستأنفها، ولو فعل ذلك في هذه المسألة لأخطأ؛ إذ لا اختلاف في أنه لا يصح له أن يبني فيها على إحرامه، بخلاف الذي قد يجد الإمام ساجدا في الركعة الثانية، فيحرم معه وهو يظن أنه في الركعة الأولى، وقد مضى القول على هذا في رسم " طلق بن حبيب " من سماع ابن القاسم.
стр. 430
[مسألة: يقول في دعائه يا سيدي]
مسألة وسئل عن الذي يقول في دعائه: يا سيدي، فكرهه وقال: أحب إلي أن يدعو بما في القرآن وبما دعت به الأنبياء: يا رب، وكره الدعاء بـ"يا حنان".
قال محمد بن أحمد بن رشد: إنما كره الدعاء بذلك للاختلاف الحاصل بين أهل السنة من أيمة المتكلمين في جواز تسمية الله تعالى بسيد وحنان وما أشبه ذلك من الأسماء التي فيها مدح وتعظيم لله تعالى، ولم تأت في القرآن ولا في السنن المتواترة عن رسول الله ﷺ ولا أجمعت الأمة على جواز تسميته بها؛ إذ منهم من لم يجز أن يسمى الله إلا بما سمى به نفسه في كتابه أو أسماه به رسوله أو أجمعت الأمة على جواز تسميته به، ومنهم من أجاز تسميته بكل اسم لله فيه مدح وتعظيم ما لم تجمع الأمة على أنه لا يجوز أن يسمى الله تعالى به، كعاقل وفهيم ودار وما أشبه ذلك. وأما الدعاء بـ"يا منان" فلا كراهة فيه؛ لأنه من أسماء الله تعالى القائمة من القرآن، قال الله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [إبراهيم: ١١] .
[مسألة: تأخير الصلاة بسبب غسل الثياب]
مسألة قال: وقيل لعمر بن عبد العزيز: أخرت الصلاة شيئا، فقال: إن ثيابي غسلت.
قال محمد بن رشد: يحتمل إن لم يكن له غير تلك الثياب لزهده في الدنيا وتقلله منها فلذلك أخر الصلاة شيئا بسبب غسلها، أو لعله ترك أخذ سواها مع سعة الوقت تواضعا لله؛ ليقتدى به في ذلك ائتساء بعمر بن الخطاب
стр. 431
إذ جعل يغسل الاحتلام من ثوبه حتى أسفر، فقال له عمرو بن العاص: أصبحت ومعنا ثياب فدع ثوبك يغسل، فقال: واعجبا لك يا ابن العاص! إن كنت تجد ثيابا أفكل الناس يجد ثيابا، والله لو فعلتها لكانت سنة، بل أغسل ما رأيت وأنضح ما لم أر. فقد كان أتبع الناس لسيرته وهديه في جميع الأحوال، وأيا ما كانت فهي منقبة جليلة وفضيلة عظيمة لا تستغرب منه، ﵁.
[مسألة: المستحاضة ينقطع عنها الدم في غير أيام حيضتها]
مسألة وسئل عن المستحاضة ينقطع عنها الدم في غير أيام حيضتها، فقال: إذا انقطع عنها الدم اغتسلت وصلت. قال: وسألته عن المستحاضة تصلي صلاتين بوضوء واحد، أتعيد الصلاة؟ فقال: لا، قلت له: في الوقت ولا في غير الوقت؟ قال: لا تعيد في الوقت. قلت: أفيتوضأ لكل صلاة؟ فقال: ذلك أحب إلي، ولا أدري أواجب ذلك عليها أم لا.
قال محمد بن رشد: قوله: إذا انقطع عنها الدم، يريد دم الاستحاضة الذي كانت تصلي به. وقوله: اغتسلت وصلت، يريد اغتسلت استحبابا وصلت كما كانت تصلي قبل انقطاعه، وذلك معلوم من مذهبه ومذهب جميع أصحابه. وسواء كان انقطاعه في غير أيام حيضتها أو في أيام حيضتها، إذ لا فرق بين الموضعين، فمالك لا يرى على المستحاضة غسلا إلا في أول أمرها بعد الاستظهار أو بلوغ الخمسة عشر يوما، ويستحب لها الوضوء لكل صلاة، فإن صلت صلاتين بوضوء واحد لم تعد، وقيل: إنها تعيد الآخرة في الوقت، حكى القولين ابن المواز عن مالك. ومن أهل العلم من يوجب عليها الغسل لكل صلاة، ومنهم من يوجبه من طهر إلى طهر، ومنهم من يوجب عليها أن تغسل للظهر والعصر غسلا واحدا، وللمغرب والعشاء غسلا واحدا، على ما جاء في ذلك من الآثار، وبالله التوفيق.
стр. 432
[مسألة: المرأة تخرج من البحر عريانة أتصلي قائمة]
مسألة وسئل عن المرأة تخرج من البحر عريانة، أتصلي قائمة؟ قال: نعم في رأي، إلا أن يراها أحد.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأنها مأمورة بالصلاة قائمة مستقبلة القبلة، وقد سقط عنها بعدم الثياب ما يختص بالصلاة من فرض ستر العورة عن عيون من سوى الآدميين، فوجب أن تصلي قائمة إلا أن يراها أحد، كما لها أن تغتسل في الفضاء قائمة إلا أن يراها أحد.
[مسألة: يتعمد إسقاط آية من قراءته في الصلاة]
مسألة وذكر يحيى بن سعيد «أن رسول الله ﷺ صلى صلاة ترك في قراءته آية، فلما انصرف قال للناس: ما أنكرتم من قراءتي شيئا؟ فقيل: نعم، فكأن النبي ﷺ أراد أن يجرب حفظ الناس» قال مالك: «وكان أسيد بن الحضير وهو أحد النقباء يصلي فاضطرب فرسه اضطرابا شديدا، فنظر ما يزعرها فلم ير شيئا، فرفع رأسه إلى السماء فرأى شيئا يظله، فذكر ذلك لرسول الله ﷺ فقال: تلك الملائكة استمعت لقراءتك.
» قال محمد بن رشد: قوله: فكأن النبي ﷺ أراد أن يجرب حفظ الناس، هو تأويل من الراوي ليس عن النبي ﷺ ، فعلى القول بتصحيحه يجوز للرجل أن يتعمد إسقاط آية من قراءته في الصلاة، فعلى هذا لا ينبغي أن يفتى في الصلاة من أسقط في قراءته شيئا من القرآن أو خرج من سورة إلى سورة، وإلى هذا ذهب ابن حبيب، خلاف ما جاء عن النبي ﷺ من «قوله
стр. 433
لأبي بن كعب حين أسقط آية من سورة الفرقان: " ما منعك أن تفتح علي؟ قال: خشيت أنها نسخت، قال: فإنها لم تنسخ» . وفيه أيضا دليل على صحة ما ذهب إليه مالك من أن الذي يقرأ السجدة وهو على غير وضوء أو في غير وقت صلاة يختصرها، والصواب أن يختصر جملة الآية لا موضع ذكر السجود خاصة، على ما حكى عبد الحق عن بعض شيوخه؛ لأنه إذا فعل ذلك لم يتسق الكلام وتغير معناه، وقصة أسيد بن الحضير هذه وقعت هاهنا مختصرة، وهي في المصنفات بكمالها، من ذلك قوله فيها: «فرفعت رأسي إلى السماء فإذا مثل الظلة فيها أمثال المصابيح، فعرجت إلى السماء حتى لم أرها. فقال رسول الله ﷺ : "تلك الملائكة دنت لصوتك، ولو قرأت لأصبحت ينظر الناس إليها لا تتوارى منهم"، ثم قال: "لقد أوتيت يا أسيد من مزامير آل داود» ، يعني حسن الصوت، وهذه كرامة عظيمة لأسيد بن الحضير ﵁ إلا أنها وما كان مثلها على عهد النبي ﷺ فإنما هي ببركة النبي ﷺ فهي معدودة من آياته ومن جملة معجزاته. وفي القصة التحريض على تفريغ البال لاستماع القراءة؛ ولذلك أدخلها مالك عقب حديث يحيى بن سعيد، وبالله التوفيق.
[مسألة: يكون له ثوب واحد أترى أن يعقد طرفيه إذا صلى لئلا يسقط عنه]
مسألة وسئل عن الذي يكون له ثوب واحد، أترى أن يعقد طرفيه إذا صلى لئلا يسقط عنه؟ قال: لا بأس بذلك إذا لم يكن له غيره ولم يكن محرما، فإذا كان محرما فلا يفعل، وإن كان له ثوب غيره فأحب إلي أن يأخذ ثوبا آخر أوسع منه، وأحب إلي أن يتزر ويتردى إذا وجد، وكل من لم يجد فيجزئ عنه ما وجده.
стр. 434
قال محمد بن رشد: هذا كما قال؛ لأن السنة في الصلاة في الثوب الواحد إذا لم يكن قميصا أن يخالف بين طرفيه على عاتقيه، فإن شاء رد طرفيه بين يديه، وإن شاء تركهما على عاتقيه، فإن لم يثبت لقصره إلا أن يعقده عقده، إلا أن يكون محرما فلا يعقده، وليتزر به؛ لأن العقد للمحرم مكروه، وإن قصر عن أن يعقده على قفاه فليتزر به، ولا شيء عليه في صلاته مكشوف الظهر والبطن إذا لم يجد، فإن صلى كذلك وهو يجد فقد أساء ولا إعادة عليه، وقيل: يعيد في الوقت. وقد مضى ذلك في صدر هذا الرسم والاختيار إذا وجد ألا يصلي في أقل من ثوبين وإن لم يكن في جماعة الناس.
[يريد أن المصلي بالمدينة يستقبل من البيت الميزاب]
مسألة وقال: يقال: إن قبلة المسجد مسجد رسول الله ﵇ قبالة الميزاب.
قال محمد بن رشد: يريد أن المصلي بالمدينة يستقبل من البيت الميزاب؛ لأنه هو الذي يتفق، فليس في هذا معنى يشكل.
[مسألة: آكل الثوم أيكره له المشي في السوق]
مسألة قال: ولقد سألت مالكا عن آكل الثوم أيكره له المشي في السوق؟ فقال: ما سمعت ذلك إلا في المسجد، فقلت له: أرأيت من يأكل البصل والكراث أيكره له من دخول المسجد ما يكره من الثوم؟ فقال: لم أسمع ذلك إلا في الثوم، وما أحب له أن يؤذي الناس.
قال المؤلف: في قوله: ما سمعت ذلك إلا في المسجد، دليل على أنه لا حرج عنده على آكل الثوم في المشي في الأسواق، وإن كره له ذلك في
стр. 435
مكارم الأخلاق. والوجه في ذلك أن النهي إنما ورد في المسجد، وله حرمة يختص بها دون الأسواق؛ لقول الله- : ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ [النور: ٣٦] ، ولما جاء من أن رسول الله ﷺ أمر أن تنظف وتطيب، فلم يصح قياس الأسواق عليه في منع آكل الثوم من دخوله، وأما قياس الكراث والبصل على الثوم في منع آكلها من دخول المسجد فصحيح إن كانت تؤذي رائحتها؛ لأن النبي ﷺ قد نص على أن العلة في الثوم هي الإذاية، فوجب أن يعتبر بها حيثما وجدت، وذلك بين من مذهب ابن القاسم في رسم "أوصى" من سماع عيسى. وعلى هذا يجب أن يحمل قول مالك؛ لأن قوله: وما أحب له أن يؤذي الناس، تجاوز في اللفظ، ومراده به ما يجوز له أن يؤذي الناس؛ لأن ترك إذاية الناس من الواجب لا من المستحب، وبالله التوفيق.
[مسألة: ينسى الظهر ثم يذكرها وهو في العصر مأموما]
مسألة قال: وسألته عن الذي ينسى الظهر ثم يذكرها وهو في العصر، يصلي لنفسه ليس مع الإمام؟ فقال: يتم ركعتين ثم ينصرف فيصلي الظهر ثم يصلي العصر. قيل له: وإن كان إنما أحرم في العصر قط؟ فقال: نعم يتم ركعتين.
قال محمد بن رشد: قال في هذه الرواية: إنه يتم ركعتين ولا يقطع، ركع أو لم يركع، وكذلك لو ذكر صلاة قد خرج وقتها وهو في صلاة مكتوبة لأتم أيضا ركعتين ركع أو لم يركع. وفي " المدونة " أنه يقطع ما لم يركع، وسواء على مذهبه فيها ذكر وهو في العصر صلاة الظهر من يومه أو صلاة قد خرج وقتها. وقد قيل: أنه يقطع أيضا في المسألتين جميعا ركع أو لم يركع، قاله مالك في أحد قوليه في " المدونة " في النافلة، ولا فرق بين النافلة والفريضة في القياس. وقد قيل: إن الفريضة في هذا بخلاف النافلة، فيقطع في النافلة ركع
стр. 436
أو لم يركع، ولا يقطع في النافلة ركع أو لم يركع، وقد قيل: إنه إن كان معه ركعة أتم ركعتين، وإن كان لم يركع شيئا أو ركع ثلاث ركعات قطع، وهو اختيار ابن القاسم في " المدونة ". وفرق ابن حبيب بين أن يذكر الظهر في العصر أو المغرب في العشاء، وبين أن يذكر صلاة قد خرج وقتها وهو في صلاة، فقال: إنه إن ذكر الظهر في العصر أو المغرب في العشاء قطع، ركع أو لم يركع، كان مع الإمام أو وحده، وإن ذكر صلاة قد خرج وقتها وهو في صلاة تمادى إن كان مع الإمام، وإن كان وحده أتم ركعتين ركع أو لم يركع. وقد قيل: إنه إن كان في خناق من الوقت قطع ما لم يركع، وإن يكن في خناق منه تمادى وإن لم يركع، فيتحصل في المسألة من الاختلاف سبعة أقوال. وهو كله اختلاف اختيار؛ إذ لا يتعلق بمن فعل شيئا من ذلك حكم عند من رأى خلافه إلا انتقاص الفضيلة. وقد قيل: إنه يخرج من قطع عند من رآى أن يتم ركعتين؛ لقول الله : ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣] ، ويخرج من أتم ركعتين عند من رأى أن يقطع؛ لقول رسول الله ﷺ : «إذا رقد أحدكم عن الصلاة أو نسيها ثم فزع إليها فليصلها كما كان يصليها في وقتها» ، فإن الله- يقول: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤] ، فصار من أخر الصلاة المنسية عن وقت ذكرها فيه بالتمادي على التي ذكرها فيها آثما، والأول أظهر أنه لا يأثم بدليل «أن رسول الله ﷺ صلى ركعتي الفجر يوم الوادي بعد أن طلعت الشمس قبل أن يصلي الصبح» . وعلى هذا الاختلاف يأتي اختلافهم فيمن ذكر صلاة، وهو في صلاة فتمادى عليها حتى أتمها، أو ذكرها فبدأ بالتي حضر وقتها قبلها، هل يعيد أبدا أو في الوقت؟ وأما من فرق بين أن يذكر الصلاة وهو في صلاة أو قبل أن يدخل فيها، فوجهه اتباع ظاهر ما جاء
стр. 437
من أن من ذكر صلاة وهو في صلاة فسدت عليه الصلاة، وهو حديث مروي، وبالله التوفيق.
[مسألة: يتنفل فيتعيا بالقرآن أفيقف فيفكر أو ينصرف يسلم وينظر]
مسألة وسئل عن الذي يتنفل فيتعيا بالقرآن، أفيقف فيفكر أو ينصرف يسلم وينظر؟ قال: يتفكر تفكرا خفيفا يتذكر ولا يسلم. ولكن يخطرف ذلك أو يستفتح بسورة أخرى.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن القرآن كله حسن سواء، فما قرأ منه كفى وأجزأ، قال الله- : ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ [المزمل: ٢٠] ، فإذا تعايا في قراءته تذكر يسيرا؛ لأن التذكر الكثير يخرجه عن الإقبال على صلاته، فإن ذكر وإلا خطرف أو استفتح بسورة، إذ ليس موالاة القراءة بواجب، فقد جاء أن رسول الله ﷺ أسقط آية من قراءته ليجرب حفظ الناس وإن شاء ركع وسجد، ولا يسلم لينظر؛ إذ لا ينبغي لأحد أن يقطع صلاته إلا من ضرورة، قال الله- : ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣] . ولو كان المصحف إلى جنبه ونظر فيه وتمادى على صلاته لكان قد أساء ولم يكن عليه شيء، وجائز للذي لا يحفظ القرآن أن يصلي في المصحف، والفرق بين الموضعين أن الذي يشك في الحرف إذا نظره في المصحف احتاج إلى فتش موضعه، فكان ذلك شغلا في صلاته، والذي يصلي في المصحف يفتحه قبل أن يدخل في الصلاة، ويجعل أمامه الموضع الذي يريد أن يقرأه في صلاته، فينظر من غير أن يشتغل بشيء إلا بتحويل الورقة التي أكمل قراءتها، وذلك يسير.
стр. 438
[مسألة: الذي يركع فيتطأطأ جدا]
مسألة وسئل عن الذي يركع فيتطأطأ جدا، فقال: ما ذلك بحسن، وأحسن الركوع اعتدال الظهر، لا يرفع رأسه جدا ولا يخفضه جدا وينصب قدميه أحسن.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال، فقد جاء أن رسول الله ﷺ «كان إذا ركع لو وضع على ظهره ماء لاستقر» .
[مسألة: دخول الكنائس للصلاة والأكل فيها]
مسألة قال: سمعت نافعا يذكر أن عمر بن الخطاب صنع له طعام بالشام في كنيسة، فأبى أن يجيب إليه وكره دخول الكنائس وقال: لا أرى أن يصلى في الكنائس. قال: وسئل عن الصلاة في الكنائس، فقال: لا أحب أن يصلى فيها إذا وجد غيرها، هي نجس، قد دعي عمر بن الخطاب إلى طعام بالشام في كنيسة فلم يأته وقال: أرى أن لا تدخل هذه الكنائس التي فيها الصور.
قال محمد بن رشد: قد مضى القول مستوفى في أول رسم من سماع ابن القاسم في هذه المسألة، فتأمله هناك.
[صلى إلى غير القبلة متعمدا أو جاهلا بوجوب استقبال القبلة]
مسألة قال يحيى بن سعيد: سمعت ابن المسيب يقول: حولت القبلة بعد بدر بشهرين، قال ابن المسيب: إنهم صلوا إلى بيت
стр. 439
المقدس ستة عشر شهرا، ثم حولت القبلة بعد بدر بشهرين، قال: قال مالك: ذكر لي عبد الله بن دينار «عن عبد الله بن عمر أن الناس بينما هم قيام في الصلاة إلى بيت المقدس، فجاءهم آت فقال: إن رسول الله ﷺ قد أنزل عليه أن يستقبل القبلة فاستقبلوها، فاستداروا إلى القبلة» .
قال محمد بن رشد: وقع هاهنا بعد بدر بشهرين، وفي " الموطأ ": قبل بدر بشهرين، فيحتمل أن يريد بما هاهنا بدرا الأولى وبما في " الموطأ " بدرا الثانية؛ لأنه كان بينهما نحو أربعة أشهر، تحولت القبلة بعد الأولى بشهرين وقبل الثانية بنحو شهرين. وقد قيل: إن ما في " الموطأ " هو الصواب، والذي وقع هاهنا غلط؛ لأن بدرا إذا أطلقت دون وصف فالمراد بها الثانية المشهورة المذكورة في القرآن، وقول ابن المسيب: إنهم صلوا إلى بيت المقدس ستة عشر شهرا، صحيح، لا اختلاف في أن رسول الله ﷺ صلى إلى بيت المقدس منذ قدم المدينة حتى حولت القبلة، وإنما اختلفت الآثار في صلاته بمكة قبل قدومه المدينة، فروي أنها كانت إلى مكة وهو دليل قول سعيد بن المسيب هذا، وروي أنها كانت إلى بيت المقدس، وقيل: إنه كان يصلي إلى بيت المقدس ومكة بين يديه، فكانت صلاته إليهما جميعا، وفي استدارتهم إلى القبلة في صلاتهم معنى يجب الوقوف عليه، وذلك أن أهل العلم بالأصول اختلفوا في الحكم إذا نسخ، فقيل: إنه يكون منسوخا بورود الناسخ جملة، وقيل: إنه لا يكون منسوخا عند من لم يعلم ورود الناسخ إلا بوصول العلم إليه، فيلزم على القول بأنه منسوخ بنفس ورود الناسخ جملة أن يستدير في صلاته إلى القبلة من علم فيها أنه إلى غير القبلة على ما فعل الصحابة- ﵃ بقباء، وهو قول الثوري وأبي حنيفة وأصحابه. وقول مالك:
стр. 440
إنه يقطع ويبتدئ بخلاف ما فعل الصحابة يدل على أنه لم ير الحكم منسوخا عنهم إلا بوصول العلم إليهم، إلا أن يفرق بين الموضعين، فإنهم وإن كان الحكم منسوخا عنهم بنفس ورود النسخ قبل دخولهم في الصلاة، فلم يكن منهم تقصير، بخلاف الذي اجتهد في القبلة فبان له بعد الدخول في الصلاة أنه على غير القبلة، وقد اختلف فيمن صلى إلى غير القبلة مستدبرا لها، أو مشرقا أو مغربا عنها، ناسيا أو مجتهدا، فلم يعلم حتى فرغ من الصلاة، فالمشهور في المذهب أنه يعيد في الوقت من أجل أنه يرجع إلى اجتهاد من غير يقين، وقيل: إنه يعيد في الوقت وبعده، وهو قول المغيرة وابن سحنون، كالذي يجتهد فيصلي قبل الوقت، وكالأسير يجتهد فيصوم شعبان، وقاله الشافعي إذا استدبر القبلة. وذكر عن أبي الحسن القابسي أن الناسي يعيد أبدا بخلاف المجتهد. وأما من صلى إلى غير القبلة متعمدا أو جاهلا بوجوب استقبال القبلة، فلا اختلاف في وجوب الإعادة عليه أبدا، وكذلك من صلى بمكة إلى غير الكعبة وإن لم يكن مشاهدا لها فهو كالمشاهد لها في وجوب الإعادة عليه أبدا، من أجل أنه يرجع إلى يقين يقطع عليه، إذ يمكنه أن يصعد على موضع يرى الكعبة منه فيعلم بذلك حقيقة القبلة في بيته. واختلف فيمن صلى بمكة إلى الحجر، فقيل: لا تجزئه صلاته؛ لأنه لا يقطع أنه من البيت، وقيل: تجزئه صلاته؛ لتظاهر الأخبار أنه من البيت، وذلك في مقدار ستة أذرع منه؛ لأن ما زاد على ذلك ليس من البيت، وإنما زيد فيه لئلا يكون مركنا فيؤذي الطائفين، وبالله التوفيق.
[مسألة: رفع المصلي صوته بالقراءة في المسجد]
مسألة
[في رفع المصلي صوته بالقراءة في المسجد] قال مالك: وكان عمر بن عبد العزيز يخرج في الليل- أراه
стр. 441
في آخره، وكان حسن الصوت -يصلي، فقرأ، فقال سعيد بن المسيب لبرد: اطرد هذا القارئ عني فقد آذاني، فسكت برد، فقال: ويحك يا برد! اطرد هذا القارئ عني فقد آذاني، فقال له برد: إن المسجد ليس لنا، إنما هو للناس، فسمع ذلك عمر فأخذ نعليه ثم تنحى.
قال محمد بن رشد: الأصل في هذا ما روي «أن النبي ﷺ خرج على الناس وهم يصلون في المسجد وقد علت أصواتهم بالقراءة، فقال: إن المصلي يناجي ربه، فلينظر بما يناجيه به، ولا يجهر بعضكم على بعض بالقرآن» . فلا يجوز لمن تنفل في المسجد وإلى جنبه من يصلي أن يرفع صوته بالقراءة؛ لأنه يخلط عليه صلاته، وفي ذلك إذاية له، وكذلك من فاته من صلاة الإمام ما يجهر فيه بالقراءة فلا يجوز له أن يفرط في الجهر إذا كان إلى جنبه من يعمل مثل عمله لئلا يخلط عليه صلاته فيؤذيه بذلك. ومن حق من أوذي أن ينهى من آذاه عن إذايته؛ فلذلك أمر سعيد بن المسيب بردا بما أمره به من طرد القارئ عنه، يريد من جواره لا من المسجد جملة، ولم يهبه لمكانه من الخلافة؛ لجزالته وقوته في الحق وقلة مبالاته بالأيمة، ولا أنف عمر بن عبد العزيز من قوله؛ لتواضعه وخيره وفضله وانقياده للحق، وأخذ نعليه وتنحى عنه. وقد استدل بعض الشيوخ بهذه الحكاية على أن الأصوات من الضرر الذي يجب الحكم على الجار بقطعه على جاره، كالحدادين والكمادين والندافين وشبه ذلك، وليس بدليل بين؛ لأن ما يفعله الرجل في داره من ذلك فيتأذى به جاره، بخلاف ما يفعله في المسجد من رفع صوته بالقراءة لتساوي الناس في الحق فيه، ولو صلى رجل في داره فرفع صوته بالقراءة لما وجب لجاره أن يمنعه من ذلك، والرواية منصوصة عن مالك في أنه ليس
стр. 442
للرجل أن يمنع جاره الحداد من ضرب الحديد في داره وإن أضر به سماعه، فكيف بهذا؟ والله أعلم.
[مسألة: ينسى تكبيرة الإحرام وهو إمام فيذكر بعدما قرأ صدرا من قراءته]
مسألة وسئل مالك عن الذي ينسى تكبيرة الإحرام وهو إمام، فيذكر بعدما قرأ صدرا من قراءته، فقال: يبتدئ تكبيرة الإحرام، قلت له: أترى أن يؤذن من خلفه؟ قال: نعم، يقول لهم: إني لم أكن ذكرت تكبيرة الإحرام، فهذا حين دخولي في الصلاة، فادخلوا معي، ثم يقول: الله أكبر، فإن كانوا هم قد كبروا، فإن ذلك لا يجزئهم.
قال محمد بن رشد: قوله: يبتدئ تكبيرة الإحرام، يريد بغير سلام، ولا اختلاف في هذا، بخلاف ما لو لم يذكر إلا بعد ركعة. وقوله: إنه يؤذن من خلفه، صواب؛ لأن تكبيرهم قبله لا يجزئهم، إلا أنه يختلف، هل يقطعون بسلام؟ أو يكبرون ولا يقطعون؟ فقيل: إنهم بمنزلة من لم يكبر يكبرون ولا يسلمون، وهو مذهبه في " المدونة "، وقيل: إنهم يسلمون ويكبرون، ولو لم يؤذنهم فتمادوا معه لأعادوا الصلاة على مذهب مالك. ولو علموا ذلك بعد ركعة وقد كبروا للركوع لكان الاختيار أن يتمادوا مع الإمام ويعيدون، بمنزلة من نسي تكبيرة الإحرام وهو مع الإمام فذكر بعد أن ركع وقد كبر للركوع، وإن شاءوا قطعوا بسلام وأحرموا، وكانوا كالداخلين في الصلاة معه يقضون ركعة بعد سلامه، ولا يجزئهم أن يحرموا بغير سلام.
[مسألة: صلاة الخسوف إذا رفع رأسه من الركعة الأولى أيقرأ بأم القرآن]
مسألة وسئل مالك عن صلاة الخسوف والكسوف] إذا رفع رأسه من الركعة الأولى أيقرأ بأم القرآن في الركعة الثانية؟ قال: نعم.
стр. 443
قال محمد بن رشد: هذا مثل ما في" المدونة " أنه يقرأ أم القرآن في الأربع ركعات، وعبد العزيز بن أبي سلمة لا يرى أن يقرأ أم القرآن إلا في الركعة الأولى والثانية، وهو القياس؛ لأن القراءة الثانية من الركعة الأولى؛ إذ لم يفصل بينهما سجود، ألا ترى أن من أدرك الركوع الثاني مع الإمام حمل عنه الإمام القراءتين جميعا وإن كان بينهما ركوع؛ لأنهما في حكم القراءة الواحدة. وقول مالك استحسان، وبالله التوفيق.
[مسألة: المصلي لنفسه في المكتوبة يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم]
مسألة وسئل عن المصلي لنفسه في المكتوبة، فقال: لا يقرأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. [قلت له: أرأيت الذي يقرأ لنفسه في النافلة بعد المغرب ركعتين أو غيرها من الصلوات، فقال: لا يقرأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ] إلا أن يكون رجلا يقرأ القرآن عرضا، يعني بذلك عرضه.
قال محمد بن رشد: قد مضى القول في هذه المسألة في رسم "نذر سنة" من سماع ابن القاسم مستوفى، فلا وجه لإعادته هنا.
[مسألة: الصلاة خلف من استؤجر لقيام رمضان يقوم بالناس]
مسألة وسئل عن الصلاة خلف من استؤجر لقيام رمضان يقوم بالناس، فقال: أرجو أن لا يكون بذلك بأس، إن كان بأس فعليه.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال: إنه لا بأس بالصلاة خلف من استؤجر لقيام رمضان؛ لأن الإجارة ليست عليه حرام، فتكون جرحة فيه تقدح في إمامته، وإنما هي له مكروهة، فتركها أفضل، ولا تكره إمامة من فعل ما تركه أفضل، كما لا تكره إمامة من ترك ما فعله أفضل من النوافل، ولم يحقق الكراهية في هذه الرواية، إذ قال فيها: إن كان بأس فعليه، وخففها
стр. 444
في غير ما كتاب من " المدونة "، ورأى ذلك في المكتوبة أشد لحرمتها ووجوبها عليه، فلم يبح الإجارة فيها على الإطلاق، إلا أن يكون في حيز التبع مما ينضاف إليها من الأذان والقيام على المسجد لعمارته. وقد روى علي بن زياد عن مالك أنه لا بأس أن يأخذ الرجل الإجارة على صلاة الفريضة؛ لأنه يلزمه أن يصليها لنفسه، ولا يأخذ ذلك في النافلة، حكى هذه الرواية بكر القاضي، ووجهها أن صلاة الفريضة لما كانت تلزمه علم أنه لم يعط الأجرة على ما يلزمه، وإنما أعطيها على ما لا يلزمه من أن يصليها في مسجدهم حيث يأتمون به، ولما كانت صلاة النافلة لا تلزمه خشي أن يكون إنما صلى بسبب الأجرة، ولولاها لم يصل، فكرهها لذلك. ووجه ما في " المدونة " من أن ذلك في الفريضة أشد هو أن الصلاة الفريضة، وإن كانت لا تلزمه في مسجد بعينه، فيلزمه من مراعاة أوقاتها وحدودها ما يخشى أن يكون لولا الأجرة لقصر في بعضها، والنافلة لا تلزمه أصلا، فكانت الإجارة عليها أخف؛ لأن الإجارة على ما لا يلزم الأجير فعله جائزة، وإن كان في ذلك قربة، أصل ذلك الأذان وبناء المساجد، والله أعلم، وبه التوفيق.
[مسألة: الإمام إذا قال سمع الله لمن حمده أيرفع يديه]
مسألة وسئل عن الإمام إذا قال: سمع الله لمن حمده، أيرفع يديه؟ قال: نعم، يرفع يديه ويرفع من وراءه أيديهم إذا قالوا: سمع الله لمن حمده، قيل: أيرفع يديه إذا قال: سمع الله لمن حمده أم يرجئ ذلك حتى يقول: ربنا ولك الحمد؟ فقال: إذا رفع رأسه من الركوع رفع يديه، وكذلك يفعل من وراءه، وليس رفع الأيدي بلازم، وفي ذلك سعة.
قال محمد بن رشد: قد مضت هذه المسألة والقول فيها موعبا في رسم "المحرم يتخذ الخرقة لفرجه"، من سماع ابن القاسم، ومضى منه شيء في أول رسم من هذا السماع، فلا معنى لإعادة شيء من ذلك.
стр. 445
[مسألة: صلى بالناس فقرأ قل هو الله أحد الله الصمد فقال رجل كذلك الله]
مسألة قال: وسئل مالك عن إمام صلى بقوم فقرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص: ٢] ، فقال رجل من ورائه: كذلك الله، أيعيد الصلاة؟ قال: لا.
قال أبو الوليد محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأنه إقرار لله بالتوحيد وبما عليه من صفات التنزيه، ولا يفسد الصلاة إلا ما كان من كلام الناس بغير ذكر الله، وسيأتي هذا المعنى قرب آخر هذا الرسم وفي سماع موسى بن معاوية، وبالله التوفيق.
[مسألة: رجل ذرعه القيء في المسجد النبوي يوم الجمعة]
مسألة وسئل مالك عن رجل ذرعه القيء في مسجد رسول الله ﷺ يوم الجمعة، فقاء قيئا كثيرا ليس فيه طعام، إنما هو ماء، أترى أن ينصرف من ذلك؟ فقال: لا والله أعلم، ما أرى أن ينصرف إن كان ليس إلا ماء، وأرى أن يأمر من ينزع ذلك من المسجد. قلت له: أرأيت من كان يصلي وهو أمامه أينصرف عنه؟ قال: ما ذلك عليه.
قال محمد بن رشد: قوله أترى أن ينصرف من ذلك، يريد أترى أن ينصرف عن صلاته ويقطعها لما أصابه فيها من ذلك؛ لأن معنى المسألة أن ذلك أصابه في الصلاة، فلم ير أن ذلك يقطع عليه صلاته إن كان ماء، ويقطعها إن كان طعاما، هذا الذي يدل عليه قوله، وهو له في " المجموعة " نصا من رواية ابن القاسم عنه، فأفسد الصلاة بما لا يفسد به
стр. 446
الصيام. والمشهور أن من ذرعه القيء لا تفسد صلاته كما لا يفسد صيامه، بخلاف الذي يستقيء طائعا، وهو قول ابن القاسم في أول رسم "استأذن" من سماع عيسى. واختلف قوله إن رده [بعد وصوله في فساد صلاته وصيامه، يريد إن رده ناسيا أو مغلوبا، وأما إن رده طائعا غير ناس فلا اختلاف في أن ذلك يفسد صومه وصلاته. وقد قيل: إن المغلوب أعذر من الناسي في فساد صومه وصلاته، ولا يوجب ذلك الوضوء وإن كان نجسا بتغيره عن حال الطعام إلى حال الرجيع أو ما يقاربه، إذ لا يوجب الوضوء على مذهب مالك إلا ما خرج من السبيلين من المعتاد على العادة باتفاق، أو على غير العادة باختلاف. وقوله: أرى أن يأمر من ينزع ذلك من المسجد، يريد على التنزيه للمسجد مما يستقذر لا على أن ذلك واجب، إذ ليس بنجس. وقد حكى مالك في " موطأه " أنه رأى ربيعة يقلس في المسجد مرارا وهو في المسجد، فلو كان القلس نجسا لما قلس في المسجد، فإذا لم يكن نجسا وهو ماء قد تغير عن حال الماء إلى أن صارت فيه حموضة، فكذلك يجب أن لا يكون القيء نجسا، وإن تغير عن حال الطعام، ما لم يكن تغيرا شديدا يشبه الرجيع أو يقاربه، والله أعلم، وبه التوفيق.
[مسألة: الصلاة على البسط]
مسألة وسئل عن الصلاة على البسط، فقال: ما يعجبني، ولو صلى لم أر عليه شيئا، ويصلي على غيرها أحب إلي، وما البسط إلا مثل الثياب الأكسية والسيجان، ولكن يصلي على الحصر والتراب والخشب. قيل فالصلاة على ثياب الكتان؟ فقال: ثياب الكتان مثل الكرسف، وكره الصلاة عليها.
стр. 447
قال محمد بن رشد: الاختيار أن يصلي على الأرض دون حائل؛ لأن ذلك من التواضع الذي هو الشأن في الصلاة. وقد روي أن رسول الله ﷺ قال. «يا رباح عفر وجهك في التراب» ، ولأنه العمل القديم؛ لأن مسجد مكة والمدينة كانا محصبين غير مفروشين، فالصلاة على حائل مكروهة إلا أن يكون الحائل مما يشاكل الأرض ولا يقصد به الترفه والكبر، كحصر الحلفاء والبردي والدوم وشبه ذلك مما تنبته الأرض بطبعها. وقد أجاز محمد بن مسلمة الصلاة على ثياب الكتان والقطن؛ لأنهما مما تنبته الأرض. والأظهر ما ذهب إليه مالك؛ لأن الأرض لا تنبتهما بطبعها؛ ولأن ذلك مما فيه الترفه. وإذا كانت العلة في هذا القصد إلى التواضع وترك ما فيه الترفه، فالصلاة مكروهة على حصر السيجان وما أشبهها مما يشترى بالأثمان العظام ويقصد به الكبر والترفه والزينة والجمال، والله أعلم.
[مسألة: الصلاة فوق السطوح التي ليست بمحظورة أيجعل بين يديه سترة]
مسألة وسألته عن الصلاة فوق السطوح التي ليست بمحظورة، أيجعل بين يديه سترة أم يصلي ولا يجعلها؟ فقال: يجعل سترة أحب إلي، فإن لم يقدر فأراه واسعا، وكذلك الصلاة في الصحاري إلى سترة، فإن لم يجد صلى إلى غير سترة. قلت له: ولا يجعل خطا؟ قال: لا يجعل خطا، وأرى ذلك واسعا. قلت له: فأدنى الذي يستر المصلي في صلاته؟ فقال: مثل مؤخرة الرحل في الطول على غلظ الرمح في الغلظ. قيل له: فعصا الحمار؟ فقال: ما أرى ذلك.
قال محمد بن رشد: في هذه الرواية السترة من هيئة الصلاة وشأنها وسنتها، فكره الصلاة دون سترة، وإن كان بمكان يأمن أن يمر فيه أحد بين
стр. 448
يديه. وعلى ما في " المدونة " إنما أمر المصلي بالسترة؛ لتكون سترة له ممن يمر بين يديه، [فإذا صلى بمكان يأمن أن يمر أحد بين يديه] جاز أن يصلي إلى غير سترة. وكذلك إن صلى على سطح غير محظور أرفع من قامة الإنسان جاز أن يصلي إلى غير سترة وإن مر الناس أمامه دون السطح. وقوله: لا يجعل خطا وأرى ذلك واسعا، [أي أرى واسعا أن] يصلي إلى غير سترة إذ لم يجد سترة، لا أنه رأى الخط إذا لم يجد سترة ووسع في تركه؛ لأن الخط عنده باطل لا يراه، وجد السترة أو لم يجدها. وقد روي أن أمة بالمدينة نظرت إلى ابن جريج وقد خط خطا يصلي إليه، فقالت: واعجبا لهذا الشيخ وجهله بالسنة! فأشار إليها أن قفي، فلما قضى صلاته قال: ما رأيت من جهلي؟ قالت: لأنك تخط خطا تصلي إليه، وقد حدثتني مولاتي عن أمها عن أم سلمة أن النبي ﷺ قال: «إن الخط باطل، وإن العبد إذا كبر تكبيرة الإحرام سدت ما بين السماء والأرض» ، فسألها تقفوه إلى مولاتها ففعلت، فحدثته بذلك فقال لها: تبيعينها مني أعتقها، فإنه ينبغي أن يحفظ من روى شيئا من العلم، قالت: ذلك إليها، فعرض ذلك عليها فقالت: لا حاجة لي بذلك؛ لأن مولاتي قد حدثتني عن أمها عن أم سلمة أن النبي ﷺ قال: «إذا اتقى العبد ربه ونصح مواليه فله أجران» فلا أحب أن أنقص أجرا، ولو كان هذا لقد كانت مولاتي عرضت ذلك علي على أن تعطيني من مالها بالعقيق ما يكفيني. وقوله في قدر السترة في الطول والغلظ هو مثل ما في " المدونة "، ولم ير أن يجتزئ في ذلك بقدر عصا الحمار في
стр. 449
الغلظ، وهو المنغاس، وكذلك لم ير في " المدونة " أن يجتزئ بالسوط لرقته؛ لأنه لا يثبت إذا أقيم، وقال ابن حبيب: لا بأس أن تكون السترة دون مؤخرة الرحل في الطول أو دون جلة الرمح في الغلظ، وقد كانت العنزة التي كانت تركز لرسول الله ﷺ دون الرمح في الغلظ. وإنما يكره من ذلك ما كان رقيقا جدا، قال: ولا يكون السوط سترة لرقته إلا أن لا يوجد غيره، وبالله التوفيق.
[مسألة: يقعد يقعد للناس يحدثهم بعد الظهر في المسجد]
مسألة قال: وكان عمر بن الخطاب يقعد بعد الظهر في المسجد.
قال محمد بن رشد: يريد: يقعد للناس يحدثهم بما يأتيه من أخبار الأجناد، ويحدثونه عن أحاديث النبي ﷺ . قال ذلك مالك في سماع ابن القاسم من الجامع عندما ذكر الصلاة بين الظهر والعصر، ففي هذا جواز التحدث في المسجد في الأمر المباح دون لغط ولا رفع صوت، وأن مذاكرة العلم في هذا الوقت أفضل من الصلاة. وقد مضى القول في هذا في رسم "صلى نهارا" من سماع ابن القاسم. ويحتمل أن يريد أنه كان يقعد فيه للحكم بين الناس والنظر في أمور المسلمين. وقد جاء في بعض الآثار عنه أنه بلغه أن أبا موسى الأشعري يقضي بالعراق في دار سكناه، فبعث إليه رسولا من المدينة وأمره أن يضرمها عليه نارا، فذهب الرسول إلى أن دخل العراق، فوافى أبا موسى في الدار يقضي، فنزل عن بعيره وأوقد النار في بابها، فأخبروا أبا موسى بذلك، فخرج فزعا، فقال له: ما بالك؟ فقال: أمرني أمير المؤمنين أن أضرمها عليك نارا لالتزامك القضاء فيها، ثم انصرف الرسول من فوره ذلك، فلم يعد أبو موسى إلى القضاء في داره. فلا ينبغي للقاضي أن يقضي إلا في المسجد؛ لأن ذلك أقرب إلى التواضع وليصل الناس إليه، فإن ضمته ضرورة إلى القضاء في داره فتح بابه ولم يحجب عنه أحدا، وبالله تعالى التوفيق.
[مسألة: حكم تارك الصلاة]
مسألة قال: وسألته عمن ترك الصلاة، قال: يقال له: صل، وإلا ضربت عنقه.
стр. 450
قال محمد بن رشد: يريد أنه تضرب عنقه إن أبى أن يصلي حتى خرج الوقت مغيب الشمس للظهر والعصر أو طلوعها للصبح، أو طلوع الفجر للمغرب والعشاء. وهذا ما لا اختلاف فيه في المذهب، وإنما الاختلاف هل يقتل على ذنب أو على كفر، فمن أهل العلم من رآه بترك الصلاة كافرا يقتل على الكفر، فلا يرثه ورثته على ظاهر ما روي عن النبي ﷺ من قوله: «من ترك الصلاة فقد كفر» ، «ومن ترك الصلاة فقد حبط عمله» ، «ومن ترك الصلاة حشر مع هامان وقارون» ، وقوله: «من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا فذلك المسلم له ذمة الله، ومن أبى فهو كافر وعليه الجزية» ، وقوله لمحجن: «ما منعك أن تصلي معنا ألست برجل مسلم؟» . وقول عمر بن الخطاب ﵁: ولا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة. وما أشبه ذلك من الآثار. وليس نفس ترك الصلاة كفرا على الحقيقة، وإنما هو دليل على الكفر، فمن رآه بترك الصلاة كافرا حكم له بحكم الكفر ولم يصدقه في قوله: إني مؤمن، إذا أبى أن يصلي، فهذا وجه تكفير تارك الصلاة، وهو بين قائم من قول أصبغ في سماع عيسى من كتاب المحاربين والمرتدين لمن تأمله، وأما من جحد فرض الصلاة فهو كافر بإجماع، يستتاب ثلاثا، فإن تاب وإلا ضربت عنقه، وبالله التوفيق.
[مسألة: الإمام يتعمد أن يقرأ بسورة فيها سجدة]
مسألة قلت له: سمعتك تكره للإمام أن يقرأ بسورة فيها سجدة مخافة اختلاط ذلك على من وراءه، أرأيت إن كان من خلفه قليلا
стр. 451
لا يخاف أن يخلط عليهم؟ فقال: لا أرى بذلك بأسا، وإن ناسا ليفعلون ذلك.
قال محمد بن رشد: معناه: فيما يجهر فيه، وكرهه في " المدونة " بكل حال؛ إذ لا يأمن أن يخلط على بعضهم وإن كانوا قليلا. وكره ذلك ابن القاسم للفذ وحكى أنه هو الذي رأى مالكا ينحو إليه، وذلك لما يخشى أن يدخل على نفسه بذلك من السهو، والله أعلم؛ إذ قد روي أن رسول الله ﷺ «كان يقرأ يوم الجمعة بسورة السجدة فسجد فيها، وبسورة "هل أتى على الإنسان» وبالله التوفيق.
[مسألة: المصلي يهوي إلى السجود، فإذا أراد أن يسجد ذكر أنه لم يركع]
مسألة وسألته عن المصلي يهوي إلى السجود، فإذا أراد أن يسجد ذكر أنه لم يركع، قال: يرجع قائما فيركع مكانه ويسجد، ولو أنه قرأ قبل أن يركع كان أحب إلي، ثم يركع ويسجد، فإذا قضى الصلاة سجد سجدتي السهو بعد السلام.
قال محمد بن رشد: وكذلك لو ذكر ذلك بعد أن سجد يرجع قائما فيركع ويلغي ما سجد، ولو ذكر وهو قائم في الثانية لركع وكانت له أولى صلاته، وسجد في جميع ذلك بعد السلام. ولا اختلاف أحفظه في هذه المسألة، وإنما الاختلاف فيمن كان مع الإمام فترك الركوع معه بسهو أو غفلة أو نسيان أو زحام أو اشتغال حتى سجد الإمام، وقد مضى القول في ذلك محددا في رسم "كتب عليه ذكر حق" من سماع ابن القاسم، وتأتي المسألة متكررة في أول سماع عيسى في رسم "لم يدرك منه".
[مسألة: تشبيك الأصابع في المسجد]
مسألة وسئل عن تشبيك الأصابع في المسجد أيكره ذلك؟ فقال:
стр. 452
لا، فقال له أبو المثنى: أخبرني من رأى عبد الله بن هرمز محتبئا قد شبك بين أصابعه، فقال مالك: إن ناسا ليصنعون ذلك.
قال محمد بن رشد: قد مضى القول في هذه المسألة في رسم "أوله نذر سنة " من سماع ابن القاسم مجردا، فأغنى ذلك عن إعادته هاهنا.
[مسألة: يأتي والإمام راكع فيركع معه ولا يدري أستمكن من الركوع أم لا]
مسألة وسئل عن الذي يأتي والإمام راكع فيركع معه، ولا يدري أركع فاستمكن من الركوع قبل أن يرفع رأسه أم لا، أيعتد بها؟ فقال: لا يعتد بها، وأحب إلي إن كان مثل هذا وخاف أن لا يدري أركع معه أم سبقه بالركوع أن يدع الركوع معه؛ لئلا يخلط على نفسه فلا يدري أهي من صلاته أم لا. ومن الأئمة أئمة يمكنون الناس حتى يركعوا، ومن الأئمة أئمة يعجلون فلا يستمكن معهم.
قال محمد بن رشد: قوله: لا يعتد بها، معناه أنه يلغيها ويقضيها بعد سلام الإمام ويسجد بعد السلام، فجعله كمن شك في ركعة وهو مع الإمام، ولم يراع قول من قال إن الركعة تجزئه وإن شك في تمكنه فيها مع الإمام، أو لعله راعاه وأخذ بالإلغاء كمن ترك قراءة أم القرآن في ركعة. وقال ابن القاسم في رسم "جاع " من سماع عيسى: إنه يسلم مع الإمام ويعيد الصلاة ولا يأتي بركعة مخافة أن تكون خامسة، إذ قد قيل: الركعة مجزئة عنه وإن شك في تمكنه فيها مع الإمام، وهو قول مالك في مختصر ما ليس بالمختصر لابن شعبان، قال: لا أحب أن يركع معه إذا خاف أن لا يدرك الركعة مخافة أن يخلط على نفسه، فإذا ركع وشك فلا أرى أن يعيد تلك الركعة، وذكر عن مجاهد أنه كان يقول: إذا وضعت كفيك على ركبتيك فقد أدركت الصلاة. فيتحصل في المسألة ثلاثة أقوال كمن ترك قراءة الحمد في ركعة: أحدها: أنه
стр. 453
يعتد بالركعة وتجزئه صلاته، والثاني: أنه لا يعتد بها ويلغيها ويقضيها، والثالث: أنه يعتد بها ثم يعيد الصلاة احتياطا، وبالله التوفيق.
[مسألة: صلى بسورة فخنقته العبرة فسكت فتركها وقرأ بأخرى]
مسألة قال: وقال لي مالك: قرأ عمر بن عبد العزيز: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ [الليل: ١] حتى انتهى إلى ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى﴾ [الليل: ١٤] ، فخنقته العبرة فسكت، ثم عاد فقرأ حتى بلغها فخنقته العبرة فسكت، فلما رأى ذلك تركها وقرأ: ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ﴾ [الطارق: ١] .
قال محمد بن رشد: هذا من فعل عمر بن عبد العزيز نهاية الخوف لله تعالى، ومن بلغ هذا الحد فهو من أهل الجنة بفضل الله تعالى، قال الله : ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٤٦] . وقد روى الصلت عن ابن القاسم أنه لا يطلق على من حلف بالطلاق أن عمر بن عبد العزيز من أهل الجنة. وسئل مالك عن ذلك فتوقف وقال: عمر بن عبد العزيز إمام هدى -أو قال: رجل صالح- وفضائله ﵁ أكثر من أن تحصى. وقول ابن القاسم بالصواب أولى؛ لأن الأمة قد أجمعت على الثناء عليه والشهادة عليه بالخير، وهي معصومة. قال رسول الله ﷺ «-: "لن تجتمع أمتي على ضلالة» ، وقال: «أنتم شهداء الله في الأرض، فمن أثنيتم عليه بخير وجبت له الجنة، ومن أثنيتم عليه بشر وجبت له النار» ، وبالله التوفيق.
стр. 454
[مسألة: يسبق الإمام بالسجود ثم يسجد الإمام وهو ساجد]
مسألة وسألته عن الذي يسبق الإمام بالسجود ثم يسجد الإمام وهو ساجد، أيثبت الرجل على سجوده [أم يرفع رأسه ثم يسجد حتى يكون سجوده بعد سجود الإمام؟ فقال: بل يثبت على سجوده كما هو] إذا أدركه الإمام بسجوده وهو ساجد.
قال محمد بن رشد: وكذلك الذي يسبق الإمام بالركوع يرفع ما لم يركع الإمام، فإن ركع الإمام ثبت على ركوعه ولم يرفع رأسه حتى يكون ركوعه بعد ركوع الإمام. ولا كلام في هذين الوجهين، وإنما الكلام إذا سبق الإمام بالرفع من الركوع أو السجود، فحكى ابن حبيب أن ذلك بمنزلة الذي يسبق الإمام بالسجود أو الركوع، يرجع راكعا أو ساجدا حتى يكون رفعه مع الإمام، إلا أن يلحقه الإمام قبل أن يرجع، فليثبت معه بحاله ولا يعود إلى الركوع ولا إلى السجود، وهو محمول عند من أدركنا من الشيوخ على أنه مذهب مالك ﵀ وقد رأيت له نحوه في " النوادر " من رواية ابن القاسم. وقد روي عن عمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود أنهما قالا: "إذا رفع أحدكم رأسه والإمام ساجد فليسجد، فإذا رفع الإمام رأسه فليمكث قدر ما رفع قبله"، بدليل ما روي عن النبي ﷺ من قوله: «لا تبادروني إلى الركوع والسجود، فإني قد بدنت، وإني مهما أسبقكم به إذا ركعت تدركوني إذا رفعت، ومهما أسبقكم به إذا سجدت تدركوني به إذا رفعت» ، ومن قوله: «إن الإمام يسجد قبلكم ويرفع قبلكم فتلك بتلك» ؛ لأن ذلك يدل على وجوب قضاء ما سبقه به الإمام من الركوع والسجود حتى يستوفي قدر
стр. 455
ركوع الإمام وسجوده. فإذا وجب على من رفع من ركوعه أو سجوده قبل الإمام فرجع إلى الركوع أو السجود أن يثبت راكعا أو ساجدا بعده قدر ما رفع قبله؛ ليستوفي قدر ركوع الإمام أو سجوده على ما روي عن عمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود، وعلى ما دل عليه ما روي عن النبي ﷺ وجب على من رفع من ركوعه أو سجوده قبل الإمام فلحقه الإمام قبل أن يرجع إليهما حتى يقضي ما فاته منهما. وقد حكى ابن سحنون أنه رأى أباه سحنونا يفعل ذلك.
فإن قال قائل: إذا لزمه أن يرجع إلى الركوع والسجود ليستوفي ما فاته منهما، فيلزمه أيضا في الذي يسبق الإمام بسجوده ثم يسجد الإمام وهو ساجد أن يرجع إلى القيام ليستوفي ما فاته منه.
قيل له: لا يلزم ذلك. والفرق بين الموضعين أن الركوع والسجود شرع فيهما التطويل، فانبغى أن يقضي ما فاته منهما، والقيام بعد الركوع لم يشرع فيه التطويل، فلم يجب أن يقضي ما فاته منه، وكذلك الجلوس بين السجدتين، ولا يلزمنا على هذا القيام قبل الركوع، إذ قد شرع فيه التطويل؛ لأنه موضع مخصوص بالإجماع، والله أعلم.
[مسألة: حمل رسول الله ﷺ لأمامة بنت زينب في الصلاة]
مسألة قال: وسألته عن حمل رسول الله ﷺ أمامة بنت زينب بنت رسول الله ﷺ على رقبته يحملها إذا قام ويضعها إذا سجد، أذلك جائز للناس اليوم على حب الولد أو الضرورة؟ فقال: ذلك جائز على حال الضرورة إلى ذلك، فأما من يجد من يكفيه ذلك فلا أرى ذلك ولا أرى ذلك على حب الرجل ولده.
قال محمد بن رشد: حمل مالك ﵁ ما روي عن النبي ﷺ من هذا على أنه إنما فعله لحاجة وضرورة، فأجاز ذلك عند الضرورة، ولم يجز ذلك لغير الضرورة ولا على حب الرجل ولده. فإن فعل
стр. 456
ولم يشغله عن صلاته فلا إعادة عليه، قاله ابن القاسم في سماع موسى بن معاوية، وينبغي أن يحمل على التفسير؛ لقول مالك: وليس في الأحاديث ما يدل على أن رسول الله ﷺ فعل ذلك من ضرورة، وظاهرها العموم. وقد ذهب بعض العلماء إلى أن ذلك كان في أول الإسلام، وحين كان يجوز في الصلاة الكلام، ثم نسخ ذلك كما نسخ الكلام، فروي «عن زيد بن أرقم قال: كنا نتكلم في الصلاة حتى نزلت: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨] ، فأمرنا بالسكوت والقنوت والخشوع والإقبال على الصلاة وترك الاشتغال بغيرها من فعل ومن قول» . وقد مضى العمل في الصدر الأول وما بعده على ترك مثل هذه الأفعال في الصلاة، فدل على أنهم علموا النسخ فيها؛ إذ لا يجمعون على خلاف ما فعله رسول الله ﷺ إلا بعد ثبوت نسخ ذلك عندهم، والله أعلم.
[مسألة: الرجل يدخل المسجد يصلي والصبي أمامه في الصف]
مسألة وسئل عن الرجل يدخل المسجد يصلي والصبي أمامه في الصف وهو ممن لا يتحفظ في الوضوء، فقال: أرجو أن يكون ذلك واسعا.
قال محمد بن رشد: قوله: أرجو أن يكون ذلك واسعا يدل على أن الاختيار عنده أن يتنحى عنه حتى لا يكون في قبلته، وسيأتي بيان هذا في رسم "الجواب" من سماع عيسى.
[مسألة: المسافرين ينزلون بالقرية فيحبسهم الرجل فيقدموه ليتم بهم الصلاة]
مسألة وسئل عن المسافرين ينزلون بالقرية، فيحبسهم الرجل من أهل القرية، فيريدون أن يقدموه ليتم بهم الصلاة. فقال: لا أحبه،
стр. 457
أحب إلي أن يقدموا رجلا منهم ليقصر بهم. قال: وبلغني أن سالم بن عبد الله كان يسافر، فيقال له إذا نزل القرية: هذا أمير القرية وهذه الصلاة وهذه الجمعة، فلا يأتيه. قلت له: ولم ترك ذلك يا أبا عبد الله؟ فقال: أرى ذلك أنه يجب أن يصلي صلاة المسافر ويكون على حاله، ما كان ألزم الناس لما أدركوا عليه أوليتهم وما ذلك بسواء. أما إذا نزل المسافرون برجل في غنمه أو قريته، فأرادوا أن يجمعوا معه فأرى ذلك ولا أرى به بأسا؛ لأنه أحق بمنزله ومسجده، وكان ابن عمر يصلي بمنى مع الإمام أربعا، فإذا صلى وحده صلى ركعتين. ولقد كان منزله واسعا لو شاء صلى وحده، فما أرى بذلك بأسا. قال: وصاحب المنزل أولى بالصلاة بهم، فقلت: وإن كان عبدا؟ قال: نعم وإن كان عبدا. وقد كان عبد لعائشة يؤمها في الصلاة وعندها ناس يصلي بها وبهم. قلت له: أيؤم العبد في رمضان؟ قال: أما في مساجد الجماعات فلا، وأما في أهله فلا بأس بذلك.
قال الإمام أبو الوليد: قد مضى في أول رسم من سماع ابن القاسم وفي رسم "شك في طوافه" منه القول في تقديم المسافرين للمقيم ليتم بهم الصلاة، وفي رسم "باع غلاما منه " الوجه في كون صاحب المنزل أولى بالإمامة فيه، فلا معنى لإعادة شيء من ذلك هنا، وبالله التوفيق.
[مسألة: يأتي المسجد المرتفع المعلق والصلاة قائمة أيصلي تحته بصلاته]
مسألة وسئل عن الذي يأتي المسجد المرتفع المعلق على العمد والصلاة قائمة فلا يجد فيه موضعا، أيجزئه أن يصلي تحته بصلاته؟ فقال: ما يعجبني أن يصلي أمامه، ولكن لو صلى في الفضاء من
стр. 458
ورائه. فقلت له: أرأيت القوم يكونون في السفينة فتضيق عنهم فيكون بعضهم فوقها وبعضهم فيها، فقال: ليس السفينة مثل هذا ولا بأس بذلك، صاحب السفينة في البحر لا يجد بدا من ذلك. قيل له: فأين أحب إليك أن يكون الإمام؟ فقال: لا أدري أي ذلك أصوب؟ أرأيت لو لم تضق السفينة أين كان يكون الإمام؟ قيل: أرأيت إذا كان القوم تضيق عليهم السفينة حتى لا يقدروا أن يصلوا إلا جلوسا، أيصلون؟ قال: إن كانوا لا يقدرون على البر ولا على الصلاة قياما فأرى ذلك لهم.
قال محمد بن رشد: مذهب مالك ﵀ أن الإمام إذا صلى بقوم في موضع مرتفع جاز للرجل أن يصلي بصلاته في موضع أخفض منه، إلا أن يكون أمام الإمام، فإنه يكره ذلك له ابتداء، فإن فعل أجزأته صلاته. هذا معنى قوله في " المدونة "، وهو نص قوله في هذه الرواية في المسجد المرتفع المعلق على العمد. وأجاز في السفينة إذا صلى الإمام فوقها بمن معه أن يصلي من فيها بصلاتهم وإن كانوا أمام الإمام؛ إذ لا يجدون من ذلك بدا كما قال؛ لأنه موضع ضرورة.
وكذلك على مذهبه إذا صلى الإمام بقوم في موضع منخفض جاز للرجل أن يصلي صلاتهم في مكان أرفع منه؛ لأنه لم يكره في " المدونة " الصلاة على قيقعان وأبي قبيس بصلاة الإمام في المسجد الحرام إلا من أجل بعدهما عن الإمام مع ارتفاعهما، لا من أجل ارتفاعهما خاصة، إلا أن يكون الموضع الذي صلى عليه ظهر المسجد والإمام مع جماعته داخل المسجد، فاختلف في ذلك قول مالك في " المدونة " أجازه مرة وكرهه أخرى، بخلاف الجمعة؛ إذ لم يختلف قوله في أن الجمعة لا يصليها أحد فوق ظهر المسجد، فإن فعل أعاد في الوقت وبعده، قاله ابن القاسم في " المدونة "، ومالك في " المبسوطة "، وقيل: لا إعادة عليه، وهو قول أشهب ومطرف وابن الماجشون وأصبغ في " المدنية "، وقال ابن الماجشون: جائز للمؤذن أن
стр. 459
يصلي الجمعة فوق ظهر المسجد؛ لأنه موضع أذانه، وظهر السفينة هو موضع الركوب، فإن ضاقت السفينة عن أهلها فكان بعضهم فوقها وبعضهم أسفلها صلى الذين فوق بإمام، والذي أسفل بإمام، قاله في " المدونة "؛ لأنهما موضعان، فإن لم يكن لهم إلا إمام واحد فالاختيار أن يكون فوق حيث معظم الناس، وهو ظاهر قوله في هذه الرواية: أرأيت لو لم تضق السفينة أين كان يكون الإمام؟ بخلاف المسجد إذا كان له طبقتان لا يجوز أن يصلي في كل طبقة إمام، ويصلي الإمام بالجماعة في إحدى الطبقتين، فإن لم تحمل الطبقة الواحدة الجماعة فالاختيار أن يصلي الإمام أسفل، ويصلي فوق من الناس من ضاقت عنهم الطبقة، فإن صلى الإمام فوق وصلى أسفل من الناس من ضاقت عليهم الطبقة العليا جاز، ولا ينبغي أن يكون الإمام وحده دون الجماعة في موضع أرفع منهم ولا أخفض إلا أن يكون ذلك يسيرا، فإن فعل بقصد إلي ذلك لتكبره عليهم أو تكبرهم عليه أعادوا في الوقت وبعده؛ لأنهم عابثون. وإن صلى الإمام في مكان أرفع ممن خلفه من غير قصد إلى ذلك، مثل أن يكون الإمام فوق سقف السفينة والقوم تحته فيصلون على حالهم فقد أساؤوا، وصلاتهم تامة. وكذلك لو افتتح الرجل صلاته في موضع مرتفع فأتى قوم فائتموا به. واختلف إذا كان الإمام أسفل والقوم فوق السقف، فقال في " المدونة ": لا بأس بذلك. وعلى ما في سماع موسى بن معاوية لا ينبغي ذلك؛ لأنه قال: إذا كان الإمام أرفع ممن خلفه، أو كان من خلفه أرفع منه فلا بأس به إذا تقارب ذلك فساوى بين الوجهين.
[يشد جبهته بالأرض حتى يؤثر فيها السجود فيبدو ذلك للناس]
مسألة وقد رأى سعد بن أبي وقاص رجلا بين عينيه سجدة، فدعاه فقال: منذ متى أسلمت؟ فقال: منذ كذا وكذا، فقال له سعد: فأنا قد أسلمت منذ كذا وكذا، فهل ترى بين عيني شيئا؟
قال محمد بن رشد: كره له سعد ﵁ أن يشد جبهته
стр. 460
بالأرض حتى يؤثر فيها السجود فيبدو ذلك للناس؛ إذ ليس ذلك المراد بقول الله : ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ [الفتح: ٢٩] ، وإنما هو ما يعتريهم من الصفرة والنحول بكثرة العبادة أو سهر الليل، وقيل: إن ذلك في الآخرة لا في الدنيا، ولعله اتهمه أن يكون قصد بذلك ليعرف به؛ فلذلك وبخه بما قرره عليه في الرواية، والله أعلم. وقد روي أن عمر بن عبد العزيز استعمل عروة بن عياض على مكة، فاستعداه عليه رجل ذكر أنه سجنه في حق، فلم يخرجه من السجن حتى باع ماله منه بثلاثة آلاف وقد كان أعطاه به ستة آلاف، فأبى أن يبيعه منه واستحلفه بالطلاق ألا يخاصمه في ذلك أبدأ، فنظر عمر إلى عروة ونكت بالخيزران بين عينيه في سجدته ثم قال: هذه غرتني منك -لسجدته- ولولا أني أخاف أن تكون سنة من بعدي لأمرت بموضع السجود فقور، ثم قال للرجل: اذهب فقد رددت عليك مالك ولا حنث عليك. وبالله التوفيق.
[مسألة: أذان الصبي وإقامته وإمامته للبالغين]
مسألة وسئل: أيكره من أذان الصبي وإقامته ما يكره من إمامته؟ فقال: نعم، لا يؤذن الصبي ولا يقيم إلا أن يكون مع نساء أو في الموضع الذي لا يوجد غيره، يغيب الرجل فيؤذن لهم ويقيم كذلك.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن المؤذن معلم بالأوقات، مؤتمن على مراعاتها، مصدق قوله فيها؛ لقول رسول الله ﷺ : «الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن» فلا يصح أن يؤتمن ويصدق إلا من تعلم أمانته وتجوز شهادته، وبالله التوفيق.
следующие страницы →