Полный текст (9 112 стр.). Показаны 4061–4100 · переход к 4066.
стр. 4061
قال محمد بن رشد: هذا صحيح على معنى ما في المدونة أنه إن انصرف فارغا وترك الرفع إلى السلطان أو التلوم والإشهاد إن كان في موضع لا سلطان فيه فيلزمه الرجوع إلى ذلك الموضع ليحمل (له) مثل ذلك القمح.
وسواء على مذهب ابن القاسم، كان الكراء موجودا بذلك المكان أو غير موجود، وقال ابن وهب: إن كان الكراء بذلك الموضع موجودا انفسخ الكراء فلم يكن له كراء ولا كان عليه أن يرجع ثانية، وإن كان الكراء بذلك الموضع غير موجود كان له كراؤه ولم يكن عليه أن يرجع ثانية، وسيأتي القول على هذه المسألة مستوفى في (أول) سماع ابن القاسم من كتاب الرواحل والدواب، إن شاء الله تعالى، وبه التوفيق.
[مسألة: تعذر بلوغ المكان المحدد لأمر خارج عن إرادة الأجير]
مسألة وقال، في رجل تكارى من نوتي إلى الإسكندرية، فلما بلغ المليوس وقف المركب من قلة الماء، قال: يحاسبه على قدر ما بلغ من الكراء، قيل له: فإن النوتي ظن أنه يلزمه حمولته إلى الإسكندرية، فاكترى على ذلك المتاع من المليوس بمثل كرائه حتى بلغ به الإسكندرية، قال: لا شيء للنوتي لو شاء لم يفعل؛ لأن ذلك ليس عليه هو في موضع يجد السلطان فيخاصمه إليه حتى يفسخ عنه، قيل له: أرأيت لو أن المركب وقف في موضع ليس فيه أحد ولا يجد فيه سلطانا فخشي أن يهلك ذلك المتاع
стр. 4062
واكترى عليه؟ قال: لعل هذا وهذا لا يشبه عندي الأول؛ لأنه في موضع يخشى وهو لا يجد السلطان.
قال محمد بن رشد: إذا كان الحكم إذا وقف المركب في الطريق من قلة الماء أن يأخذ صاحب المتاع متاعه بذلك الموضع ويحاسب الكري فيكون له من كرائه على قدر ما سار من الطريق، فالنوتي في كرائه على المتاع وحمله محط على صاحبه فيه، فإذا كان صاحب المتاع لا بد له من الكراء على المتاع من حيث وقف المركب إلى حيث أكرى عليه النوتي. فقول ابن القاسم: إنه لا شيء له فيما حمله لو شاء لم يفعل - معارض لقوله في الذي يكري على حمل الحمل، فيخطئ ويحمل غيره أنه (إن) أراد أخذ الحمل لم يكن له إلا أن يغرم له الكراء، وفي الذي استأجر حصادين على أن يحصدوا زرعا له، فحصدوا زرعا لغيره أو استأجر أجراء ليحرثوا له أرضا فحرثوا أرضا لغيره أن على الذي حُصد زرعه أو حُرثت أرضه أن يغرم للأجراء قيمة عملهم إن كان لا بد له من الاستيجار على ذلك، مثل قول أشهب في نوازل أصبغ في مسألة الكري يخطئ فيحمل غير الحمل الذي اكترى على حمله.
وأما إن كان المركب وقف في موضع ليس فيه سلطان ولا أحد، وخشي النوتي أن يهلك المتاع فأكرى عليه، فوجوب الكراء له على صاحب المتاع بيّن، على قول مالك في المدونة وغيرها في الذي يلتقط المتاع، فيحمله إلى موضع من المواضع، أن ربه لا يأخذه إلا أن يدفع إلى الذي حمله الكراء الذي حمله به، وبالله التوفيق.
[مسألة: الزيادة والنقص في مدة الإجارة]
مسألة قال ابن القاسم، في رجل تكارى دارا سنة بدينار فإن زاد
стр. 4063
فبحسابه، وإن نقص من السنة فبحسابه، قال: لا بأس بهذا ما لم ينقد الدينار.
قال محمد بن رشد: قد تقدمت هذه المسألة والقول عليها في رسم نذر سنة من سماع ابن القاسم فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.
[مسألة: خطأ الحمال في الحمل]
مسألة قال ابن القاسم، فيمن تكوري منه على حمولة متاع فأخطأ الحمال فحمل غيره، فصاحب المتاع مخير بين أن يدفع الكراء أو يكون له قيمة متاعه في البلد الذي حمل منه، قال: فإن كان ذلك من الحمال تعديا كان صاحب المتاع مخيرا بين قيمة متاعه أو يأخذ متاعه بالبلد الذي حمل إليه، ولا كراء للحمال على صاحب المتاع.
قال محمد بن رشد: أما إذا تعدى الحمال فحمل ما لم يستأجر على حمله فلا اختلاف في أن صاحب الحمل بالخيار بين أن يضمن الحمال قيمة الحمل بالموضع الذي حمله منه، وبين أن يأخذه في الموضع الذي حمله إليه ولا يكون للحمال في حمله كراء لقول النبي ﵇: «ليس لعرق ظالم حق» ، وأما إذا أخطأ في حمله وظن أنه هو الذي استحمل إياه فلصاحب الحمل أن يضمنه قيمته بالموضع الذي حمله منه، واختلف إن أراد أن يأخذه في الموضع الذي حمله إليه، هل عليه أن يغرم للحمال كراءه أم لا؟ - على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه لا يأخذه إلا أن يغرم الكراء للحمال، وهو
стр. 4064
قول ابن القاسم هاهنا، وفي نوازل أصبغ من كتاب الرواحل والدواب، وقول ابن وهب ومطرف فيه.
والثاني: أن له أن يأخذه ولا شيء عليه من غرم الكراء، وهو قول أشهب في نوازل أصبغ من كتاب الرواحل والدواب، وقياس قول ابن القاسم فوق هذا في مسألة المركب يقف في بعض الطريق من قلة الماء، وظاهر قوله في أول مسألة من سماع يحيى من كتاب البضائع والوكالات في مسألة الخصام.
والثالث: أن له أن يأخذه ولا كراء عليه إلا أن يكون عازما على أن يبلغه إلى ذلك المكان فيكون عليه إذا اختار أخذه كراء مثله إلى ذلك المكان لا الكراء الذي أكراه به، وهو قول ابن حبيب في الواضحة وقياس قول ابن القاسم بعد هذا في مسألة الذي يستأجر الأجراء لحصاد زرعه أو حرث أرضه فيخطئون فيحصدون زرعا لغيره، أو يحرثون أرضا لغيره، وحكى ابن حبيب عن أصبغ أن لرب الحمل أن يكلف الحمال رد الحمل الذي أخطأ به إلى البلد الذي حمله منه، ويكون في ضمانه حتى يرده إلى موضعه.
ولا اختلاف بينهم أن على الحمال أن يرجع فيحمل الحمل الذي تكوري على حمله، وبالله التوفيق.
[مسألة: كنس مراحيض الدور المكتراة على من يكون]
مسألة وقال: كنس المراحيض على السكان إلا أن تكون دور الفنادق فإن كنس مراحيضها على المكري.
قال محمد بن رشد: اختلف في كنس مراحيض الدور المكتراة، فقيل: إنها على السكان، وهو قول ابن القاسم في هذه الرواية.
وقيل: إنها
стр. 4065
على أصحاب الدور، وهو قول ابن القاسم في رواية ابن أبي جعفر عنه أن كنس التراب والمرحاض على صاحب المنزل، إلا أن يكون اشترط ذلك على الساكن.
قال: ولا يجوز أن يشترطه عليه إلا أن يكون نقيا وهو قول أشهب إنه على صاحب الدار إذا لم يكن لهم في ذلك سنة يحملون عليها، ولم يختلف في هذا قول أشهب ولا اضطرب في أصله، وقد ذكرنا ذلك في رسم باع شاة من سماع عيسى من كتاب جامع البيوع، وفي المدونة دليل على القولين جميعا.
وأما دور الفنادق التي تكرى مشاهرة إلى غير أمد معين من المسافرين وغيرهم، فلا اختلاف في أنه لا شيء من ذلك على السكان فإن أكرى صاحب الفندق فندقه جملة لعام أو أعوام من متقبل يكريه من السكان فيه دخل الاختلاف المذكور في ذلك، هل يكون الكنس على صاحب الفندق؛ أم على المتقبل له للعام أم للأعوام؟ وبالله التوفيق.
[مسألة: تأجير القارب على قدر غير معلوم من الصيد]
مسألة وعن رجل كان له قارب وشبكة فدفعها إلى صياد على أن يصيد له يومين ولنفسه يوما، قال: أرجو أن يكون خفيفا إن كان ذلك قريبا، قيل: شهرين، فرأيته يستكثر شهرين.
قال محمد بن رشد: قد مضى قبل هذا في هذا السماع من
стр. 4066
تكلمنا على الذي يدفع دابته إلى الرجل على أن يعمل عليها يوما له ويوما لصاحب الدابة - ما يغني عن القول في هذه المسألة لاتفاقهما في المعنى، وبالله التوفيق.
[مسألة: أخطأ الحصادون فحصدوا زرعا غير محل الإجارة]
مسألة وسئل: عن رجل استأجر حصادين على أن يحصدوا زرعا له فذهبوا فحصدوا زرعا لغيره هو قريب من زرعه.
قال: إن كان الخطأ جاء من قبل الأجراء فإنه ينظر إلى صاحب ذلك الزرع، فإن كان له أجراء وعبيد، يريد أنه لا يحتاج إلى الإجارة في حصاد زرعه لم يكن عليه شيء وبطل عملهم، وإن كان الخطأ جاء من قبل صاحب الزرع، قال لهم: احصدوا لي هذا الزرع، وهو يظن أنه زرعه، وكان صاحب ذلك (الزرع) لا أجراء له ولا عبيد، ولا بد له من أن يستأجر على حصاد زرعه، فإن عليه أن يدفع إلى الذي استأجر الحصادين قيمة عمل الأجراء، ويكون للأجراء على الذي استأجرهم أجرتهم التي استأجرهم عليها.
قال محمد بن رشد: قد مضت هذه المسألة متكررة والقول فيها في آخر كتاب الجعل والإجارة فلا معنى لإعادة القول فيها، والله الموفق.
стр. 4067
[مسألة: أخطأ الحراثون فحرثوا زرعا غير محل الإجارة]
مسألة وسئل: عن رجل استأجر أجراء يحرثون له أرضا فذهب الأجراء فحرثوا أرضا إلى جنب أرضه وهم لا يعلمون وإنما جاء الخطأ من قبل الأجراء، أترى على صاحب الأرض التي حرثت أرضه أجر ما عملوا؟ قال: إن زرعها وانتفع بذلك الحرث كان عليه ذلك، وإن لم ينتفع به وقال لم أرد زرعها وإنما أردت أن أكريها، فلا أرى عليه شيئا.
قال محمد بن رشد: وهذه أيضا قد تقدمت في آخر كتاب الجعل والإجارة متكررة والقول فيها، فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.
[مسألة: تعذر البناء في البقعة محل الإجارة]
مسألة وسئل: عن رجل استأجر له بنّاء يبني له دارا بالريف بموضع معروف على صفة معروفة، فذهب البناء إلى الريف فيجد البقعة قد استحقت فيرجع، قال: أرى له إجارته ذاهبا، ولا أرى له في رجوعه شيئا.
قال محمد بن رشد: وهذه المسألة أيضا قد مضت متكررة في آخر كتاب الجعل والإجارة، ومضى القول عليها هناك، فلا معنى لإعادته وبالله تعالى التوفيق لا شريك له.
تم كتاب كراء الأرضين بحمد الله تعالى.
стр. 4068
[: كتاب الرواحل والدواب] [: الإجارة على رد الضالة أو الآبق]
стр. 4069
من سماع ابن القاسم من مالك رواية سحنون من كتاب الرطب باليابس قال سحنون: أخبرني ابن القاسم، قال: سمعت مالكا قال في رجل تكارى دابة في طلب ضالة أو آبق وسمى بلدة من البلدان بكراء مسمى على أنه إن وجد دابته أو غلامه دون ذلك الموضع رجع، وكان عليه بحساب ذلك من الكراء بقدر ما تكارى وقدر ما سار من الطريق.
قال: لا أرى به بأسا إذا لم ينقد، فأما إن قال: إن وجدت حاجتي بمكان كذا وكذا فلك كذا وكذا، وإن لم أجدها بمكان كذا وكذا فلك كذا وكذا، وذلك بحثان فأنا أكرهه وأراه مخاطرة.
قال محمد بن رشد: أما إذا اكترى الدابة إلى بلد مسمى في حاجة أو طلب دابة أو آبق على أنه إن وجد حاجته أو ضالته بالطريق
стр. 4070
رجع وسقط عنه من الكراء بحساب ما بقى من الطريق.
فقوله: إن ذلك جائز إذا لم ينقد - هو عند مالك على مذهبه بترك الاعتبار بعلة الأطماع مثل قوله في رسم نذر سنة من سماع ابن القاسم من كتاب كراء الدور والأرضين في الذي يكتري الدار سنة على أنه إن خرج قبل السنة حاسبه بما سكن، ومثل قوله بعد هذا في هذا الكتاب في رسم الشجرة، ورسم باع غلاما من هذا السماع، ومثل ما في المدونة أيضا من قول ابن القاسم وروايته عن مالك في الذي يستأجر الأجير شهرا على أن يبيع له ثوبا، على أن المستأجر متى شاء أن يترك ترك، إن ذلك جائز إذا لم ينقد لأنها إجارة بخيار.
وسحنون لا يجيز هذه المسألة على ما قاله في رسم الشجرة بعد هذا، وإن لم ينقد، ولا مسألة المدونة، بخلاف مسألة الذي يكتري الدار سنة على أنه متى شاء أن يخرج خرج، هذا جائز عنده وعند الجميع ما لم ينقد، وإنما لم تجز هذه المسألة عند سحنون ولا مسألة المدونة المذكورة؛ لأنه يراه مجهلة في الكراء والإجارة.
وقال الفضل في مسألة المدونة: إنما لم يجز ذلك عند سحنون؛ لأنه كراء بخيار إلى أمد بعيد، وليس كما قال؛ لأنه إنما هو بالخيار في الجميع الآن، وكلما مضى من الشهر شيء كان بالخيار فيما بقي، فليس كالسلعة التي يشتريها على أنه بالخيار فيها مدة طويلة؛ لأنه يحتاج إلى توقيفها إلى انقضاء أمد الخيار، فلذلك لا يجوز، وليس ذلك في الإجارة والكراء، إلا أن يكتري الدابة على أن يركبها بعد شهر، أو يستأجر الأجير على أن يخدمه بعد شهر على أنه بالخيار في الإجارة والكراء إلى انقضاء الشهر، وإنما لم يجز ذلك عند سحنون لأنه عنده غرر وإن لم ينقد لانفساخ الإجارة فيما بقي من الشهر ببيع الثوب، كما أن كراء الدابة عنده إلى بلد في حاجة على أنه إن
стр. 4071
وجد حاجته دون البلد (رجع) وكان له بحساب ما سار غرر لانفساخ الكراء فيما بقي من الأمد، فهذه هي العلة عنده في المسألتين جميعا، لا الخيار إلى أمد بعيد كما قال الفضل؛ لأنه إذا جاز أن يكتري الرجل الدار سنة بكذا على أن كل واحد منهما بالخيار يخرج المكتري متى ما أراد ويخرجه رب الدار متى ما أراد جاز على أن أحدهما بالخيار قياسا على البيع الذي يجوز على أن أحد المتبايعين فيه بالخيار كما يجوز على أنهما جميعا فيه بالخيار، وأما إذا اشترط في كراء الدابة إلى البلد المسمى أنه إن لم يجد حاجته بالبلد الذي تكارها إليه تقدم بها إلى موضع آخر، ففي ذلك ثلاثة أقوال: أحدها: أن ذلك لا يجوز إلا أن يسمى الموضع الذي شرط أنه بالخيار في أن يتقدم إليه ويكون تبعا للكراء الأول وبحسابه، فإن لم يكن تبعا للكراء الأول أو كان بخلافه أرخص أو أغلى أو مبهما لا يدرى إن كان بحسابه أم لا؟ إلا بعد (النظر) لم يجز.
وهو مذهب ابن الماجشون لعلة الأطماع، وذلك أنه لم يكر منه الوجيبة الأولى إلا رجاء في الثانية، وليس على يقين منها لكون المكتري بالخيار فيها.
والثاني: أن ذلك جائز إذا سمى الموضع الذي شرط أن يتقدم إليه إن شاء أو كان وجهه معروفا وإن لم يسمه وكان بحساب الكراء الأول، وإن لم يكن تبعا وهو ظاهر قول مالك في أول رسم من سماع أشهب بعد هذا، وما في رسم أوصى من سماع عيسى بعد هذا. ووجه هذا: أن علة الإطماع عنده ضعيفة فلم يعتبرها إلا مع اختلاف الكراء.
والثالث: أن ذلك جائز إذا سمى الموضع الذي شرط أن يتقدم إليه إن شاء أو كان وجهه معروفا وإن كان بخلاف الكراء الأول وغير تبع له، وهذا مذهب ابن القاسم على أصله في ترك الاعتبار بعلة الإطماع، وقد اختلف في علة المنع من اجتماع الجعل
стр. 4072
والإجارة في صفقة واحدة، فقيل: إنها جارية على هذا الأصل، وإن الاختلاف يدخل منه فيها بالمعنى؛ لأن الإجارة لازمة بالعقد، والجعل غير لازم، وقد وقع لسحنون في المغارسة إجازة اجتماعهما في صفقة، وقيل: إنه إنما لم يجز اجتماعهما في صفقة من أجل أنهما أصلان مفترقا الأحكام، كالبيع والنكاح والصرف، لا من جهة علة الأطماع، والله أعلم به.
[مسألة: اشتراط شرط جزائي في الإجارة]
مسألة وقال، في الرجل يتكارى الدابة ويقول الذي اكترى الدابة: إن تأخرت بها عني عن يوم سماه فكل يوم بعد ذلك بدرهم ما أقمت، قال: هذا مكروه من الكراء، والشرط مفسوخ، فإن فات فتأخر عن ذلك لم يكن له إلا كراء ذلك، ولم ينظر في شرطه، وكذلك المتعدي ضامن وليس على هذا خيار ولا ضمان.
قال محمد بن رشد: قوله: هذا مكروه من الكراء والشرط مفسوخ - يدل على أنه إنما فسخ الشرط لا العقد، والوجه في ذلك: أنه رأى أنه لن
стр. 4073
يقصد بالشرط إلا ألا يحبس عنه الدابة بعد انقضاء الكراء إلا إلى المغاررة فيه فوجب أن يمضي إذ لم يكن للشرط الفاسد فيه تأثير، كما قالوا في الذي يبيع الثمرة ويشترط البراءة من الجائحة؛ لأن الشروط المقترنة بالبيوع (تنقسم) عند مالك على أربعة أقسام: شرط فاسد له تأثير في الثمن يفسخ به البيع، وشرط فاسد لا تأثير له في الثمن، يفسخ دون البيع، وشرط صحيح يجوز فيه البيع والشرط، وشرط يقتضي التحجير على المشتري فيما اشترى يفسخ فيه البيع ما دام مشترط الشرط متمسكا بشرطه، فإن رضي بترك الشرط جاز البيع، وإن فات كان فيه الأقل من الثمن أو القيمة إن كان المبتاع هو مشترط الشرط، أو الأكثر من القيمة أو الثمن إن كان البائع هو مشترط الشرط، وقد فسرنا هذه الوجوه وما فيها من الاختلاف في غير هذا الكتاب، وبالله التوفيق.
[مسألة: نقصان شيء من مال أحد المتكارين بعد استيفاء أولهم ماله]
مسألة وقال مالك، في النفر يتكارون السفينة فيحملون فيها طعاما لهم، فإذا بلغوا قال أول من يمر بمنزله منهم: أنا آخذ طعامي، فأخذ طعامه، ثم إن السفينة غرقت، قال: ليس عليه تبعة لأصحابه أذنوا في ذلك أو لم يأذنوا، وليس عليه أن يبلغ معهم بطعامه ثم يرجع إلا أن يكتالوا فينقص الكيل فيكون عليه بقدر طعامه.
قال محمد بن رشد: المعنى في هذه المسألة أنهم اكتروا السفينة على أن يحملوا فيها الطعام إلى منازلهم، فوجب كلما مر أحد منهم
стр. 4074
بمنزله أن يأخذ طعامه؛ لأنه على ذلك حمله معهم، فإن نقص الطعام بعد ذلك كان عليه من النقصان بحساب طعامه يرجع به عليه؛ لأنه حمله معهم على سبيل الشركة، وكذلك لو وجد أسفل القمح قد اسود وفسد لموج ركبه، إلا أن يعلم أن فساده إنما كان بعد أخذه طعامه فلا يكون عليه في ذلك تبعة كما لو غرق المركب بعد أن أخذ طعامه فذهب بما فيه.
وأما لو حملوا الطعام في سفينة إلى بلد واحد لتجارة أو لغير تجارة فخلطوه أو اختلط لم يكن لواحد منهم أن يأخذ طعامه بالطريق إلا برضا أصحابه، مخافة أن يكون أسفل الطعام فاسدا أو يفسد بعد ذلك، أو ينقص في الكيل، فإن أخذ طعامه في الطريق برضا أصحابه لم يكن لهم عليه تابعة إن ألفوه فاسدا أو نقص كيله على ما قاله في رسم الأقضية الثاني من سماع (أشهب) من كتاب الشركة وما يأتي له بعد هذا في رسم حلف وفي رسم أخذ يشرب خمرا، ومن الناس من ذهب إلى أن رواية أشهب في كتاب الشركة معارضة لرواية ابن القاسم هذه، والصحيح أنه لا تعارض بينهما ولا اختلاف على ما بيناه، وبالله التوفيق.
[: كرى الوكيل لنفسه بلا إذن من موكله]
مسألة وسئل مالك: عن رجل تكارى ظهرا ثم سيره إلى وكيل له يحمل له من عنده طعامه فذهب الكري بظهره فلم يجد الوكيل فكري لنفسه، ثم رجع فقال لصاحبه: لم أجد وكيلك
стр. 4075
فأكريت لنفسي، فقال الذي اكتراه: أنا أحق بالكراء الذي أكريت منك لأني أرسلتك.
قال: الكراء لصاحب الظهر، وعليه أن يرجع لصاحبه مرة أخرى، ولو أنه إذ لم يجده تلوم وطلبه وكلم إمام ذلك البلد، وأشهد على ذلك من أمره لم يكن عليه أن يعود ثانية، ولو لم يفعل ذلك فأكرى ظهره لصاحبه، وقال: طلبت وكيلك فلم أجده وأكريت أنا لك، فهذا كراؤك، لوجب ذلك على صاحب الطعام، فأخذ ما جاء به من الكراء ولم يكن له عليه غير ذلك.
قال ابن القاسم: وسمعت مالكا قال: إذا كان في الكراء فضل إذا أكراه صاحب الظهر لصاحبه رأيته للمكري، فإن كان في الكراء نقصان كان على المتكاري.
قال ابن القاسم: وكأني رأيته وجه ما ذهب إليه من فضل ما قد أعطاه أن يأخذ منه أكثر من ذلك، ولو أن إماما أكرى ذلك له بعد أن رفعه إليه لكان للمكتري غنمه وعليه نقصانه.
قال ابن القاسم من قول مالك: لو أن السلطان تلوم له وطلب له الكراء فلم يجده خلى سبيله، فكان له الكراء كله الذي تكارى عليه وإن لم يحمل على ظهره شيئا، ومما يبين ذلك أن الرجل يتكارى إلى الحج فيهلك في بعض الطريق، فإنه يتلوم له في شقه ساعة فيطلب له كراء، فإن وجد له كراء أكرى شق الميت، وإن لم يوجد له كراء لم ينقص الكري من حقه شيئا.
قال سحنون: إذا أكرى صاحب الظهر على وجه
стр. 4076
النظر له بأكثر مما كان أكرى منه أو بأقل فإنه ينظر، فإن كان أكرى بأكثر كان المتكاري بالخيار، إن شاء أخذ منه قدر رأس ماله وأعطاه الفضل فتكون إقالة، وإن شاء رده وكان الكراء كله للمتكاري، وإن كان أكرى بأقل لم يضمن، وكان له كراؤه، وكان عليه الرجوع ثانية، إلا أن يتراضيا على شيء فيكونان على ما اصطلحا عليه.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة وقعت هاهنا، وفي الرواحل والدواب من المدونة وهي تتفرع إلى وجوه تنقسم إليها في بعضها اختلاف.
وتحصيل القول فيها: أنه إن ترك الكري الرفع إلى السلطان أو التلوم والإشهاد في موضع ليس فيه سلطان فلا يخلو أمره من أن يكون أكرى إبله راجعا أو رجع بها فارغا، فإن أكراها راجعا فلا يخلو من أن يكون أكراها لنفسه أو للمكتري، وإن رجع بها فارغا فلا يخلو أيضا من أن يكون الكراء موجودا أو غير موجود، فأما إذا أكرى لنفسه فالكراء له، وعليه الرجوع ثانية قولا واحدا، وأما إذا أكرى للمكتري، فقيل: إن المكتري مخير، إن شاء أخذ الكراء كله إن كان لم ينقد أو قدر رأس ماله منه إن كان نقد، وإن شاء رده على الطعام وهو قول سحنون هاهنا. ومذهب ابن القاسم وروايته عن مالك على ما في المدونة.
وقيل: يفسخ الكراء الأول ويلزم المكتري الكراء الثاني، إلا أنه لا يأخذ الفضل إن كان نقد وهو ظاهر رواية ابن وهب عن مالك في المدونة.
وظاهر هذه الرواية أيضا، وإن كان
стр. 4077
قد قال أبو إسحاق التونسي: (إن) معناها إذا رضي بما فعل، ولو لم يرض بفعله لكان (الكراء) الأول قائما بينهم وهو صحيح في المعنى، غير أن ظاهر اللفظ لا يساعده.
وأما إذا انصرف بإبله فارغا والكراء موجود، فقيل: يلزمه الرجوع عن الطعام وهو الذي يأتي على مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك في المدونة، وقيل: يفسخ الكراء ولا يكون له شيء، وهو ظاهر رواية ابن وهب عن مالك في المدونة.
وأما إذا انصرف بإبله فارغا والكراء غير موجود، فعلى مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك: يلزمه الرجوع ثانية، وعلى رواية ابن وهب عن مالك: لا يلزمه الرجوع ويكون له جميع الكراء.
والتلوم والإشهاد في موضع لا سلطان فيه يقوم مقام الرفع إلى السلطان إذا أكرى (الكري) للمكتري، أو لم يجد كراء فانصرف فارغا بغير كراء.
فأما إن أكرى لنفسه، فقال ابن حبيب: إن المكتري مخير، إن شاء أسلم إليه الكراء ورده بحمل متاعه، وإن شاء أخذ الكراء، فإن شاء أخذه، فانظر فإن كان فيه فضل فالفضل للمكري، وإن كان فيه نقصان فعلى المتكاري وهو صحيح في النظر على أصولهم ولا تأثير للتلوم والإشهاد في موضع يكون فيه سلطان يمكن الرفع إليه. وإذا انصرف بإبله فارغا، وقال: لم أجد كراء - فيلزمه إقامة البينة على ذلك عند مالك على رواية ابن وهب.
[: عطب الدابة أو السفينة المكتراه قبل بلوغ المحل]
ومن كتاب القبلة قال مالك، في رجل تكارى من رجل وله دابة أو سفينة لا يعلم له غيرها، فتكارى منه إلى بلد مسمى، ولم يشترط عليه
стр. 4078
أنك تحملني في سفينتك أو على دابتك، ثم تصاب السفينة أو الدابة بعدما يركب، قال: لا أرى إلا أنه ضامن، على الكري أن يبلغ المتكاري إلى حيث يشترط عليه إلا أن يكون قال: دابتي هذه، أو سفينتي هذه.
قال محمد بن رشد: هذا هو المشهور في المذهب أن الكراء محمول على المضمون، وإن قال: دابتك أو سفينتك حتى يعينها بالتسمية لها أو الإشارة إليها، فيقول: دابتك الفلانية أو دابتك هذه، وهو معنى ما في نذور المدونة، وفي سماع يحيى من كتاب الإيمان بالطلاق خلاف ما يقوم من رسم لم يدرك من سماع عيسى منه، وقد مضت هذه المسألة مستوفاة في أول سماع ابن القاسم من كتاب الجعل والإجارة، وبالله التوفيق.
[مسألة: سرقة المتاع قبل بلوغ الحمال به المحل]
مسألة وقال مالك، فيمن تكارى على حمل متاع بعينه يريد المكري إلى بلد معلوم، فسرق ذلك المتاع قبل أن يخرج به أو بعدما سار به بعض الطريق، إن ذلك سواء خرج أو لم يخرج، الكراء له لازم، إن شاء جاء بمثل ذلك المتاع، وإن شاء أكرى ذلك البعير لمن يحمل عليه، وسواء كان ذلك قبل أن يخرج أو بعدما خرج إن كان صاحبه معه.
قال محمد بن رشد: هذا قول ابن القاسم وروايته عن مالك في
стр. 4079
المدونة، أن الكراء لا يفسخ بتلف الشيء المستأجر على حمله وهو المشهور في المذهب، خلاف ما في رسم الكراء والأقضية من سماع أصبغ من هذا الكتاب أن الكراء يفسخ.
وهذه المسألة يتحصل فيها ثلاثة أقوال: أحدها: أنه يفسخ بتلفه جملة من غير تفصيل.
والثاني: أنه لا يفسخ بتلفه جملة أيضا من غير تفصيل.
والثالث: الفرق بين أن يتلف بأمر من الله، أو من قبل ما عليه استحمل، فإن تلف بأمر من الله لم يفسخ الكراء، وإن تلف من قبل ما عليه استحمل انفسخ الكراء فيما بقي ولم يكن له شيء فيما مضى.
وقيل: (إنه) بحساب ما سار، وقد مضى هذا في سماع أبي زيد من كتاب كراء الدور، وقد مضى أيضا تحصيل هذا في غير ما موضع من كتاب الجعل والإجارة، من ذلك ما وقع في رسم طلق من سماع ابن القاسم، ورسم العتق من سماع عيسى، وبالله التوفيق.
[: النفقة على البعير المتخلف عن الكري]
ومن كتاب حلف ألا يبيع سلعة سماها وسئل: عن قوم تكاروا من كري تخلف عنهم ببعض الطريق فأنفقوا على إبله في علفها، أو مات بعير فتكاروا عليه،
стр. 4080
أترى ذلك يلزمه؟ فقال: نعم أرى أن يلزمه ذلك إذا كان الذي صنعوا يشبه ما ينفق عليها، ثم قال: أرأيت لو كان معهما، أليس (كان) ينفق عليها ويتكارى؟ فقيل له: إنهم اشتروا بعيرا، قال: لا أدري ما الاشتراء، أرأيت لو ماتت كلها أكانوا يشترون إبلا؛ إنكارا أن يكون عليه شيء.
قال ابن القاسم: وذلك رأيي في الاشتراء.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قال: إن الكري إذا تخلف عن المكتري فأنفق على إبله أن له أن يرجع (عليه) بما أنفق عليها؛ لأنه لما غاب وترك إبله عنده، فكأنه قد أذن له في الإنفاق عليها، إذ قد علم أنها لا تستغني عن الإنفاق عليها، وأنه إذا اشترى عليه بعيرا لا يلزمه، إذ لا يجب الحكم عليه بذلك لو رفعه إلى السلطان.
وأما إذا اكترى عليه فإن كان بعد أن تلوم وأشهد في موضع لا سلطان فيه فبين أنه يرجع عليه بما اكترى به عليه.
وأما إن كان اكترى عليه دون أن يرفع إلى السلطان أو دون أن يتلوم ويشهد إن كان في موضع ليس فيه سلطان، فيتخرج ذلك على قولين:
أحدهما: أنه يلزمه الأقل مما أكرى به عليه أو قيمة ذلك، ويكون له كراؤه.
والثاني: أنه لا يلزمه ذلك، ولا يكون له كراء.
والقولان يقومان من الاختلاف الذي ذكرناه في مسألة (الكري) لا يجد وكيل المكتري فيكري الإبل له دون أن يرفع ذلك إلى السلطان، أو دون أن يتلوم له ويشهد إن كان في بلد ليس فيه سلطان.
стр. 4081
[مسألة: الشركة في المتبقي من الطعام التالف من الحمال]
مسألة وسئل: عن رجل حمل طعاما من الريف في سفينته فمر بأخ له في قرية أخرى، فقال: أفي سفينتك فضل تحمل لي مائة إردب؟ قال: نعم، وقد كان الأول حمل فيها خمسمائة إردب فألقى قمحه من فوق طعام صاحبه فانخرق المركب، فدخل الماء من أسفله فأصاب منه نحوا من خمسين إردبا. وهو يعلم أنه لم يصل إلى طعام الرجل الذي كان حمله فوق طعامه الأول.
قال: أراهما في ذلك شريكين. قلت: إنه لم يصل إلا إلى الأول، قال: قد حملاه على وجه الشركة وخلطاه.
قال محمد بن رشد: قد مضى من القول في معنى هذه المسألة في أول رسم من السماع ما يغني عن القول فيها، ويوضح معناها، فلا وجه لإعادته، وبالله التوفيق.
[مسألة: تخفيف أحمال السفينة لينجو أهلها]
مسألة وسئل: عن المركب يخاف أهله الغرق فيطرحون مما فيه شيئا لينجوا؟
قال: أراهم فيه إسوة. قلت: أفعلى قيمته يوم حمل؟ أو ثمنه الذي اشتري به؟ أو قيمته حين يطرح؟ قال: بل على ثمنه الذي اشْتُرِيَ به إذا كان إنما اشترى بمكان واحد بصنعاء أو بالفسطاط، فالثمن أعجب إلي، وقال: ابتداء منه في قيمته بموضعه الذي طرح فيه، كم قيمته في ذلك الموضع؟ وهل يشتري أحد ثمة وليس له ثمة قيمة؟ قيل له: أفترى على جرم المركب شيئا؛ لأنهم يقولون لو لم نطرح منه شيئا لهلك في ذلك وغرق، قال: لا شيء عليه، ولو ذهبوا تحاصوه لكان جل الغرم
стр. 4082
عليه، مثل أن يكون قسيمة المركب الشيء الكثير فيريدون أن يحاصوه بقيمة ذلك، فلا أرى عليه شيئا.
قال ابن القاسم: ليس على من في المركب من قومته غرم، كانوا عبيدا أو أحرارا، وإن كانوا عبيدا للتجارة فعليهم.
قال سحنون: سألت ابن القاسم عن تفسير قول مالك في المتاع الذي يكون في المركب فيخاف أهله الغرق فيطرح بعضه أن الذي يطرح متاعه يكون شريكا لهؤلاء في متاعهم بثمن متاعه الذي اشتراه به، قلت: ما معنى قوله الذي اشتراه به؟ قال: إن كان المتاع إنما هو شراء من موضع واحد مثل أن يكون من الفسطاط نفسها.
وأما أن يكون اشترى بعضهم بالفسطاط وبعضهم من أسواق أو من بعض نواحي مصر، فإن هذا ليس مثل الأول، فإذا كان مثل هذا فإنما ينظر إلى ما يشترى به، هذا كله ما طرح وما بقي مما لم يطرح، بكم يُشترى مثل هذا المتاع التالف، والباقي في الموضع الذي حمل منه في البحر مثل القلزم وجدة ونحو ذلك، فيكون شريكا بقدر ما يُشترى به متاعه في ذلك الموضع على قدر ما يصيب متاعه ومتاعهم، واختلاف الأزمنة مثل اختلاف البلدان في الشراء، مثل أن يشتري منذ سنة، وهذا منذ شهر، فينظر إلى ثمن مثله منذ شهر فيكون شريكا.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال: إن لمن طرح من المركب متاعه في البحر رجاء نجاته أن يرجع على من لم يطرح متاعه فيشاركهم
стр. 4083
فيه بقدر متاعه ومتاعهم، إذ ليس بعضهم أولى بطرح متاعه من بعض مع انتفاع جميعهم بذلك، وهو مما لا اختلاف فيه أحفظه في المذهب، وإنما اختلف قول مالك في صفة التقويم في الاشتراك، فقال في المختصر مرة: إنه ينظر إلي قيمة المتاع المطروح والباقي في الموضع الذي حمل منه، وقال مرة: في الموضع الذي يحمل إليه، وقال مرة: في الموضع الذي طرح فيه، ورواه أشهب عنه، وقوله هاهنا: إنهم يشتركون فيه على الثمن الذي اشتروه به، وذلك إذا اشْتُرِيَ في وقت واحد وموضع واحد، وصفة واحدة من النقد والدين، وعلى غير محاباة، فإن اختلف شراؤهم في شيء من ذلك اشتركوا بقيمة متاعهم يوم حملوه في الموضع الذي حملوه منه على ما فسر به ابن القاسم قوله، والقول قولهم فيما زعموا أنهم اشتروه به دون يمين إذا تبين صدقهم إلا أن يتهم أحد منهم فيحلف، قاله سحنون بعد هذا في رسم أخذ يشرب خمرا.
وقوله: إنه لا يمين عليهم إذا تبين صدقهم - صحيح، كما أنه إذا تبين كذبهم وأتوا بما لا يشبه لا يمكنون من اليمين، وينظر إلى قيمة ذلك يوم الشراء فيكون شريكا بذلك.
وأما إذا لم يتبين صدقهم ولا كذبهم، فيتخرج تحليفهم إذا دعا إلى ذلك بعضهم على الاختلاف في لحوق يمين التهمة، وبالله التوفيق.
[: اشتراط أيام مسماة لتوصيل الحمل لمحله]
ومن كتاب شك في طوافه وسئل: عن رجل يتكارى الأجير يخرج له بكتاب يحمله
стр. 4084
إلى بلد ويشترط عليه أياما مسماة، قال مالك: ما هذا من كراء الناس وما يعجبني.
قال محمد بن رشد: أما إذا كان الوصول إلى البلد إلي الأجل الذي اشترط على الأجير مشكلا يمكن أن يبلغه وألا يبلغه - فلا اختلاف في فساد الأجرة على ذلك، وأما إذا كان أجلا يعلم أنه يبلغ فيه إلى البلد، فالمشهور أن الإجارة غير جائزة، وقد قيل: إنها جائزة، وقد مضي القول في هذه المسألة مستوفى في أول رسم من سماع ابن القاسم من كتاب الجعل والإجارة، وفي أول رسم من سماع أشهب منه، وفي غير ما موضع سواه من الكتاب المذكور، فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.
[: اشتراط شرط قاطع لمدة الإجارة]
ومن كتاب الشجرة تطعم بطنين في السنة وسئل: عن رجل يتكارى الدابة إلى الإسكندرية أو إلى الموضع ويضرب له في ذلك أجرا مسمى فيشترط إن عثر على الرجل في الطريق رجع وكان له بحساب ما بلغ على حساب ما تكارى منه.
قال: لا بأس بذلك، وهذا يكون عندنا في الإباق وغير ذلك، فلا بأس به إذا لم ينقد، أنكرها سحنون، وقال: كيف يجوز هذا وقد أكرى دابته بما لا يدري.
стр. 4085
قال محمد بن رشد: قد مضى القول على هذه المسألة مستوفى في أول مسألة من السماع، فلا معنى لإعادته.
[: الرجل يتكارى بدينار ونصف فيعطي الكري دينارين ويأخذ منه نصفا]
ومن كتاب حلف ليرفعن أمرا وسئل مالك: عن الرجل يتكارى بدينار ونصف فيعطي الكري دينارين ويأخذ منه نصفا.
قال: ما أرى بذلك بأسا.
قال ابن القاسم: وقد كان ثقله ثم رجع إلى هذا، وقال: لا بأس به إذا انتقد حمولته وهو أحب ما فيه إلي.
قال محمد بن رشد: الاختلاف في جواز هذا الكراء جار على اختلافهم فيمن كان له على رجل دين، هل يجوز له أن يأخذ منه به دابة يركبها، أو غلاما يخدمه أو دارا يسكنها، ويكون قبض الدابة أو الغلام أو الدار ليستوفي ركوبها، أو استخدامه أو سكناها - استيفاء للركوب أو الاستخدام أو السكنى أم لا؟ وقد مضت هذه المسألة والقول فيها مستوفى في رسم صلى نهارا من سماع ابن القاسم من كتاب الصرف، وفي سماع أبي زيد منه، فلا معنى لإعادة ذلك، والله الموفق.
[مسألة: رجوع الأجير فيما اتفق عليه مع المؤجر]
[مسألة قال: وسئل مالك: عن الكري يرى غرائر الرجل، فيقول له صاحب الغرائر: زنها، فيأبى ذلك، ويحملها حتى إذ كان ببعض الطريق أراد أن يزن عليه، قال: لا أرى ذلك له، قد حملها ورضي بها.
стр. 4086
قال محمد بن رشد: وهذا بين على ما قال، إذ ليس له أن يرجع فيما قد سلمه ورضي به] .
[مسألة: دفع عربون لحين حضور الظهر المؤجر]
مسألة وسئل مالك: عن الرجل يتكارى من الحمال، ويكون كراؤه مضمونا ويعربن الدينار إلى أن يأتي الظهر، قال: لا بأس بذلك، وقال في ذلك: كم من كري قد أعطي كراءه فهرب وترك أصحابه.
قال محمد بن رشد: إنما أجاز أن يؤخر النقد في الكراء المضمون إلى أن يأتيه بالظهر وإن بعد الأمد للضرورة إلى ذلك، إذ ليس بحرام بين، كفسخ الدين في الدين الذي يضاهي الربا المحرم بالقرآن.
ألا ترى أنه يجوز فيه تأخير رأس مال السلم اليوم واليومين والثلاثة، فأما في غير الكراء فلا يجوز تأخيره فوق الثلاث؛ لأنه الدين بالدين، وبالله التوفيق.
[: دعوى الأجير ضياع مال استؤجر على الشراء به]
ومن كتاب طلق ابن حبيب وسئل مالك: عن حمال تكوري وبعث معه بدنانير إلى موضع
стр. 4087
ليبتاع بها طعاما لمن استأجره فرجع فزعم أن تلك الدنانير ضاعت منه، أتراه ضامنا؟ قال: لا ضمان عليه فيها، وإنما هو إلى أمانته، وأرى أن يحلف في ذلك لقد ضاعت منه، قيل له: أفترى له فيما عني أجرة؟ قال: لا أرى له شيئا، قد ضاعت الدنانير، ويريد أن يأخذ أجرا، ما أرى له في ذلك شيئا.
قال محمد بن رشد: إنما لم ير له أجرة فيما شخص إذا ضاعت الدنانير من أجل أنه استوجر على حملها إلى ذلك البلد وشراء الطعام بها، وجاء تلفها من قبله، وذلك على أصله في المدونة في الذي يستأجر الحمال على حمل شيء فيعثر به فيذهب أنه لا ضمان عليه ولا كراء له، خلاف قول غيره فيها، فليس قول مالك هذا بمعارض لقول سحنون في نوازله من كتاب الجعل والإجارة في الذي يعطي رجلا ثوبا ليبيعه له بجعل، فلما قبض الدنانير ضاعت منه أن له جعله لأن هذا في مسألة سحنون جعل على بيع فوجب للمجعول له جعله بالبيع، وبالله التوفيق.
[مسألة: تضمين الأكرياء]
مسألة قيل له: لِمَ ضَمِنَ الأكرياءُ الطعامَ الذي يحملونه؟ قال: إنهم مثل الصناع الصباغ والخياط، فلذلك ضمنوا إلا أن يأتوا
стр. 4088
فيما تلف منهم على هلاكه بأمر يعرف، فلا يكون عليهم ضمان، مثل أن ينشق زق زيت، أو تهلك راحلته، أو ما أشبه هذا من الوجوه التي (يدل) على هلاكها أمر يعرف، فلا شيء عليه.
قيل: فالخياط والصباغ إذا سرق بيته، أيصدق؟ قال: ما أدركت الناس إلا على أنهم يضمنونهم، ولا يجعلونه في مثل هذا مثل ما ينشق من الحمال أو يهلك.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال: إنه إنما ضمن الأكرياء الطعام لحاجة الناس إليهم في ذلك كالصناع، إلا أن يظهر الهلاك بانشقاق زق أو عثار راحلة وما أشبه ذلك، وليس ذلك كدعوى الصناع السرقة؛ لأن ذلك لا يعرف إلا بقولهم، وإنما هو كالفران يأتي بالخبز محروقا، أو الصباغ يأتي بالثوب محروقا فيسقط عنه الضمان؛ لأن النار تغلبه، فأشبه عثار الأجير الذي لا يقصده، وبالله التوفيق.
[: دعوى المكتري ضياع الدابة المكتراة]
ومن كتاب أوله سن رسول الله ﷺ وقال مالك، في دابة تكاراها رجل إلى موضع ثم أتى فزعم أنها نفقت - قال مالك: إن كان في جماعة رأيت أن يكلف البينة، وإن كان وحده أحلف ولا شيء عليه.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة قد مضى القول عليها مستوفى في رسم باع شاة من سماع عيسى من كتاب جامع البيوع، فلا معنى لإعادته.
стр. 4089
[: ما يترتب على طرح الأمتعة من السفينة]
ومن كتاب أوله أخذ يشرب خمرا قال: وقال مالك، في السفينة التي طرحوا منها متاعا، وفسد بعض القمح وبقي بعض لم يصبه شيء، وكراء ما طرح: إنه ليس على الجرم شيء مما طرحوا.
قال: ولو كان جرمه ظرفا فارغا نجا، وإنما كان طرحهم نجاة لمتاعهم، فلا أرى عليه فيه شيئا، وقال فيما طرح: لا أرى لأهل المركب فيه كراء ما أكروهم فيه، وإنما لهم على حساب ما بقي مما أكروا، وقال في الطعام الذي فسد بعضه ولم يفسد بعض: إن كان محجوزا كل واحد منهم طعامه على حدته، قد حازه بشيء جعله حجزا فيما بين القمح، فأرى أن من سلم منهم فله ما سلم، وما أصيب منه بما أصابه، أو اسود لموج ركبه فمصيبته من صاحبه، وإن كانت تلك التي حجزوا بها قد انخرق بعضها إلى بعض حتى اختلط الطعام كانوا شركاء جميعا فيما فسد لهم وصلح، يأخذ كل واحد منهم بحصة طعامه.
وأما ما ذكرت في أثمان متاعهم بأي شيء يتراجعون في ذلك؛ فإنما يتراجعون بالثمن الذي ابتاعوه بالقلزم، ولا ينظر إلى ثمنه في الجار، ولا قيمته في الموضع الذي طرح فيه، ولكن ثمنه بالقلزم الذي ابتاعوه به، إلا أن يكون أحد منهم اشترى شيئا بدين فزاد لذلك، فإنما يحسب له على النقد لا زيادة فيه، أو يكون حوبي أحد في شراء خفف
стр. 4090
عنه، فلا يحمل عليه ما حوبي به من ذلك، ولكن يتم له ثمنه الذي يسوى بالقلزم.
وسئل عنها سحنون: هل يقبل قول كل واحد منهم في ثمن ما قام عليه متاعه من غير بينة ولا يمين؟ فقال لي: نعم، يقبل قولهم، ولا بينة عليهم، ولا يمين إذا تبين صدق قولهم، إلا أن يتهم أحد منهم فيحلف.
قال محمد بن رشد: قوله: إنه ليس على جرم المركب شيء فيما طرحوا من المتاع للنجاة على ما قاله، وقد بين العلة في ذلك أنه لو كان ظرفا فارغا لنجا، وكذلك ليس على صاحب السفينة شيء في القلوع والأطراف التي تخلص بها السفينة.
وأما ما كان في جوف المركب من قارب وحبال ومواجل فإن ذلك أيضا يقوم على صاحب السفينة، قاله بعض أهل العلم، وهو صحيح على أصل مذهب مالك، في أنه ليس على جرم المركب شيء.
وأما قوله: إنه لا كراء لصاحب المركب فيما طرح من المتاع، فهو على قوله في المدونة، أن كراء السفن على البلاغ، خلاف قول ابن نافع فيها، أن لها بحساب ما بلغت.
وقوله: إن الطعام إذا انخرق ما حجز به بين طعام كل واحد منهم من طعام صاحبه فاختلط، أنه يحكم بينهم فيما فسد منه بحكم الشركة فهو صحيح، إذ لا فرق بين أن يحملوه على الشركة، أو يختلط بغير اختيارهم فيما يجب من أن يكونوا فيه شركاء بحساب ما لكل واحد منهم.
وقد مضى في رسم حلف ذكر اختلاف قول مالك إن كانوا يشتركون فيما طرحوا على الأثمان، أو على القيم، ومتى تكون القيمة في ذلك، فلا معنى لإعادة ذلك، وبالله التوفيق.
стр. 4091
[: اشتراط رجوع الدابة المكتراة حيث وجد ما يدعو لذلك]
ومن كتاب أوله باع غلاما وسئل مالك: عن الرجل يكون له بالإسكندرية البز فيستبطئه فيتكارى الدابة من الفسطاط بدينار إلى الإسكندرية، ويقول لصاحب الدابة: أشترط عليك إن لقيت بزي في الطريق رجعت معه وأعطيتك بحساب ما ركبت، قال: لا بأس بذلك، ولا أحب النقد فيه.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة قد مضى القول فيها مستوفى في أول السماع، فلا معنى لإعادة ذلك، وتكررت أيضا في رسم الشجرة.
[: إعطاء المكتري دابة أخرى بدل التي تلفت]
ومن كتاب أوله مرض وله أم ولد فحاضت وسئل مالك: عن الرجل يتكارى الدابة بعينها إلى موضع، فتهلك الدابة في موضع في بعض الطريق فيريد أن يعطيه بها دابة أخرى يركبها مكان الدابة التي هلكت، قال: لا أحب ذلك، وأراه بمنزلة الدين بالدين.
قال ابن القاسم: قال لي مالك بعد ذلك: إلا أن يكون أصابه ذلك بفلوات الأرض والصحاري والموضع الذي لا يوجد فيه كراء فلا أرى به بأسا.
وأما في الموضع الذي يوجد فيه الكراء فلا أحبه.
قال محمد بن رشد: إنما لا يجوز هذا إذا كان قد نقد؛ لأن الكراء ينفسخ في الراحلة بعينها بموتها، ويجب للمكتري الرجوع على الكري بما ناب ما بقي من المسافة فإن أخذ منه بذلك دابة أخرى غير معينة كان قد فسخ ما وجب له به عليه الرجوع من الكراء في ركوب لا يتعجله، وكان
стр. 4092
ذلك حراما لا يحل ولا يجوز بإجماع، وإن أخذ منه في ذلك دابة معينة يركبها إلى انقضاء كرائه جاز على مذهب أشهب، وأحد قولي مالك في رسم حلف المتقدم، ولم يجز على المشهور في المذهب.
قال ابن حبيب: إلا حيث لا يجد غنى عن ذلك إلى الموضع الذي يجد فيه غنى عنه، كالمضطر إلى أكل الميتة، وهو كما قال إذا فسخ ما بقي له من الكراء في راحلة بغير عينها، وأما إذا فسخه في راحلة بعينها ففيه بعض السعة لما ذكرته من الاختلاف في ذلك، وعلى هذا تكلم في هذه الرواية، والله أعلم، ولذلك قال فيها: لا أحب ذلك، وأراه من الدين بالدين، ولو تكلم على أنه فسخ ما بقي له في دابة بغير عينها، لقال: لا يحل ذلك ولا يجوز؛ لأنه فسخ الدين بالدين، وهو أشد من الدين بالدين.
وقوله: ثم قال (لي) بعد ذلك: إلا أن يكون أصابه ذلك بفلوات الأرض والصحاري، ليس بقول آخر، وإنما هو تفسير لقوله الأول، إذ لا اختلاف في جواز ذلك عند الضرورة.
ولو كان لم ينقد لجاز ذلك من غير ضرورة باتفاق، وبالله التوفيق.
[: سأل المتكاري كراء جديدا بما له عند الآخر من مال]
ومن كتاب المحرم يتخذ الخرقة لفرجه
وسئل مالك: عن رجل أكرى رجلا فبقي له عنده بقية كراء، فسأل الكري رجلا آخر أن يحمله بالكراء الذي له عليه ويزيده مع ذلك زيادة.
قال: هذا مكروه وأرجو أن يكون خفيفا.
قال ابن القاسم: ما أراه بضيق وفيه شيء، وأرجو أن يكون خفيفا.
قال ابن القاسم: وإن سأل المتكاري أن يحتال على المكري الأول ورضي بذلك المكري أن يحتال عليه ويزيده مع ذلك فلا خير في ذلك أنكرها سحنون ورآها دينا بدين.
стр. 4093
قال محمد بن رشد: هذه مسألة مشكلة، إذ لم يبين فيها هل كان الكراء الذي بقيت منه البقية مضمونا أو معينا؛ ولا هل كانت البقية منه ركوبا على المكري، أو كراء علي المكتري، وتأويلها يصح على الوجهين، من أن الكراء مضمون ومعين.
فأما إن كان الكراء مضمونا فالمعنى فيها أن المكري عجز عن توصيل المكتري إلى البلد الذي أكراه إليه، وله على المكتري بقية من كرائه لم يستوفها منه، فأكرى له من يوصله إلى ذلك البلد بالبقية التي بقيت له على المكتري وبزيادة يزيده إياها من عنده، فكره ذلك مالك وابن القاسم وخففاه جميعا، ووجه الكراهة في ذلك أنه دين بدين؛ لأن المكتري انتقل في كرائه من ذمة المكري الأول إلى ذمة المكري الثاني.
ووجه التخفيف فيه: أن المكري الأول لما كان هو الذي سأل المكري الثاني أن يحمله بما كان له وعليه وبما زاده، فكأنه اكترى منه ذلك لنفسه، ووجب الكراء له، فلم ينتقل المكتري بذلك عن ذمته إلى ذمة المكري الثاني.
وقول ابن القاسم: وإن سأل المتكاري أن يحتال على المكري الأول إلى آخر قوله، معناه: أنه عجز عن توصيله إلى ذلك البلد، وقد انتقد، فاكترى المكتري من يوصله إلى ذلك البلد بالركوب الذي بقي له على المكري الأول، يحتال به عليه وبزيادة زاده إياها، فلم يجز ذلك؛ لأنه الدين بالدين كما قال سحنون؛ لأن المكتري اكترى ركوبا غير ناجز بالركوب الذي بقي له على المكري الأول وهو غير ناجز أيضا.
وقد قيل: إن المعني في ذلك أن المكري عجز عن توصيله إلى ذلك البلد، وقد انتقد فاكترى المكتري من يوصله إلى ذلك البلد ولم يشترط النقد، ولا كانت سنة الكراء على النقد، فأراد أن يحيله على المكاري الأول بما وجب له به الرجوع عليه، لعجزه عن حمله، فلم
стр. 4094
يجز ذلك؛ لأنه يستحيل بما لم يحل له، وهذا تأويل ابن لبابة، والأول هو الصواب؛ لأن الكراء المضمون لا ينفسخ بالعجز، وهو ثابت ما لم يفسخ بالحكم، لضرر يكون على المكتري في إمضائه بفوت الإبان كالحج وشبهه، فعلى هذا التأويل يكون ابن القاسم إنما تكلم على غير المسألة التي تكلم عليها مالك؛ لأنه تكلم على المكري قد انتقد، فلم يبق له بقية من الكراء وبقيت عليه بقية من الركوب، وتكلم مالك على أنه لم ينتقد جميع الكراء، فبقيت له بقية منه، وبقيت عليه بقية من الركوب.
وأما إن كان الكراء معينا فالمعنى فيما كرهه مالك وابن القاسم وخففاه جميعا أن الدابة المكتراة بعينها هلكت قبل الوصول إلى البلد الذي اكتريت إليه، وقد انتقد المكتري كراءه، فوجب أن يرد منه نوب ما بقي من المسافة فاكترى للمكتري دابة بعينها لما بقي من الركوب إلى ذلك البلد بما وجب عليه أن يرده من الكراء وبزيادة زادها، فكرها ذلك جميعا؛ لأن المكتري فسخ ما وجب له به الرجوع على المكري في ركوب دابة إلى ذلك البلد، وخففاه جميعا لانتقاد الدابة وهي معينة، وهذا على ما مضى من اختلاف قول مالك في أول مسألة من رسم حلف.
والمعنى في قول ابن القاسم وإن سأل المتكاري أن يحتال على المكري الأول ورضي بذلك الكري أن يحتال عليه، ويزيده مع ذلك فلا خير فيه، أن المكتري لما ملكت الدابة اكترى دابة لنفسه على ذمته بمقدار ما يجب له به الرجوع على المكري وبزيادة، ثم أحاله على المكري بما وجب له به الرجوع عليه، فوجب ألا تجوز الحوالة؛ لأنه احتال بما لم يحل، إذ لا يجب تعجيل الكراء إلا بشرط أو عرف، وهو معنى الدين بالدين، كما قال سحنون، ولو اكترى المكتري الدابة لنفسه بالدين الذي له على المكري
стр. 4095
وبزيادة لجاز، إذ يجوز لمن له دين على رجل أن يبيعه من رجل بتمر لم يبد صلاحه، وبجارية تتواضع، وبركوب دابة، وسكنى دار، وما أشبه ذلك، فعلى هذا يكون ابن القاسم إنما تكلم على المسألة التي تكلم عليها مالك، لا على مسألة أخرى، فهذا وجه القول في هذه المسألة مستوفى وتأويلها على الوجه الأول من أن الكراء مضمون أظهر وأولى، والله أعلم وبه التوفيق.
[مسألة: الكري تكون له الإبل يحمل عليها وهو يدملها تحتهم بحملهم عليها فيفلس]
مسألة وسئل مالك: عن الكري تكون له الإبل يحمل عليها وهو يدملها تحتهم بحملهم عليها فيفلس، وتحت أحدهم بعير منها، أتراه أحق به من سائرهم؟ قال: نعم، أرى ذلك له.
قال ابن القاسم: وذلك رأيي.
وسئل عنها سحنون، فقال: جيدة، قيل له: سواء كان الكراء في إبل بأعيانها أو كراء مضمونا يكون كل رجل أولى بما تحته من صاحبه إذا فلس الجمال؟ قال: نعم، من أجل أنه لما قدم الكري إلى رجل جملا فكأن كراءه وقع عليه، قلت: فلو أن الجمال تسلف من بعضهم أو تعاين ورهنه ما تحته وتحت أحماله، أترى المرتهن أحق به من سائر أصحابه؟ قال: نعم، قلت: فلو رهنه بعض ما تحت غيره من الجمال، أتراه رهنا جائزا، ويكون أولى به من الغرماء؟ قال: نعم، وهو كالرهن يوضع على يدي عدل.
قيل لسحنون: هل يكون أصحاب الأحمال أولى بما تحت أحمالهم من الإبل كما يكون في
стр. 4096
المحامل؟ قال: نعم، قيل له: فإن أراد الحمال أن ينقل تلك الإبل ويديلها بينهم، وأبى ذلك أصحاب الأحمال والمحامل.
قال: لا يكون ذلك للجمال إلا عن رضا من أصحاب الحمولة والمحامل (وهذا في الكراء المضمون وغيره سواء، وكل واحد من أصحاب الحمولة والمحامل) أولى بما في يديه من غيره.
قلت: فلو أن الحمال احتاج فأراد أن يتسلف من بعض الحمولة على أن يرهنه ما بيديه من الإبل أيجوز ذلك؛ وتراه رهنا مقبوضا؟ قال: نعم، ألا ترى إلى قول مالك في الجمال يفلس أن كل واحد منهم أولى بما تحته من غيره من الغرماء ومن أصحابه.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال، إن الجمال إذا فلس فالمكتري منه كراء مضمونا أحق بالجمل الذي أسلم إليه لركوبه، أو لحمل متاعه من غيره من المكترين ومن الغرماء، ومثله في رسم مساجد القبائل من سماع ابن القاسم من كتاب المديان والتفليس، وفي الرواحل والدواب من المدونة للعلة التي ذكرها من أنه إذا أسلم إليه، فكأن كراءه وقع عليه، إذ ليس له أن يعوضه منه بغيره، فصار كالرهن بيده، فوجب أن يكون أحق به، وهذا إذا كان قد نقد، وأما إذا لم يكن نقد فهو مخير بين أن ينقد ويكون أحق بالجمل، وبين أن يفسخ الكراء عن نفسه ويكون أحق بما عليه.
ولو فلس الجمال قبل أن يسلم إليه الجمل كان إسوة الغرماء إن
стр. 4097
كان قد نقد، فما صار له في المحاصة أكرى له به ما بلغ، واتبعه ببقية حقه، ويكون مخيرا إن كان لم ينقد بين أن ينقد ويحاص الغرماء، وبين أن يفسخ الكراء عن نفسه ويكون أحق بما عليه، وهذا ما لا أعلم فيه اختلافا إلا ما وقع من قول غير ابن القاسم في المدونة، وليس الراحلة بعينها كالمضمون، إذ قد قيل: إنه أراد ليست المضمونة كالمعينة في أنه يكون أحق بها في التفليس، وقيل: إنه إنما أراد ليست كالمعينة في اختلافهما في الكراء.
والظاهر أنها ليست عنده كالمعينة في كلا الوجهين. وأما المعينة فالمكتري إذا فلس الجمال أحق بها قبضها أو لم يقبضها، نقد أو لم ينقد، وهو إذا لم ينقد بالخيار بين أن ينقد ويكون أحق بها، وبين أن يفسخ الكراء ويكون أحق بما عليه.
وأما إجازته أن يرهنه ما تحته وتحت أحماله بما أسلفه فهو بعيد، لكونه في منفعة الراهن، وإجازته أن يرهنه ما تحت غيره من الجمال أبعد؛ لأنه في منفعة الراهن وفي أجرة غيره.
وقوله فيه: إنه كالرهن يوضع على يد عدل ليس ببين، وقد نص في المدونة على أنه لا يكون قبض المستأجر قبضا للموهوب له، فهو أحرى أن لا يكون قبضا للمرتهن، وبالله التوفيق.
[: تداخل الكراء]
من سماع أشهب وابن نافع من مالك من الكتاب الأول من البيوع قال سحنون: أخبرني أشهب وابن نافع، قال: سئل مالك: عن الرجل يتكارى من الكري بمصر إلى الحج، فإذا ركب موجها، قال للكري: أكر لي إلى مصر، فيتكارى منه وينقده الكراء، فإن بعض أصحابنا تكارى من هاهنا إلى إيلة.
стр. 4098
أفرأيت إن بدا لهم أن يتكاروا منه في الطريق إلى مصر وينقدوه الكراء فيما بينهم وبين أن يبلغوا إلى إيلة؟ فقال: لا أرى بذلك بأسا، قيل له: لا ترى بذلك بأسا؟ قد: نعم.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال؛ لأنه إذا جاز أن يكتري منه من مصر إلى الحج ذاهبا وراجعا في صفقة واحدة جاز إذا اكترى منه أولا للذهاب خاصة أن يكتري منه للرجوع وهو في الطريق قبل أن يبلغ الحج، وهو مما لا اختلاف فيه أعلمه، وبالله التوفيق.
[مسألة: كراء الدواب يوما بيوم]
مسألة وسئل مالك: عن الرجل يتكارى الدابة إلى مكة، كل يوم بدرهم؟ فقال: ما هذا من بيوع الناس، لعله سيمكث بذلك شهرين، فليس هذا من بيوع الناس، ولكن لو ضرب لذلك أجلا لم يكن بذلك بأس، قيل لمالك: أرأيت لو قال له أتكاراها منك شهرا كل يوم بدرهم؟ قال: لا بأس بذلك.
قال محمد بن رشد: أما إذا تكاراها شهرا كل يوم بدرهم فلا كلام ولا إشكال في جواز ذلك، وأما إذا أكراها منه إلى مكة كل يوم بدرهم فلم يجز ذلك هاهنا، وأجاز في المدونة كراء الراحلة بعلفها إلى موضع، وذلك اختلاف من القول، إذ لا فرق بين المسألتين؛ لأنه إن أبطأ في السير كثر عليه العلف، وإن عجل فيه قل العلف، فآل ذلك إلى الجهل بمبلغ
стр. 4099
الكراء.
ولو أكرى منه الدابة إلى مكة بعلفها، أو كل يوم بدرهم أسرع في السير أو أبطأ فيه، لم يجز باتفاق؛ ولو أكراها منه إلى مكة بعلفها، أو كل يوم بدرهم على أن يسير سير الناس المعتاد لجاز ذلك باتفاق، فالخلاف إنما هو إذا وقع الكراء مبهما دون بيان، فحمله في هذه الرواية على الظاهر من الوصول إلى مكة، قرب أو بعد فلم يجزه، وحمله في المدونة على الوصول على السير المتعارف فأجازه؛ لأنه إذا كان المعروف عند الناس أن الوصول إلى مكة على السير المتعارف يكون على التمثيل في شهر، فكأنه إنما أكرى منه إلى مكة بثلاثين درهما أو بعلف ثلاثين ليلة، فوجب أن يكون ذلك جائزا، وبالله التوفيق.
[مسألة: احتساب أجرة ما انقضى من كراء المنزل]
مسألة قيل له: أرأيت من تكارى منزلا شهرا بكذا وكذا، فما سكن فبحساب ذلك؟ قال: لا بأس بذلك.
قال محمد بن رشد: قوله فما سكن فبحساب ذلك، يريد أن له أن يخرج متى ما شاء، ويلزمه فيما سكن بحساب ذلك، فعلى هذا يكون الكراء في الشهر لازما لصاحب المنزل غير لازم للساكن، وفي ذلك اختلاف قد مضى القول فيه في أول رسم من سماع ابن القاسم، وفي رسم الشجرة، وفي رسم باع غلاما منه، ولو لم يكن الكراء لازما لواحد منهما في الشهر لجاز باتفاق، كمن أكرى داره مشاهرة، وقد مضى القول على هذا في رسم حبل حبلة من سماع عيسى من كتاب كراء الدور والأرضين، فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.
стр. 4100
[مسألة: كراء شق محمل ثم التحول منه إلى الشق الآخر]
مسألة وسئل مالك: عمن تكارى من جمال شق محمل بدنانير دفعها إليه ثم أراد أن يتحول من الشق المحمل إلى الزاملة ويرد عليه الجمال من كرائه دنانير، قال: أرجو أن يكون هذا خفيفا.
قيل لمالك: إنه قد كان هذا اكترى شق محمل فطلب منه الكراء كله، فأراد بيع بعض متاعه فلم يجد ثمنا. فقال له: حولني في زاملة فإنها أقل كراء بدينار، قال: لا أرى بذلك بأسا.
قال محمد بن رشد: خفف في هذه الرواية لمن اكترى شق محمل بدنانير فنقدها - أن يتحول من الشق إلى زاملة ويرد عليه الكري من الكراء الذي انتقد دنانير، وهذا في الكراء المعين على ما مضى من اختلاف قوله وقول ابن القاسم في هذا الأصل في رسم الشريكين من سماع ابن القاسم من كتاب كراء الدور والأرضين، ورسم حمل صبيا من سماع عيسى منه، ولو كان الكراء مضمونا لم يجز ذلك باتفاق على ما يأتي في رسم العرية من سماع عيسى بعد هذا من هذا الكتاب.
وأما إذا لم ينقد فجائز أن يتحول من الزاملة إلى المحمل، ومن المحمل إلى الزاملة بزيادة ممن كانت منهما، كان الكراء مضمونا أو معينا، وبالله التوفيق.
следующие страницы →