← Фикх малики

Фикх малики · id 21751

البيان والتحصيل

ابن رشد الجد

Полный текст (9 112 стр.). Показаны 4866–4905 · переход к 4871.

стр. 4866

وإن كان بإذن جميع الورثة من أجل الدين لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١١] ، خلاف ما مضى في رسم كتب عليه من سماع ابن القاسم من أن مصالحة الورثة المرأة قبل تأدية الدين جائزة، وخلاف ما في كتاب المديان من المدونة في أن بيع الورثة للتركة إذا لم يعلموا بالدين جائزة. فالبيع والقسمة في شيء من التركة قبل تأدية الدين على رواية أشهب هذه مفسوخ لمطابقة النهي له بمخالفة أمر الله فيه لقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١١] لا خيار للغرماء في إجازته، وذلك جائز على مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك إذا وفوا الدين من أموالهم أو من بقية التركة. وعلى هذا يأتي قول مالك في الذي يحلف بعتق رقيقه ليقضين غريمه إلى شهر فيمنع من بيع رقيقه حتى يقضي أنه إن باع منهم وقضى الحق من ثمنهم قبل الأجل لسلم من الحنث، واضطرب قول ابن القاسم في انتقاض القسمة إذا كانوا قد قسموا جميع التركة ثم طرأ دين فأبوا أن يخرجوه من أموالهم، وفي هذا تفصيل قد ذكرته في غير هذا الكتاب، وهو كتاب المقدمات، وبالله التوفيق. [مسألة: قال لفلان عشرة دنانيرمن مالي وصية ولي عليه خمسة فأنكر] مسألة وسئل: عمن أوصى لرجل بمائة درهم أعطوه إياها وخذوا منها خمسة دنانير لي عليه، فقال الموصى له: ما له علي شيء، فأطرق فيها، ثم قال: ما أراه أعطاه المائة درهم إلا على هذا، فلينظر فإذا كان في المائة درهم فضل عن الخمسة دنانير أعطيه الموصى له في رأيي، وإن كانت الخمسة دنانير أكثر من المائة درهم أحلف فيما فضل في رأيي، فإن لم يحلف غرمها. قيل له: يحلف وإن لم تكن بينهما مخالطة؟ فقال: وإن لم تكن بينهما، مخالطة، ليست المخالطة هنا شيئا. ومن سماع عيسى

стр. 4867

بن دينار في كتاب بع ولا نقصان عليك قال: وقال مالك في الذي يقول عند الموت لفلان عندي عشرة دنانير ولي عنده خمسة دنانير فأنكر الذي أقر له بالعشرة أن تكون عليه الخمسة، قال: يأخذ العشرة وعلى الورثة البينة في الخمسة أنها عليه. قيل: فلو قال لفلان عشرة دنانير من مالي وصية ولي عليه خمسة فأنكر؟ قال: لا يكون له إلا الخمسة؛ لأنه لم يوص إلا بالخمسة حين قال ولي عليه خمسة، قال: وقال مالك كذلك. قال محمد بن رشد: الفرق بين أن يوصي له بعشرة ويدعي أن له عليه خمسة وبين أن يقر له بعشرة ويدعي أن له عليه خمسة بين لا إشكال فيه. وقد مضى القول في إيجاب اليمين عليه دون خلطة فيما أوصى أن له عنده وفي نكوله عن اليمين في رسم الوصايا فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق. [: يشتري من العبد الشيء اليسير مثل الخفين وما أشبهه] ومن كتاب أوله مساجد القبائل قال أشهب: سألت مالكا: عن الرجل يشتري من العبد الشيء اليسير مثل الخفين وما أشبهه، فقال: لا يشتري من العبد إلا أن يكون عبدا يشتري ويبيع، فإن كان عبدا لا يشتري ولا يبيع فلا يشتري منه إلا بإذن أهله ولا يصدقه بقوله قد أذن لي أهلي حتى يسألهم عن ذلك أو يرده عليه ولا يشتريه، وربما باع العبد ثيابه فليرده عليه ولا يشتريه وعسى بأهله أن يكونوا عبيدا. قال محمد بن رشد: في سماع أشهب من كتاب الضحايا أنه يصدق العبد الفصيح الذي مثله يؤتمن فيما ادعى من أن ذلك له وأنه أذن

стр. 4868

له في البيع، فيحتمل أن تفسر بذلك رواية أشهب هذه، فإن حملت على ظاهرها فذلك على التورع لا على ما يلزم ويجوز بدليل ما روي من أن عبد الله بن عمر مر في بعض أسفاره على راع يرعى على رأس جبل فاشترى منه شاة ضحى بها ولم يسأله عن شيء، وبالله التوفيق. [: اعترف في مرضه لامرأة له بثلاثين دينارا ثم صح فقال إنما أردت أن أولجها إليها] ومن كتاب الوصايا الصغير قال أشهب: وسمعته يسأل عمن اعترف في مرضه لامرأة له بثلاثين دينارا ثم صح، فقال: إنما أردت أن أولجها إليها أتراها تلزمه؟ قال: نعم تلزمه، أقر لها وهو مريض وينكرها وهو صحيح. وسئل عنها سحنون فقال مثله. قال محمد بن رشد: هذا كما قال؛ لأن الإقرار في المرض يلزمه إذا صح، ولا اختلاف في هذا ولا كلام، وإنما الكلام إذا أقر أحد الزوجين في مرضه ثم مات من مرضه ذلك قبل أن يصح منه، وقد مضى تحصيل القول في ذلك في آخر أول رسم من سماع ابن القاسم فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق. [مسألة: أقرت بقبض المهر وأقر الزوج بأنه لم يدفعه فطلبت المرأة مهرها] مسألة قيل لسحنون: فلو أن امرأة قالت في مرضها إني قبضت مهري من زوجي، ثم إن زوجها مرض، فقال: إني لم أدفع إلى امرأتي مهرها فمات الزوج وبقيت المرأة. وكيف إن لم يمت الزوج وقامت المرأة تطلب مهرها وتزعم أن قولها في مرضها كان محاباة له، وتقول: قد أقر لي زوجي ولم يستحل ما قلت، وقال الزوج: بل كان الكلام الذي تكلمت به في مرضي محاباة لك، فكل واحد منهما يكذب صاحبه. قال سحنون: يلزمها إذا صحت، فإن مات الزوج وأراد ورثته أن يلزموها ذلك كان ذلك

стр. 4869

لهم، وإن تمادى بالزوجة المرض حتى مات الزوج ثم ماتت بعده فالإقرار يلزمها. قال محمد بن رشد: إذا أقرت المرأة في مرضها أنها قد قبضت مهرها من زوجها ثم مرض هو فأقر أنه لم يدفع إليها مهرها، ثم قامت المرأة تطلب مهرها، فلا يخلو الأمر من ثلاثة أوجه: أحدها: أن تكون طالبة له وهي مريضة لم تصح بعد من مرضها؛ والثاني: أن تقوم طالبة له بعد أن صحت من مرضها؛ والثالث: أن تموت من مرضها فيقوم ورثتها طالبين له بعد موتها. وكل وجه من هذه الوجوه الثلاثة لا يخلو من ثلاثة أوجه: أحدها: أن تقوم عليه وهو مريض لم يصح بعد من مرضه. والثاني: أن تقوم على ورثته بعد أن مات من مرضه، والثالث: أن تقوم عليه بعد صحته. فأما الوجه الأول: وهو أن تقوم عليه وهي مريضة فإن كان هو مريضا بعد أو قد صح من مرضه كان لها صداقها، وإن كان قد مات من مرضه لم يكن لها شيء. وأما الوجه الثاني: وهو أن تقوم طالبة له بعد أن صحت من مرضها، فإن كان هو مريضا بعد أو قد مات لم يكن لها شيء، وإن كان قد صح من مرضه كان لها صداقها. وأما الوجه الثالث: وهو أن تموت من مرضها فيقوم ورثتها طالبين له بعد موتها، فإن كان هو مريضا بعد أو قد صح من مرضه كان لها صداقها، وإن كان هو قد مات من مرضه ذلك نظرت فإن كانت ماتت قبله كان لها صداقها، وإن مات قبلها فقيل: إن الإقرار يلزمها ولا يكون لها شيء، وهو قول سحنون في هذه الرواية وروي مثله عن مالك، وقيل: إن الإقرار لا يلزمها ويكون لها صداقها، وهو قول محمد بن عبد الحكم، وبالله التوفيق. [: والي اليتيم يسأله السائل فيعطيه شيئا من زرع يتيمه] ومن كتاب الوصايا والحج والزكاة وسمعته يسأل عن والي اليتيم يسأله السائل فيعطيه شيئا من

стр. 4870

زرع يتيمه أو غير ذلك، فقال: أرجو ألا يكون بذلك بأس يرجو بركة ذلك لليتيم. قال محمد بن رشد: هذا صحيح، ومعناه: في اليسير الذي جرت العادة بالمسامحة فيه. والأصل في جواز ذلك قول الله : ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦] فإذا جاز للوصي أن يأكل بالمعروف من مال يتيمه كان أحرى أن تجوز له به الصدقة عن اليتيم لما يرجوه له في ذلك من الأجر والثواب، وبالله التوفيق. [مسألة: المولى عليه يدان ثم يموت] مسألة وسمعته سئل: عن المولى عليه يدان ثم يموت، فقال: لا يقضى دينه ولا يكون في ماله، وهو في موته مثله في حياته، إلا أن يوصي به بثلثه فذلك له إذا أمره به وقد بلغ الوصية. قال محمد بن رشد: قد قيل: إن الدين يكون في ثلثه إذا أقر به في مرضه أو في صحته، ولم يختلف أنه إن أوصى به في ثلثه جاز ولزم ذلك على جهة الوصية إلا ما حكى ابن حبيب في الواضحة عن أصبغ أن ذلك جائز ما لم يكثر، والصحيح أنه لا يكون في ثلثه إلا أن يوصي بذلك، فإن أوصى به كان ذلك في ثلثه قل أو كثر، وبالله التوفيق. [مسألة: السفيه في ماله المأمون في نفسه وذاته] مسألة وسمعته يسأل فقيل له: إن ابني تزوج امرأة ولم يوامرني وهو يريد الذهاب معها ويتركني وأنا شيخ كبير لا أقدر على نزع الشوكة من رجلي حتى تنزع عني، فقال: إن كان ابنك قد بلغ وهو

стр. 4871

يلي نفسه وليس بسفيه ولا ضعيف العقل فذلك جائز، وإن كان لا يلي نفسه وهو سفيه مأخوذ على يديه فليس ذلك له، فقال الرجل: أله أن يخرج عني ويدعني؟ فقال: نعم ذلك له إن كان غير سفيه وهو رجل يسافر ويخرج إلى العراق، فإذا كان قد بلغ ولم يكن سفيها ولا مأخوذا على يديه فذلك له، وإن كان سفيها أو ضعيفا يخاف عليه فليس له ذلك. قال محمد بن رشد: هذا كما قال إن المالك لأمر نفسه له أن يذهب حيث شاء وليس لأبيه أن يمنعه من ذلك، وأما السفيه الذي لا يملك ماله ويخشى منه أبوه أو وليه السفه في ذاته والفجور بانفراده فله أن يضمه إلى نفسه ويمنعه من السفر والمغيب عنه. واختلف في السفيه في ماله المأمون في نفسه وذاته، فقيل: إن للوالي أن يضمه إليه ويمنعه من الذهاب والسفر حيث شاء، وهو قول مالك في هذه الرواية، وقيل: ليس ذلك له، وهو ظاهر قول مالك في كتاب النكاح من المدونة إذا احتلم الغلام فله أن يذهب حيث شاء على ما تأوله عليه ابن أبي زيد من قوله، يريد بنفسه لا بماله، وبالله التوفيق. [: أسلف رجلا أربعين درهما أمر له بها عند صراف فقبضها منه] ومن كتاب الأقضية الأول وسئل مالك: عن رجل أسلف رجلا أربعين درهما أمر له بها عند صراف فقبضها منه، فلما تقاضاه إياها قال دفعتها إلى الصراف حسبته لك وكيلا. فقال: ما شأنه وشأن الصراف، ذلك عليه. قيل: أترى أن يحلف له الصراف إن جحده؟ فقال: ذلك يختلف، إن كان متهما رأيت أن يحلف هذه شبهة، وإن لم يكن متهما لم أر أن يحلف. قال سحنون: وقال ابن نافع: ويحلف له الصراف على كل حال.

стр. 4872

قال الإمام القاضي: قول ابن نافع هو الصحيح في النظر الجاري على الأصول. وأما تفرقة مالك بين المتهم في ذلك فهو استحسان على غير حقيقة القياس، وإنما يرجع الأمر في ذلك إلى اعتبار الخلطة، فإذا قلت إنها قد حصلت بينه وبين الصراف بقبض الدراهم عنده وجبت له عليه اليمين وهو قول ابن نافع، وإن قلت: إنها ليست بخلطة فلا يحلف في وجه القياس كان متهما أو لم يكن، وبالله التوفيق. [مسألة: تصدق بمال له وقام الغرماء عليه فلم يجدوا غير ذلك الذي تصدق به] مسألة وسئل: عن رجل تصدق بمال له أو أعتق عبدا له ثم مكث حينا ثم إن الغرماء قاموا عليه فلم يجدوا له شيئا غير ذلك الذي تصدق به أو العبد الذي أعتق، كيف يفعل به؟ قال مالك: أما الصدقة فإن جاء الغرماء بالبينة أنه تصدق بها يوم تصدق وهو لا وفاء عنده فيما يرون ردت الصدقة ولم تجز وإلا جازت، وأما العبد فلا يرد عتقه؛ لأن شهادته قد جازت وتمت حرمته وصار حرا جرت عليه الحدود وله. قال ابن القاسم في الصدقة: إذا لم يعلموا بالصدقة وأقاموا البينة على أنه لم يكن له وفاء يوم تصدق به ردوا منها قدر حقوقهم وكان ما بقي لمن تصدق به عليه، وإن علموا كانت الصدقة جائزة لمن تصدق بها عليه ولم يرد منها شيئا. قال محمد بن رشد: الذي يعرف من قول ابن القاسم وروايته عن مالك أن العبد يرد عتقه أيضا إذا أعتقه وهو مستغرق الذمة بغير علم الغرماء كالصدقة سواء، ورواية أشهب هذه أن العتق لا يرد لحرمته وجواز شهادته استحسان، ومعناه: إذا طالت المدة، وهو قول مالك في كتاب ابن المواز إن العتق لا يرد علم الغرماء به أو لم يعلموا إذا طال ذلك وولد له الأولاد. والوجه في ذلك: أن المدة إذا طالت احتمل أن يكون الغريم قد أفاد فيها مالا ثم ذهب ولم يعرف، فلم ير أن يرد العتق الذي قد تمت حرمته إلا بيقين، وهو أن يقوم الغرماء بعقب العتق. وقد تأول أن قول ابن

стр. 4873

القاسم ليس بخلاف لهذه الرواية، ومعناه: إذا قام الغرماء بعقب العتق، ومعنى هذه الرواية إذا قاموا بعد المدة الطويلة، فتتفق الروايتان على هذا التأويل. والأظهر أنه اختلاف من القول إذا طالت المدة، فوجه القول في أن العتق يرد أنه عتق عداء، إذ لا يجوز لمن عليه دين أن يتلف ماله بالعتق كما لا يجوز أن يتلفه بالصدقة، فوجب أن يرد العتق كما ترد الصدقة. ووجه القول بأنه لا يرد أن دين الغرماء إنما هو في ذمة السيد لا في عين العبد، إذ لو تلف العبد لم يبطل الدين، فوجب أن ينفذ العتق لحرمته، إذ لا يبطل الدين بعتقه؛ لأنه باق في الذمة، وبالله التوفيق. [مسألة: رهن المشتري السلعة من رجل آخر ثم أفلس المشتري قبل الأجل] مسألة وسئل مالك: عن رجل باع سلعة بدين من رجل إلى أجل، فرهن المشتري السلعة من رجل آخر ثم أفلس المشتري قبل الأجل والسلعة قائمة عند مرتهنها. قال مالك: بائعها بالخيار إن شاء افْتَكَّهَا من مرتهنها بما رهنت عنده ويحاص الغرماء بما افتداها به كان ذلك له، وإن أحب أن يسلمها ويحاص الغرماء بثمنها كان ذلك له. فإن افتداها من المرتهن كان الغرماء بالخيار، إن شاءوا دفعوها إليه، وإن شاءوا أعطوه ثمنها؛ فإن أعطوه ثمنها وتركها حاص في جميع ذلك بما افتداها به، ولا يحاص بثمنها إلا في إسلامها للمرتهن وتركها. قال محمد بن رشد: هذه مسألة صحيحة بينة المعنى لا وجه للقول فيها. وقد قيل: إنه لا يضرب بما افتك به الرهن كافتكاك رقبة العبد الجاني إذا كان قد باعه وجنى وفلس المشتري قبل أن يفتكه، وهو بعيد، وبالله التوفيق. [مسألة: يشتري بالدين في عطائه فيكتب ذلك في ديوانه فيخرج له نصف العطاء] مسألة وسئل: عن الرجل يشتري من الرجل بالدين في عطائه أو

стр. 4874

إلى أول عطاء يخرج له، فيكتب ذلك في ديوانه، فيخرج له نصف العطاء، أيحل حقه كله عليه؟ قال: إن أمثل ذلك عندي لو أخذ منه ما خرج من عطائه فقط. وسئل: عن الرجل يتعين في عطائه فيحبس العطاء وله مال فيه وفاء بما عليه من تلك العينة، أيؤخذ ذلك من ماله؟ قال: لا أرى ذلك. قال الإمام القاضي: هذه مسألة قد مضى القول فيها مستوفى في رسم الأقضية من هذا السماع، فلا وجه لإعادته وبالله التوفيق ولا حول ولا قوة إلا بالله وصلى الله على سيدنا محمد.

стр. 4875

[: كتاب المديان والتفليس الثاني] [ مسألة: يحبس في الدين ولا مال له]

стр. 4876

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم من سماع عيسى بن دينار من ابن القاسم من كتاب أوله نقدها نقدها قال عيسى: وسألته عن الرجل يحبس في الدين ولا مال له، قال: ليس على القاضي أن يسأل الذي عليه الحق البينة أنه لا مال له، والذي يشهد في مثل هذا على البتات أنه لا مال له شاهد زور، وإنما يسأل القاضي عنه أهل الخبرة به والمعرفة، فإن لم يجد له مالا أحلفه وخلى سبيله. قال القاضي: قوله وسألته عن الرجل يحبس في الدين ولا مال له، معناه: ولا مال له في ظاهر أمره، إذ لو عرف أنه لا مال له لم يجب سجنه لقول الله : ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠] . وقوله: إنه ليس على القاضي أن يسأل الذي عليه الحق البينة أنه لا مال له، ومعناه: أنه ليس ذلك عليه حتى لا يجزئه دونه، إذ له أن يجتزئ في ذلك بأن يسأل عنه أهل الخبرة والمعرفة. وإذا لم يكن ذلك عليه فليس له أن يفعله ويترك السؤال عنه، وإن فعل ذلك مضى. وهذا في المجهول الحال الذي لا يتهم

стр. 4877

بتغييب ماله فيحبس حبس تلوم واختبار. وأما من حبس للتهمة بأنه غيب ماله فلا يجوز للقاضي أن يكتفي بالسؤال عنه دون أن يكلفه البينة على عدمه. وصفة الشهادة على العدم أن يقول الشاهد إنه يعرفه فقيرا عديما لا يعلم له مالا ظاهرا ولا باطنا. واختلف إن شهد أنه فقير عديم لا مال له ظاهرا ولا باطنا، فقيل: إنها شهادة لا تجوز؛ لأنها تحمل على ظاهرها من البتات. وقيل: إنها جائزة؛ لأنها تحمل على العلم. وأما إن نص في شهادته على البت والقطع فلا تجوز شهادته قولا واحدا. فقوله في هذه الرواية: والذي يشهد في مثل هذا على البتات أنه لا مال له شاهد زور صحيح لا اختلاف فيه إن كان نص في شهادته على البت والقطع، وإن كان لم ينص على ذلك فيها وإنما قال إنه لا مال له ولم يزد على ذلك فهو أعدل، على أحد القولين. وقد مضى في سماع أشهب من كتاب الشهادات التكلم على هذا المعنى في نظير هذه المسألة، فتأمل ذلك وقابله بقولي هاهنا فإن بعضه مبين لبعض، وبالله التوفيق. [مسألة: له على رجلين دين فأخذ أحدهما فحبسه في حقه] مسألة وسئل: عن رجل له على رجلين دين كتب عليهما وأيهما شاء أخذ بحقه، فأخذ أحدهما فحبسه في حقه، فأراد المحبوس أن يحبس الذي أبى صاحب الحق أن يحبسه. قال ذلك له إذا كان له مال أو يخاف أن يكون قد خبأ مالا، فذلك له يعمل به مثل ما يعمل صاحب الدين بالذي عليه الحق. قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأنه ضامن لنصف الحق عنه، فإذا سجن فيه كان له هو أن يسجن الذي ضمن عنه لما يجب له من الرجوع عليه فيما سجن فيه، وبالله التوفيق.

стр. 4878

[مسألة: له على رجلين حق فسأله رجل عن حقه فقال ما لي عليهما شيء] مسألة وعن رجل له على رجلين حق وأيهما شاء أخذ بحقه، فسأله رجل عن حقه، فقال: ما لي عليهما شيء، ثم ادعى كل واحد منهما أنه قد دفع إليه ذلك الحق، وأقر صاحب الحق أنه قد قبضه من أحدهما، فقال: أراه شاهدا للذي زعم أنه دفع إليه؛ لأنه لم تبق لصاحب الحق تهمة يجر بها إلى نفسه شيئا، فأراها شهادة قاطعة. قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله؛ لأنه شاهد لأحدهما على الآخر بما لا منفعة له فيه، وبالله التوفيق. [مسألة: الرجل قد أشهد هاهنا ثم يزيد شهودا بعد شهود] مسألة وسئل: عن رجل ادعى على رجل مائة دينار وأقر بها الذي ادعيت قبله وأنه قد أوصلها إليه، فأقام شهيدين يشهدان أنه أقر أنه أوصل إليه خمسين دينارا وأقام عليه شهيدين آخرين أنه أوصله خمسين دينارا، وقال الذي له الحق: إنما هي خمسون دينارا ولكني أشهدت له شهودا بعد شهود، أفتراها مائة أم خمسين؟ قال: أراها خمسين؛ لأن الرجل قد أشهد هاهنا ثم يزيد شهودا بعد شهود، فأراها خمسين إلا أن يكون كتب له براءتين، فإن هذا مما يستدل أنه أمران مختلفان وإلا فلا شيء عليه. قال محمد بن رشد: قوله أراها خمسين، يريد مع يمين الذي له الحق أنها خمسون واحدة. وفي رسم حمل صبيا من سماع عيسى من كتاب

стр. 4879

الشهادات خلاف هذا أن القول قول الذي عليه الحق. وقد مضى القول على ذلك هنالك مستوفى فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق. [مسألة: ادعى على رجل حقا فقال المدعى عليه ما أعرفك] مسألة وعن رجل ادعى على رجل حقا فقال المدعى عليه ما أعرفك ولا كانت بيني وبينك خلطة قط، ثم ادعى بعد ذلك المدعى عليه قبل المدعي بحق وأتى عليه ببينة، هل تنفعه بينته وهو قد أنكر خلطته، فقال: لا أرى أن تنفعه بينته ولا تجوز شهادتهم إلا أن تكون بعد ذلك خلطة. قال الإمام القاضي: هذه مسألة جارية على أصل مختلف فيه في المذهب قائم من المدونة من كتاب اللعان وغيره. وقوله في آخر المسألة: إلا أن تكون بعد ذلك خلطة - لفظ وقع على غير تحصيل، إذ لا تعتبر الخلطة مع قيام البينة. فإذا أقام البينة بحق له عليه من معاملة قديمة قبل إنكاره أن تكون بينه وبينه خلطة لم ينتفع بها، وإن أقام البينة بحق له عليه من معاملة حديثة بعد إنكاره أن يكون بينه وبينه خلطة قضي له بها وإن لم يكن بينهما بعد ذلك خلطة. وإن قالت البينة لا تدري هل كانت المعاملة قبل الإقرار أو بعده فالقول قول الطالب مع يمينه أنها بعد الإقرار. وإنما تعتبر الخلطة مع مجرد الدعوى. فقوله: إلا أن تكون بعد ذلك خلطة إنما يصح إن ادعى قبله دعوى لم يقم عليها بينة من معاملة حديثة بعد أن أنكر خلطته؛ لأنه إن كانت بينهما بعد ذلك خلطة لحقته اليمين، وإن لم تكن بينهما خلطة لم تلحقه، وبالله التوفيق. [: أكراه الدار بستة دنانير فنقده ثلاثة وبقي عليه ثلاثة ففلس المكتري] ومن كتاب استأذن سيده وسألته: عن الذي يكتري الدار سنة بستة دنانير فينقده ثلاثة

стр. 4880

دنانير ويبقى عليه] ثلاثة، فلما سكن ستة أشهر فلس المكتري. قال: يخير صاحب الدار، فإن شاء ترك الدار لتمام السنة وحاص الغرماء بثلاثة دنانير في مال المفلس، فإن أبى إلا أن يأخذ داره رد نصف الثلاثة التي قبض وقبض داره وحاص الغرماء بما زاد في مال المفلس؛ لأن الثلاثة التي قبض كانت كراء لما سكن ولما بقي، فلما كانت كراء لما سكن ولما بقي، قيل له: رد ما كان كراء لما بقي من السنة وتأخذ دارك وتحاص الغرماء بنصف كراء ما سكن؛ لأنه قد صار لك عديما بذلك، إلا أن يشاء الغرماء أن يعطوه دينارا ونصفا تمام كراء الستة الأشهر التي بقيت ويأخذوا الدار إلى السنة فيكون ذلك لهم إذا أعطوه دينارا ونصفا؛ لأنه لو أخذ داره كان عليه أن يرد عليهم دينارا ونصفا، فإذا أقروا ذلك في يده وأعطوه دينارا ونصفا فذلك تمام ثلاثة دنانير كراء الستة أشهر التي بقيت، فيكونون أولى بالدار ويحاص بدينار ونصف صاحب الدار في مال المفلس، وذلك تمام ستة دنانير. وكذلك أيضا العمل في البز وفي جميع الأشياء إذا اشترى رجل عدلين ففلس المشتري فلم يوجد عنده إلا عدلا واحدا وقد قبض البائع نصف الثمن كان العمل فيه على ما فسرت لك في كراء الدور وفي كل شيء كذلك العمل فيه. قال محمد بن رشد: هذه مسألة صحيحة على مذهب ابن القاسم

стр. 4881

في المدونة وعلى معنى ما تقدم في رسم قطع الشجر من سماع ابن القاسم، وفي بعض وجوهها اختلاف. فأما قوله: إذا فلس المكتري بعد ستة أشهر إن صاحب الدار يخير فإن شاء ترك الدار إلى تمام السنة وحاص الغرماء بثلاثة دنانير في مال المفلس، فلا أعرف فيه نص خلاف، إلا أنه داخل فيه بالمعنى، وذلك أن هذا إنما يصح على قياس قول أشهب الذي يرى قبض أوائل الكراء قبضا لجميع الكراء، فيجيز أخذ الدار للمكري من الدين. وأما ابن القاسم فالقياس على أصله أن يحاص الغرماء بكراء ما مضى ويأخذ داره، ولا يكون له أن يسلمها ويحاص الغرماء بالثلاثة دنانير. وإذا أسلم الدار وحاص الغرماء ببقية كرائه قبض ما صار له في المحاصة إن كان الكراء وقع بالنقد. وأما إن لم يكن وقع بالنقد ولا كان العرف فيه النقد فلا يجب أن يقبض ما صار له في المحاصة؛ لأنه لم يسلم السكنى، ويوقف، فكلما سكن شيئا أخذ بقدره من ذلك. وأما قوله فإن أبى إلا أن يأخذ داره رد نصف الثلاثة التي قبض وقبض داره، ففيه ثلاثة أقوال في المذهب: أحدها هذا، والثاني: أنه ليس له أن يأخذها إلا أن يرد الثلاثة التي قبض وهو الذي يأتي على ما في الموطأ لمالك، والثالث: أن له أن يأخذ داره ولا يرد شيئا، وتكون الثلاثة التي قبض ثمن الستة التي سكن، روي ذلك عن ابن أبي زيد وهو مذهب الشافعي. وأهل الظاهر يقولون إنه إذا قبض من الثمن شيئا فهو أسوة الغرماء بجميع ما بقي له منه، ولا يكون له حق في أخذ شيء مما أدرك بدليل قوله في الحديث: «أيما رجل باع متاعا فأفلس الذي ابتاعه ولم يقبض الذي باعه من ثمنه شيئا فوجده بعينه فهو أحق به» . واختلف إذا أعطاه الغرماء دينارا ونصفا تمام كراء الستة الأشهر التي بقيت وأخذوا الدار إلى تمام السنة، فقيل: إنهم يكونون أحق بها ويحاص صاحب الدار بدينار ونصف في مال المفلس سوى الدار، وهو

стр. 4882

قوله في هذه الرواية، وقيل: إنهم يكونون أحق بدينار ونصف من السكنى؛ لأنهم افتدوه بذلك فيكرون به الستة الأشهر الباقية حتى يستوفوه منها كما لو فدوها به من رهن؛ لأنهم حلوا فيها محل ربها، فلما كان أحق بها كانوا أحق منها بما فدوه حتى يستوفوه، وقيل: إنهم لا يكونون أحق بشيء منه ويحاصهم فيه صاحب الدار بالدينار ونصف الباقي له من ثمن الماضي. وقد قال ابن وهب: إنه ليس للغرماء أخذ بقية الكراء حتى يدفعوا إليه جميع دينه من الكراء، وبالله التوفيق. [: حصد الزرع ودرس وجاء الغرماء فطلب الولد في الزرع إجارة ما حصدوا] من كتاب العرية وعن رجل توفي وترك ولدا وترك زرعا قد أفرك، فلما حصد ودرس جاء غرماء الميت ولم يترك مالا غير الزرع فطلب الولد في الزرع إجارة ما حصدوا ودرسوا، هل ترى ذلك لهم؟ قال ابن القاسم: نعم، ذلك لهم يأخذون إجارة ما عملوا فيه. قال محمد بن رشد: هذا بين لا إشكال فيه، إذ لا يلزم الورثة أن يحصدوه ويدرسوه للغرماء من أموالهم، وبالله التوفيق. [مسألة: سلف دنانير في عبد موصوف إلى أجل فمات قبل أن يدفع العبد] مسألة وفي رجل سلف رجلا دنانير في عبد موصوف إلى أجل فمات الذي عليه العبد قبل أن يدفع العبد كيف يحاص أهل الدين؟ وهل يجوز له أن يأخذ ثمنه منه وإن كان اشترى منه قمحا؟ قال ابن القاسم: يحاص أهل الدين بقيمة تلك السلعة ما كانت، فما صار له في المحاصة اشترى له به ما بلغ من حقه، ويكون ما بقي دينا له على الغريم يتبعه به إن بلغ ما صار إليه في

стр. 4883

المحاصة نصف عبد أو ثلث عبد اشتري ذلك له، واتبعه بنصف عبد أيضا إن كان الذي صار له في المحاصة نصف عبد، وإن كان أقل أو أكثر من ذلك فإنما يتبعه بما نقص من العبد. قال محمد بن رشد: قوله: إنه يحاص أهل الدين بقيمة تلك السلعة ما كانت، يريد قيمتها حالة خلاف قول سحنون إنه يحاص له بقيمتها إلى أجلها. وقد مضى هذا المعنى وغيره من معاني المسألة في رسم القبلة من سماع ابن القاسم. وإذا وقف ما صار لهم بالمحاصة ليشتري لهم به ما بلغ من حقوقهم فحال السعر بزيادة اتبعوا الغريم بالنقصان، وإن حال بنقصان لم يرجع الغرماء عليهم بالفضل إلا أن يكون فيما صار لهم أكثر من حقوقهم فيردوا الفضل على الغرماء، قاله ابن حبيب في الواضحة، وهو بيان وزيادة في المسألة، والأصل في ذلك أن الرخص والغلاء للغريم وعليه؛ لأنه موقوف على ملكه، ولو تلف لكانت مصيبته منه ولم يلحق سائر الغرماء من ذلك شيء، وبالله التوفيق. [مسألة: رجل أفلس فأدرك رجل ماله بعينه] مسألة وعن الرجل يفلس فيوقف السلطان ماله ويكون في ماله دابة لرجل، فيموت الغريم الذي عليه الدين قبل أن يقسم السلطان ماله، فيجد صاحب الدابة دابته هل تراه أحق بدابته من الغرماء؟ قال مالك: إذا وقفت له فهو أحق بها وإن مات الغريم قبل أن يقبضها، وإن مات الغريم قبل أن توقف له فهو أسوة الغرماء. قلت: ما يوقف له أليس إذ أفلس ووقف ماله فهو أحق بدابته وإن لم يجيء إلا بعد موت المفلس إذا لم يقسم ماله؟ قال: لا يكون وقف ماله وقفا حتى توقف له الدابة بعينها، يتعلق بها فلس فيقول هذه دابتي وتوقف له حتى يثبتها. قال الإمام القاضي: هذه مسألة صحيحة مفسرة لما في كتاب

стр. 4884

الهبات من المدونة. والأصل فيها قول النبي ﵇: «أيما رجل أفلس فأدرك رجل ماله بعينه فهو أحق به من غيره» ؛ لأنه إذا وقف له ليثبته ففد أدركه، وبالله التوفيق. [مسألة: السكوت هل يعد إذنا في الشيء وإقرارا به أم لا] مسألة وسئل: عن رجل جاء قوما فقال أنا أشهدكم أن لي على فلان كذا وكذا دينارا وفلان ذلك مع القوم في المجلس ساكت فلم يقل نعم ولا لا، ولم يسأله الشهود عن شيء، ثم جاء يطلب ذلك قبله فأنكر أن يكون عليه شيء، هل يلزمه شيء؟ قال: نعم، ذلك لازم إذ سكت ولم يقل شيئا. قال محمد بن رشد: اختلف في السكوت هل يعد إذنا في الشيء وإقرارا به أم لا على قولين مشهورين في المذهب منصوص عليهما لابن القاسم في غير ما موضع من كتبه: أحدهما هذا: أنه إذن، والثاني: أنه ليس بإذن، وهو قول ابن القاسم أيضا في سماع عيسى من كتاب الدعوى والصلح وفي سماع أصبغ من كتاب المدبر. وأظهر القولين أنه ليس بإذن؛ لأن في قول النبي ﷺ : «والبكر تستأذن في نفسها وإذنها صماتها» دليلا على أن غير البكر بخلاف البكر في الصمت. وقد أجمعوا على ذلك في النكاح، فوجب أن يقاس ما عداه عليه إلا ما يعلم بمستقر العادة أن أحدا لا يسكت عليه إلا راضيا به فلا يختلف في أن السكوت عليه إقرار به، كالذي يرى حمل امرأته فيسكت ولا ينكر ثم ينكره بعد ذلك وما أشبه

стр. 4885

ذلك. وقد مضى هذا في رسم أسلم من سماع عيسى من كتاب النكاح وفي غير ما موضع من كتابنا هذا، وبالله التوفيق. [مسألة: قام بذكر حق له ممحو على رجل فطلبه فادعى أنه قد قضاه] مسألة وسئل: عن رجل قام بذكر حق له ممحو على رجل فطلب منه ما فيه وأقام عليه بما فيه البينة، فادعى الغريم أنه قد قضاه إياه ومحاه عنه، فهل يلزمه الحق أو ما ترى؟ فقال ابن القاسم: يلزمه الحق إذا ثبتت البينة ويحلف بالله ما قضاه ولا محاه عنه. وعن رجل قام بذكر حق على رجل ممحو وأقر صاحب الحق أنه محاه وظن أنه قد قضاه وله بينة على ما في هذا الذكر الحق قال الغريم قد قضيته وما محاه إلا من قبض، فما ترى؟ قال ابن القاسم: يحلف الغريم بالله لقد قضاه ولا شيء عليه، وهذه مخالفة للأولى؛ لأن هذا قد أقر له بأنه محاه. قال محمد بن رشد: الفرق بين المسألتين بين على ما قاله، ولا اختلاف في المسألة الأولى. وأما الثانية فيتخرج فيها بالمعنى اختلاف حسبما ذكرته في أول رسم من سماع ابن القاسم، وبالله التوفيق. [مسألة: يبتاع العبد بماله بدين إلى أجل ففلس مشتريه وقد مات العبد] مسألة وسألته: عن الرجل يبتاع العبد بماله بدين إلى أجل ففلس مشتريه وقد مات العبد في يده وبقي ماله أو بقي العبد وفات ماله. قال: إذا وجد العبد وفات ماله بانتزاع من السيد فاستهلكه أو غير ذلك أو استهلاك من العبد أو بوجه من الوجوه فإنه يقال له إن شئت فخذ العبد ولا شيء لك غيره، وإن شئت فدع وحاص فيه وفي جميع ماله المفلس بمالك عليه، فإن اختار العبد فلا شيء له غيره إلا أن يشاء الغرماء أن يدفعوا ماله على المفلس

стр. 4886

ويأخذوا العبد فذلك لهم. وإن كان العبد قد فات فوجد ماله فإنه لا سبيل إلى مال العبد ولا خيار له في ذلك وهو أسوة الغرماء في مال العبد والمفلس. قلت له: وإن كان مال العبد رقيقا أو عروضا قائمة معروفة؟ قال: وإن كان معروفا فلا سبيل له إليه، وقال: مال العبد ضعيف، ألا ترى أن مالكا قال: لو أن رجلا ابتاع عبدا بماله فذهب بعض ماله أو كله في عهدة الثلاث لم يكن له أن يرده لما ذهب من ماله، ولو أنه وجد به عيبا وقد ذهب ماله رده ولم يكن عليه فيما ذهب من ماله شيء، إلا أن يكون انتزعه منه فيكون عليه أن يرد معه ما انتزع من ماله مما اشتراه به. قلت: فما اكتسبه عنده أله أن يحبسه إذا رده بالعيب وقد كان انتزعه منه قبل أن يظهر على العيب، أعليه أن يرده مع العبد إذا رده بالعيب؟ قال ابن القاسم: قال مالك: إذا رده رد معه ما اكتسب من ماله كان عنده اكتسبه أو اشتراه به فانتزعه أو كان في يده فإنه يرده ويرد ماله. قال الإمام القاضي: هذه مسألة صحيحة جارية على أصولهم في أن مال العبد تبع له، ولا اختلاف أحفظه في شيء من وجوهها إلا في مجرد انتزاع مال العبد في التفليس هل هو فوت فيه بخلاف الرد بالعيب أو ليس بفوت فيه مثل الرد بالعيب؟ فقيل: إنه ليس بفوت فيه مثل الرد بالعيب. وإذا فلس مشتري العبد بعد أن انتزع ماله وهو قائم بيده لم يتلف ولا استهلكه بعد أن البائع أحق به يأخذه مع العبد إن شاء أخذ العبد وترك محاصة الغرماء، كما أن مشتري العبد إذ وجد به عيبا بعد أن انتزع ماله وهو قائم بيده لم يكن له أن يرده إلا بماله، وهو قول ابن القاسم في هذه الرواية بدليل قوله فيها: وفات ماله بانتزاع من السيد فاستهلكه، إذ لم ير مجرد الانتزاع في المال فوتا فيه إلا أن يستهلكه السيد، وسواء استهلكه بالانتفاع به مثل أن يكون طعاما فيأكله أو ثوبا فيستهلكه باللباس أو بما لا منفعة له فيه، مثل أن يكون

стр. 4887

عبدا فيقتله أو يعتقه أو يهبه أو يتصدق به، الحكم في ذلك كله سواء، هو في التفليس فوت بخلاف الرد بالعيب، إذ ليس لمشتري العبد أن يرده بالعيب بعد أن استهلك ماله بشيء من هذه الوجوه إلا أن يرد قيمة ذلك معه. وقيل: إن مجرد الانتزاع فيه فوت. وإذا فلس المشتري بعد أن انتزع المال وهو قائم بيده فليس للبائع أن يأخذه، وهو بالخيار بين أن يأخذ العبد بجميع الثمن وبترك ماله، أو يتركه ويحاص الغرماء بجميع الثمن فيه وفي ماله وفي سائر مال المفلس، بخلاف الرد بالعيب، إذ ليس للمشتري أن يرد العبد بعد انتزاع ماله إلا أن يرثه معه، فإتلاف مال العبد فوت في التفليس وفي الرد بالعيب، تلف قبل الانتزاع أو بعده، يكون الحكم في ذلك كله بمنزلة إذا لم يكن له مال. واستهلاك المشتري إياه قبل الانتزاع أو بعده يفترق فيه التفليس والرد بالعيب، يكون الحكم فيه في التفليس بمنزلة إذا لم يكن له مال، وفي الرد بالعيب لا يرده إلا أن يرد معه قيمة ما استهلك من ماله أو مثله في ماله مثل. ومجرد الانتزاع إذ كان المال قائما بيد المبتاع يختلف فيه في التفليس على قولين: أحدهما: أن الانتزاع فوت كالتلف، والثاني: أنه ليس بفوت فيه ويكون للبائع أن يأخذه مع العبد إن أراد أخذه، وفي الرد بالعيب ليس له أن يرده إلا بماله. وسواء في هذا كله ابتاع المشتري العبد بماله أو اكتسبه عنده بتجارة أو وهب إياه، إلا أن يكون السيد هو الذي وهبه إياه أو اكتسبه عنده من عمل يده فلا يكون للبائع فيه حق لا في التفليس إن أراد أن يأخذه ولا في الرد بالعيب إن رد عليه. والحكم في مال العبد في الاستحقاق بخلاف هذا، للمستحق أن يأخذ مال العبد من يد المشتري وإن كان العبد قد مات عنده قبل الاستحقاق. والفرق في هذا بين الاستحقاق وبين التفليس أن العبد في الاستحقاق لم يخرج عن ملك مستحقه فكان له أن يأخذ ماله سواء وجد العبد أو لم يجده، وكذلك له أن يغرم المشتري الذي استحق العبد من يده

стр. 4888

قيمة مال العبد إن كان قد استهلكه، وجد العبد أو لم يجده، ويأخذه من يد الموهوب له إن كان وهبه، وبالله التوفيق. [مسألة: الصائغ يفلس فيقر لقوم بمتاع عنده ولا بينة لهم إلا قوله] مسألة وعن الصائغ يفلس فيقر لقوم بمتاع عنده ولا بينة لهم إلا قوله، هل يقبل قوله: إذا قال هذا لفلان ولا بينة لهم، أو أقر بدين لرجل عليه وليس له بينة، أيأخذ مع من أقام البينة أم لا؟ قال: سمعت مالكا يقول غير مرة: إن إقراره بالمتاع جائز لأهل المتاع. قال محمد بن رشد: هذه مسألة قد مضى القول فيها في أول رسم من سماع ابن القاسم من هذا الكتاب، ومضى تحصيل القول فيها أيضا في رسم الشجرة تطعم بطنين في السنة من سماع ابن القاسم من كتاب تضمين الصناع، فلا معنى لإعادة شيء من ذلك، وبالله التوفيق. [مسألة: يبيع الغزل من الرجل فيستنسجه ثوبا ثم يفلس فيوجد الثوب في يده] مسألة وسألته: عن الصناع إذا صنع أحدهم لرجل عملا فقال له صاحب المتاع: هات ما عملت لي وسآتيك بحقك، أو وخره أياما ثم فلس قبل أن يتقاضى الصانع أجرة عمله، هل يكون الصانع أولى بذلك الشيء الذي عمله فيه من الغرماء إذا وجده بعينه حتى يتقاضى حقه؟ قال: إن كل صنعة صنعها صانع لرجل لم يجعل فيها أكثر من عمل يديه مثل الخياطة والقصارة والصياغة ونحو ذلك من الأعمال، فإذا خرجت من يده بما ذكرت فليس هو أولى بها، وإن وجدها فهو أسوة الغرماء بأجر عمله الذي وجب له عليه في جميع مال المفلس، وكل صانع أخرج من عنده عمله شيئا

стр. 4889

سوى عمله فأدخله في ذلك الشيء مثل الصباغ يجعل الصباغ والصيقل يجعل متاع السيف والفراء يسترقع الفرو فيجعل من عنده الجلود، فإن هؤلاء ونحوهم إذا أدركوا السلعة قائمة بعينها نظر إلى قيمة الصبغ الذي في الثوب كم قيمته لا يبالي نقص ذلك الصبغ الثوب أو زاده، ثم ينظر كم قيمة الثوب أبيض وكم قيمة الصبغ. وإنما ينظر قيمة ذلك يوم يحكم فيه، فإن كان قيمة الصبغ خمسة دراهم وقيمة الثوب أبيض عشرة دراهم كان لصاحب الصبغ ثلث الثوب ولغرمائه ثلثاه إلا أن يشاء الغرماء أن يدفعوا إليه جميع ما واجبه عليه المفلس من الأجر ويأخذوا الثلث فذلك لهم، أو يرضى هو أن يكون أسوة الغرماء في مال المفلس بجميع حقه فيكون ذلك له. وإن لم يرض أن يكون أسوة الغرماء ولم يرض الغرماء أن يفتكوا ذلك الثوب، فالثلث له بالغ ما بلغ ثمنه وإن زاد على أجره الأول أضعافا أو نقص أضعافا من أجره الأول أضعافا، فإذا أسلم إليه فيه ثلثه فله نماؤه وعليه نقصانه، وهو بمنزلة الرجل يبيع الغزل من الرجل فيستنسجه ثوبا ثم يفلس فيوجد الثوب في يده، فإن صاحب الغزل مخير إن شاء أسلمه وكان أسوة الغرماء، وإن أبى نظر إلى قيمة الغزل وقيمة العمل عمل الثوب، فإن كان قيمة الثوب الغزل خمسة دراهم وقيمة العمل عشرة دراهم أو قيمة العمل خمسة دراهم وقيمة الغزل عشرة دراهم كان هو والغرماء شركاء في الثوب، هذا بقيمة الغزل والغرماء بقيمة العمل، إلا أن يشاء الغرماء أن يعطوه جميع حقه ويستخلصوا جميع الثوب فذلك لهم، وإن أبوا وأسلموا إليه ما

стр. 4890

صار له في الثوب كان ذلك له ولم يكن له أكثر من ذلك نقص الثمن الذي صار له في الثوب عن ثمن الغزل أو زاد فذلك له، إذا أسلم إليه كان له نماؤه وعليه نقصانه، وليس له في مال المفلس أكثر مما له في الثوب وإن نقص الذي صار إليه في الثوب أضعاف ثمن الغزل ليس له أكثر من ذلك، وليس ينظر في هذا إلى ثمن الثوب، ربما كان ثمن الثوب أدنى من قيمة العمل وربما كان قيمة الغزل أكثر من جميع الثوب، وإنما ينظر إلى قيمة الغزل وقيمة عمل الثوب فيكونون فيه شركاء في الثلث والثلثين أو النصف أو ما كان فيضربون بذلك السهم في ثمن الثمن، فقس ما يرد عليك من الصناعات والغزل ونحوه مما يعمل على ما فسرت لك، والله الموفق للصواب. قال محمد بن رشد: الأصل في مسألة الصانع يفلس الذي استأجره والشيء الذي استعمل إياه بيده قبل أن يدفعه إليه أو بعد أن دفعه إليه وفي مسألة الغزل التي أدخلها عليها ونظرها بها - قول النبي ﷺ : «أيما رجل أفلس فأدرك الرجل ماله بعينه فهو أحق به من غيره» ؛ لأن الصانع بائع للصنعة التي استؤجر على عملها، فإذا أفلس المستأجر قبل أن يدفع الأجرة والسلعة بيد الصانع لم يدفعها بعد فلا اختلاف في أنه أحق بالسلعة من الغرماء حتى يستوفي أجرته؛ لأنها كالرهن في يديه، ولا اختلاف في هذا. وأما إذا أفلس قبل أن يدفع الأجرة وقد قبض السلعة معمولة، فإن لم يكن للصانع فيها غير عمل يده مثل أن يكون ثوبا فخاطه أو قصره أو غزلا فنسجه أو فضة فصاغها وما أشبه ذلك، فالمشهور أنه أسوة الغرماء، وهو قوله في هذه الرواية، وقيل: إنه أحق بعمله، فإن شاء أخذه بأجرته وكان شريكا للغرماء في المتاع المعمول بقيمة عمله فيه، وإن شاء

стр. 4891

تركه وكان أسوة الغرماء، وهي رواية أبي زيد عن ابن القاسم في هذا الكتاب. وهذا إذا علم أن الصانع لم يأخذ أجرته ببينة قامت على ذلك، مثل أن يكون دفع إليه المتاع معمولا على أن يأتيه بأجرته بحضرة بينة. وأما إن فلس والمتاع بيده معمولا فلا يصدق بعد التفليس أنه لم يدفع الأجرة على أصولهم في أن المفلس لا يجوز إقراره بعد التفليس. وأما إن كان له فيها شيء قد أخرجه من ماله سوى العمل، مثل الصباغ يصبغ الثوب بصبغة أو الرقاع يرقع الثوب برقاعة أو الصيقل يجعل متاع السيف من عنده وما أشبه ذلك فلا اختلاف في أنه أحق بما أخرج من ذلك كله من عنده؛ لأنه قائم بعينه كالسلعة المبيعة يدركها البائع في التفليس قائمة لم تفت. وأما عمل يده المستهلك فيكون أحق به على رواية أبي زيد التي ذكرناها، ولا يكون أحق به على رواية عيسى وهو المشهور في المذهب حسبما ذكرناه. فيكون على قياس رواية أبي زيد إذا أبى الغرماء أن يعطوه جميع أجرته بالخيار بين أن يكون أسوة الغرماء بجميع أجرته، وبين أن يكون أحق بقيمة ما جعل في السلعة من عنده من صبغ أو رقاع وبقيمة عمل يده، يكون بذلك كله شريكا للغرماء في السلعة، بأن يقال كم قيمة السلعة غير معمولة؟ فإن قيل: عشرة، قيل: كم قيمة ما أخرج فيها من عنده وكم قيمة عمل يده؟ فإن كان قيمة ما أخرج فيها من عنده خمسة وقيمة عمل يده خمسة كان شريكا للغرماء فيها بالنصف، والقيمة في ذلك يوم الحكم على ما نص عليه في هذه الرواية. وقد قيل: إنه يكون شريكا فيها بما زاد عمله فيها من صبغ أو غيره، قاله ابن القاسم في كتاب ابن المواز، وهو بعيد في القياس، إذ قد يزيد عمله فيها أضعاف قيمته وقد لا يزيد فيها إلا بعض قيمة عمله، وقد لا يزيد فيها شيئا، وقد ينقص من قيمتها، فالقياس أن يكون شريكا بقيمة ما أخرج من عنده من صبغ وعمل يوم يحكم بالغا ما بلغ، كما يأخذ البائع في التفليس سلعته إذا وجدها قائمة زادت قيمتها أو نقصت. وأما على قياس رواية عيسى هذه وهو المشهور في المذهب فلا يكون إذا أبى الغرماء أن يعطوه جميع أجرته أحق إلا بقيمة ما أخرج من عنده، وهو الذي يكون به شريكا. وأما قيمة عمل يده فقيل: إنه يكون به

стр. 4892

أسوة الغرماء وهو القياس، وقيل: إنه لا يكون له فيه شيء، وإنما يقال له أنت بالخيار بين أن تحاص الغرماء بجميع أجرتك، وبين أن تكون شريكا لهم في السلعة بقيمة ما أخرجت فيها من عندك خاصة دون عمل يدك، وهو ظاهر رواية عيسى هذه، ولا يحمله القياس. ومسألة الغزل التي ساقها على هذه المسألة ومثلها بها صحيحة لا اختلاف أحفظه فيها ولا إشكال في شيء من معانيها، والحجة بها لإيجاب الشركة للصانع فيما أخرج من عنده بينة واضحة، ولم ير النسج في الغزل المبيع فوتا، ومثله البقعة تبنى. وفي كتاب محمد أن الرجل إذا باع جلودا من رجل فقطعها المشتري نعالا ثم فلس فلا يكون البائع أحق بها؛ لأنها قد فاتت، ومثله حكى ابن حبيب في الواضحة عن أصبغ في الثوب يقطعه قميصا أو ظهائر، والخشبة يعمل منها توابت وأبوابا. والفرق عندهم بين ذلك وبين الغزل ينسج والبقعة تبنى أن البقعة والغزل قائم بعينه إلا أنه قد زيد فيه غيره، والقطع في الثياب والجلود نقصان فيها وإفاتة لها. وقد وقف مالك في رواية مطرف عنه في الثياب تقطع فقال: ما أدري ما هذا لو كانت أدما فقطعت خفافا أو نعالا وتفاوت هذا لم أره شيئا، وإن كان شيئا متقاربا لم يأت فيه فوت فأراه أحق به من الغرماء. والذي يوجبه عندي فحص القياس على ما أجمعوا عليه في الجارية يصيبها عور أو عمى أو الثوب يخلق أو يبلى أن صاحبه أحق به إن شاء أن يأخذه بجميع الثمن أن لا يكون القطع في الثياب ولا في الجلود فوتا، وأن يكون لصاحبها أن يأخذها مقطوعة ناقصة بجميع الثمن إن شاء، وأن يكون شريكا مع المبتاع فيها بقيمة الخياطة والعمل إن لم يأت حتى خيطت الثياب أو عملت النعال من الجلود، إلا أن يكون القطع فيها فسادا لها مثل أن يقطع الثوب تبابين وهو لا يقطع من مثله تبابين، أو الجلد نعالا وهو لا يقطع من مثله نعال، فيكون ذلك فوتا فيها بمنزلة البلى والفساد في الثوب إذا تفاحش جدا. وإذا كان عور الجارية أو نقصان الثوب من جناية قد أخذ لها المبتاع ثمنا نصف ثمنهما مثلا فإن صاحبها الغريم مخير بين أن يأخذها بنصف حقه ويحاص الغرماء بالنصف الباقي أو يتركها ويحاص الغرماء بجميع حقه، إلا أن يشاء الغرماء أن يدفعوا إليه حقه كاملا

стр. 4893

فلا يكون له كلام، وبالله التوفيق. [: من تقاضى منه شيئا قبل أن يفلس فهو له دون الغرماء] ومن كتاب [أوله] يوصي لمكاتبه بوضع نجم من نجومه وسألته: عن الرجل يكون عليه دين للناس وقد غرق في الدين إلا أنه لم يفلس بعد ولم يوقف للتفليس ففطن به بعض غرمائه أنه قد غرق في الدين فيبادر إليه فيتقاضى منه حقه ثم يعلم الغرماء بذلك ويقومون على تفليسه. قال: قال مالك: من تقاضى منه شيئا قبل أن يفلس فهو له دون الغرماء، وإن كان قد أحاط الدين بماله وغرق في الدين فمن تقاضى منه شيئا ما دام قائم الوجه وهو يتاجر الناس فهو له. قال ابن القاسم: وإن كان الذي تقاضى منه قد فطن لعدمه وبادر الغرماء فذلك له دون الغرماء. قلت: فلو كان جميع الغرماء قد تشاوروا في فلسه وأرادوا أن يفلسوه إلا أنهم لم يرفعوا ذلك بعد إلى السلطان ولم يقفوه للتفليس بعد إلا أنهم قد تشاوروا في فلسه فخالف بعض الغرماء فتقاضى منه، أيكون له ذلك؟ قال: لا أرى ذلك له، وهو بين جميع الغرماء. قال محمد بن رشد: قول ابن القاسم هذا: إن قضاء الغريم بعض غرمائه بعد أن تشاوروا في تفليسه لا يجوز - هو مفسر لأحد قولي مالك في المدونة، والقول الثاني: أن قضاءه لا يجوز وإن لم يتشاوروا بعد في تفليسه، وأصبغ يرى قضاءه جائزا وإن تشاوروا في تفليسه ما لم يفلسوه، فهي ثلاثة أقوال، أظهرها ما اختاره ابن القاسم من قولي مالك أن قضاءه جائز ما لم يتشاور الغرماء في تفليسه، وبالله التوفيق.

стр. 4894

[مسألة: يواجر الرجل ببقرة ليدرس له فيدرس النهار ثم يفلس صاحب الزرع] مسألة وسألت ابن القاسم: عن الرجل يواجر الرجل ببقرة يدرس له زرعا فيدرس النهار وينقلب الليل، ثم يفلس صاحب الزرع، قال: الدارس أولى بالطعام حتى يستوفي إجارته. قال الإمام القاضي: قال ابن المواز: لأنه وإن انقلب في الليل فإن الأندر بحاله لا ينقلب به صاحبه، بخلاف الصانع في دار الرجل مثل الخياطة والصياغة وما أشبه ذلك من الأعمال فينقلب ويتركها، فلا يكون الصانع أحق بها من الغرماء. وقول محمد بن المواز صحيح؛ لأنه ما لم يتم عمل الزرع فله حكم كونه بيده وإن غاب عنه بالليل لما يلزمه من حفظه حين مغيبه عنه. وكذلك لو أكمل عمله ما لم يسلمه إلى ربه بأن يقول له: خذ زرعك فقد أكملت عمله هو أحق به؛ لأنه كالرهن بيده ضمانه منه إن ضيعه. ولو فلس صاحبه بعد أن أسلمه إليه لكان أسوة الغرماء فيه وفيما سواه من ماله بجميع أجرته. ويأتي على قياس رواية أبي زيد في النسج أن يكون أحق من الغرماء بقيمة عمله في الزرع يكون له فيه شريكا. وقد مضى هذا المعنى في الرسم الذي قبل هذا، وتأتي المسألة متكررة في سماع أبي زيد، وسنتكلم عليها إذا مررنا بها إن شاء الله تعالى. [مسألة: الذي أقر بالاقتضاء لا يصدق فيما ادعاه إن كان إقراره على وجه الشكر] مسألة وسئل: عن رجل لقي رجلا فقال: أشهدك أني قد تقاضيت من فلان مائة دينار كانت لي عليه فجزاه الله خيرا فإنه أحسن قضائي فليس لي عليه قليل ولا كثير، فلقي الرجل الذي أشهده الرجل الذي زعم أنه قد قضاه فقال له: قد لقيني فلان فزعم أنك قد قضيته مائة دينار كانت له عليك وقد أشهدني على ذلك، فقال: قد كذب إنما أسلفته مائة دينار، فالقول قول من؟ قال ابن القاسم: القول قول من زعم أنه أسلفه مع يمينه إلا أن يأتي الآخر

стр. 4895

ببينة أنه قد تقاضاها في دينه. وقال ابن القاسم: هي بينة. قال أبو حمزة: وكذلك قال المخزومي. قال محمد بن رشد: هذا مثل ما في آخر كتاب المديان من المدونة، ومثل ما في رسم المكاتب من سماع يحيى أن الذي أقر بالاقتضاء لا يصدق فيما ادعاه من أنه اقتضى ذلك من حق واجب له إن كان إقراره على وجه الشكر، قال ذلك في هذه الرواية من قوله في كتاب الشهادات من المدونة. وفي سماع سحنون بعد هذا من هذا الكتاب أن من أقر للرجل أنه أسلفه فقضاه - يصدق في دعوى القضاء إذا كان إقراره بالسلف على وجه الشكر. والفرق عندي بين أن يقر الرجل للرجل أنه أسلفه على وجه الشكر فقضاه فينكر المقر له الاقتضاء، وبين أن يقر أنه اقتضى منه حقا له قبله على وجه الشكر له في أنه أحسن قضاءه فينكر أن يكون كان له عليه حق ويطلبه بما أقر أنه اقتضاه منه - هو أن السلف معروف آتاه الله وفضل تفضل به عليه يلزمه [شكره لقول الله : ﴿اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ [لقمان: ١٤] ، ولقوله: ﴿وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧] ، ولقول النبي ﷺ : «من آلت إليه يد فليشكرها» الحديث، فحمل عليه أنه إنما قصد إلى أداء ما تعين عليه من الشكر، لا إلى الإقرار على نفسه بوجوب السلف عليه، إذ قد قضاه إياه على ما ذكر، وحسن القضاء واجب على من عليه أن يفعله، فلم يجب على المقتضي أن ينكره، فلما لم يجب ذلك عليه وجب ألا يكون له تأثير في الدعوى وأن يكون القول قول القاضي؛ لأن المقتضي قد أقر بالقبض ويدعى أنه كان له عليه حقا فلا يصدق في ذلك على مذهب ابن القاسم، ويأتي على أصل أشهب في قوله: إنه لا يؤخذ أحد

стр. 4896

بأكثر مما يقر به على نفسه أن يكون القول قول المقتضي؛ لأنه لم يقر أنه قبض منه إلا ما له عليه، وهو قول ابن الماجشون نصا في هذه المسألة بعينها. ويقوم من هذه المسألة أن من كان له حق على رجل بوثيقة فدفع الذي عليه الحق ذلك الحق إلى الذي له الحق ودعا إلى قبض الوثيقة منه أو تخريقها أن ذلك ليس له، وإنما له أن يشهد عليه وتبقى الوثيقة بيد صاحب الدين؛ لأنه يدفع بها عن نفسه، إذ لعل الذي كان عليه الدين يسترعي بينة قد سمعوا إقرار صاحب الدين بقبضه منه أو حضروا دفعه إليه ولم يعلموا على أي وجه كان الدفع، فيدعي أنه إنما دفع إليه ذلك المال سلفا أو وديعة ويقول هات بينة تشهد لك أنك إنما قبضت ذلك مني لحق واجب لك، فبقاء الوثيقة بيده وقيامه بها يسقط عنه هذه الدعوى التي تلزمه. وكان شيخنا الفقيه أبو جعفر ﵀ يقيم ذلك فيما أخبرني عنه غير واحد من أصحابنا وأنا أشك أن أكون سمعته منه من آخر مسألة من كتاب المديان من المدونة، وهو كلام صحيح، إلا أن محمد بن عبد الحكم يرى أنه من الحق أخذ الوثيقة وقطعها، وهو قول عيسى بن دينار في بعض روايات العتبية، وقول أصبغ في الواضحة مثله في المرأة تقوم على ورثة زوجها بكتاب فيه بقية صداقها وليس بكتاب نكاحها إذا أخذت ما فيه نقدا ولم تأخذ عما فيه أرضا أو عقارا، ولا أعلم من يخالفهم في ذلك نصا، وإنما اختلف أصحاب مالك في كتاب النكاح إذا قامت به على ورثة زوجها وقبضت ما كان لها فيه من حق وأبت من دفعه، فقال مطرف: إن للورثة قبضه منها وقطعه، وقال أصبغ: ليس ذلك لهم. وأما إذا أبى الذي بيده الوثيقة من الإشهاد على نفسه بقبض ما فيها وقال للذي كان عليه الدين خذ الوثيقة أو قطعها فتلك براءتك، فليس ذلك له ويلزمه الإشهاد على نفسه، يقوم ذلك من غير ما مسألة، منها مسألة في رسم العرية من هذا السماع، وبالله التوفيق. [: المشتري يرد بالعيب فلم يقبض ثمنه من البائع حتى فلس والعبد بيده] ومن كتاب أوصى أن ينفق على أمهات أولاده وقال في عبد بيع فباعه مشتريه ثم فلس وقد خرج عن ملكه

стр. 4897

فحاص بالثمن ثم وجد بالعبد عيبا فرده، فقال: أنا آخذه وأرد ما أخذت، إن ذلك له. قال محمد بن رشد: ويتحاص فيما يرد الغرماء، وهذا على القول بأن الرد بالعيب نقض بيع، وأما على القول بأنه ابتداء بيع فلا يكون ذلك له، وهو أصل قد اختلف فيه قول ابن القاسم وأشهب، فالمشهور عن ابن القاسم أنه ابتداء بيع، والمشهور عن أشهب أنه نقض بيع. وقد مضى بيان هذا في أول رسم من سماع أشهب من كتاب العيوب. وعلى قياس القول بأنه نقض بيع قال ابن القاسم في كتاب ابن المواز في المشتري يرد بالعيب فلم يقبض ثمنه من البائع حتى فلس والعبد بيده، فلا يكون الراد له أولى به من الغرماء، ويأتي على قياس القول بأنه ابتداء بيع أن يكون أحق به من الغرماء. وأما من اشترى سلعة شراء فاسدا ففسخ البيع وقد فلس البائع فلا يكون المبتاع أحق بها حتى يستوفي ثمنها، قال ذلك ابن المواز وهو صحيح؛ لأن ردها بالفساد نقض للبيع، ولا يقال فيه إنه ابتداء بيع، لكونهما جميعا مغلوبين على الرد. وقد روي عن سحنون أن المبتاع أحق بها حتى يستوفي ثمنها، فحكم للرد بالفساد بحكم ابتداء البيع لما كان الملك قد انتقل للمشتري بالبيع الفاسد ووجب به الضمان منه، فهو قول له وجه. وإنما يكون الرد بالفساد نقض بيع على الحقيقة دون شبهة ولا اختلاف على القول بأن الملك لا ينتقل بالبيع الفاسد وأن المصيبة فيه من البائع وإن قبض المشتري إذا قامت البينة على التلف، وبالله التوفيق. [مسألة: عبد بيع فأبق ثم فلس مشتريه فقال البائع أنا أحاص بالثمن] مسألة وقال في عبد بيع فأبق ثم فلس مشتريه، فقال البائع: أنا أحاص بالثمن، فإن رجع العبد يوما ما أو وجد أخذته ورددت ما أخذت. قال: ليس ذلك له، إما أن يرضى أن يتبع العبد ويطلبه ولا شيء له غيره، وإما أن يحاص بالثمن، إلا أن يشاء الغرماء أن يدفعوا الثمن إليه.

стр. 4898

قال محمد بن رشد: هذه المسألة متكررة في سماع أبي زيد وفي آخر أول رسم من سماع أشهب من كتاب السلم والآجال أن البائع مخير بين أن يحاص الغرماء وبين أن يطلب العبد، فإن وجده كان أحق به، وإن لم يجده رجع فحاص الغرماء. وفي ذلك من قوله نظر، إذ لا حد لوقت طلبه يجب له بالبلوغ إليه الرجوع إلى محاصة الغرماء والرجوع على كل واحد منهم بما كان يجب له في المحاصة لو حاصهم إن تحاصوا قبل أن يجده. قال أصبغ: ليس له إلا المحاصة، ولا يجوز له أن يتركها ويتبع العبد؛ لأنه دين بدين وخطار، وهو أظهر الأقوال، ومثله ما في سماع عيسى من كتاب الجنايات أن العبد إذا جرح ثم أبق، فقال المجروح إما أن تدفع إلي قيمة جرحى وإما أن تخلي بيني وبين الغلام أطلبه، أنه لا خير فيه؛ لأنه غرر وخطار، والواجب في ذلك على قوله أن يرجى الأمر إلى أن يوجد العبد فيخير سيده بين أن يسلمه أو يفتكه بدية الجرح، وبالله التوفيق. [مسألة: الجارية توهب للثواب وتوطأ] مسألة وقال في الجارية توهب للثواب إن الوطء فيها إذا وطئها فوت تجب به القيمة، وكذلك الاعتصار إذا وطئها الابن لم يكن للأب أن يعتصرها وإن لم تحمل، [قال ابن القاسم] : ولكن المفلس لو فلس بعدما وطئها أخذها صاحبها وهي سلعته بعينها، وهو أولى من الغرماء. قال محمد بن رشد: في النوادر لسحنون عقب هذه المسألة: لا أدري ما هذا يريد، لا أدري ما الفرق بينهما. وما الفرق بينهما عندي إلا بين، وذلك أن الوطء لو لم يكن في الهبة للثواب ولا في الاعتصار فوتا لآل ذلك إلى عارية الفروج وإحلالها بأن يهب الرجل الجارية لمن له اعتصارها منه أو للثواب فيستمتع بها مدة من الزمان ثم يستردها. والتفليس لا تهمة

стр. 4899

في التخيير فيه بعد الوطء؛ لأنه أمر طارئ يوجبه الحكم بالسنة القائمة فيه عن النبي ﷺ ، فلا يتهمان فيه على القصد إلى المكروه، وبالله التوفيق. [: يبيع الأمة من الرجل بدين فيفلس صاحبها وقد ولدت عنده أولادا] ومن كتاب [أوله] بع ولا نقصان عليك وسئل: عن الرجل يبيع الأمة من الرجل بدين فيفلس صاحبها وقد ولدت عنده أولادا فباعهم، فوجد بائع الأمة أمته. قال: إن وجد أمته خير بين أن يأخذها وليس له في ولدها شيء، وبين أن يتركها ويضرب مع الغرماء بثمنها كله. وأما إذا وجد أولادها وقد باع الأمة قسم الثمن على الأمة وأولادها، فأخذ الأولاد بنصيبهم من الثمن، ويضرب مع الغرماء في مال المفلس بما أصاب الأم من الثمن. فقلت: ففي أي مسألة يكون مخيرا إذا وجد الأولاد ولم يجد الأم بين أن يأخذهم ولا شيء له غيرهم وبين أن يدعهم ويضرب مع الغرماء جميع الثمن؟ قال: ذلك إذا ماتت الأم ووجد الأولاد. قال سحنون: قال ابن القاسم: لو أن رجلا ابتاع جارية أو رمكة فولدت عنده أولادا فباع أولادها وأكل أثمانهم، ثم فلس وقام صاحبها فإنه إن أحب أخذها لم يأخذها إلا بجميع ما باعها به أو يسلمها. ولو وجد ولدها- وقد فاتت الأم بموت- لم يكن له أن يأخذ ولدها إلا بجميع ما باع به أمهم أو يسلمهم فيحاص الغرماء. وقال مالك: إذا فاتت الأمهات في يدي الغريم لم يضمن، وإن كان باع الأم وبقي ولد أخذ الولد وقومت الأم فحاص بقيمتها الغرماء. قال الإمام القاضي: تحصيل القول في هذه المسألة أنه إن فاتت

стр. 4900

الأم أو الأولاد بموت لم يكن له أن يأخذ الباقي منهما إلا بجميع الثمن، وأما إن فات الأولاد ببيع ففي ذلك ثلاثة أقوال: أحدها: أنه ليس له إلا أن يأخذ الأم بجميع الثمن أو يترك ويحاص الغرماء، وهو قول ابن القاسم هاهنا وفي الواضحة وروايته عن مالك، والثاني: أنه يأخذ الأم بما يقع عليها من الثمن بأن يفض على قيمة الأم يوم وقع البيع وعلى قيمة الولد يوم بيعوا ويحاص بما وقع على الولد من الثمن؛ والقول الثالث: أنه يأخذ الأم ويحاص الغرماء بما وصل إليه من ثمن الولد، فحكم للولد في القول الأول بحكم الغلة، وحكم له في القول الثاني بحكم أمه، وأما القول الثالث فليس بجار على أصل. وأما إن فاتت الأم ببيع ووجد الأولاد ففي ذلك قولان: أحدهما: أنه مخير بين أن يحاص الغرماء بجميع الثمن وبين أن يأخذ الأولاد بما يصيبهم من الثمن ويحاص الغرماء بما أصاب الأم منه، إلا أن يشاء الغرماء أن يدفعوا إليه جميع الثمن، والقول الثاني: أنه يأخذ الولد ويحاص الغرماء بقيمة الأم، وهو قول مالك هاهنا في بعض الروايات، ومعناه: إذا أبى الغرماء أن يدفعوا إليه جميع الثمن وأبى هو من ترك الأولاد ومحاصة الغرماء بجميع الثمن. وفي بعض الروايات: أخذ الولد بما يصيبهم من الثمن وحاص الغرماء بما يصيب الأم من الثمن، مثل قول ابن القاسم. فعلى هذه الرواية لا يكون في هذا الوجه إلا قول واحد، ولم يجر ابن القاسم في هذه المسألة على أصل واحد في القياس؛ لأنه حكم في بعض وجوهها للولد بحكم الغلة، وذلك إذ فات الأولاد ببيع أو موت، وحكم لهم بحكم الأم في بعض الوجوه، وذلك إذا فاتت الأم ببيع أو موت ووجد الأولاد، وإذا وجدهم قياما مع الأم وكان القياس أن يحكم لهم بحكم الغلة في جميع الوجوه، فلا يكون له إذا وجد الأم إلا أن يأخذها وحدها بجميع الثمن أو يحاص الغرماء، كان الأولاد قياما معها أو كانوا قد فاتوا ببيع أو موت، ولا يكون له إلى الولد سبيل وإن وجدهم مع الأم أو دونها، أو أن يحكم لهم في جميع الوجوه، فيكون له إذا وجدهم مع أمهم أن يأخذهم معها بجميع الثمن، وإن وجدهم قياما وقد فاتت أمهم ببيع أو موت كان له أخذهم بما ينوبهم من الثمن، وكذلك إذا وجد الأم قائمة وقد

стр. 4901

فات الولد ببيع أو موت كان له أن يأخذ الأم بما ينوبها من الثمن إلا أن هذا لم يقولوه، وبالله التوفيق. [مسألة: حضرته الوفاة وفي بيته خيش ومسح فقال المسح الشعر أعطوه فلانا] مسألة وعن رجل حضرته الوفاة وفي بيته خيش ومسح مملوئين طعاما، فقال المسح الشعر أعطوه فلانا، هل يأخذه بالطعام أو بغير الطعام؟ قال: بل بالطعام. قيل: فإن قال: الخريطة الحمراء أعطوها فلانا والخريطة مملوءة دنانير، قال: تكون له الخريطة وما فيها. قال ابن القاسم في الذي يقول أعطوا فلانا زقا كذا وكذا فيوجد الزق ملآن عسلا، قال: يعطاه بالعسل. قيل: فلو كان ملآن دراهم؟ قال: إذا لا يكون له إلا الزق إلا أن يكون عرف أن فيه دراهم فهو له. قال محمد بن رشد: هذه مسألة صحيحة بينة المعنى لا وجه للقول فيها. وبالله التوفيق. [مسألة: الحكم بالشهادة على الخط] مسألة وسمعته يسأل عن رجل توفى ففتح تابوت له فإذا فيه كيس مكتوب عليه لفلان بن فلان، وفيه مال، فطلب ذلك الرجل الكيس، فقال: أرى إن شهد له أنه خط الميت المستودع وكتابه بيده رأيت أن يدفع إليه، وإن لم يشهد على ذلك لم يدفع إليه إلا ببينة. وإنما هو بمنزلة القرطاس يوجد عنده فيه حساب لفلان عندي كذا وكذا، فإن شهد أنه خط الميت رأيت ذلك له، وإلا لم

стр. 4902

يكن له شيء، وقاله أصبغ. أو خط المستودع صاحب المال الذي كتب اسمه عليه مع ما وجد أنه في حوز المستودع حيث أقر فأراه لربه أيضا. قال أصبغ: وهذا لمن يقضي بالخط، والخط عندنا علم ثابت واضح صحيح. وقد بلغنا عن عمر بن عبد العزيز أنه كان يقضي بالخط في شهادة الشاهد، وهو أشد. وأما خط المرء بعينه فهو الإقرار صراحا، وقد قال مالك: إذا شهد على الخط شاهدان لم يكن على صاحب الحق يمين؛ لأن ذلك إقرار، وإن لم يكن له إلا شاهد واحد حلف معه واستحق، وإن يكن شاهد بالحق وشاهد على الخط تمت الشهادة. قال الإمام القاضي: ساوى أصبغ بين أن يشهد أنه خط الميت للمستودع أو خط صاحب الوديعة مع وجودها في حرز الميت المستودع، وقد قيل: إنه لا يقضى بها لصاحب الوديعة إذا شهد أن الخط خطه؛ لأنه يمكن أن يكون بعض الورثة أخرجها إليه فكتب عليها اسمه وأخذ على ذلك جعلا. ولا اختلاف في أنه لا يقضى له بها إذا وجد عليها اسمه ولم يدر من كتبه، ولا في أنه يقضى له بها إذا شهد أنه خط الميت المستودع أو خط صاحب الوديعة إلا على مذهب من لا يرى الحكم بالشهادة على الخط في موضع من المواضع. وقد مضى تحصيل القول في الشهادة على الخط في رسم الشجرة تطعم بطنين في السنة من سماع ابن القاسم من كتاب الشهادات، فمن أحب الوقوف على ذلك تأمله هناك، وبالله التوفيق. [: يستأجر البناء يبني له عرصة مقاطعة فيبنيها ثم يفلس صاحبها] ومن كتاب سلف دينارا في ثوب قال ابن القاسم، في الرجل يستأجر البناء يبني له عرصة مقاطعة كل ذلك من عند البناء فيبنيها ثم يفلس صاحبها: إن البناء أولى بها بمنزلة سلعته بعينها.

стр. 4903

قال القاضي: قوله كل ذلك من عند البناء، يريد: أن كل ما يحتاج إليه في بنيانها من نقض وقراميد وجص وغير ذلك من عنده. وقد تأول بعض الشيوخ أن العرصة أيضا من عند البناء، لقوله: إن البناء أولى بها، أي: بالدار، إذ لم يفرق بين أن تكون من عنده أو قد أسلمها إلى المفلس، وهو من التأويل البعيد؛ لأن العرصة إذا كانت من عند البناء فالبيع أملك بما تعاملا عليه من الإجارة، وهو قد سماها إجارة. وقوله: إن البناء أولى بها - يحتمل أن يريد: أن البناء أولى بالدار مبينة حتى يستوفي جميع أجرته. ومعنى ذلك: إذا كانت الدار بيده لم يسلمها بعد إلى صاحبها المفلس؛ لأنها كالرهن بيده وإن لم يخرج فيها شيئا من عنده غير عمل يده. ويحتمل أن يكون إنما تكلم على أنه قد أسلم الدار إلى المفلس، فيكون معنى قوله: إنه أولى بها - أنه أولى بقيمة ما أخرج من عنده في بنيانها من نقض وصخر وآجر وقرميد وغير ذلك، كان مما يمكن قلعه وأخذه أو مستهلكا مما لا يمكن ذلك فيه، يكون بذلك كله شريكا للغرماء في العرصة مبنية بقيمته يوم الحكم إلا أن يشاء أن يترك حقه في ذلك ويحاص الغرماء بجميع أجرته، أو يشاء الغرماء أن يدفعوا إليه جميع أجرته ويستخلصوا الدار، وهو أولى ما حملت عليه المسألة، لقوله فيها كل ذلك من عند البناء، فدل على أنه إنما قال: إنه أولى بها من أجل ذلك؛ إذ لو كانت الدار بيده لم يسلمها بعد لكان أحق بها في أجرته وإن لم يخرج فيها شيئا من عنده غير عمل يده. وإذا شارك الغرماء في الدار مبنية بقيمة ما أخرج فيها من عنده لم يكن له في قيمة عمل يده شيء على ظاهر قوله في رسم العرية من سماع عيسى، والقياس على أصله أن يحاص بذلك الغرماء. وقد قيل: إن من حقه أن يقوم عمل يده مع ما أخرج من عنده فيكون بذلك شريكا في الدار، وهو الذي يأتي على ما في سماع أبي زيد في مسألة النسج، وبالله التوفيق. [مسألة: يشتري الضأن عليها الصوف فيجزها ويزيد في ثمنها ثم يفلس] مسألة وقال ابن القاسم، في رجل يشتري الضأن عليها الصوف

стр. 4904

فيجزها ويزيد في ثمنها لمكان الصوف، فيجز صوفها ثم يفلس: إنه ينظر في ذلك كم كان قدر الصوف من رقابها، ولا ينظر إلى ما بلغ ثمن الصوف، ثم يأخذ غنمه بما بقي بعد حصة قيمة الصوف من الثمن، ثم يحاص الغرماء بحصة قيمة الصوف، إلا أن يشاء الغرماء أن يدفعوا إليه الذي يأخذ به غنمه فذلك لهم، ويحاص بحصة قيمة الصوف من الثمن، وكذلك الأصول كلها إذا اشتراها وفيها ثمر قد طاب وحل بيعه فيبيع الثمرة ثم يفلس وكذلك الدار لها الغلة قد حلت فاشتراها بغلتها بما تجوز به المبايعة إن كانت غلتها عرضا فاشتراها بعين أو كانت الغلة عينا فاشتراها بعرض، فهو على ما فسرت لك في الغنم يجز صوفها. وإذا اشترى الرجل شيئا من ذلك وليس فيه شيء مثل النخل ليس فيه تمر قد طاب والدار ليست فيها غلة قد حلت، فيغتل المشتري ذلك سنين، أو يفيد العبد مالا عند المشتري فينزعه منه، أو تكتسي الغنم عنده صوفا فيجزها سنين ثم يفلس، فليس للبائع في شيء مما اغتل المشتري شيء، إن شاء أخذ سلعته بعينها بجميع دينه وإن شاء أسلمها وحاص الغرماء بجميع دينه. وإنما يأخذ سلعته يوم يأخذها على نحو ما باعها عليه إن كانت النخل فيها تمر قد طاب يوم يأخذها، فالتمر للغرماء، ويأخذ الأصل كما باعه ليس فيه تمر إن شاء، أو يسلمه ويحاص الغرماء بجميع دينه. والدار كذلك إذا حلت الغلة، فإن أرادَ صاحبُ الأصلِ أَخْذَهَا أَخَذَهَا وكانت الغلة للغرماء مثل التمر. فأما العبد فله أن يأخذه بماله الذي أفاد عند مشتريه، والغنم كذلك له أن يأخذها وعليها صوفها إلا أن يعطيه الغرماء ديته فذلك لهم، ليس غلة الدار وثمرة النخل مثل العبد بماله أو الغنم بصوفها، فرق بين ذلك أن الرجل يشتري الضأن وعليها صوفها ولا يسميه ولا يشترطه ويكون له، ويشتري النخل

стр. 4905

وفيها التمر وقد طاب فلا يكون له إلا أن يشترطه، وقد قال مالك في غير هذا الكتاب: إذا باع الحائط ولا ثمر فيه ثم فلس وفيه ثمرة إنه يأخذه بثمره. قال الإمام القاضي: قوله في أول المسألة في الذي يشتري الضأن عليها صوفها فيجزها ثم يفلس إن البائع يأخذ الغنم مجزوزة بما يصيبها من الثمن ويحاص الغرماء بما يصيب الصوف منه، معناه: إذا كان الصوف قد فات بعد الجز، وأما لو أدركه قائما بيد المشتري المفلس لكان أحق به يأخذه إن شاء مع الغنم بجميع الثمن ويؤدي ثمن جزازه؛ لأنه كمشتري سلعتين. ولغير ابن القاسم وهو أشهب في التفليس من المدونة أن الصوف إذا جزه المشتري غلة ليس للبائع إلا أن يأخذها مجزوزة بجميع الثمن أو يتركها ويحاص الغرماء، وهو قول ابن وهب في رواية أصبغ عنه. وأما إن اشترى الغنم ولا صوف عليها فحدث لها صوف ثم فلس فالصوف تبع للغنم ما لم يجز، فإن جز كان غلة، ولا اختلاف في هذا. وأما إن اشترى الأصول وفيها ثمرة قد طابت ثم فلس فالبائع أحق بالنخل والثمرة وإن جذت ما كانت قائمة، كمشتري سلعتين، ولا اختلاف في هذا بين ابن القاسم وأشهب. والفرق عند أشهب بين هذه المسألة وبين الغنم تشترى وعليها صوفها أن الصوف لما كان يدخل في البيع وإن لم يشترط كان في حكم التبع لها، كالأصول تشتري بثمرتها قبل الإبار. وأما إذا اشترى الأصول ولا ثمرة فيها أو فيها ثمرة لم تؤبر ثم فلس ففي ذلك أربعة أقوال: أحدها: أن البائع أحق بالثمرة ما لم تؤبر، وذلك يتخرج على قول أصبغ في الرد بفساد البيع؛ لأنه إذا قال فيه إن الثمرة تبقى للمبتاع وإن لم تطب إذا كانت قد أبرت، فأحرى أن تبقى للغرماء في التفليس، وعلى قول بعض المدنيين في المدونة قول أشهب وأكثر الرواة أنه لا حق للشفيع في الثمرة إذا لم يدركها حتى أبرت. والثاني: أنه أحق بها ما لم تطب، وهو قول ابن القاسم في هذه الرواية. والثالث: أنه أحق بها ما لم تيبس. والرابع أنه أحق بها ما لم تجذ، وهو نص ما في المدونة وظاهر قول مالك في هذه الرواية. وأما إذا اشترى الأصول وفيها ثمرة قد أبرت ولم تطب ثم فلس ففي ذلك
следующие страницы →