← Фикх малики

Фикх малики · id 21751

البيان والتحصيل

ابن رشد الجد

Полный текст (9 112 стр.). Показаны 5496–5535 · переход к 5501.

стр. 5496

شَأْنِكَ أن تدعو الورثة فتأمرهم يرتضون رجلًا، فإذا ارتضوه وَلَّيْتَه أمرهم يحسب بينهم، فإني قد رأيت بعض من عندنا يفعل ذلك، فهذا كله بَيِّن في أن الأولى والأحسن لِقُسَّام القاضي أن يتنزهوا ويتورعوا عن أخذ الجعل على ما يأمرهم به القاضي من القسمة؛ كما كان يفعل خارجة بن زيد ومجاهد، ومن هذا المعنى جعل الشرط على الناس فيما يبعثون فيه من أمرهم، وقد مضى ذلك في رسم طلق من سماع ابن القاسم من كتاب السلطان، وأما إذا استأجر القومُ قاسماً يقسم بينهم فلا كراهية في ذلك، وكذلك قال في المدونة. وكذلك أيضاً لا يكره أخذُ ما جعله له الإِمام من بيت المال على ذلك؛ لأن هذا وشبهه مما يحتاج إليه المسلمون ويعمهم نفعه فعلى الإمام أن يرزقهم من بيت مالهم، وبالله التوفيق. [: اشترى ثلاثة أخماس من حائط واشترى الآخر خمسين واختلفا في القسمة] ومن كتاب أوله باع غلاماً وسئل عن رجل اشترى ثلاثة أخماس من حائط، واشترى الآخر خُمُسَيْنِ ثم إن أحدهما دعا صاحبَه إلى القسم فأبى قال: تعال أقاومك فيتقاومان نخلة نخلة فدخلت عليهما وضيعة، قال مالك: الوضعية بينهما إنما لو باعها من رجل آخر يَتَردَّانِ النقصانَ بينهما ويجمعان الثمن ثم يترادان بعد ذلك النقصان. قال محمد بن رشد: هذا بيّن على ما قاله من أن الوضعية بينهما أخماساً كما كان يكون الربح بينهما لو ربحا في ذلك. مثال ذلك أن يشتري أحدهما ثلاثة أخماس الحائط بثلاثين ويشتري الآخر خمسيه بعشرين، فيتقاومان الحائط صاحب الثلاثة الأخماس على صاحب الخُمسين بأربعة دنانير؛ لأن الواجب لصاحب الثلاثة الأخماس من جميع الثمن وهو أربعون ثلاثة أخماسه وهو أربعة وعشرون عنده من ذلك عشرون، بقيت له على صاحبه

стр. 5497

أربعة يرجع بها عليه كما لو باعا جميعاً الحائط من أجنبي بأربعين لوجب لصاحب الثلاثة الأخماس منها أَرْبعة وعشرون ولصاحب الخمسين ستة عشر. [: الغائب يأتي إلى شريك له فيقول له تعال أقاسمك فيقول قد قاسمتك] ومن كتاب المحرم يتخذ الخرقة لفرجه وسئل مالك عن الرجل الغائب يأتي إلى شريك له فيقول له: تعال أقاسمك فيقول: قد قاسمتك، وهذه ناحيتي التي أسكن فيها، وهذه ناحيتك، ويقول الآخر: ما قاسمتك شيئاً، على من ترى البينة؟ قال: إن أولاهما بالبينة الذي يقول قد قاسمتك. قال محمد بن رشد: هذا بيّن على ما قال لقوله النبي ﵇: «البينة على المدعي واليمين على من أنكر» والذي يدعي القسمة مدع فعليه إقامة البينة إلا أن يَحُوز عليه في وجهه تلك الناحية مدة تكون فيها الحيازة عاملة فيكون القولُ قولَه فيما ادعاه من القسمة مع يمينه، وقد مضى الاِختلاف في قدرها وتحصيل القول في ذلك بين الأجنبيين وغيرهم في رسم يسلف من سماع ابن القاسم من كتاب الاِستحقاق. [مسألة: يرثان الدار فيقع لأحدهما مواريث بعضها بعد بعض فيريدان القسم] مسألة وسئل عن الرجل والمرأة يرثان الدَّار فيقع لأحدهما مواريث بعضها بعد بعض فيُرِيدَانِ القسم أترى أن يجمع له حظه كله في قسم واحد أم يقسم على ما ورثا؟ قال: بل يجمع حظه كله في قسم واحد كل ما ورث من ذلك المورث بعد المورث أو اشتراه في قسم واحد ولا يَجْمَعُ من يَقْسِمُ منهم لرجلين يقسم كل واحد منهما حقه، قال ابن القاسم: يريد أَلَّا يجمع لاثنين من الورثة سهمهما في

стр. 5498

موضع واحد ويقسم لكل واحد منهما حقه على حدة. قال محمد بن رشد: هذا بيّن على ما قاله: إن القسمة لا تكون إلَّا على ما انتهى إليه حظه بالمواريث والأشرية، وإن كان ذلك شيئاً بعد شيء، إذْ لا يصح أن يقسم له بعض حقه ويبقى شريكاً ببعضه إلا مع اتفاقهما على ذلك، وذلك بيّن إذا كانت الدراهم تنقسم على ما انتهى إليه حقه فيها وقد كانت تقسم على ماله فيها ولا يشبه أن يكون من حقه أن يقسم له حقه الأول منها إذا كان الزائد بميراث؛ لأنه يقول: قد وجب لي القسمة فليس الميراثُ الذي وجب لي بالذي يُسقط حقي في القسمة وألا يكون ذلك من حقه إذا كان بشراء أو هبة بعدها. وأما قوله: إنه لا يجمع حظ اثنين في القسم فهو قوله في المدونة، ومعناه إذا لم يكونوا أهل سهم واحد مثل الزوجات والبنات والجدات والأخوات والإِخوة للأم؛ لأن أهل السهم الواحد يجمع حظهم في القسمة، وأما غير أهل السهم الواحد لا يجمع حظهم في القسم يريد بالسهمة؛ لأنه غرر، وأما في القسم على المراضاة بغير سهمه فذلك جائز وبالله التوفيق. [: ورثوا أرضين مفترقة فأراد بعضهم أن يجعل نصيبه في موضع وأبى الآخرون] ومن كتاب يسلف في المتاع والحيوان المضمون سئل مالك عن قوم ورثوا أرضين مفترقة فأراد بعضهم أن يجعل نصيبه في موضع وأبى الآخرون أن يفعلوا ذلك، وقالوا: نقطع نصيبك من كل أرض، قال مالك: إن كانت الأرضون متقاربة، وكانت كلها بنضح أو بعين كلها، رأيت أن يجمع له نصيبه في موضع واحد، وإن كانت متباعدة بعضها من بعض في مثل قرى مختلفة رأيت أن يُعْطى نصيبَه من كل أرض، ومعنى قوله أن يجمع ما يسقى

стр. 5499

بالعين إن كانت الأرضون متقاربة وأن يجمع ما يسقى بالنضح إن كانت الأرضون متقاربة ولا يجمع بين النضح والعين في القسم، وإن لم تتقارب لم يجمع له نصيبه وإن كانت بنضح كلها. قال محمد بن رشد: قد مضى في أول مسألة من السماع تحصيلُ القول في البُعد من القرب المانع من الجمع في القسمة، فلا معنى لإِعادته، ونص في هذه الرواية على أنه لا يجمع النضح مع السقي بالعين ولم ينص فيها هل يجمع ما يسقى بالعين مع البَعِل أم لا؟ وظاهرها أنها لا تجمع مثل ما في الواضحة وسماع أشهب منصوص عليه، خلافُ ما في الموطأ من أن البعل يقسم مع العين إذا كان يشبهها، وأما النضح فلا يقسم مع البعِل ولا مع العين قولًا واحداً على ما نص عليه في هذه الرواية، وفي الموطأ وفي الواضحة، واختلف إذا كانت كلها بعلاً أو تسقى بعين أو بنضح وبعضها أفضل من بعض على ما سيأتي القولُ فيه في رسم حمل صبيا من سماع عيسى وبالله التوفيق. [: الأرض فيها النخل بعضها أقرب من بعض بين أشراك فأرادوا القسمة] من سماع أشهب وابن نافع من مالك روايةَ سحنون قال أشهب وابنُ نافع: سألنا مالكاً عن الأرض فيها النخل بعضها أقرب من بعض من الماء، وهي بين أشراك فأرادوا القسمة، قال: يقسم بالقيمة فيفضل ما كان قرب الماء؛ لأنه ربما بعد النخل من الماء وقل الماء فلم يشرب الماء من النخل إلا ما قرب، تكون هذه التي هي أقرب إلى الماء مائة نخلة، والتي على أثرها، خمسين ومائة، والتي خلفها ثلاثمائة يقسم ذلك بالقيمة. قال محمد بن رشد: هذا على الاختلاف في جمع الأرض في القسمة إذا كان بعضها أفضل من بعض وسيأتي ذلك في رسم حمل صبيا من

стр. 5500

سماع عيسى بعد هذا وبالله التوفيق. [: الإِخوة للأم يرثون الثلث فيقول أحدهم اقسموا لي حصتي على حدة] ومن كتاب أوله مسائل بيوع قال: وسألته عن الإِخوة للأم يرثون الثلثَ فيقول أحدهم: اقسموا لي حصتي على حدة ولا تضموني إلى إخوتي، قال: ليس ذلك له حتى يقسم له ولإخوته جميعاً الثلث، ثم يقاسمهم بَعْدُ إن شاء، وكذلك أزواج الميت يرثن الربع أو الثمن فتقول إحداهن: اقسموا لي حصتي فتقع حصة هذه هاهنا وحصة هذه هاهنا فلا أرى ذلك لهن حتى يقتسم لهن جميعاً، فيقتسمن بعد أن يقسم لهن جميعاً إن شئن، وكذلك العصبة الإِخوة وغيرهم يقول بعضهم: اقسموا لي حصتي فليس ذلك لهم حتى يقسم للإِخوة للأم حصتهم وللأزواج حصتهن ثم يقسم العصبة ما صار لهم إن شاؤوا. قال محمد بن رشد: أما أهل السهم الواحد وهم الزوجات والبنات والأخوات والجدات والإِخوة للأم والموصى لهم بالثلث فلا اختلاف أحفظه أنه يجمع حظهم في القسمة بالسهمة شاؤوا أو أبوا؛ لأنهم بمنزلة الواحد. وأما العصبة فاختلف على ثلاثة أقوال أحدها أنهم كأهل السهم الواحد يقسم لهم بحقهم معاً ثم يقتسمون بَعْدُ إن شاؤوا وهو قوله في هذه الرواية وإليه ذهب ابن حبيب في الواضحة، والثاني أنهم ليسوا كأهل سهم واحد فلا يجمع حظهم في القسمة بالسهمة وإن رضوا، وأراه قول المغيرة، ويحتمل أن يكون ذهب إليه سحنون، ولذلك طرح من كتاب القسمة من المدونة جملة المسألة التي وقع من قول ابن القاسم في آخرها متصلا بقول مالك فيها، وقد قال لي مالك: ما أخبرتك أنه لا يجمع نصيب رجلين في القسم، وهذا في أهل الميراث كلهم غيرها ولاء، وهذا تفسير مِنِّي عن قول مالك، والثالث أنه لا

стр. 5501

يجمع حظهم في القسم بالسهمة إلا ولا يريدوا أن يقتسموا، وإلى هذا ذهب ابن القاسم في المدونة؛ لأنه فسر قول مالك فيها فيمن ترك زوجة وعصبة وترك أرضاً: إِن المرأة يضرب لها بحقها في أحد الطرفين، فقال معناه عندي إذا كان العصبة واحدا أو عدداً لا يريدون القسمة، وقد اختلف في تأويل قول مالك: إِن المرأة يضرب لها بحقها مع العصبة في أحد الطرفين فقيل: إنه يضرب لها في أحد الطرفين مع الورثة من كانوا ثم يقتسمون بَعْدُ إن أحبوا وهو ظاهر قول مالك في المدونة ورواية ابن الماجشون عن مالك، وقيل: إن ذلك مع العصبة بخاصة إذا لم يريدوا أن يقتسموا وبالله التوفيق. [: المرأة يموت زوجها أيقتسم ماله قبل أن يستبرأ رحمها] ومن كتاب الأقضية الثالث قال: وسئل عن المرأة يموت زوجها أيقتسم ماله قبل أن يستبرأ رحمها؟ فقال: إن كانت حاملًا لم يقتسم الميراث حتى تضع، قيل له: إنما مَاتَ زوجها ولم يعلم أنها حامل أيؤخر الميراث حتى يستبرأ رحمها بحيضة فقال: ما سمعت بهذا ولكن إن كانت حاملًا أُخِّرَ الميراث ولم يقسم حتى تضع ما في بطنها ثم سُئل بعد ذلك؛ فقيل له أيضاً: توفي وله امرأة قد أَبْطَأَتْ عنها حيضتُها أيُقتسم ميراثه حتى تحيض؟ فقال: لا يُقتَسَم ميراثه ولا يعجل فيه حتى يتبين من حملها فقيل له: حتى يستبرأ، فقال: ليس حتى يستبرأ، ولكن لا يعجل في قسم ميراثه حتى ينظر في ذلك من أمرها. قال محمد بن رشد: مثل هذا في رسم العتق من هذا السماع من كتاب العتق أن الميراث لا يقتسم حتى توضع الحمل، فإن قال الورثة: نحن نجعل الحمل ذكراً ونعزل له ميراثه لم يكن ذلك لهم، قال أصبغ: فإن فعلوا فسخت القسمة ووقف جميعُ المال فإن غُصِبَ سهمُ الورثة يريد في أيديهم بعد

стр. 5502

أن أخذوه قبل أن تفسخ القسمة ويوقف المال ووُلِدَ المولود أُعطي نصيبه ومضى الضمان عليهم، وإن تلف سهم المولود وسلم سهمهم أُعطي سهمه مما بأيديهم وابتدئت القسمة فيه لا من الجميع، هذا قولُ أصبغ إلا ما زدْته فيه على سبيل البيان والتفسير، ولو تلف الجميع سهم المولود الذي وقف له وَسِهَامُهم التي أخذوها بأيديهم لوجب أن يرجع عليهم بحظه مما تلف بأيديهم لأنهم تعدوا بأخذه لا بحظه من الجميع؛ لأنهم فعلوا في توقيف حظه ما وجب إذ كان الواجب أن يوقف الجميع، وكذلك إن كان له ولد فقالت امرأته: عجلوا لي الثمن لأنه لي واجب وضعتُ ذكراً أو أنثى أو أنفش الحمل أو لم تضع شيئاً لم يكن ذلك لها، قال مالك في المبسوطة: فإن جهلوا ذلك فأعطوها ميراثها ثم تلف المال بعد ذلك أو هلك أو نقص لم أر أن يرجعوا عليها بشيء مما أعطوها، قال ابن القاسم مفسراً لِقول مالك: أما من قاسمها فلا يرجع عليها بشيء، وأما الحمل فإنه يرجع على من كان من الورثة مَلِيّاً فيقاسمهم ما في أيديهم ويتبع هو وهم المُعدمين. قيل له: فما فرق بين ذلك وبين الورثة إذا اقتسموا ثم طرأ ولد لم يرجع ذلك الولد على الأملياء دون المعدمين، لكن يرجع على المليء والمعدم بقدر ما صار في يديه من مصابته؟ فقال: فرق ما بينهما لِأن الذين اقتسموا المال قبل أن يوضع الحمل صنعوا ما لا يجوز لهم، وإن الذين اقتسموا المال وله ولد لم يعلموا به صنعوا ما كان يجوز لهم، فهذا فرق بينهما، وأراه قولَ مالك، قال ابن القاسم: فإن أعتق أحدُ الورثة رأساً من رقيق الميت قبل أن يوضع الحمل قُوِّمَ عليه فعتق عليه كله، ومعنى ذلك عندي إذا كان يرث مع الحمل ولم يكن الحمل يَحْجُبُه، واللَّه أعلم. واختلف إذا أوصى بوصايا وله حمل، فقيل: إنها لا ننفذ الوصايا وينظر الحمل، وهو قول مالك في رسم البز من سماع ابن

стр. 5503

القاسم من كتاب الوصايا، وقولُهُ أيضاً في رواية ابن أبي أويس عنه، وقولُ محمد بن مسلمة، قال: لِأنَّ ما يهلك يهلك من رأس المال وما زاد زاد من رأس المال، فيكون الموصى له قد استوفى وصيته على غير ما ورث الورثة، وروى ابن نافع عن مالك في المبسوط أن الوصايا تُنَفَّذُ ويؤخر الورثةُ القسمةَ حتى تضع المرأة، وهو قول أشهب في بعض روايات العتبية من رسم البز من الكتاب المذكور. وأما الدَّين فإنه يُؤَدِّي من تركته ولا ينتظر به وضع الحمل، هذا ما لا أعرف فيه خلافاً إلا ما ذكر فيه عن بعض الشيوخ من الغلط الذي لا يعد في الخلاف، قال البَاجِي: شهدتُ ابن أيْمَن يَحكي في ميت مات وترك امرأته حاملًا أنه لا يقسم ميراثه ولا يؤدي مِنْه دَيْنه حتى يوضع الحمل فأنكرتُ ذلك، فقال: هذا مذهبنا ولم يأت ابن أيمن بحُجَّة، والصحيح أن يؤدي دينه ولا ينتظر الحمل، ولا يدخل في هذَا اختلاف قول مالك في تنفيذ الوصية قبل وضع الحمل للورثة الرجوع على الوصي لهم بثلثي ما قبضوا ولعلهم سواء كانوا معينين أو غير معينين فلا يجدون على من يرجعون، وأما تأخير أداء الدَّين حتى يوضع الحمل فلا علة توجبه بل يجب ترك التوقيف وتعجيل أداء الدين مخافة أن يهلك المال فيبطل حق صاحب الدين من غير وجه منفعة كان في ذلك للورثة وإذا وجب أن يقضي دين الغائب مما يُوجَدُ له من المال مع بقاء ذمته إِن تلف المال الموجُود له كان أحرى أن يؤدي الدين عن الميت من تركته لوجهين أحدهما أن الميت قد انقطعت ذمته، والثاني أن الحمل لا يجب له في التركة حق حتى يولد حَيّا ويستهل صارخاً، ولو مَات قبل ذلك لم يورث عنه نصيبه، والغائب حقه واجب في المال الموجود، ولو مات ورثه عنه ورثته،

стр. 5504

فإذا لم ينتظر الغائب مع وجوب المال الذي يؤدي منه الدين الآن له كان أحرى أَلَّا ينتظر الحمل إذ لم يجب له بعد في التركة حق، ومن قول ابن القاسم في المدونة وغيرها: إنَّ من أثبت حقاً على صغير قضي له به عليه ولم يُجعل للصغير وكيل يخاصم عنه في ذلك، فإذا قضي على الصغير بعد وضعه من غير أن يقام له وكيل فلا معنى لانتظار وضع الحمل بتأدية دين الميت، وهذا كله بين لا ارْتِيَاب فيه ولا إشكال، فقف على هذه الثلاث المسائل: الدَّين يؤدي باتفاق ولا ينتظر وضع الحمل والتركة لا يقتسمها الورثة باتفاق حتى يوضع الحمل، والوصايا تختلف هل يعجل إِنفاذُها قبل وضع الحمل أو لا يعجل حتى يوضع الحمل؟ فإذا توفي الرجل وله امرَأة وجب ألا يعجل فيه الميراث حتى تسأل المرأة هل بها حمل أم لا؟ فإن قالت: أنا حامل وقفت التركة حتى تضع أو يظهر أنه ليس بها حمل، بانقضاء أمَدِ عِدَّة الوفاء وليس بها حمل ظاهر، وإن قالت: لستُ بحامل قبل قولها واقتسمت التركة، وإن قالت: لا أدري آخر قسمُ الميراث حتى يتبين أنه ليس بها حمل بأن تحيض حيضة أو يمضي أمد العدة وليس بها ريبة من حمل، وهذا معنى قوله في هذه الرواية لا يعجل بقسم الميراث حتى يتبين من حملها، وكره أن يقول: حتى تُسْتَبْرَأ؛ إذ هي مأمونة على نفسها في ذلك مصدقة في قولها بما دل من كتاب اللَّه على ائتمانها بقوله: ﴿وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨] وبالله التوفيق.

стр. 5505

[: يكون بينهما الشيء من الثمار فيريدان اقتسام ذلك في رؤوس الشجر بالخرص] ومن كتاب البيوع الأول قال: وسألت مالكاً عنِ الرجلين يكون بينهما الشيء من الثمار النخل أو العنب أو التين فيُرِيدانِ اقتسام ذلك في رؤوس الشجر بالخرص فقال: لا بأس باقتسام ذلك كله في رؤوس الشجر من النخل والعنب أو التين أو الثمار كلها إذا وُجِدَ من يعرف ذلك ويحسنه، وإنما يجوز ذلك إذا طابت الثمرة وحل بيعها، فأما قبل أن يحل بيعها فلا يصلح ذلك وإنما يقسم ذلك إذا طاب وحل بيعه بالخرص وهو يعمل به هاهنا عندنا في ثمر النخل. فقلت له: وما يدعوهم إلى اقتسامه بالخرص؟ فقال: إنما يدعوهم إلى ذلك أن يكون أحدهم يريد أن يأكله رطباً أو يبيعه والآخر يريد أن يأكله أو يبيعه تمراً، فإذا اختلفا هكذا فكان هذا يريد به أن يقسم في شَجَرِهِ إذا طاب وحل بيعه، لا يحل اقتسام شيء منه إِلا بعد أن يطيب ويحل بيعه، فأما قبل أن يطيب فلا يصلح ذلك. قلت لَهُ بعد ذلك: إِنك قد قلت لي في الثمار من النخل والأعناب والأتيان والثمار كلها تكون بين الشريكين إِنه لا بأس أن يقتسما ذلك في رؤوس النخل أو الأشجار بالخرص إذا كان ذلك الثمر قد طاب وحل بيعه، وأنه رحمكَ اللَّهُ قد يكون في ذلك الثمر أصناف غير واحدة فيكون في النخل العجوة والصيحاني والبرني وغير ذلك من الأصناف ويكون في الأعناب الأبيض والأسود والأحمر، ويكون مع ذلك في غيرها من الثمار فيكون في الشيء منها أصناف غير واحدة فكيف ترى أن يقسم ذلك؟ أيقسم كل صنف منها على حدته حتى يصير لكل واحد منها من عدد الكيل عدداً واحداً ولا

стр. 5506

يقتسمان فيأخذ هذا نخلة برني خرصها عشرة أصْوُعٍ بنخلة يعطيها الآخر من الصيحاني أو من العجوة وخرصها خمسة عشر صاعاً، قال: وكذلك لَو كانت النخلة عجوة أو صيحانياً أو برِنياً وبعض ذلك أفضل من بعض أسلم طعاماً وأكثرُ قدراً وأقل حَشفا فإنه يقسم كل واحد منهما على حدته حتى يصير لكل واحد منهما من عدد الكيل عَدَدٌ واحد، ولا يقتسمان فيأخذ هذا نخلة طيبة الطعام خرصها عشرة أصوع بنخلة يعطيها الآخر خرصها خمسة عشر صاعاً. فقلتُ له: إني أمْتَعَ اللهُ بك لم أرد هذا الذي أردت إذا كانت النخل فيها غير صنف واحد العجوة والصيحاني والبرني فأراد اقتسام ذلك مجتمعاً ليس كل صنف منها على حدته يغطي هذا نخلة صيحاني بنخلة يأخذها من برني وعجوة وخرصها واحد جميعاً أترى بذلك بأساً؟ أم لا يقسم ذلك على كل حال من الحال إِلَّا كل صنف من ذلك على حدته الصيحاني على حدته والعجوة على حدته والبرني على حدته. فقال: إذَا كان أحَدهما لا يأخذ أبداً من مكيلة الثمرة في الخرص أقل ولا أكثر مما يأخذ صاحبه فلا بأس بأن يقسم ذلك كله بالخرص مجتمعاً ليس كل صنف على حدته إذا لم يتفضل أحدهما على صاحبه في مكيلة الخرص، وكان ما يصير إلى كل واحد منهما في الخرص من عدد المكيلة إلى عدد واحد فلا يُبَالِي كيف اقتسم ذلك كل صنف على حدته أو اقتسم جميعاً لا بأس بذلك كله إذا لم يتفضل أحدُهما على صاحبه، قيل: أرأيت الزرع أيقسم كذلك؟ فقال: لا أرى ذلك يجوز في الزرع ولا أراه يجوز إلا في الثمار. قال محمد بن رشد: سَاوَى في هذه الرواية بين ثمار النخل وسائر

стр. 5507

الثمار كلها من العنب والتين وغير ذلك مما يجوز فيه التفاضل ومما لا يجوز في جواز قسمة ذلك بالخرص إذا اختلفت الحاجة في ذلك، خلافُ مذهب ابن القاسم في المدونة وروايته عن مالك في أن القسمة في ذلك لَا تَجوزُ على الخرص مع اختلاف الحاجة إِلَّا في العنب والنخل والذي مضى فيه الخرص لوجوب الزكاة فيه، وإلى هذه الرواية أشار في المدونة بقوله: وذلك أنه ذكر بعض أصحابنا أن مالكاً أرخص في قسم الفواكه بالخرص، وهذه الرواية أظهر وأصح في المعنى من رواية ابن القاسم عن مالك؛ لأنه إذا جاز التَّحَرِّي والخرص فيما لا يجوز فيه التفاضل لضرورتهم إلى ذلك من أجل اختلاف حوائجهم فأحرى أن يجور ذلك فيما يجوز فيه التفاضل لا تدْخله المزابنة، وقولُه أيضاً إنما يجوز ذلك إذا طابت الثمرة خلافٌ لما في المدونة؛ لأنه أجاز فيها قسمة البلح الكبير على الخرص، وفي رؤوس الثمار إذا اختلفت حوائجهما فيه خلافُ قول سحنون في ذلك، فاشتراط مالك في هذه الرواية طيب الثمرة مثلُ مذهب سحنون في البلح الكبير؛ لأن العلة عنده في أن قسمته بالخرص لا تجوز هو أنه إن ترك أحدهما نصيبه أو شيئاً منه حتى يطيب انفسخت القسمة بينهما، فإذا كان هذا يأكل وهذا يبيع وكل بِجَدَادٍ لَا يَجوزُ لكل واحد منهما أن يترك شيئا منه حتى يطيب فلم تختلف حوائجهما لأنهما إذا كان لا بد لهما من الجد قبل الطياب فليقتسماه إذا جذاه بالكيل، وقول ابن القاسم في هذا أظهر لأنهما لا يجدَّان معاً وإرادة كل واحد منهما أن يجد بقدر حاجته، أحدُهما قليلًا والآخر كثيراً اختلاف حاجة يجوز لهما به قسمته على الخرص، وأما الزرع فلا يجوز قسمته على الخرص باتفاق لاتفاق حوائجها فيه، إذ لا يؤكل فريكاً فلا تجوز قسمته إِلَّا بالكيل بعد أن يحصد ويدرس إِلَّا أن يكون ذلك قبل أن يبدو صلاحه على أن يحصد كل واحد منهما حصته مكانه فيجوز على الاختلاف في قسمة البقل القائم بالخرص والثمر الذي يجوز فيه التفاضل وباللَّه التوفيق.

стр. 5508

[: يشتريان الرقيق ثم يدعو أحدُهما صاحبَه إلى قسم الرقيق] ومن كتاب الأقضية وَسَألْتُهُ عن الرجلين يشتريان الرقيق ثم يدعو أحدُهما صاحبَه إلى قسم الرقيق أيكون ذلك على شريكه إذا كانت تلك الرقيق تنقسم؟ قال: نعم، أرى ذلك له عليه إذا كانت الرقيق تنقسم، فقلت له: يقول إذا دَعَا أحدُهما صاحبه إلى المقاسمة كان عليه أن يقاسمه إياها إن كانت تنقسم وإِلَّا باعوها، فقال: نعم إذا كانت تنقسم كان عليه أن يقاسمه إياها وإن لم تنقسم تَقَاوَموها أو باعوها في السوق، فقلت له بعد ذلك بيوم: أرأيت القوم يشتركون فيشترون الدور ثم يدعو بعضُهم إلى القسم أيجمع كل واحد منهم حقه من الدور في موضع واحد إذا كان متقارباً أم يقسم بينهم كل دار على حِدَتِهَا؟ فقال: بل يقسم لكل إنسان منهم حقه من الدور في موضع واحد إذا كان متقارباً، قلت له: ما تقارب ذلك؟ قال: في مكان من المدينة بناحية واحدة وكان لعرض واحد من الأعراض فإذا كان ذلك كله يقسم جميعاً فيجمع لكل إنسان منهم حقه في موضح ولا يعطي حقه من كل دار فيها، وأما ما تباعد منها بعضُها من بعضٍ فلا يقسم كل واحد إِلَا على حدته. قال محمد بن رشد: قوله في الشريكين يكون بينهما الرقيق فيدعو أحدهما إلى القسمة إنها تنقسم بينهم إن كانت تنقسم يريد إِن كانت تعدل في القسم بالقيمة حتى يصير لكل واحد منهما في حظه عبد كامل أو عبدان كاملان أو عبيد كاملة، فإن لم تنقسم بينهما إِلا بجزء من عبد تقاوموها أو باعوها فاقتسما الثمن، يريد تقاوموها إن أحبوا ذلك أو باعوا؛ لأن المقاومة لا يُجْبَرُ من أبى منهما، فكان الصواب في الكلام أن يقول: إنها إن لم تنقسم باعوها في السوق إِلا أن يريدوا أن يتقاوموها فيجوز ذلك بينهم، ويأتي في هذه المسألة

стр. 5509

على ما ذكرناه من قول ابن حبيب في أول مسألة من سماع ابن القاسم أنها إن لم تقسم بالقيمة على قدر حظوظهم منها قُوِّمَ كل عبد منها على حدة ثم يضرب عليها بالسهام، فإن خرج سهم أحدهم على عبد منها وقيمته أكثرُ من حظه كان له منه قدر حظه وكان بَقِيَّتُهُ وسائرُ العبيد لشريكه، وإن خرج سهمه عليه وقيمته أقل من حظه كان له وضرب له بالسهم الثانية فإن خرج سهمه على عبد قيمته أكثر من بقية حظه كان له منه بقدر ما بقي له من حظه، وإن خرج سهمه على عبد قيمته أقل من قيمة حظه أخذه وضرب له بالسهم الثالث على ما بقي من العبيد حتى يستكمل بقية حظه كاملًا، وباللَّه التوفيق. [مسألة: الحائطان يجمعان في القسم وإن كان ثمر أحدهما عجوة والآخر صيحانيا] مسألة قلت له: أرأيت الدارين تكون إحداهما في موضع حي عامرٍ يُرْغَبُ والأخرى في موضع غير عامر، وكلاهما بقرية واحدة؟ قال: أما الشيء البعيد مثل منزلي هذا ومنزل آخر بالتشبيه، فإنه يقسم كل واحد منهما على حدته ولا يقتسمان جميعاً حتى يجمع لأحدهما حقه إذا كانت متباعدة هكذا، وإنما هذا في الدور إذا تباعدت هكذا قسم لكل واحد منهم في ذلك كله، ولم تجمع له في موضع واحد، وليس الحوائط في هذا مثل الدور والحوائط إذا كانت هكذا بالمدينة وما قاربها وإن تباعدت بعضها من بعض فإنها تقسم فيقطع لكل واحد منهم نصيبه من الحوائط كلها في موضع واحد إلا أن يكون بعضها ليس يعارض صاحبها سائر المدينة لا تقتسم حوائطها مع حوائط خيبر تقسم هذه على حدتها وهذه على حدتها، وليس يقسم العين مع النضح، ولا البعل مع السقي وإن تقاربت الحوائط، وإنما يقسم كل شيء من هذه بينهم إذا كانت على هذه الصفة على حدته إلَّا أن يتراضوا أن يجمعوا ذلك كله في القسم فيكون ذلك لهم.

стр. 5510

قلت له: أرأيت إن كان الحائطان جميعاً متقاربين في الموضع وكلاهما من سقيه على شيء واحد من عين أو نضح أو بعل إِلَّا أن أحد الحائطين عجوة والآخر صيحاني إنما يختلفان في ثمارهما فأرادَا اقتسامهما أيقسم لكل واحد منهما حقه من كل حائط أو يجمع له من الحائطين جميعا في حائط واحد؟ فقال لي: بل يقسم له كله من الحائطين فيجمع له في حائط واحد ولا يقسم له في كل حائط بحقه فيقطع له ذلك في الحائطين جميعاً، وإن كان أحدهما صيحانياً والآخر عجوة فإن ذلك يجمع لكل واحد منهما في موضع واحد لا يقسم له في كل حائط بحقه، قال لي: وكذلك مما ورث من الأمْوال والدور وهو مثل ما يشتري منها، فالمرأة يقطع لها الربع من الدور في موضع واحد إذا كانت الدور متقاربة، وإنما تقسم هذه الأشياء إذا كانت هكذا بالقيمة. قال محمد بن رشد: راعي في قسمة الدور في هذه الرواية اختلاف مواضعها ولم يراع اختلاف نفاقها، فلم يُجِزْ أن يجمع في القسمة إذا اختلف مواضعها بالبعد وإن اتفقت بالنفاق عكس ما في المدونة من أنها تقسم قسماً واحداً إذا اتفقت مواضعها في النفاق وإن اختلفت بالبعد ولا تقسم قسماً واحداً إذا اختلفت مواضعها في النَّفاقِ وإن اتفقت في القرب، وفي المسألة قول ثالث يقوم من المدونة أنها لا تقسم قسماً واحداً إِلا أن يتفقا في النفاق والقرب، فإن تباعد ما بينهما في المواضع واختلف موضعهما في النفاق وإن كان قريباً لم يجمع في القسم، وقُسِمَ كل واحد منهما على حدته. وتفرقته بين الحوائط والدور في مراعاة البعد ليس بِبَيِّن في القياس والنظر، الصواب أن يدْخل في الحوائط الاختلاف من الدور حسبما ذكرناهُ في أول مسألة من سماع ابن القاسم وفي قوله بعد ذلك: إن الحائطين إذا كانا جميعاً متقاربين في المواضع يجمعان في القسم دليل على أنه لا يجمعان فيه إذا لم

стр. 5511

يكونا متقاربين، فعلى هذا ساوى بين الدارين والحائطين وهو القياس على ما ذكرناه. وقولُهُ: إن البعل لا يقسم مع السقي وهو خِلَافُ قول مالك في الموطأ مثل ما حكى ابن حبيب في الواضحة وقد مضى هذا في آخر رسم من سماع ابن القاسم، وقولُه: إن الحائطين يجمعان في القسم وإن كان ثمرُ أحدهما عجوة والآخر صيحانياً صحيح لا اختلاف فيه لأن العجوة والصيحاني صنف واحد، ولو كان أحد الحائطين نخلًا والثاني تيناً أو عنباً لما جمعا في القسمة بالسهمة لأنَّهُمَا صنفان وبالله التوفيق. [مسألة: توفي وترك ثلاثة أولاد وترك ثلاثة أعبد واقتسم الورثة فتوفي أحد الأعبد] مسألة وسئل عمن توفي وترك ثلاثة ولد ذكوراً وترك ثلاثة أعْبُدٍ واقتسم الورثة فأخذ كل واحد منهم عبداً فتوفي أحدُ الأعبد عند أحدهم واعترف الآخر في يد الثاني، وبقي الآخر في يد الثالث، فقال: الذي مات العبد في يديه هو منه، وليس للذي اعترف العبد في يديه عليه شيء؛ لأنه قد فات عنده، ويرجع الذي اعترف العبد في يديه على أخيه الذي في يديه العبد الثاني فيكون له ثلثه وللذي في يديه العبد الثلثان، ولا يكون لأخيهما الذي توفي العبد في يديه فيه شيء لأنه مات عنده، ولا يكون للذي انتزع منه العبد من الباقي إِلا الثلث، وإن كان هذا العبد الباقي مات أيضاً عند صاحبه ما كان عليه شيء ولا يكون للذي اعترف العبد في يديه عليه شيء. قال محمد بن رشد: هذه مسألة قد مضت في سماع سحنون من كتاب الاستحقاق والكلام عليها مستوفى فلا وجه لإعادته وباللَّه التوفيق

стр. 5512

[: اشتريا عشرة أرؤس فاقتسماها فكان حظ أحدهما خيرا من حظ صاحبه] من سماع عيسى بن دينار من ابن القاسم من كتاب المكاتب قال عيسى بن دينار: سئل ابن القاسم عن رجلين اشتَرَيَا عشرة أرؤس فاقتسماها فأخذ كل واحد منهما خمسة، فكان حظ أحدهما خيرا من حظ صاحبه بدينار ونصف، فغرم لصاحبه ديناراً ونصفاً فوجد الذي أخذ الدينار ونصفاً في حظه رأساً به عَيْبٌ وقد فاتت رقيق صاحبه أو لم تفت، قال ابن القاسم: إن لم تفت رقيق صاحبه نظر إلى قيمة رقيق هذا الذي وجد العيب بالعبد والعبد المعيب فيها يُقَامُ صحيحاً فينظر ما اسم هذا العبد المعيب من جميع قيمتها، فإن كان السدس كان هذا العبد بينهما بنصفين، ورد من الدينار ونصف على صاحبه نصف سدسها، وكان شريكاً في رقيق صاحبه بنصف سدسها، وإن كانت قد فاتت رجع عليه بنصف سدس قيمتها وَحَاصَّهُ في نصف سدس قيمتها بنصف سدس الدينار ونصف، وكان العبد المعيب بينهما؛ لأن الدينار والنصف قد أصاب كل رأس مِنها بقدر قيمته فلما أن صار هذا العبد المعيب سدس قيمة الخمسة أرؤس كان الذي أصابه من الدينار نصف سدسه فكان للذي وجد العيب نصف السدس. قال ابن القاسم: ولو كان العبد الذي وجد به العيب هو وجه الخمسة أرؤس التي أخر فيها رجاء الفضل ولم يفت رقيق صاحبه انتقضت القسمة كلها، واقتسموا ثانية، ولو كانت قد فاتت رقيق صاحبه بِنَمَاءٍ أو نقصان أو اختلاف أسواق كان عليه قيمتها ثم اقتسموا الرقيق والقيمة.

стр. 5513

قال محمد بن رشد: قولُه: فكان حظ أحدهما خيراً من حظ صاحبه بدينار ونصف فغرم لصاحبه ديناراً ونصفاً كلام وقع على غير تحصيل لا يصح؛ لأنه إنما يجب أن يغرم له ديناراً ونصفاً من ماله إذا كان حظ صاحبه خيراً من صاحبه بثلاثة دينار، وكذلك قولُه إذا كانت العبد المعيب سدس قيمة الأعْبُد التي صار في نصيبه أنه يكون بينهما نصفين ويكون شريكاً في رقيق صاحبه نصف سدسها ويرد من الدينار ونصف نصف سدسهما غلط وكلام وقع على غير تحصيل؛ لأن الواجب إنما هو أن يرد إليه جميع سدس الدينار ونصف أو يحاصه بذلك في سدس قيمة رقيقه إن كانت قد فاتت وبذلك تستقيم المسألة فيكون قد رد إليه قدر ما رجع به عليه فتدبر ذلك تجده صحيحاً، ويتبين ذلك بالتنزيل مثال ذلك أن تكون الأرؤس التي بينهما خمس عشرة شاة فيقتسمانها بينهما يأخذ أحدهما ست شياه قيمتها ستة دنانير ويأخذ الآخر تسع شياه قيمتها تسعة دنانير، ويعطي صاحبه ديناراً ونصفاً نصف ما زاد ما أخذ على ما أخذ شريكه فيعتدلان بذلك فإن وجد الذي أخذ الدينار ونصفاً عيباً بشاة من الست شياه التي أخذ وقيمتها دينار والتسع قائمة بيد شريكه لم تفت رَدَّ على شريكه الشاة المعيبة فكانت بينهما بنصفين، ورد عليه سدس الدينار ونصف الذي قبض منه، وكان شريكاً معه في التسع شياه بنصف سُدُسِهَا فكان إذا فعل ذلك قد قبض كل واحد منهما من صاحبه ما ينوب ما دفع إليه مما بيده؛ لأن الذي وجد العيب بالشاة أعطى صاحبه أربعة أسداس مثقال ونصف سدس مثقال نصف الشاة بثلاثة أسداس وسدس الدينار ونصف سدس، وأخذ من صاحبه نصف سدس التسع شياه وقيمة ذلك أربعة أسداس ونصف سدس كما دفع؛ لأن قيمتها تسعة مثاقيل فنصف سدسها أربعة أسداس ونصف سدس. ولو كانت التسع شياه قد فاتت بيد الذي قبضها لوجب إذا رد عليه الشاة المعيبة فكانت بينهما أن يرجع عليه بنصف قيمة التسع شياه، وذلك أربعة أسداس ونصف سدس بعد أن يدفع إليه سدس الدينار ونصف، أو يقاصه به فيأخذ منه نصف دينار، وهذا كله بين والحمد للَّه.

стр. 5514

وقوله: إنه يكون شريكاً في رقيق صاحبه بنصف سدسها إن كان العبد المعيب سدس حظه، وإن كان وجهه انتقضت القِسْمَةُ هو أحد قوليه في المدونة، وقوله الثاني فيها إنه في اليسير يرجع بما نابه من حظ صاحبه دنانير وإن كان قائماً، وفي الكثير يكون شريكاً بما نابه ولا تنتقض القسمة فَفَرَّقَ في كلا القولين بين الوجهين وقال في كل وجه منها قولين، فلا اختلاف في أنه لا تنتقض القسمة في اليسير، ولا في أنه لا يرجع في قدره من الدنانير في الكثير، وهذا الاختلاف كله في القيام، ولا اختلاف في أنه يرجع بما ناب المعيب أو المستحق من الدنانير في الفوات وباللَّه التوفيق. [: الحائط والدار والأرض تكون بين الورثة كيف يقتسمون ذلك] ومن كتاب حَمَلَ صَبِيّا عَلَى دَابَّةٍ قال عيسى: سألت ابنَ القاسم عن الحائط والدار والأرض تكون بين الورثة كيف يقتسمون ذلك؟ قال ابن القاسم: يقسم على أدناهم سهماً ثم يضرب في الطرفين فأيهم وقع سهمه في أحد الطرفين ضُمَّ له نصيبه إلى حيث وقع سهمه، ثم يضرب لمن بقي فيما بقي كذلك في أحد الطرفين بعد الذي عزل، فإذا وقع سهم أحدهم في شق ضم إليه نصيبه إلى حيثُ وقع سهمه حتى يكمل كذلك حتى يكون نصيب كل واحد به مجتمعا، ولا يقع حقه مُبَدَّدا وكذا وجه ما فَسَّر لي مالك ووصفَ لي قال ابن القاسم: وتفسير يقسم على أدناهم سهماً إن كان أدناهم صاحبَ السدس قسمت الأرض على ستة أجزاء بالقيمة، فإن كان بعض الأرض أفضلَ من بعض فضلت بالقيمة على قدر تفاضلهما، فقد يكون الفدان الواحد ثَمَنَ فَدَادين يُحمل كل سهم بالقيمة على قدر تفاضله حتى يَسْتوي في القيمة فتكون قيمة كل سهم واحد وإن كثرت الأرض في بعض تلك

стр. 5515

السهام لِرَدَاءَتِهَا وفي بعضها لارتفاعها في القيمة وكرمها، فإذا استوت في القيمة كتب أهلُ كُلّ سَهّمٍ اسمَ سهمهم ثم أسهم في الطرفين جميعا، فمن خرج سهمه في طرف ضم إليه ما بقي من حقه إلى حيث خرجِ سهمه ثم يضرب أيضا في الطرفين فيصنعوا في ذلك كما صنعوا أوَّلَا أبدا حتى يأتوا على آخرها، قال عيسى: إذا كانت الكريمة تحمل القسمة، والدنِية تحمل القسمة الكريمة على حِدَتِهَا والدنيةُ على حدتها. قال محمد بن رشد: قوله في أن الحائط والدار والأرض تقسم على أدناهم معناه إذا كانت فريضتهم تقسم على أدناهم سهما مثل أن تهلك امرأة عن زوج وأم وأخت لأم، فإنها تقسم أسداسا ثم يضرب بسهامهم علىَ الطرفين فإن خرج سهم الزوج في أحد الطرفين وسهم الأم في الطرف الآخر أخذ الزوج النصف في الطرف الذي خرج سهمُه فيه، وأخذت الأم الثلث في الطرف الذي خرج سهمها فيه، وكان للأخت السدس الباقي من الوسط حيث بقي، وإن خرج سهمُ الأخت في أحد الطرفين وسهم الزوج أو الأم في الطرف الآخر أخذت الأخت السدس في الطرف الذي خرج سهمها فيه وكان للزوج النصف الباقي في الوسط، وإن كان الزوج هو الذي خرج سهمه في الطرف الآخر أخذت فيه، وكان للأم الثلث الباقي في الوسط، وكذلك ما أشبهه على هذا القياس. وقد قيل: إنه إنما يضرب سهامهم على الطرف الواحد أبدا وهو الذي في المدونة ثابتّ في كل رواية، وأما إن كانت فريضتهم لا تنقسم على أدناهم سهما فلا بد أن تنقسم على مذهب ابن القاسم على ما تنتهي إليه سهام

стр. 5516

فريضتهم التي تنقسم منها وإن كان سهم أقلهم نصيبا ينتهي إلى عشرة أسهم أو أقل أو أكثر مثل أن تهلك امرأة عن زوج وأم وابن وابنة، فإنها تنقسم على ستة وثلاثين سهما لأن فريضتهم لا تنقسم من أقل منها، يكون للزوج تسعة، وللأم ستة، وللابن أربعة عشر، وللبنت سبعة، ثم يضرب بسهامهم على الطرفين فمن خرج سهمه منهم في طرف ضم إليه فيه بقية حقه إن كان الزوج أخذ فيه تسعة أسهم وهو الربع وإن شئت قلت السدس ونصف السدس، وإن كانت الأم أخذت فيه ستة أسهم وهو السدس، وإن كان الابن أخذ فيه أربعة عشر سهما وهو السدسان وثلث السدس، وإن كانت الأخت أخذت فيه سبعة أسهم وهو السدس وسدس السدس، ويأخذ في الطرف الآخر من خرج سهمه فيه على هذا الترتيب، ثم يسهم بين الباقيين منهما على ما بقي من السهام، فمن خرج سهمه منهما في طرف ضم إليه بقية حقه فيه، وكان للباقي ما بقي وقد قيل إنه لا يسهم إلا على طرف بعد طرف، فإن تشاحوا على أي الطرفين يسهم عليه أَوَّلا أسُهم على ذلك، وهو قوله في المدونة على ما ذكرناه، هذا مذهبه في القسمة في المدونة وغيرها، وقد ذكرنا مذهب مالك في ذلك في المدونة في تكلمنا على أول مسألة من سماع ابن القاسم فلا معنى لإعادته. وقوله: فإن كان بعض الأرض أفضل من بعض فضلت بالقيمة فقد يكون الفدان الواحد تَعَدٍّ للفدانين، هو مثل ما في كتاب الوصايا الثاني من المدونة خلافُ ما في كتاب القسمة منها من أن الأرض لا تقسم قسما واحدا إلا إذا كانت معتدلة في الطيب والكرم، وقول عيسى في المسألة قول ثالث وقد مضى بيان هذا في أول مسألة من سماع ابن القاسم وبالله التوفيق. [: يرثون منزلا عن أبيهم يقتسمونه فيغيب بعضهم ويقيم بعضهم] ومن كتاب البراءة قال وسألت ابن القاسم عن الِإخوة يرثون منزلا عن أبيهم يقتسمونه فيغيب بعضهم ويُقيم بعضهم فيقدم الغائب بعد سنين

стр. 5517

فتشتبه عليهم حالهم ويقول الذين عملوا لا نعرف سهامكم هل يعيدون القسمة جميعا؟ قال أما الذين عملوا فيحلفون بالله إذا لم يصدقهم أشراكهم أن الذين عمروا سِهَامُهُم ولا شيء عليهم ويعيدون هؤلاء الذين اشتبهت عليهم السهام القسمة فيما اشتبه عليهم. قال محمد بن رشد: هذا كما قال لأنهم قد تقارَرُوا على القسمة فوجب أن يكون من بيده منهم أرض في اعتماره أن يكون القولُ قولَه مع يمينه أنها هي التي صارت له بالقسمة وبالله التوفيق. [مسألة: مات الذي كان الحائط في يديه فجهل الورثة حقوقهم] مسألة قلت فلو كان حظ رجل منهم من تلك الأرض بيد أخيه عشرين سنة أو نحوها فمات صاحبُ السهم وطلب ذلك بنوه من بعده من عمهم، أو لم يمت فطلب ذلك هو والمنزل معروف لوالدهم أنه مات عنه، قال: إن ادعى شراء أو صدقة فذلك له أقام البينة أو لم يُقم، لأن في عشرين سنة ما يبيد الشهود وإن كان لا يدعي شراء ولا صدقة وإنما يقول هو في يدي فإن ذلك لا ينتفع به، قال ولو مات الذي كان الحائط في يديه فقال الورثة لا ندري بأي شيء كان في يد صاحبنا فليس عليهم شيء إلَّا أن يأتي الذين يدعونه بأمر يُبَيِّنُ حُقوقَهُمْ. قال محمد بن رشد: مساواتُه في هذه المسألة بين الشراء والصدقة خلافُ قوله في رسم إن خرجت من سماع عيسى من كتاب الاستحقاق في تفرقته بينهما في الأجنبيين إذ لا فرق بين المسألتين على القول بأنه لا حيازة بين الأجنبيين في العشرة الأعوام إذا لم يكن هدم ولا بُنيان كالقرابة لأنه جعل في هذه الرواية القولَ قولَ الحائز فيما يبدأ الشهود فيه من المدة إذا ادعي شراء أو صدقة ولم يجعل في رواية عيسى عنه من كتاب الاستحقاق القول قوله في

стр. 5518

ذلك إلا في الشراء دون الصدقة والهبة والنزول. وقوله إن الورثة إذا قالوا لا ندري بما تَصَير ذلك إلى موروثنا الذي ورثناه عنه قبل ذلك منهم ونفعتهم الحيازة، وإن لم يدعوا الوجه الذي تَصَيَّر به ذلك إلى موروثهم في أنهم لا ينتفعون بالحيازة إلا أن يدعوا الوجه الذي صار به إليهم، وقد مضى القول على هذا مستوفى في رسم تسلف من سماع ابن القاسم من كتاب الاستحقاق وبالله التوفيق. [: يقتسمان دارا بينهما فيجد أحدهما في حظه جبا بالأولى ولا يجد الآخر شيئا] ومن كتاب العتق وسئل ابن القاسم عن الرجلين يقتسمان دارا بينهما فيجد أَحَدُهُمَا في حظه جبّا بالأولى ولا يجد الآخر شيئا أيكون له معه في ذلك شيء؟ قال: نعم أرى له معه في ذلك حظا، وأرى أن يعاوده القسم إذا كان لم يفت، فإن فات ببنيان رأيت له عليه نصف ذلك، وهو بمنزلة بيوت وجدها أسفل بيوت لم يكن علم بها، فليس له أن يأخذها دونه. قال محمد بن رشد: قول ابن القاسم في هذه المسألة خلافُ نص قول سحنون في آخر جامع البيوع وما ذهب إليه ابن حبيب وابن دينار وهو أصل قد اختلف فيه قولُ ابن القاسم، وقد مضى الكلام على ذلك مستوفى غاية الاِستيفاء في سماع ابن القاسم من كتاب الأقضية ومن كتاب اللقطة وفي آخر البيوع فلا معنى لإِعادة شيء من ذلك وبالله التوفيق. [: يوصي بوصايا وعتاقة فتنفذ الوصايا والعتاقة ثم يطرأ على الوصي دين يحيط بماله] من سماع يحيى من ابن القاسم من كتاب الكبش قال يحيى: وسألت ابن القاسم عن الذي يوصي بوصايا

стр. 5519

وعتاقة فتنفذ الوصايا والعتاقة ثم يطرأ على الوصي دين يحيط بماله، وقد شهد العبيد المعتقون على حقوق وطال زمان ذلك واقتسم الورثة ونما بعض ذلك في أيديهم أو نقص أو استهْلكَ، فقال: ترد الوصايا التي أخذها أهلها بحال ما يوجد في أيديهم نامية أو ناقصة وما هلك منها فلا ضمان عليهم إلا أن يستهلكوا شيئا فيغرمونه أو يكونوا اشتروا شيئا فحوسبوا به في وصاياهم فيكون لهم نماؤه وعليهم تواؤه ويردون الثمن الذي حوسبوا به قال: والورثة بهذه المنزلة فيما اقتسموا مما أخذوا على حال الاقتسام، فنماؤه للغرماء ولا ضمان على الورثة فيه إلا أن يستهلكوا شيئا فيكون عليهم غرمه، وما اشتروا على حال البيع وليس على وجه الاقتسام فنماؤه لهم وضمانهَ عليهم يغرمون الثمن الذي كان وجب به عليهم، قال: وما اقتسموا من ناض ذهب أو ورق أو طعام أو إِدام فإنهم يغرمون ذلك كله، وإنما يوضع عنهم ضمان ما هلك من العروض والحيوان والعقار التي تقسم بالقيمة، قلت أرأيت ما اقتسموا من العروض بالقيمة فغابوا عليه ولم يُعْرَفْ هلاكُه إلَّا بقولهم أيبرؤون من ضمانه؟ أو الطعام أو الِإدام أتوجب عليهم ضمانه وتراه كالذهب إذا عرف هلاكه بالبينة؟ كبراءة المرتهن والمستعير وحاله فيما لم يغب عليه كحالهما. قال محمد بن رشد: الأصل في هذه المسألة قول الله ﵎ في آية المواريث ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١١] فنص تعالى على أنه لا ميراث لأحد من الورثة إلا من بعد تأدية الدين والوصية. واختلف إذا طرأ على التركة دين أو وصية بعدد بعد اقتسام الورثة ما ترك

стр. 5520

الميت من دنانير أو دراهم أو طعام أو عرض أو حيوان أو عقار على خمسة أقوال، أحدها أن القسمة تنتقض لحق الله تعالى شاء الورثة أو أبوا، فيكون ما هلك من جميعهم وَما نَمَا لجميعهم، فيخرج الدين أو الوصية من ذلك ويَقْسِمُ الورثةُ ما بقي إِن بقي شيء، وهذا قول مالك في رواية أشهب عنه، والثاني أن القسمة تنتقض فيكون ما هلك أو نقصَ أو نما بين جميع الورثة إِلَّا أن يتفق جميعهم على أَلَّا ينقضوها ويخرجوا الدين أو الوصية من أموالهم فيقروها، فيكون ذلك لهم، وهو المشهور من مذهب ابن القاسم المنصوص له في المدونة، وقد اضطرب في ذلك قوله، والثالث أن القسمة تنقض أيضا فيكون ما هلك أو نقص أو نَمَا بين جميعهم إلَّا أَنَّ لمن شاء من الورثة أن يخرج من ماله ما يَنُوبُه من الدين ويحمل نوبه مما هلك ويبقى حظه في يديه، فيكون ذلك له، وهو قول ابن حبيب في الواضحة، مثال ذلك أن يهَلك المُتوفى وله أربع بنين ويترك عروضا ثمانَ بقرات في التمثل قيمة كل بقرة منها عشرة مثاقيل، فيقسمونها بينهم فيأخذ كل واحد منهم منها بقرتين بقرتين، فتموت بِيَد واحد منهم بقرة من البقرتين اللتين صارتا له في سهمه ويطرأ على المتوفى دين عشرة مثاقيل، فإن الواجب في ذلك على مذهبه أن تنتقض القسمة ويخرج الدين من السبع بقرات الباقية، فإن بيع فيه بقرة واحدة قسمت الستة الباقية بين البنين الأربعة بالسهمة حسبما مضى من الاختلاف في صفة القسمة بها إن لم يتفقوا على قسمتها بالتراضي، ولمن شاء منهم على مذهبه أن يخرج من ماله ما ينوبه من الدين، وذلك دِينَارَانِ ونصفُ دينار، ويحمل نوبه من قيمة البقرة التي مات، وذلك دينار ونصف دينار أيضا إن كانت قيمتها عشرة فيؤدي خمسة دنانير، دينارين ونصف دينار لصاحب الدين، ودينارين ونصف لسائر الورثة، ويترك حظه في يديه، ويردون الباقون جميعَ ما بأيديهم إن أبوا إلا نقض القسمة فيقتسمون الخمس بقرات التي في أيديهم مع الدينارين ونصف دينار التي حمل الراضي بالقسمة بينهم على السواء بعد أن يؤدوا بقية الدين وذلك سبعة دنانير ونصف دينار، والقول الرابع أن القسمة لا تنتقض، وهو قول

стр. 5521

أشهب وسحنون إِلَّا أنهما اختلفا في فض الدين، فقال سحنون: إنه يفض على ما بيد كل واحد منهم يوم الحكم، وقال أشهب في أحد قوليه: إنه لا يفض على الأجزاء التي اقتسموا عليها زادت أو نقصت ما كانت قائمة، فلا اختلاف في أنه لما لا يضمن من تلف ما بيده بأمر من السماء لصاحب الدين شيئا من دينه، والقول الخامس أن القسمة تنتقض بين من بقي بيده حظه أو شيء منه أو استهلكه أو شيئا منه، فأما من تلف جميع حظه بأمر من السماء فلا يرجع صاحب الدين ولا يرجع هو على الورثة بما بقي بعد تأدية الدين، وقولُ ابن القاسم في هذه الرواية إذَا لَحِقَ دين يغترق التركة بعد تنفيذ الوصايا والعتق واقتسام الورثة إِن الوصايا ترد بنمائها ونقصانها، وتنقض القسمة ويكون النماء للغرماء والضمان عليهم، ولا يكون على الورثة ضمان شيء منه إلّا أن يستهلكوه فيكون عليهم غرمه بَيِنٌ لا كلام فيه على مذهبه إذا كان الدين يغترق التركة بنمائها، وأما إن كان لا يغترقها فاتفق جميعهم على أن يؤدوا الدين ويمضوا قسمتهم فذلك لهم على مذهبه. وأما قوله فيما اشتروا من التركة فحوسبوا فيه في ميراثهم أو اشتراه الموصي لهم منها فحوسبوا به في وصاياهم إِن لهم النماء وعليهم الضمان، وليس عليهم إلا الثمن فهو بين صحيح لا اختلاف فيه إذ لا فرق بين أن يشتروه فيحاسبوا به في ميراثهم أو في وصاياهم وبين أن يباع من غيرهم فيدفع إليهم الثمن في ذلك. وأما قولُه: وما اقتسموا من ناض ذهب أو ورق أو طعام أو إدام فإنهم يغرمون ذلك كله وإنما يوضع عنهم ضمان ما هلك من الحيوان والعروض والعقار الذي يقسم بالقيمة، فالظاهر منه أن الذهب والورق والطعام والإِدام يغرمونه إن هلك ولا يوضع عنهم ضمانه وإن قامت بينة على تلفه، بخلاف العروض والحيوان والعقار التي تقسم بالقيمة، وقد بين ذلك إذ جعل الحكمَ فيه حكمَ العارية فيما لا يعرف بعينه إذا غيب عليه مضمونة كالقراض، وكذلك

стр. 5522

قال في العارية من المدونة: إنها قرض، وهو قول ابن الماجشون في رسم النكاح من سماع أصبغ من كتاب النكاح خلافُ قوله فيه إنه لا ضمان عليه في العين ولا في كل ما يغاب عليه إذا قامت البينة على تلفه، وخلافُ قول أصبغ في تفرقته بين العين وبين ما سواه مما يغاب عليه. فيتحصل في العين والطعام والإِدام إذا قامت البينة على تلفه ثلاثة أقوال: أحدها: أنه ضامن وهو قوله في هذه الرواية، والثاني: أنه لا ضمان عليه، وهو قوله في سماع أصبغ من كتاب النكاح، والثالث: الفرق بين العين والطعام والإِدام وما كان في معناه من المكيل والموزون كله، وهو قول أصبغ، وأما إذا لم تقم بينة على تلف ذلك فهو ضامن ولا اختلاف في العروض التي يغاب عليها أنه ضامن إلا أن تقوم البينة على تلفها ولا في الحيوان الذي يغاب عليه أنه يصدق في تلفه وبالله التوفيق. [: القسمة تمييز حق لا بيع من البيوع] ومن كتاب الَأقْضِيَةِ أخبرني مَن أرضى أَنّ عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون قال: إذا اقتسم الورثة الدور والأرضين على سنَّةِ اقتسامها ثم استحق منها بعض ما في أيديهم أو وُجِدَ ببعض ذلك عيب فإِن القسم يُعَادُ بينهم، قال: وإن كانوا اقتسموا على وجه المراضاة وكلهم قد بلغ أن يَحُوز أمره فيما نظر فيه لنفسه ثم استحق بعض ذلك أو وجد معيبا، فأيُّمَا عيب دخل فيه فينظر فيه بما ينظر فيه فيما يوجد معيبا مما يشتري، وذلك أنهم إذا تراضوا فكأنما اشترى بعضهم من بعض إذا اقتسموا على وجه الاقتسام. قال محمد بن رشد: تفرقةُ عبد العزيز بن أبي سلمة إذا استحق بعض نصيب أحد الأشراك بعد القسمة أو وجد بها عيب بين أن تكون القسمة

стр. 5523

على التراضي أو على وجه الحكم بالسهمة يأتي على قياس القول بأن القسمة تمييز حق لا بيع من البيوع؛ لأنه إذا استحق بعض نصيب أحدهم أو وجد به عيب فليس الذي بقي بيده مع الذي يرجع به في الاستحقاق على حكم الرجوع بالبيع من مشاركة صاحبه فيما في يده أو الدنانير التي يأخذ منه في ذلك هو حقه الذي كان تميز له بالقسمة؛ لأن الذي تميز له بها أخذه بالقرعة، فإذا لَزِمَ الرجوع على صاحبه بقدر ما استحق من نصيبه شاء أو أبى فقد حصلت القرعة على ما لا يجوز الاقتراع عليه من الصنفين، ألا ترىَ أنه إذا كان أحد النصيبين أفضلَ من الآخر فجعل بينهما دنانير أنه لا يجوز الاقتراع على ذلك؟ وقولُ ابن القاسم وروايتُهُ عن مالك في إيجاب الرجوع في ذلك على حكم البيع هو على قياس القول بأن القسمة بيع من البيوع، وأما إذا كانت القسمة على التراضي فلا اختلاف في أن حكمه حكم البيع في جميع الأحكام التي تطرأ على البيوع من الاستحقاق والعيوب وسائر الأحكام المتعلقة بالبيوع وبالله التوفيق. [مسألة: قسمة شيء من الحيوان والعروض بالقيمة] مسألة قال: ولا ينبغي أن يقسم شيء من الحيوان والعروض بالقيمة ولكن يباع ذلك فيشتريه من أحب. قال محمد بن رشد: إنما لم يُجز ابنُ أبي سلمة قسمة شيء من الحيوان والعروض بالقيمة لأنه رأى الاستهام غَرَرا فلم يجزه إلا في قسمة الدور والأرضين؛ لحاجة الناس إلى اقتسامها ليشفع كل واحد منهم إن باعوها واقتسموا الثمن، أو يعتاض بحظه منها مسكنا يسكنه وبالله التوفيق. [: الكراء بيع من البيوع] من سماع أبي زيد من ابن القاسم قال ابنُ القاسم عن الرجل يكري داره سنة من رجل ثم يهلك

стр. 5524

صاحب الدار بعد شهر أو شهرين، كيف الأمر في ذلك إذا طلب الورثة قسمة دار أبيهم؟ قال ابن القاسم: الكراء الذي تكارى ليس لهم أن يخرجوه حتى يتم سنة، فإن أحبوا أن يقسموا فذلك لهم، يعرف كل إنسان منهم ما يصير له إذا كان لا يضر بالمتكاري ولا يضيق عليه شيء، وإن أراد ورثته إذا اقتسموا أن يبني كل إنسان منهم ما يصير له إذا كان ذلك لا يضر بالمتكاري كان ذلك له. قال محمد بن رشد: هذه مسألة صحيحة بينة لا اختلاف فيها؛ لأن الكراء بيع من البيوع، فهو عقد لازم يلزم ورثة كل واحد من المتكاريين، فإن أمكنهم القسمة دون أن يضر ذلك بالمتكاري لم يمنع من ذلك مانع، ويقتسمونها إن شاءوا على الصفة، إذ من حق المكتري أن يمنعهم من الدخول فيها لقسمتها، فإن أذن لهم في ذلك لم يكن لهم أن يحجروا على أنصبائهم بالبنيان إلا بإذنه ورضاه، وقوله في الرواية: إن ذلك لهم إذا كان ذلك لا يضر بالمتكاري، معناه عندي إذا كان قد أذن لهم بالبنيان فلهم أن يبنوا ما لا يضر به وبالله التوفيق. تم كتاب القسمة بحمد الله تعالى وصلى الله على محمد.

стр. 5525

[: يشتري الثمرة فتصيبه الجائحة فيريد أن يوضع عنه] كتاب الجوائح والمساقاة مِن سَمَاع ابنِ القَاسِم مِن مَالِكِ مِن كِتَابِ الرَّطْبِ بِاليَابِسِ قال سحنون: أخبرني ابن القاسم عن مالك في الرجل يشتري الثمرة فتصيبه الجائحة فيريد أن يوضع عنه، فيقول رب الحائط: أنا أُقيلك ولا أضع عنك، أو يربحه في بقية الثمر، قال: الوضيعة له دين قد ثبت له إذ دعاه إلى الإِقالة أو إلى الربح في بقية الثمر؛ لأنه لو خسر أكثر مما أصيب في الجائحة لم يرَد عليه شيء، ولو لم ير رب المال أن فيما بقي فضلا أو وفاء لم يُقله والوضيعة له ثابتة ولا ينظر في غلاء السعر ورخصه. قال محمد بن رشد: وهذا كما ذكر، وهو مما لا اختلاف فيه أعلمه؛ لأن ما أُجِيحَ من الثمرة إذا بَلَغَ ما يجب وضعه عن المشتري مصيبته من البائع فلا حجة له في ذلك على المشتري بما رضي به من الإِقالة؛ لأنه إنما رضي بالإِقالة لسبب غلاء الثمرة، ولا حجة للبائع على المشتري في غلاء الثمرة، لأن الربح له كما أنه لا حجة للمشتري على البائع برخصها؛ لأن الخسارة عليه لو خسر على ما وزن لم يكن له بذلك على البائع رجوع، ولا له أيضا إِن

стр. 5526

أجيح الجل أن يرد الباقي ويأخذ جميع ثمنه إذ لا سبب للبائع في الجائحة، ففارق ذلك حكمَ الاِستحقاق والرَّدَّ بالعيب، ووجب للمشتري الرجوع بقدر الجائحة بحكم ما أوجب الشرع لما بقي على البائع من التوفية في ذلك حسبما بيناه في غير هذا الكتاب وبالله التوفيق. [مسألة: يدفع إليه المال قراضا فيشترط العامل عليه عون غلامه أو دابته] مسألة قال مالك: ولا بأس أن يشترط الداخل في المال على صاحب الحائط الغلام أو الدابة إذا كان شيئا ثابتا لا يزول، فإن اغتل الغلام أو هلكت الدابة أخلف مكانها أخرى وإلا كان غررا لا يَنْبَغِي، وإنما هذا إذا كان الحائط كثيرَ المؤنة والدابة فيه يسيرة، قال سحنون مثله ولا يجوز هذا في القراض أن يدفع الرجل إلى الرجل المال القراض فيشترط العامل على رب المال عون غلامه أو دابته أو يشترط إن مات الغلام أو هلكت الدابة أن على رب المال خلفها أن ذلك مكروه وزيادة يزدادها العامل، وذلك في المساقاة جائز ولو لم يشترط ضمانها في المساقاة لما جاز. قال محمد بن رشد: قولُه في اشتراط الداخل على صاحب الحائط الغلام أو الدابة إن ذلك لا بأس به إذا كان شيئا ثابتا لا يزول، يدل على أن ذلك لا يجوز إلا بشرط الخلف، وقد روي ذلك عن سحنون نصا، وقد قيل إن الحكم يوجب الخلف وإن لم يشترطه، وهو ظاهر ما في الواضحة، وما في المدونة محتمل الوجهين، والذي أقول به على التفسير للروايات جميعا أنه إن كان عين الغلام أو الدابة في اشتراطه إياهما بإشارة إليهما أو تسمية لهما فلا تجوز المساقاة على ذلك إلا بشرط الخلف، وإن كان لم يعينهما فالحكم يوجب

стр. 5527

خلفهما إن لم يشترطه، وقد اعترض بعض أهل النظر جواز اشتراط الخلف في الدابة والغلام المعينين وذهب إلى أن ذلك لا يجوز، كما لا يجوز اشتراط خلف الدابة المعينة إذا أكرت، وليس ذلك بصحيح؛ لأن الدابة المعينة إنما لا يجوز اشتراط الخلف فيها إذا نفد الكراء؛ لأنه يصير فسخ دين في دين، وأما إذا لم ينفد فذلك جائز، والدابة المشترطة على رب الحائط في المساقاة في حكم ما اكترى ولم ينفد كراءه، إذ ليس لها في المساقاة كراء معلوم؛ لأن العرض فيها مجهول، فإن لم يشترط الخلف حيث يجب اشتراطه أو اشتراط أَلا خلف حيث يوجب الحكم الخلف رد إلى مساقاة مثله؛ لأن المساقاة إذا فسدت باشتراط أحد المساقين على صاحبه من عمل الحائط مما لا تعظم نفقته ويتأبد لرب الحائط منفعته كحفر البير وإنشاء الظفيرة، وما أشبه ذلك فإنه يرد فيه إلى مساقاة مثله، كما إذا عقداها على وجه من وجوه الغرر لم يخرجَا به من حكم المساقاة مثل أن يساقيه حائطا على النصف وحائطا على الثلث أو يُسَاقيه في حائطه سنين وفيه ثمرة قد طابت أو يجمعها مع البيع أو مع الإِجارة المنفردة عنها في صفقة واحدة وما أشبه ذلك، بخلاف إذا اشترط أحدهما على صاحبه زيادة من دنانير أو دراهم أو عروضا أو عملا كثيرا يعظم نفقته ويتأبد لرب الحائط منفعته فإن هذا كله وما أشبهه يُرد فيه إلى إجارة مثله فهذا أصل فيما يرد فيه إلى مساقاة مثله وإلى إجارة مثله يأتي عليه مسائل كثيرة هي مسطورة في الأمهات لابن حبيب وغيره. وأما القراض فيجوز فيه اشتراط الدابة والغلام على رب المال دون اشتراط الخلف، فإن اشترط الخلف لم يجز، والفرق بين المساقاة والقراض أن المساقاة لها أمد والقراض لَا أَمَدَ له، والنفقة في ذلك على العامل في المساقاة وفي القراض وإن اشترط ذلك على رب المال في القراض أو على صاحب الحائط في المساقاة لم يجز ورد في ذلك إلى مساقاة مثله وإلى قراض مثله وبالله التوفيق.

стр. 5528

[: يساقي الرجل نخلة فيريد المساقى أن يساقي غيره] ومن كتاب سلعة سماها وسئل مالك عن الرجل يساقي الرجل نخلة فيريد المُسَاقَى أن يساقي غيره، إِن الناس يختلفون في أمانتهم وَرضى الناسِ بهم، فإن أتى برجل أمين فذلك له، قيل له: فالمقَارَض يريد أن يقارِضَ بما أُعْطِيَ ويجد في ذلك أهل الثقة والأمانة؟ قال: ليس هو مثل المساقاة ليس له أن يقارض أحدا إلا برضا صاحبه. قال محمد بن رشد: فرق بين القراض والمساقاة في أن له أن يساقي رجلا أمينا، وليس له أن يقارض غيره، وإن كان أمينا إلا برضى صاحب المال؛ أن المال يغاب عليه والحائط لا يغاب عليه، فمن حق صاحب المال أن يقول: أنا لا أرضى أن يغيب هذا على مالي، وإن كان أمينا عند الناس، وفي قوله: وإن أتى برجل أمين فذلك له دليل على أن الذي يساقيه على غير الأمانة حتى يثبت أنه أمين، بخلاف ورثته إذا مات هم محمولون على الأمانة حتى يثبت أنهم غير أمناء، بخلاف القراض هم فيه محمولون على أنهم غير أمناء حتى يثبت أنهم أمناء، هذا ظاهر ما في المدونة في القراض والمساقاة، والفرق بينهما ما قَدَّمتُه من أن مال القراض يغاب عليه والحائط في المساقاة لا يغاب عليه، ولم يذكر في الرواية إن كان دونه في الأمانة أو مثله في غير الأمانة؛ وذلك اختلاف قد ذكرته في مسألة رسم إن أمكنتني من سماع عيسى من كتاب الشفعة وبالله التوفيق. [: أخذ نخلا ليؤبرها ويصلحها ويسقيها على أن له من كل نخلة عرجونا] ومن كتاب شَكَّ فِي طَوَافِهِ وسئل مالك عن الرجل أخذ من رجل نخلا على أن يأبرها ويصلحها ويسقيها على أنَّ له من كل نخلة عرجونا قنوا، قال: لا

стр. 5529

خير فيه، ولكن يشترط عليه مُدا في كل نخلة أو إجارة تلزمه، أو أمرا ثابتا. قال محمد بن رشد: سقط من بعض الروايات أو إجارة تلزمه أو أمرا ثابتَاَ، وإسقاطُه الأوْلَى؛ لأنه أصح في المعنى من أجل أنه لا يجوز أن يشترط عليه مُدا في كل نخلة إلا أن يكون في ذلك إجارة تلزمه في ذمته لا في عين ثمر كل نخلة، ففي إثباته دليل على إجازة ذلك في عين ثمر كل نخلة، وإذا سَقَطَ سَقَطَ الدليلُ بسقوطه، وتأول على ما يجوز من أنه أراد مدا في كل نخلة إجارة لازمة له في ذمته لا في عين ثمر كل نخلة، وهذا كله بيّن والحمد لله. [: يساقي الرجل لفترة فإذا فرغ قال صاحب الحائط لم يدفع إلي تمرة] ومن كتاب ليرفعن أمرا إلى السلطان قال: وسئل مالك عن الرجل يساقي الرجل لسنة أو لسنتين أو ثلاثة، فإذا فرغ قال صاحب الحائط: لم يدفع إلي تمرة، قال مالك: إن كان قد جذ فلا شيء له. قال محمد بن رشد: قوله إن كان قد جذ فلا شيء له معناه إِن المساقَى مصدق مع يمينه في دفع حظه إليه من الثمرة؛ لأنها في أمانته لا في ذمته، فوجب أن يكون القول قوله كالمودَع يدعي صرف الوديعة إلى ربها؛ وذلك منصوص في كتاب ابن المواز، قال: يحلف العامل كان بقرب الجذاذ أو لبعده، قال: وكذلك لو جذ بعضا رطبا والباقي ثمرا فقال قبل الجذاذ: لم يدفع إلي من الرطب شيئا ولا من ثمنه، كان المساقِي مصدقا في الرطب على هذا المنصوص عليه في هذه المسألة، ولا يبعد دخول الاختلاف فيها بالمعنى من مسألة الوكيل على القبض يدعي الدَّفع إلى من وكله؛ إذ قد قيل: إن القول قول الوكيل مع يمينه بكل حال قرب أو بعد، وقيل: إن كان قريبا كان القول قول

стр. 5530

الموكل مع يمينه أنه ما قبض، وإن بعد بمثل الشهر أو نحوه كان القول قول الوكيل مع يمينه على الدفع، وإن بعُد الأمر جدا كان القول قوله دون يمين، وقيل: إن كان بحضرة ذلك وقربه بالأيام اليسيرة صُدق الوكيل مع يمينه، وإن طال صدق دون يمين، وأما إن مات المساقَى فادعى صاحب الحائط أنه لم يقبض حظه من الثمن؛ فإن كان بقرب الجذاذ كان ذلك في ماله، وإن بعد الأمر لم يكن ذلك في ماله، ولا خلاف عندي في هذا الوجه وبالله التوفيق. [: اشترى ثمر حوائط في صفقة واحدة فيصاب منها حائط ثمرته كلها أو بعضها] ومن كتاب طلق بن حبيب وسئل مالك عن رجل اشترى ثمر حوائط في صفقة واحدة فيُصاب منها حائط ثمرته كلها أو بعضها، أترى أن يوضع عَنه؟ قال: إن كان ذلك الحائط أو ما أصيب منه ثلث الثمرة من جميع الحوائط وضع عنه، وإلا لم يوضع عنه، وإن كان الحائط كله، وإن كان في صفقات مختلفات وضع عنه من كل حائط ثلث ثمرته لِمَا أصابته الجائحة. قال محمد بن رشد: أما الحوائط إذا اشتُريت في صفقة واحدة فحكمها في الجائحة حكمُ الحائط الواحد إن تلفت الجائحةُ ثلثَ ثمر الجميع وضع عن المبتاع ثلث الثمن كان الذي أجيح بعض حائط أو حائطا وبعض حائط أو من كل حائط، هذا إذا كان الثمر من صنف واحد متساويا في الطيب أو قريبا بعضه من بعض، واختلف إذا كان بعضه أفضل وأطيب من بعض على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه لا قيمة في ذلك، ويكون ثلث الثمر بثلث الثمن، وهو قول ابن القاسم في رواية أصبغ عنه، بخلاف ما يُجْنَى بطنا بعد بطن، والثاني: أنه إن بلغت الجائحة ثلث الثمن أو أكثر وضع عن المشتري ما ينوب

стр. 5531

ذلك من الثمن، وإن أجيح أقل من الثلث لم يوضع عنه شيء، وإن ناب ذلك من الثمن أكثر من الثلث، وهو قول أصبغ، والثالث أنه إن أجيح ما قيمته من ذلك الثلث فصاعدا وضع عنه، وإن كان عشر الثمرة، وإن كان قيمة الذي أجيح أقل من الثلث لم يوضع عنه، وإن كان تسعة أعشار الثمرة مثل تين وعنب ورمان على ثلاثة أقوال: أحدها أنه يُفَضُّ الثمن على الأصناف كلها فتعتبر الجائحة في كل صنف على حِدَتِه بما ينوبه من الثمن كما لو اشتراه وَحْدَه، والثاني أنه إذا بلغ ما أجيح من ذلك ثلث الثمن فأكثر وضع ذلك عن المشتري من غير اعتبار بقدر الجائحة من الثمر، وهو قول أشهب، وذهب ابن المواز إلى أنه إذا كان أحدُ الأصناف أقل من الثلث لم يوضع منه شيء، وإن أتت الجائحة على جميعه، وبالله تعالى التوفيق. [: ساقى نخلا فجذه إلا نحوا من عشرين نخلة تخلفت أعليه سقي الحائط كله] ومن كتاب أوله سن رسول الله ﷺ وسئل مالك عن رجل سَاقَى نخلا فجذَّه إلا نحوا من عشرين نخلة تخلفت، أعليه سقيُ الحائط كله؟ قال: نعم، قال عيسى في روايته قيل له وإن كانت عدائم؟ والعدائم التي يتأخر طيبها. قال محمد بن رشد: العدائم صغار النخل التي يتأخر طيبها، قاله بعض أهل اللغة، وقال الخليل: هي صنف من الرطب بالمدينة تأتي في آخر السنة، وهو الأظهر، فعلى قوله: إن العدائم صنف من أصناف التمر يتأخر طيبه يدخل فيه من الاختلاف ما في الحائط يكون فيه أصناف من الثمار مثل عنب وتين ورمان ويتعجل طيب بعض ذلك قبل بعض، ويتحصل فيها ثلاثة أقوال أحدها أنه يلزم المساقَى سقيُ الحائط كله ما بقي من العدائم شيء لم يجذ

стр. 5532

وإن قل وهو قوله في هذه الرواية ومثله في المختصر لمالك وابن القاسم، والثاني أنه لا يجب عليه سقي العدائم وحدها، كانت الأقل من الحائط أو الأكثر منه، وهو الذي يأتي على قياس قول مطرف في الحائط يكون فيه أصناف من الثمر إلا أن يشترط عليه سقي الحائط كله حتى يفرغ ما فيه من الثمر فيجوز ذلك، رواه ابن وهب عن مالك في موطأه، والقول الثالث أن القليل تَبَعٌ للكثير، فإن كانت العدائم قليلة في الحائط كان على صاحب الحائط سقيُ جميع حائطه العدائم وغيرها، فإذا جَذّ العدائمَ دفع إلى المساقَى حظه منها، وإن كانت أكثرَ الحائط كان على المساقَى سقيُ جميع الحائط كله كما يكون عليه سقيه كله إذا جذ بعضه وبقي بعضه وإن كان ذلك متأصلا أو متشابها فعلى المساقَى أن يسقي العدائم وحدها، وعلى رب الحائط أن يسقي من حائطه ما سوى العدائم التي قد انقضى السقي فيها بجذاذها، ولا اختلاف في الصنف الواحد يتعجل جذاذ بعضه قبل بعض، والأمر في ذلك متتابع في أنه يلزمه سقي جميع الحائط حتى ينقضي جذاذ جميع ثمره، وبالله التوفيق. [مسألة: يساقي النخل وفيها شيء من الموز الثلث أو دون ذلك] مسألة وَسئل عن الرجل يساقي النخل وفيها شيء من الموز الثلث أو دون ذلك، قال: قال مالك: إني أرى أن يكون خفيفا، قال سحنون إن كان الموز مساقى مع النخل جاز، وإن لم يشترط العامل لم يحل. قال محمد بن رشد: قولُ سحنون مفسِّرٌ لقول مالك؛ لأن الموز وإن كان لا تجوز مساقاته على انفراد فيجوز إذا كان في حيز التبع للحائط بمنزلة الأرض البيضا لا يجوز كراؤها بالجزء مما يخرج منها ويجوز ذلك مع النخل إذا كانت تبعا لها، ولا يجوز أن تلغى للعامل، وإن كانت في حيز التبع بخلاف الأرض البيضا ولا أن يكون لرب الحائط لأنه يكون قد ازداد على العامل سقيه.

стр. 5533

والفرقُ بين الأرض البيضا والموز إذا كانا في حيز التبع للحائط في جواز إلغائهما للعامل السُّنَّةُ الواردةُ في إلغاء الأرض في المساقاة؛ وإذ قد جاء ذلك في بعض الآثار، ولذلك قال مالك: فهذا أُحله هو الذي يأتي في هذه المسألة على ما في المدونة؛ لأنه لم يُجز فيها لأحد المساقين في الزرع إن كانت فيه نخلات يسيرة أن يشترطها أحدهما على صاحبه، وقد روى ابن وهب عن مالك أنه لا بأس أن يشترط العامل الزرع الذي في الحائط إذا كان يسيرا لنفسه خاصة، ومثلُه لمالك في الثاني من التفسير ليحيى عن ابن القاسم، رواه الحارث عن ابن القاسم عنه، فعلى هذا يجوز إذا كان الموز يسيرا في الحائط أن يشترطه كل واحد منهما على صاحبه، فيحتمل على هذا أن يكون قولُ سحنون مثلَ ما في المدونة من قول ابن القاسم وروايته عن مالك؛ إذ قد اختلف قول مالك في هذا الأصل حسبما بيناه، وبالله التوفيق. [مسألة: بيع الثمر قبل أن يخلق] مسألة وسئل مالك عن رجل ساقى نخلا له ثم إن الذي ساقى عليها أنفق عشرين دينارا ثم أراد الخروج فأراد أن يُعْطيَ العشرين الدينار التي أنفق فيها ويخرج من المساقاة، قال مالك: لا خير فيه ولكن إِن أحب أن يساقيها أحدا على ما شاء النصف أو الثلث فذلك له. قال محمد بن رشد: هذا كما قال، وهو مما لا اختلاف فيه ولا إشكال أنه لا يجوز أن يخرج من المساقاة على شيء يعطي لا قبلَ أن يَعمل ولا بعد أن عمل؛ لأنه إذا فعل ذلك كان قد باع حظه من الثمر قبل أن يخلق بما عليه من عمل الحائط ومن بقية عمله وبما أعطي، فدخله ما نهي عنه من بيع الثمر قبل أن يخلق، وأما مساقاة غيره على ما شاء النصف أو الثلث فقال في الرواية: إن ذلك له يريد إذا كان أمينا مثلَه في الأمانة باتفاق، وأما إن كان أمينا إلا أنه دونه في الأمانة أو غير مأمون إلا أنه مثله في الأمانة فيتخرج ذلك على ما

стр. 5534

ذكرته من الاختلاف في رسم إن أمكنتني في سماع عيسى من الشفعة،، وفي ذلك تفصيل. أما إذا ساقاه على مثل الجزء الذي سوقي؛ فذلك جائز بعد أن عمل باتفاق شاء رب الحائط أو أبى، وأما قبل أن يعمل فيجوز أيضا شاء رب الحائط أو أبى على مذهب مالك الذي يرى المساقاة تلزم بالقول، ولا تجوز إلا برضاه على مذهب من يرى المساقاة لا تلزم بالقول. وأما إذا ساقاه على أكثر من الجزء الذي سُوقي عليه مثل أن يكون ساقاه صاحب الحائط على أن يكون له النصف وساقى هو الآخر على أن يكون له الثلثان، فإن كان بعد أن عمل كان له الفضل، وإن كان قبل أن يعمل كان له الفضل أيضا على مذهب مالك الذي يرى المساقاة تلزم بالقول، ولم يكن له على مذهب من يرى أنها من العقود الجائزة التي لا تلزم بالقول. وأما إن كان ساقاه على أقل من الجزء الذي سوقي به مثل أن يكون ساقاه صاحب الحائط على أن يكون له النصف، وساقى هو الآخر على أن يكون له الثلثان، فسواء كان ذلك قبل أن يعمل أو بعد أن عمل رب الحائط أحق بالجزء الذي اشترطه، ويرجع العامل الثاني على العامل الأول، قال في كتاب القراض من المدونة: ويتبع المساقَى الآخر المساقى الأول بالسدس الذي بقي له فيأخذه، وهو كلام وقع في المدونة على غير تحصيل؛ لأن الواجب إنما هو أن يرجع المساقى الثاني على المساقى الأول بربع قيمة عمله في الحائط؛ لأن رب الحائط استحق من نصيبه من التمر الذي استحقه بعمله ربعه، فوجب أن يرجع بربع قيمة عمله، إذ قد فات، كمن استأجر أجيرا بمكيلة من الثمر بعينه فاستحق ربعه منه بعد أن عمل ما استوجر عليه، ويُخَرَّجُ ذلك على ما في كتاب الشفعة من المدونة في الذي يشتري الشقص بطعام بعينه فيستحق بعد أن أخذ الشفيع بالشفعة أن البيع لا يرد ويغرمه مثل طعامه وأصلحه سحنون أن البيع لا يرد ويغرم له قيمة الشقص، وإصلاح سحنون

стр. 5535

صحيح على أصولهم، وأصله ما ذكرناه في هذه المسألة، وبالله التوفيق. [مسألة: ساقى نخلا فجاء الله بماء السماء فدخل في الحائط فأقام فيه حينا] مسألة وقال مالك في رجل ساقى نخلا فجاء الله بماء السماء فدخل في الحائط فأقام فيه حينَاَ أترى أن يحاسبه صاحب الحائط بتلك الأيام التي أقام فيها الماء؟ قالَ مالك: لا أرى أن يحاسبه بشيء. قال محمد بن رشد: هذه مسألة صحيحة بينة لا اختلاف فيها عندي؛ لأنه إذا عامله على عمل الحائط وسقيه في وقت حاجته إلى السقي دون جهد ولا توقيت على جزء من الثمرة فجاز ذلك على ما جاءت به السُّنَّة في مساقاة النبي ﵇ أهل خيبر، وتخصص بها من الِإجارة المجهولة فلا رجوع لواحد منهما على صاحبه إن اختلفت الثمرة أو زاد العمل على المعهود أو نقص منه، بخلاف الِإجارة لو استأجر رجل بِدَنَانِيرَ أو دراهم على أن يسقى له حائطه زمن السقي وهو زمن معلوم عند أهل المعرفة فجاء الله بماء من السماء فدَخل الحائط فأقام فيه حينا لوجب أن يحط من إجارته بقدر ما أقام الماء في الحائط فسقط عنه فيه السقي، وقوله حينا، يريد مدة من الزمن غير موقتة؛ لأن الحين يقع على القليل والكثير من الزمن، وليس ذلك بخلاف لما في المدونة لمالك في أن الحين في الأيمان منه؛ لأن المعنى في ذلك إنما تحمل على السنة إذا لم تكن له نية في أقل منها ولا أكثر؛ لقول الله ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ﴾ [إبراهيم: ٢٥] وبالله التوفيق. [: ساقى رجلا عن حائطه فعمل فيه شهرا] ومن كتاب باع غلاما وسئل مالك عن رجل ساقى رجلا عن حائطه فعمل فيه شهرا
следующие страницы →