Полный текст (9 112 стр.). Показаны 5531–5570 · переход к 5536.
стр. 5531
ذلك من الثمن، وإن أجيح أقل من الثلث لم يوضع عنه شيء، وإن ناب ذلك من الثمن أكثر من الثلث، وهو قول أصبغ، والثالث أنه إن أجيح ما قيمته من ذلك الثلث فصاعدا وضع عنه، وإن كان عشر الثمرة، وإن كان قيمة الذي أجيح أقل من الثلث لم يوضع عنه، وإن كان تسعة أعشار الثمرة مثل تين وعنب ورمان على ثلاثة أقوال: أحدها أنه يُفَضُّ الثمن على الأصناف كلها فتعتبر الجائحة في كل صنف على حِدَتِه بما ينوبه من الثمن كما لو اشتراه وَحْدَه، والثاني أنه إذا بلغ ما أجيح من ذلك ثلث الثمن فأكثر وضع ذلك عن المشتري من غير اعتبار بقدر الجائحة من الثمر، وهو قول أشهب، وذهب ابن المواز إلى أنه إذا كان أحدُ الأصناف أقل من الثلث لم يوضع منه شيء، وإن أتت الجائحة على جميعه، وبالله تعالى التوفيق.
[: ساقى نخلا فجذه إلا نحوا من عشرين نخلة تخلفت أعليه سقي الحائط كله]
ومن كتاب أوله سن رسول الله ﷺ وسئل مالك عن رجل سَاقَى نخلا فجذَّه إلا نحوا من عشرين نخلة تخلفت، أعليه سقيُ الحائط كله؟
قال: نعم، قال عيسى في روايته قيل له وإن كانت عدائم؟ والعدائم التي يتأخر طيبها.
قال محمد بن رشد: العدائم صغار النخل التي يتأخر طيبها، قاله بعض أهل اللغة، وقال الخليل: هي صنف من الرطب بالمدينة تأتي في آخر السنة، وهو الأظهر، فعلى قوله: إن العدائم صنف من أصناف التمر يتأخر طيبه يدخل فيه من الاختلاف ما في الحائط يكون فيه أصناف من الثمار مثل عنب وتين ورمان ويتعجل طيب بعض ذلك قبل بعض، ويتحصل فيها ثلاثة أقوال أحدها أنه يلزم المساقَى سقيُ الحائط كله ما بقي من العدائم شيء لم يجذ
стр. 5532
وإن قل وهو قوله في هذه الرواية ومثله في المختصر لمالك وابن القاسم، والثاني أنه لا يجب عليه سقي العدائم وحدها، كانت الأقل من الحائط أو الأكثر منه، وهو الذي يأتي على قياس قول مطرف في الحائط يكون فيه أصناف من الثمر إلا أن يشترط عليه سقي الحائط كله حتى يفرغ ما فيه من الثمر فيجوز ذلك، رواه ابن وهب عن مالك في موطأه، والقول الثالث أن القليل تَبَعٌ للكثير، فإن كانت العدائم قليلة في الحائط كان على صاحب الحائط سقيُ جميع حائطه العدائم وغيرها، فإذا جَذّ العدائمَ دفع إلى المساقَى حظه منها، وإن كانت أكثرَ الحائط كان على المساقَى سقيُ جميع الحائط كله كما يكون عليه سقيه كله إذا جذ بعضه وبقي بعضه وإن كان ذلك متأصلا أو متشابها فعلى المساقَى أن يسقي العدائم وحدها، وعلى رب الحائط أن يسقي من حائطه ما سوى العدائم التي قد انقضى السقي فيها بجذاذها، ولا اختلاف في الصنف الواحد يتعجل جذاذ بعضه قبل بعض، والأمر في ذلك متتابع في أنه يلزمه سقي جميع الحائط حتى ينقضي جذاذ جميع ثمره، وبالله التوفيق.
[مسألة: يساقي النخل وفيها شيء من الموز الثلث أو دون ذلك]
مسألة وَسئل عن الرجل يساقي النخل وفيها شيء من الموز الثلث أو دون ذلك، قال: قال مالك: إني أرى أن يكون خفيفا، قال سحنون إن كان الموز مساقى مع النخل جاز، وإن لم يشترط العامل لم يحل.
قال محمد بن رشد: قولُ سحنون مفسِّرٌ لقول مالك؛ لأن الموز وإن كان لا تجوز مساقاته على انفراد فيجوز إذا كان في حيز التبع للحائط بمنزلة الأرض البيضا لا يجوز كراؤها بالجزء مما يخرج منها ويجوز ذلك مع النخل إذا كانت تبعا لها، ولا يجوز أن تلغى للعامل، وإن كانت في حيز التبع بخلاف الأرض البيضا ولا أن يكون لرب الحائط لأنه يكون قد ازداد على العامل سقيه.
стр. 5533
والفرقُ بين الأرض البيضا والموز إذا كانا في حيز التبع للحائط في جواز إلغائهما للعامل السُّنَّةُ الواردةُ في إلغاء الأرض في المساقاة؛ وإذ قد جاء ذلك في بعض الآثار، ولذلك قال مالك: فهذا أُحله هو الذي يأتي في هذه المسألة على ما في المدونة؛ لأنه لم يُجز فيها لأحد المساقين في الزرع إن كانت فيه نخلات يسيرة أن يشترطها أحدهما على صاحبه، وقد روى ابن وهب عن مالك أنه لا بأس أن يشترط العامل الزرع الذي في الحائط إذا كان يسيرا لنفسه خاصة، ومثلُه لمالك في الثاني من التفسير ليحيى عن ابن القاسم، رواه الحارث عن ابن القاسم عنه، فعلى هذا يجوز إذا كان الموز يسيرا في الحائط أن يشترطه كل واحد منهما على صاحبه، فيحتمل على هذا أن يكون قولُ سحنون مثلَ ما في المدونة من قول ابن القاسم وروايته عن مالك؛ إذ قد اختلف قول مالك في هذا الأصل حسبما بيناه، وبالله التوفيق.
[مسألة: بيع الثمر قبل أن يخلق]
مسألة وسئل مالك عن رجل ساقى نخلا له ثم إن الذي ساقى عليها أنفق عشرين دينارا ثم أراد الخروج فأراد أن يُعْطيَ العشرين الدينار التي أنفق فيها ويخرج من المساقاة، قال مالك: لا خير فيه ولكن إِن أحب أن يساقيها أحدا على ما شاء النصف أو الثلث فذلك له.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال، وهو مما لا اختلاف فيه ولا إشكال أنه لا يجوز أن يخرج من المساقاة على شيء يعطي لا قبلَ أن يَعمل ولا بعد أن عمل؛ لأنه إذا فعل ذلك كان قد باع حظه من الثمر قبل أن يخلق بما عليه من عمل الحائط ومن بقية عمله وبما أعطي، فدخله ما نهي عنه من بيع الثمر قبل أن يخلق، وأما مساقاة غيره على ما شاء النصف أو الثلث فقال في الرواية: إن ذلك له يريد إذا كان أمينا مثلَه في الأمانة باتفاق، وأما إن كان أمينا إلا أنه دونه في الأمانة أو غير مأمون إلا أنه مثله في الأمانة فيتخرج ذلك على ما
стр. 5534
ذكرته من الاختلاف في رسم إن أمكنتني في سماع عيسى من الشفعة،، وفي ذلك تفصيل.
أما إذا ساقاه على مثل الجزء الذي سوقي؛ فذلك جائز بعد أن عمل باتفاق شاء رب الحائط أو أبى، وأما قبل أن يعمل فيجوز أيضا شاء رب الحائط أو أبى على مذهب مالك الذي يرى المساقاة تلزم بالقول، ولا تجوز إلا برضاه على مذهب من يرى المساقاة لا تلزم بالقول.
وأما إذا ساقاه على أكثر من الجزء الذي سُوقي عليه مثل أن يكون ساقاه صاحب الحائط على أن يكون له النصف وساقى هو الآخر على أن يكون له الثلثان، فإن كان بعد أن عمل كان له الفضل، وإن كان قبل أن يعمل كان له الفضل أيضا على مذهب مالك الذي يرى المساقاة تلزم بالقول، ولم يكن له على مذهب من يرى أنها من العقود الجائزة التي لا تلزم بالقول.
وأما إن كان ساقاه على أقل من الجزء الذي سوقي به مثل أن يكون ساقاه صاحب الحائط على أن يكون له النصف، وساقى هو الآخر على أن يكون له الثلثان، فسواء كان ذلك قبل أن يعمل أو بعد أن عمل رب الحائط أحق بالجزء الذي اشترطه، ويرجع العامل الثاني على العامل الأول، قال في كتاب القراض من المدونة: ويتبع المساقَى الآخر المساقى الأول بالسدس الذي بقي له فيأخذه، وهو كلام وقع في المدونة على غير تحصيل؛ لأن الواجب إنما هو أن يرجع المساقى الثاني على المساقى الأول بربع قيمة عمله في الحائط؛ لأن رب الحائط استحق من نصيبه من التمر الذي استحقه بعمله ربعه، فوجب أن يرجع بربع قيمة عمله، إذ قد فات، كمن استأجر أجيرا بمكيلة من الثمر بعينه فاستحق ربعه منه بعد أن عمل ما استوجر عليه، ويُخَرَّجُ ذلك على ما في كتاب الشفعة من المدونة في الذي يشتري الشقص بطعام بعينه فيستحق بعد أن أخذ الشفيع بالشفعة أن البيع لا يرد ويغرمه مثل طعامه وأصلحه سحنون أن البيع لا يرد ويغرم له قيمة الشقص، وإصلاح سحنون
стр. 5535
صحيح على أصولهم، وأصله ما ذكرناه في هذه المسألة، وبالله التوفيق.
[مسألة: ساقى نخلا فجاء الله بماء السماء فدخل في الحائط فأقام فيه حينا]
مسألة وقال مالك في رجل ساقى نخلا فجاء الله بماء السماء فدخل في الحائط فأقام فيه حينَاَ أترى أن يحاسبه صاحب الحائط بتلك الأيام التي أقام فيها الماء؟ قالَ مالك: لا أرى أن يحاسبه بشيء.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة صحيحة بينة لا اختلاف فيها عندي؛ لأنه إذا عامله على عمل الحائط وسقيه في وقت حاجته إلى السقي دون جهد ولا توقيت على جزء من الثمرة فجاز ذلك على ما جاءت به السُّنَّة في مساقاة النبي ﵇ أهل خيبر، وتخصص بها من الِإجارة المجهولة فلا رجوع لواحد منهما على صاحبه إن اختلفت الثمرة أو زاد العمل على المعهود أو نقص منه، بخلاف الِإجارة لو استأجر رجل بِدَنَانِيرَ أو دراهم على أن يسقى له حائطه زمن السقي وهو زمن معلوم عند أهل المعرفة فجاء الله بماء من السماء فدَخل الحائط فأقام فيه حينا لوجب أن يحط من إجارته بقدر ما أقام الماء في الحائط فسقط عنه فيه السقي، وقوله حينا، يريد مدة من الزمن غير موقتة؛ لأن الحين يقع على القليل والكثير من الزمن، وليس ذلك بخلاف لما في المدونة لمالك في أن الحين في الأيمان منه؛ لأن المعنى في ذلك إنما تحمل على السنة إذا لم تكن له نية في أقل منها ولا أكثر؛ لقول الله ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ﴾ [إبراهيم: ٢٥] وبالله التوفيق.
[: ساقى رجلا عن حائطه فعمل فيه شهرا]
ومن كتاب باع غلاما وسئل مالك عن رجل ساقى رجلا عن حائطه فعمل فيه شهرا
стр. 5536
أن الداخل عجز، قال له صاحب الحائط: أنا أعطيك عشرة دنانير ولا تخرج منه، قال لا خير فيه.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قال؛ لأنهُ إذا عجز فلم يقدر على العمل ولا على الاستيجار عليه ولا وجد من يساقيه فيه فقد وجب أن يرجع الحائط إلى ربه ويخسر هو عمله، فإذا أعطاه عشرة دنانير وذلك ما لا يحل ولا يجوز وبالله التوفيق.
[مسألة: باع ثمرا واشترط البراءة من الجائحة]
مسألة وسئل مالك عمن باع ثمرا واشترط البراءة من الجائحة قال: لا أرى البراءة تنفعه من الجائحة وأراها لازمة له إذا نْزلت الجائحة بالمشتري.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة صحيحة، والوجه فيها أن الجائحة لو أسقطها بعد وجوب البيع لم يلزمه ذلك؛ لأنه أسقط حقا قبل وجوبه، فلما اشترط إسقاطها في عقد البيع لم يسقط ولا أثَّرَ ذلك عنده في صحته إذا رأى أن الشرط لم يقع له حصة من الثمن من أجل أن الجائحة أمر نادر والسلامة منها أغلب، فوجب أن يثبت البيع ويسقط الشرط وهو أحد الأقسام في الشروط المقترنة بالبيوع، وهي أربعة أقسام القسم الثاني ما يفسخ فيه البيع والشرط، وهو ما كان الشرط فيه يؤدي إلى الِإخلال بشرط من الشروط المشترطة في صحة البيع، والقسم الثالث ما يجوز فيه البيع والشرط وهو ما كان الشرط فيه جائزا لا يؤدي إلى الإِخلال بشرط من الشروط المشترطة في صحة البيع والقسم الرابع ما يفسخ فيه البيع ما دام مشترط الشرط مُتَمَسِّكا بشرطه فإن ترك الشرط صح البيع، وهي بُيُوعُ فعلى هذا لا تتعارض الآثار الواردة عن
стр. 5537
النبي ﵇ في البيع والشرط وبالله التوفيق.
[مسألة: ساقى حائطا له فتهور البير]
مسألة وسئل مالك عن رجل ساقى حائطا له فتهور البير، قال: إِن أحب الداخل أن ينفق عليها من ماله ويكون الثمر في يديه رهنا حتى يستوفى فذلك له.
قال محمد بن رشد: لم ير في هذه الرواية على صاحب الحائط أن يصلح البيرَ المساقَى، وقال إن أحب أن ينفق هو من ماله ويكون الثمرة في يديه رهنا يريد حصةَ صاحب الحائط حتى يستوفي فذلك له فعلى قوله فيها إن لم يف حظ صاحب الحائط من الثمرة بما أنفق العامل في البير لم يكن له عليه بالباقي رجوع، وذلك على قياس ما في كتاب الرهون من المدونة من أن الراهن إذا أبى أن يصلح البير كان للمرتَهَنِ أن يصلحها ليحيى رهنه، ولا يرجع بذلك على الراهن، وتكون نفقته في الرهن مُبَدَّأَة على الدين، فإن لم يف الرهن بالنفقة لم يرجع على الراهن بما بقي له من نفقة، وذلك كله خلاف ما في رسم الأقضية من سماع يحيى من كتاب الرهون في الذي يرتهن الثمرة فتهور البير أن إِصلاحها على الراهن حتى تتم الثمرة ويتم الرهن لصاحبه يُجْبَرُ على ذلك إن كان له مال، وإن لم يكن له مال فتطوع المرتَهن ببنيانها نظر في ذلك، فإن رأى أن تطوعه خير لرب الأصل من أن يباع منه بعضه لِإصلاح البير قيل له: انفق ويكون الأصل لك رهنا، في الذي تنفقه في البير ويُطْلَبُ الراهن بنفقته كاملة؛ لأنها كالسلف عليه، فيأتي في مسألة المساقاة هذه على قياس رواية يحيى أن يُجْبَر رب الحائط على إصلاح البير لئلا يذهب عمل المساقَى باطلا إن كان له مال، فإن لم يكن له مال سِوَى الحائط بيع منه ما يصلح فيه البير، فإن تطوع المساقَى بالنفقة في إصلاح حظ صاحب الحائط كان له أن يتبعه ببقيتها لأنها كالسلف عليه، قال فضل: وقد روى أشهب عن مالك إذا عمل المساقَى فانهدم البير أو تهورت العين إن أحب الداخل أن يعمر
стр. 5538
ويكون على مساقاته وإلا ترك المساقاة ولا شيء له من الثمرة، ولم ينص ما نص ابن وهب وابن القاسم أنه يعمر من نصيب رب الأرض وإن كان لم ينص على ذلك في هذه الرواية كما قال فضل، فهي إرادته إذ لا يصح أن يكلف ذلك من ماله بوجه، وإنما يفعله عنه على سبيل السلف إن شاء وبالله التوفيق.
[مسألة: أخذ حائطا على النصف ثم يدفعه على الثلثين]
مسألة وسئل عن رجل أخذ حائطا على النصف ثم يدفعه على الثلثين وعلم صاحب الأصل بذلك، فلما حضرته الثمرة أراد الداخل أن يأخذ الثلثين، قال مالك ليس ذلك له ولكن يأخذ الأول النصف، فقال له الداخل أَفَلِي أَنْ أرجع على صاحبي بِمَا بقي؟ قال: نعم.
قال محمد بن رشد: قوله وعلم صاحب الأصل بذلك معناه علم فلم ينكر، فلم ير عليه حجة في سكوته، وقال أن من حقه أن يأخذ نصف الثمرة، قال في كتاب محمد: وكذلك لو حضر دفعه إليه على الثلثين، إذ لعله يقول لم يكن الشيء في يدي فأرضى بتسليمه، وظننت أنه يعطيه من عنده أو يشتري من نصيبي، وهذا عندي على القول بأن السكوت ليس كالإذن، وهو أحد قولي ابن القاسم وأما على القول بأنه كالإِذن فيجب أن يكون الثاني أحق بثلثي الثمرة ويرجع رب الحائط على المساقى الأول الذي ساقاه بمثل سدس الثمرة فيستوفى بذلك نصفها، وإذا كان الأول أحق بنصف الثمرة على ما قاله في الرواية في المدونة سواء، وقد تقدم من قولنا في رسم سَنّ قبل هذا الرسم أنه كلام وقع على غير تحصيل؛ لأن الواجب أن يرجع عليه بقدر صاحب الحائط من حظه من الثمرة في قيمة عمله؛ لأن الثمرة إجارة له في عمله، فلما استحق بعضها وجب أن يرجع بذلك الجزء من قيمة عمله، ويلزم على قياس هذا إذا علم المساقى الثاني أن المساقى الأول على النصف أن تكون مساقاته فاسدة أنه دخل معه على أن يكون له بعمله نصف الثمرة وقيمة ربع عمله، وذلك ما لا يحل ولا يجوز، وقد رأيت لبعض أهل
стр. 5539
النظر مِمَن حمل قوله على ظاهرة من أنه يرجع عليه بمثل سدس الثمرة أن المساقاة لا تجوز لأنه يصير كأنه ساقاه الحائط على نصف ثمرته وعلى مثل سدس ثمرته يدفعها إليه من حائط آخر فكيف بهذا؟ وبالله التوفيق.
[: يشترط رب الحائط على العامل ثمر نخلة من الحائط]
ومن كتاب كتب عليه ذكر حق قال مالك: لا ينبغي للمساقي أن يشترط ثمر نخلة واحدة، ولا مقارض أن يشترط ربح دينار واحد، ولا ينبغي للمساقي أن يشترط ما على ربيع الماء من النخل ولا بأس أن يشترط الجداول أن يسقيها إذا كانت يسيرة.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال من أنه لا ينبغي أن يشترط رب الحائط على العامل ثمر نخلة من الحائط، ولا ما على ربيع الماء منه؛ لأن المساقاة عقد على حياله مستثنى من الأصول أُجِيزَ لضرورة الناس إلى ذلك وحاجتهم إليه، إذ لا يمكن الناس على حوائطهم بأيديهم، ولا بيع الثمر قبل بدو صلاحها فضلا عن بيعها قبل أن تخلق للاستيجار من ثمنها على ذلك إن لم يكن لهم مال، فلهذه العلة رخص في المساقاة مع اتباع السنة في مساقاة النبي ﵇ أهلَ خيبر، فلا يجوز إِلّا على ما جوزته السنة من أن يساقيه في الحائط بأن يدفعه إليه كما هو، وبعماله إن كان لَهُ عمال من دواب أو غلمان على أن يكفيه سقيه وعمله بجزء من ثمرته، غير أن أهل العلم استخفوا اليسير من العمل، أو من آلَتِهِ من الحديد وشبهه يشترطه من وجب عليه منهما على صاحبه كالدابة والغلام في الحائط الكبير، فيشترطه العامل على رب الحائط وكنجم العين وسد السرب وإصلاح الشيء اليسير وما أشبه ذلك يشترطه رب الحائط على المساقي، فإن وقعت المساقاة بينهما على أن اشترط أحدهما على صاحبه من العمل ما لم يجوزه أهل العلم، وفات العمل رد إلى مساقاة
стр. 5540
مثله كنحو هذه المسألة في اشتراط رب الحائط تمر النخلات من حائطه على المساقيَ؛ لأنه كأنه ساقاه فيما على النخلات التي استثنى ثمرتها على أن يسقي له النخلات التي استثنى ثمرتها، فهي زيادة في عمل المساقاة لم يخرجا بها عن سنة المساقاة، فإن عثر عليها قبل العمل فسخت، وإن لم يعثر عليها إلا بعد العمل رُدّ إلى مساقاة مثله فيما عدى النخلات التي استثنى رب الحائط ثمرتها، ويكون له أجرة مثله في سقي تلك النخلات، وكذلك إذا ساقاه في حائط على أن يكفيه مؤنة حائط آخر حسبما يأتي في رسم سلف من سماع عيسى، وكذلك إذا ساقاه في الحائط على أن يكون ثمر البرني بينهما وما سواه فلرب الحائط، قاله ابن حبيب، ولو ساقاه فيه على أن يكون ثمر البرني بينهما وما سواه فللعامل لوجب على قياس ما قلناه أن يرد في الجميع إذا فات إلى إجارة مثله، ولم ينص في المدونة على الحكم في ذلك، إنما وقع وإنما قال إن ذلك لا يجوز إلا أكثر وأما إجازته اشتراط سقي الجداول عليه إن كانت يسيرة فهو من العمل اليسير الذي جوزوا استئصاله وبالله التوفيق.
[: المستثني مبقي على ملك البائع]
ومن كتاب الشجرة وسئل عن الرجل يبيع حائطه ويستثني أوْسُقا أقل من الثلث فيصاب الحائط بنصف الثمرة فيريد المبتاع أن يضع عنه نصف ما استثنى عليه أترى ذلك؟ قال: نعم.
قال محمد بن رشد: مثلُ هذا في كتاب ابن المواز: وقال إن أشهب وابن عبد الحكم رويا عن مالك مثلَه، وقال إن أجيحَ أقلُّ من الثلث أخذ البائع بما سَلِمَ جميع ما استثنى، وهذا كله صحيح على القول بأن المستثنى بمنزلة المشتري؛ لأنه إذا باع حائطه واستثنى منه عشرة أرَادِب فكأنه في التمثيل على هذا القول قد باع جميع الثمرة وفيها ثلاثون إردبا بعشرة دنانير وبالعشرة الأرادب التي استثنى، فإن أجيح من ثمر الحائط وهو على ما نزلناه
стр. 5541
ثلاثون نصفه سقط عن المشتري نصف الثمن، وهو نصف العشرة دنانير ونصف العشرة الأرادب المستثناة؛ لأنها من ثمر الحائط، وكذلك على هذا القياس أن أجيح الثلثان أو الثلث سقط عن المشتري ثلثا الثمن وهو ثلثا العشرة دنانير وثلثا العشرة أرادب المستثناة أو ثلثه وهو ثلث العشرة دنانير وثلث العشرة الأرادب المستثناة، وإن أجيح أقل من الثلث لم يسقط عن المشتري شيء من الثمن وهو العشرة الدنانير والعشرة الأرادب، ولو أجيح الحائط كله لسقط عنه الثمن كله، العشرة الدنانير والعشرة الأرادب وقد روى ابن وهب عن مالك أنه يأخذ جميع ما استثنى كاملا أجيح الثلث أو أقل أو أكثر وَلاَ جائحة على البائع حتى يستثني جزعا شائعا، قال ابن عبد الحكم: وهذا كله صحيح أيضا على القول بأن المستثني مُبَقِّي على ملك البائع لأنه على هذا القول إذا باع من حائطه ما بقي منه بعدما استثنى لأن الذي استثناه أبقاه على ملكه لنفسه لم يبعه، فإن كان ثمن الحائط في التمثيل على هذا ثلاثين فباعه بعشرة دنانير واستثنى منه عشرة أرادب فإنما باع عشرين إردبا بعشرة دنانير، فإن ذهب من ثمر الحائط بالجائحة عشرة أرادب كانت الجائحة قد أذهبت نصف ما اشترى المشتري، فوجب أن يسقط عن المشتري نصف العشرة دنانير ويأخذ البائع ما استثناه، وإن أتت الجائحة على جميع الثمرة حاشى العشرة الأرادب التي استثناها البائع كانت للبائع وسقط عن المشتري جميعُ الثمن، ولو أجيح الحائط كله كانت المصيبة من ربه فسقط الثمن عن المبتاع، وهذا كله بين والحمد للَّه.
وبالقول الأول يقول ابن القاسم وأصبغ فيما ذكر ابن المواز في الواضحة، قال ومن باع ثمر حائطه وقد يَبِس واستثنى منها كيلا ما يجوز له، فأجيح قدر الثلث أو أكثرُ فلا يوضع عن الثمن ولا من الكيل المستثنى شيء، كالصبرة، وهذا كما قال؛ لأنه ما بقي للبائع ما استثنى بمصيبته ما استثنى من المبتاع، ويلزمه أداء جميع الثمن على كلا القولين وأما إن تلف الجميع فعلى القول بأن المستثني مبقي على ملك البائع لا رجوع له على المبتاع؛ لأنه
стр. 5542
مصيبة ما استثناه منه؛ لأنه تلف على ملكه، وأما على القول بأنه بمنزلة المشتري فيرجع عليه بقدر الأرادب المستثناة من جميع الثمن في قيمة الصبرة، وبيان ذلك بالتنزيل أن يبيع الرجل صبرة فيها ثلاثون إردبا بعشرة دنانير، ويستثني منها عشرة أرادب، فتهلك كلها بعد العقد فإن البائع يقول له مصيبة جميع الثمرة منك؛ لأنها بالعقد تدْخل في ضمانا، وقد بعثها منك بعشرة دنانير وبالعشرة أرادب فأدِّ إلَيَّ العشرة دنانير ونصف قيمة الصبرة؛ لأن نصف الثمن وهو العشرة الأرادب إذ قيمتها عشرة دنانير لم أقبضه؛ لأن ضمانه منك، إذ هو على الكيل فادفع إلي نصف قيمة الصبرة إذ قد استحق من الثمن نصفه، وبالله التوفيق.
[: مساقاة الحائطين على سقاء واحد]
مِن سَمَاع أشْهَبَ وَابنِ نافع من مالك
من الكتاب الذي أوله القراض قال سحنون أخبرني أشهب وابن نافع، قالا: سئلِ مالك عن رجل يكون له الحائط فيه البَعل أو غيره أيساقيهما جميعاَ في سقاء واحد؟ قال: نعم لا بأس به، وقلت لمالك لا بأس به؟ فقال مالك: نعم لا بأس به.
قال محمد بن رشد: مثل ما في المدونة من أنه يجوز مساقاة الحائطين على سقاء واحد وإن لم يكونا مستويين خلافُ ما في رسم أن أمكنتني من سماع عيسى بعد هذا من هذا الكتاب من أنه لا يجوز أن يساقي الحائطان على سقي واحد، إلّا أن يكونا مستويين، فاختلف في هذا ولم يختلف في أنه لا يجوز مساقاة الحائطين على جزءين مختلفين كانا متفقين أو مختلفين ولا فرق بينهما في المعنى والقياس إذ الأخطار فيها سواء؛ لأنه إذا اختلف الحائطان أو الجزءَان فقد حمل أحدهما صاحبه وإنما فرقت بينهما
стр. 5543
السنة لأن النبي ﷺ ساقى خيبر كلها على النصف وفيها الجيد والردي فإن وقعت المساقاة في الحائطين المتفقين والمختلفين على جزءين أو في الحائطين على جزء واحد على القول بأن ذلك لا يجوز ففات ذلك بالعمل رد العامل فيه إلى مساقاة مثله وبالله التوفيق.
[: ساقى ثلاث سنين أليس ذلك من جذاذ إلى جذاذ]
ومن كتاب أوله مسائل البيوع
قال وسألته عن الذي سَاقَى ثلاث سنين أليس ذلك من جَذاذ إلى جَذاذٍ؟ قال: بلى.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال، وهو مما لا اختلاف فيه أعلمه؛ لأن السنين في المساقاة إنما هي بالأجذّةِ لا بالأهلة، بخلاف العمالات إنما هي بالأهلة لا بالأجذّة، فإن ساقاه السنين واشترط أحدهما على صاحبه الخروج قبل الجذاذ أو بعده رد في ذلك إلى مساقاة مثله على الأصل الذي ذكرناه في أول رسم من سماع ابن القاسم وفي رسم كتب عليه حق بعده وبالله التوفيق.
[مسألة: رب الحائط يقول لرجل تعال اسق أنت وأنا حائطي هذا ولك نصف الثمرة]
مسألة قال وسئل عن رب الحائط يقول لرجل تعال اسق أنت وأنا حائطي هذا ولك نصف الثمرة، قال: لا يصح هذا، وإنما المساقاة أن يسلم الحائط إلى الداخل.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال إن ذلك لا يصلح، فإن وقع ذلك وفات بالعمل كان العامل فيه أجيرا؛ لأن رب الحائط اشترط أن يعمل معه فكأنه لم يُسلمه إليه وإنما أعطاه أجْرا من الثمرة على أن يعمل معه، بخلاف إذا اشترط العامل أن يعمل معه رب الحائط، هذا قال فيه ابن القاسم
стр. 5544
في المدونة وغيرها: إنه يُرَدُّ فيه إلى مساقاة مثله، وقال أشهب: يُرَد إلى إجارة مثله، وقال سحنون: يجوز ولا يرد إلى مساقاة مثله، كما لو اشترط عليه عاملا يعمل معه إن كان الحائط كبيرا يجوز اشتراط الغلام والدابة وبالله التوفيق.
[مسألة: أعطاه الحائط فقال له اسقه ولك الثمر كله]
مسألة ولو أعطاه الحائط فقال له اسقه ولك الثمر كله لم يكن بذلك بأس إلّا أن يكون سقي صاحب الحائط قبل ذلك بأشهر، قلت: أرأيت الذي يسقي حائطه الشهر أو الشهرين ثم يبدو له أن يساقي حائطه على النصف؟ فقال: إن كان يتبعه بما سَقَى فلا يصلح، وإن كان يلغي ما ساقى فلا بأس به.
قال محمد بن رشد: قوله في المسألة الأولى إلا أن يكون سقى صاحبُ الحائطِ قَبْلَ ذلك بأشهر يُبَيِّنُهُ قولُهُ في المسألة الثانية إن كان يتبعه بما سَقَى فلا يصلح، وإن كان يُلْغي ما سَقَى فلا بأس به، ومعناه إذا وقع الأمر على هذا على غير قصد إليه ولا اشتراط له، ولو قال له: تعال أساقيك في حائطي بعد أن أسقيه أنا شهرا أو شهرين لم تجز، فإن وقع رد إلى مساقاة مثله، وأما إن ساقاه بعد أن سقى أشهرا على أن يتبعه بما سقي فإنه يرد إلى إجارة مثله وبالله التوفيق.
[مسألة: خروجه على المساقاة قبل أن يعمل أو بعد العمل]
مسألة وسئل عن رجل كان في حائطه مساقاة على النصف فبيع الحائط فأراد الداخل في الحائط أن يخرج منه بشيء يُعْطَاه، قال: لا يصلح من ذلك شيء يأخذه أو يعمل حتى يتم مساقاته، أرأيت لو كان صاحب الحائط نفسه ولم يبعه فأراد أن يخرجِ منه بشيء يعطاه؟ فقال: لا يصلح هذا إلا أن يخرج منه بغير شيء، أو يقيم على مساقاته، قيل له: أرأيت إن كانت مساقاته على النصف فلما بِيعَ
стр. 5545
الحائط أراد أن يخرج منه بأن يعطي سدس الثمرة في الجذاذ؟ فقال: هو بمنزلة صاحب الحائط الأول لو لم يبع، قال أشهب: وتفسير مكروهة إذا عمل فيه أشهرا ثم أراد أن يخرج منه بسدس الثمرة أن رب الحائط كأنه استأجره تلك الأشهر بسدس ثمر الحائط فصارت المساقاة دُلْسَة بينهما فصار بيع الثمار قبل أن يبدو صلاحها.
وأما إذا لم يعمل في الحائط شيئا حتى يخرج منه إلى رب الحائط بربح سدس الثمرة فإن ذلك لا بأس به في قول من يقول إن السقاء إذا وجب بينهما لم يقدر واحد منهما على ترك ذلك وإن كان لم يعمل.
قال محمد بن رشد: أما خروجه على المساقاة قبل أن يعمل أو بعد أن عمل لرب الحائط أو للمبتاع له على شيء يُعطاه فلا يجوز باتفاق، فإن وقع ولم يعثر على ذلك حتى فات بالعمل ردّ فيما عمل إلى إجارة مثله، وأما خروجه عن المساقاة بعد أن عمل على جزء منهما فمنع من ذلك في هذه الرواية، وقد فسر أشهب مكروهة بما لا مزيد عليه من أن ذلك دلسة فيما بينهما فمكروهه حماية الذرائع والتهمة لهما على إجازة الإِجارة الفاسدة بينهما بما أظهراه من المساقتين الصحيحتين فلا حرج عليهما إذا فعلاه لأمر بدا لهما دون دلسة كانت بينهما لأنها بانفرادها مساقاة صحيحة كالأول، فإن وقع رد إلى إجارة مثله على تعليله، وأجاز ذلك ابن القاسم في رسم الأقضية والأحباس من سماع أصبغ على ما ذكر من وجه جوازه.
وأما خروجه عَنْ المساقاة قبل أن يعمل على جزء مسمى فلا خلاف في جواز ذلك على مذهب مالك الذي يرى المساقاة من العقود اللازمة وعلى
стр. 5546
مذهب من يراها من العقود الجائزة التي لا تلزم لأن الجزء الذي يعطيه على مذهبه هبة من الهبات، فقوله: إن ذلك لا بأس به، في قول من يقول إن السقاء إذا وجب بينهما لزمهما ولم يكن لواحد تركة كلام فيه نظر، إذ هو جائز على كلا القولين، فمراده به أنه عقد لا بأس به يلزمهما على مذهب من يرى أن الشقاء يلزمهما بالعقد لأنهما على مذهب من لا يرى السقاء لازما بالعقد هبة من الهبات إذا علم أن ذلك لا يلزمه، ولو ظن أن ذلك يلزمه فأعطاه الجزء على الخروج لكان من حقه إذا علم أن ذلك لا يلزمه أن يرجع به عليه وبالله التوفيق.
[مسألة: المساقاة على انكسار صلة الزرنوق وحرف القف]
مسألة وسئل عن المساقاة على انكسار صلة الزرنوق وحرف القف يكون في ذلك غرم الدينار والدريهمات على من ترى ذلك؟ قال: أرى ذلك كله على رب الحائط.
قال محمد بن رشد: الزرنوق الخطارة والقف المعجمة التي يقع فيها الماء، وقال أبو صالح: حرف القف الجلد الذي في القفة الذي يسقي بها الماء والأول أظهر، وذلك كله من اليسير الذي يجوز لرب الحائط أن يشترطه على المساقاة وبالله التوفيق.
[مسألة: يشترط رب الحائط على الداخل الخرص]
مسألة ولا بأس بأن يشترط رب الحائط على الداخل الخرص لأنه جزء معلوم، ولا يجوز أن يشترط ذلك الداخل على رب الحائط ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ﴾ [آل عمران: ١٣٧] .
стр. 5547
قال محمد بن رشد: الحكم في زكاة تمر المساقاة أن يخرج من جملتها إذا بلغت ما يجب فيه الزكاة أو كان لرب الحائط مال سواه إذا أضافه إِليها بلغت ما يجب فيه الزكاة ثم يقتسمان الباقي بينهما بعد إخراج الزكاة على ما اتفقا عليه من الأجزاء في المساقاة، فإن اشترط أحدهما على صاحبه أن يكون جميع الزكاة في حظه جاز ذلك على مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك في المدونة، اشترط رب الحائط على العامل أو العامل على رب الحائط؛ لأن ذلك يرجع إلى جزء مسمى فلا غرر فيه من أجل أنه إِن اشترط ذلك رب الحائط على العامل وقد كان ساقاه على النصف كان إنما ساقاه على أن يكون للعامل أربعة أجزاء من عشرة ولرب الحائط ستة أجزاء من عشرة يُخْرَجُ من ذلك الجزءُ الواحدُ في الزكاة تبقى وكذلك إن اشترطه ذلك العامل على رب المال كان إنما ساقاه على أن يكون لرب الحائط أربعة أجزاء من عشرة وَللعامل ستة أجزاء، يُخْرَج من ذلك الجزءُ الواحد في الزكاة فيبقى له خمسة أجزاء من عشرة، وذلك النصف على ما ساقاه عليه، وقد قيل إنه لا يجوز لأحدهما أخذ أربعة أعشارها إن كان هو الذي اشترطت عليه الزكاة أن يشترط الزكاة على صاحبه، وهو الذي في أصل الأسدية من أجل أن الثمرة ربما لم تبلغ ما يجب فيه الزكاة، فيصير العامل لا يدري عَلىَ مَا يعمل؛ لأن الثمرة إن لم تبلغ ما يجب فيه الزكاة أخذ نصفها، وإن بلغت ما يجب فيه الزكاة أخذ أربعة أعشارها إن كان هو الذي اشتُرِطَتْ عليه الزكاة، فهذا بَيّنٌ في الغرر إن كان هو الذي اشترطت عليه الزكاة، وأما إن كان هو الذي اشترط الزكاة على رب الحائط فلا غرر فيه؛ لأنه يأخذ النصف على كل حال بلغت الثمرة ما يجب فيه الزكاة أو لم تبلغ، والغرر الذي في جهة رب الحائط من أجل أنه أخذ نصف الثمرة إن لم تبلغ ما تجب فيه الزكاة وأربعة أعشارِها إن بلغت ما تجب فيه الزكاة؛ لأن العشر الخامس يُخرجه في الزكاة على ما اشترطه عليه العامل لا معتبر به، وهذا إذا
стр. 5548
قلنا إن الجزء الذي اشترطه كل واحد منهما في الزكاة على صاحبه يرجع إلى الذي اشترطه عليه منهما إن لَمْ يبلغ الثمر ما يجب فيه الزكاة؛ لأنه يقول له ساقيتك على النصف واشترطت على الزكاة فإذا لم يكن في الحائط زكاة فلا شرط لك علي، رُد على الجزء الذي اشترطته من نصيبي لتخرجه في الزكاة، إذ لا يجب في الحائط زكاة، وأما على القول بأن الجزء المشترط في الزكاة إذا لم يكن في الحائط زكاة يكون لمشترطه فالغرر إنما يكون في المساقاة إذا اشترط الزكاة فيها العاملُ على رب المال لا إذا اشترطها رب المال على العامل، وعلى هذا قوله في هذه الرواية وإن كان لم يعلل قوله فيها إِلا بالإِتباع فقال: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ﴾ [آل عمران: ١٣٧] ، وأما على القول بأنه بينهما بنصفين لأنهما يتداعيانه أو يلغى ويقتسمان الثمرة اتساعا فالغرر حاصل، كان العامل هو الذي اشترط الزكاة على رب الحائط أو رب الحائط على العامل؛ لأنه يأخذ أربعة أجزاء من عشرة إن بلغ الحائط ما تجب فيه الزكاة وكان رب الحائط هو الذي اشترط عليه الزكاة وأربعة أجزاء ونصف جزء من عشرة وأربعة أجزاء من تسعة إن لم يكن في الحائط زكاة، وخمسة أجزاء من عشرة إن بلغ الحائط ما تجب فيه الزكاة وكان العامل هو الذي اشترط الزكاة على رب الحائط وخمسة أجزاء ونصف جزء من عشرة أو خمسة أجزاء من تسعة إن لم يكن في الحائط زكاة، فهذا وجه ما في الأسديّةِ من أنه لا يجوز لأحدهما أن يشترط الزكاة على صاحبه، وروايةُ أشهب هذه عن مالك في أنه يجوز لرب الحائط أن يشترط الزكاة على العامل ولا يجوز للعامل أن يشترطها على رب الحائط حظها في النظر، والقياسُ هو ما ذكرناه من أن قوله فيها يأتي على قياس القول بأن الجزء المشترط في الزكاة يكون لمشترطه إذا لم يكن في الحائط ما تجب فيه الزكاة، وفي ذلك أيضا الإِتباع حسبما احتج به فيها من قوله ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ﴾ [آل عمران: ١٣٧] ، والفرق بالعكس وجهه ما بيناه من أن الغرر لا يكون إذا كان العامل هو مشترط
стр. 5549
الزكاة على رب الحائط، وإنما يكون إذا كان رب الحائط هو مشترط الزكاة على العامل، وذلك على القول بأن الجزء المشترط في الزكاة إذا لم يكن في الحائط زكاة تكون للمشترط عليه ذلك الجزء في الزكاة لا لمشترط.
فيتحصل على هذا في المسألة أربعة أقوال أحدها جوازُ اشتراط الزكاة من كل واحد منهما على صاحبه، وهو الذي في المدونة، والثاني لا يجوز ذلك من واحد منهما على صاحبه وهو الذي في أصل الأسدية، والثالث رواية أشهب هذه أنه يجوز ذلك لرب الحائط على العامل ولا يجوز للعامل على رب الحائط، وهو الذي يتخرج على ما بيناه من سقوط الغرر في اشتراط العامل الزكاة على رب الحائط على القول بأن الحائط إذا لم يبلغ ما تجب فيه الزكاة يرجع الجزء المشترط في الزكاة على من اشترطه عليه منهما، والقولُ الذي في المدونة أظهر إن كان الحائط كثيرا يعلم أنه يجب في ثمرة الزكاة إلّا أن يخلف عمل جرت به العادة في الغالب أو يأتي عليه جائحة، والذي في أصل الأسدية أظهر إن كان الحائط صغيرا يشبه أن تجب فيه الزكاة وألا تجب من غير جائحة تصيبه، ولا اختلاف عما جرت به العادة في الحمل ويحتمل أن يحمل ما في المدونة على الحائط الكبير الذي يُؤمَنُ أن يقصر ثمرة عما تجب فيه الزكاة إِلا بما يطرأ عليه من الجوائح؛ لأن الطوارئ النادرة لا يعتبر بها في إحالة الأحكام عن وجوهها، وما في أصل الأسدية على الحائط الصغير الذي يشبه أن تجب فيه الزكاة وألا تجب فلا يكون ذلك اختلافا من القول وبالله التوفيق.
[: ما كان يباع من الفول أخضر والجلبان وما كان من صنف هذه فأصابته جائحة]
ومن سماع سحنون بن سعيد
قال: وقال ابن القاسم الفجل والِإسفنارية والورد والياسمين والعصفر وقلب السكر عندي في الجوائح سواء لا يوضع قليل ذلك ولا كثيره حتى يبلغ الثلث، والمساقاة فيه جائزة، وكلُّ ما جاز فيه المساقاة
стр. 5550
فالجوائح توضع في ثلث ذلك، ولا توضع في أدنى من ذلك إلا الموزَ فإنه لا توضع فيه المساقاة ولا توضع فيه الجائحة حتى تبلغ الثلث، وأما الزعفران والبقل والريحان والقرط والقصب والكسبر فإن الجوائح في قليله وفي كثيره، ولا تصلح المساقاة، وأما الكمون فإنه تجب فيه المساقاة بمنزلة الزرع، وإنما يراد منه حبه ولا يراد منه شجره، وأما الموز والمقاتي والباذنجان، فهذه ثمار وكل ما كان من الثمار من الفاكهة وغيرها فذلك لا جائحة فيه حتى يصيب الثلث.
وما كان يباع من الفول أخضر والجلبان وما كان من صنف هذه فأصابته جائحة فلا يوضع حتى تبلغ الثلث لأنه يرجع إلى أصله وهو ثمرة، وهذه الأشياء لا تجوز فيها المساقاة إلّا أن يخاف صاحبها العجز.
قال محمد بن رشد: هذا الأصل الذي أَصّلَه ابن القاسم في رواية سحنون هذه عنه على مذهبه فيما عدى الأصول من أن ما جازت فيه المساقاة من ذلك لم توضع الجائحة فيه إلّاَ أن تبلغ الثلث فصاعدا، وما لم تجز فيه المساقاة من ذلك وضعف الجائحة في قليله وفي كثيره إلا الموز فإنه لا تجوز فيه المساقاهَ ولا توضع الجائحة فيه إِلَّا أن تبلغ الثلث فصاعدا وجههُ أن المساقاة لا تجوز فيما يحل بيعه لأنها إنما أجيزت للضرورة فيما لا يحل بيعه إن لم يقدر على الاستيجار عليه باعه وانتفع بثمنه، وما لا يحل بيعه لم يقدر على الاستيجار عليه هلك وضاع، وقد «نهى رَسولُ الله ﷺ عن إضاعة المال» لأنه سبب للحياة وَعَونٌ على الطاعة، وأن البقول إنما وضعت فيها الجوائح لا القليل والكثير لأن المشتري لها لم يدخل مع البائع على تلف شيء منها إذ ليست بثمرة توكل خضراء وهو يقدر على جذها حين ابتياعه لها، إذ لا يجوز ابتياعها إِلا بعد أن ينتفع بها ويُمكِن جَذَاذُها، بخلاف الثمار التي لا يقدر على جذها حين اشتراها حتى يتناهى طيبها فقد دخل مع البائع على أنه لا
стр. 5551
بد أن يسقط منها وأكل الطير منها والعامة من الناس وغيرهم، فاستقام على هذا الأصل الذي أصله فيما عدى الأصول وَخَرَجَ الموز عن ذلك لأنه لما كان مما يجوز بيعه، ما يأتي من بطونه لأمَد معلوم من أجل أن ذلك فيه معروفٌ لم تَجُزْ فيه المساقاة، ولما كان ثمره توكل خضرا علم أنه لا بد أن يذهب شيء منها قبل أن تجد لما لربها من عامية الناس وغيرهم؛ لأن المشتري قد دخل على ذلك مع البائع فوجب أَلَّا توضع الجائحة فيه إِلا أن تبلغ الثلث فصاعدا.
ووجه قوله إن المساقاة لا تجوز في هذه الأشياء إلا أن يخاف صاحبها العجزَ هو أن المساقاة إنما جوزت مع ما فيها من الغرر وبيع الثمر قبل أن يبدو صلاحه وقبل أن يخلف أيضا للسنة الواردة عن النبي ﵇ في مساقاة النبي ﵇ يهود خيبر في نخلها على شطر ما يخرج منها، فجازت المساقاة في الأصول وإن لم يعجز صاحبها عن عملها إتباعا للسنة في موضعها، ولم يَقْوَ عنده ما عدى الأصول من الأشياء التي يجوز بيعها ويحتاج إلى الاستيجار عليها قُوَتَهَا في القياس عليها فلم تجز المساقاة فيها إلّا مع العجز عن عملها قياسا على الأصول، وهو قولُ ابن نافع في كتاب ابن سحنون.
وقيل إن المساقاة لا تجوز في شيء من ذلك أصلا لأن المساقاة في الأصول رخصة فلا يقاس عليها.
وقال ابن المواز أكره المساقاة عليها مع العجز عن عملها، وكان أبو عمر ابن القطان يقول المساقاة جائزة على ما في المدونة في الياسمين والورد والقطن
стр. 5552
عَجَزَ عنه صاحبه أو لم يعجز، خلاف المقاثي والزرع، وهو بعيد إذ لا فرق في حقيقة القياس بين القطن والزرع والمقاثي وقصب السكر في جواز المساقاة فيها من غير عجز؛ لأن أصولها غير ثابتة بخلاف الياسمين والورد الذي أصولها ثابتة فلا ينبغي أن يختلف في أن المساقاة في الياسمين والورد جائزة على مذهب مالك وإن لم يعجز صاحبها عن عملها، ولو قال قائل أن المساقاة في المقاثي والقطن وما كان في معناها جائزة وإن لم يعجز صاحبها عن عملها بخلاف الزرع وقصب السكر وما كان في معناهما لكان له وجه؛ لأن هذه ثمار تجنى من أصولها فأشبهت ثمار الأصول الثابتة، والزرعُ وقصب السكر وما أشبهها لا تجنى من أصولها إِلا بقطع الأصول، ففارقت ثمر الأصول في المساقاة في الزرع على مذهب ابن القاسم لا تجوز إِلا بثلاثة شروط أحدهما أن يعجز صاحبها عن عمله، والثاني أن ينبت وقبل أن يستقل بعد نباته، والثالث ألا يبلغ مبلغا يحل بيعه. وكذلك قصب السكر بهذه المنزلة تجوز مساقاته بعد أن ينبت قبل أن يحل بيعه إذا عجز عن عمله، واختلف إن كان له خلفة هل يجوز أن يشترطها في المساقاة، والاختلاف في هذا جار على الاختلاف في جواز اشتراطها في البيع.
وكذلك البقل تجوز فيه المساقاة إذا نبت وعجز صاحبه عن عمله قبل أن يحل بيعه، قال ذلك عبد الرحمن بن دينار في المدنية، وقال ابن القاسم فيها لا تجوز المساقاة في البقل وكل شيء يجد ثم يخلف مثل البقل، ولو كان ذلك مثل الزرع الذي لا يكون في السنة إلا مرة واحدة لم يكن به بأس، وظاهر قول ابن دينار أن المساقاة في البقل قبل أن يحل بيعه إذا عجز عن عمله جائزة، وإن اشترط خَلَفَه، وظاهر قول ابن القاسم أن ذلك جائز إذا لم يشترط الخلفة فحصل الاختلاف بينهما في جواز اشتراط الخلفة في المساقاة وذلك على الاختلاف في جواز اشتراطها في البيع، ويحتمل أن يقال أن الاختلاف أيضا في مساقاة البقل، وإن لم يشترط خلفته ويكون ذلك جاريا على الاختلاف الذي ذكرناه في الزرع هل تجوز فيه المساقاة إذا نبت قبل أن يستقل أو لا يجوز وإن
стр. 5553
نبت حتى يستقل؛ لأن البقل إذا استقل فقد حل بيعه، وما حل بيعه فلا يجوز مساقاته، وقوله في الفجل أو الِإسفنارية إِن المساقاة فيهما جائزة معناه قبل أن يحل بيعهما، إذ لا تجوز المساقاة فيما يحل بيعه.
وأما قوله إن الجائحة لا توضع في قليل ذلك حتى يبلغ الثلث فبعيد، وما في المدونة من أن الجائحة توضع في قليل ذلك وكثيره أصح؛ لأن بيعه لا يحل حتى يبلغ مبلغ القلع، فَلَهُ حكمُ البقول في وضع الجائحة فيه، قيل إنه يوضع القليل والكثير، وقيل: إنه لا يوضع القليل ولا الكثير، وقيل إنه لا يوضع إلا الكثير الثلث فصاعدا وبالله التوفيق.
[مسألة: مساقاة النخل بعد أن يبدو صلاحها]
مسألة قال وقال سحنون: لا بأس بمساقاة النخل بعد أن يبدو صلاحها.
قال محمد بن رشد: قولُ سحنون هذا خلافُ مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك في المدونة؛ لأنه نص فيها على أن ذلك لا يجوز لأن فيه منفعة لرب الحائط، والمنفعة التي له في ذلك سقوطُ الجائحة عنه؛ لأن الثمرة إذا أجيحت في المساقاة لم يكن له قيام بالجائحة وكان بالخيار بين أن يتمادى على مساقاته أو يخرج عنها، بخلاف الِإجارة التي له أن يرجع فيها إذا أجيحت الثمرة بإجارة مثله فيما عمل، وإنما أجاز ذلك سحنون لأنه رآها إجارة أخطأ في تسميتها مساقاة، فأجازها على حكم الِإجارة من وجوب الرجوع بحكم الجائحة فيها، ولم يجزها ابن القاسم لأنه راعى تسميتها إياها مساقاة إذ حكم المساقاة لا يرجع فيها بالجائحة فرآها إجارة فاسدة يجب
стр. 5554
فسخها مَا لَمْ تَفُتْ بالعمل، فإن فاتت به كان للعامل أجرة مثله على حكم الإجارة تنعقد بلفظ المساقاة، ولم يحملها ابنُ القاسم على الإجارة إذْ رآها لا تنعقد بلفظ المساقاة، وكذلك على مذهبه لا تنعقد المساقاة بلفظ الإجارة لو قال له أو أجِرُكَ على سقي حائطي هذا بنصف ثمرته إذا طابت لم يجز، ويأتي على مذهب سحنون أن ذلك يجوز، وتكون مساقاة وينبغي على قول سحنون أَلا يجوز ذلك في الزرع لأنه كمن قال أحصده وهذبه ولك نصفه، وهذا لا يجوز عنده، وقول ابن القاسم أظهرُ لأن الإجارة والمساقاة عقدان مفترقا الأحكام، فلا ينعقد أحدهما بلفظ الآخر وبالله التوفيق.
[مسألة: على العامل كراء البياض]
مسألة قال: وأخبرني ابن أشرس عن مالك في الرجل يساقي الرجل الحائط وله بياض تَبَعٌ للنخل فيستثنيه العامل فيصيب النَخْلَ جائحة فيذهب ثمرها وقد زرع العاملُ البياضَ، قال مالك: يكون على العامل كراء البياض، قال سحنون وهي جيدة، والحجة في ذلك إذا لم يعط البياض إِلِّا على السواد، فلما ذهب السواد رجع عليه بكراء البياض.
قال محمد بن رشد: قد بين سحنون رواية ابن أَشْرَس وَوَجْهَهَا واحتج لها بما لا مزيد عليه لمن وقف على معنى ما ذهب إليه، وله في كتاب ابنه أن مالكا قال وكذلك لو عجز الرجل عن الأصل كان عليه البياض بكراء مثله، ورواه علي بنُ زياد عنه، فمعنى ما ذهب إليه سحنون أن العامل لما أجيحت الثمرة أبى أن يتمادى على عمل الحائط إلى آخر ما يلزمه من سقاية ولذلك كان لصاحب الحائط أن يرجع عليه بكراء أرضه، ولو تمادى على عمل الحائط إلى آخر ما يلزمه منه لما كان عليه في البياض، كذا يتبين تشبيه مالك لذلك بعجز العامل عن العمل، وبالله التوفيق.
стр. 5555
[مسألة: لرجل أصل من نخل أو كرم أو غيره من الأصول وفيها الشيء من البياض]
مسألة قال محمد بن إبراهيم المدني وعبد الله بن نافع إذا كان لرجل أصل من نخل أو كرم أو غيره من الأصول وفيها الشيء من البياض هو تبع للنخل وكان البياض فيها الشيء من النخل هي تبع للبياض فقال للذي يساقيه النخل أو يستكري منه البياض أساقيك النخل وحدها أو أكريك الأرض وحدها وأحبس نخلي أو بياضي ولك من الماء قدرُ ما تروي به نخلك في السقاء وتروي به زرعك في حين تسقي الزرع ولي فضل مائي نسقي به نخلي أو ما صنعتُ في بياضي ليس عليك فيه سقاء كان ذلك حسنا جائزا، وإنما يكره من ذلك أن يجمع النخل إلى البياض أو البياض إلى النخل فيشترط ذلك المساقي خاصة ويكون على المساقي سقيه فتكون زيادة يزدادها عليه، فإذا لم يكن كذا فلا بأس به.
قالا وكذلك إذا اشترط الرجل على صاحب الأرض أن البدر عليك كانت زيادة ازدادها فلا يصلح.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة حسنة جيدة صحيحة على مذهب مالك؛ لأنه قال في موطئه في المساقي يشترط البياضَ إنه لا يصلح؛ لأن الداخل يسقيه لرب الأرض فذلك زيادة ازدادها عليه رب الأرض فهذا يدل من قوله أنه إذا لم يسق المساقَى ما اشترط عليه المساقِي من الأرض فهو جائز.
وأما إذا أكرى الرجلُ أرضه وفيها ثمرات يسيرة أو كثيرة فأبقاها لنفسه لم يُدخلها في كرائه فذلك جائز وإن اشترط على المُكترى سقيها؛ لأن ذلك كله معلوم فلا غرر فيه.
ولم يتكلم على الحكم إذا اشترط رب الحائط الأرض على أن يسقيها
стр. 5556
المساقي، والذي يأتي في ذلك على الأصل الذي قد ذكرته في أول رسم من سماع ابن القاسم وفي رسم كتب عليه ذكر حق منه وما ذهب إليه ابن حبيب أن يُرَد في ذلك إلى مساقاة مثله في الحائط، ويكون له أجرة مثله في سقيه الأرض لرب الحائط.
وكذلك لم يتكلم إذا اشترط البذر على صاحب الحائط يريد على أن يكون الزرع بينهما، والحكم في ذلك على ما تقدم أن الزرع لرب الحائط الذي له البذر وعليه للعامل أجرة مثله في عمله وسقيه، ويرد في النخل إلى مساقاة مثله قاله ابن حبيب في الواضحة والله الموفق.
[: المساقاة الفاسدة للسنين إذا عمل بعضها]
من سماع عيسى بن دينار من ابن القاسم من كتاب سلف دينارا قال عيسى سألت ابن القاسم عن حائط ساقاه صاحبه سنة على النصف وسنة على الثلث، قال: لا يحل هذا، قيل له فإن كان قد عمل سنة وحانت الثمرة قال يُرد إلى مساقاة مثله، ويكون له أن يعمل السنة الثانية.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال، ومثله في المدونة أن المساقاة الفاسدة للسنين إذا عمل بعضها فهو فوت في جميعها، ورده في هذه المسألة إلى مساقاة مثله صحيح على الأصل الذي ذكرناه في أول رسم من، سماع ابن القاسم وفي رسم كتب عليه ذكر حق منه.
[مسألة: حائط ساقاه صاحبه رجلا على أن يكفيه مؤنة حائط له آخر]
مسألة قيل له فحائط ساقاه صاحبُه رَجُلا على أن يكفيه مؤنة حائط له آخر؟ فقال: هذا حرام، قيل له: فقد وقع، قال: يعطىِ في الذي
стр. 5557
اشترط عليه كِفَاية أجرة مثله، ويرد إلى مساقاة مثله في الحائط الآخر.
قيل له فإن قارضه بمائة دينار على أن يُبلغَ له مائة دينار أخرى إلى موضع كذا وكذا؟ فقال: له فيهما جميعا إجارة مثله يريد إذا فات، ولم يره مثل مسألة المساقاة التي فوقها.
قيل له فإن جاء بربح فأراد صاحب المال أن يسوغه إياه ويتركه له فقال صاحب المال إن الذي يترك من الربح أكثر من إجارة مثله وعلم الآخر كم هو؟ فلا بأس به إن علما به جميعا وأما أن يتخاطرا فلا خير فيه.
قال محمد بن رشد: مثلَ هذا حكى ابنُ حبيب في الواضحة أنه يعطي أجرة مثله في الحائط الذي اشترط عليه كفاية مؤنته وُيرد في الآخر إلى مساقاة مثله، وهو على الأصل الذي ذكرناه في أول سماع ابن القاسم في كتاب ابن المواز عن ابن القاسم أنه يرد فيهما جميعا إلى إجارة مثله وهو الأظهر، وأما الذي قارضه بمائة على أن يبلغ له مائة إلى موضع كذا فلا اختلاف أحفظه فيِ أنه يرد إلى إجارة مثله في جميع ذلك، وكذلك لو قارضه بمائتين على أن يكون ربح المائة الواحدة لرب المال وربح المائة الثانية بينهما على أن يعمل بكل مائة على حدة، لَرُدَّ فيهما جميعا إلى إجارة مثله قولا واحدا، والقراض في هذا خلاف المساقاة، وأما قوله إنه لا يجوز أن يسلم له ربح المال فيما وجب له من إجارة مثله حتى يعلم أن كان أقل من ذلك أو أكثر، فهو بين لا إشكال فيه لما في ذلك من المخاطرة والغرر إذا جهل قدر ذلك وبالله التوفيق.
[: يستثني الداخل في الحائط ما كان فيه من بقرأو غلمان أو دواب]
ومن كتاب إن خرجت من هذه الدار قال: وقال ابن القاسم: لا بأس أن يستثني الداخل في الحائط
стр. 5558
ما كان فيه من بقر أو غلمان أو دواب، وليس له أن يستثنى على رب الحائط إِلَّا ما وجد فيه من ذلك، وعلى رب الحائط أن يخلف كل ما مات من عبد أو شيء أو ثور مما استثنى الداخل في الحائط مما وجد فيه.
قلت فإن جهل الداخل في الحائط أن يستثني ما فيه من الدواب والرقيق وظن أن ذلك له استثناهم أو لم يستثنهم، فلما تعاقدَا المساقاةَ قال له رب الحائط: إنما ساقيتك الحائط وحده بلا دواب ولا رقيق؟ قال يتحالفان ويتفاسخان.
قال محمد بن رشد: قولُه لا بأس أن يستثني الداخل في الحائط ما كان فيه من بقر أو غلمان أو دواب يدل على أنهم لا يكونون له إِلَّا أن يستثنيهم خلافُ ما في المدونة من أن الحكم يُوجِبُهم له وإن لم يستثنيهم إذ لا يجوز لرب الحائط أن يستثنيهم ولا يخلو الأمرُ على هذه الرواية من أن يتفقا أو يختلفا، فإن اتفقا على أن أحدهم استثناهم جاز ما اتفقا عليه من ذلك، وإن اتفقا على أنه لم يستثنهم واحد منهما ولا كانت له نية بَقُوا لرب الحائط، وإن اتَفقا على أنه لم يستثنهم واحد منهما إلا أنهما اختلفا فيما نوياه فقال العامل: كانت نيتي أن يكونوا لي وهو الذي ظننت وعليه ساقيت بما ساقيت به، وقال رب الحائط: كانت نيتي على أن يكونوا لي ولا يدخلوا في المساقاة تحالفا وتفاسخا كما قال في الرواية.
وكذلك لو اختلفا فقال العامل: استثنيتُهُم، وقال رب الحائط: بل استثنيتُهُم أنا تحالفا وتفاسخا على هذه الرواية، وكذلك لو ادعى أحدُهما أنه استثناهم وكذبه الآخر فيما ادعاه من أنه استثناهم ولم يدع هو أنه استثناهم إلا أنه قال: كانت تلك نيتي وعلى ذلك ساقيت لتحالفا وتفاسخا أيضَا، ولو اختلفا على مذهبه في المدونة فادعى كل واحد منهما أنه استثناهم لوجب أن يكون القول قول العامل لأنه مدعى الصحة منهما، وذلك على القول بمراعاة دعوى الإشباه مع القيام؛
стр. 5559
لأنه إنما كان القول قول مدعي الصحة من أجل أنه أشبه بالدعوى خلافُ ما في سماع أبي زيد من كتاب المغارسة، وقد مضى هنالك من الكلام على تلك المسألة ما فيه بيان لهذه وبالله التوفيق.
[مسألة: منتهى المساقي في الزيتون]
مسألة قال: وسألته عن الرجل يساقي الرجل الزيتون على أن يعصره، قال: لا بأس بذلك وعلى ساقي النخل جَذاذه وعلى ساقي الزرع حصاده ودرسه، قيل لسحنون: ما منتهى المساقَي في الزيتون؟ قال: جناه، قيل له فالثمر؟ قال: جَذَاذه، قال: بعد ما طاب وحل بيعه أو بعد ما يثمر؟ قال: ذلك بعد الِإثمار، قيل له فالتين والكرم؟ قال على المساقي القطاف والتيبيس هو أجل مساقاته ليس يتعوضَ عنه المساقاة وعلاجها بالجني حتى يتزبب ذلك وييبسه.
[ومعنى ذلك إنما كان التيبس غالبا على أهل البلد لأنه إذا لم يكن غالبَا على أهل البلد لم يلزمه إلا أن يشترط عليه إذ هو يلزمه ما هو يفتقر إلى عمله بإمكان القسمة قبله والمراعي في ذلك بالعرف في البلد إن لم يكن في المساقاة عرف وإما لأنه عرف فإياه يعتبر وإن خالف ذلك عرف البلد] .
وقال ابن القاسم في مساقاة الزيتون إِنّ عليه عصره إنْ كان عصره غالبا على أهل ذلك البلد.
قال محمد بن رشد: قوله إنه لا بأس بمساقاة الزيتون على أن يعصره المساقَى دليل على أنه إذا لم يكن شرطا لم يلزم المساقَى العصر واقتسما الزيتون حبا، ومثله في كتاب ابن المواز أن عصر الزيتون في المساقاة
стр. 5560
على شرطهما، فإن لم يكن شرط فهو بينهما مثل قول سحنون إن منتهى المساقاة في الزيتون جناه، ومعنى ذلك إذا لم يكن العرف في البلد العصر، وأما إِنْ كان العرف بالبلد في الزيتون العصر فيلزم المساقي العصر إلا أن يشترط أَلا يلزمه ذلك يبين ذلك من مذهب ابن القاسم قوله أولا قوله في المسألة الأخرى ويبينه من مذهب سحنون قوله في التين والكرم إِنّ على المساقي القطاف والتيبيس وإنّ العلاج ينقضي عنه بالجني حتى يتزبب ذلك وييبسه لأن معنى ذلك إنما هو إذا كان التيبيس غالبا على أهل البلد؛ لأنه إذا لم يكن غالبا على أهل البلد لم يلزمه إلا أن يشترطه عليه إذ لا يلزمه ما لا يفتقر إلى عمله بإمكان القسمة قبله والمراعي في ذلك العرف في البلد إذا لم يكن في المساقاة عرف وأما إِن عرف فإياه يعتبر وإن خالف ذلك عرف البلد وبالله التوفيق.
[: الكراء والبيع جائز أن يجمع بينهما في صفقة واحدة]
ومن كتاب جاع وقال لرجل سأله عن أرض اكتراها بخمسين دينارا، وفيها شجرتين غلة بعد إخراج النفقة مثل كراء الأرض هل يحل ذلك؟ قال لا بأس به لأن بيعه وحده حلال، والكراء بيع من البيوع فلا بأس به.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله لأن الكراء والبيع جائز أن يُجْمَع بينهما في صفقة واحدة وبالله التوفيق.
стр. 5561
[: يساقي الرجل الحائطين مساقاة واحدة]
ومن كتاب أن أمكنتني قال: وقال ابن القاسم: لا بأس أن يُسَاقِيَ الرجلُ الحائطين مساقاة واحدة على النصف أو على الثلث إذا كانا مستويين فإن لم يستو، فلا خير فيه إذا كان لا يأخذ أحدَهما إلا لمكان الآخر.
قال محمد بن رشد: قد تقدمت هذه المسألة والقول فيها في أول سماع أشهب فلا معنى لإِعادته وبالله التوفيق.
[: باع منه نصف ثمر حائطه أو ثلثه فأصيب من الحائط أقل من الثلث بجائحة]
من سماع أصبغ من ابن القاسم من كتاب البيوع قال أصبغ سمعت ابن القاسم يقول إذا باع رجل من رجل نصف ثمر حائطه أو ثلثه فأصيب من الحائط أقل من الثلث بِجَائِحَةٍ كانت المصيبة بينهما على قدر ما لهما فيه ولم يوضع عنه من الثمر شيء، وإن أصيب ثلثه أو نصفه وضع عنه نصف الثمن أو ثلثه، قال: ولا يُوضع عنه من الثمن شيء حتى يكون الذي بلغت الجائحة ثلثَ جميع الثمرة فيكون ثلث ما اشترى المشتري وهو شريك له في المصيبة فيما قل أو كثر.
قال: وقال مالك: وأن تباع نصف سبرته أو ثلثها أو جزء منها فأصابها سَيْلٌ أو شيء ذهب بها أو بعضها فإنهما يَتَحَاصان على قدر حظوظهما فيها، والمصيبةُ منهما جميعا على الحظوظ، وليس في
стр. 5562
هذا جائحة قال أصبغ: وقولُ مالك في الثمار أخبرنيه ابنُ وهب وابن القاسم عن مالك.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة بينة صحيحة لا إشكال فيها ولا لبس في شيء من معانيها فلا معنى للقول فيها وبالله التوفيق.
[: بيع الثمرة قبل أن يبدو صلاحها]
ومن كتاب الأقضية والحبس وقال فيمن أخذ حائطا مساقاة على النصف، ثم سأله صاحب الحائط بعد ما عمل أو قبل أن يعمل أن يرد ذلك عليه فيرد ذلك إليه ويخرج من المساقاة بِرُبُع الثمرة إذا طابت إن ذلك لا بأس به؛ لأنها مساقاة منه إليه مؤْتَنَفَةٌ، قالا: ولوكانا رجلين أَخَذَا حائطا مساقاة على أن النصف لهما والنصف لصاحب الحائط، ثم سأل أحدُ الرجلين صاحبَه أن يخرج من الثمرة إن ذلك لا بأس به أيضا، قال: وكذلك لو كانا شريكين في حائط لهما أصله فسأل أحدهما صَاحِبَه أن يخرج له من الحائط وسلم إليه جميع الثمرة ولا يعرض فيه جزء من الثمرة إن ذلك لا بأس به؛ لأنها مساقاة، ولكن لو سأل أحدُهما صاحبه يسلم إليه الثمرة بدنانير أو دراهم أو عرض أو حيوان أو غير ذلك لم يصلح في شيء من جميع وجوه هذه المسألة كلها الذي لأن ذلك بيع الثمرة قبل أن يبدو صلاحها، ولكن لو كان حائط لرجل أو كانا حائطين لرجلين شريكين وأحدهما رجلان مساقاة أو أخذهما رجل مساقاة فسأله رب الحائط أن يخرجه منه بجزء من حائطه أو سأل أحد الشريكين صاحبه أن يخرجه من أحدهما بجزء من الآخر أو سأل ذلك أحد العاملين منهما بالمساقاة صاحبه أن يخرجه من أحدهما بجزء من
стр. 5563
الأجزاء لم يكن في ذلك كله خير ولم يصلحِ لأن ذلك بيع الثمرة قبل أن يبدو صلاحها من كلا الفريقين جميعاَ.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة قد تقدم القول فيها وفيما كان من معناها في رسم البيوع من سماع أشهب فلا وجه لِإعادة القول فيه وبالله التوفيق.
[: المرسين لا تجوز فيه المساقاة]
ومن كتاب البيوع قال: وسئل مالك عن المرسين يساقي وقيل له إن له أصولا تعظم وتطول وتُقِيمُ السنين فإنه يجزء منه الشتاءَ والصيفَ وليس له إبان معلوم، يجزء أشهر معلومة ثم ينقطع، فهذا يحل بيعه يعني في كل حين إذا أثمر أوله الذي يشتري عليه، يشتريه سنة أو سنتين مثل الموز والقصب، قال: وما حل بيعه فلا يحل فيه مساقاة، ولا مساقاة في المرسين.
قال محمد بن رشد: المرسين هو الريحان وقد تقدم في أول سماع سحنون أنه كالبقل لا تجوز فيه المساقاة مثل قوله هاهنا، وقد اختلف في ذلك، فحكى ابن المواز عن ابن وهب إجازة مساقاته، وحكى عن ابن القاسم أن ذلك لا يجوز ثم رجع فأجازه وبَنَى على هذا، قال محمد: وأحَب إلي أَلَا يجوز لأنه كالموز والقصب إلا أن تكون أشجارها ثابتة، وإنما تقطع منها حيطانها النابتة في كل عام، وقولُ ابن المواز ينبغي أن يحمل على التفسير للقولين فنقول إنه إنما أجاز المساقاة فيه قبل أن يحل بيعه، ومنع منها بعد أن يحل بيعه كالبقل الذي يجوز فيه المساقاة إذا نَبَتَ قبل أن يحل بيعه حسبما مضى القول فيه في سماع سحنون، وقول ابن القاسم وما حل بيعه فلا تحل مساقاته خلافُ قول سحنون المتقدم في سماعه، وقد مضى القولُ على ذلك هنالك فلا معنى لإِعادته وبالله التوفيق.
стр. 5564
[مسألة: مساقاة البعل]
مسألة قال أصبغ سألت ابن القاسم عن زيتون يكون بالمغرب ساقى فيها صاحبه على أن يحرثه للمساقي ليس عليه علاج غيره ولا سقي، فقال: هذا بعل وكذلك الكروم والنخل من البَعل، فهذا لا بأس به، وهو أمر الناس في مساقاة البعل وعليه مع هذا قطفها وتنقيتها وحراستها، قلت أرأيت إِن اشترط حمل نصيبه إلى منزله إلى المدينة أو اشترط ذلك المساقي على العامل؟ قال: لا خير فيه، هذه زيادة يزدادها، قلت أرأيت إن كان ذلك قريبا؟ قال مَا يُعجبني إلا أن يكون شيئا ليس عليه فيه مؤنة، قلت أرأيت إن كان قريب الميل وما أشبهه، وقال ما يعجبني، وقاله أصبغ، وقال: إن وقعت فيه المساقاة في المكان البعيد وفاتت رد إلى مساقاة مثله بلا حملان عليه، وسقط الجزءُ الذي بينهما في الشرط.
قال محمد بن رشد: إجازتُه المساقاة في الزيتون البَعل مثل ما في المدونة من إجازة المساقاة في الشجر البَعل والزرع البَعل، وأما اشتراطه على العامل حمل نصيبه إلى منزله فكرهه ابن القاسم إِلَّا أن يكون شيئا ليس عليه فيه مؤنة، وكراهيتُه بينةٌ لأنها زيادة ازدادها رب الحائط على العامل إلا أنه لم يبين وجه الحكم في ذلك إذا وقع، والذي يأتي في ذلك على الأصل الذي ذكرناه في أول سماع ابن القاسم وفي رسم كتب عليه ذكر حق أن يُرَدَّ إذا فات إلى إِجارة مثله إِلَّا في المكان القريب فيشبه أن يرد فيه على مذهبه إِلى مساقاة مثله استحسانا، وأما قول أصبغ إنه يرد إلى مساقاة مثله في المكان البعيد فهو بعيد لا يتخرج إلا على قول من يرد العامل في المساقاة الفاسدة كلها إلى مساقاة مثله جملة من غير تفصيل، وبالله التوفيق.
стр. 5565
[: اشترى أصل حائط قد أبر ثم اشترى الثمر قبل أن تزهي]
من سماع أبي زيد بن أبي الغمر
قال أبو زيد سُئل ابنُ القاسم عن الرجل اشترى أصل حائط قد أبر ثم اشترى الثمر قبل أن تزهي، قال: فلا جائحة فيها، ولو كان إنما اشترى بعد أن أزهت ففيها جائحة.
قال محمد بن رشد: أما إذا اشترى الثمر قبل أن تزهي بعد أن اشترى الأصل فلا إشكال فيه في أنه لا جائحة فيها كما لو استثناها في ابتياعه الأصل قبل أن تَزهي لأنها في حين البيع لا يقع عليها حصة من الثمن، ولا يجوز بيعها منفردة عن الأصول، فأما إذا اشتراها بعد أن اشترى الأصول أو هي قد أزهت فقوله في هذه الرواية إن فيها الجائحة خلافُ مذهبه في المدونة أنه لا جائحة فيها إذا اشتريت مع الأصول صفقة واحدة بعد الطياب؛ لأنه لا يلزم على هذهَ الرواية إذا اشتراها مع الأصول صفقة واحدة وهي قد طابت وحل بيعها أن تكون فيها الجائحة بما ينوبها من الثمن إذا قبض عليها وعلى الأصل إِذْ لا فرق بين شرائها بعد الطياب في صفقة أخرى أوفي صفقة واحدة؛ لأنه إذا اشتراها مع الأصل في صفقة واحدة فقد وقع لها صحة من الثمن، وهو منصوص عليه لأصبغ في الواضحة، والصحيح ما في المدونة أنه لا جائحة فيها لأنها بالعقد تدخل في ضمانه لكونها في أصولها، فهذه هي العلة في ذلك لَا مَا علل به في المدونة من أنها تبع للأصول، فالجواب في المدونة صحيح والتعليل ضعيف وبالله التوفيق.
[مسألة: عابت الجائحة الثمرة ولم تذهب بها]
مسألة قال ابن القاسم الحَبْسُ جائحة.
قال محمد بن رشد: وكذلك السلطان والغاصب الذي لا تأخذه الأحكام هو جائحة على مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك لأنه أمر غالب وكذلك السارق عند ابن القاسم جائحة لأنه لا يستطاع الاحتراس منه، وقال ابنُ
стр. 5566
نافع ليس السارق بجائحة، وذهب مطرفٌ وابن الماجشون إلى أنه ليس شيء من ذلك كله جائحة؛ لأنه من صنع آدمي ولا اختلاف فيما كان من غير صنع آدمي كالسمُوم يحرق الثمرة والطير الغالب يأكلها والريح يسقطها إن ذلك كله جائحة، والأول أظَهر ألا فرق بين فعل الآدمي وغيره في ذلك لما على البائع في الثمرة من حق التوفية، وقد اختلف إِذا عَابت الجائحة الثمرة ولم تذهب بها ولا أفسدتها جملة كالغبار يعيبها والريح يسقطها قبل أن يتناهى طيبُها فينقصُها ذلك من قيمتها فقيل وهو المشهور إن ذلك جائحة ينْظَرُ إلى ما نقص العيبُ منها، فإن كان الثلث فأكثر وضع عن المبتاع، وقيل ليس ذلك بجائحة، وله حكم العيب يكون المبتاع فيه بالخيار بين أن يُمسك ولا شيء له، أو يرد ويرجع بجميع الثمن، وإلى هذا ذهب ابن شعبان وقاله ابن الماجشون في أحد أقواله، فإن ذهب على قولهما من الثمرة ثلثها بجائحة عابت البقية من الثمر ورجع بثلث الثمن لما ذهب من الثمر وكان بالخيار في الباقي بين أن يتمسك به أو يرد ويرجع بجميع الثمن وبالله التوفيق.
[مسألة: ورق التوت يباع في شجره ثم يصيبها جائحة]
مسألة وسئل عن ورق التوت يُباع في شَجَرِهِ ثم يصيبها جائحة أترى أن يوضع عنه الثلث فصاعدا لأنَّ الغرر في أصله؟ قال: بل يوضع عنه ما أصابه من الجائحة من قليل أو كثير، قيل له مثل البقل؟ قال: نعم. قال محمد بن رشد: في الواضحة لابن حبيب خلافُ هذا أن الجائحة في ذلك لا توضع في أقل من الثلث وأنها ليست كالبقول، وقول ابن القاسم أظهرُ بدليل ما ذكرناه من سماع سحنون من المعنى الذي من أجله وضعت في البقول الجائحة في القليل والكثير وبالله التوفيق.
[مسألة: يتزوج المرأة بثمرة قد بدا صلاحها كلها فأجيحت]
مسألة قال ابن الماجشون في الذي يتزوج المرأة بثمرة قد بدا صلاحها كلها فأجيحت: إِنَّ مصيبتها من الزوج وترجع عليه المرأة بقيمة الثمرة وإنَّما يُحمل النكاحُ بالثمرة إذا أصابتها الجائحةُ مَحْمِلَ البيع، وابنُ
стр. 5567
القاسم يقول لا جائحة فيها والمصيبة من المرأة ولا ترجع على الزوج بشيء.
قال محمد بن رشد: قول ابن الماجشون هو القياس على أن الصداق ثمن للبضع، وقد قال مالك ﵀: أَشْبَهُ شيء بالبيوع النكاحُ فوجب الرجوع فيه بالجائحة، فقولُه إن الثمرة إذا أجيحت كلها رجعت المرأة على الزوج بقيمة الثمرة وهو المشهور في المذهب، ووجهُهُ أن الثمرة لما كانت عوضا عن البضع وهو مجهول رجعت بقيمتها كما يرجع الزوج على المرأة إذا استحق مِن يده ما خالعت به عن نفسها بقيمته للبضع الذي أخرجه عن يده عوضا عنه، والقياس في النكاح إذا أجيحت الثمرة كلها أن ترجع المرأة بصداق مثلها لأن العوض عن المرأة هو البضع، وقد فات بالعقد أو الدخول، فوجب أن يرجع بقيمته وهو صداق مثلها دخل أو لم يدخل على القول بأنها تفوت بالعقد، وهو قول مالك في رواية أشهب عنه في العتيبة، وعلى القول بأنها لا تفوت بالعقد إن أجيحت الثمرة قبل البناء انفسخ النكاح، وهذا القول قائم من مسألة وقعت في العشيرة ليحيى، ووجه فواته بالعقد ما يوجبه من الحرمة، فهو بخلاف البيوع، ووجه ما ذهب إليه ابن القاسم من أن المصيبة في النكاح إذا أجيحت الثمرة من المرأة ولا رجوع لها على الزوج في ذلك، هو أن النكاح طريقه المُكَاَرَمَةُ بخلاف البيوع التي طريقها المُكَايَسَةُ، وأيضا فإن الصداق على الحقيقة ليس بعوض عن البضع لأن المباضعة فيما بين الزوجين سواء تستمتع به، وإنما هو نحلة من الله فرضها للزوجات على أزواجهن فقال تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النساء: ٤] فأشبه الصداق على هذا الهبةَ، فوجب أَلا يرجع فيه بالجائحة، وبالله التوفيق.
стр. 5568
[مسألة: أعطى نخلة مساقاة على النصف]
مسألة قال: وقال سحنون: ولو أن رجلا أعطى نخلة أو كرمة أو زيتونة مساقاة على النصف على أن يسقي ويقطف ويجني على أن يحرث ثلاث حرثات فيعمل العامل جميع العمل الذي اشترطه عليه إِلا الحرث فإنه حرث حرثتين ولم يحرث الثالثة فإنه ينظر إلى ما عمل فيقوَّم ذلك ثم يُنظر إلى ما ترك مما شرط عليه عمله فيقَوَّم ثم ينظر كم هو مما عمل؟ فإن كان الذي ترك ولم يعمله الثلث من جميع ما شرط عليه من العمل حط العاملُ ثلثَ النصف الذي كان له إن كانت مساقاته على النصف وإن كان إنما ساقاه على الثلث أو الربع فكذلك أيضِا يحط عنه ثلث الثلث أو ثلث الربع، وتفسير ذلك أنه ينظر إلى كل ما عمل العامل فيقومه ثم ينظر إلى قيمة ما ترك أن لو عمله فيقوم فيعرف ما اسم قيمة الذي ترك من قيمة الذي عمل فإن كان ثلثا حططت من سهمه ثلثه وإن كان ربعا فكذلك.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله لأن الجزء الذي اشترطه العامل في المساقاة من الثمرة عِوَضٌ عن عمله، فإن نقص من العمل الواجب عليه شيئا وجب أن يحط من جزئه من الثمرة بمقداره وهذا بين والحمد لله.
[مسألة: العمل عوض عن الأرض]
مسألة قيل أرأيت لو اشترك رجلان فَأَخْرَجَا الزريعة وأخرج أحدهما الأرضَ والآخر العمل وكراء الأرض مثل قيمة العمل، وعلى أن يحرث الأرض ثلاث حرثات فحرث حرثتين ونصف واحدة؟ فقال: ينظر إلى قيمة ما عمل، فإن كان قيمة ذلك عشرين درهما ثم ينظر إلى قيمة السكة التي ترك فإن كان قيمتها عشرة دراهم نظر إلى قيمة ما ترك وهي العشرة
стр. 5569
كم ذلك من الثلثين الدراهم؟ فيوجد الثلث فيرجع رب الأرض على العامل بمثل ثلث كراء نصف هذه الأرض.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله؛ لأن العمل عوض عن الأرض فإذا قصر في العمل وجب أن يرجع رب الأرض على العامل من كراء أرضه بقدر ما قصر في العمل. وبالله التوفيق وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما والحمد لله على ذلك.
стр. 5570
[: كتاب الحبس الأول]
[مسألة: حبس خادما على قوم مفترقين]
كتاب الحبس الأول من سماع ابن القاسم من مالك
من كتاب الرطب باليابس
قال سحنون: أخبرني ابن القاسم قال مالك من حبس خادِما على أهل بيت لمِ يدخل عليهم أحد من غيرهم وكانت لِلآخِرِ منهم، ومن حبس خادماَ على قوم مفترقين فمن مات منهم فنصيبُه للذي حبسه، قال ابن القاسم: قال مالك: إن قال لهذا يوم ولهذا يوم رجع نصيب الذي مات إلى الذي حبسه، وإن كان حبسه على قوم ولم يقل لهذا يوم ولهذا يوم فمن مات فنصيبه على من بقي من أصحابه في الحبس، وقال سحنون: هذا أصل جيد فعليه فقس وهي جيدة.
قال محمد بن رشد: أهل البيت هم المنتسبون إلى رجل واحد من رجل أو امرأة انتسابا معروفا يجب به الميراث، فمن حبس حبسا على أهل بيت رجل وجبَ الحبُس للمنتسبين إلى من ينتسب إلى ذلك الرجل من رجل أو امرأة، وفي دُخول ذلك الرجل فيه اختلافٌ، قيل إنه يدخل فيه بالمعنى إذا كان على مثل حالهم من الفقر أو الغنى، وقيل إنه لا يدخل فيه لأنه إنما حبس على أهل بيته ولم يحبس عليه، والقولان يتخرجان على المعنى الذي ذكرته في رسم البز من سماع
следующие страницы →