← Фикх малики

Фикх малики · id 21751

البيان والتحصيل

ابن رشد الجد

Полный текст (9 112 стр.). Показаны 5601–5640 · переход к 5606.

стр. 5601

القاسم في سماع سحنون في الذي يحبس على ابنته وعلى ولدها، ويأتي على رواية أصبغ عن ابن القاسم في كتاب الوصايا فيمن أوصى لولد فلان أن الوصية تكون لذكور ولد، ولا يدخل في ذلك إناثهم بخلاف إذا قال: لبني فلان، فإنه يدخل في ذلك بنو فلان ذكورهم وإناثهم، إن من حبس على ولده لا يدخل في الحبس إلا ذكور ولده لصلبه خاصة. وجه القول الأول: أن ولد الولد الذكر ذكورا كانوا أو إناثا لما كان لهم حكم الولد في الميراث إذا لم يكن فوقهم ولد وجب أن يدخلوا في الحبس على الولد. وجه القول الثاني: أن الحبس على الولد لو كان يدخل فيه ولد الولد كما يدخل فيه إذا حبس على ولده لم يكن لذكر ولد الولد في التحبيس فائدة ولكان لغوا لا فائدة فيه. ووجه القول الثالث الذي يتخرج على رواية أصبغ في الوصية: أن الولد قد يعرف عند عامة الناس بالولد الذكر للصلب خاصة، وإذا سألت من ليس له، ولد ذكر وإن كان له بنات أو أولاد أوْلاَدٍ هل لك ولد؟ يقول كل ليس لي ولد، وإنما لي بنات وحفدا أولاد أولادي، ولا يعرف أن الولد يقع علىكل من يرجع نسبه إلى الرجل إلّا الخاص من العلماء، فتحققنا أن المحبس أراد ذكور ولده لصلبه بقوله: " حبست على ولدي "، ولم يتحقق أنه أراد دخول من سواهم فيه، فوجب ألا يدخلوا فيه بشك. وأما أولاد البنات فلا يدخلون في الحبس على مذهب مالك بقول المحبس: " حبست على ولدي " لم يختلف في ذلك قولُهُ ولا التأويل عليه فيه؛ لأنهم لا ينتسبون إليه ولا يرثونه وإن كان اسم الولد يقع عليهم في حقيقة اللغة بدليل قول رسول الله ﷺ في الحسن: «إنّ ابْنِي هَذَا سَيد

стр. 5602

وَلَعَل اللهَ يُصْلِحُ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ» ومن الناس من ذهب إلى أنه لا يسمى ولد البنت ولدا إلّا مجازا لا حقيقة، وليس ذلك بصحيح؛ لأن ولد البنت أحق بالتسمية من جهة اللغة من ولد الولد. واختلف إذا قال حبست على وُلْدِي ووُلْد ولدي هل يدخل ولد البنات في ذلك على مذهب مالك أم لا؟ وقد فرَغنا من بيان هذه المسألة وتفسيرها في غير هذا الديوان، وهو كتاب المقدمات وبالله التوفيق. [: جعل دارا له حبسا صدقة على ولده لا تباع إلا أن يحتاجوا إلى بيعها] ومن كتاب أوله: حلف ألّا يبيع رجلا سلعة سماها وسُئِلَ مالك عن رجل جعل دارا له حبسا صدقة على ولده لا تُبَاعُ إلّا أن يحتاجوا إلى بيعها فإن احتاجوا إليها واجتمع ملاؤهم على ذلك باعوا واقتسموا سواء ذكرهم وأنثاهم فهلكوا جميعا إلّا رجل فأرادَ بيعها، أذلك له وقد احتاج إلى بيعها؟ قال: نعم، فقيل له فإن امرأة ثَمّ وهي بنت أخت الباقي الذي يريد أن يبيع وهي من بنات المحبس قالت: إن بعتَ فأنا آخذ ميراثي من أمي؟ قال: لا أرى لها في ذلك شيئا، قال ابن القاسم: ولو اجتمع ملاؤهم على بيعها قسموا ثمنها على الذكر والأنثى سواء؛ لأنها صدقة حازوها وليست ترجع بما ترجع به المواريث إلى عَصَبَةِ الذي تصدق بها. قال محمد بن رشد: قوله إلّا أن يحتاجوا إلى بيعها يريد أو يحتاج أحدهم إلى بيع حظه منها بالحبس قَلّ لكثرة عددهم أو كَثُرَ لقلتهم، فيكون

стр. 5603

ذلك له ويبطل الحبس فيه ويكون ثمنه مالا من ماله، وكذلك إن احتاجوا كلهم فباعوا كان الثمن لهم مالا مر مَالِهِم على قدر حقهم في الحبس كثروا أو قلوا وإن لم يبق منهم إلا واحد فاحتاج كان له الثمن كله وبطل الحبسُ في الجميع بشرط المحبس، ومن مات منهم قبل أن يحتاج سقط حقه؛ لأنه إنما مات عن حبس لا يورث عنه ويرجع إلى من معه في الحبس ولا يورث شيء منه على المحبس لأنه قد انْبَتَّ منه إذ قد حبسه حبسا صدقة على غير معينين وحيز عنه في حياته، فالحكم فيه أن يرجع بعد انقراض المحبس عليهم إلى أقرب الناس بالمُحَبِّسَ إلا أن يحتاجوا فيكون لهم البيع بشرط المحبس، ويعودُ ما كان بأيديهم منه بالحبس ملكا يجوز لهم بيعه وأخذ ثمنه، ولا يعود شيء منه إلى المحبس ملكا ولا يورث عنه. وقوله في آخر المسألة: وليست ترجع بما ترجع به المواريث إلى عصبة الذي تصدق بها، يريد أنها لا ترجع إلى ورثته وإنما ترجع إلى أقرب الناس بالمحبس حبسا عليهم إن انْقَرَضَ المحبَّس عليهم قبل أن يحتاجوا أو يبيعوا، وبيانُ هذا الذي ذكرتُهُ كله في كتاب ابن المواز، قال مالك فيه: من حبس على ولده وشرط إن احتاجوا باعوا فذلك جائز، فمن احتاج منهم فله بيع حظه، فإن باعوا فلا يدخل أحد في ثمن ذلك من ورثة الميت، فإن انقرض من حبس عليه إلا واحدا فاحتاج فباع فالثمنُ كله له ليس لورثة أهل الحبس ممن مات منهم فيه شيء؛ لأن من انقرض سقط حقه وصار لمن بعده، قال محمد بن المواز: وإن انقرض قبل أن يحتاج فليس لورثته ولا لغيرهم فيها شَيْءٌ ورجعت كما يرجع غيرها من الأحباس وبالله التوفيق. [: تصدق على ثلاثة نفر بثمر حائطه فابروها ثم أحدهم مات] ومن كتاب أوله: اغتسل على غير نية وسئِلَ عن رجل تصدق على ثلاثة نفر بثمر حائطه فابّرُوها، ثم

стр. 5604

إن أحدهم مات، قال: ما أراها إلّا لهم كلهم؛ لأنه قد أَبّرَ وَسَقَى فهي بينهم كلهم، ثم نزلت وقضى فيها أنه ليس له فيها شيء للذي مات إذا كان حبسا، وإنما يكون لورثة من مات منهم إذا مات بعدَ أنْ تطيب الثمرة، ومن مات منهم قبل أن تطيب الثمرة فلا حق له، وإنما تكون منهم إذا مات وقد أبرت إذا لم تكن حبسا فأما الحبس فلا يكون لهم حتى يطيب، وكذلك قال مالك، وأما إذا كانت صدقة من غير حبس فهي لورثة الميتَ أبِّرَتْ أو لم تُؤبر. قال محمد بن رشد: معنى قوله: تصدق على ثَلاثة نفر بثمر حائطه أي حبسها عليهم، ويحتمل أن يريد أنه حبسها عليهم حبسا صدقة، وعلى ذلك تكلم لأن الصدقة المبتولة من غير حبس لا اختلاف في أنّ حظ مَن مات منهم لورثته وإن لم تؤبر، وذلك بين من قوله: وإنما يكون لمن مات منهم إذا مات وقد أبرت إذا لم تكن حبسا، وقوله: ما أراها إلّا لهم لأنه قد أبَّر وسقي فهي بينهم، هو خلاف ما في المدونة من قول ابن القاسم وغيره من الرواة، وقولُه: ثم نزلت فقضى أنه ليس فيها شيء للذي مات وإنما يكون لورثة من مات منهم إذا مات بعد أن تطيب الثمرة، هو قول ابن القاسم وروايتُهُ عن مالك في المدونة، ولا اختلاف في أنها تجب بالطياب لمن مات منهم بعده، ولا في أنها لا تجب لمن مات منهم قبل الِإبار في الحبس وإنما الاختلاف إذا مات أحدهم بعد الإبار وقبل الطياب أو ماتوا جميعا. فإذا مات أحدهم ففي ذلك خمسة أقوال: أحدها: أن حظه يرجع إلى المحبس، والثاني: أنه يكون لمن بقي منهم وهذا القول هو الذي رجع إليه مالك في المدونة وإياه اختار ابن القاسم، والثالث: أنه يكون لمن بقي منهم إن كانوا يلون عملها أو كان عبدا يخدمهم أو دارا يسكنونها وترجع إلى المحبس إِن كانوا لا يلون عملها وإنما يقسم عليهم ثمرتها، والرابع: أن الميت يجب له حضه بالإِبار إن كان قد أبر وسقى، وهو القول الأول في هذه الرواية: ما أراها

стр. 5605

إلا لهم كلهم، لأنه أبِّرَ وسَقى، والخامس أن الميت يجب له حظه بالإِبّارِ وإن لم يؤبر ولا سقي، وهو قول غير واحد من الرواة في المدونة: وإن مات منهم ميت والثمرة قد أبرت فحقه فيها ثابت، وهو مذهب أشهب. وأما إذا ماتوا معا كلهم ففي ذلك ثلاثة أقوال أحدها: أن الثمرة ترجع إلى المحبس، والثاني: أنها تكون لورثتهم لأنه قد استوجبها كل واحد منهم بالإِبار، وهو مذهب أشهب، والثالث: أنها تكون لورثتهم إن كانوا قد أبَّرُوا وسقوا وترجع إلى المحبس إن كانوا لم يؤبروا ولا سَقَوا، وهو القول الأول في هذه الرواية؛ لأن موتهم كلهم بمنزلة إذا كان المحبَّس عليه واحدا فمات، وإن مات واحد بعد واحد ففي موت الآخر منهم ثلاثة أقوال وإنما ترجع الثمرة إلى المحبس في الموضع الذي ترجع إليه على القول بأنها ترجع إليه إذا قال حبسا ولم يقل حبسا صدقة، وأما إن قال حبسا صدقة فإنما ترجع إلى أقرب الناس بالمحبس حبسا ولا ترجع إليه ملكا، لم يختلف قولُ مالك في ذلك على ما حكى ابن القاسم في المدونة، وفي كتاب ابن عبد الحكم إن قوله اختلف في ذلك أيضا. فيتحصل فيما تجب به الثمرة للمحبَّس عليهم بأعيانهم ثلاثةُ أقوال أحدها: أنها تجب لهم بالإِبار، والثاني: أنها لا تجب لهم بالإِبار إلّا مع أن يكونوا هم سقوها وأبروها، والثالث: أنها لا تجب إلا بالطياب. وأما إن لم يكونوا معينين مثل أن يكون المحبس على رجل وعقبه، فقيل إنها تجب لهم بالطياب وقيل إنها لا تجب لهم إلا بالقسمة. وأما إن كان الحبس على مثل بني زهرة أو بني تميم فلا تجب لأحد منهم فيها حق إلا بالقسمة، فمن مات قبلها بطل حقه ومن ولد قبلها كان من أهلها، هذا تحصيل القول في هذه المسألة لأنه قال فيها إن من مات منهم قبل أن تطيب الثمرة فلا حق له، ولم يبين لمن تكون؟ وإذا كان الميت منهم قد أبر

стр. 5606

وسقى فلم يكن له الثمرة على القول الثاني ورجعت إلى المحبس إن كانت لمن بقي منهم كان لورثته الرجوع عليه بما أبر وسقى ورأيت لابن دحون في هذه المسألة أنه قال فيها المسألة التي نزلت فأفتى فيها أنه ليس له شيء وإن كانت قد أبرت معناها أنهم لم يعلموا، فليس ذلك اختلاف من قوله وإنما فَرْقٌ بين المسألتين، وقولُهُ بعيد من لفظ المسألة ولا يصح في المسألة سوى ما قلنا وبينا وبالله التوفيق. [مسألة: يحبس دارا له أو أرضا على رجل حياته أو يعمرها فيفقد] مسألة وسئل عن الرجل يحبس دارا له أوْ أرضا على رجل حياته أو يُعْمَرُهَا فيفقد قال: توقف كما يوقف ماله حتى يُسْتَبَانَ أمره. قال محمد بن رشد: هذا كما قال؛ لأنها قد وجبت له قبل أن يفقد فوجب أنْ توقف له إذا فُقدَ، وهو نص قول مالك في كتاب ابن المواز، قال: توقف غلتها إلى حِين لَا يَحْيىَ لِمثله، فيكون ذلك لورثته إلَّا أن يعلم أنه مات قبل ذلك فيرجع الفضل إلى ربها، قال محمد: أو حَيْثُ أَرْجَعَهُ ولو كان الحبس عليه أو العُمْرَى له بعد أن فقد لوجب أن توقف الغلة، فإن عُرفت حياتُه كان له من الغلة ما يجب له منها من يوم أُعْمِر َإياها إلى يوم وفاته ورجع الفضل إلى المحبس أو إلى حيث أرجعه وإن لم تعرف حياته حتى أتى عليه من السنين ما لا يحيى لمثلها رجع جميع ذلك للمحبس أو إلى حيث أرجعه وبالله التوفيق. [مسألة: حبس دارا له على رجل حياته فبنى في الدار مسكنا ثم مات] مسألة قال: وسئل عن رجل حبس دارا له أو أرضا على رجل حياته فبنى في الدار مسكنا أو غرس في الأرض نخلا ثم مات، فقال إن

стр. 5607

أرْضَى صاحبَ الدار ورثةُ الرجل فذلك له، وإلا قلعوا نخلهم وأخذوا نقضهم من الدار. قال الإِمام القاضي: وقعت هذه المسألة في نص الروايات هاهنا، وستأتي في موضعها بعد هذا من هذا السماع، وهي خلافُ قول ابن القاسم وروايته عن مالك في كتاب الحبس من المدونة مثل قول المخزومي فيه، ومثل ما في كتاب الشفعة منها، ومثل ما في التفسير لابن القاسم من رواية يحيى عنه، وقوله: " إن أرضى صاحبَ الدار ورثَهُ الميت وإلا قلعوا نخلهم وأخذوا نقضهم " معناه إن مات بحدثان ما بَنَى وغرس، وأما إن لم يمت حتى مضى من المدة ما يُرى أنه بنى وغرس إلى مثله فيكون لصاحب الدار أن يأخذ النقض والنخل بقيمتها مقلوعة إن شاء وإن أبَى قلعوا نخلهم وأخذوا نقضهم على مذهب ابن القاسم فيمن بنى فيما اكْترَى وكذلك في اَلنوادر لمالك من رواية ابن القاسم عنه أن لهم أن يقلعوا نقضهم إِلا أن يعطيهم قيمةَ ذلك مطروحا بالأرض، ومعنى ذلك إذا كان قد مضى من المدة ما يُرى أنه بنى إلى مثلها على ما ذكرناه، وأما على رواية المدنيين عن مالك في أن للمكتري قيمةَ بنيانه قائما، فيكون الحكم في الحبس ما قاله في الرواية من أن صاحب الدار إن أرضى الورثة وإلا قلعوا نخلهم وأخذوا نقضهم طالت المدة أو قصرت، وهو ظاهر قول المخزومي في الحبس من المدونة إِن البناء الذي له القدرُ مالٌ من ماله يُباع في دَيْنِهِ، فهذا حكم ما بنى للسكنى إذا مات، وأما إذا لم يمت فهو أحق بسكنى ما بنى لا يدخل عليه فيه غيره، ولو بنى حوانيت وبيوتا للغلة والكراء لَقَاصَّ نفسه بما قبض من الخراج حتى يستوي ما أنفق في ذلك حسبما يأتي في رسم حمل صبيا من سماع عيسى بعد هذا وبالله التوفيق. [: حبس منازل له على ولده وكن أربع بنات] ومن كتاب أوله: شك في طوافه وسئل عن رجل حبس منازلَ له على ولده وَكُنّ أربعَ بنات وقد

стр. 5608

بلغن وتزوجن وحزن أموالهن ودفع إليهن أموالهن وكان عَم لهن يَلِي حبسهن فاتهمنه في غلتهن وطلب بعضهن أن تُوَكَّل بحقها ويدفع ذلك إليها، قال: أرى أن يُنظَرَ في ذلك، فإن كان حسن النظر لم أر ذلك لها، وإن كان غير ذلك رأيت أن يجعل معه من يوكله بذلك. قال محمد بن رشد: قوله: " وكان عم لهن يَلِي حبسهن" معناه أنه كان يليه بجعل المحبس ذلك إليه، إذ لو كان يليه بجعلهن ذلك هن إليه لكان لمن شاءت منهن أن توكل بحقها من شاءت سواه، ولم يكن للسلطان في ذلك نظر؛ لأن لكل واحدة منهن أن تعزله عن النظر لها إن شاءت متى شاءت، وقولُه: ينظر في ذلك فإن كان حسن النظر يريد ثقة مأمونا غير متهم لم أر ذلك لها، وقوله: وإن كان على غير ذلك يريد سيئ النظر أو غير مأمون رأيت أن يجِعل معه من توكله بذلك، وإنما رأى لها أن توكل بحقها ولم تعزله عن النظر لكونه سيئ النظر غير مأمون، من أجل أنهن مالكات لأمورهن، وقد رضي به بعضهن، وَلَوْ لَمْ ترض به واحدة منهن لعزله القاضي عنهن وكان من حقهن أن يوكلن من رضين به، ولو كُنَّ غير مالكات لأمور أنفسهن لوجب إذا ثبت عند السلطان أنه سيئ النظر غير مأمون أن يعزله ويقدم سواه، ولم يلتفت إلى رضا من رضي به منهن، وقد رأيت لابن دحون أنه قال: لو اتهمه جميعُهن لكان لهن إخراج ذلك من يديه، وإنما بقي في يديه لأنهن اختلفن فاتهمه بعضهن ولم يتهمه الباقون، وفي قوله نظر فتدبره وباللَه التوفيق. [مسألة: الفرس يحبس في سبيل الله فيأتي بعض من يريد أن ينزيه فيمنعه من ذلك] مسألة وسئل مالك عن الفرس يحبس في سبيل الله فيعطاه رجل فيأتي بعض من يريد أن يُنْزِيَه فيمنعه من ذلك أترى ذلك واسعا؟ قال: نعم النزو يُضْعِف فأرى أن يمنعه ويستبقيه لما جعل له فيه، قال مالك: وكذلك الإِبل.

стр. 5609

قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله لا إشكال فيه ولا موضع للقول وبالله التوفيق. [مسألة: حبس عدقين عَلى مسجد في مصباحه] مسألة وسئل عن رجل حبس عدقين عَلى مسجد في مصباحه ومرَمّتِهِ في دار من دور الأنصار، فانقرض أهل تلك الدار وسكنها قوم آخرون وبقي رجل من أهل تلك الدار الذين انقرضوا فانتقل ذلك الرجل إلى دار أخرى وأخذ تَمَرَ ذينك العدقيْن يَأكُلهمَا ويصنع فيهما ما شاء فَكُلِّمَ في ذلك، فقال: إنما كان ذلك حين كان أهل الدار ثَمَّ فَلمَا انقرضوا فهما لي أصنع فيهما ما شئتُ، قال مالك: ليس ذلك له، وهما على ما وضعهما عليه صاحبها من شأن المسجد من مصباح المسجد ومرمته. قال محمد بن رشد: وهذا كما قال، إذ لا تَعَلّقَ لحبسه بسكنى الأنصار في الدار؛ لأنه إنما حبس العدقين اللذين كَانَا له مِلكا ومَالا في دار الأنصار، ولم يقل إنه حبسهما ما دامت الدار للأنصار ولا في لَفْظِهِ في التحبيس ما يدل على ذلك فلا يصدق فيه إِن ادعاه وبالله التوفيق. [مسألة: أحد الورثة إذا اشترى قدر حظه من السكنى يملك بذلك التصرف في حظه] مسألة وسئل عن رجل حبس دارا له على ولد له وابن أخ له حَيَاتَهُمَا ولم يجعل لعقبهما شيئا، ومرجعُهما إليه، فأراد أن يشتري صاحب الحبس من ابن أخيه ما حَبَّس عليه، واستغنى ابنُ أخيه عنها فأراد بِيعها من الذي حبسها عليه قال: ذلك جائز وكره أن يبيعها من غيره، وقال: كيف يشتريها غيره ولا يدري ما يعيش؟ قال محمد بن رشد: مثل هذا في المدونة في كتاب الصلح وكتاب

стр. 5610

الوصايا وفي غير ما موضع من هذا الكتاب، ومن كتاب الصدقات والهبات من ذلك ما وقع في رسم طلق بعد هذا من هذا السماع وفي رسم إن خرجت من سماع عيسى من كتاب الصدقات والهبات وفي رسم أصبغ منه، وإنما جاز ذلك وإن كانت مدة حياتهما مجهولة لأنه يملك بذلك التصرف في الدار، فكأنه إنما ابتاع رقبتها، وكذلك ورثته يُنَزَلون منزلةُ في اشتراء السكنى منه، ولا يجوز لأحد منهم أن يشتري أكثر من حظه منها عند ابن القاسم، وأجاز ذلك المخزومي، ولم يجز ابن كنانة لأحدهم أن يشتري قدر نصيبه إِلَّا أن يجتمعوا فيشتروا الجميع، وقول ابن القاسم هو الصحيح في النظر؛ لأن أَحَد الورثة إذا اشترى قدرَ حظه من السكنى يملك بذلك التصرف في حظه، وكذلك يجوز للمحبس عليهما السكنى حياتهما أن يشتريا المرجع من الذي يرجع إليه فيملك بذلك رقبة الدار على ما قاله في المواضع المذكورة من هذاَ الكتاب، ومن كتاب الصدقات والهبات، ووقع في رسم البيوع الأول من سماع أشهب بعد هذا من هذا الكتاب أنه لا يجوز لمن حبست عليه وصيفة حياتَه أن يبتاع المرجع من غرماء المُحَبِّس، فقيل إن ذلك اختلاف من القول، وقيل ليس ذلك باختلاف منه، ويجوز للمُخَدَم حياته أن يشتري مرجع الجارية من الذي أخدمه إياها فيملك بذلك الرقبة ملكا تاما، ولا يجوز له أن يشتريه من غرمائه إذا كان عليه دين، والأول أظهر أن ذلك اختلاف من القول؛ لأن حق الغرماء ليس في عين مرجع الوصيفة، وإنما هو في ذمة المحبس وعلى ملكه يباع، فلا فرق بين أن يبيعه عليه الغرماء في دَيْنِهم أو يبيعه هو ليؤدي دينه أو لبعض حاجته فيما يجوز من ابتياع المرجع، وكذلك لو بيع بعد موت المحبس فيما عليه من الدين؛ لأن الدين إِنما هو في ذمة الميت لا في عين التركة على الصحيح من الأقوال، ولأنه يملك الرقبة باشتراء المرجع، اشتراه من الذي أخدمه أو من ورثته أو من غرمائه، ولا يجوز على القول الآخر اشتراه منه أو من ورثته أو من غرمائه؛ لأنه غرر، إذ لا يدري متى يرجع المرجع إلى الذي باعه منه، ووجه التفرقة بين الموضعين أن المُخْدِم والمُحَبِّسَ لما كانا فعلا معروفا

стр. 5611

بمن أخدماه وأسكناه جاز لهما أن يشتريا الخدمة والسكنى ليملكا بذلك التصرف في الدار أو العبد بالبيع فيكونا إذا فعلا ذلك كأنهما إنما اشتريا الرقبة جاز لهما أن يبيعا منه المرجع من المخدم والمسكن؛ لأنه يملك بذلك الرقبة، ولما كان الغرماء لا يجوز لهم اشتراء الخدمة لم يجز لهم بيع المرجع. ولا يجوز باتفاق اشتراء الخدمة أو السكنى لغير الذي له الرقبة ولا اشتراء المرجع لغير الذي له الخدمة والسكنى، وينزل ورثة المحبس والمخدم منزلة موروثهما فيما يجوز لهما من اشتراء الخدمة أو السكنى، ويُخْتَلَفُ هل ينزل الموهوب الخدمة والسكنى منزلة الواهب في جواز ابتياع المرجع، وهل ينزل الموهوب له المرجع منزلة الواهب في جواز ابتياع الخدمةَ والسكنى على قولين، الأظهر منهما أنه ينزل منزلتهما في ذلك على ما قاله في العَرَايَا من المدونة من أنه يجوز لمن أسكن رجلا حياته أن يبتاع السكنى ممن وهب إياه، وبالله التوفيق. [مسألة: الحبس يحبسه الرجل على ولده ويقول إن تزوجت امرأة فلا حق لها] مسألة وسئل مالكٌ عن الحبس يحبسه الرجل على ولده ويقول: إن تزوجت امرأة فلا حق لها، قال: إني لأكره هذا من العمل، قال عيسى: قال ابن القاسم: وأنا أكره ذلك، فإن كان صاحب الحبس حيا رأيت أن يفسخه ويجعله مُسْجَلا ولو مات صاحبه حتى ينفذ ذلك لم أَر للقاضي أن يفسخه لم يكن قول ابن القاسم في رواية سحنون وأنكره ولم يعرفه. قال محمد بن رشد: قد مضى الكلام على هذه المسألة في أول رسم من السماع فلا معنى لإِعادته وبالله التوفيق.

стр. 5612

[: حبس دارا له حبسا في ثلثه لم يجعل لها مخرجا] ومن كتاب أوله الشجرة تطعم بطنين في السنة وسئل مالك عن رجل حبس دارا له حبسا في ثلثه لم يجعل لها مخرجا فكيف ترى أن تقسم؟ قال: أرى أن تقسم على ذوي الحاجة، قيل فإن له ولد محتاجين وأغنياء أفترى أن يعطوا منها؟ قال: لا، ولكن أرى أن يعطي المحتاجين منهم منها مع غيرهم من المحتاجين. قال محمد بن رشد: مثلُ هذا في المدونة وفي رسم لم يدرك من سماع عيسى أن من حبس حبسا ولم يجعل له مخرجا فسبيله أن يكون حبسا على الفقراء والمساكين، وقوله في الدار المحبسة على هذا السبيل إنهَا تقسم على ذوي الحاجة، يريد يُقْسَم سُكْنَاهَا عليهم، ومن حصل في مسكن منها لم يخرج منه لغيره إِلَّا أن يستغنى، وقوله: إنه يعطي ولده المحتاجون منها مع غيرهم من المحتاجين صحيح؛ لأن الميت لم يُوصِ بذلك فتكون وصيته لوارث، وإنما هذا أمر يفعله الناظر في تنفيذ الوصية باجتهاده، وسواء كانوا يوم أوصى بالتحبيس محتاجين أو أغنياء ثم احتاجوا بعد ذلك لأنها إنما ردت إلى المساكين بالحكم فوجب أن يستوي في ذلك ورثته وغيرُهم، كمرجع الحبس، ولو أوصى بِتحبيسها على المساكين لكان الحكم في ذلك حكم من أوصى بصدقة ثلث ماله على المساكين فلم يقسم حتى افتقر بعضُ ورثته أو كانوا فقراء، فقال مطرف: إنهم يعطون من الثلث في الحالتين، وقال ابن القاسم في رواية أصبغ عنه: إنهم لا يعطون من الثلث شيئا في الحالتين أيضا، وفرق ابنُ الماجشون بين الحالتين فقال: إن كانوا يوم أوصى مساكينَ لم يُعْطَوا منه؛ لأنه أوصى وَهُوَ يعرف حالهم، فكأنه قد أزاحه عنهم، وإن كانوا يوم أوصى أغنياء ثم افتقروا أُعْطُوا منه. ولو حبس في صحته أصلا يجري غلته على المساكين لأعطى ورثته

стр. 5613

الفقراء منه، كانوا يوم مات أو يوم حبس فقراء أو أغنياء ثم افتقروا بعد ذلك، حكى ذلك ابن حبيب عن مطرف وابن الماجشون، وقالا: إن بذلك حكمت القضاةُ يرى مالك وغيره من الفقهاء غير أنهم لا يعطون جميع غلة الحبس مخافة أن يدرس شأنه وينقطع التحبيس منه، ولكن يبقى منه سهم يجري على المساكيِن ليبقى بذلك اسمُ الحُبُس ويكتب على الورثة كتابٌ بأنهم إنما أعطوا منه على المسكنة والحاجة لا على أن لهم فيه حقا دون المساكين وبالله التوفيق. [مسألة: الرجل وأهله هم المنتسبون من الرجال والنساء إِلى من ينتسب إليه] مسألة وسئل مالك عمن حبس على رجل وعلى أهله أوْسُقا مسماة من حائط، فهلك رجل من ولد ذلك الرجل الذي حبس عليه وعلى أهله، وولد ولد لم يكن حيا في حياة الجد يوم حبس عليه، أترى أن يدخل في الصدقة؟ قال: نعم، هو من أهله. قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن الرجل وأهله هم المنتسبون من الرجال والنساء إِلى من ينتسب إليه فولده وولد ولده من أهله وهُم غيرُ معينين فيدخل فيما حبسه عليهم من كان حيا يوم القسمة وإن كان ولد بعد التحبيس، ولا خِلَافَ في هذا، كما أن من حبس على ولده فيدخل في حبسه من ولد من ولد ولده بعد التحبيس وإن سفُلُوا، وقد مضى في صدر أول رسم من هذا السماع الكلامُ على الآل والأهل فلا معنى لإِعادته وبالله التوفيق. [مسألة: من حبس أو وهب أو تصدق ليس له أن يرجع] مسألة وسئل عن رجل أسكن رجلا بيتا له ولعقبه ما عاشوا وما عمروا فيه من شيء فهو لهم، فأراد الذي أسكنه في ذلك أن يرجع أترى ذلك له؟ قال: لا، ثم قال أخذ على ذلك ثوابا؟ قال: لا، وكان في

стр. 5614

كتاب سكناهم ابتغاء وجه الله، قال: لا أرى ذلك له، فقال له منذ كم كان؟ قال: منذ سنين، قال ليس ذلك له. قال محمد بن رشد: ليست هذه المسألة في كل الروايات، وهي مسألة صحيحة لا اختلاف في المذهب في أنَ من حبس أو وهب أو تصدق ليس له أن يرجع عَنْ ذلك، ويحكم به عليه وإن كان لم يقبض منه إن كان لمعين باتفاق، وإن كان لغير معين فعلى اختلاف، والقولان في المدونة على اختلاف الرواية فيها، والإِسكان في هذه المسألة لمعين، فلا اختلاف فيه، والسؤال إنما هو هل له أن يرجع فيه ما لم يقبض منه، إذ من أهل العلم من يرى أَلَّا يُحكم به عليه ما نم يقبض منه، وأما إذا قبض منه فلا كلام فيه، وإنما سأله هل أخذ في ذلك ثوابا؛ لأنه لو أخذ في ذلك ثوابا اشترطه لكان بيعا فاسدا يجب فسخه وبالله التوفيق. [: الثمرة لا تجب للمحبس عليهم إلا بالطياب] ومن كتاب طلق بن حبيب وسئل عن قوم حبست عليهم ثمرة يجري عليهم في كل عام، فبلغت الثمرة الإِبار فأبَّرُوها ثم ولد لرجل منهم بعد الإِبار ولد فلما حضر القسم قال أنا أريد أن آخذ لولدي، وكان ممن أدخل في الصدقة، قال ذلك له يأخذ بقدر ما جعل له فيه. قال محمد بن رشد: هذا على القول بأن الثمرة لا تجب للمحبَّس عليهم إِلاَّ بالطياب، وهو أحد القولين في رسم اغْتسل، وعلى القول الثاني فيه أنها تجب لهم بالإِبار إذا كانوا هم قد سقوا وأبروا، لا يكون لمن ولد بعد ذلك فيها حق، وقد مضى تحصيل الاختلاف في ذلك هنالك موعَبا مستقصى، فلا معنى لإعادته وبالله التوفيق. [مسألة: يشتري من المرأة ما أمنعها إياه حياتها] مسألة قال ابن القاسم وسئل مالك عن رجل كانت عنده امرأة وأنه

стр. 5615

اشترى متاعا من متاع البيت من نحاس طست ومهراس وغيره، وأشهد لها أنه لها حياتَها تستمتع به، ثم إنه فارقها وخاف أن تُبْدِلَهُ وتأتي بغيره، فأردت أن أزنه عليها، قال: الوزن يختلف وينقص، لا أرى ذلك، ولكن أكتب صفته وأشهد على معرفته وأنقش فيه إن أردت، ثم قال له: اشتره منها، قال قد فعلت فأبت فقال: أشهد على ما قلت لك من صفته ومعرفته، وأكتب بذلك كتابا وأستاني به أن تبيعك إياه أو تشتريه منك. قال محمد بن رشد: أجاز مالك في هذه المسألة للرجل أن يشتري من المرأة ما أمْتَعَهَا إياه حياتَها، ولها أن تشتري منه مرجع ذلك، فيصح لكل واحد منهما بالشراء مِلْكُ الأصل وينفرد به؛ ولا خلاف في جوَاز شرائه هو لِمَا أمتع المرأة، وإنما الاختلاف في جواز شراء المرأة للمرجع على ما ذكرناه في رسم شك من الاختلاف في تأويل ما وقع في رسم البيوع الأول من سماع أشهب هل هو خلاف لسائر الروايات أو يفرق بين المسألتين، وقد مضى الكلام على ذلك مستوفى فلا معنى لإِعادته وباللَّه التوفيق. [مسألة: كانت لهم دار حبس فباعوها وأدخلوها في المسجد] مسألة وسئل عن قوم كانت لهم دار حُبُسٌ فباعوها وأدخلوها في المسجد، قال: أرى أن يشتروا بالذهب دارا أخرى يجعلونها في صدقة أبيهم، قيل له أفيقضي عليهم بذلك؟ قال: لا، إلَّا أن يتطوعوا، فقيل له أفترى لهم أن يشتروا بها دارا؟ قال: نعم، إني لأرى ذلك لهم. قال محمد بن رشد: قولُه وأدخلوها في المسجد يدل على أن ذلك جائز في كل مسجد، مثل ما في نوازل سحنون بعد هذا من هذا الكتاب خلافُ ما حكى ابن حبيب عن مطرف وابن الماجشون وابن عبد الحكم وأصبغ من أن

стр. 5616

ذلك لا يجوز إِلَا في مساجد الجوامع إذا احتيج إلى ذلك، وأما مسجد الجماعات فلا، إذ ليست الضرورةُ في ذلك مثلَ الجوامع، وفي النوادر لمالك أن ذلك في كل مسجد مثل ظاهر هذه الرواية، وقولُ سحنون في نوازله وقولُ مالك إنه لا يقضي عليهم أن يشتروا بالثمن دارا يجعلونها حُبسا كما كانت التي باعوا هو قولُ ابن القاسم، وقال ابنُ الماجشون يقضي بذلك عليه، ولو استحقت فأخذ فيها ثمنا فإنه يصنع فيه ما شاء، قاله مالك وابن القاسم، وظاهر قوله فباعوها وأدخلوها في المسجد أنهم طاعوا بذلك وفعلوه باختيارهم، وقد اختلف الشيوخ المتأخرون إذا أبَوا من ذلك في المسجد، فقال أكثرهم تؤخذ منهم بالقيمة جبْرا على ما أحَبوا أو كرهوا، وهو الذي يأتي على قياس قول مالك في هذه الرواية وما روى عن ابن القاسم أيضا من أنه لا يحكم عليهم بجعل الثمن في دار أخرى تكون حبسا مكانها لأنه إذا كان الحق يوجب أن تؤخذ منهم بالقيمة جَبْرا صار ذلك كالاستحقاق الذي يبطل الحبس، فلا يجب صرف الثمن المأخوذ فيه في حبس مثله، ويأتي على قياس قول ابن الماجشون إنه يقضي عليهم أن يجعلوا الثمن الذي باعوها به في دار أخرى تكون حبسا مكانَها أنه لا يقضي عليهم ببيعها إذا أبَوا؛ لأنهم إذا باعوها باختيارهم في موضع لا يحكم عليهم به لو امتنعوا منه كان الحكمُ عليهم بصرف الثمن في دار تكون حبسا مكانَها واجبا لما في ذلك من الحق لغيرهم إن كان الحبس معقبا، وكذلك إن كان عليهم بأعيانهم على القول بأنها ترجع بعدهم إلى أقرب الناس بالمُحَبِّسُ حبسا وقد روى أبو زيد عنه في الثمانية أنه يقضي عليهم ببيعها ليتوسع بها في المسجد الجامع، فقولُه إنه يقضي عليهم بجعل الثمن في دار تكون حبسا مكانها ليس على أصله، فلعله إنما قال إنه يقضي عليهم بذلك فيما عدى المسجد الجامع من المساجد، ومن مذهبه أنه لا يقضي عليه ببيعها إلا في المسجد الجامع وبالله التوفيق.

стр. 5617

[مسألة: بقرات أوصى بهن رجل أن يقسم ألبانها في المساكين] مسألة وسئل مالك عن بقرات أوصى بهن رجلٌ أن يقسم أَلْبَانُها في المساكين كيف يُصْنَعُ بها إن ولدت، قال: ما ولدت من أنثى كان كسبيلها يحبس معها، وما ولدت من ذكر حُبِّسَ لنزوها، فإن كثر الذكور عن نزوها بيع ما فضل عن ذكورها واشترى به إناث فزيد فيها، وما كبرت من أنثى حتى ينقطع لبنها بيعت فردت فيها، فاشترى بها إناثا يرد ما يباع منها فيها من ذكورها وما كبر من إناثها في إناث يجعلهن معها وفي مصلحتها في عُلُوفَتها يعمل فيها كما يعمل الرجل في ماله، إلَّا أنه لا يباع من إناثها شيء له منفعة، وما بيع من فضل ذكورها وكبار إناثها رُدَّ في إناث تشترى معها وفي علوفتها. قال محمد بن رشد: هذه مسألة جيدة حسنة صحيحة على معنى ما في المدونة من أن ما ضعف من الدواب المحبَّسة في سبيل الله أو بَلِيَ من الثياب حتى لم يكن في الدواب قوة للغزو، ولا في الثياب منفعة، فإن ذلك يباع ويشترى بثمن الدواب غيرُه من الخيل فيجعله في السبيل، فإن لم يبلغ ذلك ما يشتري به فرسا أو هجينا أو برذونا أعين به في ثمن فرس، ويشتري بثمن الثياب ثيابا ينتفع بها، وإن لم يبلغ ذلك ما يشتري شيء ينتفع به فُرِّقَ في السبيل، خلافُ ما روى غيره من أن ما جُعِلَ في سبيل الله من العبيد والثياب لا يباعُ، وقال: لو بيعت لبيع الربْعُ المحبس، وهو مذهب ابن الماجشون أن من تصدق على قوم بغلام له صدقة محرمة فلا يجوز إن كبر فتخلف وكثرت سرقاته وإباقه أن يباع ويشترى بثمنه غيره يكون مكانه على مثل ما كان عليه من التحريم والحبس، إلا أن يكون شرط ذلك في تحريم صدقته، قال: وكذلك لو تصدق بالبعير أو التيس من غنمه للضراب صدقة محبسة فلا يجوز إنْ كَبِرُوا

стр. 5618

فانقطع ضرابهم أن يباعوا ويشتري بثمنهما غيرُهما إلا أن يكون شرط المتصدق ذلك في أصل تحريم صدقته وموضع الخلاف في ذلك إنما هو في بيع ما كثر من الذكور عن نزوها ليشتري به إناثا لها دَرُّ وفي بيع ما كبر من الإِناث فانقطع درُها ليشتري به إناثا لها دَرُّ وأما بيع ما كثر من الذكور عن نزوها أو كبر من الإناث فانقطع درها فيما يلزم من علوفتها والقيام عليها في رعيها فلا اختلاف في جواز ذلك. لأن الأحباس في جواز بيعها والاستبدال منها إذا انقطعت المنفعة منها تنقسم على ثلاثة أقسام قسم يجوز بيعه باتفاق، وهو ما انقطعت منفعته ولم يرج أن يعود وفي إبقائه ضرر، مثلُ الحيوان الذي يحتاج إلى الإِنفاق عليه ولا يمكن أن يستعمل في نفقته، فيضر الإِنفاق عليه بالمحبَّس عليه أو ببيت المال إن كان محبسا في السبيل أو على المساكين، وقسم لا يجوز بيعه باتفاقَ وهو ما يرجى أن تعود منفعته ولا ضرر في بقائه، وقسم يختلف في جواز بيعه والاستبدال به، وهو ما انقطعت منفعته فلم يرج أن يعود ولا ضرر في إبقائه، وَخَرَابُ الربع المحبس الذي اختلف في جواز بيعه من هذا القسم وبالله التوفيق. [: حبس حبسا على ذكور ولده لا يباع ولا يورث حتى يرثها الله فانقرض ذكور ولده] ومن كتاب أوله: سنّ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسئل مالك عن رجل حبس حبسا على ذكور ولده لا يباعِ ولا يورث حتى يرثها الله، فانقرض ذكورُ ولده، قال: أراها حبساَ على بنات ذكور ولده وعلى العصبة إِلَّا أَلَّا يكون فيها سعة، فيكون بنات ذكور ولده أحق بها يُبَدَّيْنَ على العصبة إن لم يكن لهم فيها سعة.

стр. 5619

قال محمد بن رشد: قوله إنها ترجع حبسا بعد انقراض ذكور ولده، صحيح لا اختلاف فيه، لوجهين: أحدهما: أن ذكور ولده غير معينين لأنه يدخل في ذكور ولده ذكور ولد ولده ما سفلوا، والثاني قوله لا يباع ولا يورث حتى يرثها الله، ولو قال: لا تباع ولا تورث ما عاشوا أو حتى ينقرضوا لرجعت إليه بعد انقراضهم ملكا مطلقا ولورثته إن كان قد مات، ولو قال ما عاشوا أو حتى ينقرضوا، ولم يقل لا تباع ولا تورث لرجعت إليه ملكا مطلقا عند مطرف، وقد مضى هذا المعنى مستوفى في أول رسم من السماع فلا معنى لِإعادته. وقوله: إنها ترجع حبسا على بنات ذكور ولده وعلى العصبة معناه إذا لم يكن له بنات لصلبه؛ لأن بناته أقرب إليه من بنات بنيه، وقد مضى في أول رسم من السماع ذكر من يرجع إليه الحبس حبسا بعد انقراض المحبَّس عليهم وما في ذلك من الاِختلاف في النساء فلا معنى لإِعادته وبالله التوفيق. [مسألة: اتخاذ المساجد على القبور] مسألة قال ابن القاسم في اتخاذ المساجد على القبور: إنما أَكْرَهُ من ذلك هذه المساجد التي تبنى عليها، فأما لو أن مقبرة عفت فبنى قوم عليها مسجدا فاجتمعوا للصلاة فيه لم أر بذلك بأسا. قال محمد بن رشد: إنما كره اتخاذ المساجد على القبور صيانة لها لئلا يكون ذلك ذريعة إلى الصلاة عليها، وقد قال رسول الله ﷺ : «اللَهَم لاَ تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَنا بَعْدِي يُعْبَدُ اشْتَدَ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى قَوْمٍ اتَّخَذُوا قُبُورَ أنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ» وأما إذا عفت المقبرة وانقطع الدفن فيها

стр. 5620

فلا بأس أن يبني عليها مسجد للصلاة فيه؛ لأن المسجد والمقبرة حبسان على المسلمين لصلاتهم ودفن موتاهم، فلا بأس أن يستعان ببعض ذلك في بعض وينقل بعضه إلى بعض على أنفع ذلك لهم وأرفقه بهم وأحوجه ما هم إليه، قال ذلك ابن الماجشون في الواضحة، وإذا بنى المسجد على المقبرة لم يتناول المُصَلِّي فيه نهيُ النبي ﵇ عن الصلاة في المقبرة عند من حمل الحديث على عمومه في جميع المقابر من أهل الحديث؛ لأنها قد خربت من أن تكون مقبرة وتحولت إلى ما تحولت إليه من كَوْنها مسجدا والدليل على ذلك ما جاء من أنه كان في الموضع الذي بنى فيه النبيُ ﵇ قُبُورٌ للمشركين فأمر بها فَنُبِشَت، وقد روى أبو المصعب عن مالك كراهية الصلاة فيها للحديث، وهذا الذي ذهب إليه عبد الوهاب قال: تُكْرَهُ الصلاة فيها، إلا أن تكون فيها نبش؛ فلا تجوز الصلاة فيها، والمشهور المعلوم من مذهب مالك إجازة الصلاة فيها إما لأن الحديث لم يصح عنده، وإما لأنه حمله على أن المراد به مقابر المشركين كما فعل ابنُ حبيب وبالله التوفيق. [: بنت الابن تسمى بنتا ولها حكم البنت في الميراث إذا لم يكن للميت ابن] ومن كتاب أوله: أخذ يشرب خمرا قال: وسئل عن رجل حبس حبسا وحبس على ابنين له منزلا بعينه وقال في حبسه: وما كان لي من ابنة فهي معهما في حبسهما، أترى بنات ابنه يدخلن معهما في ذلك الحبس الذي لابنيْه؟ قال:

стр. 5621

قال مالك: نعم، أرى أن يدخلن في ذلك. " قال محمد بن رشد: هذا كما قال، ومثلُه من قوله في رسم العشور من سماع عيسى بعد هذا: وذلك لأن بنت الِابن تسمى بنتا ولها حكم البِنْتِ وفي الميراث إذا لم يكن للميت ابن ذكر ولا أنثى، بخلاف بنت الاِبنة لأنها وإن كانت تسمى ابنة بدليل قول النبي ﵇ في الحسن: «إن ابني هذا سيد» فليس لها حكم البنت في النسب ولا في الميراث وبالله التوفيق. [مسألة: يفلس وله أم ولد ومدبرون ولهم أموال] مسألة وسئل مالك عمن تصدق على ابنتين بدار على وجه الحبس وكتب لهما في كتاب صدقته، قال: إن شاءتا باعتا، وإن شاءتا أمسكتا، فَرَهَقَ ابنتيه دين كثير دَايَنَتَا به الناس، فقام عليهما الغرماء فقالوا: نحن نبيع الدار قد كتب أبوكما في صدقته إن شئتما بعتما، وإن شئتما أمسكتما، قال مالك: صَدَقوا ذلك لهم أن يبيعوا الدار حتى يستوفوا حقوقهم. قال محمد بن رشد: لمالك في كتاب ابن المواز خلافُ قوله هذا إنه ليس للغرماء ذلك، وهو الذي يأتي على مَالَهُ في كتَاب التفليس من المدونة في الرجل يُفَلَّسُ وله أم ولد ومدبرون ولهم أموال، أنه ليس للغرماء أن يجبروه على أن يأخذ أموالهم فيقضيها إياهم، ولا لهم أن يأخذوها إلا أن يشاء هو أن يفعل ذلك وبالله التوفيق. [مسألة: تغير ما حبسه في مرضه] مسألة وسئل عن رجل حبس حبسا في مرضه دارا له وجعلها بعد حبسه في سبيل الله حبسا، فأراد أن يغير ذلك في مرضه أذلك له؟ قال: نعم، ذلك له.

стр. 5622

قال محمد بن رشد: قوله إن له أن يغير ذلك في مرضه، يريد فينفذ تغيره ويبطل الحبس إن مات من مرضه ذلك، وأما إن صح فيلزمه الحبس ويُحْكَمُ به عليه وإن كان قد رجع عنه وغيره في مرضه، ووجه ذلك أنه لما كان الحبس لا ينفذ إن مات من مرضه ذلك إلَّا من الثلث حكم له بحكم الوصية في أن له أن يرجع فيه، فعلى قياس هذا إن مات من مرضه قبل أن يغير حبسه وقد أوصى بوصايا مال، فلم يحمل ذلك ثُلُثُه تَحَاصا في الثلث ولم يُبَدَّأ الحبس المبتل في المرض على الوصية بالمال، وهذا أصل قد اختلف فيه قولُ مالك فيمن بَتَلَ عتق عبد له في مرضه وأوصى بعتق عبد له آخر، فروى ابن القاسم وابن وهب عن مالك أن المبتل في المرض يُبَدّأ على الموصى بعتقه، وأخذ بذلك ابن القاسم وابن وهب وابن عبد الحكم وابن دينار، وإياه اختار محمد بن المواز فعلى هذا لا يجوز للمريض تغير ما حَبَّسَهُ في مرضه ولا ما بَتَّلَ عتقه فيه، وروى أشهب عن مالك أنهما يتحاصان المبتل في المرض والموصى بعتقه فيه، قال أشهبُ وإنما ذلك عندي بمنزلة ما لو أوصى بعتق عبدين له في مرضه، ثم قال في أحدهما: إن صححت من مرضي فهو حر، فمات من مرضه، أنهما يتحاصان، وقال محمد بن المواز: أما هذا فكما قال، ولا يشبه ذلك أن يوصي بعتق أحدهما ويبتل عتق الآخر في مرضه، بأن يقول له: أنت حر بَتْلا عشت أو مت، وقد قال لي بعض أصحاب مالك: إن مالكا رجع إلى هذا القول، وعليه لقي الله ، فقولُهُ في هذه الرواية له أن يغير حبسه الذي حبسه في مرضه يأتي على قول مالك هذا الذي رَجَعَ إليه من أنهما يتحاصان ولا يُبدَأُ المبتل في المرض على الموصي بعتقه، وبالله التوفيق. [: حبس على ولده فلا يدخل في حبسه أولاد البنات] ومن كتاب أوله: يسلف في المتاع والحيوان وسئل مالك عن حائط كان صدقة فلم يزل ذلك يجري على

стр. 5623

ولده للذكر مثل حظ الأنثيين فتزوج الرجل منهم المرأة ثم يموت فتذهب المرأة ولا حق لها وتتزوج المرأة من بناته ثم تموت فيذهب ولدها ولاحق لهم ويرجع نصيبها على من بقي من ولده، فلم يزل ذلك حتى بقي بَعْدُ امرأةٌ ورجلٌ فكانا يأخذان للذكر مثل حظ الأنثيين، ثم مات الرجل فصارت للمرأة الصدقة تأخذها كلها، ثم هلكت وتركت أولادا، وَشَهِدَ رجالٌ بالسماع أنهم لم يزالوا يسمعون أنها صدقة، هل ترى لولد المرأة في ذلك حقا؟ قال مالك: لا، ولكن ترجع إلى الأقرب فالأقرب من عصبة المتَصَدِّقِ حُبُسا عليهم، قال عيسى: قلت لابن القاسم: لم كانت للذكر مثل حظ الأنثيين؟ قال: اشترط ذلك. قال محمد بن رشد: قولُه: " وسئل عن حائط كان صدقة فلم يزل ذلك يجري على ولده " معناه: وسئل عن حائط كان صدقة تصدق به رجل على ولده فلم يزل ذلك يجري على ولده للذكر مثل حظ الأنثيين، وقوله: " وشهد رجال بالسماع أنهم لم يزالوا يسمعون أنها صدقة " معناه: لم يزالوا يسمعون أنها صدقة يتصدق بها ذلك الرجل حبسا صدقة على ولده، هل ترى لولد المرأة في ذلك حقا؟ فقال: لا، وذلك على مذهبه الذي يختلف فيه قولُه أن من حبس على ولده فلا يدخل في حبسه أولاد البنات إذ ليسوا بولد لهم حكم الولد في الميراث والنسب؛ لأنهم وإن كانوا في حكم ولده في حقيقة التسمية في اللغة فهم ولد رجل آخر في التسمية والميراث والنسب، فهو بهم أولى. وقوله: " إنها ترجع إلى الأقرب فالأقرب من عصبة المتَصَدِّق حبسا عليهم " صحيح بين لا اختلاف فيه؛ لأنه حبس على غير معينين فلا ترجع إلى المحبس ملكا في قول مالك وأصحابه أجمعين، إلَّا أن يقول ما عاشوا فترجع إليه ملكا على قول مطرف منهم خاصة، وقد مضى هذا في أول رسم وفي غيره من المواضع وبالله التوفيق.

стр. 5624

[مسألة: قال داري حبس على امرأتي ما عاشت فلم يجز ذلك الورثة] مسألة قال ابن القاسم في رجل قال داري حبس على امرأتي ما عاشت فلم يُجِزْ ذلك الورثة، قال: ترجع ميراثا على فرائض الله إن شاءوا باعوا، وإِن شاءوا أمسكوا. قال محمد بن رشد: معنى هذه المسألة إذا حبس الدار عليهما ما عاشت في مرضه الذي توفي منه أو أوصى بذلك، وقوله: " إنها ترجع ميراثا على فرائض الله إذا لم يُجِز ذلك الورثةُ " معناه على أحد قولي مالك في أن الحبس على معين يرجع بعد انقراض المحبس عليه إلى المحبس ملكا أو إلى ورثته بعده، وأما على قوله الآخر إنها ترجع إلى أقرب الناس بالمحبس حبسا ولا ترجع إليه ملكا مطلقا فإذا لم يُجِز ذلك الورثةُ يدخلون معها في سكنى الدار حياتها، فإذا ماتت رجعت الدار إلى أقرب الناس بالمحبس حبسا وسقط حقهم فيها، ولو أسكنها في مرضه الدار ما عاشت أو أوصى لها بذلك لرجعت إذا لم يُجِز الورثة ميراثا باتفاق والله الموفق. [مسألة: قال داري هذه حبس على امرأتي ما عاشت وبقية ثلثي لفلان وثلث الدار] مسألة قيل لابن القاسم: فإن قال داري هذه حبس على امرأتي ما عاشت وبقية ثلثي لفلان وثلث الدار، قال ابن القاسم: يقال للورثة أسلموا لامرأته ما حبس عليها، فإن قالوا: لا، فهم معها على فرائض الله يسكنون، فإذا انقرضت امرأته صارت الدار لِلذي أوصى له ببقية الثلث فإن أسلموا لامرأته الدار لم يكن للذي أوصى له ببقية الثلث شيءٌ حتى تموت امرأته فإذا ماتت المرأة أخذ الذي أوصى له ببقية الثلث الدارَ، قال ابن القاسم: وسواء عليه قال في هذا الموضع. حُبسا أو سكنى.

стр. 5625

قال محمد بن رشد: هذه مسألة صحيحة بينة يُبَينها ما ذكرناه في المسألة التي فوقها، وقول ابن القاسم في آخرها: وسواء عليه، قال في هذا الموضع حبسا أو سكنى صحيح؛ لأنه قد بين المرجع ونص عليه بقوله وبقية ثلثي لفلان فلا يدخل في هذه المسألة اختلافُ قول مالك فيمن حبس على معين هل يرجع الحبس إليه أو إلى أقرب الناس به حبسا عليهم، كما دخل في المسألة التي فوقها. وباللَه التوفيق. [مسألة: أسكن دارا له أجنبيا حياته ثم مات الذي أسكن] مسألة قال ابن القاسم: وإن أسكن دارا له أجنبيا حياته ثم مات الذي أسكن رجعت ميراثا لأقرب الناس بالمُسْكِنِ يوم مات المسكن، وإن حبس على أجنبي حياته ثم مات الذي حبس عليه رجعت حبسا على أقرب الناس بالمحبس يوم ترجع. قال محمد بن رشد: أما إذا أسكن دارا له أجنبيا حياته فلا اختلاف ولا إشكَال في أنها ترجع إلى المُسْكِن ملكا يوم مات المُسْكَن، وأما إذا حبس على أجنبي حياته ثم مات الذي حبس عليه، فقيل إنها ترجع إلى المحبس ملكا مطلقا، وقيل إنها ترجع إلى أقرب الناس به حبسا عليه، اخْتَلَفَ في ذلك قولُ مالك، فقوله في هذه المسألة رجعت حبسا على أقرب الناس بالمحبس يوم ترجع يريد على أحد قولي مالك، وهذه المسألة تبين أنه لا فرق إذا حبس على معين بين أن يقول حياتَه أو يسكت عن ذلك في إن اختلاف قول مالك يدخل في ذلك دخولا واحدا خلافُ ما ذهب إليه محمد بن المواز من أنه إذا حبس على معين وقال حياتَه أو سمى أجَلا خرجت المسألة من الخلاف حسبما ذكرناه عنه في أول رسم من السماع وباللَّه التوفيق.

стр. 5626

[: حبس داره على مواليه ثم هلكت] ومن كتاب الشريكين يكون لهما مال قال: وسألت مالكا عن رجل حبس داره على مواليه ثم هلكت فقام موالي الموالي فقالوا: نحن معكم، وقال الموالي: نحن أحق بها، قال: أراهم كلَّهُم فيها وأراها حبسا على الموالي وموالي الموالي يدخلون معهم. قال محمد بن رشد: قولُه أراهم كلهم فيها ظاهرُه أنه لا يؤثر الأقرب منهم على الأبعد إذا استوت حاجتهم، وذلك ما مضى في أول رسم من السماع، وكذلك اختلف أيضا في تفضيل الآباء على الأبناء حسبما مضى تحصيل القول فيه في أول رسم من السماع فلا معنى لإعادته وبالله التوفيق. [: حبس حبسا دارا له على رجل حياته فبنىِ في الدار مسكنا ثم مات] ومن كتاب اغتسل على غير نية وسئل عن رجل حبس حبسا دارا له وأرضا على رجل حياته فبنىِ في الدار مسكنا أو غرس في الأرض نخلا، ثم مات، فقال: إن أَرْضى صاحبُ الدار ورثة الرجل فذلك له وإلّا قلعوا نخلهم وأخذوا نقضهم من الدور. قال محمد بن رشد: قد مضت هذه المسألة والكلامُ عليها مستوفى فيما تقدم في هذا الرسم في بعض الروايات فلا معنى لِإعادته وبالله التوفيق. [: حبس جارية له على أخته وأمه حبسا صدقة لا تباع ولا توهب ولا تورث] ومن كتاب البَزِّ قال وسئل مالك عن رجل حبس جارية له على أخته وأمه حبسا صدقة لا تباع ولا توهب ولا تورث، وأيهما ماتت قبل صاحبتها فهي

стр. 5627

على الباقية منهما، فماتت أخته فأراد أن يُبَتِّلَها لأمه تبيعها أو تَصْنَعُ بها ما شاءت، قال: أرى ذلك له إن شاء بعد تفكره فيها، وكأنه لم يرها من ناحية الدور، قال ابن القاسم: ولو أن رجلا حبس دارا أو أرضا ثم أراد أن يفعل ذلك لم يكن ذلك له إلَّا أن يكون اشترط أن مرجعهما إليه فهو يجوز أن يفعل ذلك، ويفعله في غيرهما بعدهما إن أراد ذلك. قال محمد بن رشد: إنما أجاز له أن يُبَتِّلَهَا لأمه لأنه رأى أنها ترجع إليه بعد موتها ملكا مطلقا، ولا ترجع بمرجع الأحباس كالدور، وهو معنى قوله: ولم يرها من ناحية الدور، وإنما لم يرها كالدور لأنه رأى التحبيس المعقب المحرم فيها مكروها، واستحب له أن يَصرِفَهُ إلى ما هو أفضل منه، فرأى تبتلها لأمه أفضل لما في ذلك من البر بأمه، ورفع الضرر عن الجارية ما يُرجى لها من العتق، وهذا هو معنى ما في كتاب ابن المواز من قوله في هذه المسألة وكأنه رآهُ من ناحية البِرِّ وفي رسم استأذن من سماع عيسى بعد هذا أنها ترجع بمرجع الأحباس كالدور، وقد مضى الكلام على هذا المعنى وما يتعلق به مما هو من معناه شي أول مسألة من الكتاب وبالله التوفيق. [مسألة: تصدق بدار له حبسا على ولده وولد ولده] مسألة وسئل مالك عن رجل تصدق بدار له حبسا على ولده وولد وَلَدِه فخرج إنسان منهم إلى بعض البلدان ثم قدم فأراد أن يسحَن الدار ويخرج له بعض من يسكنها من منزله الذي كان يسكنه، قال مالك: إن كان خرج في تجارة أو في طلب حاجة فإني أرى ذلك له، وإن كان انقطع إلى بعض البلدان ثم بَدَا له فرجع لم أر لَهُ أن يُخرَجَ له من منزل كان يسكنه أحد ممن يسكنه. قال محمد بن رشد: هذا من قول مالك، وما قال ابن القاسم في المدونة يبين قوله المتقدم في آخر أول رسم من سماع ابن القاسم، وقد ذكرنا

стр. 5628

ذلك هنالك وَمَا يمكن أن يُقَامَ من قوله في المدونة، وقال علي في روايته: [إن غاب مُسْجَلٌ] ، ولم يذكر ما قال ابن القاسم وهذا في السكنى، وأما في فضلة الكراء والغلات من الثمرة وغيرها فإن حق من انتجَعَ وغاب لا يسقط وإنما يسقط عنه السكنى إذا لم يكن فيه فضل، قاله مالك في النوادر، وقال ابن القاسم فيها وأما ذلك فيمن حبس على ولده أو لد فلان أو آل فلان، فأما على قوم بأعيانهم ممن ليس على العقب فإن حق من انتجع منهم ثابت في السكنى وهم فيه على السواء حاضرهم وغائبهم وفقيرهم وغنيهم، وبالله التوفيق. [مسألة: حبس دارا له على أربعة نفر من ولده] مسألة وسُئِلَ عن رجل حبس دارا له على أربعة نفر من ولده وشرط في حبسه أن من مات منهم من ولده فولده على مصابته من الحبس، فمات اثنان منهم وترك أولادا فكان الأخوان منهما لا أولاد لهما، ثمِ مات أحد الباقين ولا ولد له فلمن ترى نصيبه؟ قال: أرى أن يرجع حبساَ على جميع ولد إخوته الميتين وأخيه الباقي وُيخَصّ بذلك أهل الحاجة منهم دون الأغنياء، ولا تكون فيها قسمة وأرى أن يؤثر أهل الحاجة منهم من ولد بني الأخ والأخ. قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأنه لما شرط أن يكون حظ من مات منهم لولده رجع الحبس بذلك معقبا على غير معينين، وكان الحكم فيمن مات منهم وَلَا ولد له أن يرجع حظه على جميع من في الحبس من أهل الحاجة كمن حبس على ولده وعقبهم وفيهم غني ومحتاج أن الحبس يقسم على أهل الحاجة من الأخ وبني الأخ دون الأغنياء منهم، ولا يقسم عليهم بالسواء، وهو

стр. 5629

الذي أراد بقوله ولا يكون فيها قسمة، وقد قيل إن الحبس المعقب يقسم على السواء بين الغني والفقير وقيل إنه يبدأ الأقرب على الأبعد وقد مضى بيان ذلك كله وتحصيله في آخر أول رسم من السماع فلا معنى لِإعادته وبالله الموفق. [: حبس دارا له على ولده وشرط أن من تزوج من بناته فلا حق لها] ومن كتاب أوله: نَذَرَ سَتَة يَصُومُهَا وسئل مالك عن رجل حبس دارا له على ولده وشرط أن من تزوج من بناته فلا حق لها إلا أَن تَرُدَهَا رَادَّة أترى أن يُنْقَضَ ذلك وَينْحَل الحبسُ، قال: نعم، إني لأرى ذلك وجهَ الصواب، وكأنه أعجبه نقضه. قال محمد بن رشد: قد مضت هذه المسألة والقولُ فيها في أول رسم من السماع فلا معنى لإِعادته وبالله التوفيق. [مسألة: يحبس دوره على ولد له صغار فيشترط أنه القائم بأمرهم حتى يبلغوا] مسألة وسئل عن الرجل يحبس دوره على وُلْدٍ لَهُ صِغَارٍ فيشترط أنه القائم بأمرهم حتى يبلغوا، قال: إني لأكره ذلك، قال ابن القاسم وقال مالك: وإذا لم يشترطه وكان الولد صغارا فلا بأس به إذا لم يكن فيهم كبير قد بلغ حد الرضى. قال محمد بن رشد: وقع في كتاب التفسير قال يحيى: قلت لابن القاسم لِمَ كَرِهَهُ مالك؟ قال: لأنه قد اشترط في حبسه ملكا له ثابتا يحكم به في ذلك الحبس حَتَى يموت، قلت: وما بأس ما اشترط من ذلك؟ قد كان له بلا شرط، أَلَا ترى أنه الحائز على ولده والقائم لهم بلا شرط؟ مثل ما اشترط لم يزدد بشرطه المُشْتَرَط شيئَاَ على ما كان يصنعه بغير شرط، قال: سأله عنه ابن أبي موسى فنهاه عنه وكرهه، قلت أرأيت إن وقع الأمر به، فمات وولده أصاغر أيفْسِدُ هذا الشرطُ شيئا من حوزه عليهم؟ قال: لا بل أجير الصدقة، وإنما

стр. 5630

كره له الشرط فإن وقع لم تفسُدْ الصدقة، هذا نص مَا وَقَعَ في كتاب التفسير، فقال بعض أهل النّظَرِ هذه كراهية لا وجه لها؛ لأنه اشترط ما يوجبه الحكمُ له، واشتِرَاطُ ما يوجبه الحكم لا وجه لكراهيته. والكراهيةُ فيها بينة لوجهين أحدهما: أنه لما شرط أنه القائم بأمرهم فقد منع نفسه ما كان له جائزا من أن يُولِي غيرَه يقوم به لهم، والثاني: أنه قد اشترط أنه القائم بأمرهم حتى يبلغوا، وبلوغهم لا يكون في وقت واحد فكان قد اشترط في ظاهر أمره ألّا يسلم لمن بلغ منهم حظه حتى يبلغوا كلهم وهذا مما يبطل الحيازة؛ لأنه إن بلغ فلم يدفع إليه حظه، ومات وهو في يديه بطلت الصدقة في حظه، وفي المسألة وجه ثالث يصحح الكراهة، وهو اشتراط ذلك حتى يبلغوا، وقد يَبْلُغُوا وهم لا تُرْضَى أحوالهم ولا تجوز أفعالهم، فبِطل أن يكون الشرط صحيحا، ولو اشترط أن له أن يحُوزَ لكل واحد منهم حظه حتى يبلغ ويملك أمر نفسه لَتخلِّصَ من هذه المعاني كلها وصح اشتراطه، ولم يكن فيه وجه للكراهة، والله أعلم وبه التوفيقَ. [: حكم العمرى] من سماع أشهب وابن نافع عن مالك رواية سحنون بن سعيد من كتاب العتق قال أشهب: وسمعت مالكا وسئل عمن أعْمَرَ أمَّه عبدين) حياتها وشرط إن مات قبلها فهما لها حياتَها وإن ماتت قبله فهما عليه رَد، ثم حضرته الوفاة قبلها فأعْتَقَ أحدهما، قال: لا يجوز ذلك إلا أن تجيز أمه ذلك، فإن أجازت ذلك وطاعت بعتقه جاز وعتق، ولم ينظر إلى ما يقول الورثة إن مرجعه إلينا وإن لم يجز عتق إذا ماتت أمه وكانت تلك البقية في ثلثه. قال محمد بن رشد: حكم العُمرى أن تكون للمعمَر حياتَه عاش

стр. 5631

المعمِر أو مات قبل ذلك، فإذا مات المعمَر رجعت العمرى إلى المعمِر إن كان حيا، وإن كان قد مات رجعت إلى ورثته يوم مات، فقوله وشَرطَ إن مات قبلها فهما لها حياتَها، وإن ماتت قبله فهما عليه رَدٌ، ليس بشرط يُحِيلُ العمرى عن حكمها وسبيلها، وإنما هو بيان لحكمها، والمُعْمِر لا يملك من العبدين إذا أعمرهما أمه إلّا المرجع بعد وفاتها، وهو مجهول، إذ لا يدري متى تموت فيجوز له أن يهبه ويعتقه في صحته ولا يجوز له أن يبيعه إلا من أمه، ويجوز له أيضا أن يعتقه في مرضه إن حمله ثلثه، ويختلف فيما بَتَلَهُ المريض في مرضه هل ينظر فيه وهو مريض أو بعد موته، فقيل إنه ينظر فيه في مرضه فإن حمله الثلث عتق، وقيل إنه لا ينظر فيه إلا بعد موته إذ قد يذهب مالُه في مرضه فيكون للورثة في ذلك. حُجّة من أجل أنه لا ينفذ قضاؤه بعد موته في أكثر من ثلث ماله، فرأى مالكٌ في هذه المسألة إن أجازت أمّه ذلك وطاعت بترك حقها في خدمته أن ينظر بذلك في مرضه، وُيعَجِّلَ له العتق إن حمل ثلثه المَرْجِعَ بأن يُقَوَّم على غرره، ولم ينظر إلى ما يقوله الورثة إن أرادوا ألا يُنْظَرَ فيه إلّا بعد موته، وهو معنى قوله: ولم ينظر إلى ما يقوله الورثة: إن مرجعه إلينا ورأى إن لم تجِزْ الأم ذلك لا ينظر فيه حتى تموت، إذ لا سبيل إلى تعجيل عتقه من أجل حقها في خدمته طول حياتها، فإذا مات نظر فيه، فإن حمل ثلثُه المرجعَ على غرره عتق جميعه بعد موتها، وهو معنى قوله: وإن لم تجز عَتَقَ إذا مات وكانت تلك البقية في ثلثه، يريد المرجع على غرره، وإن لم يحمل الثلثُ المرجعَ عتق منه بعد موتها ما حمل الثلث منه، فهذا معنى قول مالك في هذه المسألة ووجهُهُ مشروحا مبينا. وقد رأيت لابن دحون في هذه المسألة أنه قال فيها: هذا الكلام فيه نظر فتدبره والذي ينبغي إن لم يُجز الورثةُ ذلك أن يكون المرجع من الثلث أجازت الأم أو لم تجز، فإن أجازت عجل العتق، وإن لم تجز عجل بعد موتها.

стр. 5632

وكلامه هو الذي فيه النظر؛ لأنه حمل قول مالك على غير وجهه، فتأول عليه أنه أراد بقوله: " ولم ينظر إلى ما يقوله الورثة " أنه يعجل له العتق إذا أجازت الأم وطاعت، وإن لم يحمل ثلثه المرجعَ، وهو تأويل خطأ لا يصح أن يُتَأَوَل مثلُهُ على مالك، ومعناه إنما هو ما ذكرناه من أنه لا ينظر إلى قولهم إن أرادوا تأخير النظر في تقويم المرجع في الثلث إلى أن يموت إذا أجازت الأم، فالمسألة صحيحة بينة مستقيمة لا نظر فيها ولا اعتراض وبالله التوفيق. [: يحبس الحائط صدقة على المساكين أيقسم على المساكين بينهم تمرا] ومن كتاب الأقضية الثالث وسئل عن الرجل يحبس الحائط صدقة على المساكين أيقسم على المساكين بينهم تمرا أمْ يباع ثم يقسم ثمنا بينهم، فقال: ذلك يختلف، وذلك إلى ما قال فيه المتصدق، أو إلى رأي الذي يلي ذلك، واجتهاده إن كان المتصدقُ لمِ يقل في ذلك شيئا، إن رأى خيرا أن يبيع ويقسم ثمنه وإن رأى خيراَ أن يقسم تمره قسموه تمرا فذلك يختلف، وربما كان الحائط نائيا بالمدينة، فإن حُمِلَ أضَرّ ذلك بالمساكين حملُه، وربما كان في الناس الحاجة إلى الطعام فيكون ذلك خيرا لهم من الثمن فيقسم إذا كان هكذا فهو أفضل وخير، وهذه صدقات عُمر بن الخطاب منها ما يُباع فيقسم ثمنُهُ ومنها ما يُقسم تمرا. قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله إن ذلك مصروف إلى اجتهاد الناظر في ذلك إن لم يقل المتصدق في ذلك شيئا، وإن قال فيه شيئا وَحَدّ فيه حَدّا وجب أن يتبع قوله في صدقته ولا يخالف فيه حَدُّهُ وبالله التوفيق.

стр. 5633

[مسألة: أوصى في غنم له بأنها حبس على يتيمين ليسا من الورثة] مسألة وسئل عن رجل توفي فأوصى في غنم له بأنها حبس على يتيمين ليسا من الورثة، وجعلها على يدي ابن له كبير، وقال: من مات منهما فلا حق له ومن ارتغب فلا حق له، فمات أحدهما، ثم ارتغب الآخر منهما [فلمن تراها؟] فقال: ما أراها إلّا للآخر منهما، قيل له إنه حبسها عليهما لهذا منها قطيع عليه [سِمَتُهُ ولهذا] قطيع عليه سِمَتهُ وقال من مات فلا حق له فمات أحدهما [ثم] ارتغب الآخر فلمن تراها؟ فقال: ما أراها إلّا للآخر منهما، أرى هذا إنما أراد مثلَ ما يقول بعضُ الناس يحبس على الجماعة ويقول من هلك فلا حق له فأراها للآخر منهما، قيل له إنه قد كان في وصيته من ارتغب فلا حق له فقد هلك واحد وارتغب الآخر فخرج، وقد بلغ وصار رجلَا، فقال ما أرَاها إلا للباقي وأحرى به أن يرجع فلو وقفت هذه الغنم حتى يرجع هذا الذي ذهب، قيل له إن بعض العلماء قال: يُرْجَعَ على الوارث، فقال: والله ما أرى ذلك قد أوصى بها وحبسها فكيف ترجع على الوارث؟. قال محمد بن رشد: قوله ارتغب واغترب سواء مثل جذب وجبذ وقيل ليس هو من المقلوب، وإنما هو مأخوذ من الرغبة في الشيء، والرغبة عنه، فمعنى ارتغب رغب عن سكنى البلد ورَغِبَ في سكنى سواه، فخرج إليه، وقال ابن لبابة أرْتَغبُ أتركُ، فالمعنى المرادُ مفهوم معلوم وإن اختلفت الألفاظ، وحمل قوله من اغترب فلا حق له أي لا حق في حين مغيبه لا أنه يسقط حقه بمغيبه جملة كالموت، فلذلك قال: فلو وقفت هذه الغنم حتى يرجع، وقوله في رواية أشهب هذه عنه: إن حظ الميت من الغنم وإن كانت مَوْسُومَة

стр. 5634

يرجع على صاحبه خلافُ قوله في رواية ابن القاسم عنه في أول سماعه إن حظ الميت من خدمة الخادم إذا حبسها على قوم مفترقين وقسم الخدمة بينهم ترجع إلى المحبس لا إلى أصحابه، فعلى قوله في سماع ابن القاسم يكون حظ الميت من اليتيمين من الغنم الموسومَة للمحبِس ويوقف حظ الغائب وحده حتى يرجع، وهذا القول هو الذي أنكره لما قيل له: إن بعض العلماء قاله، فقال والله ما أرى ذلك، قد أوصى بها وحبسها فكيف ترجع إلى الوارث؟ وقد يحتمل أن يكون إنما أنكر قول من قال: إن من اغترب يسقط حقه ويرجع إلى الوارث الذي له المرجع ولا يعود إليه إن رجع من اغترابه، على ظاهر قوله: ومن اغترب فلا حق له، إذ لم يقل إلا أن يرجع فهو على حقه. فيتحصل في المسألة ثلاثةُ أقوال حسبما ذكرناه في سماع ابن اِلقاسم أحدها: أن حظ الميت من الغنم يرجع إلى المحبس ويوقف نصيب الغائب وحده كانت الغنم قد قسمها المحبس بينهما وَوَسم نصيبَه كل واحد منهما أو لم يقسمها، والثاني: أن حظ الميت منهما يرجع على صاحبه فيوقف جميعُ الغنم إذا غاب الثاني حتى يرجع فيأخذها، وهو قوله في هذه الرواية، والقول الثالث: الفرق بين أن يكون قد قسم الغنم بينهما أو لم يقسمها، فإن كان فد قسمها بينهما ووسم نصيب كل واحد منهما رجع نصيب الميت منهما إلى المحبس، ووقف للغائب نصيبه خاصة، وإن كان حبسها عليهما ولم يقسمها بينهما رجع نصيبُ الميت منهما إلى صاحبه ووقفت له جميع الغنم إذا غاب حتى يرجع، وهذا هو أظهر الأقوال والذي اختاره سحنون، وإذا وقفت الغنم كلها أو حظ الغائب منها كلى الاختلاف المذكور فالغلةُ في حين التوقيف للوارث الذي له المرجع، وقد قيل إن الغنم لا توقف وتدفع إلى الوارث يستغلها، فإن رجع الغائب رُدّتْ إليه الغنمُ يستغلها حتى يموت، فترجع إلى الوارث، وأما إن مات قبل أن يَرجع صحت للوارث مِلكا، وقد قيل إن الغلة توقف فإن رجع [أفادها] وإن مات كانت للوارث، وهذا القول قد أنكره في رسم الصبرة وبَيّن وجهَ فساده وبالله التوفيق.

стр. 5635

[: حبس على أمه وصيفة له حياتها فحازتها] ومن كتاب البيوع الأول وسُئِلَ عمن حبس على أمه وصيفة له حياتَها فَحَازَتْها، ثم توفي ابنها وعليه دين فأرادت الأم أن تَبْتَاعَ مرجعَ الجارية من الغرماء لتكون لها الجارية بَتْلا أيصلح ذلك؟ فقال: لا، ولا يصلح شيء من ذلك حتى تموت فيتحاص فيها الغرماء. قال محمد بن رشد: أجاز في رسم طلق من سماع ابن القاسم وفي غير ما موضع لمن أمْتَعَ شيئا حياتَه أن يشتري المرجعَ من الذي أمتعه المنافعَ حياتَه، وكذلك يجوز له أن يبتاعه من ورثته، ولم يجز في هذه الرواية أن يشتري الذي أخدِمَ الجاريةَ حياتَه مرجعَها من الغرماء، فقيل: إن ذلك اختلاف من القول، وقيل بل تفترق المسألتان، وقد مضى القولُ على هذا مستوفى في رسم شك من سماع ابن القاسم فلا معنى لإِعادته وبالله التوفيق. [مسألة: حبس دارا له على أقاربه اثنا عشرة سنة ثم مات بعد شهرين] مسألة وسُئِلَ عمن حبس دارا له على أقاربه اثنا عشرة سنة ثم مات بعد شهرين فَجَاءَ آتِ إلى الورثة فقال: بيعوني مرجع هذه الدار، فقال: لا يعجبني هذا لعل الدار ترجع متهدمة أو غير ذلك لا يدري كيف ترجع، واثنتا عشرة سنة كثيرٌ، أرأيت لو كان ذلك عشرين سنة أو ثلاثين سنة، ولكن لو كان شيء يسير، قيل له ألَيس للرجل أن يَتَكَارَى الدارَ اثنا عشرة سنة، فإن أصابها شيءٌ رجع فأخذ منه كراءَه؟ قال: بلى، قيل له كيف لا يشتريها بعد عشر سنين؟ قال له مالك: أليس يستأجر العبدَ سنة؟ فقال: بلى، فقال مالك: فيشتريه بعد سنة، لا يصلح هذا، قلت له أرأيت إن اشترى مرجعَ

стр. 5636

الدار بعد اثنتا عشرة سنة ولم ينقد حتى ترجع الدار، فقال: ما يعجبني هذا نَقَد أولم يَنْقُد، هذا بعيد. قال محمد بن رشد: إذا لم يجز أن يبتاع مرجع الدار بعد اثنتا عشرة سنة لأن البناء يتغير عنده إلى هذه المدة فلا يدري كيف ترجع الدار فلا فرق في هذا بين أن ينقد أو لا ينقد، وكذلك على هذا لا يجوز لمن باع داره أن يستثني سكناها اثنتا عشرة سنة، إذ لا فرق بين أن يستثني البائع السكنى أو يكون لغيره فيشترطه على المبتاع، ومثل هذا في رسم البيع والصرف من سماع أصبغ بعد هذا في العشرة الأعوام، وقد اختلف في ذلك فتقوم إجارته من مسألة كتاب العارية من المدونة في الذي يستعير الأرض من الرجل على أن يبنيها ويسكنها عشر سنين، ويكون البناء لصاحب الدار أن ذلك جائز إذا بَيّن البُنيَانَ على ما قاله بعض أهل النظر. والصوابُ أن مسألة العارية من المدونة صحيحة خارجة من الاختلاف؛ لأن كل ما بَنَى المستعير شيئا وجب لصاحب العرصة، فلا غرر في ذلك وإن طالت المدة، وَأجَازَ ذلك أيضا ابنُ القاسم في كتاب ابن المواز ومثلُه لابن شهاب في المدونة، وقد قيل: إن أبعدَ ما يجوز من ذلك السنةُ، وهو قول ابن القاسم في سماع يحيى من كتاب السلم والآجال، وروى ابنُ وهب عن مالك السنةَ ونصفا، وروى عن سحنون الثلاثةُ الأعوام، يقوم من قوله في سماع أبي زيد من كتاب طلاق السنة إجازةُ الخمسة الأعوام من مسألة الذي يشتري الدار ويشترط عليه فيها سكنى المرأة طول عدتها فَتُسْتَرَابُ أنه لا كلام للمشتري في ذلك إلى انقضاء الرِّيبَةِ وهي الخمسة الأعوام؛ لأن المشتري قد تقدم على ذلك، وأما الأرض فيجوز فيها استثناء العشرة الأعوام عند ابن القاسم على ما وقع له في سماع أصبغ بعد هذا، وقال المغيرة: يجوز في الدار العشرةُ الأعوام وفي الأرض السنين ذوات العدد، وهذا الاختلاف إنما يرجع إلى ما يغلب على الظن أن البناء يتعير فيه، فمرة رأى أنه لا يُؤمَنُ تغيُرُه

стр. 5637

في أكثر من عام، ومرة رأى أنه لا يُؤمَنُ تغيره في أكثر من عشرة أعوام ويؤمن في العشرة فما دونها، وينبغي أن يُنْظَرَ في هذا إلى جَوْدَةِ البناء ووثاقته، فرب بناء يتغير في أكثر من عام، ورب بناء لا يتغير في العشرة الأعوام وبالله التوفيق. [: حبس غلاما له على ابنه حتى يستغني] ومن كتاب الأقضية وسُئِلَ عن رجل حبس غلاما له على ابنه حتى يستغني ما حَدُّ الاستغناء؟ قال: يلي مالَه ونفسَه وتلا هذه الآية: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ [النساء: ٦] . قال محمد بن رشد: هذا بيّن إن كان حبَّسه عليه ليتصرف له فيما يحتاج إليه من حَوائجه فيكون معنى الاِستغناء أن يستغني بذاته عنه فيما يحتاج إليه من أموره، ولو كان عبدا للخدمة فحبسه عليه ليخدم له في صنعته الخدمة التي لا تُشْبِهُ أن يَلِيها هو بنفسه لكان وجه الاستغناء في ذلك أن يقدر على العِوَضِ منه بوجه من الوجوه، وبالله التوفيق. تَمَّ الأول من جُزْئي كتاب الحبس بحمد الله تعالى.

стр. 5638

[: كتاب الحبس الثاني] [مسألة: حبس داره على ولده وقال لفلان ريعها لأحدهم في حبس واحد وكلام واحد] كتاب الحبس الثاني من سماع عيسى من كتاب نقدها نقدها قال عيسى: وسئل ابن القاسم عن رجل حبّس داره على ولده، وقال لفلان ربعُها لأحدهم في حبس واحد وكلام واحد؛ إنه ليس له منها إلّا الربع الذي سمى له، ولو أنه حبس عليه حبسا ثم حبس بعد ذلك حبسا آخر على جميع ولده أنه يدخل معهم. قال محمد بن رشد: هذا بيّن على ما قال في المسألتين جميعا لأنه إذا حبس على ولده وقال ربعها فقد جعل الثلاثة الأرباع لسائِرِهِم قَلوا أو كثروا، وإذا حبس عليه حبسا ثم حبس بعد ذلك حبسا آخر على جميع ولده وجب أن يدخل معهم لأنه من ولده، وبالله التوفيق. [مسألة: حبس حبسا على قوم وهم متكافئون في الغنى والإقلال] مسألة وقال فيمن حبس حبسا على قوم وهم مُتَكَافِئُون في الغِنَى والإقلال، قال: أرى أن يجتهد في ذلك ليسكن فيها من رأى، أو يُكْرِيَها فيقسم كراءها عليهم، قيل له فإن سبق بعضهم إليها فسكن؟ قال: من سبق فهو أولى ولا يُخرج منها.

стр. 5639

قال محمد بن رشد: معناه في غير المعينين مثل أن يحبس على أولاده أو أولاد فلان، وأما إن كان الحبس على قوم بأعيانهم مسمين ليس على التعقيب فلا يستحق السكنى من سبق إليه منهم، كلهم فيه وفي غيره سواءٌ، حاضرهم وغائبهم، قاله ابن القاسم، قال محمد: وفقيرهم وغنيهم سواء، ولا اختلاف أعلمه في هذا وبالله التوفيق. [مسألة: كل ما كان يرجع حبسه فهو أقرب الناس به يوم يرجع من ولد أو عصبة] مسألة وقال ابن القاسم في الحبس، قال: كل ما كان يرجع ميراثا فهو على أقرب الناس في يوم يموت، وكل ما كان يرجع حبسه فهو أقرب الناس به يوم يرجع من وَلَدٍ أو عصبة، فإن كانوا بنات وعصبة فهو بينهم إن كان فيه سعة، فإن لم يكن فيها سعة فالبنات أولى بها من العصبة، وأقْعَدُ من العصبة، إلَا أنهن لا يَحُزْنَ وتدخل معهن الأم؛ لأن لها حقا ولا ترجع مَعَهُنَّ زوجة. قلت: فإن لم يكن له أم وكانت له جدة أتكون بمنزلة أُمٍّ، أَم لَا؟ قال: أرى ذلك، وقال: إذا اشترط مرجعها إليه فإنها ترجع ميراثا بين ورثته يوم يموت، وأما إذا لم يشترط فإنها ترجع حبسا على عصبته وأقرب الناس إليه يوم يرجع. قال محمد بن رشد: قوله في أول المسألة: كل ما كان يرجع ميراثا فهو على أقرب الناس به يوم يموت، ليس على ظاهره، والمراد به فهو على أحق الناس بميراثه يوم يموت على ما قال بعد ذلك، وإذا اشترط مرجعها إليه فإنها ترجع ميراثا بين ورثته يوم يموت، وهذا مَا لَا اختلاف فيه أن ما كان يرجح ميراثا فهو على أحق الناس بميراثه يوم مات، وأن ما كان يرجع حبسا فهو على أقرب الناس به يوم يرجع، وقد وقع في كتاب الهبات في المدونة في هذه

стр. 5640

الألفاظ غير بينة ترد بالتأويل إلى هذا الذي ذكرناه؛ إذ لا اختلاف فيه. وقوله: إن البنات أحق بمرجع الحبس من العصبة إذا لم يكن فيه سعة صحيح؛ لأنهن أقرب إلى المحبس من عصبته، وقوله إلا أنهن لا يحيزون معناه أنه لا ينفردن بالمرجع دون من هو من المحبس بمنزلتهن، وهي الأم على ما ذكره؛ لأنها أقرب النساء إليه من فوق، كما أنهن أقرب إليه من أسفل، فتدخل معهن فيه الأم لاستوائها معهن في القرب حسبما وصفناه، ويكون بينهن على عددهن إن كانت البنات ثلاثا كان للأم معهن من المرجع الربع. وقوله: فإن لم تكن له أم وكانت جدة أتكون بمثابة أمّ، أم لا؟ قال: لا أرى ذلك، معناه أنها لا تكون بمثابتها فتدخل مع البنات في المرَجع؛ لأنها أبعد من المحبس منهن، لا أنها لا تكون بمثابة الأم إذا لم يكن المحبس أقربَ إليه منها؛ لأن الأم إذا دخلت في مرجع الحبس على القول بأنها تدخل فيه فأمه أيضا تدخل فيه، وقد قيل معناه أنه لا دخول للجد في مرجع الحبس بخلاف الأم، والأول أظهر والله أعلم، وكذلك تدخل الأم مع بني المحبس الذكر كما تدخل مع البنات على هذه الرواية، وقد مضى في أول رسم من سماع ابن القاسم تحصيلُ الاختلاف فيما يرجع حبسا هل يدخل فيه النساء أم لا؟ ومن يدخل فيه منهن إِن دخل وباللَّه التوفيق. [: الحبس ليس بملك للمحبس عليه] ومن كتاب استأذن سيده في تدبير جاريته وسألته عن الرجل يُحَبِّسُ على أولادٍ له صغار وكبار دارا ووكَّل
следующие страницы →