← Фикх малики

Фикх малики · id 21751

البيان والتحصيل

ابن رشد الجد

Полный текст (9 112 стр.). Показаны 5566–5605 · переход к 5571.

стр. 5566

نافع ليس السارق بجائحة، وذهب مطرفٌ وابن الماجشون إلى أنه ليس شيء من ذلك كله جائحة؛ لأنه من صنع آدمي ولا اختلاف فيما كان من غير صنع آدمي كالسمُوم يحرق الثمرة والطير الغالب يأكلها والريح يسقطها إن ذلك كله جائحة، والأول أظَهر ألا فرق بين فعل الآدمي وغيره في ذلك لما على البائع في الثمرة من حق التوفية، وقد اختلف إِذا عَابت الجائحة الثمرة ولم تذهب بها ولا أفسدتها جملة كالغبار يعيبها والريح يسقطها قبل أن يتناهى طيبُها فينقصُها ذلك من قيمتها فقيل وهو المشهور إن ذلك جائحة ينْظَرُ إلى ما نقص العيبُ منها، فإن كان الثلث فأكثر وضع عن المبتاع، وقيل ليس ذلك بجائحة، وله حكم العيب يكون المبتاع فيه بالخيار بين أن يُمسك ولا شيء له، أو يرد ويرجع بجميع الثمن، وإلى هذا ذهب ابن شعبان وقاله ابن الماجشون في أحد أقواله، فإن ذهب على قولهما من الثمرة ثلثها بجائحة عابت البقية من الثمر ورجع بثلث الثمن لما ذهب من الثمر وكان بالخيار في الباقي بين أن يتمسك به أو يرد ويرجع بجميع الثمن وبالله التوفيق. [مسألة: ورق التوت يباع في شجره ثم يصيبها جائحة] مسألة وسئل عن ورق التوت يُباع في شَجَرِهِ ثم يصيبها جائحة أترى أن يوضع عنه الثلث فصاعدا لأنَّ الغرر في أصله؟ قال: بل يوضع عنه ما أصابه من الجائحة من قليل أو كثير، قيل له مثل البقل؟ قال: نعم. قال محمد بن رشد: في الواضحة لابن حبيب خلافُ هذا أن الجائحة في ذلك لا توضع في أقل من الثلث وأنها ليست كالبقول، وقول ابن القاسم أظهرُ بدليل ما ذكرناه من سماع سحنون من المعنى الذي من أجله وضعت في البقول الجائحة في القليل والكثير وبالله التوفيق. [مسألة: يتزوج المرأة بثمرة قد بدا صلاحها كلها فأجيحت] مسألة قال ابن الماجشون في الذي يتزوج المرأة بثمرة قد بدا صلاحها كلها فأجيحت: إِنَّ مصيبتها من الزوج وترجع عليه المرأة بقيمة الثمرة وإنَّما يُحمل النكاحُ بالثمرة إذا أصابتها الجائحةُ مَحْمِلَ البيع، وابنُ

стр. 5567

القاسم يقول لا جائحة فيها والمصيبة من المرأة ولا ترجع على الزوج بشيء. قال محمد بن رشد: قول ابن الماجشون هو القياس على أن الصداق ثمن للبضع، وقد قال مالك ﵀: أَشْبَهُ شيء بالبيوع النكاحُ فوجب الرجوع فيه بالجائحة، فقولُه إن الثمرة إذا أجيحت كلها رجعت المرأة على الزوج بقيمة الثمرة وهو المشهور في المذهب، ووجهُهُ أن الثمرة لما كانت عوضا عن البضع وهو مجهول رجعت بقيمتها كما يرجع الزوج على المرأة إذا استحق مِن يده ما خالعت به عن نفسها بقيمته للبضع الذي أخرجه عن يده عوضا عنه، والقياس في النكاح إذا أجيحت الثمرة كلها أن ترجع المرأة بصداق مثلها لأن العوض عن المرأة هو البضع، وقد فات بالعقد أو الدخول، فوجب أن يرجع بقيمته وهو صداق مثلها دخل أو لم يدخل على القول بأنها تفوت بالعقد، وهو قول مالك في رواية أشهب عنه في العتيبة، وعلى القول بأنها لا تفوت بالعقد إن أجيحت الثمرة قبل البناء انفسخ النكاح، وهذا القول قائم من مسألة وقعت في العشيرة ليحيى، ووجه فواته بالعقد ما يوجبه من الحرمة، فهو بخلاف البيوع، ووجه ما ذهب إليه ابن القاسم من أن المصيبة في النكاح إذا أجيحت الثمرة من المرأة ولا رجوع لها على الزوج في ذلك، هو أن النكاح طريقه المُكَاَرَمَةُ بخلاف البيوع التي طريقها المُكَايَسَةُ، وأيضا فإن الصداق على الحقيقة ليس بعوض عن البضع لأن المباضعة فيما بين الزوجين سواء تستمتع به، وإنما هو نحلة من الله فرضها للزوجات على أزواجهن فقال تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النساء: ٤] فأشبه الصداق على هذا الهبةَ، فوجب أَلا يرجع فيه بالجائحة، وبالله التوفيق.

стр. 5568

[مسألة: أعطى نخلة مساقاة على النصف] مسألة قال: وقال سحنون: ولو أن رجلا أعطى نخلة أو كرمة أو زيتونة مساقاة على النصف على أن يسقي ويقطف ويجني على أن يحرث ثلاث حرثات فيعمل العامل جميع العمل الذي اشترطه عليه إِلا الحرث فإنه حرث حرثتين ولم يحرث الثالثة فإنه ينظر إلى ما عمل فيقوَّم ذلك ثم يُنظر إلى ما ترك مما شرط عليه عمله فيقَوَّم ثم ينظر كم هو مما عمل؟ فإن كان الذي ترك ولم يعمله الثلث من جميع ما شرط عليه من العمل حط العاملُ ثلثَ النصف الذي كان له إن كانت مساقاته على النصف وإن كان إنما ساقاه على الثلث أو الربع فكذلك أيضِا يحط عنه ثلث الثلث أو ثلث الربع، وتفسير ذلك أنه ينظر إلى كل ما عمل العامل فيقومه ثم ينظر إلى قيمة ما ترك أن لو عمله فيقوم فيعرف ما اسم قيمة الذي ترك من قيمة الذي عمل فإن كان ثلثا حططت من سهمه ثلثه وإن كان ربعا فكذلك. قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله لأن الجزء الذي اشترطه العامل في المساقاة من الثمرة عِوَضٌ عن عمله، فإن نقص من العمل الواجب عليه شيئا وجب أن يحط من جزئه من الثمرة بمقداره وهذا بين والحمد لله. [مسألة: العمل عوض عن الأرض] مسألة قيل أرأيت لو اشترك رجلان فَأَخْرَجَا الزريعة وأخرج أحدهما الأرضَ والآخر العمل وكراء الأرض مثل قيمة العمل، وعلى أن يحرث الأرض ثلاث حرثات فحرث حرثتين ونصف واحدة؟ فقال: ينظر إلى قيمة ما عمل، فإن كان قيمة ذلك عشرين درهما ثم ينظر إلى قيمة السكة التي ترك فإن كان قيمتها عشرة دراهم نظر إلى قيمة ما ترك وهي العشرة

стр. 5569

كم ذلك من الثلثين الدراهم؟ فيوجد الثلث فيرجع رب الأرض على العامل بمثل ثلث كراء نصف هذه الأرض. قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله؛ لأن العمل عوض عن الأرض فإذا قصر في العمل وجب أن يرجع رب الأرض على العامل من كراء أرضه بقدر ما قصر في العمل. وبالله التوفيق وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما والحمد لله على ذلك.

стр. 5570

[: كتاب الحبس الأول] [مسألة: حبس خادما على قوم مفترقين] كتاب الحبس الأول من سماع ابن القاسم من مالك من كتاب الرطب باليابس قال سحنون: أخبرني ابن القاسم قال مالك من حبس خادِما على أهل بيت لمِ يدخل عليهم أحد من غيرهم وكانت لِلآخِرِ منهم، ومن حبس خادماَ على قوم مفترقين فمن مات منهم فنصيبُه للذي حبسه، قال ابن القاسم: قال مالك: إن قال لهذا يوم ولهذا يوم رجع نصيب الذي مات إلى الذي حبسه، وإن كان حبسه على قوم ولم يقل لهذا يوم ولهذا يوم فمن مات فنصيبه على من بقي من أصحابه في الحبس، وقال سحنون: هذا أصل جيد فعليه فقس وهي جيدة. قال محمد بن رشد: أهل البيت هم المنتسبون إلى رجل واحد من رجل أو امرأة انتسابا معروفا يجب به الميراث، فمن حبس حبسا على أهل بيت رجل وجبَ الحبُس للمنتسبين إلى من ينتسب إلى ذلك الرجل من رجل أو امرأة، وفي دُخول ذلك الرجل فيه اختلافٌ، قيل إنه يدخل فيه بالمعنى إذا كان على مثل حالهم من الفقر أو الغنى، وقيل إنه لا يدخل فيه لأنه إنما حبس على أهل بيته ولم يحبس عليه، والقولان يتخرجان على المعنى الذي ذكرته في رسم البز من سماع

стр. 5571

ابن القاسم من كتاب البضائع والوكالات. ولا يدخل في ذلك أزواجه إذا لم يُكُنَّ من أهل بيته وإن كن ساكنات معه في بيته، والأصل في ذلك ما روي «أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ لما نزلت هذه الآية ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ [الأحزاب: ٣٣] دَعَا عليا وفاطمة وحسنا وحسينا ﵃ فقال: اللَّهُمْ هَؤُلاَءِ أَهْلِي» وروي أيضا أنه أدخلهم تحت ثوبه ثم جَأَرَ إلى الله فقال: «يَا رِبِّ هَؤُلاَءِ أَهْلِي» وزاد هذا بيانا ما روي عن أم سلمة أنها قالت: «نزلت هذه الآية في بيتي ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ [الأحزاب: ٣٣] فقلت يا رسول الله: ألَسْتُ مِنْ أَهْلِ البَيْتِ؟ قال: أنتِ على خير إنك من أزواج النبي ﵇» ، وفي البيت عليّ وفاطمة والحسن والحسين، إلَّا أن يعلم أن المحبس أراد بتحبيسه على أهل بيت الرجل السكانَ معه في بيته من أزواجه وغيرهِن بِنَص منه على ذلك أو دليل يدل عليه من عرف بين أو بساط ظاهر. قال محمد بن رشد: وقولُه في الرواية إن من حبس على أهل بيت لم يدخل عليهم غيرهم صحيحٌ لا اختلاف فيه، إذ لا يدخل في الحبس سوى من حبس عليه، وأما قولُه: وكانت للآخِر ِمنهم، يريد مِلْكا، فوجه ذلك أن مَالِكَا كره في تحبيس الحيوان أن يكون على العقب بخلاف الرباع إلّا أنه إن وقع أمضاه على ما شرطوا إن أرادَ تغيره إلى ما هو أفضلُ للعبد وأقربُ إلى الله فعل، وقال ابن القاسم: كرهه لأنه ضيق على العبد إن كان المحبس عبدا، وقد قال مالك في رسم البز بعد هذا: من حبس خادما على أمه وأخته حُبُسا صدقه لا تباع، وهي على الباقية منهما، فماتت أخته أَلَهُ أن يُبَتِّلَهَا لأمه تبيعها إن شاءت؟ قال: ذلك له إن شاء بعد تفكره فيها وكأنه لم يَرَهَا من ناحية الدور، وفي كتاب ابن المواز وكأنه رَآهُ من البر، وهذا في الحيوان، ولا يجوز في الرباع، قال محمد: وهذا

стр. 5572

لأنه حق له إلى ما هو أفضل للعبد وله هو في بِرّ ِأمه وأفضل لأمه، فإذا كان أفضلَ للثلاثة فأجيز. في الحيوان، قال ابن القاسم ولو حول الحيوان إلى ما ليس بأفضل مما سبلها فيه لم يجز، قاله مالك، بخلاف الدور لأن الأمة تموت وتمرض، فلما رأى الحبس في الحيوان مكروها، واستحب للمحبس أن ينقضه ويَرُده إلى ما هو أفضل رأى أن يكون الخادم إذا حبسها على أهل البيت للآخر منهم ملكا إذْ لم ينص في تحبيسه أنها ترجع بمرجع الأحباس ولا تباع أبدا، إذ لو نص على ذلك لأمضاه على ما أتت به الرواية عنه إذا فات الأمر بموت المحبس، وأشهب يرى الحبس نافذا على ما شرط في الرقيق والدواب مثل الرباع يلزمه ذلك ويرجع كما ترجع الدور على الأقرب فالأقرب من عصبة المحبس فيسلك بها مسلك الحبس أبدا لا يباع. وقولُه في الرواية: ومن حبس خادما على قوم مفترقين فمن مات منهم فنصيبه للذي حبسه معناه معَيِّنينَ، ومفترقين من أهل أبيات شتى أو مجتمعين من أهل بيت واحد، وظاهره أن ذلك سواء قسم الخدمة بينهم فقال: لهذا يوم ولهذا يوم، أو سكت عن ذلك لأن الحكْمَ يوجِبه إن سكت عنه، خلاف ما حكى ابنُ القاسم عن مالك بعد ذلك واختاره سحنون واستحسنه وقال فيه إنه أصل جيد، والذي حكى عن مالك من تفرقته بين أن يقسم الخدمة بينهم أو يسكت عن ذلك، وهو نحو ما يأتي في رسم بع ولا نُقْصَانَ عليك من سماع عيسى من تفرقته بين أن يقول في تحبيسه على امرأته وعلى أم ولده بينكما أو عليكما، وذلك كله خلافُ ما في رسم الأقضية الثالث من سماع أشهب في الذي أوصى في غنم له بأنها حبس على يتيمين ليسا من ورثته لهذا منها قطيع عليه يسميه، ولهذا منها قطيع عليه وقال: من مات منهما فلا حق له: إن من مات منهما رجع حظه على صاحبه. فيتحصل في المسألة ثلاثة أقوال: أحدها: أن من مات منهما أو منهم إن كانوا جماعة رجع حظه على صاحبه أو على أصحابه جملة من غير تفصيل، والثاني: أن

стр. 5573

حظه يرجع إلى المحبس ولا يرجع على صاحبه ولا على أصحابه جملة من غير تفضيل، والثالث: الفرق بين أن يقسم الخدمة بينهما أو بينهم فيقول لهذا يوم ولهذا يوم أو يقسم الغنم بينهما أو بينهم لهذا منها قطيع بسهمه ولهذا منها قطيع بسهمه، أو يقول في تحبيسه: حبست هذا الشيء بينكما أو بينكم أو يسكت عن ذلك كله، فلا يقسم الخدمة بينهما في الخادم ولا الغنم بينهما ولا يقول في تحبيسه الشيء: هو بينكما أو بينكم ويقول: هو عليكما أو عليكم، فإن قسم الخدمة بينهما أو الغنم أو قال في التحبيس: بينكما ولم يقل عليكما رجع حظ الميت منهما إلى المحبس، وإن لم يقسم الخدمة بينهما ولا الغنم أو وقال في التحبيس: عليكما ولم يقل بينكما رجع حظ الميت منهما على صاحبه ولم يرجع إلى المحبس. فإذا انقرضا جميعا رجعت الخادم إلى المحبس مالا من ماله إن كان حيا أو إلى ورثته إن كان ميتا، وعلى قول مالك الثاني في المدونة ترجع الخادم بعد انفراضهما لأقرب الناس بالمحبس حبسا ولا ترجع إليه ملكا مطلقا على ما قاله ابن القاسم في رسم استأذن من سماع عيسى من أن الدور والعبيد ترجع بمرجع الأحباس على أقرب الناس بالمحبس حبسا يريد على أحد قولي مالك في المدونة. بخلاف الدنانير والدراهم إنها ترجع بانقراض المحبس عليه إلى المحبس ملكا؛ لأن الدنانير والدراهم يضمنها المحبس عليه ويكره تحبيسها، فلا ترجع بمرجع الأحباس، فالدور والعقار يجوز التحبيس فيها ولا يكره، فيلزم وينفذ على سنته ويرجع بمرجع الأحباس في الموضع الذي نصوا فيه على ذلك، وأما الحيوان فقيل إن التحبيس فيها جائز وهو مذهب أشهب وظاهر ما في المدونة، وقيل هو مكروه، وقيل يجوز في الخيل وحدها ويكره فيما عداها من الدواب والأنعام والعبيد والإماء خاصة لما يرجى لهم من العتق، ويجوز فيما سوى ذلك من الحيوان، وهذا القول هو المنصوص عليه لمالك، فعلى القول بجواز الحبس في ذلك ينفذ الحبس فيها على سنته ويرجع بمرجع

стр. 5574

الأحباس في الموضع الذي يرجع فيه العقار بمرجع الأحباس، وعلى القول بالكراهة لا يرجع بمرجع الأحباس ويكون لآخر العقب ملكا إن كان الحبس معقبا وهو قول مالك في هذه الرواية: من حبس خادما على أهل بيت لم يدخل عليهم أحد من غيرهم وكانت للآخر منهم، وإن لم يكن معقبا وكان على معينين لم ترجع بمرجع الأحباس، وإن قال فيه حبسا صدّقه لا تباع ولا توهب ويرجع إلى المحبس ملكا بعد انقراض المحبس عليهم، وهو قول مالك في رسم البز في الذي حبس جارية له على أخته وأمه صدقة لا تباع ولا توهب ولا تورث وأيهما ماتت قبل صاحبتها رجعت على الباقية: إن له أن يبتلها لأمه إذا ماتت أخته إذ لو لم ترجع إليه بعد انقراض أمه ملكا لما صح له أن يبتلها لها، وكذلك العروض والسلاح والزروع والثياب قيل تحبيسها جائز وقيل مكروه، فعلى القول بجواز تحبيسها ترجع بمرجع الأحباس في الموضع الذي يرجع فيه العقار بمرجع الأحباس، وعلى القول بكراهة تحبيسها لا ترجع بمرجع الأحباس وتكون لآخر العقب ملكا أو ترجع إلى المحبس إن لم يكن الحبس معقبا وكان على معينين، وهذا الاختلاف كله إنما هو في التحبيس المعقب أو على النفر بأعيانهم، وأما تحبيس ذلك كله لينتفع بعينه في السبيل أو ليجعل غله ماله غلة من ذلك بكراء وغيره موقوفة لإصلاح الطرق أو منافع المساجد أو لتفرق على المساكين أو ما أشبه ذلك، فلا اختلاف في جوازه ما عدا العبيد والإماء، فإن ذلك يكره فيهما لما فيه من التضييق عليهما من أجل ما يرجى لهما من العتق، فإن وقع وفات نفذ ومضى، وما لم يفت استحب لمحبسه أن يصرفه إلى ما هو أفضل منه. وأما الدنانير والدراهم وما لا يعرف بعينه إذا غيب عليه فالتحبيس مكروه، فإن وقع كان لآخر العقب ملكا إن كان معقبا، وإن لم يكن معقبا وكان لمعينين رجع إليه بعد انقراض المحبس عليهم، والفرق بين العقار وبين

стр. 5575

ما سواه عند من يكره تحبيسه أن ما عدى العقار لم يأت فيه عمل يرده على العقب، فوجب رجوعه إليه بانقراض المحبس عليهم أو كونه لآِخر العقب ملكا ومن أجازه قاسه على العقار، وبالله التوفيق. فهذا وجه القول في هذه المسألة، وقد رأيتُ لابن دحون فيها كلاما غير محصل، قال: أجاز مالك في الحيوان خاصة أن يبيع للآخر منهم إن بتله له إذا حبسه على أهل بيت أو على قوم مفترقين مجهولين، فإن كانوا معلومين رجع نصيب من مات منهم إلى الذي حبس ذلك، وقيل عنه يرجع إلى أصحابه، وذلك غير صحيح؛ إذ لا فرق بين الحيوان وغيره في أن الآخر منهم له أن يبيع ما حبس عليهم إذا بُتل له، وبالله التوفيق. [مسألة: حبس حبسا صدقة لا تباع ولا توهب ولا تورث على نفر ما عاشوا] مسألة قال ابن القاسم وسمعت مالك قال: من حبس حبسا صدقة لا تباع ولا توهب ولا تورث على نفر ما عاشوا، ثم هلك الذين حبس عليهم وانقرضوا قال: يَرْجِعُ إلى عَصَبَةِ المحبس ويدخل معهم النساء في السكنى إن كان سكنى أو في الغلة إن كانت غلة، قال ابن القاسم: يريد البنات والأخوات والأمهات والجدات والعمات ولا يدخل في ذلك الزوجات ويبدأ بالأقرب فالأقرب في ذلك. قال محمد بن رشد: قولُه من حبس حبسا صدقة لا تباع ولا توهب ولا تورث على نفر ما عاشوا ثم هلك الذين حبس عليهم وانقرضوا: إن ذلك يرجع بمرجع الأحباس إلى عصبة المحبِّس، يريد ولا ترجع إلى المحبس ملكا مطلقا، هو نص قول مالك في المدونة، وحكى ابنُ القاسم عنه فيها أن قوله لَمْ يختلف فيه، وليس ذلك بصحيح، قد روى ابنُ عبد الحكم عن مالك في كتابه أنه ترجع إليه ملكا مطلقا بعد موت المحبس عليه وإن قال حبسا صدقة إذا كان على معين، وهو قولُ ابن وهب في رسم الوصايا والأقضية من

стр. 5576

سماع أصبغ أنه ترجع إليه ملكا مطلقا إذا حبس على معين وإن قال في حبسه: لا تُباع ولا توهب لاحتمال قوله لا تُباع ولا توهب حياة المحبَّس عليه، كما يحتمل قوله أيضا: صدقة، صدقة الغلة عليه حياته. وأما قوله: ويدخل معهم النساء في السكنى إن كان سكنى أو في الغلة إذا كانت غلة، ففي ذلك اختلاف يتحصل فيه ثلاثة أقوال أحدها: أنه يدخل فيه من أهل بيت المحبس من النساء من يرث منهن وهن البنات وبنات الأبناء وإن سَفُلُوا، والأخوات الشقائق واللواتي لأب ومن لو كان رجلا منهن وَرِثَ وهن العمات وبناتُ الأخ وبناتُ ابن الأخ وبناتُ العَمّ وبناتُ ابن العم وبنات المولى المعتق، وهو الذي يأتي على قول ابن القاسم في هذه الرواية، والقول الثاني: أنه لا يدخل فيه من أهل بيت المحبس من النساء إلا من ترث منهن خاصة، وهن البنات وبنات الأبناء والأخوات الشقائق واللواتي لأب، وهو قول ابن القاسم في سماع سحنون، والقول الثالث: أنه لا يدخل فيه أحد من النساء وإنما مرجع الُحبُس إلى العصبة من الرجال وهو الذي في سماع أصبغ أراه لابن وهب، ولا يدخل الأبْعَدُ مع الأقرب من الرجال أو النساء إلَّا فيما فضل عنه أو عنها، وإذا كان الرجال والنساء في درجة واحدة فهم فيه شَرَعٌ سواء للذكر منهم مثل حظ الأنثى، واختلف أيضا هل تدخل فيه الأمهات والجدات، فقيل: إنهن يدخلن فيه لأنهن من قرابة المحبس، وهو قول ابن القاسم في هذه الرواية، وقيل: إنهن لا يدخلن فيه؛ لأنهن ليس من حرم نسب المحبس، وهو قول مالك في رواية أشهب عنه ومذهب عبد الملك بن الماجشون وقيل: تدخل الأم ولا تدخل الجدة، وهو قول ابن القاسم في رسم نقدها من سماع عيسى بعد هذا على ما تأوله بعضُ أهل النظر في الرواية حسبما نذكره إن شاء الله، وقيل تدخل الجدة للأب ولا تدخل الجدة للأم، وهو قول ابن القاسم في الواضحة، ولا اختلاف في أنه لا يدخل فيه من النساء الأخوات للأم ولا الخالات ولا بنات البنات ولا بنات الأخوات، ولا يدخل فيه أيضا الإخوة للأم ولا بنو البنات ولا بنو الأخوات، وسنذكر في سماع سحنون إن شاء الله

стр. 5577

الاختلاف فيمن يرجع إليه الحبس من قرابة المحبس هل يختص بذلك الفقراء منهم دون الأغنياء أو يدخل معهم فيه الأغنياء إذا لم يكن أصلُ الحبس على الفقراء وبالله التوفيق. [مسألة: حبس حبسا على آل فلان] مسألة قال ابن القاسم: وسمعت مالكا قال: من حبس حُبُسا على آل فلان فإنها حبس على آله ما بقىِ منهم أحد لأبنائهم وأبناء أبنائهم، وإن سمى قوما بأعيانهم فإنها ترجع بعدهم إلى أقرب الناس به حبسا على ما وضعه، قال ابن القاسم: آله وأهلُه سَوَاءٌ، هُمْ العصبة والأخوات والبنات والعمات ولا أرى ذلك للخالات. قال محمد بن رشد: قول ابن القاسم: آلهُ وأهلُه سَوَاءٌ، همْ العصبة والأخوات والبنات والعمات ولا أرى ذلك للخالات مفسر لِقول مالك، فَصَوَابُه في التأليف أن يكون متصلا به، وفصل العتبي بينهما بقوله: وإن سمى قوما بأعيانهم إلى آخر قوله تقصير في التأليف والآل والأهل سواء كما قال ابن القاسم إلَّا أن الآل إنما يستعمل في الرجل الكبير الذيِ له العشيرة بالأبناء الرجال والنساء من قبل أبيه الذين يُعرف نسبُهم منه وتقوم به الشهادات وتثبت به المواريث فيمن يرث منهم. وقولُه: ولا أرى ذلك للخالات، ظاهرهُ وإن لم يبق من قرابته من قِبَلِ أبيه أحدٌ فلا دخول في ذلك لقرابته من قبل أُمه، وهو قول أبي زيد بن أبي الغمر إن الرجل إذا أوصى لقرابته أو لأهله إِنه لا يدخل في ذلك أحد من قبل أُمه خال ولا خالة وإن لم يبق من قرابته أحدٌ سواهم. وأما إذا لم يكن له حين أوصى أو حين حبس قرابة من قبل أبيه فيكون الحبس أو الوصية لقرابته من قبل أمه على ما قاله مالك في رسم أسلم من

стр. 5578

سماع عيسى من كتاب الوصايا في الذي أوصى لقرابته إِن الوصية تكون لقرابته من قبل أبيه إلَّا ألا يكونَ له قرابة من قبل أبيه فيكون لقرابته من قبل أمه، والنساء والرجال فيه شَرَعُ سواء، واستحب أشهب في الرسم المذكور أن تدخل في ذلك قرابتُه من قبل الرجال والنساء لأبيه وأمه، وفي هذا خارج المذهب اختلافٌ كثير قد ذكره الطحاوي ورجح منه ما حكيناه على المذهب من أن الوصية والحبس يكونان لمن جمعه والمُوصي لأهله أو المحبِّس على أهله أب واحد في الجاهلية أو الإسلام ببينة تقوم على ذلك. وقوله في الرواية: وإن سمى قوما بأعيانهم فإنها ترجع بعدهم إلى أقرب الناس به حبسا على ما وضعه، هو مثل أحد قولي مالك في المدونة، والقولُ الثاني أنها ترجع إليه ملكا مطلقا أو إلى ورثته يوم مات إن كان مات قبل أن ينقرض المحبَّس عليهم بأعيانهم. وذهب محمد بن المواز إلى أنه إذا حبس على معين وقال حياته أو أجل أجلا خرجت المسألة من الاختلاف، واعترض ذلك أبو إسحاق التونسي وقال: لا فرق بين أن يقول حياتَه أو يسكت عن ذلك؛ لأن ذلك مفهوم من إرادته وإن سكت عنه، ألا تَرى أنه لو حبس على غير معينين وقال حياتهم لم يكن لذكر ذلك تأثيرٌ ولَوَجب أن يرجع الحبس بعد انقراض المحبس عليهم إلى أقرب الناس بالمحبس حبسا، وهذا الذي قاله هو مذهب أصبغ، وأما مذهب مطرف فعنده أنه إذا عقِّب الحبس وقال مع ذلك: ما عاشوا، أنها حبس عليه وعلى عقبه ما عاشوا، فإذا انقرض عقبه رجعت إلى صاحبها إن كان حيا يبيع ويصنع ما شاء، وإلى ورثته من بعده، وعندي أنه لا فرق بين الموضعين فإذا قال: ما عاشوا في المعينين أو في الحبس المعقب، رجعت إلى المحبس ملكا عند ابن المواز ومطرف، وإذا سكت عن ذلك رجع الحبس المعقب إلى أقرب الناس بالمحبس، وكذلك غير المعقب على أحد قولي مالك على مذهب أصبغ لا فرق بين أن يقول ما عاشوا أو يسكت عن ذلك في المسألتين جميعا يرجع

стр. 5579

الحبس المعقب إلى أقرب الناس بالمحبس، وغيرُ المعقب يجري على اختلاف قول مالك بين هذا، ويدل على صحته ما وقع في رسم يسلف بعد هذا من أنه إذا حبس على أجنبي حياته يرجع الحبس بموت المحبس عليه إلى أقرب الناس بالمحبس يوم يرجع. فيتحصل في الحبس على المعينين ثلاثة أقوال: قولان، وتفرقةٌ بين أن يقول حياتَهم وبين أن يسكت عن ذلك، وفي الحبس المعقب قولان إذا قال حياتهم، ولا اختلاف إذا لم يقل حياتهم أنه يرجع بمرجع الأحباس، وأما إذا ضرب أَجَلا فلا اختلاف عندي في أنها ترجع إليه أو إلى ورثته بعد الأجل ملكا مطلقا، وقد ذهب أبو إسحاق التونسي إلى أنه لا فرق بين أن يقول حياتَه أو يضرب أجلا، والفرق بينهما عندي بين، وبالله التوفيق. [مسألة: حبس شيئا في سبيل الله فأنفذ ذلك زمانا ثم أراد أن ينتفع به مع الناس] مسألة قال مالك: من حبس دارا في سبيل الله أو سلاحا أو دابة فأنفذ ذلك في تلك الوجوه زمانا ثم أراد أن ينتفع به مع الناس، قال: إن كان ذلك من حاجة فلا أرى بذلك بأسا. قال محمد بن رشد: قوله ثم أراد أن ينتفع به مع الناس معناه ينتفع به فيما سَبَّله فيه من السبيل، لا فيما سِوى ذلك من منافعه، فلهذا لم يَرَ بذلك بأسا إذا فعل ذلك من حاجة؛ لأن الاِختيار فيما جُعِلَ في السبيل ألا يعطي فيه إلاَّ لأهل الحاجة إليه، فإذا احتاج إليه في السبيل فاستعمله فيه لم يكن ذلك رجوعا منه فيما حبسه ولا عودا منه في صدقته، والله أعلم. [مسألة: حبس على أحد حبسا وقال هي لك حياتي ثم هي في سبيل الله أو صدقة] مسألة قال مالك: ومن حبس على أحد حبسا، وقال: هي لك حياتي ثم هي في سبيل الله أو صدقة فإذا مات فهي في ثلثه.

стр. 5580

قال محمد بن رشد: قد روى عن أشهب في هذا الأصل خلافُ هذا أنه يرى أن ذلك عنده من رأس المالِ؛ لأنه لَا يَرْجِع إليه ولا لورثته من بعده شيء منه أبدا، قاله ابن المواز، وقال ابن عبد الحكم عن أشهب وابن القاسم مثلَ قول مالك، وقال ابنُ لبابة إنما يكون من الثلث إن مات المحبَّس عليه قبل المحبس، وإما إن مات المحبس قبل موت المحبس عليه فهي من رأس المال لأنه قد بتلها في صحته فإنما ترجع إلى المتصدق عليه أو إلى السبيل من ملك المحبس عليه لا من ملكه، وجه قول مالك: إن ذلك يكون بعد موته من ثلثه صدقة على فلان أو في سبيل الله هو أن ذلك لم يبتل بَعْدُ للمتصدق عليه ولا في السبيل، وإن المحبس عليه إنما يستغله أو يسكنه طول حياة المحبس على ملكه، فإذا مات نفذ من ثلثه في الصدقة أو السبيل، فلو تَدَايَنَ على قياس هذا القول لَوجب أن يُباع في دينه، ووجه القول بأن ذلك يكون من رأس المال هو أن الحبس لما كان لا رجوع له إلى المحبس ولا إلى ورثته على حال من الأحوال كان كأنه قد أنْبَتّ منه وحصل ملكا للمتصدق عليه أو مبتولا للسبيل، والمحبَّسُ عليه إنما يستغله أو يسكنه على ملك من إليه المرجع. وعلى هذا الأصل اختلف قولُ مالك في الرجل يُخْدِمُ عبدَه رجلا سنين ومرجعه لآخر فيُقتَل العبدُ أو يجْرَحُ أو يموت وله مال، هل يكون عقله إن قتل وأرش جرحه إن جرح أو ماله إن مات لسيده الذي أخدمه أو للذي له المرجع، وقع اختلاف قولُ مالك في هذا في رسم العتق من سماع عيسى من كتاب الجنايات، واختلف قولُ ابن القاسم في ذلك أيضَاَ فأشار في رسم العتق من الكتاب المذكور أن ذلك لسيده الأول، وله مثلُ ذلك في رسم القضاء العاشر من سماع أصبغ من كتاب الخدمة، وخلافُه مثلُ قول مالك الآخر في رسم يشتري الدور والمزارع من سماع يحيى من كتاب الخدمة أيضا، وعلى هذا الأصل اختلف أيضا في الرجل يُخْدِمُ عبده رجلا سنة ثم هو له بعد السنة هل يباع قبل تمام السنة في دينه أم لا؟ فقال في رسم العتق من سماع عيسى من كتاب الخدمة: إنه لا يباع في دينه حتى تنقضي السنة وتجب له، وخالف في ذلك ابن حبيب فقال: إنه

стр. 5581

يباع في دينه ولا ينتظر به انقضاء الخدمة، وحكاه عن مطرف وقال: هذا ما لا شك فيه عندنا ولا اختلاف، فلكلا القولين في مسألتنا وجه من النظر، والأظهر منها ما قاله مالك من أنه يكون من الثلث ولو لم يجز الحبس عن المحبس حتى مات وهو بيده لكان من ثلثه في السبيل أو الصدقة قولا واحدا على ما قاله في رسم الوصايا من سماع أصبغ، وأما قول ابن لبابة في تفرقته بين أن يموت المحبس عليه قبل المحبس أو بعده فتفرقةٌ لا وَجْهَ لها في النظر؛ لأن المحبس عليه إن مات قبل المحبس لا يرجع الحبس إليه، وإنما يكون لورثة المحبس عليه إلى أن يموت المحبس، فلا فرق بين أن يموت قبله أو بعده في كونه من ليأس المال أو من الثلث وبالله التوفيق. [مسألة: أوصى بوصية لبعض ورثته دون بعض ثم جعلها من بعدهم لغيرهم] مسألة قال مالك: من أوصى بوصية لبعض ورثته دون بعض ثم جعلها من بعدهم لغيرهم فهي على سائر الورثة الزوجة والأم، ومن لم يوص له بشيء يدخلون معهم فيأخذون قدرَ ما يصيبهم من الميراث، فإذا هلك رجل من الورثة الذين أوصى لهم صار نصيبه لولده وخرج نصيب الأم والزوجة والأخت من ذلك وثبت في غيره في حظوظ أعيان الولد حتى ينقرض أخرهم، فإذا انقرض أعيان الولد الذين أوصى لهم سقط نصيب الزوجة والأم، فإن هلكت الزوجةُ والأم دخل من يرثهما مكانَهما في الميراث مع الولد، فإذا هلك الولد ورثه ولده وانقطع ميراث الأم والزوجة وميراث من ورثهم إن كانوا قد هلكوا. قال محمد بن رشد: المعنى في هذه المسألة أنه أوصى لبعض ورثته دون بعض بحُبُس تجري عليهم غلته بدليل قوله: ثم جعلها من بعدهم لغيرهم، إذ لو أوصى لبعض ورثته دون بعض بوصية قال: لم يصح أن يكون

стр. 5582

لغيرهم من بعدهم ولوجب إن لم يُجِزْ ذلك سائر الورثة أن يبطل ويرجع ميراثا بين جميعهم، ولم يكن في ذلك كلام ولا إشكال. وتنزيلُ المسألة على المعنى الذي أراده أن يكون الموصي قد ترك من الورثة أربعة بنين وابنة وزوجة وأُمَّا وأوصى أن يحبس على الذكران من أَوْلَادهِ ثم على أولادهم من بعدهم حُبُسا له غلة يكون موقوفا عليهم، فلم يجز ذلك سائر الورثة الذين لم يوص لهم، وهم الزوجة والأم والأخت أنهم يدخلون مع الموصي لهم في غلة الحبس فيقتسمونها بينهم على سبيل الميراث، وذلك الذي أراد بقوله: فهي على سائر الورثة الزوجة والأم ومن لم يوص له بشيء يدخلون معهم، فيأخذون قدر ما يصيبهم من الميراث. وقوله بعد ذلك: فإذا هلك رجل من الورثة الذين أوصى لهم صار نصيبُه لولده وخرج نصيب الأم والأخت والزوجة من ذلك، يريد صار نصيبه كاملا لولده دون أن تأخذ منه الأم والأخت والزوجة شيئا وهو الربع؛ لأن المحبس عليهم أربعةٌ فإذا توفي أحدهم صار الربع كاملا لولده لأنهم غير ورثة فلا تدخل عليهم فيه الزوجة ولا الأم ولا الأخت. وقولُه: وثبت في غيره من حظوظ أعيان الولد حتى ينقرضوا يريد أن الثلاثة الأرباع يدخل فيها مع الإِخوة الثلاثة الباقين لأنهم ورثة الأم والزوجة والأخت، فيكون ذلك بينهم على فرائض الله. وقوله: حتى ينقرض أخرهم يريد أن يُعمل في موت من مات منهم بعد الأول ما عمِل في موت الأول من أن يكون الربعُ الثاني لولده لأنهم غير ورثة فلا تدخل عليهم فيه الزوجة ولا الأم ولا الأخت، وكذا إذا مات الثالث وكذلك إذا مات الرابع وهو أخرهم يصير الربعُ لولده كاملا لأنهم غير ورثة ويسقط نصيبُ الزوجة والأم يريد والأخت جملة فلا يكون لهن شيء. وقوله: فإن هلكت الزوجة والأم يريد أو الأخت دخل من يرثهما مكانهما في الميراث مع الولد يريد معهم كلهم في جميع الغلة أو مع من بقي منهم في

стр. 5583

حظه منها وهو الربع لأنهم أربعة على التنزيل الذي لنا عليه المسألة، فإذا انقرضوا كلهم رجع الحبس إلى أولادهم لأنهم غير ورثة ولم يكن لمن لم يوص له من الورثة في ذلك حجة ولا كلام؛ لأن الحبس قد صار إلى غير ورثة، فهذا بيان هذه المسألة وفيها معنى ينبغي أن يوقف عليه وهو قوله فيها فإن هلك رجل من الورثة الذين أوصى لهم صار نصيبه لولده وهو قد حبس عليهم ثم على أولادهم من بعدهم إذ لا يقتضي قوله: ثم على أولادهم من بعدهم إلا يدخل ولو من مات منهم في الحبس حتى يموتوا كلهم؛ لأن قوله ثم على أولادهم من بعدهم يحتمل أن يريد به ثم على أعقابهم من بعد انقراض جميعهم، وأن يريد به ثم على أعقاب من انقرض منهم إلى أن ينقرض منهم إلى أن ينقرض جميعهم لاحتمال اللفظ للوجهين جميعا احتمالا واحدا، وكذلك كل ما كان على صيغته من الألفاظ عَطْفَ جمع على جمع بحرف ثَم يجوز أن يعبر به عن كل واحد من الوجهين، وذلك بين من قَوْله تَعَالَى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨] لأنه قد علم أنه أراد بقوله فأحياكم ثم يميتكم، أنه أمات كل واحد منهم بعد أن أحياه قبل أن يحيي بقيتهم وأنه أراد ثم يحييكم أنه لا يحيي منهم أحدا حتى يُميت جميعَهم، والصيغة في الفصلين واحدة فلولا أن كلّ واحدة منهما محتملةٌ للوجهين لما صح أن يريد بالواحدة غيرَ مراده بالأخرى، وهذا أَبْيَنُ من أن يخفى، فإذا كان قولُه: ثم على أولادهم محتملا للوجهين وجب أن يكون حظ من مات منهم لولده، ولا يرجع إلى إخوته؛ لأن ما هلك عنه الرجل فولده أحق به من إخوته، فترجِّح بذلك أحدُ الاحتمالين في اللفظ؛ لأن الأظهر من قصد المحبس وإرادته أن يكون ذلك بينهم على سبيل الميراث فقال: ثم على أعقابهم، ألَّا يدخل الولدُ مع والده في الحبس حتى يموت، ولو أراد ألا يدخل في الحبس حتى يموت والدُه وجميع أعمامه المحبس عليهم مع والده لقال: ثم

стр. 5584

على أولادهم من بعد انقراض جميعهم، فلا اختلاف أعلمه في هذه المسألة نصا، وقد وقع لابن الماجشون في الواضحة ما ظاهره خلافُ هذا، وهو محتمل للتأويل، وقد ذهب بعضُ فقهاء زماننا إلى أن الولد لا يدخل في الحبس بهذا اللفظ حتى يموت والده وجميع أعمامه، وقال: إن لفظة (ثم) تقتضي التعقيب في اللسان العربي دون خلاف، فلا ينبغي أن يختلف إذا قال: (ثم على أولادهم) في أنه لا يدخل أحدٌ من الأولاد في الحبس إلا بعد انقراض جميع الأب، وتعلق بظاهر قول ابن الماجشون في الواضحة، ولا تعلق له فيه لاحتماله التأويل فقوله خَطَأٌ صُرَاحٌ بما بيناه. وإنما يختلف في المذهب إذا حبس على جماعة معينين ثم صرف الحبس من بعدهم إلى من سِوَى أولادهم من وجه آخر يجعل مرجعَ الحبس إليه بعدهم على ثلاثة أقوال تقوم من المدونة فيمن حبس حائطه على قوم بأعيانهم فمات بعضهم وفي الحائط ثمرة لم تؤبر، أحدها: أن حظ الميت منهم يرجع إلى الوجه الذي جعل مرجع الحبس إليه بعدهم، وذلك على قياس قوله في مسألة المدونة إن حظ الميت منهم يرجع إلى المحبس، والقول الثاني: أن حظ الميت منهم يرجع إلى بقيتهم، وذلك على قياس قوله في المدونة: إن حظ الميت منهم يرجع على بقيتهم، والقول الثالث: أنه إن كان الحبس مما تقسم غلته كالثمرة والخراج رجع حظ الميت منهم إلى الوجه الذي جعل مرجع الحبس إليه بعدهم، وإن كان مما لا تقسم غلته عليهم كالعبد يَخْتَدِمُونَهُ والدار يسكنونها أو الحائط يَلُونَ عَمَله رجع نصيب الميت منهم إلى بقيتهم، وذلك على قياس مَا رواه الرواة عن مالك وأخذوا به حاشى ابن القاسم من التفرقة بين الوجهين، وقد حكى عبدُ الوهاب في المعونة أنَ الاختلافَ في هذه المسألة إنما هو فيما يقسم كالغلة والثمرة، وأنه لا اختلاف فيما لا يقسم كالعبد يُخْتَدَمُ والدار تسكن، وليس ذلك بصحيح على ما بيناه، وبالله التوفيق.

стр. 5585

[مسألة: الحبس على الموالي] مسألة قال مالك: من حبس حبسا على مَوَالِيهِ ولهم أولاد وله مَوَالِي لبعض أقاربه رجع إليه وَلَاؤُهُمْ، قال: لا يكون الحبس إلا لِمَوَالِيهِ الذين أعتق، وأولادهم يدخلون مع آبائهم في الحبس؛ لأنهم مواليه إلا أن يخصهم بتسمية، قال ابن القاسم: وسمعت مالكا قال بعد ذلك: أرى موالي الأب والابن يدخلون مع مواليه ويُبَدَّأُ بالأقرب فالأقرب من ذوي الحاجة إِلَّا أن يكون الأبَاعِدُ أحْوَجَ فيؤثرون، وهذا قول مالك، وهو أَحَبُّ ما فيه إِلَي. قال محمد بن رشد: كذا وقع في رواية ابن لبابة وله مَوالي لبعض أقاربه رجع إليه وَلاؤهم، وفي رواية أبي صالح يرجع إليه ولاؤهم، والصواب رجع إليه ولاؤهم؛ لأن من لم يرجع إليه ولاؤهم فليسوا بموالي له، فقوله بعد ذلك: (أرى موالي الأب والابن) يريد والأخ على ما قال في سماع ابن القاسم من كتاب الوصايا يدخلون مع مواليه معناه إذا كان ولاؤهم قد رجع إليه، وكذلك قال أصبغ في رسم سلعة سماها من سماع ابن القاسم من كتاب الوَصَايَا في الوصية: وهذا إذا كان ولاؤهم قد رجع إلى هذا الموصي فأما إذا لم يكن ولاؤهم قد رجع إليه فلا يدخلون في وصية، وفي المجموعة مثلُ قول مالك، الثاني قال غير ابن القاسم في الحبس على الموالِي: إنه يدخل فيه موالي ولد الولد والأجداد والأم والجدة يريد الجدة أم الأب وأم الجد لا أم الأم ولا أم أم الابن لأن النساء لا يرثن الوَلَاءَ، قال: والأخوة، ولا يدخل فيه موالي بني الأخوة والعمومة، قال: ولو أدخلت موالي هؤلاء أدخلت موالي القبيلة، وقد قيل إنه يدخل فيه من موالي قرابته كل من لو مات لَوَرِثَهُ وهو القايس على قول مالك الثاني وعلى ما قاله غير ابن القاسم في المجموعة من أنه يدخل فيه موالي الآباء والأبناء والإِخوة، ولا يلزم ما قال من أنه لو أدخل موالي بني الإخوة

стр. 5586

والعمومة لأدخل موالي القبيلة، كما لا يلزم إذا ورث بنو الأخ والعمومة أن يرث جميع القبيلة؛ لأن الميراث لا يكون إلَّا مع ثبوت النسب وكذلك الولاء. وظاهر قول ابن وهب في سماع أصبغ من كتاب الوصايا أنه لا يدخل في وصية الموصي لمواليه إلا موالي عتاقته، وكذلك الحبس على قوله لا يدخل فيه أولادُ مواليه ولا موالي مواليه ويدخلون فيه على مذهب مالك، قاله في هذه الرواية في أولاد مواليهم، وقاله في رسم الشريكين بعد هذا السماع في موالي مواليه، ومثلُه لعلي في المجموعة. فيتحصل في المسألة أربعةُ أقوال أحدها: أنه لا يدخل في ذلك إلا موالي عتاقته خاصة، والثاني: أنه يدخل في ذلك موالي عتاقته وأولادهم ومِواليهم، والثالث: أنه يدخل في ذلك موالي عتاقته وأولادهم ومواليهم وموالي أبيه وجده وولده وولد ولده وإخوته، والرابع: أنه يدخل فيه موالي عتاقته وأولادهم ومواليهم وموالي أبيه وابنه وجده وجميع عصبته، ولا يدخل فيه على مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك مع الموالي الأسفلين الذين أنعم عليهم الموالي الأعلون الذين أنعموا عليه، هذا منصوص في الوصايا من المدونة، وأشهب يرى أنهم يدخلون معهم ويُقسم الثلثُ أو الحبس بينهم بنصفين إن كان هؤلاء ثلاثة فأكثر، وهؤلاء ثلاثة فأكثر، وإن كان عدد هؤلاء ثلاثة وعدد هؤلاء عشرة فالثلث بينهم بنصفين كمال تدعيه طائفتان فيقسم بينهما بنصفين، وإن كان عدد الطائفة الواحدة أكثر عددا من الطائفة الأخرى فإن كان عدد أحدهما أقل من ثلاثة وعدد الآخر ثلاثة فأكثر فالثلث أو الحبس للذين عددهم ثلاثة فأكثر ولا شيء للذين عددهم أقل من ثلاثة لأنه إنما أوصى لجماعة فلا يكون للذين أقل من ثلاثة شيء، وإن كان عدد هؤلاء أقل من ثلاثة وعدد هؤلاء أقل من ثلاثة كان الثلث أو الحبس بينهما بنصفين؛ لأنه إنما أوصى لجماعة وهي لا تجتمع إلّاَ من الطائفين، فيقسم ذلك بينهم جميعا على عددهم، وهذا مذهب أشهب، ولو قال قائل: إنه يقسم بينهم جميعا على عددهم ما كانوا إن استووا في الحاجة

стр. 5587

لكان قولا له وجه؛ لأنه إذا احتمل أن يريد الذين من فوق والذين من أسفل احتمل أن يريدهم جميعا؛ لأن كل واحد منهم ينطلق عليه اسم مولى، فهذا أظهر من قول أشهب وأولى. ومن أهل العلم خارج المذهب من يرى أن يقرع بينهما، ومنهم من يرى أن الوصية باطل إذْ لا يُعلم من أراد الموصِي منهما فيتحصل في المسألة خمسة أقوال لا وجه لقول منها إِلَّا ما غلب على ظن قائله من أن المحبس أو الموصي قصده وأراده بعرف أو عادة أو ظاهر مقتضى التسمية، وهذا إذا لم يكن ثَمَّ دَليل على أنه أراد الأعلى دون الأسفل أو الأسفل دون الأعلى مثل أن يكون أهل أحدهما أغنياء وأهل الثاني فقراء فيعلم أنه إنما قصد بوصيته إلى الفقراء دون الأغنياء كانوا من فوق أو من أسفل ومن دخل معهم على قول كل قائل فيبدأ منهم الأقرب على الأبعد إِلَّا أن يكون الأبعد أحوج كما قال في الرواية، وقد قيل: إنه لا يفضل الأقرب على الأبعد وهو ظاهر ما يأتي في رسم الشريكين بعد هذا كما قيل؛ لأنه لا يفضل الولد على ولد الولد، وفي هذا تفصيل واختلاف سنخلصه فيما يأتي في آخر هذا الرسم إن شاء الله وبه التوفيق. [مسألة: ما حازه الكبار لأنفسهم يجوز] مسألة وقال مالك: من أسكن ولده وولد ولده دارا واستخلف عليها ولدا لولده كبيرا ليحوزَهَا لنفسه ومن سماها له معه، ثم إن الابن أسكن أباه الدار، قال: إن كان أسكنه بيتا في الدار فذلك جائز، وإن كان أسكنه الدار كلها فليس بجائز، وهي ترد في الميراث، قال ابن القاسم: وذلك رأيي، قال: وأخبرني مالك عن زيد بن ثابت وابن عمر مثل ذلك، قال ابن القاسم - قال مالك: حبس عمر وعلي وزيد وابن عمر.

стр. 5588

قال محمد بن رشد: قوله إن كان أسكنه بيتا في الدار فذلك جائز معناه إن كان البيت يقع في ثلث الدار فأقل، وأما قوله وإن كان أسكنه الدار كلها فليس بجائز وهي ترد في الميراث فذلك ما لا اختلاف فيه وإنما يختلف إن كان أسكنه جلها أو ما هو أكثر من الثلث منها؛ لأن حيازة الكبير للصغار ولنفسه كحيازته لنفسه لو كان هو المحبَّس عليه وحده، فالمنصوص عليه لابن القاسم وأصبغ في الواضحة أن ما حازه الكبار لأنفسهم يجوز وإن كان الذي سكن الأب من الدار هو الأكثر، وفي آخر كتاب الرهون من المدونة في بعض الروايات أن الكل يبطل إذا سكن الأب الأكثر من الدار سواء حاز الأب البقية للصغار أو حازه الكبار لأنفسهم، ومثلُه لابن القاسم في رسم إن خرجت بعد هذا من هذا الكتاب، وأما الدور إذا سكن الأب أكثرها وحاز الكبار لأنفسهم بقيتها فيجوز لهم ما حازوه على ما قاله ابن القاسم في رسم إِن خرجت من سماع عيسى، ولا أعرف في ذلك نص خلاف. وفرق أصبغ ما بين الدار والدور فقال: في الدور إن كل دار منها صغرت أو كبرت تصير كأنها محبسة على حدة، فإن سكن الأب جلها أو أكثر من الثلث منها بطل الحبس فيها كلها إن كان الأب هو الحائز لبقيتها، وإن كان الكبار هم الحائزون لبقيتها جاز لهم ما حازوه منها، وأما ما سواها من الدور فيجوز الحبس فيما حازه الأب للصغار أو حازه الكبار لأنفسهم، ومذهب ابن القاسم في الدور أن الأب إذا سكن الجل منها بطل الباقي إن كان الأب هو الحائز له، وجاز للكبار إن حازوه لأنفسهم، والحبسُ والهبة والصدقةُ في ذلك كله سواءٌ على مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك، وَفَرَّقَ مطرف وابن الماجشون بين الهبة والصدقة وبين الحبس فقال في الحبس: إذا كان هو الحائز له كقول ابن القاسم في أن سكناه اليسير منه لا يُبطل الحبسَ لماله من العذر في سكناه ليكون بإزائه لعمارته وإصلاحه وتسكينه، وقال في الهبة والصدقة وفي الحبس إذا لم يكن هو الحائز له إما بأن يكون الحبس على من يَحُوز لنفسه وإما بأن يكون على من يحوز له فأسند حيازته إلى غيره إِن ما سكن يبطل وما لم يسكن

стр. 5589

يجوز من غير تفصيل بين دار أو دور أو سكنى يسير أو كثير، فهذا تحصيل القول في هذه المسألة وبالله التوفيق. [مسألة: قوم حبست عليهم دار فخربت فأرادوا بيعها وابتياع دونها] مسألة قال ابن القاسم وسمعت مالكا قال في قوم حبست عليهم دارٌ فخربت فأرادُوا بيعها وابتياع دُونهَا: إِن ذلك لا يجوز لهم، وأما الفرس يكلب أو يخبث فإنه يباع ويشتري بثمنه فرس يحبس مكانه. قال محمد بن رشد: هذا هو مذهب ما في المدونة أن الرِّبْعَ الحُبُسَ لا يباع بأن خشي عليه الخراب، ومثله في رسم الأقضية، الثاني من سماع أشهب من كتاب جَامِع البيوع بخلاف ما بلى من الثياب وضعف من الدواب، والفرق بين ذلك أن الربع وإن خرب فلا تذهب البقعة ويمكن أن يعاد إلى حاله، وابن الماجشون يرى ألّا يُبَاعَ شيء من ذلك كله وهو قول غير ابن القاسم في المدونة، وروى عن ربيعة أن الإِمام يبيع الرِّبْعَ إذا رأى ذلك لِخَرَابِه كالدواب والثياب، وهو قول مالك في إحدى روايتي أبي الفرج عنه، قال: لا يباع الربع المحبس، وقال في موضع آخر: إِلَّا أن يخرب والله الموفق. [مسألة: حبس حبسا على ذكور ولده وأخرج الإناث منه إذا تزوجن] مسألة قال مالك: من حبس حبسا على ذكور ولده وأخرج الإِناث منه إذا تزوجن فإني لا أرى ذلك جائزا وإنه من أمر الجاهلية، وليس على هذا توضع الصدقات لله وما يُرَادُ به وجهه إِلَّا ما تصدق به رجل وجعله بعد انقراض ولده في سبيل من سبيل الخير. قال ابنُ القاسم: فقلت لمالك: أفترى لمن حبس حبسا وأخرج بناته منه إذا تزوجن أن يبطل ذلك ويسجل الحبس؟ قال: نعم وذلك وجه الشأن فيه، قال ابن القاسم: ولكن إذا فات ذلك فهو على ما

стр. 5590

حبس قال ابن القاسم: إن كان المحبس حيا ولم يُحَزْ الحبس فأرى أن يفسخه ويدخل فيه الإِناث، وإن كان قد حيز أو مات فهو فوت، وهو على ما جعله عليه. قال محمد بن رشد: ظاهر قول مالك هذا أَن الحبس لا يجوز ويبطل على كل حال خلافُ مذهب ابن القاسم في أنه يمضي إذا فات ولا ينقض، وفوت الحبس عنده أن يحاز عن المحبس على ما قاله في هذه الرواية، فرأى للمحبس ما لم يُحَز الحبس عنه أن يُبْطِلَ الحبسَ ويُدْخل الإناث فيه ظاهر قوله وإن كره ذلك المحبس عليهم مُرَاعاة لقول من يقول إن الصدقات والهبات والأحباس لا تلزم ولا يجب الحكم بها حتى تقبض، وقد رُوي عن مالك أن ذلك مكروه من العمل، فعلى قوله هذا لا يفسخ الحبس إلّا أن يرضي المحبس عليهم بفسخه وهم كبار، وذهب محمد بن المواز إلى أنَ ذلك ليس باختلاف من قول مالك: فقال: إنما يفعل ما قال مالك من فسخ الحبس وأن يجعله مسجلا إنما ذلك ما لم يَأبَ عليه من حُبس عليهم، فإن أبَوْا لم يجز له فسخه ويقر على ما حبس وإن كان حيا إلا أن يرضوا له برده وهم كبار، قال مالك: إن لم يخاصم فليرد الحبس حتى يجعله على صواب، ظاهرهُ وإن كان لم يحَزْ عنه، وهو على قياس القول بأن ذلك عنده مكروه من الفعل، وقال ابن القاسم: وإن خوصم فليقره على حاله، ومعنى ذلك على مذهب والله أعلم إذا كان قد حيز عنه وهو الذي ذهبت إليه من التأويل في هذه المسألة على ابن القاسم من أنه فرق في فسخ الحبس بين أن يحاز عنه أو لا يحاز هو ظاهر قوله في هذه الرواية إن كان المحبِّس حيا ولم يحز الحبس فأرى أن يفسخه ويدخل فيه الإِناث، وإن كان قد حيز أو مات يريد أو مات بعد أن حيز فهو فوت، وهو على ما جعله عليه، وقد تأول على ما حكاه محمد بن المواز عن مالك وابن القاسم أنه ليس له أن يفسخ الحبس وإن كان لم يحز عنه إلا بأذن المحبس عليهم ورضاهم، وقد تأول أيضَاَ أنَ له أن يفسخه وإن كان قد حيز عنه وإن أبى المحبَّس عليهم مراعاة لقول من لا يرى إعمال الحبس جملة، وهو ظاهر قول

стр. 5591

ابن القاسم في رسم شك بعد هذا من هذا السماع، وفي رسم نذر، وتأول على ظاهر قول مالك في هذه الرواية أنَ الحبس يفسخ على كل حال وإن مات المحبس بعد أن حيز عنه الحبس. فيتحصل على هذا في المسألة أربعة أقوال أحدها هذا، والثاني أن المحبس يفسخه ويدخل فيه الِإناث وإن حيز عنه، والثالث أنه يفسخه ويدخل فيه الإِناث ما لم يحز عنه فإن حيز عنه لم يفعل ذلك إلا برضى المحبس عليهم، والرابع أنه لا يفسخه ويدخل فيه الإِناث وإن لم يحز عنه إلا برضى المحبس عليهم. وإخراج الإِناث من الحبس عند مالك أَشَرُّ في الكراهية من هبة الرجل لبعض ولده دون بعض على ما سيأتي القول فيه في رسم الشجرةِ ورسم نذر سنة من كتاب الصدقات وفي رسم الأقضية الثاني من سماع أشهب منه إذ لم يختلف قوله في أن هبة الرجل الشيء من ماله لبعض ولده دون بعض جائز نافد وإن كان ذلك مكروها لقول الله : ﴿وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا﴾ [الأنعام: ١٣٩] وهو الذي أراد بقوله في الرواية وإنه من أمر الجاهلية وبالله التوفيق. [مسألة: أعمر عمري دارا أو خادما له ولعقبه ما عاشوا] مسألة قال مالك: لو أن رجلا أعمر عمري دارا أو خادما له ولعقبه ما عاشوا ولم يقل مرجعه إِلَيَ ولم يجعل لمرجعها وجها ترجع إليه رجعت إليه كما لو اشترط. قال محمد بن رشد: هذا هو مذهب مالك وجميع أصحابه أن العمري ترجع إِلى الذي أعمرها بعد موت المُعْمَرِ إن لم تكن معقبة وبعد

стр. 5592

انقراض العقب إِن كانت معقبة، ولم يأخذ مالك في العُمْرى بحديثه الذي رواه في موطئه عن ابن شهاب عن أبي سلمة عن جابر أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ قال: «أَيُّما رَجلٍ أَعْمَرَ عُمْرَىَ لَهُ وَلِعقِبِهِ فَإنَّهَا للذِي يُعْطَاهَا لاَ تَرْجِعُ إلَى الذِي أَعْطَاهَا» لَأنَّه أَعْطَى عَطَاء وَقَعْتْ فِيهِ المَوَارِيث، وذهب في ذلك إلى ما رواه عن ابن القاسم بن محمد أنه قال: ما أدركت الناس إِلَّا وهم على شروطهم في أموالهم وفيما أعطوا، فقال معنى الحديث أن العمرى لا ترجع إلى الذي أعطاها حتى ينقرض العقب، بدليل قوله في الحديث فإنها للذي يُعطاها والذي أعْطِيِّهَا هو المُعْمَر وعقيبه فَوَجب أن تكون لهم بنص الحديث وترجع بعد انقراضهم إلى المُعْمَر بالتأويل الصحيح، إذ لا يصح أن يكون ملكا لجميع العقب فمن قال إن العمرى المعقبة تكون ملكا للمُعْمَرِ فقد خالف الحديث، ومالك أَسْعَدُ به. ومن أهل العلم من قال إن العمرى تكون ملكا للمُعْمَرِ وإن لم تكن معقبة، وهو مذهب الشافعي وأبي حنيفة وجماعة من أهل العلم سواهم على ما روي عن النبي ﵇ من قوله: «مَن أُعْمِرَ شَيئا فَهُوَ لَه حَياتَهُ وَمَمَاتَهُ» ومن قوله أيضا: «العُمْرَى لِمَنْ وُهِبَتْ لَهُ» ، ومن قوله أيضا: «مَنْ أُعْمِرَ عمْرَى فَهِي لَهُ وَلِعَقِبهِ يَرِثُهَا مَنْ يَرِثهَا مِنْ عَقِبِهِ» ، ولم يصح عند مالك شيء من هذه الآثار وإنما صح عنده حديث جابر الذي ذكرناه فأخذ به على ما تأوله عليه من معناه. ففي العمرى لأهل العلم ثلاثة أقوال أحدها: أنها تكون ملكا للمعمر قال فيها: هي لك عمرى أو هي لك ولعقبك عمري، والثاني: أنها تكون ملكا للمعمر في واحد من الوجهين وترجع إلى المُعْمِر ملكا بعد موت المعمَر أو بعد موته

стр. 5593

وانقراض عقبه إن كانت معقبة وهو مذهب مالك، والثالث: أنها تكون للمُعْمَر ملكا! إن كانت معقبة وترجع إلى المُعْمِر ملكا بعد موت المعْمَر إن لم تكن معقبة وبالله التوفيق. [مسألة: أخدمه أو أعمره أمة ثم عدا عليها فأحبلها صاحب الرقبة] مسألة وسمعت مالكا قال: من أعمر خادما أو عبدا حياته ولا مال له ثم أَفَادَ مالا أو وُلدَ له ولدٌ قال مالك: ما ولد للأمة أو كان للعبد من أمة يملكا فهو على مثابتهما يخدمان المُعْمَرَ حياتَه، وما كان من مال فهو مَوْقُوفٌ على أيديهما يأكلان فيه ويكتسيان بالمعروف، وليس للمعمر ولا للمعمر أن ينتزعاه منهما ما عاشا، فإذا ماتا ورثهما سيدهما الذي يملك رقابهما، وإن قتل العبد عمدا أو خطا فإن عقله لسيده مثلُ الميراث، قال ابن القاسم وإن قَتَلَهُ سيده خَطَأ فلا شيء عليه، وإنَ قتله عمدا كان عقله عليه في السنين التي أعمر، فإن فضل فضل كان له. قال عيسى بن دينار: تفسيره أن يغرم سيدُه القاتلُ القيمة فتوقّف للمُعْمَر فَيُسْتَأْجَر له منها من يخدمه مكانه، فإن مَات قبل أن يستنفذ الثمن رجع ما بقي من قيمته إلى سيده، قال ابن القاسم: ويكون عليه أن يستأجر له من يخدمه في تلك السنين بقيمته، فإن مات رجع فضل ذلك إلى سيده، قال سحنون وقد كان عبد الرحمن يقول: يُشْتَرَى بتلك القيمة عبدٌ آخر مكانه، وكذلك لو أخدمه أو أعمره أَمَة ثم عدا عليها فأحبلها صاحبُ الرقبة أن عليه أن يشتري أخرى مكانها، قال مكانها قال مالك: ما كان من ولد للعبد المُعْمَرِ من جاريتِه فهو بمنزلته.

стр. 5594

قال محمد بن رشد: تكررت هذه المسألة على نصها في سماع ابن القاسم من كتاب الخدمة وقوله فيها إن ما ولد للأمة المُخدَمة أو العبد المخدم فهو بمنزلتهما صحيحُ لَا اعْتِرَاضَ فيه لقول النبي ﵇: «كُل ذَاتِ رَحِم فَوَلَدُهَا بِمَنْزِلَتِهَا» . وأما قوله فيما وهب لهما من مَال إنه يكون موقوفا على أيْدِيهِمَا يأكلان فيه ويكتسيان بالمعروف وإنه ليس لواحد منهما أن يَنْتزعه ففيه نظر لأن نفقة الأمة المخدمة وكسوتها على المُخْدَم على المشهور في المذهب، فالقياس أن يكون ما وهب لهما من مال لسيدهما الذي أخدمهما والذي يَملك رقابهما ينتزع ذلك إن شاء، ولا يكون لهما أن يأكلا منه ولا يكتسيا فيه، وقد قيل إن النفقة على سيده الذي أخدمه، فعلى قياس هذا يصح جوابه في هذَه الرواية وكذلك قولُه في المُعْمِر إذا قتل العبد الذي أعمره عمدا أو خطأ أو كانت أمة فأولدها: إنه يغرم القيمة فيستأجر منها للمُعْمَر من يخدمه مكانه فيه نظر؛ لأن القيمة إن نفذت والمخدَم حي يسقط حقه ولم يكن له شيء على قوله ومن حجته أن يقول لو لم تقتل لكان لي خدمتها إلى أن أموت، وهي في أم الولد أظهر؛ لأنه يقول كيف يبطل حقي الذي لي في خدْمتها إلى أن أموت وهى باقية لم تمت، فكان القياس أن يكون على قاتلها عمدا قيمة خدمتها على الرجَا والخَوْف، وقد وقع في المدنِيَة من رواية محمد بن يحيى السبائي عن مالك ما يشهد لما قلناه، وذلك أنه سئل عن امرأة أخدمت خادما لها امرأتين عمرهما ثم إنهما اشترت من إحداهما ما جعلت لها من الخدمة حياتها، ثم أعتقت الخادم كيف يصنع في ذلك؟ أتبطل الخدمة عن المعمرة الثانية التي لم تبع أم تقوم على المعتِقَة كيف الأمر في ذلك؟ قال: بل تقوم عليها قدرُ تلك الخدمة التي أخدمتها حياتها يريد على الرجا والخوف؛ لأنها لا تقدر على الرجوع في التي أخدمتها، فيقوم ذلك عليها ويتم العتق عليها، وذلك أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ قال: «مَنْ أَعْتَقَ شِرْكَا لَهُ فِي عَبْدٍ قُوِّمَ عَلَيْهِ حَظُّ مَنْ بَقِيَ مِنْ شرَكَائِهِ وَعَتَقَ

стр. 5595

عَلَيْهِ العَبْدُ كُلُّهُ» فلا أرى هذا إلّا شِرْكا وإن لم يكن شريكه في الرقبة فإني أراها شركة بالخدمة، وهذا مثل ما قلناه من أن القياس أن يكون على المُعْمِرِ إذا قتل الأمة التي أعمرها عمدا أو أولدها قيمةُ خدمتها على الرّجاء والخوف إذ لا فرق بين تفويت الخدمة عليها بالعتق وبالإِيلاد أو بالقتل عمدا، ومن الدليل على ذلك رواية عيسى عن ابن القاسم في المدنية في مسألة السبائي عن مالك أن على المعتقة أن تُخرج نصف قيمة الخادم وليس قيمة الخدمة فتواجر التي لم تبع خدمتها منها حَيَاتَها وتعتق الخادم، فإن ماتت المخدمة قبل أن يستتمها رجع الفضل إلى المُعْتِقَةِ، فإن استتمتها قبل الموت فلا شيء لها عليها، وإن ماتت الخادم أيضا قبل الخدمة رجعت بقيمة الخدمة إلى المُعْتِقَة، قال: وكذلك وجدت في مسائل عبد الرحيم عن مالك، فَجَرَى ابنُ القاسم في العتق على أصله في القتل وَالإِيَلادِ، وكذلك قولُه في الرواية: إذا قتل الأجنبي العبد المخدم إن القيمة تكون لسيده مثل الميراث، ويبطل حق المُخْدَم ليس بوجه القياس والنظر، والذي يوجبه القياس على أُصولهم أن يتحاصا جميعا في القيمة يضرب فيها سيد العبد بقيمة المرجع على غرره، والمُخْدَم بقيمة الخدمة على غررها أيضا وبالله التوفيق. [مسألة: الذين سمى لهم كيلا معلوما أولى من الآخرين] مسألة قال مالك: من حبس حبسا على ولده وغيرهم حائطا أو ما أشبه ذلك مما يثمر وُيسَمِّي لبعضهم ما يُعْطَى في كل كيلا معلوما ولا يسمى للآخرين شيئا، قال: الذين سمى لهم كيلا معلوما أولى من الآخرين بما خرج من الثمر إلا أن يعمل فيه عاملٌ فيكون أولى بحقه

стр. 5596

في ذلك، ويأخذه قال ابن القاسم: وكذلك الغلة في الدور. قال محمد بن رشد: هذه مسألة صحيحة بينة لا إشكال فيها وقد قال ابن دحون: إنها مُعارضة لقوله في الوصايا: إن من أوصِيَ له بكيل معلوم هو مثل من أوصِيَ له بنصيب من الثمرة لا يدري كم يخرج في كيله يتحاصون ولا يقدم أحدهما على الآخر، ولا تعارض بينهما بوجه؛ لأنه لما حبس الحائط عليهما وسمى لأحدهما مكيلة من الثمرة وسكت عن الثاني فلم يجعل له إلّا ما بقي، ولو سمى لأحدهما مكيلة من الثمرة وللثاني، جزءا منها لوجب أن يتحاصا في ثمرتها كما قال في مسألة الوصية سواء وبالله التوفيق. [مسألة: يحبس غلامه على رجل يخدمه فيموت العبد قبل أن تنقضي خدمته وله مال] مسألة قال مالك في الرجل يحبس غلامه على رجل يخدمه فيموت العبد قبل أن تنقضي خدمته وله مال: إنّ مالَه لسيده، وليس للمحبس عليه شيء؛ لأنه إنما حبس عليه الخدمة. قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله لا إشكال فيه والحمد لله. [مسألة: أخدم عبدا له رجلا عشر سنين ثم هو حر فوهب له الذي أخدمه خدمته] مسألة وسمعت مالكا قال: من أخدم عبدا له رجلا عشر سنين ثم هو حُرٌّ فوهب له الذي أخْدِمَهُ خِدْمَتَهُ كان حرا، ولو باعه الخدمة أيضا كان حرا. قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله لا إشكال فيه؛ لأنه إنما كان بقي عليه من الرق ما عليه من الخدمة، فإذا أسقِطَتْ عنه باشتراء أو وهبة بُتِلَتْ حريتُه وبالله التوفيق.

стр. 5597

[مسألة: حبس عليه وعلى عقبه ولعقبه ولد] مسألة قال ابن القاسم: وسمعت مالكا قال: من حُبِّسَ عليه وعلى عقبه، ولعقبه ولد فهم مع آبائهم في الحبس بالسواء، إلّا أنه يفضل ذو العيال بقدر عياله، لا يكون الآباء أولى من الأبناء والذكر والأنثى فيهم سواء. قال محمد بن رشد: قوله في ولد عقب الرجل إنهم مع آبائهم في الحبس إذا كان الحبسُ عليه وعلى عقبه صحيح لا اختلاف فيه؛ لأن عقب الرجل ولده وولد ولده ما سفلوا وإن بَعُدوا، وقوله: إنه يفضل ذو العيال بقدر عياله هو المشهور في المذهب أن المحبس المُعَقّب يُقسم قدْرَ الحاجة وكثرة العيال من قلتهم، وحكى محمد بن المواز عن ابن الماجشون أنه لا يفضل ذو الحاجة على الغنى في الحبس إلّا بشرط من المحبس، وهو ظاهر ما في رسم القطعان من سماع عيسى في الذي يحبس في مرضه على ولده وولد ولده لأنه قال فيه: إن الحبس يقسم بين أعيان الولد وولد الولد ذكورهم وإناثهم شَرَعا سواء على عددهم للذكر مثل حظ الأنثى، مثله في رسم الصلاة من سماع يحيى إلّا أن يقال معنى ذلك إذا استوت حالتُهُم، فقد قال ذلك سحنون وابن المواز، والظاهر خلافُ ذلك، وعلى هذا يأتي ما حكى محمد بن المواز عن ابن القاسم أن من مات منهم بعد الطياب في الثمرة فحقه لورثته، ومن ولد منهم بعد طيابها فلا حق له فيها، ومن ولد منهم قبل طيابها بعد الإِبار أو قبْله فحقه ثابت فيها، إلّا أنّ الذي يأتي على قياس المشهور أنها تقسم على قدر الحاجة أن يسقط حق من مات منهم قبل القسمة وإن كان ذلك بعد طيب الثمرة، وأن يدخل فيها من ولد منهم قبل القسمة وإن كان ذلك بعد طيب الثمرة، وهو نص قول ابن كنانة وابن نافع في المدنية، وفرق ابنُ نافع فيها بين السكنى والغلة، فقال في السكنى: إن الغني والفقير فيه سواء، بخلاف الغلة، وساوى ابن القاسم بين السكنى والغلة بأنه يؤثر بذلك الفقير على الغني، هذا قوله في

стр. 5598

المدنية وهو على المشهور في المذهب في أن الحبس المعقب يؤثر فيه المحتاج على الغني. وقولُهُ في الرواية فهم مع آبائهم في الحبس سواء، ولا يكون الآباء أولى من الأبناء هو نص ما في رسم القطعان من سماع عيسى وما في رسم الصلاة من سماع يحيى، وما حكى سحنون في المدونة عن المغيرة وغيره من أنه كان يُسَوي بينهم خلافُ ما في المسألة التي بعد هذه وخلاف المعلوم من مذهب ابن القاسم وما في المدونة لمالك من أن الآباء يؤثرون على الأبناء، ولا يكون للأبناء معهم في السكنى إلّا ما فضل عنهم، وسواء على قولهما قال: حُبُسٌ على ولدي ولم يزد فدخل معهم الأبناء بالمعنى، أو قال: على ولدي وولد ولدي فدخلوا معهم بالنص، وقد فرق بين ذلك أشهب فقال: إذا دخلوا بالمعنى بُدئ الآباء عليهم، وإن دخلوا بالنص لم يبدءوا عليهمَ وكانوا بمنزلتهم، وهذه الثلاثة الأقوال في تفضيل من سمى من الآباء على من لم يسم من الأبناء وعلى من سمى منهم، وأما من سفُلَ منهم ممن لم تتناوله تسمية المحبِّس فلا يفضل الآباء منهم على الأبناء إذا استووا في الحاجة هذا نص قول مالك في المدونة، ولا أعرف في ذلك نص خلاف، وقد يدخل فيه الخِلَاف بالمعنى من قوله فيما تقدم في الموالي ويبدأ بالأقرب فالأقرب من ذوي الحَاجَةِ إلّا أن يكون الأباعد أحوج فيؤثرون، قال: وهذا قول مالك وهو أحب ما فيه إلي، وفي قوله: (وهو أحب ما فيه إلي) دليلٌ على الخلاف، وهو ما وقع في رسم الشريكين بعد هذا من أن موالي الموالي يدخلون مع الموالي ولا يفضلون عليهم في ظاهر قوله: (إذا استوت حاجتهم) فيتحصل في المسألة أربعة أقوال: أحدها: أنه لا يُبَدَّأ الآباءُ على الأبناء جملة من غير تفصيل، والثاني: أنهم يبَدِّأونَ عليهم جملة من غير تفصيل أيضا، والثالث: أنه يبدأ منهم من دخل بالنص على من دخل بالمعنى، ولا يبدأ منهم من دخل بالنص على من دخل بالنص ولا من دخل بالمعنى على من دخل بالمعنى، والرابع: أنه يبدأ منهم من دخل بالنص على من دخل بالمعنى ومن دخل بالنص على من دخل

стр. 5599

بالنص، ولا يُبَدّأ منهم من دخل بالمعنى على من دخل بالمعنى. وهذا القول أضعف الأقوال؛ لأنه إذا بدئ من دخل بالنص على من دخل بالنص وجب أن يُبَدّأ من دخل بالمعنى على من دخل بالمعنى، وبالله التوفيِق. [مسألة: حبس الرجل داره على ولده وعلى ولد ولده] مسألة قال مالك: إذا حبَّس الرجلُ دارَه على ولده وعلى ولد ولده، فإن ولد الولد يسكنون معهم إن وَجَدُوا فضلا، وإن لم يكن فضل فالأدْنَوْنَ أولى، فإن كان فضل أو خرج بعض الأدنين إلى سفر سكن الذين يلونهم، فإن جاء أحد من الأدنين لم يخرج عنه كما لم يدخل عليه، وذلك شأن الحبس والسكنى إذا تصدق عليهم بالسكنى. قال محمد بن رشد: قول مالك في هذه المسألة خلافُ قوله في المسألة التي قبلها مثلُ قوله في المدونة؛ لأنّه إذا رأى في المسألة التي قبل هذه ولد العقب مع العقب بالسواء وإن كانوا إنما دخلوا في الحبس بالمعنى، فأحرى أن يَرَى في هذه المسألة وَلَدَ الولد مع الولد بالسواء لإِدخالهم معهم بالنص، وقدْ مضى تحصيلُ القول في ذلك قبل هذا فلا معنى لإِعادته، وقوله: أو خرج بعض الأدنين إلى سفر فسكن الذين يلونهم ثم جاء لم يخرج عنه كما لم يدخل عليه، معناه إذا خرج إلى سفر بعيد يشبه الانقطاع أو كان يريد المقام في الموضع الذي سافر إليه. وأما إذا سافر ليعود فهو على حقه، وهذا نص قول مالك في رسم البز بعد هذا، وتفسير ابن القاسم في المدونةّ لقول مالك فيها أنه إن غاب أو مات سكن مسكنه، أي إن كان يريد المُقام في الموضع الذي غاب إليه، وأما إن كان سافر ليرجع فهو على حقه وقال علي في روايته: إن غاب مُسْجلا ولم يذكر ما قال ابن القاسم ولا يخالف علي لابن القاسم في تفسيره والله أعلم، والخلافُ في هذه المسألة إنما يكون فيما يحمل عليه

стр. 5600

غيبته فيكون على ظاهر قول مالك في رواية علي عنه محمولة على الِانقطاع والمقام حتى يتبين خلافُ ذلك، وعلى ظاهر قول ابن القاسم محمولة على الرجوع وعلى غير الانقطاع حتى يتبين خلافُ ذلك وبالله التوفيق. [مسألة: تصدق على بناته بصدقة حبسا فإذا انقرض بناته فهي لذكور ولده] مسألة وسُئِلَ مالك عن رجل تصدق على بناته بصدقة حبسا فإذا انقرض بناتُهُ فهي لذكور ولده وهو صحيح فيُبَتِّلُ ذلك لهن فتكون للِإناث حتى يهلكن جميعُهُن وللرجل يومَ هلكن كلهن ولدٌ وولدُ ولدٍ ذكور، فقال ولدُ الولد: نحنُ من ولده ندخل في صدقة جدنا، وقال ولده لصلبه: نحن آثَرُ وَأوْلَى، فقال مالك: أرى أن يدخل معهم ولد الولد، وذلك أني أراهم ولده يكونون معهم فيها. قال محمد بن رشد: قوله: (إنه يدخل ولد الولد مع الولد) بقوله: (فهي لذكور ولده) صحيح على المشهور في المذهب؛ لأن الولد يقع على الولد الذكر والأنثى وعلى ولد الولد الذكر؛ لأن ولد الولد الذكر بمنزلة الولد إذا لم يكن ولد في الميراث، فلما كان له حكم الولد في الميراث وجب أن يدخل في الحبس. وكذلك تدخل مع بناته لصلبه إذا تصدق على بناته بصدقة حبس بناتُ بنيه الذكور من بنت الابن بمنزلة الابنة في الميراث إذا لم يكن ابنٌ ولا ابنة، فلا شيء لذكور ولد المحبس في هذه المسألة حتى تنقرض بَنَاتُهُ وبنات بنيه الذكور، وقد نص على ذلك في رسم العشور من سماع عيسى وقال: إنه يدخل ولدُ الولد مع الولد ولا يفضل الولد عليه في ظاهر قوله، فهو خلاف قوله في المسألة التي قبلها موافق لقوله في المسألة التي فوقها، وقد مضى تحصيل القول في ذلك في تكلمنا عليها فلا معنى لِإعادته، وقد قيل إنه لا يدخل في تحبيس الرجل على ولده إلّا وَلَدٌ لصلبه ذكورهم وإناثهم، وهو قول غير ابن

стр. 5601

القاسم في سماع سحنون في الذي يحبس على ابنته وعلى ولدها، ويأتي على رواية أصبغ عن ابن القاسم في كتاب الوصايا فيمن أوصى لولد فلان أن الوصية تكون لذكور ولد، ولا يدخل في ذلك إناثهم بخلاف إذا قال: لبني فلان، فإنه يدخل في ذلك بنو فلان ذكورهم وإناثهم، إن من حبس على ولده لا يدخل في الحبس إلا ذكور ولده لصلبه خاصة. وجه القول الأول: أن ولد الولد الذكر ذكورا كانوا أو إناثا لما كان لهم حكم الولد في الميراث إذا لم يكن فوقهم ولد وجب أن يدخلوا في الحبس على الولد. وجه القول الثاني: أن الحبس على الولد لو كان يدخل فيه ولد الولد كما يدخل فيه إذا حبس على ولده لم يكن لذكر ولد الولد في التحبيس فائدة ولكان لغوا لا فائدة فيه. ووجه القول الثالث الذي يتخرج على رواية أصبغ في الوصية: أن الولد قد يعرف عند عامة الناس بالولد الذكر للصلب خاصة، وإذا سألت من ليس له، ولد ذكر وإن كان له بنات أو أولاد أوْلاَدٍ هل لك ولد؟ يقول كل ليس لي ولد، وإنما لي بنات وحفدا أولاد أولادي، ولا يعرف أن الولد يقع علىكل من يرجع نسبه إلى الرجل إلّا الخاص من العلماء، فتحققنا أن المحبس أراد ذكور ولده لصلبه بقوله: " حبست على ولدي "، ولم يتحقق أنه أراد دخول من سواهم فيه، فوجب ألا يدخلوا فيه بشك. وأما أولاد البنات فلا يدخلون في الحبس على مذهب مالك بقول المحبس: " حبست على ولدي " لم يختلف في ذلك قولُهُ ولا التأويل عليه فيه؛ لأنهم لا ينتسبون إليه ولا يرثونه وإن كان اسم الولد يقع عليهم في حقيقة اللغة بدليل قول رسول الله ﷺ في الحسن: «إنّ ابْنِي هَذَا سَيد

стр. 5602

وَلَعَل اللهَ يُصْلِحُ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ» ومن الناس من ذهب إلى أنه لا يسمى ولد البنت ولدا إلّا مجازا لا حقيقة، وليس ذلك بصحيح؛ لأن ولد البنت أحق بالتسمية من جهة اللغة من ولد الولد. واختلف إذا قال حبست على وُلْدِي ووُلْد ولدي هل يدخل ولد البنات في ذلك على مذهب مالك أم لا؟ وقد فرَغنا من بيان هذه المسألة وتفسيرها في غير هذا الديوان، وهو كتاب المقدمات وبالله التوفيق. [: جعل دارا له حبسا صدقة على ولده لا تباع إلا أن يحتاجوا إلى بيعها] ومن كتاب أوله: حلف ألّا يبيع رجلا سلعة سماها وسُئِلَ مالك عن رجل جعل دارا له حبسا صدقة على ولده لا تُبَاعُ إلّا أن يحتاجوا إلى بيعها فإن احتاجوا إليها واجتمع ملاؤهم على ذلك باعوا واقتسموا سواء ذكرهم وأنثاهم فهلكوا جميعا إلّا رجل فأرادَ بيعها، أذلك له وقد احتاج إلى بيعها؟ قال: نعم، فقيل له فإن امرأة ثَمّ وهي بنت أخت الباقي الذي يريد أن يبيع وهي من بنات المحبس قالت: إن بعتَ فأنا آخذ ميراثي من أمي؟ قال: لا أرى لها في ذلك شيئا، قال ابن القاسم: ولو اجتمع ملاؤهم على بيعها قسموا ثمنها على الذكر والأنثى سواء؛ لأنها صدقة حازوها وليست ترجع بما ترجع به المواريث إلى عَصَبَةِ الذي تصدق بها. قال محمد بن رشد: قوله إلّا أن يحتاجوا إلى بيعها يريد أو يحتاج أحدهم إلى بيع حظه منها بالحبس قَلّ لكثرة عددهم أو كَثُرَ لقلتهم، فيكون

стр. 5603

ذلك له ويبطل الحبس فيه ويكون ثمنه مالا من ماله، وكذلك إن احتاجوا كلهم فباعوا كان الثمن لهم مالا مر مَالِهِم على قدر حقهم في الحبس كثروا أو قلوا وإن لم يبق منهم إلا واحد فاحتاج كان له الثمن كله وبطل الحبسُ في الجميع بشرط المحبس، ومن مات منهم قبل أن يحتاج سقط حقه؛ لأنه إنما مات عن حبس لا يورث عنه ويرجع إلى من معه في الحبس ولا يورث شيء منه على المحبس لأنه قد انْبَتَّ منه إذ قد حبسه حبسا صدقة على غير معينين وحيز عنه في حياته، فالحكم فيه أن يرجع بعد انقراض المحبس عليهم إلى أقرب الناس بالمُحَبِّسَ إلا أن يحتاجوا فيكون لهم البيع بشرط المحبس، ويعودُ ما كان بأيديهم منه بالحبس ملكا يجوز لهم بيعه وأخذ ثمنه، ولا يعود شيء منه إلى المحبس ملكا ولا يورث عنه. وقوله في آخر المسألة: وليست ترجع بما ترجع به المواريث إلى عصبة الذي تصدق بها، يريد أنها لا ترجع إلى ورثته وإنما ترجع إلى أقرب الناس بالمحبس حبسا عليهم إن انْقَرَضَ المحبَّس عليهم قبل أن يحتاجوا أو يبيعوا، وبيانُ هذا الذي ذكرتُهُ كله في كتاب ابن المواز، قال مالك فيه: من حبس على ولده وشرط إن احتاجوا باعوا فذلك جائز، فمن احتاج منهم فله بيع حظه، فإن باعوا فلا يدخل أحد في ثمن ذلك من ورثة الميت، فإن انقرض من حبس عليه إلا واحدا فاحتاج فباع فالثمنُ كله له ليس لورثة أهل الحبس ممن مات منهم فيه شيء؛ لأن من انقرض سقط حقه وصار لمن بعده، قال محمد بن المواز: وإن انقرض قبل أن يحتاج فليس لورثته ولا لغيرهم فيها شَيْءٌ ورجعت كما يرجع غيرها من الأحباس وبالله التوفيق. [: تصدق على ثلاثة نفر بثمر حائطه فابروها ثم أحدهم مات] ومن كتاب أوله: اغتسل على غير نية وسئِلَ عن رجل تصدق على ثلاثة نفر بثمر حائطه فابّرُوها، ثم

стр. 5604

إن أحدهم مات، قال: ما أراها إلّا لهم كلهم؛ لأنه قد أَبّرَ وَسَقَى فهي بينهم كلهم، ثم نزلت وقضى فيها أنه ليس له فيها شيء للذي مات إذا كان حبسا، وإنما يكون لورثة من مات منهم إذا مات بعدَ أنْ تطيب الثمرة، ومن مات منهم قبل أن تطيب الثمرة فلا حق له، وإنما تكون منهم إذا مات وقد أبرت إذا لم تكن حبسا فأما الحبس فلا يكون لهم حتى يطيب، وكذلك قال مالك، وأما إذا كانت صدقة من غير حبس فهي لورثة الميتَ أبِّرَتْ أو لم تُؤبر. قال محمد بن رشد: معنى قوله: تصدق على ثَلاثة نفر بثمر حائطه أي حبسها عليهم، ويحتمل أن يريد أنه حبسها عليهم حبسا صدقة، وعلى ذلك تكلم لأن الصدقة المبتولة من غير حبس لا اختلاف في أنّ حظ مَن مات منهم لورثته وإن لم تؤبر، وذلك بين من قوله: وإنما يكون لمن مات منهم إذا مات وقد أبرت إذا لم تكن حبسا، وقوله: ما أراها إلّا لهم لأنه قد أبَّر وسقي فهي بينهم، هو خلاف ما في المدونة من قول ابن القاسم وغيره من الرواة، وقولُه: ثم نزلت فقضى أنه ليس فيها شيء للذي مات وإنما يكون لورثة من مات منهم إذا مات بعد أن تطيب الثمرة، هو قول ابن القاسم وروايتُهُ عن مالك في المدونة، ولا اختلاف في أنها تجب بالطياب لمن مات منهم بعده، ولا في أنها لا تجب لمن مات منهم قبل الِإبار في الحبس وإنما الاختلاف إذا مات أحدهم بعد الإبار وقبل الطياب أو ماتوا جميعا. فإذا مات أحدهم ففي ذلك خمسة أقوال: أحدها: أن حظه يرجع إلى المحبس، والثاني: أنه يكون لمن بقي منهم وهذا القول هو الذي رجع إليه مالك في المدونة وإياه اختار ابن القاسم، والثالث: أنه يكون لمن بقي منهم إن كانوا يلون عملها أو كان عبدا يخدمهم أو دارا يسكنونها وترجع إلى المحبس إِن كانوا لا يلون عملها وإنما يقسم عليهم ثمرتها، والرابع: أن الميت يجب له حضه بالإِبار إن كان قد أبر وسقى، وهو القول الأول في هذه الرواية: ما أراها

стр. 5605

إلا لهم كلهم، لأنه أبِّرَ وسَقى، والخامس أن الميت يجب له حظه بالإِبّارِ وإن لم يؤبر ولا سقي، وهو قول غير واحد من الرواة في المدونة: وإن مات منهم ميت والثمرة قد أبرت فحقه فيها ثابت، وهو مذهب أشهب. وأما إذا ماتوا معا كلهم ففي ذلك ثلاثة أقوال أحدها: أن الثمرة ترجع إلى المحبس، والثاني: أنها تكون لورثتهم لأنه قد استوجبها كل واحد منهم بالإِبار، وهو مذهب أشهب، والثالث: أنها تكون لورثتهم إن كانوا قد أبَّرُوا وسقوا وترجع إلى المحبس إن كانوا لم يؤبروا ولا سَقَوا، وهو القول الأول في هذه الرواية؛ لأن موتهم كلهم بمنزلة إذا كان المحبَّس عليه واحدا فمات، وإن مات واحد بعد واحد ففي موت الآخر منهم ثلاثة أقوال وإنما ترجع الثمرة إلى المحبس في الموضع الذي ترجع إليه على القول بأنها ترجع إليه إذا قال حبسا ولم يقل حبسا صدقة، وأما إن قال حبسا صدقة فإنما ترجع إلى أقرب الناس بالمحبس حبسا ولا ترجع إليه ملكا، لم يختلف قولُ مالك في ذلك على ما حكى ابن القاسم في المدونة، وفي كتاب ابن عبد الحكم إن قوله اختلف في ذلك أيضا. فيتحصل فيما تجب به الثمرة للمحبَّس عليهم بأعيانهم ثلاثةُ أقوال أحدها: أنها تجب لهم بالإِبار، والثاني: أنها لا تجب لهم بالإِبار إلّا مع أن يكونوا هم سقوها وأبروها، والثالث: أنها لا تجب إلا بالطياب. وأما إن لم يكونوا معينين مثل أن يكون المحبس على رجل وعقبه، فقيل إنها تجب لهم بالطياب وقيل إنها لا تجب لهم إلا بالقسمة. وأما إن كان الحبس على مثل بني زهرة أو بني تميم فلا تجب لأحد منهم فيها حق إلا بالقسمة، فمن مات قبلها بطل حقه ومن ولد قبلها كان من أهلها، هذا تحصيل القول في هذه المسألة لأنه قال فيها إن من مات منهم قبل أن تطيب الثمرة فلا حق له، ولم يبين لمن تكون؟ وإذا كان الميت منهم قد أبر
следующие страницы →