Полный текст (9 112 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.
стр. 561
تلك الركعة لم تجز عنهم حين سجد بهم من لا يجزئ عنه سجوده؛ ولا آمرهم أن يصلوا خامسة، فيكونوا قد صلوا خامسة عامدين، فأحب إلي أن يستأنفوا صلاتهم- إن فعلوا، وإن علم، رأيت له أن يتأخر ويقدم من أدرك ركعة فيسجد بهم. وقال في الإمام يحدث - وهو راكع-: إنه يرفع رأسه ويقدم رجلا يدب راكعا فيرفع بهم ويسجد.
قال محمد بن رشد: قوله إنه لا تجزئهم الركعة ولا الصلاة أيضا- إن سجد بهم السجدتين اللتين بقيتا عليهم من الركعة التي فاتته، هو قول أشهب أيضا، وقد قيل إنه تجزئهم، حكى ابن المواز القولين جميعا؛ فأما القول الأول فقد بين في الرواية وجهه، وهو أنه لما كان هو لا يعتد بها من صلاته، وجب ألا يتبعوه فيها، وأن تبطل صلاتهم إن اتبعوه فيها؛ لأنهم زادوا فيها ما ليس منها، وإن قعدوا ولم يتبعوه في السجود، بطلت عليهم الركعة؛ فلهذا رأى أن يتأخر ويقدم من أدرك الركعة فيسجد بهم، فتصح لهم الركعة والصلاة، ووجه القول الثاني، أنه لما كان لا بد لهم من سجود سجدتي تلك الركعة، استخلف عليهم الإمام، أو لم يستخلف، لم يضرهم أن يعتدوا به في السجود، وكانوا في سجودهم معه كسجودهم- أفرادا، وإذا أنزلنا سجودهم معه كسجودهم أفرادا، فإنما يجزئهم سجود تلك الركعة على القول بأن ما فعل في حكم الإمام يعتد به على ما ذكرته من قول ابن نافع في رسم "الأقضية الثالث" من سماع أشهب؛ لأنهم في حكم المستخلف، وهو شذوذ في المذهب؛ وقوله في الذي يحدث- راكعا- أنه يرفع رأسه ويقدم رجلا يدب راكعا، فيرفع بهم ويسجد، صحيح؛ ولو قدم رجلا قد أحرم معه قبل أن يركع، لوجب أن يركع ويرفع بهم، وجب عليهم أن يرجعوا معه إلى الركوع، حتى يرفعوا برفعه، فإن لم يفعلوا أجزأتهم صلاتهم لأنهم بمنزلة من رفع قبل إمامه.
стр. 562
[مسألة: يصلي فيركع بهم ويسجد سجدة ويسهو فلا يسجد غيرها]
مسألة (قال) : وسألته عن الإمام يصلي فيركع بهم ويسجد سجدة، ويسهو فلا يسجد غيرها، فينهض قائما وينهض معه بعض من يصلي معه- عالمين بأنه قد سها عن سجدة، فاتبعوه- اقتداء به، أو ساهون بسهوه، أو سجد بعضهم حين علموا أنه قد ترك سجدة ثم اتبعوه، ثم ذكر الإمام قبل أن يركع فسجدها، هل ترى لمن كان قد سجدها أن يعيدها ثانية مع الإمام، أم يعتدوا هم بسجدتهم التي سجدوا قبل الإمام، أو لم يذكر الإمام حتى ركع، هل ترى للذين سجدوها أن يعتدوا بها؟ قال ابن القاسم: أما الذين سجدوا لأنفسهم، فإنه إن رجع الإمام إلى السجدة قبل أن يركع، فإنهم لا يسجدون معه- ثانية، وسجدتهم الأولى تجزئهم؛ وإن لم يرجع الإمام إلى السجدة وسها عنها حتى يركع، فإن الذين سجدوا يتبعونه في صلاته حتى يتموا أربعا بتلك الركعة التي سها منها الإمام السجدة، فإذا أتموا أربعا، قعدوا وقام الإمام ومن سها معه فصلوا ركعة بسجدتين يؤمهم فيها الإمام، فإذا فرغ وسلم الإمام سلموا بسلامه، ثم سجد الإمام، ويسجد معه من سجد السجدة ومن لم يسجدها.
قال ابن القاسم: وأحب إلي أن لو أعادوا الصلاة الذين سجدوا السجدة بعد سلام الإمام، وهو أحب إلي من أن آمرهم أن يسجدوا معه ثالثة، فيزيدوا في صلاتهم متعمدين، أو أن يقوموا معه ولا يسجدوا فيقطعوا ركعتهم ويصلوا معه- خامسة من غير سهو؛ فالذي أرى أن يمضوا على صلاتهم على سنتها، ثم يعيدوا بعد فراغ
стр. 563
الإمام- احتياطا، وأما الذين اتبعوه- عامدين، فصلاتهم منتقضة على كل حال- رجع الإمام من قبل أن يركع، أولم يرجع. قال أصبغ: ولا أدري ما هذا ولا يعجبني. وإن رجع الإمام قبل الركعة ورجعوا معه، فأرجو أن تجزئهم وإلا فلا. قال أصبغ: وهذا فقه هذه المسألة.
قال محمد بن رشد: هذه المسألة تنقسم على وجهين: أحدهما أن يسهو الإمام عن السجدة- وحده، والثاني أن يسهو عنها هو وبعض من خلفه، فأما إذا سها عنه هو وحده، فلا يخلو من خلفه من حالين: أحدهما أن يسجدوا لأنفسهم، والثاني أن يتبعوه على ترك السجدة- عالمين بسهوه، فأما إن سجدوا لأنفسهم ولم يرجع الإمام إلى السجدة حتى فاته الرجوع إليها بعقد الركعة التي يعدها، فركعة القوم صحيحة باتفاق، ويقضي الإمام تلك الركعة بعينها التي أسقط منها السجدة في آخر صلاته- وهم جلوس، ثم يسلم بهم ويسجد بعد السلام؛ واختلف إن ذكر الإمام قبل أن يركع، فرجع إلى السجود، هل يسجدون معه ثانية أم لا- على قولين، وأما إن اتبعوه على ترك السجود- عالمين بسهوه، فصلاتهم فاسدة باتفاق؛ وأما الوجه الثاني- وهو أن يسهو عنها هو وبعض من خلفه- وهي مسألة الكتاب، فلا يخلو من لم يسه عنها بسهو الإمام من حالين أيضا: أحدهما أن يسجدوا لأنفسهم، والثاني أن يتبعوه على ترك السجود- عالمين بسهوه؛ فأما أن يسجدوا لأنفسهم ولم يرجع الإمام إلى السجود حتى فاته الرجوع إليه بعقد الركعة التي بعدها، ففي ذلك ثلاثة أقوال، أحدها: قول ابن القاسم في هذه الرواية أن السجود يجزئهم وتصح لهم الركعة ويلغيها الإمام ومن سها معه، فإذا أكمل ثلاث ركعات، قام ومن سها معه إلى الرابعة، وقعدوا حتى يسلم فيسلموا بسلامه، ويسجد بهم جميعا سجدتي السهو بعد السلام؛ - وهو أضعف الأقوال، لاعتدادهم بالسجدة، وهم إنما فعلوها في حكم الإمام، ولمخالفتهم إياه بالنية في أعيان الركعات؛ لأن
стр. 564
صلاتهم تبقى على نيتها وتصير للإمام ومن سها معه الركعة الثانية أولى، والثالثة ثانية، والرابعة ثالثة؛ ولهذا المعنى قال ابن القاسم في الرواية: وأحب إلي أن لو أعادوا الصلاة، وإنما يسجد الإمام بهم بعد السلام- كما قال- إن كان ذكر بعد أن ركع في الثانية؛ لأنه يجعلها أولى، ويأتي بالثانية بالحمد وسورة، ويجلس فيها فيكون سهوه زيادة كله؛ وأما إن لم يذكر حتى صلى الثالثة أو رفع من ركوعها، فإنه يسجد قبل السلام- على ما اختاره من قول مالك في اجتماع الزيادة والنقصان؛ لأنه يجعلها ثانية، وقد قرأ فيها بأم القرآن- وحدها، وقام ولم يجلس، فأسقط السورة والجلوس منها، فاجتمع عليه في سهوه زيادة ونقصان.
واختلف أيضا في هذا الوجه- إن ذكر الإمام قبل أن يركع فرجع إلى السجدة، هل يسجدون معه ثانية، أم لا؟ على قولين، والقول الثاني: أن صلاتهم فاسدة للمعنى الذي ذكرناه من مخالفة نيتهم لنية إمامهم في أعيان الركعات- وهو قول أصبغ، والقول الثالث: أن السجود لا يجزئهم وتبطل عليهم الركعة، كما بطلت على الإمام ومن معه، ويتبعونه في صلاته كلها وتجزئهم؛ حكى هذا القول محمد بن المواز في كتابه. وأما إن اتبعوه على ترك السجدة- عالمين بسهوه، فقال في الرواية: إن صلاتهم منتقضة، ويتخرج على ما في كتاب محمد: أن تبطل عليهم الركعة، كما بطلت على الإمام ومن معه، ولا تنتقض عليهم الصلاة؛ لأن السجدة إذا كان على مذهبه لا يجزيهم فعلها، فلا يضرهم تركها- وبالله التوفيق.
[مسألة: عليه سجود السهو بعد السلام فيسهو فيسجد قبل السلام]
ومن كتاب العتق مسألة وسئل ابن القاسم عن الذي يكون عليه سجود السهو بعد السلام، فيسهو فيسجد قبل السلام؛ قال: يعيدهما بعد السلام، وإنما هذا سهو دخل عليه.
стр. 565
قال محمد بن رشد: جعل في هذه الرواية سجوده قبل السلام سهوا فيما وجب عليه فيه السجود بعد السلام سهوا، دخل عليه قي صلاته فأوجب عليه إعادة السجود بعد السلام، ولم يراع ما في أصل المسألة من الاختلاف، فيلزم على هذا- لو كان جاهلا أو متعمدا- أن يعيد الصلاة؛ وقد روى ذلك أبو زيد عن أشهب، حكى ذلك ابن المواز، وهو خلاف ما في المدونة، وفي آخر الرسم الأول من سماع أشهب؛ فعلى ما في المدونة وفي السماع المذكور لا إعادة عليه للسجود بعد السلام إذا سجد قبل السلام- ناسيا كان أو متعمدا، مراعاة للاختلاف، وقد نص في كتاب محمد بن المواز على ذلك فقال: لا إعادة عليه للسجود بعد السلام- ساهيا كان أو متعمدا، وذهب ابن لبابة إلى أن يفرق بين الناسي والمتعمد في الذي يجب عليه السجود بعد السلام فيسجد قبله، فيجعل رواية عيسى هذه مفسرة لما في المدونة، وإنما هي خلاف لها بما بان مما ذكرته من كتاب محمد ابن المواز - وبالله التوفيق.
[مسألة: يأتي المصلى يوم عيد وقد سبقه الإمام بالتكبير]
مسألة وقال في رجل يأتي المصلى يوم عيد- وقد سبقه الإمام بالتكبير، قال: إن أدركه قائما، دخل معه في الصلاة وكبر سبعا؛ وإن وجده راكعا، كبر تكبيرة واحدة ودخل معه في الركوع- ولا شيء عليه، وإن أدركه في الركعة الثانية، أو بعد أن رفع رأسه من (الركعة) الأولى، قضى بعد تسليم الإمام ركعة بسجدتيها، فكبر فيها سبعا، فإن وجده جالسا في آخر صلاته، أحرم ودخل معه، فإذا سلم الإمام قام فقضى الركعتين، يكبر في الأولى سبعا، وفي
стр. 566
الثانية خمسا. قال عيسى: وقد قال ابن القاسم في غير هذا الموضع: إنه يكبر في الأولى ما بقي عليه من التكبير- وذلك ست تكبيرات.
قال محمد بن رشد: قد مضى في رسم "يوصي لمكاتبه"، وجه قول ابن القاسم فيمن دخل مع الإمام في العيد- وهو يقرأ، أنه يكبر التكبير الذي فاته معه؛ ووجه قول ابن وهب هناك، أنه لا يكبر بعده- إذا فاته التكبير معه؛ وقوله- ههنا فيمن فاتته الركعة الأولى من صلاة العيد: إنه يكبر إذا قام لقضائها سبعا، هو مثل ما في الحج الأول من المدونة؛ وخلاف أصله في الصلاة الأول منها فيمن جلس مع الإمام في غير موضع جلوس له، أنه يقوم بلا تكبير؛ ومثل قوله فيه فيمن أدرك الإمام جالسا في آخر صلاته، أنه يقوم بتكبير؛ لأنها إنما هي سبع تكبيرات بتكبيرة الإحرام، وهو قد كبر تكبيرة الإحرام، فإذا لم يكبر للقيام على الأصل المذكور، وجب أن يكبر ما بقي من التكبير، وذلك ست تكبيرات على ما قال في القول الثاني- وهو قوله في كتاب الصلاة الثاني من المدونة. وإذا كبر للقيام على قوله في الذي أدرك الإمام- جالسا في آخر صلاته، وجب أن يكبر سبع تكبيرات، واحدة للقيام والست التي بقيت، وهو مذهب ابن الماجشون أنه يقوم بتكبير على كل حال؛ وقد ذهب بعض الناس إلى أن قوله فيمن أدرك الإمام جالسا في آخر صلاته، أنه يقوم بتكبير، ليس بخلاف لأصله في تفرقته بين أن يجلس مع الإمام في موضع جلوس (أو في غير موضع جلوس) ، لكنه استحب لما كان في أول الصلاة أن تتصل قراءته بتكبير، وهذا يضعف بقوله فيمن أدرك الإمام جالسا في صلاة العيد من أنه يكبر سبعا وخمسا؛ لأن الواحدة من السبع هي
стр. 567
للقيام، وقد كان معه من بقيه التكبير ما يتصل له به القراءة في أول الصلاة، وهذا كله بين- والله الموفق.
[مسألة: الغلام يحتلم بعد العصر]
مسألة وقال ابن القاسم في الغلام يحتلم بعد العصر، قال: أرى أن يصلي الظهر والعصر- وإن كان قد صلاهما.
قال محمد بن رشد: وهذا صحيح؛ لأنه إذا احتلم- وقد بقي من النهار ما يدرك (أن يصلي) فيه بعد فراغه من غسله- الصلاة الواحدة، وركعة واحدة من الأخرى؛ وجب عليه أن يصليهما جميعا، لقول رسول الله- ﷺ «من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس، فقد أدرك العصر» - الحديث- وإن كان قد صلاهما قبل أن يحتلم؛ لأنهما كانتا له قبل الاحتلام نفلا، ولا تجزئ نافلة عن فريضة- وبالله التوفيق.
[مسألة: الإمام يضعف عن الخطبة يوم الجمعة]
من سماع يحيى (بن يحيى)
من عبد الرحمن بن القاسم من كتاب الصبرة
قال يحيى: قال ابن القاسم في الإمام يضعف عن الخطبة يوم الجمعة: أنه لا ينبغي له أن يصلي بالناس إن اختطب بهم غيره،
стр. 568
وليأمر الذي يوكله بالاختطاب أن يصلي بالناس، وليصل الإمام وراءه خيرا له من أن يدع الجمعة، والأعياد مثل ذلك.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن الخطبة متضمنة بالصلاة، فكانت هي والصلاة كالصلاة وحدها- في أنه لا يجوز أن يفرق على إمامين بالقصد إلى ذلك، فإن حدث للإمام ما يخرجه عن الصلاة- وقد صلى بعضها- جاز له أن يستخلف على بقيتها، فكذلك إذا حدث له ما يمنعه من الصلاة بعد أن خطب، جاز له أن يستخلف على الصلاة؛ وهذا كله بين لا إشكال فيه، وقد مضى ما دل على هذا المعنى في رسم "إن خرجت"- قبل هذا. وقوله: وليصل الإمام وراءه خيرا له من أن يدع الجمعة، كلام ليس على ظاهره، بل هو الواجب عليه أن يصلي وراءه الجمعة، ولا سعة له في التخلف عن ذلك- وبالله التوفيق.
[مسألة: يدخل في أول صلاة الإمام يوم الجمعة وينسى التكبير للإحرام في الركعة الأولى]
(ومن كتاب الصلاة)
مسألة وسئل عن الرجل يدخل في أول صلاة الإمام يوم الجمعة وينسى التكبير للإحرام في الركعة الأولى: أيجزئه أن يكبر في الثانية ويجعلها أول صلاته؟ قال: ذلك مجزئ عنه في الجمعة خاصة، لئلا تفوته، ولا يجزئ ذلك في غيرها.
قال محمد بن رشد: قوله في السؤال أيجزئه، وقوله في الجواب ذلك مجزئ عنه، لفظ غير محرر، وصوابه: أيجوز له، قال: ذلك يجوز له، ولا يجوز له ذلك في غيرها- وهو الذي أراد؛ لأن ذلك إن فعله يجزئه في الجمعة وغيرها،
стр. 569
ويجوز له في الجمعة، ولا يجوز له في غيرها؛ لأن الاختيار له في غير الجمعة أن يتمادى مع الإمام على صلاته - رجاء أن تجزئه على قول من يرى تكبيرة الركوع تجزئ عن تكبيرة الإحرام، (ثم يعيد مخافة أن لا تجزئه على قول من لا يرى تكبيرة الركوع تجزئ من تكبيرة الإحرام) ، والاختيار له في الجمعة، أن يقطع ويحرم في الثانية، فتكون له جمعة باتفاق. وقد وقع في أصل السماع من كتاب الصلاة أيضا، وقال في الرجل يذكر في صلاة الجمعة بعد ركعة، أنه لم يحرم- وقد كبر للركوع: إن ذلك التكبير يجزئه- ولا شيء عليه، نواه للإحرام أو لم ينوه، وذلك بعيد؛ لأنه إذا أجزأه في الجمعة، كان أحرى أن يجزئه في غيرها، وليس ذلك موجودا لمالك، وإنما هو قول سعيد بن المسيب، وابن شهاب.
[مسألة: يركع ويسجد وهو مغلق اليدين]
مسألة وسألته عن الرجل يركع ويسجد وهو مغلق اليدين، قابضا أصابعه كلها) : صنع ذلك من عذر لشيء في يديه، أو متعمدا من غير عذر؛ قال: يستغفر الله ولا يعد، وليس عليه استئناف في وقت ولا غيره، صنع ذلك من عذر أو غير عذر.
قال محمد بن رشد: قوله يستغفر الله ولا يعد يريد إذا فعل ذلك متعمدا من غير عذر؛ وأما إذا فعله من عذر فلا استغفار عليه في ذلك؛ إذ لم يأت بما يكره له ويستغفر منه، وإيجاب الاستغفار في ذلك عليه، يدل على أنه عنده من سنن الصلاة، لا من فضائلها؛ فيتخرج في ترك ذلك متعمدا من غير عذر- قولان، وبالله تعالى التوفيق.
стр. 570
[مسألة: المرأة تصلي العصر وتنسى الظهر ثم تحيض]
ومن كتاب أوله يشتري الدور والمزارع
مسألة وسئل عن المرأة تصلي العصر وتنسى الظهر، ثم تحيض وعليها من النهار ما تصلي فيه صلاة واحدة، فقال: سواء عليها؛ إذا حاضت ولم يبق من النهار إلا ما كانت تصلي فيه صلاة واحدة وهي ناسية للظهر قبل ذلك، صلت العصر أولم تصلها، فليس عليها أن تعيد إلا الظهر وذلك أنها لو نسيتهما جميعا، فحاضت ولم يبق من النهار إلا قدر ما تصلي فيه صلاة واحدة، فإنما عليها إذا طهرت إعادة الظهر التي (قد) كان (فرط) وقتها، وتكون إعادة صلاة العصر عنها موضوعة؛ لأنها حاضت في وقتها؛ كما أنها لو حاضت وقد بقي من النهار ما تصلي فيه الظهر والعصر، لم يكن عليها إذا طهرت أن تعيد شيئا، وإنما تعد الوقت الآخر؛ إذا لم يبق من النهار إلا قدر ما كانت تصلي صلاة واحدة لآخر الصلاتين، ولا تعد ذلك الوقت للظهر، بل قد فرط وقت الظهر وبقي وقت العصر، فما فرط قبل أن تحيض، فعليها إعادته إذا طهرت، وما بقي وقته قبل أن تحيض فليس عليها أن تعيد إذا طهرت، كما لو بقي وقتهما جميعا قبل أن تحيض، لم يكن عليها إعادة واحدة منهما- بعد أن
стр. 571
تطهر؛ ألا ترى أنها لو صلت الظهر ونسيت العصر وحاضت- وعليها من النهار وقت صلاة واحدة، لم تعد العصر؛ إذا طهرت، وقد قال في سماع عيسى: ليس عليها إعادة الظهر لأنها لما صلت العصر ونسيت الظهر وحاضت وبقي عليها من النهار بقية، جعل وقت ما حاضت فيه الظهر، وقاسها ابن القاسم بالرجل ينسى الظهر في السفر ويصلي العصر، فيدخل الحضر وعليه بقية من النهار، ففيما يتوضأ غربت الشمس، أن عليه الظهر أربعا؛ قال ابن القاسم: ومن قال خلاف هذا، فقد أخطأ.
قال محمد بن رشد: عبر ابن القاسم في هذه المسألة عن القضاء بالإعادة، حيثما وقع منها، وذلك تجوز في العبارة؛ لأن الإعادة إنما تستعمل فيما قد فعل، وأما ما لم يفعل حتى خرج وقته من الصلوات، فإنما يقال فيه قضاء لا إعادة؛ فذلك تجوز في العبارة- كما قلناه. وقوله في سماع عيسى: وقاسها ابن القاسم بالرجل ينسى الظهر في السفر إلى آخر قوله، ليس بوجه القياس؛ لأن حقيقة القياس أن يرد ما اختلف فيه إلى ما اتفق عليه عند الجميع، أو مع المنازع؛ ومسألة المسافر التي قاس عليها مسألة الحائض ليست بمتفق عليها فتجعل أصلا لها، وإنما هي نظيرة لها، فيدخلها من الخلاف ما دخلها؛ وكذلك مسألة الحاضر يسافر لمقدار ركعتين فأقل، وقد صلى العصر ولم يصل الظهر؛ ومسألة الذي يصلي العصر بثوب طاهر، والظهر بثوب نجس، ثم يعلم ذلك قبل الغروب بمقدار أربع ركعات، فأقل؛ هذه الأربع مسائل الاختلاف فيها واحد، قيل: إن الوقت فيها كلها وقت للعصر، صليت أولم تصل؛ قال: هذا من ذهب إلى أن العصر تختص بأربع ركعات قبل الغروب، لا يشاركها فيها الظهر، وهي رواية عيسى هذه عن ابن القاسم،
стр. 572
فلا تسقط على هذا القول عن الحائض صلاة الظهر؛ إذ قد خرج وقتها قبل أن تحيض؛ وتسقط إعادتها عن الذي صلاها بثوب نجس؛ إذ قد خرج وقتها قبل أن يعلم؛ ويصليها المسافر سفرية إذ قد خرج وقتها قبل أن يدخل؛ ويصليها الحاضر حضرية؛ إذ قد خرج وقتها قبل أن يخرج؛ وقيل: إن الوقت فيها كلها وقت للظهر التي لم تصل، قال: هذا من ذهب إلى أن الظهر يشارك العصر في الوقت إلى الغروب، وهي رواية عيسى هذه، ورواية أصبغ في سماعه، فعلى هذا القول لا تصليها الحائض؛ لأنها حاضت في وقتها، ويعيدها الذي صلاها بثوب نجس؛ لأنه قد علم في وقتها، ويصليها المسافر حضرية؛ لأنه قد دخل في وقتها؛ والحاضر سفرية؛ لأنه قد خرج في وقتها؛ فهذا هو أصل الاختلاف في هذه المسألة، فوجه القول باختصاص العصر بالوقت دون الظهر، قوله- ﵊: «من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس، فقد أدرك العصر» . فأضاف الوقت إلى العصر دون الظهر، ووجه القول باشتراك الظهر معها فيه، إجماعهم على أنه يصلي الظهر في ذلك الوقت من آخره إليه.
وأخذ ابن حبيب برواية يحيى أن الوقت وقت للعصر في مسألة الحاضر يخرج خاصة؛ لأن الصلاة تجب على هذا حضرية، وبرواية عيسى وأصبغ: أن الوقت وقت للظهر في سائر المسائل، لوجوب الصلاة على ذلك والإتمام احتياطا للصلاة على غير قياس؛ وكذلك اختلف قول ابن القاسم في المرأة تطهر لمقدار صلاة واحدة، فتذكر أن عليها صلاة منسية، فمرة جعل الوقت الذي طهرت فيه للصلاة المنسية بصلاتها فيه، ويسقط عنها الأخرى؛ ومرة جعل الوقت للصلاة التي طهرت في وقتها فتصلي الصلاة المنسية، ثم تصلي الصلاة التي طهرت في وقتها- وإن خرج الوقت. واختار أصبغ القول الأول، وذكره من قول مالك؛ ووجهه أن النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
стр. 573
وسلم- قال: «إذا نام أحدكم عن الصلاة» - الحديث، فجعل وقت الصلاة المنسية وقت ذكرها. واختار ابن المواز القول الثاني، وقال: إن القول الأول مخالف لأصل قول مالك في موطئه في المسافر يخرج في سفره لمقدار ركعتين من النهار- وهو ناس للظهر والعصر، إنه يصلي الظهر أربعا، والعصر ركعتين. إذ ينبغي على القول الأول أن يجعل الوقت للظهر فيصليها ركعتين، ويصلي العصر أربعا؛ وهذا مما لم يقل به مالك، ولا أحد من أصحابه؛ ووجهه قوله- ﵊: «من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس، فقد أدرك العصر» . بدليل حمله على عمومه - وبالله التوفيق.
[مسألة: الجنب يجز شعره ثم يصلي وفي ثوبه بعضه]
ومن كتاب المكاتب مسألة قال: وسألته عن الجنب يجز شعره ثم يصلي- وفي ثوبه بعضه، قال: ليس عليه أن يعيد في وقت ولا غيره، إلا أن يكون في الشعر بعينه نجس أصابه، وقد يصلي الرجل على بساط شعر ميتة فلا يكون عليه شيء.
قال محمد بن رشد: هذا استدلال مقلوب؛ لأنه بنى الأصل على فرعه، وذلك لا يصح إلا بعد تسليمه والقول بصحته؛ إذ لا اختلاف بين أحد من أهل العلم في جواز أخذ الشعر من الحي وأنه طاهر، لقوله :
стр. 574
﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا﴾ [النحل: ٨٠]- الآية. وإنما اختلفوا في جواز أخذه من الميت؛ إذ من أهل العلم من رآه نجسا (يموت) بموت الميتة؛ إذ قد حله الروح عنده؛ والدليل على أنه طاهر، وأن الروح لم يحله، جواز أخذه من الحي، فهذا هو القياس الصحيح؛ ووجه التنظير بين المسألتين، أن الشعر كما لا ينجس بالموت، لا ينجس بالجنابة.
[مسألة: القريب العهد بالإسلام يصلي المغرب أياما أربعا أربعا]
مسألة وقال في الجاهل من مسالمة أهل الذمة، أو القريب العهد بالإسلام من غيرهم: يصلي المغرب أياما أربعا، أربعا؛ إنه يعيد تلك الصلوات كلها في الوقت، علم بقبيح ما صنع، أو بعد ذهاب الوقت.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن الجاهل لا يعذر بجهله في الصلاة، فهو كالمتعمد العالم، وهو أصل من الأصول في المذهب.
[مسألة: المريض أيجوز له أن يصلي المكتوبة على المحمل]
مسألة وسألته عن المريض أيجوز له أن يصلي المكتوبة على المحمل، فقال: سمعت مالكا يقول: لا يجوز ذلك- حتى لا يستطيع الصلاة قاعدا؛ فإذا كان على كل حال لا يستطيع أن يصلي إلا إيماء مستلقيا أو مضطجعا، جازت صلاته على المحمل ويحبس له المحمل، ويستقبل به القبلة، كما كان يصنع به لو كان نازلا بالأرض.
стр. 575
قال محمد بن رشد: هذه الرواية عن مالك خلاف رواية ابن القاسم عنه في رسم "سن": أنه لا يجوز له أن يصلي المكتوبة على المحمل- أصلا، وخلاف رواية أشهب عنه في آخر رسم "الصلاة" الثاني، أنه يجوز له أن يصلي المكتوبة على المحمل- إذا لم يقدر على السجود- وإن قدر على الجلوس، فهي ثلاثة أقوال، وقد مضى بيان ذلك في رسم "سن" المذكور.
[مسألة: المسافر يريد مسيرة أربعة برد فإذا صار عشرين ميلا أجمع إقامة أربع ليال]
مسألة قال: وسألته عن المسافر يريد مسيرة أربعة برد، فإذا صار عشرين ميلا، أجمع إقامة أربع ليال، فأتم الصلاة، ثم يخرج ماضيا إلى تمام سفره، أيقصر الصلاة أم لا؟ فقال: كل من أجمع إقامة أربع ليال فأتم الصلاة ثم خرج لإتمام سفره، فإنه لا يقصر الصلاة، إلا أن يكون فيما بقي من سفره مسيرة أربعة برد فصاعدا، وهذا يعد بإقامته الأربع ليال التي وجب بهن عليه الإتمام، كمبتدئ السفر من أوله؛ قلت لسحنون: فلو نواه أن يسير يوما ويقيم أربعة أيام، قال: يقصر كلما سار، ويتم كلما أقام؛ وإنما ينظر إلى نيته في منتهى سفره، فإذا كان ما يقصر في مثله الصلاة، فعليه الإقصار في مسيره والإتمام في مقامه إذا نوى مقام أربعة أيام.
قال محمد بن رشد: لا فرق بين المسألتين، فقول سحنون خلاف لقول ابن القاسم: ينظر إلى ما بقي من سفره بعد الإقامة في المسألتين جميعا، فلا يقصر فيهما إلا إن كان بقي من سفره ما تقصر في مثله الصلاة، وسحنون ينظر إلى نيته في ابتداء سفره، فإن كان ذلك ما يجب فيه قصر الصلاة، قصر في مسيرة ذلك، وإن تخلله إقامة أربعة أيام، نوى الإقامة من أول سفره أو لم ينوها- وبالله التوفيق.
стр. 576
[مسألة: الرجل يرى في ثوب الإمام نجاسة]
مسألة قال: وسألته عن الرجل يرى في ثوب الإمام نجاسة، ما ترى له أن يصنع؟ فقال: إن أطاق أن يريه إياه فليفعل، وإن لم يطق ذلك فصلى معه وقد رآه أو علم به، فليعد صلاته في الوقت، وغيره أحب إلي، وإن لم يعد إلا في الوقت أجزأه؛ قال: وإنما رأيت أن يعيد بعد ذهاب الوقت؛ لأن كل من تعمد الصلاة بثوب نجس، فالإعادة عليه واجبة في الوقت وبعده؛ فهذا قد صلى، وهو يعلم أن الإمام قد صلى بثوب نجس؛ قلت له: أكنت تحب أن ينصرف إذا لم يقدر على أن يعلم الإمام بما في ثوبه، أو ترى أن يعلم الناس ويسمعهم، وكيف إن علم أن الإمام غير متوضئ، فماذا يجب، أيجب عليه أن يعلم الناس، أم الإمام دونهم؟ أم ينصرف ولا يصلي بصلاته؟ قال سحنون: إذا كانت بينه وبين الإمام صفوف، فلا أرى بأسا- أن يكلم الإمام ويخبر بأن في ثوبه نجاسة، ثم يبتدئ الصلاة.
قال محمد بن رشد: قوله في الذي رأى في ثوب الإمام نجاسة - إن أطاق أن يريه ذلك فليفعل، يريد فيخرج الإمام ويستخلف، ويتمادى هو مع المستخلف على صلاته، إلا أن يكون عمل من الصلاة معه عملا بعد أن رآه وقبل أن يريه إياه، فيكون قد أفسد على نفسه صلاته بذلك، فيقطع ويبتدئ- قاله يحيى بن يحيى؛ وهو صحيح على ما قال: إذا لم يطق أن يريه إياه فصلى معه، إنه يعيد في الوقت، وبعده أحب إلي؛ وإنما قال: وإن لم يعد
стр. 577
إلا في الوقت أجزأه، مراعاة لقول من يرى أن صلاة المأمومين غير مرتبطة بصلاة إمامهم، مع ما في أصل المسألة من الاختلاف؛ إذ قد قيل في رفع النجاسات من الثياب والأبدان أنه فرض، وهو قول ابن وهب؛ فعلى قوله يعيد من صلى بثوب نجس عامدا أو جاهلا أو ناسيا أبدا؛ وقيل: إنه سنة- وهو المشهور في المذهب، فعلى هذا يعيد من صلى بثوب نجس في الوقت إن كان ناسيا، أولم يجد غيره، وإن صلى به متعمدا أو جاهلا- وهو يجد ثوبا طاهرا، أعاد أبدا، لتركه السنة عامدا مستخفا بصلاته، أو جاهلا فلا يعذر بجهله، ومن الناس من يعبر عن رفع النجاسات من الثياب والأبدان- على هذا- بأنه فرض بالذكر مع القدرة، يسقط بالنسيان، أو عدم القدرة، وليست بعبارة مخلصة.
وقد روى البرقي عن أشهب أن من صلى بثوب نجس عامدا، فلا إعادة عليه إلا في الوقت، وهو ظاهر قوله في المدونة فيمن مسح مواضع المحاجم ولم يغسلها، أنه يعيد في الوقت، - إذ لم يفرق في ذلك بين النسيان والعمد، وعلى ذلك حملها أبو عمران فقال: ناسيا كان أو عامدا، للاختلاف في المسح؛ إذ قد روي عن الحسن وغيره، أنه قال: ليس عليه غسل موضع المحاجم. وقد قال ابن أبي زيد: معناه ناسيا؛ وجعل ذلك ابن حبيب أخف من الدم الذي يفتله الراعف ويتمادى على صلاته، (وحكم الذي يعلم في الصلاة- أن الإمام غير متوضئ، حكم الذي يرى في ثوب الإمام نجاسة- ولا يقدر على أن يريه إياه، لبعد ما بينه وبينه؛ يعلم الإمام بذلك، ويستأنف الصلاة عند سحنون؛ وسكت ابن القاسم عن الجواب في هذا الذي يأتي على مذهبه في ذلك أن يكلمه ويبني على صلاته) - على أصله في إجازة الكلام فيما تدعو إليه الضرورة من إصلاح الصلاة على حديث ذي اليدين؛ وقد قيل: إنه إن قدر أن يفهم الإمام أنه على غير وضوء، وأن في ثوبه نجاسة، بأن يتلو
стр. 578
آية الوضوء، أو أول المدثر، فعل ذلك وتمادى على صلاته مع مستخلف الإمام، وهو قول الأوزاعي؛ وقد قيل: إنه لا يمنع الرجل أن يرى الإمام النجاسة في ثوبه بعدما بينه وبينه، وله أن يخرق الصفوف إليه، ثم يرجع إلى الصف، ولا يستدبر القبلة في رجوعه إلى الصف، قاله يحيى بن يحيى، وهو خلاف ظاهر قول سحنون.
[مسألة: يختم القرآن وهو في نافلة ثم يريد أن يبتدئ القرآن من سورة البقرة]
مسألة وسألته عن الرجل يختم القرآن وهو في نافلة قد استفتح الركعة التي ختم فيها بأم القرآن، ثم يريد أن يبتدئ القرآن من سورة البقرة؛ أيجب عليه أن يفتتح بأم القرآن أيضا لابتدائه القرآن من أوله؟ أم يجزئه أن يفتتح البقرة ويدع أم القرآن؟ قال: يفتتح البقرة- ولا جناح عليه في ترك أم القرآن؛ لأنه لا يقرأ أم القرآن في ركعة مرتين.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال- لأن السنة أن يقرأ أم القرآن في كل ركعة مرة، كما قال رسول الله- ﷺ للذي علمه الصلاة.
[مسألة: يمنعهم شدة المطر من شهود الجمعة أيجمعون الظهر بمكانهم]
ومن كتاب أول عبد أشتريه فهو حر
مسألة قال: وسئل عن القوم يمنعهم شدة المطر من شهود الجمعة، أيجمعون الظهر بمكانهم الذي هم فيه؟ فقال: إن جاء من
стр. 579
ذلك أمر غالب يعذرون به، جاز لهم أن يجمعوا كما جوز مالك للمرضى والمحبوسين، لما تبين من عذرهم؛ وإن كان مطرا لا يمنعهم من شهود الجمعة، فإن جمعوا أعادوا الصلاة- إذا تركوا شهود الجمعة لغير عذر غالب.
قال محمد بن رشد: قد مضى القول في هذه المسألة مجودا في أول رسم من سماع عيسى، فلا معنى لإعادة القول في ذلك.
[مسألة: الإمام يرى في ثوبه دما تعاد الصلاة من مثله]
مسألة وسألته عن الإمام يرى في ثوبه دما تعاد الصلاة من مثله، أيجزئه أن ينزعه ويعلم الناس ويبتدئ صلاته؟ أم يخرج ويستخلف مكانه؟ فقال: بل يخرج فينزع ثوبه ويغسله- إن أحب، ثم يرجع فيدخل مع الناس فيما أدرك، ويدخل عند خروجه- رجلا فيبني الداخل على صلاة الإمام؛ لأن ما مضى منها مجزئ عمن خلفه، ومنتقض عليه هو؛ فلذلك لزمه الخروج؛ لأنه لو ابتدأ من خلفه يبني، لاختلط عليهم ما هم فيه.
قال محمد بن رشد: قوله في الإمام يرى في ثوبه نجاسة، أنه ينصرف ويستخلف من يتم بالقوم بقية صلاتهم، هو المشهور المعلوم في المذهب؛
стр. 580
والأصل في ذلك ما روي «أن رسول الله- ﷺ رأى في ثوبه دما في الصلاة فانصرف» ، فإذا وجب عليه أن ينصرف لما في ثوبه من النجاسة، وجب عليه أن يستخلف كما إذا ذكر أنه على غير وضوء وأحدث؛ وقد قال ابن القصار: إن من رأى نجاسة في ثوبه- وهو في الصلاة وعليه ما تجزئه به الصلاة سواه، أنه يخلعه ويتمادى على صلاته، كما فعل النبي ﵊ في النعل الذي علم في الصلاة أن فيه نجاسة؛ وقد فرق بعض الناس بين الثوب والنعل، بأن النجاسة في أسفل النعل، فأشبه أن لو بسط عليها ثوبا أو جلدا، وهي تفرقة ضعيفة، والصواب أن ذلك تعارض بين الآثار؛ ولذلك اختلف أهل العلم في طهارة الثوب والبقعة، هل هو من فرائض الصلاة، أو من سننها- وبالله التوفيق.
стр. 581
[مسألة: يدخل المكتوبة فيصلي ركعتين ثم يشك في أنه بقي عليه مسح رأسه]
من سماع سحنون وسؤاله أشهب وابن القاسم مسألة قال سحنون: وسئل أشهب عن الرجل يدخل المكتوبة فيصلي ركعتين، ثم يشك في أنه بقي عليه مسح رأسه، ثم يتم بقية صلاته، ثم يذكر بعد ذلك أنه قد أتم وضوءه، قال: صلاته باطل.
قال محمد بن رشد: هذا خلاف قول ابن القاسم في أول رسم "بع" من سماع عيسى، وقد مضى هناك وجه قوله، ووجه قول أشهب هذا أن الصلاة واجبة عليه بطهارة، فلا يصح الدخول فيها، ولا التمادي عليها، إلا بطهارة متيقنة غير مشكوك فيها.
[مسألة: يأتي إلى القوم وهم في الصلاة فيدخل معهم فيها وقد صلاها في البيت]
مسألة قيل لأشهب فالرجل يأتي إلى القوم وهم في الصلاة فيدخل معهم فيها- وهو عند نفسه قد صلاها في البيت، فإذا فرغ من الصلاة مع الإمام، ذكر أنه لم يكن صلاها في البيت؛ قال: صلاته باطل، وعليه الإعادة.
قال محمد بن رشد: هذا خلاف ما يأتي بعد هذا في هذا السماع من قول ابن القاسم وروايته عن مالك، وخلاف ما مضى أيضا في رسم "أسلم" من
стр. 582
سماع عيسى، وقد مضى هناك من توجيه القولين ما أغنى عن إعادته ههنا.
[مسألة: يدخل يوم الجمعة وهو يرى أنه يوم الخميس]
مسألة قال أشهب في الذي يدخل يوم الجمعة- وهو يرى أنه يوم الخميس، أو يدخل يوم الخميس- وهو يرى أنه يوم الجمعة: أرى عليه الإعادة في الأمرين جميعا، قيل له: فإن كان مسافرا دخل مع قوم- وهو يظنهم مسافرين، فأصابهم حضريين، أو وهو يظن أنهم حضريون فأصابهم مسافرين؛ قال: صلاته في الأمرين جميعا مجزئة عنهم.
قال محمد بن رشد: قد مضى القول في هذه المسألة موعبا في أول رسم من سماع ابن القاسم، فلا وجه لإعادته.
[مسألة: يدخل في الظهر فتتحول نيته وهو يظن أنه في نافلة]
مسألة قيل لأشهب في الذي يدخل في الظهر فتتحول نيته- وهو يظن أنه في نافلة، فيصلي ركعتين ويسلم، ثم يذكر بحضرة ذلك؛ قال: يبني، وصلاته تامة، وليس تحول النية بشيء؛ قال سحنون: قال لي يوسف بن عمرو: قلت له فإن تحولت نيته وظن أنه في عصر حتى صلى ركعتين؟ قال: صلاته مجزئة وليس تحول النية بشيء، وقال سحنون مثله.
стр. 583
قال محمد بن رشد: لم يراع أشهب تحول النية في الصلاة وهو على روايته عن مالك في الذي ركع بالسجدة- ساهيا في رسم "لم يدرك" من سماع عيسى خلاف قول ابن القاسم فيه وفي رسم أسلم بعده، وقد مضى في الرسمين من الكلام في ذلك ما فيه كفاية لمن تدبره ووقف عليه.
[مسألة: الحائض تطهر فتغتسل وقد بقي عليها من النهار ما تصلي فيه ثلاث ركعات]
مسألة وسألت أشهب عن الحائض تطهر فتغتسل وقد بقي عليها من النهار ما تصلي فيه ثلاث ركعات، ثم تعلم قبل أن تصلي أن الماء غير طاهر، فإن اغتسلت ذهب النهار. قال: آمرها أن تصلي بهذا الغسل في الوقت، أحب إلي من أن تغتسل بماء طاهر فتصلي وقد ذهب الوقت؛ لأن الصلاة في الوقت في الثوب غير الطاهر خير من الصلاة بعد الوقت بثوب طاهر؛ قيل له: فإن طهرت وقد بقي عليها من النهار قدر ما تصلي فيه خمس ركعات عند نفسها، فصلت الظهر ثم غابت الشمس؛ قال: أخطأت في التقدير، وإنما كان عليها أن تصلي العصر، فعليها أن تعيد العصر أربع ركعات، قيل لأشهب: فإن ظنت أنه إنما بقي عليها أربع ركعات، فبدأت بالعصر ففرغت وقد بقي عليها من النهار قدر ما تصلي فيه ركعة؛ قال: تصلي الظهر وليس عليها إعادة العصر؛ لأن الظهر والعصر كانتا عليها جميعا؛ وإنما ذلك بمنزلة من صلى العصر، ونسي الظهر ثم ذكر قبل مغيب الشمس بقدر ما يصلي ركعة أو أربع ركعات قبل غروب الشمس، فليس عليه إعادة العصر، ولو بقي عليه من النهار قدر خمس ركعات، صلى الظهر
стр. 584
وأعاد العصر، فكذلك مسألة الحائض قيل لأشهب: فإن نسي الصبح، ثم ذكر قبل مغيب الشمس بقدر ما يصلي ركعة ولم يكن صلى العصر ابتدأ بالعصر، قال: يبدأ بالصبح- وإن غربت الشمس، وهو قول مالك.
قال محمد بن رشد: قوله في الحائض التي تطهر فتغتسل بماء غير طاهر- وقد بقي من الوقت ما تصلي فيه ثلاث ركعات، أنها تصلي بهذا الغسل؛ لأن الوقت يفوتها- إن لم تصل حتى تعيد الغسل بماء طاهر معناه أن الماء الذي تطهرت به لم يتغير أحد أوصافه بما حل فيه من النجاسة، فهو ماء مختلف في طهارته، لا تجب الإعادة على من تطهر به إلا في الوقت استحبابا فهو ماء تصح به الصلاة، ولو لم تصل به واغتسلت بماء طاهر، فذهب الوقت، لوجب على قياس قوله- أن تصلي بعد ذهاب الوقت؛ لأن الصلاة قد كانت وجبت عليها قي الوقت بذلك الغسل، خلاف قول ابن القاسم في رسم "كتاب السهو" من سماع أصبغ فيها وفي المغمى عليه، وإن علما قبل أن يصليا، أعادا الغسل والوضوء، وعملا على ما بقي لهما بعد فراغهما، ولم ينظر إلى الوقت الأول، إلا أن تحمل رواية أصبغ على أن ذلك الماء قد تغير أحد أوصافه بالنجاسة، والأظهر أنه إنما تكلم على الماء الذي لم تغيره النجاسة، فحكم له بحكم الماء الذي غيرته النجاسة، وذلك على قياس قوله في المدونة أنه يتيمم ولا يتوضأ به؛ فهو خلاف لقول أشهب هذا، وقياسه مسألة الحائض تظن أنه إنما بقي من الوقت أربع ركعات بعد ظهرها، فتصلي العصر ويبقى من الوقت ركعة على الذي يصلي العصر- وهو ناس للظهر، ثم يذكر ولم يبق بينه وبين المغرب إلا مقدار ما يصلي فيه الظهر، أنه لا إعادة عليه للعصر، صحيح، والمعنى الجامع بينهما، أن كل واحد منهما صلى العصر- وهو يظن أن الظهر غير
стр. 585
واجبة عليه- وإن افترق موجب ظنهما؛ لأن الحائض ظنت أنها لم يجب عليها باعتقادها أنها طهرت بعد وقتها، والآخر ظن أنه لم يجب عليه اعتقاد أنه قد كان صلاها؛ ولمالك في كتاب ابن المواز في مسألة الحائض: أنها تعيد العصر بعد الغروب.
قال محمد بن المواز: وذلك عندنا- إذا علمت بالركعة قبل أن تسلم من العصر، فأما لو لم تعلم إلا بعد أن سلمت، فلا شيء عليها، إلا الظهر- وحدها فلم ير بين المسألتين فرقا؛ ويحتمل أن يفرق بينهما على مذهب من يرى أن الظهر تختص بأربع ركعات بعد الزوال، لا يشاركها فيها العصر؛ لأن ظهرها آخر الوقت أول الوقت لها، كزوال الشمس لسائر الناس، بخلاف الذي يؤخر الصلاة عن أول وقتها، فلما صلت العصر في الوقت المختص بالظهر على هذا القول، صارت كمن صلى الصلاة قبل وقتها، يجب عليه إعادتها أبدا، وهذا بين- والله أعلم؛ وأما قوله في الذي نسي الصبح فذكر قبل الغروب بمقدار ركعة، أنه يبدأ بالصبح، وإن فات وقت العصر، فذلك ما لا اختلاف فيه أحفظه في المذهب أن ترتيب الصلوات اليسيرة الفوائت مع ما هو في وقته واجب وجوب السنن؛ فإن بدأ بالعصر- جاهلا أو متعمدا، فقيل: لا إعادة عليه بعد خروج الوقت، وقيل: إنه يعيد لترك السنة- عامدا، وقيل: إنه إن بدأ بالعصر- وهو ذاكر للصبح- فلا إعادة عليه إلا في الوقت، وإن ذكر الصبح بعد أن دخل في العصر، أعادها أبدا، للحديث الذي جاء- وهو قوله ﵇: «من ذكر صلاة في صلاة، فسدت هذه عليه» - وهو مذهبه في المدونة.
стр. 586
[مسألة: دخل المسجد فوجد الإمام ساجدا في آخر صلاته فأحدث الإمام فقدمه]
مسألة وقال أشهب في رجل دخل المسجد فوجد الإمام ساجدا في آخر صلاته، فأحدث الإمام، فقدمه فصلى بهم السجدة التي بقيت عليهم، ثم تشهد بهم وقام يتم لنفسه صلاته، فلما أتم ما عليه سلم بالقوم، أن صلاة القوم الذين وراءه فاسدة؛ لأنه صلى بهم سجدة لا يعتد بها، ولا يبنى عليها.
قال محمد بن رشد: قد تقدمت هذه المسألة والاختلاف فيها، وتوجيهه في رسم "باع شاة" من سماع عيسى، فلا معنى لإعادته ههنا.
[مسألة: أتي المسجد فوجد الإمام قد سبقه بركعة فأحدث الإمام فقدمه]
مسألة قال سحنون: سئل ابن القاسم عن رجل أتي المسجد فوجد الإمام قد سبقه بركعة، فأحدث الإمام فقدمه، فلما قام يقضي لنفسه، قام رجل فائتم به في تلك الركعة؛ لأنه بقيت عليه كما بقيت على الإمام، قال: أرى صلاته مجزئة تامة، ثم رجع فقال: أحب إلي أن يعيد الصلاة.
قال محمد بن رشد: إنما اختلف قوله في وجوب الإعادة من أجل أنه صلى بإمام ما وجب عليه أن يصلي- فذا، وقد مضى ذكر ذلك والاختلاف فيه في رسم "لم يدرك"، ورسم إن خرجت من سماع عيسى، ويأتي في سماع موسى بن معاوية أيضا.
стр. 587
[مسألة: يصلي في بيته ثم أتي المسجد فدخل معهم فصلى ركعة ثم انتقض وضوؤه]
مسألة قلت له: فالرجل يصلي في بيته ثم يأتي المسجد فيجد تلك الصلاة قد قامت، فدخل معهم للحديث، فصلى ركعة ثم انتقض وضوؤه، قال: لا إعادة عليه. وكذلك لو دخل على غير وضوء لا إعادة عليه، وكذلك قال لي مالك؛ قال: وإذا صلى في بيته صلاة على غير طهر- وهو لا يدري، ثم توضأ فوجد الناس يصلونها، فدخل معهم للحديث، رأيتها مجزئة، وكذلك قال مالك.
قال محمد بن رشد: قوله في المسألة الثانية إن صلاته مجزئة، خلاف ما تقدم لأشهب في أول هذا السماع، وقد مضى في رسم "أسلم" من سماع عيسى ذكر الخلاف في المسألتين جميعا، وتوجيه ذلك، فلا معنى لإعادته.
[مسألة: يكون عليه صلوات كثيرة فيذكر قبل صلاة الظهر]
مسألة قال سحنون: قال ابن القاسم في الذي يكون عليه صلوات كثيرة- عشر صلوات، أو نحو ذلك، أو أكثر، فيذكر قبل صلاة الظهر؛ قال: إن كان يقدر أن يصلي ما ذكر قبل أن تغيب الشمس وتفوت الظهر والعصر، وذلك أن الناس مختلفون، منهم من يقوى ومنهم من لا يقوى؛ فليصل ما ذكر ثم ليصل الظهر والعصر، وإن كان لا يقدر ويخاف فوات ذلك، فليبدأ بالظهر فليصلها، ثم ليصل العصر، فإن فرغ وبقي عليه نهارا، أعاد الظهر والعصر؛ لأنه أساء التقدير، وإن كانت الصلوات يسيرة مثل
стр. 588
الصلاتين، والثلاث، ونحو ذلك، وما قل؛ فليبدأ بما ذكر- وإن ذهب وقت الصلوات التي هو فيها.
قال محمد بن رشد: لا اختلاف فيمن ذكر صلوات كثيرة، أنه يبدأ بما هو في وقته من الصلوات قبلها، إلا أن يدرك بعد أن يصليها- ما هو في وقته من الصلوات؛ إلا أنه اختلف في حد الوقت في ذلك، فمال ابن حبيب: إنه يبدأ بالفوائت- ما لم يفته وقت الاختيار فيما هو في وقته.
وقال ابن القاسم في مختصر يحيى بن عمر: ما لم تصفر الشمس، وقال في هذه الرواية ما لم تغب الشمس، وكذلك لا اختلاف أيضا في الصلوات اليسيرة، أنه يبدأ بها- وإن فاته وقت ما هو في وقته من الصلوات؛ لقوله ﵊ «إذا رقد أحدكم عن الصلاة أو نسيها ثم فزع إليها، فليصلها كما كان يصليها في وقتها» . ولا اختلاف في ست صلوات فأكثر، إنها كثير، ولا في ثلاث صلوات فأقل، إنها يسير؛ واختلف في الأربع والخمس، فقيل: إن ذلك كثير- وهو ظاهر ما في المدونة، وقيل: إن ذلك يسير- وهو قول ابن القاسم في آخر رسم "سن" من سماعه، وهو أظهر الأقوال، وقد مضى هناك وجهه؛ وقيل: إن الأربع يسير، والخمس كثير- وهو قول سحنون، وظاهر هذه الرواية- وبالله التوفيق.
[مسألة: ذكر صلوات يسيرة يخاف ذهاب وقتها]
مسألة قلت له: أرأيت إن ذكر صلوات يسيرة: صلاة، أو ثلاث صلوات في صلاة، يخاف ذهاب وقتها، فتعمد فصلى الصلاة التي هو فيها وترك القضاء، ثم أخذ يقضي فلم يفرغ حتى خرج وقت الصلاة
стр. 589
التي ذكر هؤلاء الصلوات فيها، قال: لا يعيد وقد تمت المكتوبة.
قال محمد بن رشد: إذ قد قال: (إنه) لا يعيدها بعد خروج الوقت، وإن ذكر الصلوات اليسيرة فيها فأحرى ألا يعيدها بعد خروج الوقت إذا ذكر الصلوات اليسيرة قبل ابتدائه بها، وقد قيل: إنه يعيدها أبدا في الوجهين جميعا، وقد فرق بينهما وهو مذهبه في المدونة، وقد تقدم ذلك في هذا السماع.
[مسألة: يصلي بالطائفة الأولى في الخوف ركعة من المغرب فيدخل رجل في الثانية]
مسألة وسئل ابن القاسم عن الإمام في صلاة الخوف يصلي بالطائفة الأولى ركعة من المغرب، ثم يدخل رجل في الركعة الثانية، قال: إذا صلى الإمام الركعة الثانية وقام فوقف، أتم القوم صلاتهم، ولا ينبغي للداخل أن يقضي- والإمام لم يفرغ؛ لأن الطائفة الأولى، إنما تتم صلاتها ولا تقضي.
قال محمد بن رشد: قال: إنه لا يقضي- والإمام لم يفرغ، ولم يبين ماذا يصنع، وقد اختلف في ذلك فقيل: إنه يصلي لنفسه الثالثة كما تفعل الطائفة الأولى التي هو منها، ثم يقف عن قضاء الركعة التي فاتته حتى يسلم الإمام، وإلى هذا ذهب ابن لبابة، وهو معنى ما ذهب إليه في الرواية؛ وقيل: إنه لا يصلي شيئا فيثبت جالسا حتى يسلم الإمام، وهذا يأتي على مذهب من يرى أنه يبدأ بالقضاء قبل البناء، والقضاء لا يكون قبل سلام الإمام؛ فإذا سلم الإمام على هذا القول، قام فقضى الركعة الأولى التي فاتته بأم القرآن
стр. 590
وسورة، فتتم له ركعتان ويبني عليهما الثالثة، وقد قيل: إنه يصلي ركعتين قبل سلام الإمام- وهو أحد قولي سحنون؛ ووجهه أنه من الطائفة الأولى، فكما يصلي الثالثة قبل سلام الإمام؛ لأنه في حكم من خرج من صلاته، فكذلك يقضي الأولى قبل سلامه، وهذا القول أظهر من جهة القياس، وقيل: إنه يقف مع الإمام ولا يصلي شيئا حتى تأتي الطائفة الثانية، فيصلي معهم ويقضي الركعة الأولى بعد سلام الإمام. وهذا القول أضعف الأقوال، لدخوله مع الطائفة الثانية- وهو من أهل الطائفة الأولى، فيصير قد صلى الركعة الثالثة بإمام- وهو إنما وجب عليه أن يصليها- فذا، وقد مضى الاختلاف في ذلك في رسم "إن خرجت" من سماع عيسى.
[مسألة: يجعل الثوب على النار لمكان القمل]
مسألة قال سحنون: أكره أن يجعل الثوب على النار لمكان القمل، قال: ولا بأس به على الشمس، وخفف المهاميز تهمز به الدواب.
قال محمد بن رشد: إنما كره أن يجعل الثوب على النار لمكان القمل، لما جاء من النهي عن المثلة، وعن أن يعذب بعذاب الله، ولما روي أن رسول الله- ﷺ قال: «إذا قتلتم فأحسنوا القتلة» . وخفف المهاميز يهمز بها الدواب من أجل أنه لا يتأتى منها في أغلب الأحوال- مما أذن الله به من تسخيرها، والانتفاع بها إلا بذلك، وقد مضى هذا لسحنون أيضا في نوازله من كتاب الوضوء.
стр. 591
[مسألة: يصلي المغرب في المسجد ويظن أن الناس قد صلوا ثم تقام الصلاة]
مسألة قلت: فالرجل يصلي المغرب في المسجد- ويظن أن الناس قد صلوا، فيصلي ركعة، ثم تقام الصلاة، أو ركعتين ثم تقام الصلاة، أو يقوم في الثالثة ويمكن يديه من ركبتيه، إلا أنه لم يرفع رأسه ثم تقام الصلاة؛ قال: أما إذا صلى ركعة ثم أقيمت الصلاة، فإنه يضيف أخرى ويسلم ويدخل مع القوم؛ وإن كان قد صلى ركعتين ثم أقيمت الصلاة، سلم ودخل مع القوم؛ وإن أقيمت وقد أمكن يديه من ركبتيه في الثالثة ولم يرفع رأسه، رفع رأسه وتشهد فخرج من المسجد ووضع يده على أنفه.
قال محمد بن رشد: قد تقدم القول في هذه المسألة في آخر رسم "نقدها" من سماع عيسى، فلا وجه لإعادته.
[مسألة: قراءة الظهر والعصر التي يسر فيها إن حرك لسانه ولم يسمع أذنيه]
مسألة قال: وسألت ابن القاسم عن قراءة الظهر والعصر التي يسر فيها إن حرك لسانه ولم يسمع أذنيه، قال: يجزئه، ولو أسمع شيئا، لكان أحب إلي.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال؛ لأنه إذا حرك لسانه بالقراءة، فقد قرأ، وإسماعه نفسه أرفع مرتبة في قراءة السر من ألا يسمع نفسه؛ فلذلك استحب أن يسمع نفسه، كما يستحب فيما شرع فيه الجهر أن يرفع صوته؛ ولا يكتفي بأقل مما يقع عليه اسم جهر، وسيأتي في سماع موسى بن معاوية مسألة من نحو معنى هذه- إن شاء الله.
стр. 592
[مسألة: النصراني يسلم فيتوضأ ويصلي ولا يغتسل يجهل ذلك]
مسألة وسألت ابن القاسم عن النصراني يسلم فيتوضأ ويصلي ولا يغتسل- يجهل ذلك. قال: يعيد الصلاة- وإن خرج الوقت- إذا كان قد جامع، أو أجنب؛ قلت له: فإن تيمم ولم يجد الماء، أيجزئه التيمم- إذا لم ينو الجنابة؟ قال: يجزئه؛ لأنه إنما تيمم للإسلام. - يريد بذلك الطهر، فهو يجزئه، وكذلك إذا اغتسل ولم ينو الجنابة؛ لأنه نوى بالغسل الإسلام، فقد أراد الطهر من كل ما كان فيه.
قال محمد بن رشد: في قوله إذا كان قد جامع أو أجنب، دليل بين ظاهر على أنه لو لم يجامع ولا أجنب، لما وجب عليه غسل إذا أسلم، وإن كان رجلا قد تجاوز سن البلوغ، وهو صحيح في المعنى، مفسر لجميع الروايات في المدونة وغيرها؛ وقد روى ابن وهب عن مالك أنه لا غسل على النصراني إذا أسلم، وهو بعيد في المعنى، خارج عن الأصول والقياس، وقد مضى القول في هذه المسألة مستوفى في سماع موسى بن معاوية من كتاب الوضوء.
[مسألة: يحرم مع الإمام إحراما واحدا معا]
مسألة وسئل ابن القاسم عن الرجل يحرم مع الإمام إحراما واحدا معا، أترى أن يجزئه عنه؟ قال: أرى أن يجزئه عنه، ولو أحرم بعده، كان أجزأ وأصوب.
стр. 593
قال محمد بن رشد: قوله إذا أحرم مع الإمام معا أنه يجزئه، هو مذهب عبد العزيز بن أبي سلمة، وقول ابن عبد الحكم؛ وقد قيل: إنه لا يجزئه، وهو قول مالك في المجموعة، وقول أصبغ، وإليه ذهب ابن حبيب - وهو الأظهر، لقوله- ﵊: «إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا» - الحديث. إذ الفاء توجب التعقيب، فإذا لم يتقدمه الإمام بالابتداء بالتكبير للإحرام، فلم يأتم به؛ وهذا الاختلاف إنما هو إذا ابتدأ تكبيرة الإحرام معه معا، فأتمها معه أو بعده؛ وأما إن ابتدأ بها قبله فلا تجزئه، وإن أتمها قبله قولا واحدا؛ وإن ابتدأ بها بعده فأتمها معه أو بعده، أجزأه قولا واحدا؛ والاختيار ألا يحرم المأموم إلا بعد أن يسكت الإمام- قاله مالك، فإن أحرم معه معا، كان الاختيار له أن يعيد الإحرام، فإن لم يفعل، دخل في الاختلاف المذكور، وحكم السلام في ذلك على المذهب حكم الإحرام، يجري على التفصيل الذي ذكرناه؛ لقوله- ﵊: «تحريم الصلاة التكبير، وتحليلها التسليم» . فكما لا يجوز أن يحرم بالصلاة قبل إمامه، فكذلك لا يجوز أن يتحلل منها قبله، خلافا لمن لا يوجب السلام من أهل العراق.
[مسألة: يجعل في بيته محرابا حنيته مثل حنية المسجد]
مسألة وسئل ابن القاسم عن الرجل يجعل في بيته محرابا حنيته مثل حنية المسجد، قال: ليس بالمحراب في المساجد ولا في البيت بأس.
قال محمد بن رشد: أما جواز الفعل، فلا إشكال فيه، ولا وجه للسؤال عنه؛ وإنما موضع السؤال إذا فعل ذلك، هل يتحرم المحراب بحرمة
стр. 594
المسجد، ويرتفع ملكه عنه أم لا؟ إذ من أهل العراق من ذهب إلى أنه من بنى في داره مسجدا، وخلى بين الناس وبينه حتى صلوا فيه صلاة واحدة، أنه يتحرم بذلك بحرمة المسجد، ويرتفع ملكه عنه؛ واحتج على من ذهب إلى أنه لا يتحرم بحرمة المسجد إذا كان في دار يغلق بابها عليه، ويحول بين الناس وبينه في حال ما، - بما روي أن رسول الله- ﷺ «أمر بالمساجد أن تبنى في الدور وتطيب» ، أو كما قال. وهذا لا حجة فيه، لاحتمال أن يكون أراد خلال الدور، لا داخلها؛ لأن الدور المجتمعة لقوم تسمى دارا، قال تعالى: ﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ﴾ [هود: ٦٥] . ومنه الحديث: «خير دور الأنصار دار بني النجار، ثم دار بني عبد الأشهل، ثم دار بلحرث، ثم دار بني ساعدة، وفي كل دور الأنصار خير» . قال: هذا بعض من تكلم على معنى الحديث، والذي أقول به على ظاهره: أن من بنى مسجدا في داره أو محرابا للصلاة، فإنه يتحرم بحرمة المسجد في أن ينزه بما تنزه عنه المساجد، دون أن يرتفع ملكه عنه، ما لم يخرجه من غلق داره- وبالله التوفيق.
[مسألة: يتبخر بلحوم السباع]
مسألة قال ابن القاسم: لا بأس أن يتبخر بلحوم السباع إذا كانت ذكية، وإن كانت ميتة، فلم يكن يعلق دخانها بالثياب، كما يعلق الدخان دخان عظام الميتة، فلا بأس به، وأرجو أن يكون خفيفا، وإن كان يعلق بالثياب، فلا يعجبني.
стр. 595
قال محمد بن رشد: حكم دخان لحوم الميتة حكم رمادها؛ لأنه جسمها استحال إلى الدخان بالنار، كما استحال به إلى الرماد؛ والاختلاف في طهارة ذلك، جار على الاختلاف في طهارة جلد الميتة المدبوغ؛ لأنه استحال بالدباغ عن صفة الميت الذي يتغير بالبقاء إلى صفة المتاع الذي لا يتغير به؛ ولذلك كره أن يتبخر بها إذا كان دخانها يعلق بالثياب؛ لأنه جسم الميتة المستحيل بالنار، والأظهر فيه من طريق القياس الطهارة؛ لأن الجسم الواحد تتغير أحكامه بتغيير صفاته، ألا ترى أن العصير طاهر، فإذا تغير إلى صفة الخمر، حرم ونجس؛ ثم إذا تغير إلى صفة الخل، حل وطهر؟ وهذا بين، وأما إجازته التبخير بلحوم السباع- إذا كانت ذكية، فهو مثل ما في المدونة من إجازة ذكاتها لجلودها. وفي ذلك اختلاف، وقد قال في سماع أشهب من كتاب الضحايا: إن الذكاة لا تعمل إلا فيما يؤكل لحمه.
[مسألة: المسافر يؤم المسافرين والمقيمين فيصلي بهم ركعة فيحدث]
مسألة وسئل ابن القاسم عن المسافر يؤم المسافرين والمقيمين، فيصلي بهم ركعة، فيحدث فيقدم مقيما فيتمادى بهم ويصلي أربعا، قال: صلاة الإمام تامة، ومن خلفه من المقيمين والمسافرين يعيدون في الوقت وبعده؛ لأنه لا يكون في صلاة واحدة إمامان، وإنما ينبغي للإمام المقيم، أن يتم الصلاة صلاة المسافر، ويقضي ما بقي عليه، ولا يكون فيه إماما.
قال محمد بن رشد: تعليله لإيجاب الإعادة أبدا على المقيمين والمسافرين جميعا، بأنه لا يكون في صلاة واحدة إمامان ليس ببين، وإنما العلة في إيجاب الإعادة على المسافرين أبدا، أنهم أتموا على خلاف ما أحرموا عليه من نية التقصير، وقد مضى في رسم "إن خرجت" من سماع عيسى، أنه
стр. 596
لا إعادة عليهم إلا في الوقت، ومضى تحصيل الاختلاف في إتمام المسافر في أول سماع ابن القاسم؛ والعلة في إيجاب الإعادة أبدا على المقيمين، أنهم صلوا بإمام ما وجب عليهم أن يصلوه- فذا، وقد مضى الكلام على هذا المعنى (في رسم "لم يدرك") وفي رسم "إن خرجت" من سماع عيسى، ويأتي أيضا في سماع موسى بن معاوية - وبالله التوفيق.
[مسألة: مسافرا صلى بمقيمين ومسافرين فتعمد الصلاة بهم أربعا]
مسألة قلت لابن القاسم: فلو أن مسافرا صلى بمقيمين ومسافرين فتعمد الصلاة بهم أربعا، وتمادى معه المقيمون، قال: يعيد الإمام في الوقت، والمسافرون الذين خلفه- إن كانوا تعمدوا بتعمده، ونووا ذلك من أول، كانوا مثله؛ وإن كانوا نووا في أول ما عليهم ركعتين، فلما تمادى الإمام تمادوا معه، فأرى عليهم الإعادة في الوقت وبعده- وإن كانوا سهوا فتمادوا معه؛ وأما المقيمون فصلاتهم فاسدة، وعليهم الإعادة في الوقت وبعده؛ لأنه إن كان ساهيا فإنما عليه سجود سهو، ولا يجوز لهم أن يجتزئوا في الفريضة لهم بنافلة (الأول) وإن كان غير ساه، فقد تعمد فسادها عليهم؛ لأن ذلك لا يجزئه في الوقت.
قال محمد بن رشد: أما قوله في المسافرين إنهم إن كانوا تعمدوا بتعمده ونووا ذلك من أول، كانوا مثله؛ فصحيح لا اختلاف فيه. وأما قوله وإن كانوا نووا في أول ما عليهم ركعتين، فلما تمادى الإمام تمادوا معه، فأرى عليهم الإعادة في الوقت وبعده؛ فهو مثل ما تقدم له في المسألة التي قبل هذه؛ لأنه أتم على إحرامه بنية القصر. وأما قوله: وإن كانوا سهوا فتمادوا معه، فيحتمل أن يكون الكلام
стр. 597
لا جواب له؛ ويحتمل أن يكون جوابه جواب المسألة التي قبلها لعطفها عليها، وهو أن عليهم الإعادة في الوقت وبعده، فإن كان الكلام لا جواب له، فالجواب فيه على تعليل قوله في إيجاب الإعادة على المقيمين أبدا بأنه إن كان ساهيا، فإنما عليه سجود سهو أن يسجدوا لسهوهم وتجزئهم صلاتهم، وإن كان جوابه جواب المسألة التي عطفها عليها، أن عليهم الإعادة في الوقت وبعده، فقد تناقض قوله في المسألة، وقال بخلاف تعليله فيها، والقولان معلومان لابن القاسم فيمن زاد في صلاته مثل نصفها- ساهيا، وقد مضى توجيهها جميعا في رسم "إن أمكنتني" من سماع عيسى. وقوله: ولا يجوز لهم أن يجتزئوا في الفريضة بنافلة الإمام، يريد بما صلى على طريق السهو، صحيح على أصله في أن من صلى خامسة سهوا، ثم ذكر سجدة من أول صلاته، أنه يأتي بركعة ولا يعتد بما صلى على السهو، وعلى ما ذهب إليه ابن نافع، وابن الماجشون، وسحنون، واختاره ابن المواز، أنه يعتد بما صلى على السهو، ينبغي أن يعتد المقيمون بالركعتين اللتين صلاهما بهم المسافر- ساهيا، وهو منصوص لابن كنانة. وأما قوله: وإن كان غير ساه، فقد تعمد فسادها عليهم؛ لأن ذلك لا يجزئه في الوقت، فهو تعليل غير صحيح؛ لأنه إذا لم يجب على الإمام الإعادة بما تعمد من فسادها إلا في الوقت، فأحرى ألا يجب ذلك عليهم، إلا في الوقت، وهو قول مالك في رسم "الصلاة" الأول من سماع أشهب في بعض الروايات: أنهم يعيدون في الوقت كالإمام، وإنما العلة في أنهم يعيدون في الوقت وبعده، أنهم صلوا بإمام ما يجب عليهم أن يصلوه- فذا، وقد قيل: إنه لا إعادة عليهم في الوقت ولا غيره على الاختلاف في هذا الأصل، وقد مضى ذلك في المسألة التي قبل هذه.
[مسألة: يصلي مع الإمام في رمضان إشفاعا ثم ينقلب ويرجع فيجد الإمام في الوتر]
مسألة قال: وسألت ابن القاسم عن الرجل يصلي العتمة مع الإمام
стр. 598
في رمضان، ويصلي معه إشفاعا ثم ينقلب، ثم يرجع ويجد الإمام في ركعة الوتر، فيقول: قد ركعت، والوتر إنما هي واحدة، فأنا أدخل معه وأحتسب بها فيجزئني فيدخل، قال: لا أحب له أن يعتد بها، وأحب إلي أن يشفعها بركعة ثم يوتر؛ قلت له: فإن فعل، قال: فإن فعل، فالوتر ليست بواجبة.
قال محمد بن رشد: قد مضى لابن القاسم مثل هذا في رسم "لم يدرك" من سماع عيسى، وزاد فيه أن الإمام إن كان ممن لا يسلم، أضاف إليها ركعتين بغير سلام، ومضى في آخر الرسم الأول من سماع أشهب خلافه، فتدبر الكلام على ذلك في الموضعين، فقد مضى فيهما مستوعبا.
[مسألة: الإمام يصلي من صلاة الخوف ركعة ثم ينكشف الخوف]
مسألة قال ابن القاسم في الإمام يصلي من صلاة الخوف ركعة، ثم ينكشف الخوف، قال: يتم الصلاة بمن معه ويصلي بالأخرى إمام آخر، ولا أحب لهم أن يصلوا مع هذا الإمام الذي ابتدأ صلاة الخوف، ثم سألته بعد ذلك فقال: لا أرى بأسا أن يصلوا معه الركعة الثانية، وهو أحب إلي - وترك قوله الأول فيها.
قال محمد بن رشد: لا معنى لما كره من ذلك، والقول الذي رجع إليه هو الصواب؛ لأن الطائفة الثانية في دخولهم مع الإمام في الركعة الثانية إذا انكشف الخوف، كمن فاته بعض صلاة الإمام في غير خوف، وإنما الذي لا يجوز أن يصلي رجل من الطائفة الأولى الركعة الثانية مع الإمام إذا صلاها بالطائفة الثانية مع تمادي الخوف، فإن فعل ذلك، جرى على الاختلاف فيمن صلى بإمام ما وجب عليه أن يصليه- فذا، فاشتبهت عليه المسألتان- والله أعلم.
[مسألة: الإمام سها عن القراءة حتى ركع]
مسألة وسألت ابن القاسم عن مثل الذي أصاب إمام الإسكندرية من
стр. 599
سهوه عن القراءة حتى ركع، أرأيت لو اطمأن راكعا، أكنت ترى أن يمضي كما يمضي الذي ينهض من اثنتين فيعتدل قائما؟ قال: لا أرى ذلك مثله، وأرى له أن ينصرف فيقوم ثم يركع ويسجد لسهوه بعد السلام.
قال محمد بن رشد: لابن القاسم في كتاب ابن المواز أنه يقطع، وقال أصبغ: إنه يتمادى ويعيد، وقد مضى القول على هذه المسألة مجودا في رسم "أوصى أن ينفق" من سماع عيسى، فقف عليه هناك- وبالله التوفيق.
[مسألة: يعطس وهو يبول أو وهو على حاجته أيحمد الله]
مسألة وسئل ابن القاسم عن الرجل يعطس وهو يبول، أو وهو على حاجته، أيحمد الله؟ قال: نعم.
قال محمد بن رشد: قد روي عن ابن عباس أنه قال: يكره أن يذكر الله على حالتين على خلائه وهو يواقع أهله؛ والدليل لقول ابن القاسم من جهة الأثر، ما روي من أن رسول الله- ﷺ «كان إذا دخل الخلاء، قال: أعوذ بك من الخبث والخبائث» . وما روي عن عائشة أنها قالت: «كان رسول الله- ﷺ يذكر الله في كل أحيانه» . ومن طريق النظر، أن ذكر الله يصعد إلى الله، فلا يتعلق به من دناءة الموضع شيء.
قال الله : ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠] . - فلا ينبغي أن يمتنع من ذكر الله على حال من الأحوال، إلا
стр. 600
بنص ليس فيه احتمال، ومن ذهب إلى ما روي عن ابن عباس، تأول ما روي من أن رسول الله- ﷺ «كان إذا دخل الخلاء، قال: اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث» . - على أن معنى ذلك، كان إذا أراد أن يدخل الخلاء، وأظن ذلك يوجد في بعض الآثار، وإن ثبت ذلك، فأكثر ما فيه ارتفاع النص في جواز ذكر الله على تلك الحال، لا المنع من ذلك؛ وإذا لم يثبت الحظر والمنع في ذلك، وجب أن يكون مطلقا على الأصل في جواز الذكر عموما، وما روي من «أن رسول الله- ﷺ مر عليه رجل- وهو يبول فسلم عليه، فقال: إذا رأيتني على هذه الحال، فلا تسلم علي، فإنك إن فعلت لم أرد عليك» ، لا دليل فيه على أن ذكر الله لا يجوز على تلك الحال؛ إذ قد يحتمل أن يكون- ﷺ ترك رد السلام على من سلم عليه في تلك الحال- بعد أن نهاه عن ذلك- أدبا منه (له) على مخالفته نهيه؛ لكونه على تلك الحال، أو لكونه على غير طهارة على ما كان عليه في أول الإسلام من أنه لا يذكر الله إلا على طهارة، حتى نسخ ذلك- على ما روي بقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ [المائدة: ٦]- الآية.
[مسألة: نسي صلاة ولم يذكرها حتى صلى الجمعة مع الإمام]
مسألة وسئل ابن القاسم عن رجل نسي صلاة الصبح- ولم يذكرها حتى صلى الجمعة مع الإمام، قال: يصلي الصبح ويعيد الجمعة ظهرا أربعا.
قال محمد بن رشد: قد تقدمت هذه المسألة والقول فيها - موعبا - في رسم "القطعان" من سماع عيسى، فلا وجه لإعادته.
следующие страницы →