Полный текст (9 112 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
الصلاة، وإن كان دخل أول النهار، فإني أحب إلي أن يحسب ذلك اليوم.
قال محمد بن رشد: الأصل في تحديد أربعة أيام في هذا، ما روي «أن رسول الله ﷺ قدم مكة صبيحة رابعه من ذي الحجة، قال: لا يقيمن مهاجر بمكة بعد قضاء نسكه فوق ثلاث» ؛ فدل على أن ما فوق ثلاث في حيز الإقامة؛ إذ لم يبح ذلك رسول الله ﷺ للمهاجر الذي لا تصح له الإقامة بمكة، وإنما قال ابن القاسم: إنه يلغى اليوم الذي دخل فيه، إلا أن يكون دخل أول النهار، لما روي «أن رسول الله ﷺ قدم مكة صبيحة رابعه من ذي الحجة، ثم خرج يوم التروية، وذلك أحد وعشرون صلاة، أو اثنان وعشرون صلاة» ، فقصر بمنى ﷺ بعد أن أقام بمكة. وإلى هذا ذهب مالك في أن أهل مكة يقصرون- بمنى والله تعالى أعلم؛ وذهب ابن الماجشون وسحنون، إلى أنه إذا نوى إقامة عشرين صلاة من وقت دخوله إلى حين خروجه أتم، وقد اختلف في ذلك اختلافا كثيرا من يوم وليلة - وهو مذهب ربيعة - إلى تسعة عشر يوما وهو مذهب ابن عباس، روي عنه أنه قال: «أقام رسول الله ﷺ تسعة عشر يوما يقصر، فإن زدنا أتممنا» .
стр. 527
[مسألة: ينسى الوتر أو ينام عنه فلا يذكر إلا بعد طلوع الفجر]
ومن كتاب أوله أسلم وله بنون صغار مسألة وسئل عن الذي ينسى الوتر أو ينام عنه فلا يذكر إلا بعد طلوع الفجر، قال: إن كان ركع بعد أن صلى العشاء أوتر بواحدة، وإن كان لم يركع شفع الوتر بركعتين.
قال محمد بن رشد: إنما قال: إنه يوتر بواحدة- إن كان قد ركع بعد أن صلى العشاء، لما جاء من أن رسول الله ﷺ قال: «لا صلاة بعد الفجر إلا ركعتي الفجر» ، فليس ذلك بخلاف لما مضى في رسم "لم يدرك" من هذا السماع؛ لأنها مسألة أخرى، وإنما الخلاف فيما بين مسألة (رسم) لم يدرك، ومسألة أخرى أول رسم من سماع أشهب، وقد بينا وجه ذلك هناك.
[مسألة: يصلي ركعتين من مكتوبة فينسى فيسلم ثم يدخل في نافلة]
مسألة وسألته عن الذي يصلي ركعتين من مكتوبة فينسى فيسلم ثم يدخل في نافلة، ثم يذكر ذلك؛ فقال: إن كان طال ذلك استأنف الصلاة، وإن كان ركع استأنف أيضا- طال أو لم يطل، سواء خرج من الركعتين بسلام، أو خرج بغير سلام، فإن كان ذلك منه قريبا حين قام، بنى وسجد.
قال محمد بن رشد: قوله إنه يستأنف الصلاة، إن طال أو ركع وبنى إن كان ذلك منه قريبا وسجد، مبني على أن ما صلى بنية النافلة لا يعتد به من صلاته، فإن كان قريبا، ألغى ما عمل، واستأنفه وسجد بعد السلام- كما قال
стр. 528
في رسم "لم يدرك"- إذا ركع بالسجدة ساهيا، وإن طال ذلك استأنف الصلاة وجعل الركوع مع ما تقدم من القراءة بنية النافلة- طولا؛ ولو ركع بنية النافلة بعد أن قرأ بنية الفريضة، لوجب أن يلغي الركعة ويستأنفها، ويسجد بعد السلام على قياس قوله في هذه الرواية؛ وما قاله في الذي أراد أن يسجد السجدة فركع بها ساهيا، وقد قيل: إنه إن ركع ولم يطل القراءة، ألغى الركعة واستأنفها وسجد بعد السلام، ولم يستأنف الصلاة، وهو قول مطرف، وابن الماجشون، وابن وهب، وابن عبد الحكم، وروايتهم عن مالك؛ فسواء على هذا خرج من الركعتين بسلام، أو بغير سلام- كما قال؛ وإنما يفترق ذلك على مذهب من يرى أن تحول النية في الصلاة لا تأثير له في إفسادها، وهو قول أشهب في سماع سحنون، وروايته عن مالك، فيعتد على هذا القول بما صلى بنية النافلة- إن كان خرج من الركعتين بسلام أو بغير سلام - على القول بأن السلام على طريق السهو لا يخرج المصلي عن صلاته، ولا يعتد بذلك- إن كان خرج من الركعتين بسلام على القول بأن السلام على طريق السهو يخرج به عن صلاته، فإن لم يطل ذلك رجع إلى صلاته وسجد بعد السلام، وإن طال، استأنف صلاته من أولها.
[مسألة: يدرك ركعة من صلاة الجمعة فينسى فيها سجدة]
مسألة وسئل ابن القاسم عن الذي يدرك ركعة من صلاة الجمعة فينسى فيها سجدة فلا يذكرها إلا وهو قائم في إتمام الأخرى، أو بعد أن ركع؛ فقال: إن ذكر قبل أن يركع ألغى ما صلى مع الإمام؛ لأنه كهيئة من لم يستطع أن يسجد من زحام الناس حتى سلم الإمام وصلى ظهرا أربعا، وإن ذكر بعد أن صلى الركعة، أضاف إليها ثلاثة- وكانت له ظهرا؛ وروى أصبغ عن ابن القاسم مثله، وقال
стр. 529
من رأيه: لا يعجبني، وأرى أن يسجدها يتم بها الركعة، ثم يتم الجمعة على سنتها بركعة أخرى، ثم يبتدئ الصلاة أربعا للاختلاف؛ وإن جعلها ظهرا أو طرح الجمعة، رأيتها مجزئة، ولم أر عليه الإعادة؛ وقال في كتاب أوصى أن ينفق على أمهات أولاده أنه يخر فيسجد سجدة، ثم يبني على تلك الركعة إن كانت جمعة، وأجزأت عنه، وإن كانت ظهرا، فمثل ذلك.
قال محمد بن رشد: وقعت هذه المسألة ههنا مستوعبة بما فيها من الاختلاف، وقوله في القول الأول لأنه كهيئة من لم يستطع أن يسجد من زحام الناس حتى سلم الإمام، ليس بحجة؛ لأنها هي المسألة بعينها؛ إذ لا فرق بين أن يزحم أو ينسى؛ لأنه مغلوب على ترك السجود في الوجهين، فالمطالبة بالحجة باقية، فقال له: ولم لم يسجد بعد سلام الإمام الذي زحم عن السجود مع الإمام؟ والحجة له أن رسول الله ﷺ قال: «من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة» ، «ومن أدرك ركعة من الجمعة فقد أدرك الجمعة» . والسجدتان من تمام الركعة، (والذي سجد بعد سلام الإمام، لم تتم له الركعة إلا بالإمام، والحجة لقوله الثاني- وهو قول أشهب - قول النبي ﷺ : «من أدرك الركعة، فقد أدرك السجدة» ، «ومن
стр. 530
أدرك ليلة عرفة، فقد أدرك الحج» إذ قد حصل اليقين أنه ليس معنى ذلك أنه يكون مدركا للسجدة بنفس إدراك الركعة) دون أن يفعل السجدة، ولا مدركا للحج بنفس إدراك ليلة عرفة دون أن يفعل بقيته؛ للإجماع على ذلك، ولا أنه أراد أنه يكون مدركا لذلك بفعله مع الإمام؛ (إذ ليس للإخبار بذلك فائدة، فلم يبق إلا أنه يكون مدركا بذلك بفعله بعد الإمام) ، وقول أصبغ استحسان واحتياط للصلاة من أجل هذا الخلاف. ويتخرج في المسألة قول رابع وهو ألا تصح له الجمعة لفوات السجدة مع الإمام، ولا يبني أربعا على ذلك الإحرام؛ لأنه نوى به ركعتين على ما مضى من الاختلاف في أول رسم من سماع ابن القاسم في مسألة المسافر يدخل مع القوم وهو يظنهم مسافرين فيجدهم حضريين.
[مسألة: يصلي في بيته ثم يأتي المسجد فيصلي مع الناس فيذكر أنه غير متوضئ]
مسألة
وسئل عن الرجل يصلي في بيته، ثم يأتي المسجد فيجد الناس في تلك الصلاة فيصلي معهم، فيذكر عند فراغه أن التي صلى في البيت صلاها على غير وضوء، ولم يعمد صلاح تلك بهذه التي صلى مع الإمام، فقال: صلاته التي صلى على الظهر مجزئة عنه، وليس عليه إعادة.
стр. 531
قال محمد بن رشد: مثل هذا في سماع سحنون لابن القاسم، وزاد فيه: أن مالكا قاله؛ وفيه لأشهب أن صلاته باطلة، وعليه الإعادة؛ فوجه قول ابن القاسم وروايته عن مالك، أنه لم يدخل مع الإمام بنية النافلة، وإنما دخل معه بنية الإعادة لصلاته، وإن كان قد صلاها فوجب أن يجزيه إن بطلت الأولى، وأن تجزئه الأولى إن بطلت هذه؛ لأنه صلاهما جميعا بنية الفرض، كالمتوضئ يغسل وجهه مرتين أو ثلاثا، فإن ذكر أنه لم يعم في بعضها، أجزأه ما عم به منها؛ ويؤيد هذا قول عبد الله بن عمر للذي سأله أيتهما يجعل صلاته؟ أو أنت تجعلها، إنما ذلك (إلى) الله. وقد قيل: إنهما جميعا صلاتان له فريضتان، وهو الذي يدل عليه قول مالك؛ لأنه لا يعيد المغرب في جماعة؛ لأنه إذا أعادها كانت شفعا، ووجه قول أشهب، أنه جعل الأولى صلاته؛ إذ إنما دخل مع الإمام لفضل الجماعة، مع ما قد جاء عن النبي ﵊ أنها له نافلة، وليس قوله بجار على المذهب؛ إذ لو كانت الأولى هي صلاته على كل حال، والثانية نافلة؛ لما جاز لمن صلى الصبح أو العصر وحده أن يعيدهما في جماعة؛ إذ لا (يتنفل) بعدهما، وقد قيل: إنه إذا أعاد في جماعة ودخل فيها فقد بطلت الأولى، وحصلت هذه صلاته؛ فإن بطلت عليه لزمه إعادتها، وقيل: إنها لا تبطل عليه الأولى حتى يعقد من الثانية ركعة أو أكثر، وبالله تعالى التوفيق.
[مسألة: دخل من نافلة في مكتوبة بغير سلام]
مسألة قال: وقال مالك من دخل من نافلة في مكتوبة بغير سلام، قطع تلك المكتوبة متى ما ذكر واستأنفها؛ وإن ذكر أنه (قد) سلم منها ولم يتم النافلة، مضى على مكتوبته ولا شيء عليه في نقصان النافلة.
стр. 532
قال محمد بن رشد: قوله قطع تلك المكتوبة متى ما ذكر، يريد أنه لا يتمادى عليها على أنها مكتوبة؛ إذ قد فسدت عليه ولا تجزئه باتفاق، ويخرج عن نافلة؛ فإن كان على وتر أتم شفعا. وقوله: وإن ذكر أنه قد سلم منها ولم يتم النافلة، مضى إلى آخر قوله؛ يدل على أن السلام على السهو يخرج المصلي به عن صلاته، مثل ما مضى له في رسم "أوصى"، وقد مضى هناك من القول في ذلك ما فيه شفاء.
[مسألة: نسي صلاة فذكرها قبل غروب الشمس]
مسألة قال: وقال مالك: لو أن رجلا نسي صلاة فذكرها قبل غروب الشمس، صلى الصلاة التي نسي وأعاد الظهر والعصر- إن طمع أن يصليهما جميعا، أو طمع أن يصلي الظهر وركعة من العصر؛ فإن لم يطمع إلا بصلاة واحدة بعد التي نسي قبل غروب الشمس، صلى التي نسي وصلى العصر، قال: ولو كان يرى ويظن أنه لا يقدر إلا على صلاة واحدة بعد التي نسي فصلى التي نسي وصلى العصر، فلما فرغ من صلاتهما تبين أن عليه نهارا قدر ما لو صلى حين ابتدأ الصلاة أولا، أدرك التي نسي والظهر والعصر، أو الظهر وركعة من العصر؛ قال مالك: إذا تبين له مثل ما وصفت من بعد فراغه من الصلاة، صلى الظهر ثم أعاد العصر وإن غربت الشمس؛ لأنه قد كان وجب صلاتهما عليه (حين كان عليه) من النهار مثل ما ذكرت، وقد قال ﷺ : «من أدرك ركعة من العصر قبل غروب الشمس فقد أدرك العصر» .
стр. 533
قال محمد بن رشد: قوله ثم أعاد العصر وإن غربت الشمس، خلاف ما مضى في رسم "أسلم"، وقد بينا وجه ذلك هناك. وقوله: لأنه قد كان وجب صلاتهما عليه، يريد في الوقت، وهو أصل ابن حبيب أن من وجب عليه أن يعيد في الوقت فلم يفعل، أعاد أبدا وبالله التوفيق.
[مسألة: صلى بقوم فأسر فيما يجهر فيه]
ومن كتاب أوله حمل صبيا
مسألة وسئل ابن القاسم عن إمام صلى بقوم فأسر فيما يجهر فيه، فكلم ثم مضى على صلاته وهو يشار إليه، ويعلم الناس أنه قد علم، فتمادى على إسراره ذلك حتى فرغ، فلما فرغ قال: كنت ناسيا، (أو قال: كنت عامدا لذلك، هل عليهم الإعادة؟ . قال ابن القاسم: إن قال: كنت ناسيا) ، سجد وسجدوا سجدتي السهو، وإن كان عامدا، أعاد وأعادوا. قال عيسى: يعيدون في الوقت وبعده، قال أصبغ فيمن أسر فيما يجهر فيه، أو جهر فيما يسر فيه- عامدا، لا إعادة عليه، وليستغفر الله ولا يعود.
قال محمد بن رشد: قوله: إن قال: كنت ناسيا سجد وسجدوا- يريد إذا لم يسجد قبل السلام على المشهور في المذهب، وقد مضى ما في ذلك من الخلاف- قرب آخر أول رسم من سماع أشهب، وإن قال: كنت عامدا أعاد وأعادوا- يريد في الوقت وبعده على ما فسر به عيسى، وقد مضى ما في ذلك
стр. 534
من الخلاف أيضا في الرسم المذكور من سماع أشهب، ومن لم يوجب السجدة في ترك الجهر سهوا، (ولا) الإعادة في تركه عمدا، فهو عنده من مستحبات الصلاة، لا من سننها.
[مسألة: قرأ في صلاته بأم القرآن وحدها في الأربع ركعات]
ومن كتاب العشور
مسألة وسألته عمن قرأ في صلاته بأم القرآن- وحدها في الأربع ركعات جميعا- ساهيا، فقال: يسجد سجدتي السهو قبل السلام. قلت: فإن نسيهما حتى طال ذلك ثم ذكر، قال: أرجو ألا يكون عليه شيء؛ قال عيسى: يعيد- جاهلا كان أو عامدا أبدا.
قال محمد بن رشد: (هذا على ما في المدونة، وعلى المشهور في المذهب، أن قراءة السورة مع أم القرآن من سنن الصلاة؛ فإن ترك ذلك سهوا سجد، وإن تركه عمدا أعاد أبدا من أجل التهاون بالصلاة؛ خلاف ما في آخر الرسم الأول من سماع أشهب، فقف على ذلك.
[مسألة: تفوته بعض صلاة الإمام وعلى الإمام سهو]
مسألة قال: وسألته عن الذي تفوته بعض صلاة الإمام- وعلى الإمام سهو يسجد له- بعد السلام، فيجهل فيسجد معه، ثم يقدم فيصلي ما فاته به الإمام؛ أيسجدهما بعد فراغه؟ فقال: نعم، هو أحب إلي أن يكون عليه ويسجدهما متى ما علم. قال عيسى: أحب إلي أن يعيد أبدا- جاهلا كان أو عامدا.
قال محمد بن رشد: قول عيسى إنه يعيد أبدا- إن كان
стр. 535
جاهلا أو متعمدا، هو القياس على أصل المذهب؛ لأنه أدخل في صلاته ما ليس منها- متعمدا أو جاهلا، فأفسدها بذلك، (وعذره) ابن القاسم بالجهل، فحكم له بحكم النسيان، مراعاة لقول من توجب عليه السجود مع الإمام، وهو قول سفيان الثوري في المدونة.
[مسألة: سمع شيئا فظن أنه الإمام فسلم ثم سجد سجدتين ثم سمع سلام الإمام]
مسألة قيل لأصبغ: ما تقول في إمام صلى بقوم فسها في صلاته سهوا يكون سجوده بعد السلام، فلما كان في التشهد الآخر، سمع أحدهم شيئا، فظن أنه قد سلم الإمام فسلم، ثم سجد سجدتين، ثم سمع سلام الإمام بعده، فسلم أيضا، وسجد الإمام وسجد معه؟ قال: يعيد الصلاة- إذا كان قد سلم قبل سلامه وسجد.
قال محمد بن رشد: قوله يعيد الصلاة- إذا كان قد سلم قبل سلامه وسجد، صحيح على القول بأن السلام على طريق السهو يخرج المصلي عن صلاته، فلما كان يخرج به عن صلاته؛ أبطل سجوده بعده عليه الرجوع إليها، وأوجب عليه استئنافها، وذلك مثل قوله في المدونة فيمن سلم من ركعتين- ساهيا، ثم أكل أو شرب ولم يطل ذلك: إنه يبتدئ ولا يبني. وأما على القول بأن السلام على السهو لا يخرج به المصلي عن صلاته، فيجب أن يحمل الإمام عنه السجود الذي يسجد بعد أن سلم قبل أن يسلم الإمام؛ لأنه في حكمه، فيرجع إلى صلاته بغير تكبير، ويسلم بسلامه ولا سجود عليه؛ لأن سهوه في داخل صلاة الإمام، ويجب على هذا القول في مسألة المدونة أن يبني على صلاته ويسجد بعد السلام، كما لو أكل أو شرب في
стр. 536
أثناء صلاته دون أن يسلم ولم يطل ذلك؛ وقد روى علي بن زياد عن مالك في المجموعة- على قياس هذا القول- في إمام سلم من اثنتين - ساهيا- وسجد لسهو عليه، ثم ذكر أنه يتم صلاته ويعيد سجود السهو. قال سحنون: وكذلك لو كان قبل السلام لأعادهما، وهذا يبين ما ذكرناه، فمن ظن أن الإمام قد سلم فسلم قبل سلامه وعلم قبل أن يسلم، فإنه يرجع إلى صلاته بلا تكبير على القول بأن السلام على طريق السهو لا يخرج به عن الصلاة، وبتكبير - على القول بأنه يخرج به عن الصلاة، وأما إن لم يعلم حتى سلم الإمام، فيسلم بعد سلامه وتجزئه صلاته- على القول بأن السلام على طريق السهو لا يخرج به عن الصلاة، وتبطل صلاته على القول بأن السلام على طريق السهو يخرج به عن صلاته؛ إذ لا يصح أن يرجع إلى صلاته في حكم الإمام بعد خروج الإمام عنها، فهذا وجه القول في هذه المسألة وتحصيله- وبالله التوفيق.
[مسألة: نسى سجدتي السهو اللتين بعد السلام حتى تطاول]
مسألة وسألته عن الذي ينسى سجدتي السهو اللتين بعد السلام حتى تطاول، ثم يذكر فيريد السجود لهما بإحرام؛ قال: لا. قلت: أيهوي ساجدا وهو قائم أم يقعد ويسجد؟ قال: بل يقعد ويسجد، رجع ابن القاسم وقال: لا يرجع إليهما إلا بإحرام.
قال محمد بن رشد: وجه قوله الأول، أنهما سجدتان منفصلتان عن الصلاة بالسلام، فلا يحرم في البعد، كما لا يحرم في القرب؛ إذ لم يوجب البعد انفصالا عن الصلاة لم يكن قبل. ووجه القول الثاني، أن السلام لم يوجب
стр. 537
انفصالا باتا من الصلاة بإجماع، وإنما اختلف هل أوجب انفصالا غير بات أو لم يوجبه؟ ألا ترى أنه لو ذكر منها شيئا بقرب سلامه، لجاز له أن يرجع إليه، قيل: بإحرام على القول بأنه أوجب انفصالا (غير بات، وقيل بغير إحرام؛ بدليل ما روي من «أن رسول الله ﷺ كان يأمر ألا يتنفل أحد بعد الصلاة حتى يقوم أو يتكلم» . ولهذا قال مالك في المدونة فيمن أوتر في المسجد ثم أراد أن يتنفل، أنه يترك قليلا ثم يقوم فيتنفل ما بدا له، وإذا طال الأمر بعد السلام فقد انفصل عن الصلاة انفصالا) باتا لا يجوز له الرجوع إلى شيء يذكره منها بإجماع، وهذا فرق بين الموضعين؛ لأنه إذا أيقن على أنه لم يخرج بالسلام عن الصلاة- خروجا باتا، وجب إذا سلم على أن يسجد ألا يجب عليه أن يحرم، وإذا طال الأمر بعد سلامه، وجب أن يحرم لسجوده؛ إذ قد انفصل عن الصلاة انفصالا باتا، وقد قيل في الفرق بينهما: إن الأصل كان أن يحرم لهما في القرب والبعد؛ لأنفصالهما عن الصلاة، فخرج القرب عن ذلك بالإجماع، وبقي البعد على أصله، وليس بفرق صحيح، لما ذكرناه من أنه إذا سلم على أن يسجد وجب (ألا يجب) عليه أن يحرم- وبالله التوفيق.
[مسألة: الصلاة بالكيمخت]
ومن كتاب حبل حبلة مسألة قال عيسى: قال أبو محمد المخزومي: وسألت مالكا عن
стр. 538
الصلاة بالكيمخت فغضب علي وقال: ما هذا التعمق؟ قد كان أصحاب رسول الله ﷺ يصلون بأسيافهم- وفيها الدم، فلم يزدني على هذا، قال ابن القاسم: ما يعجبني. وروى سحنون عن علي بن زياد، عن مالك، أنه سئل عن الكيمخت، فقال: ما زال الناس يصلون بالسيوف- وفيها الكيمخت، وما يتقون شيئا. وأخبرني موسى بن معاوية الصمادحي، عن جرير، عن عبيدة، عن إبراهيم، قال: كان أصحاب رسول الله ﷺ يجعلون الكيمخت في سيوفهم، ويقولون دباغة طهره.
قال محمد بن رشد: الكيمخت: جلد الحمار، وقيل: إنه جلد الفرس، والحمار والفرس لا يؤكلان عند مالك، فلا تعمل الذكاة في لحومهما، ولا يطهر الدباغ جلودهما للصلاة بهما وعليهما؛ واختلف قوله في جلد الميتة مما يؤكل لحمه، فالمشهور عنه أن الدباغ لا يطهر إلا للانتفاع به دون الصلاة عليه، وروى أشهب عنه في كتاب الضحايا ما ظاهره أن الدباغ يطهر، وهو قول ابن وهب في سماع عبد الملك، ومن أهل العلم من يرى أن الدباغ يطهر كل جلد حتى جلد الخنزير، ولعموم قوله ﵊: «إذا دبغ الإهاب فقد طهر» . ومن أهل العلم من ذهب إلى أنه لا يطهر إلا جلود الأنعام؛ إذ قد قيل: إنه لا يتسمى إهابا في اللغة إلا جلد الأنعام، وأما سائر جلود الحيوان فإنما يقال له جلد ولا يقال له إهاب؛ فالصلاة بالكيمخت على أصل مذهب مالك لا يجوز، إلا أنه استخفه للخلاف فيه، واستجازة السلف له، ورأي المنع له والتشديد فيه من التعمق الذي لا ينبغي. وكرهه ابن القاسم للخلاف فيه من غير تحريم، فقال: ما يعجبني. وقد مضى في سماع أشهب من كتاب الوضوء وجه استعمال الآثار الواردة عن النبي ﵊ في هذا الباب.
стр. 539
[مسألة: المسافر ينوي إقامة أربعة أيام فيقصر الصلاة]
مسألة قال ابن القاسم في المسافر ينوي إقامة أربعة أيام فيقصر الصلاة، قال: عليه الإعادة في الوقت وبعده.
قال محمد بن رشد: قد مضى في رسم "إن خرجت ما في هذا التحديد من الخلاف"، إلا أنه ضعف عند ابن القاسم فلم يراعه، ولذلك أوجب الإعادة أبدا على من قصر وقد نوى إقامة أربعة أيام.
[مسألة: أدرك أول صلاة الإمام وقعد في التشهد الآخر شك في الركعة الأولى]
ومن كتاب جاع فباع امرأته (مسألة) وسئل عن الذي يدرك أول صلاة الإمام، فإذا صلى بعد الصلاة وقعد في التشهد الآخر أو قبل ذلك، شك في الركعة الأولى أن يكون ركع معه. قال: لا يصلي مكانها ركعة، ولكن يسلم مع الإمام فيصليها ثانية، يبتدئ الصلاة خوفا أن يكون قد ركعها فيزيد في الصلاة مع الإمام خامسة.
قال محمد بن رشد: وجه هذا القول مراعاة قول من يقول إن الركعة تجزئه، وإن شك في تمكنه فيها مع الإمام فيعمل على أنها تجزئه، ثم يعيد الصلاة احتياطا؛ كمن ترك قراءة أم القرآن في ركعة من صلاته- على القول بالإعادة، وذلك خلاف ما تقدم في رسم "الصلاة" الثاني من سماع أشهب، وقد مضى هناك من القول في ذلك ما فيه كفاية، وبالله سبحانه التوفيق.
[مسألة: دخل مع إمام في أول صلاته لم يركع الإمام شيئا حتى أحدث فأخذ بيده فقدمه]
مسألة وقال في مسافر دخل مع إمام مقيم في أول صلاته، فلم يركع الإمام شيئا حتى أحدث، فأخذ بيده فقدمه ولم يصل معه شيئا، إلا
стр. 540
أنه قد أحرم، قال: يصلي بهم أربعا، قال: وكذلك لو لم يكن مع الإمام المقيم غيره ثم دخل عليه حدث فخرج، كان عليه أن يصلي أربعا- وحده؛ لأنه قد أحرم معه ووجبت عليه صلاة المقيم؛ وقال: أنظر إذا دخل المسافر مع المقيم في صلاته وبقي على الإمام المقيم شيء من صلاته- وإن ركعة، ثم دخل على الإمام حدث، فإن المسافر الذي دخل معه قد وجبت عليه صلاة الحضر- وإن كان لم يركع معه شيئا؛ لأن الركعة التي بقيت على الإمام قد أدركها، فهو لا بد له من أربع قدمه الإمام الخارج أو قدم غيره، وإن لم يبق على الإمام شيء، وإنما أدركه في الجلوس الآخر، فإنه يصلي ركعتين لأنه لم يدرك معه شيئا.
قال محمد بن رشد: الأصل في هذه المسألة، قوله ﵊: «من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة» - يريد أدرك حكمها، فلا اختلاف أحفظه في أن المسافر إذا أدرك ركعة من صلاة الحاضر فصلاها معه، أنه قد أدرك حكم صلاته، ووجب عليه الإتمام؛ وأما إذا دخل معه- وقد بقيت عليه ركعة من صلاته فأكثر، فأحدث الإمام وخرج قبل أن يصلي معه شيئا، فجعله ابن القاسم في حكم المدرك لما بقي على الإمام من صلاته- وإن لم يصله معه على ظاهر قول رسول الله ﷺ : «من أدرك ركعة من الصلاة» ؛ إذ لم يقل ﷺ فصلاها معه وأوجب عليه الإتمام، وأن يصلي بالقوم أربعا- إن استخلفه الإمام، وهو مذهب أشهب وغيره من أصحاب مالك، حاشا ابن وهب، فإنه ذهب إلى أنه لا يكون مدركا للركعة، ولا يلزمه حكم صلاة الإمام، إلا إذا صلى معه
стр. 541
ركعة من صلاته فأكثر؛ وتأول الحديث على ذلك فقال: إنه إن أحدث المقيم قبل أن يصلي المسافر خلفه ركعة، لم يصح له الإتمام، وبقي على سنته في القصر، ولم يجز للإمام أن يستخلفه؛ فإن فعل وصلى بهم، أفسد على نفسه وعليهم. - يريد على ما قد قيل في المسافر يحرم بنية السفر ثم يتم- متعمدا، أنه يعيد في الوقت وبعده. وأما قوله: وكذلك لو لم يكن مع الإمام المقيم غيره ثم دخل عليه حدث فخرج، كان عليه أن يصلي أربعا، ظاهره أنه يبني على إحرامه مع الإمام، والصواب أن يقطع ويبتدئ؛ لأن من ابتدأ صلاته في جماعة فلا ينبغي أن يتم وحده، فإن لم يقطع وبنى على إحرامه، أجزأته صلاته عند ابن القاسم؛ ولأصبغ في نوازل سحنون، أنه لا يجوز له أن يبني، ويقطع ويبتدئ؛ وقد مضى في رسم "إن خرجت"- ذكر الاختلاف في ذلك، فقف عليه وتدبره.
[مسألة: نسوا ظهرا من يوم واحد فاجتمعوا فذكروا فأرادوا أن يجمعوها]
مسألة قال ابن القاسم: بلغني أن القوم؛ إذا نسوا ظهرا من يوم واحد، فاجتمعوا فذكروا، فأرادوا أن يجمعوها، أن ذلك لهم، قال ابن القاسم: وأنا أستحسنه وآخذ به؛ وذلك أن رسول الله ﷺ رقد عن صلاة هو وأصحابه حتى طلعت الشمس عليهم، فصلاها رسول الله ﷺ (بأصحابه) جماعة جمعها بهم. فالساهي عنها بمنزلة النائم، قال ابن القاسم: ولو كانت ظهرهم من أيام مفترقة لم يجز لهم أن يجمعوا، وإنما يجمعونها إذا نسوها من يوم واحد. قال عيسى: ولا إعادة على الإمام.
قال محمد بن رشد: قوله: ولو كانت ظهرهم من أيام مفترقة
стр. 542
(لم يجز لهم أن يجمعوا، معناه من أيام مفترقة) يعلمونها بأعيانها؛ وهذا على القول بأن من ذكر صلاة- لا يدري إن كانت من السبت، أو من الأحد؟ أنه يجب عليه أن يصلي صلاتين: صلاة للسبت، وصلاة للأحد، وأما على مذهب من لا يراعي التعيين، ويقول: إنما عليه أن يصلي صلاة واحدة ينوي به اليوم الذي تركها فيه، كان الظهر أو العصر، وهو مذهب سحنون، فيجوز لهم أن يصلوا جماعة وإن كانت ظهرهم من أيام مفترقة.
[مسألة: سها عن سجدة من الركعة الأولى فذكرها في الثانية أو الثالثة]
ومن كتاب النسمة (مسألة) قال: وسألت ابن القاسم وابن وهب عمن سها عن سجدة من الركعة الأولى، فذكرها في الثانية أو الثالثة- وهو مع الإمام، فقالا: إن ذكر وهو قائم مع الإمام في الثانية قبل أن يركع، فليهو ساجدا ثم ينهض إلى الإمام؛ وإن ذكرها حين ركع الإمام فليمض مع الإمام، وإن ذكرها أيضا بعد أن رفع الإمام رأسه، أو في الثالثة. فليصل مع الإمام أيضا، ويتبعه فيما بقي، فإذا سلم الإمام فليقض ركعة بسجدتيها ثم يسلم.
قال محمد بن رشد: قوله وإن ذكرها حين ركع الإمام فليمض مع الإمام، وان ذكرها أيضا بعد أن رفع الإمام رأسه؛- معناه إن خشي إن سجد
стр. 543
ألا يدرك الإمام - في الركوع؛ وأما لو علم أنه يدرك أن يسجد ويدرك الإمام راكعا، لجاز له أن يسجد ويتبع الإمام على القول بأن عقد الركعة رفع الرأس من الركوع، وهو المعلوم من مذهب ابن القاسم، وروايته عن مالك خلاف رواية أشهب عنه؛ ولو رجا وظن أنه يدرك أن يسجد ويدرك الإمام راكعا فسجد ورفع الإمام رأسه قبل أن يرفع (هو) رأسه من سجوده، لبطلت عليه الركعة الأولى والثانية. وقوله: فإذا سلم فليقض ركعة بسجدتيها ثم يسلم- يريد ويقرأ فيها بالحمد وسورة؛ لأنها ركعة قضاء، ويسجد لسهوه بعد السلام- وبالله التوفيق.
[مسألة: إمام أحدث بعد التشهد فتمادى حتى سلم]
ومن كتاب أوله يدير ماله مسألة قال: وسألته عن إمام أحدث بعد التشهد، فتمادى حتى سلم بالقوم- متعمدا، قال: أرى أن تجزي من خلفه صلاتهم، قال عيسى: يعيد ويعيدون.
قال محمد بن رشد: مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك في المدونة وغيرها، أن الإمام إذا أحدث فتمادى بالقوم - متعمدا، أو جاهلا، أو مستحييا؛ فقد أفسد عليهم الصلاة، ووجبت عليهم إعادتها في الوقت وبعده - خلافا لأشهب، ومحمد بن عبد الحكم - في قوليهما: إن صلاتهم جائزة،
стр. 544
ولا إعادة عليهم لها، من أجل أنه ليس له أن يوجب عليهم بقوله صلاة قد سقطت عنهم بأدائهم لها على الوجه الذي أمروا به، وحصل هو ضامنا لها بقول النبي ﵊ «الإمام ضامن» . لا من أجل أن صلاتهم غير مرتبطة بصلاته، لا اختلاف في المذهب في أن صلاة القوم مرتبطة بصلاة إمامهم، وإنما قال ابن القاسم في الإمام إذا أحدث بعد التشهد فتمادى بالقوم حتى سلم بهم عامدا، أنه لا إعادة عليهم لصلاتهم، مراعاة لقول أبي حنيفة في أن الرجل إذا جلس في آخر صلاته مقدار التشهد فقد تمت صلاته وخرج منها- وإن لم يسلم، وقول عيسى بن دينار هو القياس على المذهب في أن السلام من فرائض الصلاة، وأنه لا يتحلل منها إلا به.
[مسألة: المسافر يكون إماما فيصلي ركعة ثم ينوي الإقامة]
مسألة وسألته عن المسافر يكون إماما فيصلي ركعة ثم ينوي الإقامة. قال: يقدم غيره ويخرج. قلت له: فهل يتم لنفسه بركعة أخرى ويجعلها نافلة بمنزلة ما لو كان وحده؟ قال: لا. ويدخل معهم ويقضي باقي الصلاة وتجزئه. قال عيسى بن دينار: وأرى أن يبتدئوا الصلاة هو وهم، قال: قال محمد بن رشد: إنما قال: إنه يقطع ولا يضيف إليها ركعة، بخلاف المنفرد لما جاء عن النبي عن ذلك بقوله ﵊ «أصلاتان معا؟!» وقد مضى التكلم على هذه المسألة في رسم "لم يدرك"- مستوفى، فأغنى ذلك عن إعادته ههنا.
стр. 545
[مسألة: يقهقه في الصلاة وهو وحده أو مع إمام ناسيا أو عامدا]
ومن كتاب البراءة مسألة وسئل عن الذي يقهقه في الصلاة- وهو وحده أو مع إمام ناسيا، أو عامدا، أو يبتسم - وهو وحده، أو مع إمام- عامدا أو ناسيا، قال: أما المتبسم وحده أو وراء الإمام، فلا شيء عليه فيه؛ لأنه لو كان عليه سجود السهو في التبسم فيما نسي، لكان عليه إذا تعمد ذلك- إعادة الصلاة، وأما إذا قهقه فإني لم أسمع مالكا يفرق بين نسيانه ولا تعمده، ولو كان عمده يفترق من نسيانه، لفرقه كما فرق الكلام، وأرى أن يعيد منه- ناسيا كان أو عامدا؛ فإن كان مع إمام مضى وأعاد إذا سلم، وكذلك قال لي مالك؛ وإن كان وحده، قطع واستأنف الإقامة والإحرام.
قال محمد بن رشد: إنما قال: إنه يقطع ولا يضيف إليها ركعة، بخلاف المنفرد قد مضى القول في التبسم في رسم "الصلاة" الثاني من سماع أشهب، وفي القهقهة في رسم "استأذن من هذا السماع"- مستوعبا مستوفى، فليس لإعادة شيء من ذلك هنا معنى.
[مسألة: تفوته بعض صلاة الإمام ويدرك بعضها ما أدرك أهو أول صلاته أم آخرها]
ومن كتاب الجواب مسألة قال: وسألت مالكا عن الذي تفوته بعض صلاة الإمام، ويدرك بعضها، أرأيت ما أدرك أهو أول صلاته، أم آخرها؟ قال: بل آخرها. قال سحنون: بل أولها- وهو الذي لم يعرف خلافه، وهو
стр. 546
قول مالك؛ هكذا أخبرني (به) غير واحد، ويقضي الذي فاته على ما فاته سواء.
قال محمد بن رشد: قد قيل في اختلاف قول مالك هذا: إنه اختلاف في عبارة، لا في معنى حكم شيء من الصلاة؛ إذ لم يختلف قول مالك في صفة ما يفعله من فاته بعض صلاة الإمام باختلاف قوليه هذين، فهو على كليهما بان في صفة القيام والجلوس، قاض في القراءة؛ فيحسن أن يعبر عما أدرك الرجل مع الإمام بأنه أول صلاته، من أجل أنه بان على ذلك، لما بقي عليه منها في صفة القيام والجلوس؛ ويحسن أن يعبر عنه بأنه آخر صلاته، من أجل أنه قاض لما فاته منها على صفة ما فاته في القراءة؛ ووجه ما اختاره سحنون من قولي مالك أن الذي أدرك مع الإمام هو أول صلاته، هو أنه بذلك ابتدأها، وفيه أو مع تكبيرة الإحرام، وذلك لا يكون إلا في أولها؛ إذ لا يصح أن يبدأ أحد صلاته من نصفها؛ وقد قال، ﵊: «وما فاتكم فأتموا» . والتمام لا يكون إلا آخرا لا أولا، ووجه القول الآخر اتباع ظواهر قول النبي ﵊: «فما أدركتم فصلوا» . ومعلوم أن الذي أدرك من صلاة الإمام هو آخرها، فوجب بحق هذا الظاهر، أن يكون ذلك هو آخر صلاته أيضا، وقيل: إن اختلاف قول مالك هذا اختلاف فيما يفعله من فاته شيء من صلاته من قضاء أو بناء، فعلى قوله إن الذي أدرك مع الإمام هو آخر صلاته، يكون قاضيا في القراءة والجهر، وفي صفة القيام والجلوس، كمذهب أبي حنيفة، فيأتي إذا أدرك ركعة من صلاة رباعية بالركعة الأولى أولا فيقرأ فيها بالجهر وسورة ويقوم، ثم يأتي بالركعة الثانية فيقرأ فيها أيضا بالحمد وسورة ويجلس، ثم يأتي بالركعة الثالثة فيقرأ فيها بالحمد وحدها
стр. 547
فيجلس ويتشهد (ويسلم) ؛ لأنها آخر صلاته، وعلى قوله إن الذي أدرك مع الإمام هو أول صلاته، يكون بانيا في القراءة، والجهر، وفي صفة القيام والجلوس، كمذهب الشافعي، فيأتي إذا أدرك ركعة من صلاة رباعية بالركعة الثانية يقرأ فيها بالحمد وسورة ويجلس؛ ثم يأتي بالركعة الثالثة يقرأ فيها بالحمد وحدها ويقوم، ثم يأتي بالركعة الرابعة يقرأ فيها بالحمد وحدها ويجلس ويتشهد ويسلم، وهذا التأويل على مالك غير صحيح؛ إذ لا يوجد ذلك له، ولا يعرف من مذهبه؛ والتأويل الأول مرغوب عنه؛ إذ لا فائدة في الاختلاف في الألفاظ- إذا لم يختلف باختلافها شيء من الأحكام، ولا يعد ذلك اختلاف قول، والذي أقول به في اختلاف قول مالك، إنه اختلاف يؤدي إلى اختلاف في كثير من المعاني والأحكام، مع أن قوله لم يختلف في أن من فاته شيء من صلاته مع الإمام، يكون بانيا في صفة القيام والجلوس، وقاضيا في القراءة، والأصل في ذلك عنده اتباع ظاهر قول النبي ﵊: «فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا» . والإتمام هو البناء، فوجب عنده بحق هذا الظاهر أن يبني على ما أدرك ما فاته، ومعلوم أن الذي فاته يقرأ فيه بالحمد وسورة، فعلى قوله إن الذي أدرك مع الإمام هو أول صلاته، يكون ذلك للإمام آخر الصلاة، وله هو أول الصلاة، ولا يضره اختلاف نيته ونية إمامه في أعيان الركعات- على ما يأتي في رسم "باع شاة"، وإن أدرك معه ركعة من الصبح قنت في الركعة التي يقضي؛ لأنها ثانيته، وإذا أدرك ركعتين يكبر إذا قام؛ لأن ذلك وسط صلاته، وإذا سجد مع الإمام قبل السلام لسهو كان عليه فدخل عليه هو فيما يقضي لنفسه سهو، سجد له أيضا، وإن كان سهو الإمام بعد السلام أضاف سهوه إلى سهو الإمام فسجد قبل السلام- إن كان سهوه سهوا يكون
стр. 548
سجوده قبل السلام، وعلى قوله إن الذي أدرك مع الإمام هو آخر صلاته، لا يقنت في الركعة التي يقضي في الصبح، ويقوم إذا أدرك ركعتين بغير تكبير؛ وإذا سجد مع الإمام لسهو، كان عليه قبل السلام فدخل عليه فيما يقضي سهو لم يسجد له؛ وإن كان سهوه بعد السلام لم يضف سهوه إلى سهو الإمام؛ وأما على مذهب أشهب من أصحاب مالك الذي يقول إن من أدرك بعض صلاة الإمام، يبني على ما أدرك منها في صفة القيام والجلوس، وفي القراءة، فإن أدرك من صلاته ركعتين بنى عليهما ركعتين بأم القرآن- وحدها، كمذهب الشافعي، فلا إشكال على مذهبه- أن ما أدرك الرجل مع الإمام فهو أول صلاته.
[مسألة: المجنون الذي لا يعرف الوضوء والغسل يكون أمام الرجل في الصف]
مسألة وسئل عن المجنون المطبق الذي يعرف أنه لا يتوضأ ولا يغتسل من جنابة، يكون أمام الرجل في الصف في الصلاة، وكيف إن صلى وراءه- وهو أمامه- عامدا أو ناسيا، هل يعيد الصلاة؟ أو الصبي الصغير، أو المرأة- على مثل ذلك؟ قال ابن القاسم: المجنون الذي ذكرت، والصبي والمرأة في هذا بمنزلة واحدة، ولا أحب له أن يفعل ذلك؛ ولا يصلي- وهو أمامه، وليتنح عن ذلك أو ينحيهم أو يتقدم عنهم؛ وقد بلغني أن أبا سلمة بن عبد الأسد، كان في الصلاة وكان أمامه رجل مأبون في دبره، فقدم رجلا إلى جنبه ليكون أمامه في مكانه فلم يتقدم الرجل؛ لأنه لم ير خللا ولا فرجة، ولم يأبه لما أراد؛ فلما فرغ من صلاته، عزله في التقدم حين قدمه فلم يتقدم، فكأنه اعتذر بنحو ما أخبرتك؛ فقال أبو سلمه بن عبد الأسد: ألم تر إلى فلان المأبون في دبره أمامنا؟ إنما قدمتك لذلك، وهو أبو سلمة بن عبد الأسد الذي كان زوج أم سلمة زوج النبي ﵊.
قال ابن القاسم: فإن فات ذلك وصلى حذاءهم، أوهم
стр. 549
أمامه، لم أر عليه إعادة الصلاة- عامدا كان أو ناسيا أو جاهلا، لا في وقت ولا في غيره- في كل ما سمينا؛ لأنه بمنزلة الرجل يصلي إلى جدار مرحاض أمامه، وقد قيل فيه لاشيء عليه، وكذلك الكافر مثل المجنون، والصبي، والمرأة، في ذلك سواء.
قال محمد بن رشد: هذا نحو ما مضى في رسم "الصلاة " لثاني من سماع أشهب، وليس فيه معنى يشكل فنتكلم عليه؛ إذ قد قدر الشرع تعظيم شأن القبلة، فمن الاختيار للمصلي أن ينزه قبلته في الصلاة عن كل شيء مكروه، ولم يكن قوله في الرجل إنه مأبون في دبره غيبة فيه؛ لأن المقول له كان عالما بما قاله له من ذلك القائل، فلم يتنقصه بقوله ولا اغتابه عنده به- وبالله التوفيق.
[مسألة: متى يفرق بين الصبيان في المضاجع]
مسألة وسألته متى يفرق بين الصبيان في المضاجع؟ فقال ابن القاسم: إذا أثغروا، من نحو التفرقة في البيع، قال عيسى: وحدثني ابن وهب أن رسول الله- ﷺ قال: «إذا بلغ الصبيان سبع سنين، فمروهم بالصلاة، وإذا بلغوا عشر سنين فاضربوهم عليها، وفرقوا بينهم في المضاجع» . قال عيسى: وبه آخذ.
قال محمد بن رشد: قوله إنه يفرق بينهم في المضاجع- إذا أثغروا، خلاف ظاهر الحديث، وكذلك ما في رسم "الصلاة" الثاني من سماع أشهب، من
стр. 550
أنهم يضربون على الصلاة- إذا أثغروا؛ هو أيضا خلاف ظاهر الحديث، ولا رأي لأحد مع الحديث، فاتباع ظاهره في المعنيين على ما ذهب إليه عيسى - هو الصواب، وبالله تعالى التوفيق.
[مسألة: شك في قراءة أم القرآن حتى هم أن يركع وقبل أن يرفع]
ومن كتاب أوله إن أمكنتني من حلق رأسك
مسألة قال: ومن شك في قراءة أم القرآن حتى هم أن يركع وقبل أن يرفع- وقد قرأ السورة التي معها، فإنه يرجع ويقرأ أم القرآن، والسورة التي معها، وليس عليه سجود.
قال محمد بن رشد: هذا خلاف ما مضى في رسم "إن خرجت"، ومثل ما في الرسم الأول من سماع أشهب، والقولان قائمان من المدونة، وقد مضى القول في ذلك على مسألة سماع أشهب المذكور، فقف عليه.
[مسألة: صلي بالناس فيجلس في ثالثة أو يقوم إلى خامسة فيسبح به فلا يرجع]
مسألة وسئل عن الإمام يصلي بالناس فيجلس في ثالثة، أو يقوم إلى خامسة، فيسبح به فلا يرجع، فيكلمه إنسان ممن يصلي خلفه؛ قال: قد أحسن وتتم صلاته. قلت: وكذلك لو سأل الإمام أتمت صلاته أم لا؟ قال: نعم، كذلك أيضا يتم على ما صلى. قال: وينبغي للإمام إذا سبح به، أن يجيبهم إذا كان في شك، ولا يدري في ثلاث هو أو في أربع، فليقم إلى أربع، إلا أن يسبح به قد تممت صلاتك فيرجع.
стр. 551
قال محمد بن رشد: مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك، أن الكلام في الصلاة فيما تدعو إليه الضرورة من إصلاح الصلاة- إذا لم يفهم بالتسبيح، ولا بالإشارة، جائز، لا يبطل الصلاة على ما جاء عن النبي ﵊ في حديث ذي اليدين. وذهب ابن كنانة، وابن نافع، وأكثر أصحاب مالك - إلى أن ذلك منسوخ لا يجوز لأحد بعد النبي- ﵊. وأخذ سحنون بالحديث في موضعه ولم يقس عليه سائر المواضع. وقوله وكذلك لو سأل الإمام أتمت صلاته، قال: نعم، كذلك أيضا ظاهره قبل السلام وهو بعيد؛ إذ لا ضرورة بالإمام إلى السؤال قبل السلام: هل أكمل صلاته أم لا؟ لأن الواجب عليه إذا شك أن يبني على اليقين، إلا أن يسبح به فيرجع؛ فإن سألهم قبل أن يسلم، أو سلم على شك، فقد أفسد الصلاة، وإن سلم على يقين ثم شك، جاز له أن يسألهم، فينبغي أن يعدل بالكلام عن ظاهره، ويقال: معناه إذا شك في إتمام صلاته بعد أن سلم على يقين؛ وذلك بخلاف الذي استخلف ساعة دخوله- ولا علم له بما صلى الإمام، فإنه يجوز له السؤال إذا لم يفهم بالإشارة على ما في سماع موسى بن معاوية؛ إذ ليس عنده أصل يقين يبني عليه. وقوله: إنه ينبغي للإمام أن يجيب من خلفه إذا سبحوا به- وكان في شك- صحيح، وقد مضى من معناه في أول رسم من سماع ابن القاسم.
[مسألة: صلى المغرب خمس ركعات ساهيا]
مسألة وسئل عن رجل صلى المغرب خمس ركعات- ساهيا، قال: يسجد سجدتي السهو بعد السلام.
قال محمد بن رشد: هذا خلاف ما وقع في أول رسم من سماع ابن
стр. 552
القاسم من رواية سحنون عن ابن القاسم، أن من زاد في صلاته مثل نصفها، أعاد الصلاة أبدا؛ وهو مثل ما في المدونة فيمن شفع وتره ساهيا. وما في سماع أبي زيد فيمن صلى ركعتي الفجر أربعا من استحباب إعادتها، يقوم منه قول ثالث- وهو الإعادة في الوقت؛ والقول الأول أظهر من جهة القياس - وهو أن الزيادة في الصلاة لما كان يستوي القليل والكثير منها في العمد، وجب أن يستويا في السهو، ووجه القول الثاني، أن الاقتصار في الصلوات على ما وقت فيها من عدد الركعات فرض، والفروض لا تسقط بالنسيان، فكان الأصل أن تبطل صلاة من زاد في صلاته ركعة فأكثر من أي الصلوات كانت، فخرج من ذلك من زاد ركعة في صلاة هي أربع ركعات، بحديث ابن مسعود إذ صلى النبي- ﵊ «الظهر خمسا» وبقي ما زاد على ذلك على الأصل- وبالله التوفيق.
[مسألة: أدرك الإمام جالسا في التشهد في الصلاة فأحرم ثم جلس فلما سلم الإمام سها]
مسألة وقال في رجل أدرك الإمام جالسا في التشهد في الصلاة، فأحرم ثم جلس، فلما سلم الإمام، سها فسلم معه ثم قام فبنى، قال: عليه سجدتا السهو بعد السلام؛ لأن السلام زيادة.
قال محمد بن رشد: وهذا- كما قال؛ لأنه زيادة خارجة عن حكم الإمام، فوجب السجود له- على مذهب مالك بعد السلام.
[مسألة: ركع فرفع رأسه من الركوع فلم يعتدل حتى خر ساجدا]
ومن كتاب التفسير مسألة قال ابن القاسم من ركع فرفع رأسه من الركوع فلم يعتدل
стр. 553
حتى خر ساجدا، فليستغفر الله ولا يعد؛ ومن خر من ركعته ساجدا، فلا يعتد بتلك الركعة، ومن رفع رأسه من السجود فلم يعتدل- جالسا حتى سجد الأخرى، فليستغفر الله ولا يعد؛ وأحب إلي للذي خر من الركعة- ساجدا قبل أن يرفع رأسه، أن يتمادى في صلاته ويعتد بها، ثم يعيد الصلاة، قال سحنون: روى علي بن زياد عن مالك، أنه لا إعادة عليه.
قال محمد بن رشد: قوله فيمن رفع رأسه من الركوع أو السجود فلم يعتدل قائما، أنه يستغفر الله ولا يعد؛ يدل على أن الاعتدال في الرفع منها، عنده من سنن الصلاة، لا من فرائضها، ولا من فضائلها؛ إذ لو كان عنده من فرائضها لما أجزأه الاستغفار، ولو كان من فضائلها، لما لزمه الاستغفار، ويجب على هذا القول إن لم يعتدل قائما في الرفع من الركوع، وجالسا في الرفع من السجود- ساهيا، أن يسجد لسهوه، وروى ابن القاسم عن مالك في المبسوطة، أنه لا سجود عليه، ولا إعادة- وحده كان أو مع الإمام، عامدا كان أو ساهيا، وهذا- عندي - على القول بأنه لا سجود على من نسي تكبيرة واحدة؛ إذ يبعد أن يسهو عن ذلك في جميع صلاته؛ وذهب ابن عبد البر إلى أن ذلك من فرائض الصلاة، وعاب قول من لم يجب في ذلك الإعادة، لقول النبي- ﵊ «لا صلاة لمن لم يقم صلبه في الركوع والسجود» ؛ ولقوله للذي رآه يصلي ولا يعتدل في ركوعه وسجوده-: «ارجع فصل، فإنك لم تصل» . قال: وإنما اختلف الناس الطمأنينة بعد
стр. 554
الاعتدال. والصحيح أن ذلك سنة لا فريضة على ما دلت عليه هذه الرواية، والآثار التي احتج بها ليست على ظاهرها، بدليل ما في سائرها. وأما الرفع من الركوع فاختلف هل هو فرض لا يتم الركوع إلا به، أو سنة؟ وعلى هذا الاختلاف يأتي اختلاف قول مالك في عقد الركعة: هل هو الركوع، أو الرفع منه، فعلى القول بأنه سنة- إن خر من ركعته- ساهيا، سجد قبل السلام، وإن كان متعمدا، استغفر الله ولم تكن عليه إعادة، وهي رواية علي بن زياد عن مالك؛ وعلى القول بأنه فرض من تمام الركوع- إن كان متعمدا، أفسد الصلاة، وإن كان ناسيا، رجع إلى الركعة محدودبا- قاله ابن المواز، وأجزأته صلاته، وسجد لسهوه بعد السلام، إلا أن يكون مع الإمام فيحمل ذلك عنه، وإن بعد ذلك وفاته الرجوع إليها، ألغاها وأتى بها وسجد لسهوه إلا أن يكون أيضا مع الإمام يحمل عنه السهو؛ وقول ابن القاسم: إنه لا يعتد بتلك الركعة ظاهر قوله ناسيا كان أو متعمدا، واستحبابه أن يتمادى ويعيد في الوجهين، وجهه مراعاة الاختلاف، كمن ترك أم القرآن من ركعة، فمرة قال بالإلغاء، ومرة قال بالإعادة، وأما الرفع من السجود، فلا اختلاف أنه فرض؛ إذ لا يتم السجود إلا به، وما لا يتم الواجب إلا به، فهو واجب، والله- أعلم، وبه التوفيق.
[مسألة: نسي صلاة يوم لا يدري أفي السفر نسيها أو في الحضر]
ومن كتاب القطعان مسألة وسألت ابن القاسم عمن نسي صلاة يوم لا يدري أفي السفر نسيها أو في الحضر؟ قال: يعيد صلاة يوم للسفر، ثم يعيد صلاة يوم للحضر، ولا يعيد الصبح، ولا المغرب للحضر.
стр. 555
قال محمد بن رشد: قوله: إنه يعيد صلاة يوم للسفر، ثم يعيدها للحضر، صحيح- كما قال؛ لأن من ذكر صلاة السفر في الحضر وقد خرج وقتها يصليها سفرية- كما كانت عليه، لقوله- ﵊ «إذا رقد أحدكم عن الصلاة أو نسيها ثم فزع إليها، فليصلها- كما كان يصليها في وقتها.» فإذا لم يدر إن كانت الصلاة التي ذكرها- وقد خرج وقتها- سفرية أو حضرية، وجب أن يصليها سفرية وحضرية، حتى يوقن أنه قد أتى بما عليه. وأما قوله: إنه لا يعيد الصبح ولا المغرب للحضر، معناه إذا لم يعين الأيام، وأما لو عينها مثل أن يقول: لا أدري إن كنت نسيت صلاة يوم السبت في السفر، أو صلاة يوم الأحد في الحضر، لوجب أن يعيد المغرب والصبح ليوم الأحد- على مذهب ابن القاسم، وقد مضى ذلك في أول رسم "أوصى" من هذا السماع.
[مسألة: أهل منى هل يقصرون إذا أرادوا الإفاضة أو أهل عرفة]
مسألة وسئل ابن القاسم عن أهل منى هل يقصرون إذا أرادوا الإفاضة، أو أهل عرفة؟ فقال: أما أهل عرفة فيقصرون ولا يقصر أهل منى، قال ابن القاسم: وكل من كان بمنى يقصر، فإذا أفاض قصر، وكل من كان بمنى يتم، فإذا أفاض أتم.
قال محمد بن رشد: قوله في الحاج من أهل منى إنهم لا يقصرون في إفاضتهم من منى إلى مكة صحيح، لقرب ما بين منى ومكة. وقوله في أهل عرفة: إنهم يقصرون في إفاضتهم من منى إلى مكة صحيح أيضا، على قياس قوله: إنهم يقصرون بمنى؛ لأنهم إذا كانوا يقصرون بمنى، فهم على ذلك يرجعون إلى وطنهم بعرفة. وفي قوله: إنهم يقصرون بمنى نظر؛ لأنه إنما قال: إنهم
стр. 556
يقصرون بها قياسا على تقصير الحاج من أهل مكة بها، وذلك إنما فيه الاتباع لرسول الله- ﷺ في تقصيره بها، ولا يتعدى بالسنة موضعها- إذا لم تكن موافقة للأصول، لا سيما وقد قيل: إن رسول الله ﷺ لم يكن مقيما بمكة، ولذلك قصر بمنى، وإلى ذلك ذهب أهل العراق، فلم يجيزوا للحاج من أهل مكة التقصير بمنى وعرفة، وقد مضى هذا في رسم "شك في طوافه" من سماع ابن القاسم. وقول ابن القاسم: وكل من كان بمنى يقصر، فإذا أفاض قصر، مثل قوله أولا أما أهل عرفة فيقصرون؛ لأن أهل عرفة يقصرون عنده بمنى - على ما تقدم؛ ووقع في بعض الروايات: وكل من كان بعرفة يقصر، فإذا أفاض قصر- وهو غلط؛ لأن قوله يتناقض بذلك، من أجل أن أهل منى يقصرون بعرفة، وهو قد قال: إنهم يتمون إذا أفاضوا.
[مسألة: هل يؤذن المؤذن المؤذن يوم عرفة والإمام على المنبر يخطب]
مسألة فقلت له: هل يؤذن المؤذن، يوم عرفة - والإمام على المنبر يخطب؟ - قال: قال مالك: ذلك واسع، قال عيسى: وقال لي ابن وهب: تلك السنة.
قال محمد بن رشد: قول مالك في أذان المؤذن- والإمام على المنبر يخطب: إن ذلك واسع، يدل على أن الاختيار عنده ألا يؤذن إلا بعد فراغه من الخطبة- كما قال في آخر كتاب الصلاة الثاني من المدونة؛ إذ لا يوسع إلا فيما غيره أحسن منه. فقول ابن وهب تلك السنة، خلاف لقول مالك، إن لا يصح أن يكون الاختيار عنده خلاف السنة، ولو ثبتت السنة عند مالك، لما اختار خلافها، وإن كان ذلك أظهر في المعنى، من أجل أن أذان المؤذن- والإمام يخطب، ترك منه لما أمر به من استماع الخطبة، والإصغاء إليها، وقد
стр. 557
قال في كتاب الحج الأول من المدونة: إن ذلك واسع، إن شاء أذن- والإمام يخطب، وإن شاء بعد فراغ الإمام من الخطبة. والوجه في ذلك، أنه لما لم يقطع بثبوت السنة، وكان الأذان بعد تمام الخطبة أولى من جهة النظر والمعنى، خير بين الوجهين فرارا من أن يحض على خلاف ما قد روي عن النبي- ﵊، أو يترك ما يوجبه النظر إلى ما لم يثبت عن النبي- ﵊، وهذا منه- ﵁ بنهاية في التوقي. وفي الواضحة: أنه يؤذن في جلوس الإمام بين خطبتيه على ما (حكي) من سيرة الحج فيما كتب به القاسم، وسالم - إلى أمير الحج في زمن يزيد بن عبد الملك، وقد روي عن ابن الماجشون أن المؤذن يؤذن بعد صدر من خطبته.
[مسألة: نسي صلاة يوم الجمعة فلم يذكر حتى صلى الجمعة]
مسألة قال ابن القاسم فيمن نسي صلاة يوم الجمعة فلم يذكر حتى صلى الجمعة، قال: يصلي الصبح، ثم يصلي الجمعة أربعا.
قال محمد بن رشد: والوقت في ذلك، النهار كله، قال ذلك ابن المواز؛ وقال أشهب وسحنون والليث بن سعد وغيرهم: أن السلام من الجمعة خروج وقتها، ولو ذكر صلاة الصبح- وهو في الجمعة مع الإمام، لخرج إن أيقن أنه يدرك من الجمعة ركعة بعد صلاة الصبح، وإن لم يوقن ذلك تمادى مع الإمام وأعاد ظهرا أربعا على مذهب ابن القاسم، خلافا لأشهب، ومن قال بمثل قوله: إن السلام من الجمعة خروج وقتها. وجه قول ابن القاسم، أن الجمعة لما كانت بدلا من الظهر، ووقت الظهر قائم بعد، وجب أن يعيد الجمعة ظهرا أربعا، لتعذر إقامتها جمعة؛ ووجه قول أشهب ومن قال بمثل قوله، أنه لما تعذر إقامتها جمعة كما كان صلاها، سقطت عنه الإعادة؛ إذ ليست بواجبة؛ ألا ترى أنها لا تجب بعد خروج الوقت، وستأتي المسألة متكررة في سماع سحنون.
стр. 558
[مسألة: صلى بقوم فأصابه حدث فأخذ بيد رجل فقدمه]
مسألة وسئل ابن القاسم عن إمام صلى بقوم فأصابه حدث، فأخذ بيد رجل فقدمه، فجهل الذي قدم، فقال للذي خلفه: كيف أصنع أبني أم أستأنف؟ فقالوا: بلى ابن، قال ابن القاسم: عليه وعليهم الإعادة.
(قال محمد بن رشد: وهذا كما قال: إن الكلام جوز من إصلاح الصلاة فيما تدعو إليه الضرورة، لا يوجد من ذلك بد، والجهل ليس بعذر يجيز له التكلم في صلاته، فهو كمتعمد الكلام.
[مسألة: نسي سجدة من أول ركعة فذكرها في تشهد الرابعة]
مسألة وسئل ابن القاسم عمن نسي سجدة من أول ركعة، فذكرها في تشهد الرابعة، قال: يقوم فيقضي ركعة يقرأ فيها بأم القرآن فقط، ويسجد قبل السلام؛ لأنه نقصان وزيادة. قال ابن وهب: يقضي ركعة يقرأ فيها بأم القرآن وسورة، ويسجد بعد السلام؛ لأنه زيادة فقط. قال عيسى: وقول ابن القاسم أعجب إلي) .
قال محمد بن رشد: معنى هذه المسألة في المنفرد، وهو عند ابن القاسم بأن يخالف المأموم على المشهور في المذهب، وعلى هذا يأتي جوابه في هذه المسألة؛ لأن الركعة الأولى التي أسقط منها السجدة تبطل إذ لم يصلحها قبل أن يعقد بعدها ركعة، فتصير الثانية له أولى، وهو قد جلس فيها فزاد الجلوس في غير موضعه، وزاد أيضا عمل الركعة التي أسقط منها السجدة، وتصير الثالثة له ثانية، وهو لم يقرأ فيها إلا بالحمد- وحدها، وقام ولم يجلس فأسقط منها السورة والجلوس، وتصير الرابعة له ثالثة، فيأتي بالركعة الرابعة بأم
стр. 559
القرآن فقط، ويسجد قبل السلام؛ لأنه نقصان وزيادة. وقوله في المدونة فيمن أسقط السجود من الركعة الأولى، والركوع من الركعة الثانية: إنه لا يجزيه أن يجعل سجود الركعة الثانية للركعة الأولى؛ لأنه لم ينوه لها، وإنما نواه للركعة الثالثة، معارض لأصله في هذه المسألة، ومعنى قول ابن وهب أنه عنده قاض كالمأموم فتبطل عنده عليه الركعة الأولى، وتبقى الثانية على حالها ثانية، والثالثة ثالثة، والرابعة رابعة؛ ويقوم فيقضي الأولى التي بطلت عليه بترك السجود فيها، فيكون على هذا قد زاد عمل الركعة الأولى التي أسقط منها السجدة. فهذا تفسير قول ابن وهب ومعناه، فجميع أصحاب مالك على أن الفذ بانٍ إلا ابن وهب؛ وجميعهم على أن المأموم قاضٍ، إلا أشهب - وبالله التوفيق.
[مسألة: القوم تفوتهم الجمعة ويريدون أن يجمعوا]
ومن كتاب أوله باع شاة
مسألة وسألت ابن القاسم عن القوم تفوتهم الجمعة ويريدون أن يجمعوا، قال ابن القاسم: كنت مع ابن وهب بالإسكندرية - وكنا في بيت فلم نحضر الجمعة لأمر خفناه، ومعنا ناس كانوا جاءونا، فأردنا أن نصلي، فقال ابن وهب: نجمع، فقلت أنا: لا، فألح ابن وهب فجمع بالقوم، وخرجت أنا عنهم؛ فقدمنا على مالك، فسألناه عن ذلك، فقال: لا تجمعوا، ولا يجمع الصلاة من فاتته الجمعة، إلا أهل الحبس، والمسافرين، والمرضى، فأما غير ذلك فلا.
قال محمد بن رشد: كان تخلفهم عن الجمعة لمكان البيعة، وكانت قامت في ذلك اليوم؛ وقع ذلك في المبسوطة، فحملهم ابن القاسم محمل من فاتتهم الجمعة، لقدرتهم على شهودها؛ وحملهم ابن وهب محمل المسافرين
стр. 560
الذين لا تجب عليهم الجمعة، لما لهم من العذر في التخلف عنها؛ فهذا وجه قوليهما، وقد مضى في رسم "نقدها" من هذا السماع- تحصيل القول في هذه المسألة، ونزيد ذلك ههنا بيانا بأن نقول: إن المصلين الجمعة ظهرا أربعا، حيث تجب الجمعة- أربع طوائف: طائفة لا تجب عليهم الجمعة وهم المرضى، والمسافرون، وأهل السجون؛ فهؤلاء يجمعون، إلا على رواية شاذة جاءت عن ابن القاسم - أنهم لا يجمعون ويصلون أفذاذا، فإن جمعوا على هذه الرواية، لم يعيدوا، وطائفة تخلفت عن شهود الجمعة لعذر يبيح لهم التخلف عنها، فهؤلاء اختلف هل يجمعون أم لا- على ما جاء في هذه الرواية من الخلاف بين ابن القاسم، وابن وهب، فإن جمعوا على قول ابن وهب، لم يعيدوا على قول ابن القاسم؛ وطائفة فاتتهم الجمعة، فهؤلاء المشهور أنهم لا يجمعون، وقد قيل إنهم يجمعون، وروي ذلك عن مالك وبعض أصحابه، فإن جمعوا لم يعيدوا، وطائفة تخلفت عن الجمعة لغير عذر، فهؤلاء لا يجمعون، واختلف إن جمعوا، فقيل: إنهم يعيدون، وقيل: إنهم لا يعيدون- على ما مضى في رسم "نقدها".
[مسألة: أحدث فقدم رجلا لم يدرك معه تلك الركعة فسجد بهم]
مسألة وسألته عن الرجل يؤم الناس، فلما استقل من الركعة، أحدث فقدم رجلا لم يدرك معه تلك الركعة فسجد بهم، هل تجزئهم تلك الركعة؟ وعن الإمام يحدث- وهو راكع- كيف يخرج؟ وكيف يصنع؟ قال ابن القاسم: لا تجزئهم الركعة، ولا يعتدون بها؛ لأنه لم يعتد هو بها، ولا ينبغي لهم أن يتبعوه، فإن فعلوا، فسدت صلاتهم جميعا؛ لأني لا آمرهم أن يقعدوا بعد أربع ركعات؛ لأن
стр. 561
تلك الركعة لم تجز عنهم حين سجد بهم من لا يجزئ عنه سجوده؛ ولا آمرهم أن يصلوا خامسة، فيكونوا قد صلوا خامسة عامدين، فأحب إلي أن يستأنفوا صلاتهم- إن فعلوا، وإن علم، رأيت له أن يتأخر ويقدم من أدرك ركعة فيسجد بهم. وقال في الإمام يحدث - وهو راكع-: إنه يرفع رأسه ويقدم رجلا يدب راكعا فيرفع بهم ويسجد.
قال محمد بن رشد: قوله إنه لا تجزئهم الركعة ولا الصلاة أيضا- إن سجد بهم السجدتين اللتين بقيتا عليهم من الركعة التي فاتته، هو قول أشهب أيضا، وقد قيل إنه تجزئهم، حكى ابن المواز القولين جميعا؛ فأما القول الأول فقد بين في الرواية وجهه، وهو أنه لما كان هو لا يعتد بها من صلاته، وجب ألا يتبعوه فيها، وأن تبطل صلاتهم إن اتبعوه فيها؛ لأنهم زادوا فيها ما ليس منها، وإن قعدوا ولم يتبعوه في السجود، بطلت عليهم الركعة؛ فلهذا رأى أن يتأخر ويقدم من أدرك الركعة فيسجد بهم، فتصح لهم الركعة والصلاة، ووجه القول الثاني، أنه لما كان لا بد لهم من سجود سجدتي تلك الركعة، استخلف عليهم الإمام، أو لم يستخلف، لم يضرهم أن يعتدوا به في السجود، وكانوا في سجودهم معه كسجودهم- أفرادا، وإذا أنزلنا سجودهم معه كسجودهم أفرادا، فإنما يجزئهم سجود تلك الركعة على القول بأن ما فعل في حكم الإمام يعتد به على ما ذكرته من قول ابن نافع في رسم "الأقضية الثالث" من سماع أشهب؛ لأنهم في حكم المستخلف، وهو شذوذ في المذهب؛ وقوله في الذي يحدث- راكعا- أنه يرفع رأسه ويقدم رجلا يدب راكعا، فيرفع بهم ويسجد، صحيح؛ ولو قدم رجلا قد أحرم معه قبل أن يركع، لوجب أن يركع ويرفع بهم، وجب عليهم أن يرجعوا معه إلى الركوع، حتى يرفعوا برفعه، فإن لم يفعلوا أجزأتهم صلاتهم لأنهم بمنزلة من رفع قبل إمامه.
стр. 562
[مسألة: يصلي فيركع بهم ويسجد سجدة ويسهو فلا يسجد غيرها]
مسألة (قال) : وسألته عن الإمام يصلي فيركع بهم ويسجد سجدة، ويسهو فلا يسجد غيرها، فينهض قائما وينهض معه بعض من يصلي معه- عالمين بأنه قد سها عن سجدة، فاتبعوه- اقتداء به، أو ساهون بسهوه، أو سجد بعضهم حين علموا أنه قد ترك سجدة ثم اتبعوه، ثم ذكر الإمام قبل أن يركع فسجدها، هل ترى لمن كان قد سجدها أن يعيدها ثانية مع الإمام، أم يعتدوا هم بسجدتهم التي سجدوا قبل الإمام، أو لم يذكر الإمام حتى ركع، هل ترى للذين سجدوها أن يعتدوا بها؟ قال ابن القاسم: أما الذين سجدوا لأنفسهم، فإنه إن رجع الإمام إلى السجدة قبل أن يركع، فإنهم لا يسجدون معه- ثانية، وسجدتهم الأولى تجزئهم؛ وإن لم يرجع الإمام إلى السجدة وسها عنها حتى يركع، فإن الذين سجدوا يتبعونه في صلاته حتى يتموا أربعا بتلك الركعة التي سها منها الإمام السجدة، فإذا أتموا أربعا، قعدوا وقام الإمام ومن سها معه فصلوا ركعة بسجدتين يؤمهم فيها الإمام، فإذا فرغ وسلم الإمام سلموا بسلامه، ثم سجد الإمام، ويسجد معه من سجد السجدة ومن لم يسجدها.
قال ابن القاسم: وأحب إلي أن لو أعادوا الصلاة الذين سجدوا السجدة بعد سلام الإمام، وهو أحب إلي من أن آمرهم أن يسجدوا معه ثالثة، فيزيدوا في صلاتهم متعمدين، أو أن يقوموا معه ولا يسجدوا فيقطعوا ركعتهم ويصلوا معه- خامسة من غير سهو؛ فالذي أرى أن يمضوا على صلاتهم على سنتها، ثم يعيدوا بعد فراغ
стр. 563
الإمام- احتياطا، وأما الذين اتبعوه- عامدين، فصلاتهم منتقضة على كل حال- رجع الإمام من قبل أن يركع، أولم يرجع. قال أصبغ: ولا أدري ما هذا ولا يعجبني. وإن رجع الإمام قبل الركعة ورجعوا معه، فأرجو أن تجزئهم وإلا فلا. قال أصبغ: وهذا فقه هذه المسألة.
قال محمد بن رشد: هذه المسألة تنقسم على وجهين: أحدهما أن يسهو الإمام عن السجدة- وحده، والثاني أن يسهو عنها هو وبعض من خلفه، فأما إذا سها عنه هو وحده، فلا يخلو من خلفه من حالين: أحدهما أن يسجدوا لأنفسهم، والثاني أن يتبعوه على ترك السجدة- عالمين بسهوه، فأما إن سجدوا لأنفسهم ولم يرجع الإمام إلى السجدة حتى فاته الرجوع إليها بعقد الركعة التي يعدها، فركعة القوم صحيحة باتفاق، ويقضي الإمام تلك الركعة بعينها التي أسقط منها السجدة في آخر صلاته- وهم جلوس، ثم يسلم بهم ويسجد بعد السلام؛ واختلف إن ذكر الإمام قبل أن يركع، فرجع إلى السجود، هل يسجدون معه ثانية أم لا- على قولين، وأما إن اتبعوه على ترك السجود- عالمين بسهوه، فصلاتهم فاسدة باتفاق؛ وأما الوجه الثاني- وهو أن يسهو عنها هو وبعض من خلفه- وهي مسألة الكتاب، فلا يخلو من لم يسه عنها بسهو الإمام من حالين أيضا: أحدهما أن يسجدوا لأنفسهم، والثاني أن يتبعوه على ترك السجود- عالمين بسهوه؛ فأما أن يسجدوا لأنفسهم ولم يرجع الإمام إلى السجود حتى فاته الرجوع إليه بعقد الركعة التي بعدها، ففي ذلك ثلاثة أقوال، أحدها: قول ابن القاسم في هذه الرواية أن السجود يجزئهم وتصح لهم الركعة ويلغيها الإمام ومن سها معه، فإذا أكمل ثلاث ركعات، قام ومن سها معه إلى الرابعة، وقعدوا حتى يسلم فيسلموا بسلامه، ويسجد بهم جميعا سجدتي السهو بعد السلام؛ - وهو أضعف الأقوال، لاعتدادهم بالسجدة، وهم إنما فعلوها في حكم الإمام، ولمخالفتهم إياه بالنية في أعيان الركعات؛ لأن
стр. 564
صلاتهم تبقى على نيتها وتصير للإمام ومن سها معه الركعة الثانية أولى، والثالثة ثانية، والرابعة ثالثة؛ ولهذا المعنى قال ابن القاسم في الرواية: وأحب إلي أن لو أعادوا الصلاة، وإنما يسجد الإمام بهم بعد السلام- كما قال- إن كان ذكر بعد أن ركع في الثانية؛ لأنه يجعلها أولى، ويأتي بالثانية بالحمد وسورة، ويجلس فيها فيكون سهوه زيادة كله؛ وأما إن لم يذكر حتى صلى الثالثة أو رفع من ركوعها، فإنه يسجد قبل السلام- على ما اختاره من قول مالك في اجتماع الزيادة والنقصان؛ لأنه يجعلها ثانية، وقد قرأ فيها بأم القرآن- وحدها، وقام ولم يجلس، فأسقط السورة والجلوس منها، فاجتمع عليه في سهوه زيادة ونقصان.
واختلف أيضا في هذا الوجه- إن ذكر الإمام قبل أن يركع فرجع إلى السجدة، هل يسجدون معه ثانية، أم لا؟ على قولين، والقول الثاني: أن صلاتهم فاسدة للمعنى الذي ذكرناه من مخالفة نيتهم لنية إمامهم في أعيان الركعات- وهو قول أصبغ، والقول الثالث: أن السجود لا يجزئهم وتبطل عليهم الركعة، كما بطلت على الإمام ومن معه، ويتبعونه في صلاته كلها وتجزئهم؛ حكى هذا القول محمد بن المواز في كتابه. وأما إن اتبعوه على ترك السجدة- عالمين بسهوه، فقال في الرواية: إن صلاتهم منتقضة، ويتخرج على ما في كتاب محمد: أن تبطل عليهم الركعة، كما بطلت على الإمام ومن معه، ولا تنتقض عليهم الصلاة؛ لأن السجدة إذا كان على مذهبه لا يجزيهم فعلها، فلا يضرهم تركها- وبالله التوفيق.
[مسألة: عليه سجود السهو بعد السلام فيسهو فيسجد قبل السلام]
ومن كتاب العتق مسألة وسئل ابن القاسم عن الذي يكون عليه سجود السهو بعد السلام، فيسهو فيسجد قبل السلام؛ قال: يعيدهما بعد السلام، وإنما هذا سهو دخل عليه.
стр. 565
قال محمد بن رشد: جعل في هذه الرواية سجوده قبل السلام سهوا فيما وجب عليه فيه السجود بعد السلام سهوا، دخل عليه قي صلاته فأوجب عليه إعادة السجود بعد السلام، ولم يراع ما في أصل المسألة من الاختلاف، فيلزم على هذا- لو كان جاهلا أو متعمدا- أن يعيد الصلاة؛ وقد روى ذلك أبو زيد عن أشهب، حكى ذلك ابن المواز، وهو خلاف ما في المدونة، وفي آخر الرسم الأول من سماع أشهب؛ فعلى ما في المدونة وفي السماع المذكور لا إعادة عليه للسجود بعد السلام إذا سجد قبل السلام- ناسيا كان أو متعمدا، مراعاة للاختلاف، وقد نص في كتاب محمد بن المواز على ذلك فقال: لا إعادة عليه للسجود بعد السلام- ساهيا كان أو متعمدا، وذهب ابن لبابة إلى أن يفرق بين الناسي والمتعمد في الذي يجب عليه السجود بعد السلام فيسجد قبله، فيجعل رواية عيسى هذه مفسرة لما في المدونة، وإنما هي خلاف لها بما بان مما ذكرته من كتاب محمد ابن المواز - وبالله التوفيق.
[مسألة: يأتي المصلى يوم عيد وقد سبقه الإمام بالتكبير]
مسألة وقال في رجل يأتي المصلى يوم عيد- وقد سبقه الإمام بالتكبير، قال: إن أدركه قائما، دخل معه في الصلاة وكبر سبعا؛ وإن وجده راكعا، كبر تكبيرة واحدة ودخل معه في الركوع- ولا شيء عليه، وإن أدركه في الركعة الثانية، أو بعد أن رفع رأسه من (الركعة) الأولى، قضى بعد تسليم الإمام ركعة بسجدتيها، فكبر فيها سبعا، فإن وجده جالسا في آخر صلاته، أحرم ودخل معه، فإذا سلم الإمام قام فقضى الركعتين، يكبر في الأولى سبعا، وفي
следующие страницы →