← Фикх малики

Фикх малики · id 21751

البيان والتحصيل

ابن رشد الجد

Полный текст (9 112 стр.). Показаны 6336–6375 · переход к 6341.

стр. 6336

دينارا، إلا أن يشاء، وليس للواهب على الموهوب له أكثر من قيمته. قال عيسى: قال ابن القاسم: إنما هذا إذا فاتت أو نقصت، فأما إذا لم تفت، وكانت قائمة بعينها، وهي على حال ما وهبها أو أفضل، فهو مخير بين أن يأخذ ما أشبه، وبين أن يأخذ هبته، وليس النمل في الهبة فوتا، وإنما الفوت فيها النقصان. وذهب مطرف إلى أن الواهب أحق بهبته، وهو بالخيار فيها ما لم يرض، وإن فاتت حتى يفوت موضع الرد فيها بموت وما أشبه ذلك، فحينئذ تلزمه القيمة، ولا يكون لواحد منهما في ذلك خيار، وروي ذلك عن مالك، وهو معنى حديث عمر. وروى ابن الماجشون، عن مالك: أن الهبة للثواب إذا قبضت، لزم الموهوب له فيها القيمة بالقبض، ولم يكن فيها رد ولا استرداد، إلا عن تراض من الواهب والموهوب له، زادت أو نقصت، أو كانت على حالها، وهو قول رابع في المسألة. وقوله: إن الهبة للثواب إذا كانت جارية فوطئها الموهوب له، إِنَّ وَطْأَهُ إياها فَوْتٌ يُلْزِمُهُ قِيمَتَهَا -صحيح، لا اختلاف فيه؛ لأن وطأه إياها على مذهب ابن القاسم رِضًا منه بالقيمة، فليس له أن يردها، ولا للواهب أن يستردها، إذ قد كان يلزمه أخذ القيمة فيها قبل أن يطأها الموهوب له. وقال مطرف وابن الماجشون وأصبغ: إن الغيبة عليها فوت فيها، وإن لم يطأ، تلزمه بها القيمة فيها، ولا يصح الرد فيها وإن لم تحمل؛ لأن ذلك ذريعة إلى إحلال الفرج بغير ثمن. وأما قوله في التفليس: إن الواهب أحق بهبته، إلا أن يشاء الغرماء أن يدفعوا إليه قيمتها يوم الهبة، فقد مضى الكلام على ذلك وتوجيه الاختلاف فيه في أول سماع ابن القاسم من هذا الكتاب، فلا معنى لإعادته. [مسألة: وهب لرجل مريض هبة ولا مال له غيرها] مسألة قال: وسألته عن رجل مريض، وهب لرجل مريض هبة ولا مال له غيرها، فقبضها الموهوب له وهو مريض، فوهبها للواهب،

стр. 6337

ولا مال له أيضا، قال: يحوز للموهوب له الأول، ثلثه من تسعة، من مال الواهب، ويحوز الواهب الأول من هذه الثلاثة واحدا وهو ثلث مال الموهوب له الأول، فيصير في يد الأول سبعة، وفي يد الواهب الآخر اثنان، وأصل الذي يستدل به أن ينظر إلى مال له ثلث، ولثلثه ثلث، وذلك تسعة، فعلمت أنه يحوز للموهوب له ثلثه، وللواهب ستة، وأنه يرجع إلى الواهب الأول سبعة، ولورثة الواهب الآخر اثنان. قال محمد بن رشد: جوابه في هذه المسألة عن القول بأن هبة البتل في المرض وإن كانت من الثلث، فهي بخلاف الوصية يدخل فيما علم في الواهب من ماله، وفيما لم يعلم، ولا تبطل بموت الموهوب له قبل الواهب، على حكم الوصية في بطلانها بموت الموصي لوجب إذا مات الأول قبل الثاني أن يبطل ما وهبه الثاني، وإذا مات الثاني قبل الأول، أن يبطل ما وهبه الأول. والمعنى فيه: أن كل واحد منهما مات من مرضه ذلك، إذ لو صحا جميعا، وكانت التسعة التي هي جميع المال للواهب الأول لرجوعها إليه بالخمسة الثانية، ولو صح الواهب الأول، ومات الواهب الثاني من مرضه، لنفذت للموهوب منهما من مرضه ذلك، كان الحكم فيما ذكره على قياس القول الذي ذكرته، سواء مات الواهب الأول قبل الثاني أو بعده، يصير لورثة الموهوب له الأول ثلث المال، وهو ثلثه من تسعة، ويصير لورثة الواهب من هذه الثلاثة واحد فيبقى في الذي ورثه الموهوب له الأول، اثنان، يحصل في الذي ورثه الواهب الأول سبعة، ثم يرجع ورثة الموهوب له الأول على...... وهو الواهب الأول في هذا الواحد، فيأخذون منه ثلثه، ثم يرجع لورثة الموهوب له الثاني، وهو الواجب عليه في ثلثه ثم يرجع ورثة الموهوب له الأول، وهو الواجب الثاني عليهم في ثلث هذا الثلث، فيأخذون

стр. 6338

منه ثلثه هكذا أبدا يدور هذا السهم بينهم حتى ينقطع، وسواء علم الهبة أو لم يعلم على ما يأتي عليه جوابه، من أن هبة البتل في المرض لا تبطل بموت الموهوب له قبل الواهب، وتدخل فيما علم الواهب وما لم يعلم، وكذلك قال ابن عبدوس في كتابه للرد، وأن التسعة الأسهم ثلثها ثلاثة، لورثته الواهب الثاني، ثم يؤخذ منها سهم، وهو ثلث ماله، قال: فاعلم أن هذا السهم دائر؛ لأنك إن أعطيه لورثة الأول، قام عليهم ورثة الثاني في ثلثه، كما صار؛ لأن هبته البتل تدخل فيما علم به الميت وما لم يعلم، ثم يقوم عليهم ورثة الأول في ثلث ثلثه فيدور هكذا بينهم حتى ينقطع، فلما كان هذا هكذا، وجب أن يسقط السهم الدائر، ويقسم ذلك السهم بين الوارثين، على ما استقر بأيديهم، فيصير المال بينهم على ثمانية أسهم، ستة لورثة الواهب الأول، واثنان لورثة الواهب الثاني. وقد قال أبو محمد: هذا الذي ذكر عيسى عن ابن القاسم - هي مسألة دور، ولم يجعل فيها دورا، وهذا الذي قال أبو محمد عن ابن القاسم، لم يجعل فيها دورا لا يصح، على ما جرى جوابه من أن هبة البتل تدخل فيما علم الواهب وفيما لم يعلم، وإنما يصح إسقاط الدور فيها إن لم يعلم الواهب بالهبة على القول بأن هبة البتل لا تدخل إلا فيما علم الواهب، وهو قول ابن القاسم في رواية عيسى عنه في المدنية وقوله أيضا في رواية أصبغ عنه في بعض روايات العتبية في سماعه من كتاب المدبر، فحكم في هذه الهبة في المرض بحكم الوصية، ولم يحكم لها بحكم الوصية فيما تقدم له في رسم الجواب إذا قال فيه: إن هبة البتل يحل ورثة الموهوب له فيها محل موروثهم إذا مات قبل الواهب، وهذا على قياس مطرد؛ لأنه إذا لم يحكم للهبة في المرض بحكم الوصية في سقوطها بموت الموهوب له قبل الواهب، وجب ألا يحكم له بحكمها في أنها لا تدخل إلا فيما علم، فالذي ينبغي أن يتأول عليه، أن ذلك إنما هو اختلاف من قوله، مرة حكم للهبة في المرض بحكم الوصية في كل حال، ومرة رآها أقوى من الوصية، فلم يحكم لها بحكمها في حال. وبالله التوفيق.

стр. 6339

[: يتصدق في مرضه على رجل بثلث دار له] ومن كتاب الثمرة وسألت: عن الرجل يتصدق في مرضه على رجل بثلث دار له، وفي الدار طوب وخشب، أراد أن يبني بها، فقال المتصدق عليه: لي ثلث الطوب والخشب، وأبى الورثة أن يكون ذلك له، قال: ليس له في الطوب والخشب شيء. قال محمد بن رشد: هذا بَيِّنٌ عَلَى ما قاله؛ لأنه يكون تبعا للدار في الوصية بها أو الصدقة في الصحة أو المرض، إلا ما يكون تبعا لها في البيع، وهو ما كان مبنيا فيها، لا ما كان موضوعا فيها من خشب أو حجر، أو ما أشبه ذلك، وبالله التوفيق.

стр. 6340

[: كتاب الصدقات والهبات الثالث] [ أعطى أخاه منزلا في صحته وكتب له بذلك كتابا] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد، وآله وصحبه وسلم. كتاب الصدقات والهبات الثالث من سماع يحيى بن يحيى من ابن القاسم من كتاب الكبش قال يحيى: وسألت ابن القاسم عن رجل أعطى أخاه منزلا في صحته، وكتب له بذلك كتابا، وكتب في كتاب العطية إن مات أخوه الذي أعطي تلك العطية في حياة المعطي فالمنزل مردود على المعطي، ولا حق فيه لورثة المعطى ولا يورث؛ على هذا الشرط أعطاه، فحاز المعطى عطيته في حياة المعطي أو لم يحز، ثم مات المعطَى قبل المعطي، فقال: أرى هذا مثل الوصية تكون للمعطى من الثلث، ألا ترى أنه أنفذ له العطية إن مات قبل المعطي، فكأنه إنما أوصى له بها، وعجل له قبضها، قلت: وهي وصية على كل حال، حازها في صحة المعطي أو لم يحز، فقال: نعم، وقد قال مالك ما يشبه هذا، قال أصبغ: ليس للمعطي فيها بيع، ولا تحويل عن حال؟ فإن مات المعطى رجعت إلى المعطي بمنزلة العمرى، وإن مات المعطي كانت كالوصية في ثلثه، ولا تكون كالوصية في

стр. 6341

الرجوع فيها، فكذلك مسألتك. قال محمد بن رشد: هذا كما قال؛ لأن أول قوله مرتبط بآخره، فليست بعطية مبتلة بما شرط عليه فيها من أنه إن مات قبله، فهي عليه رد؛ لأن ذلك يقتضي ألا يكون له فيها تفويت ببيع ولا غيره، ما دام المتصدق حيا حتى يموت، فآل أمرها إلى أنه أوصى له بها بعد موته، وعجل له الانتفاع بها طول حياته، فوجب إن مات المتصدق عليه قبله أن ترجع إليه كما شرط، وإن مات المتصدق قبله بتلت له من ثلثه على معنى الوصية، إن كان غير وارث، وقد مضى هذا في رسم الأقضية الثاني، من سماع أشهب، وتأتي المسألة متكررة في سماع ابن الحسن بعد هذا، وقول أصبغ في هذه الرواية: وإن مات المعطي كانت كالوصية في ثلثه، ولا تكون كالوصية في الرجوع فيها؛ يريد أنه ليس للمعطي أن يرجع في عطيته هذه، وإن كانت إنما تنفذ من ثلثه بما شرط فيها من رجوعها إليه إن مات المعطى قبله، ووجه ذلك أن العطية، وإن لم تكن مبتولة بما شرط فيها، فليست كالوصية بها التي له الرجوع فيها؛ لأنه قد بتلها في حياته على الشرط الذي اقتضى ألا تنفذ بعد موته إلا من ثلثه، فأشبه المدبر الذي يخرج بعد الموت من الثلث، ولا يجوز لسيده الذي دبره الرجوع في تدبيره، وقد اختلف قول مالك في الهبة البتل في المرض: هل للواهب أن يرجع فيها في مرضه فلا تنفذ، إن مات منه أم لا على قولين حسبما مضى القول فيه في رسم أخذ يشرب خمرا، من سماع ابن القاسم، من كتاب الحبس، وهذا بيّن ألا يكون له فيها رجوع؛ وقد قال بعض أهل النظر ليس بحسن قول أصبغ في معنى الرجوع، إلا في انتفاع المعطى

стр. 6342

بالمنزل حياة المعطي، وأما بعد موت المعطى، فمنذ يجب للمعطى بتلا، فله الرجوع فيه؛ لأنه من يومئذ يصير وصية، وكل ما كان وصية، أو على معنى الوصية، فله الرجوع فيه، وليس قوله عندي بصحيح؛ لأن الظاهر من قول أصبغ أنه إنما تكلم على الرجوع في عطية الرقبة بعد الموت؛ فهذا هو الذي قال: إنه لا يرجع فيه، وأما انتفاع المعطى بالمنزل حياة المعطي، فبين أنه ليس للمعطي أن يرجع فيه؛ لأنه شيء بتله في صحته، فنفذ عليه، وإن لم يكن له مال سوى المنزل، فلو قصد إلى بيان هذا، لكان عيا منه؛ وإذا لم يكن للمعطي أن يرجع في عطيته هذه بعد الموت، كما يرجع في وصيته، فيبدأ على الوصايا، ويدخل فيما علم به المعطي، وفيما لم يعلم، وقد مضى هذا المعنى في رسم الجواب، وفي آخر رسم العتق، من سماع عيسى، وبالله التوفيق. [مسألة: أم الولد يتصدق عليها سيدها] مسألة قال يحيى: وسألت ابن القاسم عن أم الولد يتصدق عليها سيدها، أيلزمها الحوز؟ فقال: حالها في ذلك كحال الزوجة فيما يتصدق به عليها؛ أما الخادم تكون معها في البيت، أو الابنة، أو ما أشبه ذلك مما لا يزايلها حيث انتقل بها سيدها، فالإشهاد وإعلان الصدقة حوز لها؛ وذلك أنه لا تقدر على حوزها بأكثر من ذلك. وأما العبد بخارج، أو الدار تسكن، أو المزرعة، أو ما أشبه هذا مما

стр. 6343

هو بائن منها، وقبضه يمكن، فعليها أن تحوزه بقبض الخراج من العبد، وإخراج السيد من الدار، وعمران المزرعة أو كرائها لها، وجني الشجر، وما أشبه هذا مما يحاز به العبيد والعقار؛ قال: وأما الحلي والثياب، فالقبض اللبس والعارية، وما أشبه ذلك مما تصنعه المرأة بمتاعها، إذا عرفت تصنع بما تصدق عليها من الحلي والثياب، مثل هذا فهو لها حوز، وإلا فلا شيء لها؛ قال أصبغ: وإشهاد لها حوز أيضا، وإن لم يُعرف لبس ولا عارية إذا كان في يديها، وليس في يد سيدها قد خرج منه إليها. قال محمد بن رشد: حكم لأم الولد بحكم الزوجة في حيازة ما يتصدق به عليها سيدها، فقال في الخادم تكون معها في البيت أو الابنة وما أشبه ذلك؛ أن الإشهاد وإعلان الصدقة حوز فيها؛ إذ لا يقدر في حوزها على أكثر من ذلك، وفي ذلك اختلاف في الحرة الزوجة، وقد مضى تحصيله في رسم اغتسل، من سماع ابن القاسم، وفي رسم سلف دينارا في ثوب إلى أجل، من سماع عيسى، فهو يدخل في أمر الولد على هذه الرواية؛ وأما المنزل وما عدا ما هو من متاع البيت، فلا اختلاف في أن الزوجة في حيازته عن زوجها كالأجنبي فيما يلزمه في ذلك، وكذلك أم الولد على هذه الرواية. وفي المدونة ما يدل ظاهره على أن السيد يحوز لأم ولده ولعبده الكبير ما وهبه لهما، أو تصدق به عليهما، كما يحوز ذلك لابنه، إذا وهبه إياه، أو تصدق به عليه، وهو قوله فيها؛ لأن من تصدق بصدقة على غيره، أو وهب هبة، لا يكون هو الواهب وهو الحائز، إلا أن يكون والدا أو وصيا، أو من يجوز له أمره عليه في قول مالك؛ إذ لا أحد أحوز أمرا على أحد من السيد

стр. 6344

على عبده وأم ولده؛ إذ له أن يحجر عليهما، وأن ينتزع أموالهما، فتحجيره عليهما أقوى من تحجير الأب على ابنه، والوصي على يتيمه؟ فوجب أن تكون حيازة ما وهب لهما أحوز من حيازته، لما وهبه لابنه أو يتيمه؛ فهذا وجه ما يدل عليه ظاهر ما في المدونة، ووجه هذه الرواية أن جواز انتزاع المال تضعيف في الحيازة لا تقوية لها؛ لأنه إذا تصدق على أم ولده أو على عبده، ثم أمسك ذلك عند نفسه، ولم يدفعه إليهما، أشبه الانتزاع والارتجاع؛ إذ لم يسلم ذلك إليهما، وهما غير سفيهين؛ وأما الأب والوصي فإنما منعهما أن يسلما ما وهباه لمن إلى نظرهما كونه سفيها، فرواية يحيى أظهر، وكان أبو عمر الإشبيلي يستحب العمل بها، فإن عمل أحد بدليل المدونة، مضى عنده ولم يرد، وبالله التوفيق. [مسألة: يتصدق على امرأته بمزرعة في آخر أيام المزارعة] مسألة قال يحيى: وسألت ابن القاسم عن الرجل يتصدق على امرأته بمزرعة في آخر أيام المزارعة، وهو صحيح، فأقام بعد ذلك نحوا من شهر ثم هلك، غير أنه قد أشهد لها على الصدقة وعرف بحوزها الشهود، فلم تعمل المرأة فيها عملا بحرث ولا غيره حتى مات زوجها، وزعمت أنه لم يمنعها من العمل إلا ما كان فات من الزمن مع ضعف سكته عن القليب في أوانه، وقد كانت البقر ضعفت، فلم يقلب أهل منزلها حتى مات زوجها؛ فقال: إن جاء من ذلك ما يبين عذرها، مثل أن يتصدق بذلك ثم يعجله الموت قبل أوان عمل أمكنها، أو جني شجر، أو عذق، أو إصلاح عمل حضر،

стр. 6345

فالصدقة ماضية ولا شيء عليها إذا لم تحز؛ لأن الحوز لم يمكنها ولم يجئ أوانه؛ قال: وأما ما كانت لحوزه تاركة من ضعف أو أشباه ذلك، فإنها لا تعذر به؛ لأن الضعيف يكري ويساقي ويرفق من ينتفع به، فيكون هذا ونحوه حوزا، فمن كان تاركا لجميع هذا في أوانه الذي يمكنه فيه، فلا صدقة له إلا أن يعرف ضعفه عن العمل، ويعمل ذلك على الكراء أو المساقات أو العارية، فلا يجد من يقبل ذلك منه؛ فلا أرى عليه حوزا غير الإشهاد والإعلان والاجتهاد في عرض ذلك على الكراء والمساقات والعارية، وما أشبه ذلك؛ ثم يكون ذلك له حوزا؛ قال قلت: أرأيت إن مضت أعوام والمتصدق عليه ضعيف عن العمل، وهو يعرض على الكراء أو المساقات أو العارية كل عام، ولا يجد من يقبل ذلك منه؛ أيكون حائزا أم لا؛ قال: نعم، إذا علم حرصه على ذلك، وأنه لم يزل يعرض ذلك، ويطلب لها من يعملها، والأرض ليست تحاز بأكثر من هذا، قال أصبغ مثله ما لم ينتفع به المتصدق أو يقضي فيه. قال محمد بن رشد: وقوله في هذه الرواية في الذي يتصدق على من يحوز لنفسه من زوجة أو غيرها بمزرعة يعجل المتصدق الموت قبل أوان زراعتها وعملها، أن الصدقة ماضية، مثله في المدنية، وهو معارض لقوله ولروايته عن مالك فيها، وفي رسم تأخير صلاة العشاء، من سماع

стр. 6346

ابن القاسم في الرجل يتصدق على الرجل الحاضر بالدار الغائبة، فيعجل المتصدق الموت قبل أن يحوزها المتصدق عليه، إن الصدقة باطلة، وإن كان لم يفرط في الخروج إليها لقبضها؛ لأن لها حيازة تحاز به؛ إذ لا فرق في المعنى بين ألا يمكنه حيازة الدار لمغيبها عنه حتى يموت المتصدق بها، وبين ألا يمكنه حيازة الأرض؛ لأن أوان حوزها لم يحن؛ وأبين من ذلك في المعارضة قوله: إنه إذا تصدق بها في أوان حوزها، فضعف المتصدق عليه عن عملها، ولم يزل يعرضها على الكراء، والمساقات، والعارية، عاما بعد عام، فلا يجد من يقبلها منه؛ أن الإشهاد والإعلان والاجتهاد في عرض ذلك على الكراء والمساقات والعارية، يكفي من حيازتها؛ فقول ابن القاسم في هذه الرواية، هو مثل ما روي عن مالك في أن الدار الغائبة إذا لم يكن تفريط في قبض المتصدق عليه بها لها حتى مات المتصدق بها، أنها ماضية، وهو قول أشهب، وقد مضى بيان هذا في رسم تأخير صلاة العشاء من سماع ابن القاسم، ولو لم يعمر المتصدق عليه الأرض، ومنع المتصدق أن يعمرها فتركها بورا حتى يقوى على عملها، لكان منعه من عمارتها حوزا لها، قال ذلك ابن القاسم وابن كنانة في المدونة، وأصبغ في الواضحة، والله الموفق. [مسألة: الرجل يتصدق على ابن له كبير بغلام] مسألة قال يحيى: وسألت ابن القاسم عن الرجل يتصدق على ابن له كبير بغلام، فلا يقبضه حتى يتصدق الأب به على ابن له صغير في حجره، فينكر ذلك الكبير، ويقول: لا أجيز ما صنعت، فسخط عليه الأب، وكف عنه حتى مات الأب والغلام في يديه يحوزه

стр. 6347

للصغير، لأيهما ترى الغلام؟ فقال: أراه للصغير إذا لم يحزه الكبير. قيل له: إنه تركه خوفا من سخط أبيه، وقد أشهد أنه غير راض بما صنع، فقال: لا ينفعه الإشهاد؛ لأنه لو شاء أن يخاصمه فيه قضى له به، فقد آثر بر أبيه والتماس رضاه على أخذ صدقته، فله أجر البر إن شاء الله تعالى، ولا صدقة له إلا بالحيازة. قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله؛ أنه إذا لم يقبض الابن الكبير الغلام حتى مات الأب المتصدق، فلا صدقة له؛ إذ لا تتم الصدقة إلا بالحيازة، فله أجر البر كما قال في تركه القيام على أبيه في الغلام الذي تصدق به على أخيه بعد أن كان تصدق به عليه، وكذلك يقول ابن القاسم: لو تصدق على آخر كبير فقبضه؛ لكان الأول أحق به، وأشهب يرى أن الثاني إذا حازه فهو أحق به من الأول، فيتخرج على قياس قوله إذا تصدق به على ولد له كبير، ثم تصدق به على آخر صغير، وحازه قبل أن يقبضه الأول قولان؛ أحدهما: أن حيازة الأب للصغير كحيازة الكبير لنفسه، فلا يكون للأول شيء، وإن قام عليه في حياته. والثاني: أن حيازة الأب للصغير ليست كحيازة الأب للكبير، ويكون الابن الكبير المتصدق عليه أولا بالعبد أحق به، إن قام على الأب في حياته، والقولان في حيازة الأب للصغير، هل تكون في القوة كحيازته للكبير قائمان، من مسألة رسم الجواب، فيما تقدم.

стр. 6348

[مسألة: امرأة أرفقت زوجها بمنزل لها ثم تصدقت به] مسألة قال يحيى: وسألت ابن القاسم عن امرأة أرفقت زوجها بمنزل لها، فكان في يديه يحرث مزارعه، ويجني له شجره، ويصيب جميع مرافقه؛ ثم تصدقت به على بنت لها متزوجة، أو ابن قد بلغ الحوز، وأشهدت على الصدقة، وأمرت الولد بالحوز؛ فسأل الأب ابنه أو ابنته أن يعيره ذلك المنزل يرتفق به ويقره في يده بحاله، ففعل الابن وأشهد على أبيه بالعارية، ولم يقبض المنزل من يده للحيازة، ولم يخرج منه أباه، أقره فيه بحاله، واكتفى من الحيازة بالإشهاد على أبيه بالعارية؛ قال ابن القاسم: أي حوز أبين من هذا، أو أتم، من أعار ما تصدق به عليه، فقد استكمل الحوز؛ قلت له: أما تراه قد أوهن حيازته؛ لأنه كان قبل الصدقة في يد أبيه، لم يخرجه من يده حتى أحدث الإشهاد بالعارية؛ فقال: لا وهن عليه، بل الذي فعل حوز بيّن، تتم له به صدقة أمه عليه، والعارية كالقبض. قال محمد بن رشد: المعنى في هذه المسألة أن المرأة كانت أرفقت زوجها بالمنزل إلى غير أجل، فكان في يديه يرتفق بمنافعه، ويصيب جميع مرافقه، فلما تصدقت به بعد ذلك على ابنها أو ابنتها، سقط حق

стр. 6349

زوجها في الإرفاق، ووجب المنزل بجميع مرافقه للمتصدق عليه، فإذا أرفق أباه إياه، كان ذلك حوزا بينا منه للمنزل عن أمه، لا يدخل فيه الاختلاف الذي في قبض المخدم، والمسكن والممنوح، هل يكون قبضا للمتصدق عليه، أو الموهوب له أم لا؟ حسبما يأتي في نوازل سحنون بعد هذا؛ لأن الاختلاف لما وقع في هذا من أجل بقاء حق المخدم، والمسكن والممنوح، فيما منح إياه أو أخدمه، أو أسكنه بعد هبة الأصل والصدقة به، فمن حمل الأمر على أن المسكن والمخدم يختدم ما أخدم، أو أسكن على ملك الموهوب له أو المتصدق عليه من يوم الهبة والصدقة؛ إذ قد سقط ملك الواهب له عن الأصل، رأى ذلك حيازة؛ ومن حمله على أنه إنما يختدم ذلك، ويسكنه على ملك الذي أخدمه إياه وأسكنه حتى تنقضي خدمته أو سكناه لم ير ذلك حيازة؛ فمسألتنا خارجة عن هذا المذهب؛ إذ لم يبق للزوج حق في المنزل بعد الصدقة، ومن أكرى داره، أو آجر عبده، ثم وهب ذلك لرجل قبل انقضاء أمد الكراء والإجارة، فلا يكون قبض المكتري والمستأجر قبضا للموهوب له؛ لأن المكتري إنما يسكن على ملك الواهب الذي يأخذ الكراء، وكذلك المستأجر إنما يستخدم على ملكه، وفي ذلك اختلاف لا يحمله القياس، وقع في سماع ابن القاسم من كتاب الرواحل والدواب، ومن كتاب المديان والتفليس، في رسم مساجد القبائل، وقد مضى هنالك

стр. 6350

القول على ذلك، وكذلك المساقي في الحائط لا يكون حائزا لمن وهب له أو رهن إياه، وقع ذلك في الرهن، في رسم القضاء المحض، من سماع أصبغ، من كتاب الرهون، من أن كون الحائط في يدي مساقيه، ككونه في يدي صاحبه. [مسألة: تصدق على رجل بدار له فدفع إليه مفتاحها] مسألة قال: ولو أن رجلا تصدق على رجل بدار له، فدفع إليه مفتاحها، وبرأ إليه من ذلك ليحوزها، كان ذلك حوزا، وإن لم يسكن المتصدق عليه الدار، ولم يسكنها غيره. قال محمد بن رشد: هذا كما قال، وهو مما لا اختلاف فيه؛ لأن قبضه لمفتاح غلق الدار قبض للدار، وإن لم يسكنها، ولا أسكنها غيره، كما لو وهبه فقبضه ثوبا وصار بيده؛ لكان ذلك قبضا وحيازة، وإن لم يلبسه ولا أعاره أحدا، وبالله التوفيق. [مسألة: يتصدق على امرأته بالصدقة فتثيبه بوضع الصداق عنه] مسألة قال يحيى: وسألت ابن القاسم عن الرجل يتصدق على امرأته بالصدقة فتثيبه بوضع الصداق عنه، أو تضع عنه الصداق فيتصدق عليها بمنزل له، فيموت المتصدق قبل أن تحوزه المرأة، أترى لها صدقة؛ فقال: إن الصدقات لا تكون للثواب، هي ماضية لمن تصدق بها عليه، ولا ثواب عليه فيها، ولا شيء للمتصدق عليه منها إن

стр. 6351

لم يحزها، فالمرأة التي أثابت زوجها على ما تصدق به عليها، بأن وضعت عنه صداقها، فالصداق عنه موضوع، ولا حق لها في الصدقة إلا بالحيازة؛ قال: فإن ابتدأته هي بوضع الصداق، فتصدق عليها بمنزله ثوابا لها، فالصداق موضوع عنه، وليس لها من المنزل شيء إلا بحيازة؛ قلت: فإن وهب لها هبة، فأثابته بوضع الصداق، ولم يقبض الهبة حتى مات، قال: الهبة لها، لا حوز عليها فيها، إذا كانت هبة ثواب، يعرف ذلك بوجه الأمر من حالهما؛ قال أصبغ: وكذلك الهبة قبل الثواب، قال يحيى: قال ابن القاسم: وإذا ابتدأته بوضع الصداق، فأثابها بأن أعطاها منزله، فإن كان وضع الصداق إنما كان للثواب اشترطت ذلك، فالمنزل لها إذا أثابها، ولا حيازة عليها فيه، إن مات قبل أن تحوزه، وما وضعت من صداقها، ولم تشترط له ثوابا فلا ثواب لها فيه، وإن أثيبت فلم تحزه فلا شيء لها؛ قال أصبغ: الصداق عندنا مخالف لما تهب من غير الصداق، إذا التمست عليه ثوابا، وادعت ذلك بعد موت الزوج. قال محمد بن رشد: قوله: إن الصداق لا ثواب فيه، يريد إلا أن تشترط فيه الثواب، فسواء تصدق عليها بالمنزل فأثابته بوضع الصداق،

стр. 6352

أو وضعت عنه الصداق فأثابها بالصدقة عليها بالمنزل، لا شيء لها في المنزل إلا بالحيازة. والصداق عنه موضوع، إلا أن يكون ذلك بشرط الثواب، فيكون لها المنزل دون حيازة؛ وأما إذا وهب لها المنزل، فأثابته بوضع الصداق، فقوله: إن الهبة لها لا حوز عليها فيها إذا كانت هبة ثواب يعرف ذلك بوجه الأمر من حالهما هو على مذهبه في المدونة في أن الزوجين لا ثواب بينهما في الهبة، إلا أن يدعي الواهب منهما أنه أراد بهبته الثواب، ويظهر من صورة الحال ما يدل على صدقه، وقد قيل: إنه يصدق وإن لم يظهر ما يدل على صدقه؛ وهذا القول حكاه عبد الوهاب في المعونة، فجعل حكم الزوجين في ذلك حكم الأجنبيين، وقيل: إنه لا ثواب له إلا أن يشترطه، وهو ظاهر قول ربيعة في المدونة، وقول مالك الذي يتلوه، وأما إذا ابتدأته بوضع الصداق فوهب لها هبة، فلا شيء لها فيها إلا بالحيازة؛ إذ لا اختلاف في أنه لا ثواب لها في هبة الصداق إلا أن تشترطه حسبما مضى القول فيه في رسم إن خرجت، من سماع عيسى، وذلك بين من قوله في هذه الرواية: والصداق عندنا مخالف لما تهب من غير الصداق إذا التمست عليه ثوابا، أو ادعت ذلك بعد موت الزوج يريد أنها لا تصدق إن ادعت أنها أرادت بهبته الثواب، وأنها تصدق فيما عدا الصداق إن ظهر من صورة الحال ما يدل على صدقها، فهو قوله في هذه الرواية إذا كانت هبة ثواب يعرف ذلك بوجه الأمر من حالهما، ومذهبه في المدونة، وبالله التوفيق. [مسألة: غلام قد بلغ الحلم وهو في حجر أبيه تصدق عليه أبوه بصدقات] مسألة قال يحيى: وسألت ابن القاسم عن غلام قد بلغ الحلم، وهو في

стр. 6353

حجر أبيه قد قرأ القرآن، إلا أنه لا يعرف بصلاح يزكى به، ولا فساد، إلا أنه عمر في حجر أبيه، بحداثة احتلامه تصدق عليه أبوه بصدقات، منها: مزرعة وخادم في تلك المزرعة بولدها وزوجها حر، ودور في القرى لا تغتل، ودار في حاضرة البلد كان الأب أسكن فيها بعض ولده، فتصدق عليه بهذه الصدقة، وهو في حجره، وحاله ما وصفت لك، ولم يغير الأب تلك المزرعة ولا الخادم، ولا الدار التي في حاضرة البلد عن حالاتها التي كانت عليها قبل الصدقة، ولم يكن بين إشهاده له بالصدقة، وبين موت الأب إلا نحو من شهرين أو ثلاثة، أو أكثر قليلا؛ أترى الأب يحوز على مثل هذا؛ قال: نعم، سمعت مالكا يقول: يحوز الأب على ابنه المحتلم إذا كان في حجره وولاية نظره حتى يؤنس منه الرشد؛ قلت: فما يضر هذا الغلام ترك الأب تلك الأشياء بحالها إذا لم يخرج من كان في الدار، أو ما أشبه هذا مما يرى أنه يحوز به عليه؛ فقال: أما الدار فلا حق له فيها، إذا لم يخرج منها من كان يسكنهما، وأما المزرعة والغلام، فأرى صدقته عليه بذلك ثابتة؛ قلت: فما ترى الحوز يلزم الابن المحتلم؟ قال: إذا كان في حسن نظره بمنزلة اليتيم الذي يلزم القاضي أن يدفع إليه ماله إذا كان قبل ذلك مولى عليه، فإذا عرف من الغلام حسن نظره في ماله

стр. 6354

وإصلاحه على نفسه، وأمن عليه الفساد الذي يعرف به من حسن رأيه، وجمعه على نفسه مع بلوغ الحلم، وجب عليه أن يحوز لنفسه، ولا يكون الأب حائزا على مثل هذا، ولا يزال الأب حائزا على من لم تكن هذه حاله من ولده، وإن احتلم المتصدق عليه، فليس الاحتلام بالذي يخرجه من ولاية أبيه حتى ترضى حاله، ويشهد العدول على صلاح أمره. قال محمد بن رشد: قوله في هذه الرواية: أما الدار فلا حق له فيها إذا لم يخرج منها من كان يسكنها، معارض لقوله في رسم شهد، من سماع عيسى في الذي جعل لابنته الصغيرة، ولأمهات ولده ومواليه الساكنين في الدار التي تصدق بها على ابنه الصغير، أن يسكنوا معه فيها، ما لم يتزوج واحدة منهن، إلا أن يفرق بين المسألتين بسكنى الابن المتصدق عليه معهم فيها حسبما مضى القول فيه هناك. وقوله في آخر المسألة: فليس الاحتلام بالذي يخرجه من ولاية أبيه حتى ترضى حاله، ويشهد العدول على صلاح أمره، نص على أنه لا يخرج من ولاية أبيه بالاحتلام، وأنه محمول على السفه حتى يثبت رشده، ومثله في كتاب الحبس من المدونة، وهو ظاهر سائر المدونة وغيرها، إلا ما وقع في أول كتاب النكاح من المدونة في قوله فيه إذا احتلم الغلام، فله أن يذهب حيث شاء، فإن ظاهره أنه بالاحتلام يكون محمولا على الرشد، وتجوز أفعاله حتى يعلم سفهه، وهي

стр. 6355

رواية زياد عن مالك في البكر أنها تخرج من ولاية أبيها بالحيض، فكيف بالغلام؛ وقد تأول ابن أبي زيد قوله في المدونة: فله أن يذهب حيث شاء: أن معناه بنفسه لا بماله؛ فعلى هذا تتفق الروايات كلها، ولا يخرج عنها إلا رواية زياد عن مالك، وقد تأول أن قول مالك إذا احتلم الغلام فله أن يذهب حيث شاء، معناه إذا احتلم ورضيت حاله، بدليل قول ابن القاسم إلا أن يخاف من ناحيته سفه، فله أن يمنعه؛ وإلى هذا ذهب ابن لبابة إلا أنه أخطأ في تأويله على ابن القاسم فقال: هذا هو الحق لو مات الأب وأوصى به لم يخرج من ولاية الوصية حتى يثبت رشده، فكيف بالأب؟ وهو نص ما في كتاب الحبس من المدونة قوله فيه، ألا ترى أن الله ﵎ قال: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٦] ، وبلوغ النكاح هو الاحتلام والحيض، فقد منعهم الله من أموالهم مع الأوصياء بعد البلوغ إلا بالرشد، فكيف مع الآباء الذين هم أملك بهم من الأوصياء، وإنما الأوصياء بسبب الآباء؛ فالابن بعد بلوغه مع الأب عند ابن القاسم على السفه حتى يعلم رشده، بخلاف البكر؛ لأن البكر عنده لا تجوز أفعالها وإن علم رشدها، خلاف تأويل ابن لبابة عليه من أن الابن بعد بلوغه في ولاية أبيه، وإن علم رشده حتى يطلق من الولاية على ما وقع في المدونة من اللفظ الذي احتج به، وبالله التوفيق. [مسألة: المولى عليه إذا كان عند مبلغه الحلم معروفا بإصلاح المال] مسألة قلت: أرأيت المولى عليه لصغره، إذا كان عند مبلغه الحلم معروفا بإصلاح المال وإدارة البيع، وحب الكسب، وهو ممن لا تجوز شهادته عند القضاة، ولعله مشهور بشرب الخمر واتباع

стр. 6356

الفسق، مما يظن به سوء ظاهر أمره؛ ولكنه في إصلاح المال غير مخدوع، وهو له غير مضيع أترى أن يولى عليه لسوء حاله، أم يستوجب أخذ ماله لإصلاحه المال، وإن كان في دينه غير صالح، فقال: يدفع إليه ماله إذا عرف بحسنه وإصلاحه، ولا يحظر فيما يركب من الذنوب، ورب رجل صالح في حاله، مفسد لماله لضعف عقله، وسوء رأيه، فأرى أن يولى على مثله، ولا يستوجب أخذ ماله، لكفه عن الشرب، وما أشبه ذلك إذا كان غير مصلح لماله، ولا حابس على نفسه؛ قلت: أرأيت الذي يعرف الاكتساب والطلب لتثمير ماله، وتفقد عقاره، ويصلح جهده، غير أنه مسرف فيما يكتسي به، ذاهب السرف، يتكلف فوق قدره، ويجود بأكثر من طاقته في حال السخاء والبذل؛ إما في الإكثار من جمع الناس على طعامه، أو في أعطيته، لا يحمل مثلها ماله، وما أشبه هذا مما يعد به مسرفا؛ أترى أن يولى على مثله؟ قال: نعم، يولى على مثل هذا. قال محمد بن رشد: هذا مذهب ابن القاسم أن المولى عليه يستوجب أخذ ماله، والانطلاق من الولاية بحسن النظر في المال، والإصلاح له بحسن القيام دون صلاح الدين؛ وكان يقول: رب فاسق أطلب للدرهم، وأكسب للرزق منا؛ وأخذ بقوله أصبغ ما لم يكن مارقا في الفساد. وذهب مطرف، وابن الماجشون إلى أن المولى عليه لا يخرج من الولاية إذا شرب النبيذ المسكر، وإن كان حسن النظر في ماله. قالا: والرشد الذي ذكره

стр. 6357

الله في اليتيم مع بلوغ الحلم حتى يدفع إليه ماله، ويجوز أمره وقضاؤه فيه هو الرشد في حاله وماله، لا يكون هذا دون هذا؛ هذا هو قول مالك وجميع علمائنا بالمدينة؛ قالا: ولا يرد بشرب الخمر في الولاية بعد خروجه منها، إذا أحدث ذلك، والفرق بيْن ذلك بيِّن، وهو قول ابن كنانة وغيره من المدنيين، واختيار ابن حبيب، ومذهب ابن القاسم أظهر من جهة القياس؛ لأنه كما يحجر على البالغ الذي لم تلزمه ولاية في ماله إذا كان مفسدا له، سيئ النظر فيه، متلفا له؛ لقلة رأيه فيه، وإن كان حسن الدين في قولهم كلهم؛ فكذلك يلزم على قياس ذلك، أن يدفع إليه ماله، ويرفع عنه التحجير فيه إذا كان حسن النظر، وإن كان سيئ الدين، وقول ابن القاسم في هذه الرواية: إن الذي يعرف بالاكتساب والطلب لتثمير ماله، وتفقد عقاره إذا كان ذاهب السرف فيما يتلفه فيه من السخاء على إخوانه، وجمع الناس على طعامه وعطياته، لا يحمل مثلها ماله؛ يريد في غير وجوه البر إرادة الثناء والحمد، يجب أن يحجر عليه فيه نظرا له، صحيح؛ لقول الله : ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ﴾ [النساء: ٥] الآية. [مسألة: المرأة تضار بزوجها فيقبح الذي بينهما ويفسد] مسألة قال يحيى: وسألت ابن القاسم عن المرأة تضار بزوجها، فيقبح الذي بينهما ويفسد، فتريد المرأة أن تضر بزوجها بإخراج مالها من

стр. 6358

يديه، ويصير إلى بعض قرابتها؛ فلما علمت أن للزوج أن يمنعها من مجاوزة ثلث مالها إن تصدقت أو أعتقت، أو أعطت قصدت إلى قدر الثلث، فتصدقت به إلى بعض قرابتها؛ وقد تبين لفساد ما بينها وبين زوجها؛ أنها إنما أرادت الضرر به، ولولا الذي وقع بينهما، لعلها لا تتصدق على الذي تصدقت عليه بثلث مالها بقيمة دينار من مالها أو أدنى، فقال: أرى ذلك جائزا، وإن كان أمرها على ما وصفت إذا لم تتجاوز بذلك الثلث. قلت: أرأيت إن اتبعت بصدقة ثلث ما بقي بعد أشهر، فقال: إن تباعد ذلك جاز، وإن تقارب رد؛ قلت: كأن حالها عندك وحال التي تتصدق لغير الضرر سواء؛ قال: ما أراهما إلا سواء، قلت: فما تباعد ما بين الصدقتين عندك؛ أترى الشهر بعيد أم لا يكون متباعد إلا بقدر سنة أو نحوها؟ قال: ليس في ذلك حد، قال أصبغ: إلا ما طال حتى يرى أن ذلك تبرز مستقبل وتقرب؛ قال يحيى: وقد قال غيره ما يبين أنها تفعله على وجه الضرر، لا لبر، ولا لطلب أجر، إن ذلك مردود كله: قليله وكثيره؛ قال سحنون: وهو قول ابن القاسم في الثلث إذا كان على وجه الضرر أنه لا يجوز، قال سحنون: وأنا أراه جائزا. قال محمد بن رشد: لا يجوز للمرأة ذات الزوج قضاء في أكثر من ثلث مالها هبة ولا صدقة، ولا بما أشبه ذلك من التفويت بغير عوض دون إذن زوجها في قول مالك وجميع أصحابه؛ لقول النبي ﵇: «لا يجوز لامرأة قضاء في ذي بال من مالها بغير إذن زوجها؛» واختلف إن

стр. 6359

قصدت بتفويت ثلث مالها فأقل إلى الإضرار بزوجها فيما يتبين من حالها على ثلاثة أقوال؛ أحدها: أن ذلك لا يجوز، وهو قول غير ابن القاسم في رواية يحيى هذه عنه، وظاهر قول مالك في رواية أشهب عنه، من كتاب الأقضية. والثاني: أن ذلك جائز، وهو قول ابن القاسم في رواية يحيى هذه عنه، وقول سحنون. والثالث: أنه إن كان أقل من الثلث جاز، وإن كان الثلث لم يجز، وهو قول ابن القاسم في رواية سحنون هذه عنه؛ وما في المدونة في ذلك محتمل للتأويل، واختلف في فعلها: هل هو محمول على الرد حتى يجاز، أو على الإجازة حتى يرد؛ فحكى ابن حبيب عن مطرف، وابن الماجشون، أنه محمول على الرد حتى يجيزه الزوج؛ لقول النبي ﵇: «لا يجوز لامرأة قضاء في ذي بال من مالها، إلا بإذن زوجها» وهو ظاهر قول مالك في رسم اغتسل، من سماع ابن القاسم، من كتاب العتق، فعلى قياس هذا إذا تصدقت أو أعتقت أكثر من الثلث، فلم يعلم بذلك زوجها، أو علم، فلم يقض فيه برد، ولا إجازة حتى مات عنها أو طلقها، لم يلزمها ذلك، وقد روي ذلك عن بعض أصحاب مالك، وإن ادعت أنه الثلث، أو أقل من الثلث، كان عليها أن تبين ذلك؛ وحكي عن ابن القاسم أنه محمول على الإجازة حتى يرد الزوج، وهو ظاهر قوله في رسم الكراء والأقضية، وقول سحنون في سماع ابن القاسم، من كتاب العتق؛ فعلى قياس هذا؛ إذا علم الزوج بذلك، أو لم يعلم، فلم يرد حتى مات عنها أو طلقها؛ لزمها

стр. 6360

ذلك، وإن ادعى الزوج أنه أكثر من الثلث، كان عليه إقامة البينة؛ فإن رد الزوج ذلك، وبقي بيدها حتى زالت العصمة بموت أو فراق، لم يلزمها ذلك في الهبة والصدقة قولا واحدا؛ واختلف في العتق فقيل: إنه يلزمها، وهو قول مطرف، وابن الماجشون؛ وقيل: إنه لا يلزمها، وهو قول أشهب، وقيل: إنها تؤمر بذلك، ولا تجبر عليه، وهو قول ابن القاسم؛ ولا خلاف في أنها تقضي في ذلك كله بما شاءت قبل أن تتأيم بعد الرد؛ وعلى هذا المعنى يأتي اختلافهم أيضا إذا لم يعلم الزوج بذلك حتى ماتت، هل له أن يرده بعد موتها أم لا؟ فقيل: إن له أن يرده، وهو قول سحنون في نوازله بعد هذا، وقول مطرف، وابن الماجشون؛ وقيل: ليس له أن يرده بعد موتها، وهو قول ابن القاسم في رواية أصبغ عنه؛ ومن أهل العلم من لا يجيز للمرأة قضاء في شيء من مالها قل أو كثر بغير إذن زوجها؛ لما روي أن رسول الله ﷺ قال: «لا يجوز للمرأة في مالها أمر إلا بإذن زوجها» . ومنهم من يجيز لها القضاء في جميع مالها، بغير إذن زوجها استدلالا بظواهر آثار مروية في هذا المعنى، فما ذهب إليه مالك في مراعاة الثلث عدل بين القولين؛ وأما إذا فوتت مالها الشيء بعد الشيء، فإن قرب ما بين ذلك، نظر في الأول، فإن كان أكثر من الثلث رد الجميع، وإن كان الثلث جاز ورد ما بعده، وإن كان أقل من الثلث جاز ونظر فيما يليه؛ فإن كان مع الأول الثلث جاز ورد ما بعده؛ وإن كان أكثر من الثلث رد وما بعده؛ هذا على قياس ما قاله ابن القاسم في رسم حمل صبيا، من سماع عيسى، من كتاب العتق، والقرب في ذلك مثل الشهر والشهرين، على ما قاله ابن حبيب، وحكاه عن أصبغ؛ قال:

стр. 6361

ولو قرب الأمر جدا مثل أن تتصدق بثلث مالها، ثم تتصدق بعد يوم أو يومين بثلث الباقي، أو أقل؛ أو أكثر رد الجميع كما لو كان في عقد واحد، ولا فرق في القياس بين اليوم واليومين، والشهر والشهرين في أنه يجب أن يمضي الأول ويرد الثاني، فقد قيل: إنه يمضي الثلث، ويرد ما زاد عليه، وإن كان في صفقة واحدة، فكيف إذا كان في صفقتين؛ وأما إن بعد ما بين ذلك، فينظر في الأول، فإن كان الثلث فأقل جاز، وينظر فيما بعده؛ فإن كان الثلث فأقل من الباقي بعد الأول جاز، وإن كان أكثر من الثلث لم يجز، وإن كان الأول أكثر من الثلث رد، ونظر فيها بعده؛ فإن كان أكثر من ثلث الجميع رد، وإن كان الثلث فأقل جاز، وهذا على قياس ما قاله ابن القاسم في رسم المكاتب، من سماع يحيى، من كتاب العتق، وحد التباعد فيما بين الأمرين الستة الأشهر فأكثر، على ما حكى ابن حبيب، وقيل العام؛ لأنه حد في غير ما مسألة؛ وقد قيل: إنها إذا تصدقت بثلث مالها لا تنفذ لها عطية في باقيه بحال، قرب ذلك أو بعد؛ لأن ذلك يؤدي إلى أن تقضي في جميع مالها، قال ذلك عبد الوهاب، إلا أن تفيد مالا آخر، فيكون لها أن تقضي في ثلثه، والقياس أن لها أن تقضي في جميع ما أفادت بعد النكاح، إذ لم يتزوجها الزوج عليه، فلا يحجر عليه فيه، واختلف إذا قضت في مالها بتفويت أكثر من ثلثه، فقال ابن القاسم: يرد الزوج الجميع، وقال عبد العزيز بن أبي سلمة يرد ما زاد على الثلث، وهو قول مالك في رواية ابن الماجشون عنه. فحمل ابن القاسم فعلها فيما زاد على الثلث على الضرر، فأبطل جميعه، وحمله عبد العزيز أبي سلمة على غير الضرر، فرد منه ما زاد على الثلث كالوصية، وهو الأظهر؛ إذ قد تفعل ذلك رجاء أن يجيزها زوجها، وقد تجهل أن لزوجها أن يحجر ذلك عليها، ولا اختلاف في أن فعلها في

стр. 6362

الثلث فما دونه، محمول على غير الضرر حتى يعلم أنها قصدت به الضرر، فيقع فيه من الاختلاف ما تقدم؛ وقد قيل في الوصية بالثلث: إنها ترد إذا قصد بها الضر؛ لقول الله : ﴿غَيْرَ مُضَارٍّ﴾ [النساء: ١٢] ، وهو بين؛ وقال ابن الماجشون: يرد ما زاد على الثلث إلا في العتق، فإنه يرد جميعه؛ إذ لا يتبعض، واختلف في حلفها بصدقة جميع مالها؛ فقيل: يلزمها؛ لأنه مصروف إلى الثلث، فليس للزوج أن يرده، وهو قول سحنون في سماعه، من كتاب النذور، وقيل: لا يلزمها؛ لأن للزوج أن يرده، وهو قول أصبغ في السماع المذكور من النذور؛ وهذا اختلاف راجع إلى الاختلاف في تصدقها بالثلث قاصدة إلى الإضرار، والذي أقول به أنها إن كانت ممن تجهل أن صدقتها مصروفة إلى الثلث، كان للزوج أن يرده، وإن كانت ممن يعلم ذلك، لم يكن للزوج أن يرده، وبالله التوفيق. [مسألة: يتصدق على ابن له بغلام فلم يحزه حتى أوصى الأب للعبد بالعتاقة] مسألة قال يحيى: وسألت ابن القاسم عن الرجل يتصدق على ابن له بغلام، فلم يحزه الابن حتى أوصى الأب للعبد بالعتاقة، أيكون ذلك نقضا للصدقة؟ فقال: إن كان الابن صغيرا في حجر، فالوصية ماضية، إن مات الأب عتق العبد بالوصية إن حمله الثلث، وكان للابن قيمة العبد في رأس مال أبيه؛ لأنه كان حائزا عليه، فليست الوصية التي أحدث بعد الصدقة تبطل الصدقة، ولكن يكون العبد الذي تصدق به عليه أبوه كغيره من مال الولد، فالوالد إذا أوصى بعتاقة عبد ابنه الصغير أو بتل عتقه، جاز ذلك على الابن إذا كان

стр. 6363

للأب مال وأعطى الولد قيمة عبده، فسواء كان له بالصدقة، أو من غيرها، قال: وإن مات الأب ولا مال له، لم تجز الوصية للعبد، وكان الابن أولى به لقبضه بالصدقة؛ قال: وإن كان الابن المتصدق عليه كبيرا يلزمه الحوز لنفسه، فإنه إن لم يقبض العبد حتى يموت الأب، فلا صدقة له، والوصية للعبد جائزة، وإن قام فأخذ صدقته في حياة أبيه وصحته كان أحق بحوزها، وبطلت الوصية؛ لأن الأب لا يحوز على ابنه الكبير، ولا يجوز له أن يوصي بعتاقة عبيد ولده الأكابر، فالولد الكبير أحق بالعبد من الوصية إذا قام بالحيازة في صحة أبيه. قال محمد بن رشد: وصيته بعتق عبد ابنه الصغير، كعتقه سواء أن حمله الثلث جاز، وكان له قيمته في مال أبيه، وكذلك ما حمل الثلث منه إن لم يحمل جميعه، وقد مضى في رسم استأذن من سماع عيسى حكم صنيع الأب في مال ابنه الصغير من عتق أو هبة أو صدقة أو تزويج مستوفى، فلا معنى لإعادته. [مسألة: يرث هو وأخوه أرضا فيتصدق منها على رجل بناحية من الأرض بنصها] مسألة قال يحيى: وسألت ابن القاسم عن الرجل يرث هو وأخوه أرضا، فيتصدق منها على رجل بناحية من الأرض بنصها، وذلك قبل أن يقاسم أشراكه، ماذا ترى للمتصدق عليه؟ قال ابن القاسم: أرى أن تقسم الأرض كلها بين الورثة، فإن صارت الأرض التي

стр. 6364

تصدق بها أحدهم للمتصدق بها في سهمه، أخذها الذي تصدق بها عليه، وإن صارت لبعض أشراكه كانت للذي تصير له في سهمه، وبطلت الصدقة، ولم يكن على المتصدق أن يعوض المتصدق عليه منها شيئا من الأرض التي صارت له في سهمه؛ قال: وإن صار للمتصدق بها بعضها في سهمه، أعطى المتصدق عليه منها الذي صار للمتصدق في سهمه من تلك الأرض بعينها؛ قلت له: أرأيت تلك الأرض التي تصدق بها بعينها تحمل القسمة لسعتها دون أرض القرية؛ أيجوز للمتصدق عليه أن يقول: أنا أقاسمكم هذه الأرض دون أرض القرية، فآخذ منها نصيب صاحبي المتصدق علي، وكره ذلك الورثة؛ قال: لا ينظر إلى قول واحد منهم، ولكن ينظر إلى الأرض، فإن كانت في كرمها أو رداءتها لا تضاف إلى غيرها، على ذلك كان القسام يقسمونها، لو لم يتصدق بها على وجه العدل بين الورثة قسمت وحدها، فأعطى المتصدق عليه حصة المتصدق منها، ولا حق له فيما سواها مما يقاسمه الوراث أشراكه من بقية أرض القرية، وإن كانت تلك الأرض بعينها تشبه غيرها من جميع أرض القرية في القرب والكرم حتى يكون رأي القسام إذا عدلوا بين الورثة في القسم أن يجمعوا مثلها إلى بقية أرض القرية، جمعت في القسم، فإن صارت لغير المتصدق بها لم يكن للمتصدق بها عليه منها، ولا من غيرها شيء وإن صارت أو بعضها للمتصدق في سهمه، أخذها المتصدق عليه، أو أخذ ما صار منها للمتصدق بها. قال محمد بن رشد: جواب ابن القاسم في هذه المسألة صحيح على القول بأن القسمة تمييز حق؛ لأنها كأنها حققت أن الذي صار منها

стр. 6365

للمتصدق من الأرض، هو الذي كان له يوم تصدق منها، فلذلك قال: إن صارت الناحية المتصدق بها للمتصدق، أخذها المتصدق عليه، وإن صارت لغيره لم يكن له شيء، وإن صار له بعضها، لم يكن له إلا ما صار له منها، ويأتي فيها على قياس القول بأنها بيع من البيوع، أنه ليس للمتصدق عليه من الناحية المتصدق بها إلا سهم المتصدق، بأن صارت القسمة لغيره، كان له من حظ المتصدق قدر ذلك، وهو قول ابن الماجشون؛ وقال مطرف: إن وقع في سهم المتصدق ما تصدق به فهو للمتصدق عليه، وإن وقع في سهم غيره كان للمتصدق عليه قدر نصيب المتصدق، وهو استحسان على غير قياس. [: يقول ثمر حائطي العام صدقة على فلان والنخل يومئذ لا ثمر لها] ومن كتاب الصلاة قال يحيى: وسألت عن رجل يقول: ثمر حائطي العام صدقة على فلان، والنخل يومئذ لا ثمر لها، فيريد المتصدق أن يبيع الأصل، قال: ليس ذلك له، إلا أن يبيع الأصل في دين رهنه إذا ألجئ إلى ذلك من فلس، قيل له: فإن مات المتصدق ولم يثمر النخل؟ فقال: ليس للمتصدق عليه شيء. وسئل عنها سحنون فقال: إن أراد بيعها قبل إبار النخل، فبيعه غير جائز، وإن كان بيعه بعد إبار النخل، فالبيع جائز. قال محمد بن رشد: ظاهر قوله في هذه المسألة أن المتصدق بالثمرة إن مات قبل أن يثمر النخل، لم يكن للمتصدق عليه شيء، وإن كان قد قبض النخل، خلاف ظاهر ما في كتاب الهبة والصدقة من المدونة من أن قبض النخل قبض لما يأتي من الثمرة الموهوبة، وكان أبو عمر بن القطان يرد ما

стр. 6366

في المدونة بالتأويل إلى هذه الرواية، وكان غيره يخالفه في ذلك على ما قد ذكرناه في كتاب العرايا من المقدمات، وسائر المسألة قد مضى الكلام عليه مستوفى في رسم أوله مسائل بيوع ثم كراء، من سماع أشهب، فلا معنى لإعادته. [: رجل تصدق على بنين له ثلاثة بأرض أو دار وأحد الولد غائب] ومن كتاب المكاتب وسألته عن رجل تصدق على بنين له ثلاثة بأرض أو دار وأحد الولد غائب، فأراد الحاضران أن يحوزا حظيهما، فقاسمهما الأب فأخذا ثلثي الأرض أو الدار؛ وحبس الوالد الثلث فمات قبل قدوم الابن الغائب، فلما قدم أراد أن يدخل على أخويه فيما حازا مما كان أبوهم قد تصدق به عليهم؛ فقال: لا حق له إذا لم يحز لنفسه، ولم يحز له حائز، ولأخويه ما حازا دونه؛ قلت: فلو لم يقاسمهما الأب فحازا ثلثي ذلك أو أقل أو أكثر حيازة مبهمة، ليست حيازة مقاسمة. قال أصبغ: ما حازا بينهم؛ لأن الصدقة وقعت بينهم على الإشاعة، وقبضهما حيازة للغائب لمغيبه، فقد حازا من الصدقة شيئا هو بينهما وبين الغائب، فذلك جائز، وهو بينهم سواء، كما كانت الصدقة بينهم، ويشبه أن يقولوا مثل هذا أيضا، وإن كانا حازاه على مقاسمة من الأب فيها؛ لأن القسمة التي قسمها الأب لا تجوز عليه؛ إذ ليس ممن يجب أن ينظر له.

стр. 6367

قال محمد بن رشد: قوله في هذه الرواية قلت: فلو لم يقاسمهما الأب إلى آخر المسألة، ساقط من أكثر الكتب، وهي زيادة جيدة تتم بها المسألة؛ ولا إشكال فيما حاز الحاضران على غير قسم أنه بينهما وبين الغائب، وإنما الكلام فيما حازاه على مقاسمة من الأب لهما على الغائب؛ فالقياس أن يدخل الغائب عليهما فيما حازاه على الأب؛ لأن قسمته لا تجوز عليه إذا كانت بعد الصدقة، ولم تكن في أصلها؛ ووجه إعمال القسمة عليه، وإن لم تكن في أصل الصدقة، وكانت بعدها مراعاة قول من يقول: إن الصدقة والهبة لا يجب الحكم بها على المتصدق والواهب ما لم تقبض منه، فكانت القسمة كأنها في أصل الصدقة؛ ولو قدم الغائب والمتصدق حي، لما جازت عليه القسمة إذا لم تكن في أصل الصدقة، وعلى قياس إجازة القسمة على الغائب استحسانا مراعاة لهذا الخلاف، يأتي ما حكى ابن حبيب في الواضحة عن المدنيين والمصريين، وقال: إنه مما اجتمعوا عليه ورأوه واحدا في الهبة والصدقة من أن الرجل إذا حبس حبسا على بنيه الصغار والكبار، أو تصدق عليهم بصدقة، فقاسمه في أصل التحبيس أو بعده، فسمى للصغار من ذلك مساكن معروفة محدودة، وللكبار مثل ذلك، فلم يحز الكبار ما سمى لهم من ذلك، وحاز هو للصغار ما سمى لهم؛ جاز ذلك للصغار، وبطل على الكبار؛ لأنه إنما صار كأنه إنما حبس على كل فريق منهم شيئا بعينه مفروزا محدودا، وقال فضل: رأيت ابن حبيب قد ذكر في سماعه من أصبغ، عن ابن القاسم بخط يده: إذا قسم ذلك في أصل

стр. 6368

الحبس، ولم يذكر فيه هذه كما حكى هاهنا. قال محمد بن رشد: وهذا هو القياس، إلا أن يكون إذ قسم الحبس أو الصدقة بين الصغار والكبار بعد أن حبس أو تصدق عليهم جميعا، قسمه مع الكبار برضاهم، فيجوز ذلك ويكون للصغار حظهم بحيازة الأب إياه لهم، ويبطل حظ الكبار، إلا أن يحوزه، ولا يكون في ذلك اختلاف ولا اعتراض؛ لأن قسمة الأب على الصغار جائزة، وبالله التوفيق. [مسألة: يكون بينه وبين الرجل عبد فيقول أحدهما نصيبي من خدمتك عليك صدقة] مسألة قال: وسألته عن الرجل يكون بينه وبين الرجل عبد، فيقول أحدهما نصيبي من خدمتك عليك صدقة؛ فقال: يقول عليه نصيب صاحبه، ويكون ذلك بمنزلة من أعتق شركا له في عبد. قلت: فإن قال الرجل لعبده خدمتك عليك صدقة ما عشت أنت، أو ما عشت أنا؛ قال: أما حياة العبد فبين أنه حر ساعتئذ، وأما حياة السيد، فليس له من خدمته إلا حياة السيد، ولا يكون حرا، وكذلك قوله بخراجك وبعملك. قال محمد بن رشد: فرق مالك في سماع ابن القاسم من كتاب الخدمة في أول رسم منه بين الخراج والعمل، فقال: إنه إن قال: تصدقت عليك بخراجك، كان له أن يستخدمه ولا يضر به؛ يريد في مثل ما استخدم فيه أم الولد، وإن قال: قد تصدقت عليك بعملك، كان حرا مكانه، وقال سحنون:

стр. 6369

مفاد الخراج والعمل والخدمة عندي واحد، فإن قال الرجل لعبده: قد تصدقت عليك بخدمتك، أو بخراجك، أو بعملك، فإن كان أراد ما عاش العبد فهو حر ساعتئذ؛ وإن كان ما عاش السيد فليس له منه إلا حياة السيد، فقول سحنون في مساواته بين الخراج والخدمة والعمل، مثل قول ابن القاسم في هذه الرواية، خلاف قول مالك: ولا فرق عند جميعهم بين الخدمة والعمل، ولم يتكلم ابن القاسم إذا قال: قد تصدقت عليك بخدمتك، أو بعملك، ولم يقل: ما عشت أنت، أو ما عشت أنا، والذي يوجبه النظر أن يصدق في ذلك دون يمين، وهو الذي يدل عليه قول سحنون؛ فإن قال: لم تكن لي نية، حمل على حياة العبد، وكان حرا مكانه، وبالله التوفيق. [مسألة: يتصدق في صحته على الرجل بمن إذا ملكه عتق عليه] مسألة قال: وسألته عن الرجل يتصدق في صحته على الرجل بمن إذا ملكه عتق عليه، فلا يقبل صدقته ما يكون حال العبد؟ فقال: يكون حرا على سيده الذي تصدق به، ويكون ولاؤه له، ولا يجبر المتصدق عليه على أخذه. قال محمد بن رشد: قوله: إذا لم يقبل أنه يكون حرا على سيده الذي تصدق به، ويكون الولاء له، خلاف نص قوله في المدونة في الذي يوصى له بمن يعتق عليه والثلث يحمله؛ أنه يعتق عليه قبل أو لم يقبل، ويكون الولاء له؛ قال أبو إسحاق التونسي: وكان القياس إذا لم يقبل أن يرجع رقيقا لورثة الموصي في الوصية، أو للمتصدق به في الصدقة، ووجه ما ذهب

стр. 6370

إليه؛ أن الموصي والمتصدق إنما ملكه كل واحد منهما إياه إن شاء، فكان كما لو قال لعبده: عتقك بيدك إن شئت، فقال: لا أقبل؛ أنه رقيق، ووجه ما في المدونة أن المتصدق والموصي لما علم كل واحد منهما أنه يعتق عليه إذا ملكه، ولم يكن على يقين من قبوله إياه، حمل عليه أنه أراد عتقه عنه، فكان الولاء له قبل أو لم يقبل، ووجه هذه الرواية أنه لما علم أنه يعتق عليه فأوصى له به، أو وهبه إياه، أو تصدق به عليه، فقد قصد إلى عتقه، فكأنه قال: إن قبله، وإلا فهو حر؛ والقولان في الولاء إذا لم يقبل في رسم القطعان، من سماع عيسى، من كتاب العتق، وأما إذا أوصى له بشقص ممن يعتق عليه، أو وهبه إياه، أو أوصى له به كله، فلم يحمله الثلث، فمذهب ابن القاسم أنه إن قبل عتق عليه ذلك الشقص، وقوم عليه الباقي إن كان له مال، وإن لم يقبل عتق عليه ذلك الشقص، وكان ولاؤه له، وقال علي بن زياد، عن مالك: إن لما يقبل سقطت الوصية، وكذلك على روايته يرجع الشقص الموهوب إذا لم يقبله الموهوب له إلى الواهب ملكا، ووجه ما ذهب إليه مالك في رواية علي بن زياد: أنه حمل عليه إذا كان ثم تقويم يضر به، أنه خيره بين أن يقبل، فيعتق عليه ما قبل، وبقوم عليه باقيه؛ وبين ألا يقبل فيرجع إليه رقيقا. وإذا لم يكن ثم تقويم يضر به، حمل عليه أنه أراد عتق عنه بكل حال؛ وعلى هذه الرواية أنه أراد عتقه عن نفسه، إن لم يقبله، ورواية عدي بن زياد في الشقص يوهب له ممن يعتق عليه، أو يوصى له به، أنه إن لم يقبله رجع رقيقا، أظهر من مذهب ابن القاسم؛ لأنه إذا كان يعتق عليه الشقص على كل حال قبله أو لم يقبله بعد أن يقوم عليه إذا قبله،

стр. 6371

إذ لم يؤثر قبوله له شيئا، وبالله التوفيق. [مسألة: تصدق رجل على رجل مفلس بدنانير ليؤديها في دينه] مسألة قلت: فإن تصدق رجل على رجل مفلس بدنانير ليؤديها في دينه، فلم يقبل، وقال الغرماء: نحن نقبل ذلك عليه، ولا ينبغي له أن يضر بنا في رد ما تصدق به عليه؛ فقال: لا يجبر على أخذ الصدقة؛ لأنه يقول: لا ألزم نفسي مذمة، ولا أوجب لأحد علي منة، وسيرزقني الله، فأؤدي إن شاء الله. قال محمد بن رشد: تكررت هذه المسألة في هذا الرسم، من هذا السماع، من كتاب المديان والتفليس، وهي مسألة صحيحة بينة، قد أغنى ابن القاسم عن القول فيها بنصه على العلة فيها، فإن قال الغرماء: ليس من حق المتصدق عليك أن يؤدي إلينا ديوننا عنك، فيكون عليه قد امتن بذلك عليك، ولا يكون لك في ذلك حجة، فما الفرق بين ذلك وبين أن يعطيك ما تؤدي منه دينك؛ قيل لهم: الفرق بين ذلك ظاهر بين؛ لأنه إذا أدى عنه دينه إلى الغرماء بغير اختياره، كان من حقه إذا أيسر أن يؤدي ما عليه من الديون، ويجبر أربابها على قبضها، لتزول المنة عنه في أدائها عنه، ولو قبض المفلس الصدقة التي تصدق بها عليه على أنه بالخيار في قبولها وردها، فأراد ردها، وقال الغرماء: نحن نقبلها؛ لتخرج ذلك على قولين حسبما ذكرناه في كتاب التفليس.

стр. 6372

[: أخوين تنازعا في رقيق ادعى أحدهما أن له فيها شركا] ومن كتاب الأقضية قال يحيى: وسألت ابن وهب عن أخوين تنازعا في رقيق ادعى أحدهما أن له فيها شركا، فقال المدعي لأخيه: أن منجاحا وابنتيه بيننا، وقال له أخوه: ليس له إلا ابنة واحدة، فقال أخوه: بل له ابنتان صغيرة وأخرى كبيرة، فقال له أخوه: إن كانت له ابنة سوى صغيرة، فهي عليك صدقة، فخاصمه الأخ فيما تصدق به عليه من الابنة الأخرى، ثم أقر الأخ بعدما نظر في أمرهما أن له ابنة أخرى، وقال: إنما وهبت، وليس لك صدقة، وظننت أنك تعني منجحا غلاما سواه؛ فقال الأخ: والله لا أقيلك من صدقتي ولا أدعها أبدا، إلا أن يقضى له بها، قال: فقال: سمعت مالكا يقول وهو الذي آخذ به: إن الصدقة إذا كان أصلها على وجه الصلة وطلب البر والمكافأة، وما أشبه ذلك من الوجوه المعروفة بين الناس في احتسابهم، أو حسن معاشرتهم، فإن صاحبها لا يرجع فيها؛ وإن خاصمه المتصدق بها عليه، قضي له عليه بها، قال: وأما كل صدقة تكون في يمين الحالف، أو لفظ منازع، أو جواب مكذب لصاحبه، مثل ما ذكرت لك في مسألتك؛ فهي باطل لا يقضى بها لمن تصدق بها عليه في بعض هذه الوجوه، وما أشبهها، إلا أن معطيها والمتصدق بها، يوعظ ويؤثم، فإن تطوع بإمضائها، كان ذلك الذي يستحب له، وإن شح، لم يحكم عليه فيها بشيء.

стр. 6373

قال محمد بن رشد: مثل هذا في كتاب الهبات من المدونة، أن ما كان من الصدقة على وجه اليمين للمساكين، أو لرجل بعينه، فلا يجبره السلطان على أن يخرجها، وهو المشهور في المذهب، والمعنى في أنه لا يقضي بها بيّن، وذلك أن الحالف بالصدقة إنما يقصد إلى الامتناع مما حلف بالصدقة ألا يفعله، لا إلى إخراج الصدقة، والأعمال بالنيات؛ لكنه إذا فعل الذي حلف بالصدقة ألا يفعله، فقد اختار إخراج الصدقة على ترك الفعل، فلذلك قال: إنه يوعظ ويؤثم، وإنما لا يقضى عليه بالصدقة، إن كان آثما في الامتناع من إخراجها؛ لأنه لا أجر له في الحكم عليه بها وهو كاره، فيذهب ماله في غير منفعة تصير إليه، ولهذا المعنى لا يحكم على من نذر نذرا بالوفاء به، وفي المدنية لمحمد بن دينار فيمن شرط لامرأته أن تسري عليها، فالسرية صدقة عليها؛ أن الصدقة بالشرط تلزمه، وأنه إن أعتقها بعد أن اتخذها لم ينفذ عتقه، وكانت لها صدقة بالشرط، ولابن نافع في المدنية أيضا فيمن باع سلعة من رجل، وقال: إن خاصمته فهي صدقة عليه، فخاصمه فيها، أن الصدقة تلزمه، فإن كان يريد بقوله: إن الصدقة تلزمه، أنه يحكم بها عليه، فهو مثل قول ابن دينار، خلاف المشهور في المذهب، وأما ما كان من الصدقات المبتلات لله على غير يمين، فيحكم بها إن كانت لمعين باتفاق، وإن كانت للمساكين، أو في السبيل على اختلاف الرواية في ذلك في المدونة، وبالله التوفيق. [مسألة: أخوين أوصى أحدهما بوصية بحظه من مورثه] مسألة قال: وسألته عن أخوين أوصى أحدهما بوصية فكتب فيها: وقد

стр. 6374

تصدق فلان بن فلان الفلاني على أخيه فلان بن فلان، بحظه من مورثه في دار أبيه وجنانها وبئرها، وكل ما صار له فيها، تصدق به صدقة لله بتلا، أمضاها فلان الموصي لأخيه فلان حي أو ميت، وما كان من غير ذلك من متاع، أو ناض، أو عقار، أو حيوان، أو دار، أو قرية، أو شجر، أو رحى، أو حانوت، أو بيت في داخل المدينة، أو خارجا منها في أرباضها، أو خارجا من أرباضها، أو قراها في جميع الأندلس، أو في المشرق، ودارهم التي بأفريقية التي اشتروا من ورثة أبان بن راشد الحلي، أو رقيق في كل ما سمياه في قراهم، أو غير ذلك من البلاد، من قليل أو كثير؛ فهو بين أخيه، وفلان شرعا سواء بينهما، فادعى الموصي أنه كان أوصى بهذه الوصية مما ذكر من شرك أخيه وصية منه، وأنه ينقضها إذا بدا له، كما ينقض الموصي وصيته، وادعى أخوه أن ذلك إقرار منه له بشركه الذي كان يعرف له، وقد كانا فيما يعرف الناس من ظاهر أمرهما شريكين حتى تجاحدا ذلك وتناكراه. قلت: فهل ترى ما كتب صاحب الوصية في وصيته هذه إقرارا لأخيه، ومبتدؤها وصية على ما ذكرت لك، وكان كتبه إياها عند غزوة غزاها، وهو صحيح سوي، قال:

стр. 6375

أرى إن ثبتت هذه الوصية التي اقتصصت بالبينة العادلة، أو بإقرار منه بها، أن يلزمه جميع ما فيها من الصدقة بحظه من الدار التي ورث عن أبيه وجنانها وبئرها؛ لأنه بتلها لأخيه ويلزمه فيما سوى ذلك من جميع ما كان في يديه يوم أقر لأخيه بها في هذه الوصية إقراره، فيجعل ذلك بينهما نصفين، وأرى ما نص من ذلك إقرارا منه لأخيه، ولست أراها وصية يجوز له نقضها كما ادعى، قال: وسألت عن ذلك ابن القاسم وأقرأته كتاب الوصية على مثل ما أقرأته ابن وهب، فقال مثل قول ابن وهب، ولم يخالفه في شيء منها. قال محمد بن رشد: هذا كما قالا؛ لأن الإقرار فيها بيّن، وإن كان ابتداؤها وصية؛ لأن الرجل يلزمه أن يذكر في وصيته ما عليه من الحقوق، فهو آكد عليه مما يوصي به أنه ينفذ عنه، وبالله التوفيق. [مسألة: يتصدق على ابن أخيه أو على أخيه وهو صغير في حجره] مسألة قال: وسألت ابن وهب عن الرجل يتصدق على ابن أخيه، أو على أخيه وهو صغير في حجره، وهو يليه بالنظر له، والقيام بأمره، وليس بوصي لأبيه، فيكون في يدي المتصدق حتى يموت؛ أيحوز ذلك عليه كحوز الوالد؟ وهل تحوز الأم لولدها الصغير ما تصدقت به عليه، أو الأجداد، أو الجدات، أو الأخوال، أو الخالات، أو الأعمام، أو العمات؛ قلت فسر لي رحمك الله من يحوز من
следующие страницы →