← Фикх малики

Фикх малики · id 21751

البيان والتحصيل

ابن رشد الجد

Полный текст (9 112 стр.). Показаны 6371–6410 · переход к 6376.

стр. 6371

إذ لم يؤثر قبوله له شيئا، وبالله التوفيق. [مسألة: تصدق رجل على رجل مفلس بدنانير ليؤديها في دينه] مسألة قلت: فإن تصدق رجل على رجل مفلس بدنانير ليؤديها في دينه، فلم يقبل، وقال الغرماء: نحن نقبل ذلك عليه، ولا ينبغي له أن يضر بنا في رد ما تصدق به عليه؛ فقال: لا يجبر على أخذ الصدقة؛ لأنه يقول: لا ألزم نفسي مذمة، ولا أوجب لأحد علي منة، وسيرزقني الله، فأؤدي إن شاء الله. قال محمد بن رشد: تكررت هذه المسألة في هذا الرسم، من هذا السماع، من كتاب المديان والتفليس، وهي مسألة صحيحة بينة، قد أغنى ابن القاسم عن القول فيها بنصه على العلة فيها، فإن قال الغرماء: ليس من حق المتصدق عليك أن يؤدي إلينا ديوننا عنك، فيكون عليه قد امتن بذلك عليك، ولا يكون لك في ذلك حجة، فما الفرق بين ذلك وبين أن يعطيك ما تؤدي منه دينك؛ قيل لهم: الفرق بين ذلك ظاهر بين؛ لأنه إذا أدى عنه دينه إلى الغرماء بغير اختياره، كان من حقه إذا أيسر أن يؤدي ما عليه من الديون، ويجبر أربابها على قبضها، لتزول المنة عنه في أدائها عنه، ولو قبض المفلس الصدقة التي تصدق بها عليه على أنه بالخيار في قبولها وردها، فأراد ردها، وقال الغرماء: نحن نقبلها؛ لتخرج ذلك على قولين حسبما ذكرناه في كتاب التفليس.

стр. 6372

[: أخوين تنازعا في رقيق ادعى أحدهما أن له فيها شركا] ومن كتاب الأقضية قال يحيى: وسألت ابن وهب عن أخوين تنازعا في رقيق ادعى أحدهما أن له فيها شركا، فقال المدعي لأخيه: أن منجاحا وابنتيه بيننا، وقال له أخوه: ليس له إلا ابنة واحدة، فقال أخوه: بل له ابنتان صغيرة وأخرى كبيرة، فقال له أخوه: إن كانت له ابنة سوى صغيرة، فهي عليك صدقة، فخاصمه الأخ فيما تصدق به عليه من الابنة الأخرى، ثم أقر الأخ بعدما نظر في أمرهما أن له ابنة أخرى، وقال: إنما وهبت، وليس لك صدقة، وظننت أنك تعني منجحا غلاما سواه؛ فقال الأخ: والله لا أقيلك من صدقتي ولا أدعها أبدا، إلا أن يقضى له بها، قال: فقال: سمعت مالكا يقول وهو الذي آخذ به: إن الصدقة إذا كان أصلها على وجه الصلة وطلب البر والمكافأة، وما أشبه ذلك من الوجوه المعروفة بين الناس في احتسابهم، أو حسن معاشرتهم، فإن صاحبها لا يرجع فيها؛ وإن خاصمه المتصدق بها عليه، قضي له عليه بها، قال: وأما كل صدقة تكون في يمين الحالف، أو لفظ منازع، أو جواب مكذب لصاحبه، مثل ما ذكرت لك في مسألتك؛ فهي باطل لا يقضى بها لمن تصدق بها عليه في بعض هذه الوجوه، وما أشبهها، إلا أن معطيها والمتصدق بها، يوعظ ويؤثم، فإن تطوع بإمضائها، كان ذلك الذي يستحب له، وإن شح، لم يحكم عليه فيها بشيء.

стр. 6373

قال محمد بن رشد: مثل هذا في كتاب الهبات من المدونة، أن ما كان من الصدقة على وجه اليمين للمساكين، أو لرجل بعينه، فلا يجبره السلطان على أن يخرجها، وهو المشهور في المذهب، والمعنى في أنه لا يقضي بها بيّن، وذلك أن الحالف بالصدقة إنما يقصد إلى الامتناع مما حلف بالصدقة ألا يفعله، لا إلى إخراج الصدقة، والأعمال بالنيات؛ لكنه إذا فعل الذي حلف بالصدقة ألا يفعله، فقد اختار إخراج الصدقة على ترك الفعل، فلذلك قال: إنه يوعظ ويؤثم، وإنما لا يقضى عليه بالصدقة، إن كان آثما في الامتناع من إخراجها؛ لأنه لا أجر له في الحكم عليه بها وهو كاره، فيذهب ماله في غير منفعة تصير إليه، ولهذا المعنى لا يحكم على من نذر نذرا بالوفاء به، وفي المدنية لمحمد بن دينار فيمن شرط لامرأته أن تسري عليها، فالسرية صدقة عليها؛ أن الصدقة بالشرط تلزمه، وأنه إن أعتقها بعد أن اتخذها لم ينفذ عتقه، وكانت لها صدقة بالشرط، ولابن نافع في المدنية أيضا فيمن باع سلعة من رجل، وقال: إن خاصمته فهي صدقة عليه، فخاصمه فيها، أن الصدقة تلزمه، فإن كان يريد بقوله: إن الصدقة تلزمه، أنه يحكم بها عليه، فهو مثل قول ابن دينار، خلاف المشهور في المذهب، وأما ما كان من الصدقات المبتلات لله على غير يمين، فيحكم بها إن كانت لمعين باتفاق، وإن كانت للمساكين، أو في السبيل على اختلاف الرواية في ذلك في المدونة، وبالله التوفيق. [مسألة: أخوين أوصى أحدهما بوصية بحظه من مورثه] مسألة قال: وسألته عن أخوين أوصى أحدهما بوصية فكتب فيها: وقد

стр. 6374

تصدق فلان بن فلان الفلاني على أخيه فلان بن فلان، بحظه من مورثه في دار أبيه وجنانها وبئرها، وكل ما صار له فيها، تصدق به صدقة لله بتلا، أمضاها فلان الموصي لأخيه فلان حي أو ميت، وما كان من غير ذلك من متاع، أو ناض، أو عقار، أو حيوان، أو دار، أو قرية، أو شجر، أو رحى، أو حانوت، أو بيت في داخل المدينة، أو خارجا منها في أرباضها، أو خارجا من أرباضها، أو قراها في جميع الأندلس، أو في المشرق، ودارهم التي بأفريقية التي اشتروا من ورثة أبان بن راشد الحلي، أو رقيق في كل ما سمياه في قراهم، أو غير ذلك من البلاد، من قليل أو كثير؛ فهو بين أخيه، وفلان شرعا سواء بينهما، فادعى الموصي أنه كان أوصى بهذه الوصية مما ذكر من شرك أخيه وصية منه، وأنه ينقضها إذا بدا له، كما ينقض الموصي وصيته، وادعى أخوه أن ذلك إقرار منه له بشركه الذي كان يعرف له، وقد كانا فيما يعرف الناس من ظاهر أمرهما شريكين حتى تجاحدا ذلك وتناكراه. قلت: فهل ترى ما كتب صاحب الوصية في وصيته هذه إقرارا لأخيه، ومبتدؤها وصية على ما ذكرت لك، وكان كتبه إياها عند غزوة غزاها، وهو صحيح سوي، قال:

стр. 6375

أرى إن ثبتت هذه الوصية التي اقتصصت بالبينة العادلة، أو بإقرار منه بها، أن يلزمه جميع ما فيها من الصدقة بحظه من الدار التي ورث عن أبيه وجنانها وبئرها؛ لأنه بتلها لأخيه ويلزمه فيما سوى ذلك من جميع ما كان في يديه يوم أقر لأخيه بها في هذه الوصية إقراره، فيجعل ذلك بينهما نصفين، وأرى ما نص من ذلك إقرارا منه لأخيه، ولست أراها وصية يجوز له نقضها كما ادعى، قال: وسألت عن ذلك ابن القاسم وأقرأته كتاب الوصية على مثل ما أقرأته ابن وهب، فقال مثل قول ابن وهب، ولم يخالفه في شيء منها. قال محمد بن رشد: هذا كما قالا؛ لأن الإقرار فيها بيّن، وإن كان ابتداؤها وصية؛ لأن الرجل يلزمه أن يذكر في وصيته ما عليه من الحقوق، فهو آكد عليه مما يوصي به أنه ينفذ عنه، وبالله التوفيق. [مسألة: يتصدق على ابن أخيه أو على أخيه وهو صغير في حجره] مسألة قال: وسألت ابن وهب عن الرجل يتصدق على ابن أخيه، أو على أخيه وهو صغير في حجره، وهو يليه بالنظر له، والقيام بأمره، وليس بوصي لأبيه، فيكون في يدي المتصدق حتى يموت؛ أيحوز ذلك عليه كحوز الوالد؟ وهل تحوز الأم لولدها الصغير ما تصدقت به عليه، أو الأجداد، أو الجدات، أو الأخوال، أو الخالات، أو الأعمام، أو العمات؛ قلت فسر لي رحمك الله من يحوز من

стр. 6376

هؤلاء على الصغير ما يتصدق به عليه إذا كان في حجره؟ ومن لا يحوز عليه منهم؟ قال: لا يحوز من هؤلاء على الصغير ما يتصدق به عليه إذا كان في حجره إلا الأب، والوصي، والأم إذا كان يتيما في حجرها، وإن لم يكن موصى إليها؛ والأجداد بمنزلة الأب إذا لم يكن الأب، وكان الجد هو الذي يليه، وهو في حجره، والجدات بمنزلة الأم، إذا لم تكن الأم وكان في حجرها. قال: وأما ما سوى هؤلاء، فلا يكون حوزهم حوزا للصغير إلا إن برئ منه إلى رجل يليه للصغير. قلت له: أرأيت الأبوين، والأجداد، والجدات، والوصي، الذين جعلتهم كالأب فيما يلي من الحوز للصغير، أيجزيهم الإشهاد وإعلان الصدقة، ويثبت ذلك للصغير المتصدق عليه، وإن انتفعوا بكل الغلات إن كان عقارا، أو لبس الثياب إن كانت الصدقة ثيابا، أو استخدام الرقيق إن كانت الصدقة رقيقا، أم لا يكون الحوز على الصغير ممن يلي ذلك له من هؤلاء الذين نصصت لك حوزهم عليه، إلا بحبس الغلة عليه، وأن تكرى تلك الصدقة باسمه، ويشهد على نفسه بما يقبض من غلته، وبرئ من الانتفاع بقليل ذلك وكثيره، وكيف إن لبس الثوب لبسا خفيفا، أو أتاه وأدرك بعينه، أو استخدم الرأس

стр. 6377

استخداما يسيرا. قال: وسألت ابن القاسم عن مثل الذي سألت عنه ابن وهب من الحيازة على الصغير، فقال: لا يحوز على الصغير ما يتصدق به عليه إلا الأب أو الوصي؛ ولا يحوز له إلا من كان يجوز له إنكاحه والمبارأة عنه والاشتراء له، والبيع عليه. قال: قال ابن القاسم: وقد سألت مالكا عن الأم تتصدق على ابنها الصغير في حجرها قد مات أبوه، فقال: إن كانت وصية عليه فهذا الذي لا يعرف غيره أنه جائز، قال ابن القاسم: فأما ما سواها من أمر ليست بوصية، أو خال، أو عم، أو قريب، أو بعيد، فلا يحوز على الصغير، وإن كان في حجره، وأما أن يحوز له الأب أو الوصي، أو وصي الوصي ما تصدق به عليه أو تصدق به غيره عليه. قال محمد بن رشد: في سماع عبد الملك من كتاب الوصايا، أن كل من ولي يتيما من قريب أو بعيد، فإنه يحوز له ما وهب له، ومثله من بيده اللقيط، ورواه ابن غانم، ونحوه في كتاب القسمة من المدونة أن الرجل يحوز مقاسمته على من التقطه، فهو قول ثالث في المسألة حسبما مضى تحصيله في رسم إن خرجت، من سماع عيسى، من كتاب الحبس، ولما سأل ابن وهب في هذه الرواية، إذ أجاز حيازة الأجداد والأم والجدات لما وهبوا، إذا كانوا في حجورهم، وجعلهم في ذلك كالأب، هل يكتفون من الحيازة بالإشهاد على الصدقة وإعلانها، وإن انتفعوا بأكل الغلات، وإن كان

стр. 6378

عقارا أو لبس الثياب، إن كانت الصدقة ثيابا، أو استخدام الرقيق إن كانت الصدقة رقيقا، أم لا تصح حيازتهم لهم إلا أن يكروا ما يكرى من ذلك بأسمائهم، ويشهدوا على أنفسهم بما يقبضون من غلات ذلك، ويبرءوا من الانتفاع بذلك بقليل ذلك أو كثيره، فسكت عن الجواب في ذلك، ولا أعرف له في ذلك مذهبا منصوصا عليه، وقد اختلف فيما عدا الملبوس والمسكون من ذلك في الأب والوصي على ثلاثة أقوال؛ قد مضى تحصيله في رسم الأقضية الثاني من سماع أشهب، فلا معنى لإعادته؛ وأما الملبوس والمسكون فلا اختلاف في أن الأب أو الوصي إذا لبس أو سكن ما وهب أو تصدق به، أو حبسه، بطلت حيازته، وكذلك من سوى الأب والوصي عند من يجيز حيازته ما وهب لمن في حجره، وبالله التوفيق. [مسألة: امرأة استخلفت رجلا يخاصم لها في منزل غصبته] مسألة قال: وسألت ابن وهب عن امرأة استخلفت رجلا يخاصم لها في منزل غصبته، فخاصم حتى قضي لها به، وسكنت فيه سنة، والمستخلف المخاصم معها فيه، فسألها المخاصم أن تتصدق عليه بثلث ذلك المنزل الذي قضي لها به ففعلت، ثم إن المرأة قامت عليه بعد تدعي أنها كانت جاهلة بما تصدقت به عليه من ثلث المنزل، فأتت بشهيدين، فشهدا أن فلانا المخاصم لها المتصدق

стр. 6379

عليه، ادعى عند القاضي أنها جعلت له الذي أعطته في القرية في شخوصه وقيامه، وأنكر القاضي أن يكون علم ذلك من دعواه عنده، أو سمعه منه؛ غير أن الشهيدين قد ثبتا على شهادتهما بما كان يدعي عند القاضي من ذلك، وشهد له أيضا شاهد جائز الشهادة آخر أن فلانا المتصدق عليه كان يقلل عندها الذي سألها من الصدقة، ويزعم لها عند سؤاله إياها أنه يسير حقير لو عرفته، ثم ادعى المتصدق عليه أنها كانت صدقة منها عليه في صحة من بدنها، وجواز من أمرها بعدما عرفت الثلث الذي تصدقت به عليه، وموضع الفدادين، وما في ذلك الثلث من شجر، أو حجر، أو منتفع، قليل أو كثيرة؛ وأنه سكن معها في الصدقة عامين، وكانت الصدقة فيما زعم بعد أن قضي لها بالمنزل بسنتين أو نحو ذلك؛ قلت: فهل ترى صدقته ثابتة له عليها، والمرأة قد بلغت مبلغ من يجوز عليها أمرها من النساء؛ فقال لي ابن وهب: أرى الصدقة لها لازمة، وعليها جائزة بالذي ثبت عليها أنها تصدقت بذلك بعد معرفتها بما تصدقت به، قال: فأما إن كانت معروفة بالجهالة بذلك المنزل، فخدعت عما تصدقت به، وثبت لها أنه قلل لها وحقره عندها، وهي بذلك غير عالمة بالذي

стр. 6380

قضي لها به، ولا جائزة بالذي طلب إليها فيه، فأرى الصدقة على مثل هذا غير جائزة. قال: وسألته عن الجعل في الخصومة فلم يره جائزا. قلت: فإن وقع، قال: يعطى أجر مثله في شخوصه، قضي له أو لم يقض بشيء؛ وقال: وسألت ابن القاسم عن صدر هذه المسألة على مثل ما سألت عنه ابن وهب، فقال: أرى أن الصدقة جائزة بعد أن يحلف المتصدق عليه بالله ما كان الذي تصدقت به عليه أمرا قاطعته به قبل الخصومة، وما الذي أحدثته من الصدقة أمرا كان أصله على المجاعلة في الخصومة التي قام بها، وما هو إلا شيء طاعت له به، لما قضي لها به على يديه، فتصدقت بذلك عليه شكرا ومكافأة؛ فإن حلف على ذلك، جازت له الصدقة للذي ثبت عليها من عمله، بما تصدقت به عليه، ومعرفتها به وبحدوده؛ وذلك أنا نرى أن رجلا لو سأل رجلا يقوم له في خصومة ويكافئه عليها؛ لكان الذي فعله لا يصلح، ولو قام بالخصومة على تلك العدة؛ لكان وجه الصواب في ذلك أن يعطي أجر مثله؛ قال: ولو أعطاه دارا، أو عبدا، أو أرضا

стр. 6381

مكافأة له، ففات ذلك وقبضه؛ لجاز ذلك، ولم يكن للمعطي أن يتعقبه فيه بأمر ينتزع به منه الذي تطوع له به وكافأه به من غير سلطان ألزمه إياه؛ لأنه إنما أعطاه ذلك للذي كان يلزمه له من أجر مثله فيما قام له به من الخصومة، وشخص له فيه، فأرى أنه إن كانت عطيتها إياه على غير مقاطعة سميت له في أصل الجعل، أو صدقة منها، فهي حلال في الأمرين جميعا العطية له جائزة، والصدقة كذلك، قال فإن كانت جاعلته على ثلث ذلك المنزل عند ابتداء الخصومة، فذلك موضوع عنها، وله أجر مثله؛ وذلك أن مالكا قال: لا يحل الجعل في الخصومة على إن فلج فله جعله، وإن لم يفلج فلا شيء له؛ ومن عمل في هذا فله أجر مثله. قلت: فما وجه ما تجوز به الإجارة في الخصومة؟ قال: لا أرى به بأسا مشاهرة، إذا عرف وجه الشخوص فيها شهرا بشهر، فلا أرى أيضا بأسا أن يقاطع إذا كان الذي يخاصم فيه شيئا معروف القدر، خفيف الخطر، ووجه الشخوص فيه لا يكاد يختلف فيه. قال محمد بن رشد: وقعت هذه المسألة في سماع سحنون، من كتاب الجعل والإجارة ملخصة محذوفة، وبعض ألفاظها مخالفة لما وقع فيها هاهنا، من ذلك أنه قال فيها هناك أنه ادعى أنها صدقة، وأقام البينة على صدقته، وهم مقرون بها، غير أنهم قالوا: إنما فعلنا؛ لأنا ظننا أن ذلك يلزمنا، وإنما قاموا عليه بعد سنين والمعنى فيها، أن الرجل خاصم في القرية

стр. 6382

لأربابها، فلما استحقها لهم تصدقوا عليه بثلثها، لقبض الثلث وحازه؛ ثم إنهم قاموا عليه بعد سنين، فقالوا: إنا كنا جاعلناك على الخصام في القرية بثلثها الذي دفعناه إليك، وذلك لا يجوز لك؛ لأنه جعل فاسد لا يجوز، وأقاموا البينة على إقراره بأنه أخذه على جعله بما شهد به عليه الشاهدان بأنه كان يدعي ذلك عند القاضي؛ وقال: هو إنما أخذته بالصدقة، وأقام البينة على الصدقة، فأقروا، وقالوا: إنما تصدقنا عليك به؛ لأنا ظننا أن ذلك يلزمنا بالجعل الذي شارطتنا عليه، فرأى ابن وهب الصدقة لها لازمة وعليها جائزة. قال: فالذي ثبت عليها أنها تصدقت بذلك بعد صرفتها بما تصدقت به، وليس في السؤال ثبوت الصدقة عليها، وإنما وقع ذلك في سماع سحنون، من كتاب الجعل والإجارة، غير أن فيه إقرارها بها ودعواها الجهل بمقدارها، وذلك كثبوت ذلك عليما، ولا فيه أيضا ثبوت معرفتها بقدر الصدقة، غير أن فيه أنها سكنت في المنزل مع المخاصم لها فيه سنة بعد أن قضى لها به قبل الصدقة، وذلك يقتضي معرفتها بمقدار ذلك؛ قال: ولو كانت جاهلة بمقدار ما تصدقت، وثبت أنه قلل لها ذلك وحقره عندها لما لزمتها الصدقة، ورأى ابن القاسم أيضا الصدقة لها لازمة، ولم يعذرها بالجهالة، ولا رأى ما ثبت عليه هو من ادعائه أنه أخذه على جعله ضائرا له؛ لأن بإزائه إقرارها له بالصدقة التي ادعى، واستظهر عليه باليمين على أنه لم يقطعها بالثلث قبل الخصومة، وإنما طاعت له به بعدها شكرا ومكافأة عليها من أجل ما تضمنه السؤال من أنه شهد عليه أنه ادعى عند القاضي أنها جاعلته على ذلك، وفي قوله في آخر جوابه قال: فإن كانت جاعلته على ثلث ذلك

стр. 6383

المنزل عند ابتداء الخصومة، فذلك موضوع عنها، وله أجر مثله؛ وذلك أن مالكا قال: لا يحل الجعل في الخصومة على، إن فلج فله جعله، وإن لم يفلج فلا شيء له؛ ومن عمل في هذا فله أجر مثله دليل على أن ذلك جائز عنده على القول بأن الجعل جائز في الخصومة، على أنه إن فلج فله جعله، وإن لم يفلج، فلا شيء له؛ خلاف قوله في رسم أول عبد ابتاعه فهو حر، من سماع يحيى من كتاب الجعل والإجارة في الذي يقول للرجل: قم لي بطلب شفعتي، ولك إن استحققتها نصف سهمي، ونصف ما تأخذ لي بالشفعة؛ أن ذلك لا يجوز، وإن كان الجعل حلالا؛ لأنه جعل فيه ما لم يملكه بعد، وبينا هناك أن ذلك ينبغي أن يكون جائزا على القول، بأن الجعل في الخصومة جائز على أنه إن فلج فله جعله، وإن لم يفلج فلا شيء له بيانا شافيا، فلا معنى لإعادته، وهو ظاهر قوله هاهنا. وقد اختلف قول مالك في الجعل في الخصومة على أنه إن فلج فله جعله، وإن لم يفلج فلا شيء له، وقع اختلاف قوله في ذلك في آخر كتاب الجعل والإجارة من المدونة، واختلف في ذلك قول أبي القاسم أيضا، روى عنه يحيى في أول رسم، من سماع يحيى، من كتاب البضائع والوكالات، إجازة ذلك، خلاف قوله في هذه الرواية، والأظهر إجازة ذلك؛ لأن الجعل على المجهول جائز، وإنما كرها ذلك على أحد قوليهما إذا كثر الجهل فيه استحسانا، وأما إذا قل الجهل فيه، وكان الذي يخاصم فيه شيئا معروف العدد، خفيف

стр. 6384

الخطب، وجه الشخوص فيه لا يكاد يختلف؛ فذلك جائز قولا واحدا كما قال في هذه الرواية؛ وقوله أن الوجه في الإجارة في الخصومة إذا عرف وجه الشخوص فيها، أن تكون مشاهرة شهرا بشهر، معناه أن يستأجره شهرا على الخصام بأجر معلوم، فإن فلج أو فلج عليه قبل تمام الشهر، كان له من إجارته بحساب ما مضى من الشهر، وإن انقضى الشهر ولم يفلج فاستأجره على التمادي على الخصام شهرا آخر أيضا، فإن فلج قبل تمام الشهر، كان له من إجارته بحساب ما مضى من الشهر، كالذي يستأجر الرجل شهرا على أن يبيع له ثوبا، فإن باع قبل تمام الشهر، كان له من إجارته بحساب ما مضى منه، وإن انقضى ولم يبع شيئا استوجب جميع أجرته؛ وكذلك قال مالك في كتاب ابن المواز إنما تجوز الإجارة في الخصومة بأجر معلوم، وأمد معلوم، يكون ذلك له ظفر أو لم يظفر؛ قال ابن القاسم: ثم ليس له ترك ذلك حتى يستخرجه؛ قال أصبغ: كالإجارة على بيع السلعة، وإن لم يتم وقتا إذا كان لذلك وقت قد عرفه الناس، والأجل على كل حال أحسن، وقول أصبغ صحيح على ما قالوا في الشيء الذي يباع من جاعل أن الإجارة على بيعه جائز دون ضرب الأجل؛ لأن العناء في بيعه معروف، فهو أجل معلوم، وبالله التوفيق. [مسألة: يتصدق على ابنه الصغير برقيق] ومن كتاب أوله: أول عبد ابتاعه، فهو حر مسألة قال: وسألته عن الرجل يتصدق على ابنه الصغير برقيق، ثم

стр. 6385

يموت فيترك الورثة تلك الرقيق في يد المتصدق عليه نحوا من ثماني عشرة سنة، ثم يريدون اقتسام تلك الرقيق، ويقولون: إنما تركناها في يدك على حال إرفاقك بخدمتها، فإذا زعمت أنك حبستها بأنها عليك صدقة، فهات على دعواك بالبينة؛ فيقول: قد طال ترككم إياها عندي معرفة منكم بحقي، ولو سألتموني البينة على الصدقة بحداثة موت أبي وجدتها، وقد ماتوا اليوم أو نسوا، وفي ترككم إياها في يدي إقرار منكم بمعرفة صدقي، ولعله قد كان يعتق ويتصدق ويبيع. قال ابن القاسم: إن جاء بالبينة على أهل الصدقة فالأب عليه حائز مع قبضه للرقيق بعد أبيه، وترك الورثة ذلك في يدي لا يكلفونه حوزا، ولا يسألونه إياه، وإن لم تكن له بينة على أصل الصدقة، وإنما أراد أن يوجب لنفسه دعواه بترك الورثة اقتسام الرقيق، فلا حق له فيها إلا مورثه منها، إلا أن يكون إذ حازها بالقبض لها، كأن يعتق ويبيع ويصنع ما يصنع المرء فيما خلص له من الأموال، فإن كان كذلك مع حضور الورثة وعلمهم بفعله، فهو أحق بالرقيق من جميع الورثة، قال: وإن كان إنما أعتق رأسا من عدة رقيق، أو تصدق بيسير من كثير، فإن ذلك لا يوجب له الصدقة التي ادعى، لا فيما أحدث فيه، ولا فيما بقي من الرقيق؛ غير أنه إن كان أعتق، قوم عليه؛ وإن كان باع، غرم أنصباء أشراكه من الثمن لحضورهم وعلمهم بالبيع؛ قال: وإن كان الذي أحدث فيه من العتاقة والبيع والصدقة، وما أشبه ذلك في جل الرقيق وأكثرها، فالذي

стр. 6386

بقي من الرقيق تبع لما أحدث فيه يستحق ما بقي بما ادعى من الصدقة لحوزه ذلك، وقبضه دون إخوته. قال محمد بن رشد: قوله: إنه لا يستحق الابن المتصدق عليه الرقيق بطول مكثها في يديه، إذا لم تكن له بينة على أصل الصدقة، صحيح لا اختلاف في أنه لا حيازة بين الأقارب الشركاء بالميراث وغير الشركاء بالسكنى والازدراع فيما يسكن ويزدرع، أو بالاستخدام واللباس فيما يستخدم ويلبس، وإن طالت المدة، إلا ما تناوله بعض الناس على ما في المدونة في قوله: وهذا من وجه الحيازة التي أخبرتك من أنه لا يجوز على مذهبه في المدونة في الحيازة بين الأقارب والأجنبيين وهو بعيد، وكذلك قوله: إلا أن يكون إذ حازها بالقبض لها، كأن يعتق ويبيع ويصنع ما يصنع المرء فيما خلص له من الأموال، فإن كان كذلك مع حضور الورثة وعلمهم بفعله، فهو أحق بالرقيق من جميع الورثة؛ صحيح أيضا لا اختلاف في أن التفويت بهذه الأشياء من البيع والعتق والهبة والصدقة والكتابة والتدبير والوطء، حيازة بين الأقارب الشركاء بالميراث وغيرهم إذا كانوا حضورا، ويفترق الحكم بين أن يحضروا التفويت، أو يعلموا به، وهم في البلد حضور، حسبما قد مضى بيانه في رسم يسلف، من سماع ابن القاسم، كتاب الاستحقاق، ويختلف إذا فوت بذلك الوارث أو القريب اليسير من الجميع أو الجل، وبقي اليسير: فقيل إن القليل تبع للكثير

стр. 6387

في الوجهين، وهو قوله في هذه الرواية، ومثله في رسم الكبش، من سماع يحيى، من كتاب الاستحقاق؛ وقيل: إنه لا يكون تبعا له في الوجهين؛ فإن كان أعتق رأسا من عدة رقيق، أو باعه أو وهبه، استحقه بذلك، ولم يكن لأشراكه في الميراث عليه في ذلك حق، لحضورهم وعلمهم، وإن كان أعتق الجل أو فوت ذلك بالبيع، أو الهبة، أو الصدقة؛ كان لأشراكه في الميراث حقهم فيما بقي، وإن كان يسيرا، وسقط حقهم في الكثير المتفوت، وهو ظاهر قول ابن القاسم في سماع سحنون، من كتاب الاستحقاق، وقد قيل: إن معنى ما في سماع سحنون إذا كان الذي حازه الوارث بهذه المعاني متناصفا، أو متقاربا، فلذلك قال: إنه لا يكون القليل تبعا للكثير، لا فيما حيز ولا فيما لم يحز، فلا يكون على هذا اختلاف في أن القليل تبع للكثير، وهو أولى من حمل ذلك على الخلاف؛ إذ لا اختلاف في أنه إذا كان ما حازه الوارث على أشراكه بهذه المعاني متقاربا، أو متناصفا، لا يكون بعض ذلك تبعا لبعض، وبالله التوفيق. [مسألة: ينحل ابنه الدنانير ويضعها على يدي رجل] من سماع سحنون وسؤاله ابن القاسم قال سحنون: وسألت ابن القاسم عن الرجل ينحل ابنه الدنانير، ويضعها على يدي رجل، ثم يصوغها له حليا، أو كانت آنية، ثم أراد اعتصارها؛ قال: ليس ذلك له؛ لأنه قد تغير عن حاله، وإنما ذلك بمنزلة أن لو اشترى له جارية أو غير ذلك، ثم أراد اعتصارها، لم يمكن من ذلك، قال سحنون: وقال ابن وهب عن مالك في الدنانير

стр. 6388

والدراهم التي صيغت حليا، مثل قول ابن القاسم. قال محمد بن رشد: قوله: أو كانت آنية يريد آنية فصاغها، فقوله في الدنانير والآنية إذا وهب ذلك لابنه ثم صاغه له حليا، أنه لا اعتصار له في ذلك؛ لأنه قد تغير عن حاله؛ تعليل صحيح، وهي علة متفق عليها إن كان صاغها بمال الولد، وأما إن كان صاغها له بماله، أو أخرج أجرة صياغتها منها، فيجرى ذلك على الاختلاف في الهبة تتغير في بدنها بنقصان أو نماء، من غير أن تنمو بنفقة الابن؛ لأنها إذا نمت بنفقة الابن، فلا اختلاف في أنه لا اعتصار للأب فيها، مثل أن يكون صغيرا فينفق عليه حتى يكبر، أو هزيلا فينفق عليه حتى يسمن، أو دارا فيصلحها ببنيان وما أشبه ذلك؛ فظاهر قوله في هذه الرواية أن تغير الهبة في بدنها بأي وجه كان من زيادة أو نقصان، يفيت فيها الاعتصار، وهو ظاهر قول مالك في المدونة ما لم يحدثوا دينا، أو ينكحوا، أو تتغير عن حالها؛ وهو قول أصبغ في الواضحة، خلاف قول مطرف، وابن الماجشون: إن تغير الهبة في بدنها بالزيادة والنقصان لا يفيت فيها الاعتصار، وأما تشبيهه صياغة الدنانير له بابتياعه له بها الجارية، فليس ببين؛ لأن الدنانير التي وهب له قد صارت لبائع الجارية، والجارية ليست عين ما وهب، وأما الحلي فهو عين ما وهب من الدنانير أو الآنية، وفي المدنية قال: سمعت مالكا يقول: الأب يعتصر من ابنه الجارية ينحله إياها، وإن ولدت عند الابن، وكذلك الحيوان، ولم يبين إن كان ولد الجارية من زوج أو زنى، والظاهر أن ذلك عنده سواء؛ إذ لو افترق الأمر عنده لبينه، ولا بين أيضا إن كان يعتصرها بولدها، أو دون الولد؛ فإن اعتصرها

стр. 6389

والولد من زوج، بقيت الزوجية بينهما؛ لأنها عيب، والعيب لا يفيت الاعتصار في أحد الأقوال؛ وهذا الظاهر من مذهبه، والأظهر أن يأخذها دون ولدها؛ لأن الولد نماء حدث بماله؛ لأنه هو المنفق عليها وعليه، أو الزوج على الاختلاف في ذلك. [مسألة: العبد يتصدق عليه فيأبى أن يقبل] مسألة قال مالك في العبد يتصدق عليه فيأبى أن يقبل: إن لسيده أن يأخذ ذلك، وإن أبى الذي تصدق به إذا قال: إنما أردت العبد، أما إذا لم يقبل فلا أعطيك. قال محمد بن رشد: هذا كما قال، وهو مما لا اختلاف فيه أحفظه؛ لأن العبد لو قبل الصدقة، كان لسيده أن ينتزعها منه، فهو أحق بقبول ما تصدق به عليه، وبالله التوفيق. [مسألة: قال غلة حائطي لابني الصغير وله ولد كبير] مسألة قال ابن القاسم: إذا قال الرجل: غلة حائطي لابني الصغير وله ولد كبير، وخمسة أوسق منه لفلان، وكان الحائط في يديه يقوم عليه ويليه، ويخرج الخمسة الأوسق للأجنبي ثم يموت، قال: أراها صدقة جائزة لابنه وللأجنبي؛ وإذا قال: غلة الحائط لفلان وللمساكين، وكان في يديه يخرج الغلة للمساكين ولفلان، ثم يموت وهي في يديه، لم يجز للمساكين ولا لفلان، وهو خلاف الأول.

стр. 6390

قال الإمام القاضي: هذا بين على ما قاله من أن المسألتين مفترقتان؛ لأن العطية لا تصح إلا بالحيازة في صحة المعطي، وهو يحوز لابنه الصغير، فإذا قال غلة حائطي لابني الصغير، فله ثمرته ما عاش، وهو حبس عليه يحوزه له؛ وما استثناه منه لولده الكبير وللأجنبي، فكأنه قد استثناه لنفسه، فيجوز ذلك إن كانت الخمسة الأوسق ثلث غلة الحائط بعد نفقته أو أقل؛ وأما أن كانت الخمسة الأوسق أكثر من ثلث غلة الحائط، فلا يجوز ذلك، وبطل إن لم يخرج الحائط من يديه حتى توفي؛ لأن من حبس على صغير وكبير، فلم يحز الكبير، بطل نصيب الصغير؛ ولا اختلاف في هذا، وإنما يختلف في الهبة والصدقة حسبما مضى القول فيه، في رسم الحج والزكاة، من سماع أشهب من هذا الكتاب، وفي رسم إن خرجت، من سماع عيسى، من كتاب الحبس، وقد بين في هذه المسألة أنه جعل له غلة الحائط حياته بقوله فكان الحائط في يديه يقوم عليه ويليه، ويخرج الخمسة الأوسق منه للأجنبي؛ وأما من قال: غلة حائطي لفلان، ولم يقل حياته، فإن كان في وقت غلة الحائط، فليس له إلا غلة ذلك العام، بمنزلة من قال: ثمر حائطي لفلان وفيه يومئذ ثمر، حسبما مضى في نوازل سحنون، من كتاب الحبس. [مسألة: يتصدق على الرجل بالشيء ويقول إن أردت بيعه فأنا أحق به بالثمن] مسألة وسألت ابن القاسم عن الرجل يتصدق على الرجل بالشيء،

стр. 6391

ويقول: إن أردت بيعه، فأنا أحق به بالثمن؛ قال: ليس هذه الصدقة بشيء؛ قلت له: فإن طال مكثها في يدي صاحبها، ثم أراد أن يقوم عليه، فيأخذ ذلك الشيء؛ قال سحنون، وذكر ابن وهب عن مالك أنه لا بأس بها؛ لأنه ليس ببيع. قال محمد بن رشد: قوله: ليست هذه الصدقة بشيء؛ يريد فيكون الحكم فيها أن تبطل، إلا أن يرضى الواهب بإمضاء الهبة وإسقاط الشرط؛ وفي هذه المسألة أربعة أقوال؛ قد مضى تحصيلها في رسم إن خرجت، من سماع عيسى، أحدها: قول ابن القاسم هذا: أن الصدقة باطلة. والثاني: أن الصدقة جائزة، والشرط لازم له ولورثته إن أرادوا البيع؛ وقع هذا القول في المختصر لابن عبد الحكم، وهو قول مالك في رواية ابن وهب هذه: أنه لا بأس بها؛ لأنه ليس ببيع؛ وقد مضى الكلام في البيع والإقالة على هذا الشرط في أول سماع أشهب، من كتاب جامع البيوع، وفي سماع محمد بن خالد منه، ولم يقع لابن القاسم في هذه الرواية جواب فيما سأله عنه من قوله، قلت له: فإن طال مكثها في يدي صاحبها، ثم أراد أن يقوم عليه فيأخذ ذلك الشيء؛ لأنه أضرب عن ذلك وسكت عنه؛ فذكر سحنون متصلا بذلك رواية ابن وهب عن مالك، والجواب في ذلك عند ابن القاسم على مذهبه في أن الصدقة ليست بشيء، وأنها باطلة، أن له أن يأخذ صدقته، وإن طال مكثها في يدي المتصدق عليه بعد قبضه لها، وبالله التوفيق.

стр. 6392

[: تصدق على أخيه بنصف ماله وهو مريض] من مسائل نوازل سئل عنها سحنون وسئل سحنون عن رجل تصدق على أخيه بنصف ماله، وهو مريض ليس مدنفا من مرضه طويلا، دام به سنين يخرج في حوائجه ويقضيها، فقبض أخوه الصدقة وحازها سنين، ثم إن الأخ المريض مات، فقام عليه ورثة المتصدق، فقالوا للمتصدق عليه: إن هذا لا يجوز لك؛ لأنه تصدق عليك في المرض، فلا يجوز لك إلا الثلث، وقد سألنا عن ذلك الفقهاء فقالوا لنا: إنه لا يجوز لك إلا الثلث، فدفع إليهم المتصدق عليه ما زاد على الثلث، ثم علم أن الصدقة كلها جائزة؛ فقال سحنون له: ومن يعلم أنك كنت جاهلا لا تعلم أن الصدقة لك كلها، أنت تدفع إليه مالك، وتبيعه له بعدما قد حزته وملكته؛ ثم قمت الآن تدعي الجهالة، ما أرى لك فيما دفعت إليه حقا؛ فقال له السائل: أنا أقيم البينة أنه قد قال: إن هذه الصدقة لا يجوز لك منها إلا الثلث، وقد سألت عن ذلك الفقهاء وأخبروني بذلك، فقال له: إن أقمت البينة على هذا، فأرى لك أن ترجع عليه بما أخذ منك. قال محمد بن رشد: هذه مسألة فيها ثلاثة أقوال؛ قد مضى تحصيلها في رسم أوصى، من سماع عيسى، فلا معنى لإعادته.

стр. 6393

[مسألة: تصدق على رجل بعبد على ألا يبيعه ولا يهبه سنة] مسألة قيل لسحنون: أرأيت لو أن رجلا تصدق على رجل بعبد، على ألا يبيعه ولا يهبه سنة، ثم هو له من بعد السنة بتل يصنع به ما شاء، فقال: أراه جائزا، وله أن يبيعه ويصنع به ما شاء الساعة. قال محمد بن رشد: قول سحنون في هذه المسألة: إن الصدقة جائزة، والشرط باطل، خلاف قوله في رسم إن خرجت، من سماع عيسى، في الذي يتصدق على رجل بصدقة على ألا يبيع ولا يهب، أنها حبس، والذي يأتي في هذه المسألة على قوله في تلك، أن يكون حكمه حكم من أخدم رجلا عبده سنة، ثم هو له بعد السنة، فيخدمه في هذه السنة على ملك المتصدق به، ثم يكون له بعد السنة بتلا، فتكون الجناية إن جنى عليه في هذه السنة لصاحبها الذي تصدق به، ويتخرج في المسألة أيضا ثلاثة أقوال سوى هذين القولين؛ أحدها: أن الصدقة جائزة، والشرط لازم، فيخدمه في هذه السنة على ملك نفسه، فإن جنى عليه كانت له جنايته. والثاني: أن الهبة باطلة، إلا أن يبطل سيده الشرط، ويمضي الصدقة؛ فإن مات السيد قبل أن يمضي الصدقة بطلت، وكذلك إن انقضت السنة قبل أن يمضيها. والثالث: أن المتصدق يخير بين أن يبطل الشرط ويمضي الصدقة أو يردها، فإن مات قبل السنة نزل ورثته في التخيير في ذلك منزلته، وإن انقضت السنة مضت الصدقة، ولم يكن له ولا لورثته في ردها خيار، وقد مضى ما يدل على ما ذكرناه في آخر سماع سحنون قبل هذا، وفي رسم إن خرجت من سماع عيسى؛ لأن الوجه في ذلك متقارب في المعنى، وبالله التوفيق.

стр. 6394

[مسألة: وهب الرجل لابنه هبة يريد بها الصلة] مسألة قال سحنون إذا وهب الرجل لابنه هبة يريد بها الصلة، فإنه لا يجوز له اعتصارها منه، كان الابن صغيرا في حجره أو كبيرا بائنا منه، والهبة للصلة مثل الصدقة، ولا يجوز له اعتصارها، وذلك أن تكون ابنته الكبيرة أو ابنه الكبير يكون ضعيفا يخاف عليهما الخصاصة، فيصلهما نظرا منه لهما، وكذلك إذا وهب لصغير نظرا منه له، لما يخاف عليه من الخصاصة؛ وإنما يعتصر الأب هبته وعطيته من الابن إذا كان الابن في حجره وله مال كثير، أو البائن منه وله مال كثير، وليس يريد بذلك صلته، فذلك الذي يعتصره. قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن الصدقة لا تعتصر؛ لقول النبي ﵇: «العائد في صدقته، كالكلب يعود في قيئه» «وقوله لعمر بن الخطاب في الفرس الذي كان حمل عليه في سبيل الله: لا تشتره، وإن أعطاكه بدرهم؛ فإن العائد في صدقته، كالكلب يعود في قيئه» والهبة على سبيل الصدقة لمن كان قليل ذات اليد، مخافة الخصاصة كالصدقة، فلها حكم الصدقة في أنها لا تعتصر، وإن سماها هبة، وإنما أجيز للأب فيما تصدق به على ابنه أن يكتسي من صوف الغنم، ويشرب من ألبانها، ويأكل من لحومها إذا تصدق بها عليه، وأن يأكل من ثمر النخل إذا تصدق بها عليه، حسبما مضى في رسم نذر، من سماع ابن القاسم، وأجاز في رسم سلعة سماها منه للأب أن يشتري ما تصدق به على ابنه، وذلك كله بخلاف الأجنبي للشبهة التي له في مال ابنه؛ لقوله ﵇: أنت ومالك لأبيك، وقد مضى هناك تحصيل القول فيما يجوز للأب والأجنبي فيما تصدقا

стр. 6395

به، من الرجوع في الأصل أو الغلة بشراء أو عطية من المتصدق عليه، أو من غيره مستوفى، فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق. [مسألة: وهب لولده هبة لله أو لوجه الله] مسألة قال ابن الماجشون: كل من وهب لولده هبة لله، أو لوجه الله، أو لطلب الأجر والثواب من الله، أو لصلة قرابة أو رحم، لا يعتصرها أبدا، وإنما تجوز العصرة إذا وهب أو نحل نحلة مرسلة، لم يقل لصلة رحم، ولا لوجه الله، ولا على وجه طلب الأجر من الله، فإن هذا يعتصر، قال أصبغ مثله. قال محمد بن رشد: قول ابن الماجشون هذا مثل ظاهر قول عمر بن الخطاب في المدونة من وهب هبة لصلة رحم، أو على وجه الصدقة، فإنه لا يرجع فيها، ونحوه في مختصر ابن عبد الحكم، وقال مطرف: إذا وهب لولده على وجه الصلة، أو لوجه الله، كان له أن يعتصرها أبدا حتى يسميها صدقة، فإذا سماها صدقة لم يجز له أن يعتصرها، والقول الأول أظهر؛ لأن الشيء الموهوب قد خرج عن ملك الواهب بالهبة، فلا يكون له الاعتصار إلا بيقين، وهو أن لا يقول: لله، أو لوجه الله، أو لطلب الأجر والثواب من الله؛ لأنه إذا قال ذلك، احتمل أن يريد به الصدقة؛ لأن الأصل في الصدقات ما كان القصد به وجه الله ، وابتغاء الثواب من عنده، لا عين المتصدق عليه؛ والهبة ما كان القصد به عين الموهوب له مع إرادة الثواب على ذلك من الله ؛ فإذا قال في هبته لله، أو لوجه الله، دل على أن ذلك هو قصده بهبته لا عين الموهوب

стр. 6396

له، فكانت في معنى الصدقة؛ ووجه قول مطرف أن الهبة، وإن كان يقصد بها عين الموهوب له، فالثواب مبتغى فيها أيضا، فلا تخرج الهبة عن حكمها في الاعتصار إلى حكم الصدقة بقوله فيها لوجه الله حتى يسميها صدقة، وبالله التوفيق. [مسألة: تصدقت في صحتها بأكثر من ثلثها] مسألة قال سحنون في امرأة تصدقت في صحتها بأكثر من ثلثها، فلم يعلم الزوج بصدقتها حتى ماتت، ثم علم الزوج بعد الموت فقال: أنا أرد ذلك؛ لأني أرثه، قال ذلك له أن يرده، فقال له: يرده كله؛ قال: نعم. قال محمد بن رشد: مثل هذا في الواضحة لمطرف، وابن الماجشون، ولابن القاسم من رواية أصبغ عنه أن ذلك نافذ، ولا رد للزوج فيه بعد موتها؛ وهذا الاختلاف على القول بأن فعلها محمول على الإجازة، فمن راعى المعنى، وهو أنه إنما كان للزوج أن يرد فعلها فيما زاد على الثلث، ما دامت العصمة بينهما، من أجل ما له من الحق في مالها. قال: إن له أن يرده بعد موتها؛ لأن حقه في مالها لا ينقطع بموتها، بل يجب بوجوب الميراث له فيه؛ ومن لم يراع المعنى، قال: ليس له أن يرده بعد موتها؛ إذ ليست بزوجة له؛ لانقطاع العصمة بينهما بموتها، والقول الأول أظهر؛ لأن الأحكام إنما هي للمعاني لا للأسماء، وأما على القول بأن فعلها فيما زاد على الثلث على الرد حتى يجيزه، فلا يحتاج بعد موتها إلى رده، وقد مضى بقية القول على هذه المسألة، وما يتعلق بها من معناها، في رسم الكبش، من سماع يحيى، فلا معنى لإعادته.

стр. 6397

[مسألة: يستودع الرجل الوديعة ثم يتصدق بها على رجل] مسألة قال سحنون: وسألت ابن القاسم عن الرجل يستودع الرجل الوديعة ثم يتصدق بها على رجل يقول: اشهدوا أني قد تصدقت بالوديعة التي عند فلان على فلان، ولا يكون منه أكثر من ذلك، ولم يأمره بأن يقبض له، ثم مات؛ قال: إن علم المستودع أنه تصدق بذلك، فأراها للمتصدق عليه؛ وإن لم يعلم، فلا أرى للمتصدق عليه شيئا؛ قلت: من أي وجه؟ قال: من قبل أنه إذا علم أنه تصدق بما في يديه على رجل، فقد صار قابضا للمتصدق عليه حتى لو أراد صاحب الوديعة أخذها؛ لكان ينبغي للمستودع أن يدفعها إليه، فإن دفعها ضمنها. قال محمد بن رشد: هذه المسألة متكررة في سماع سحنون من كتاب الوديعة، وقد مضى الكلام عليها هناك مستوفى، ومضى أيضا طرف منه في رسم العشور، من سماع عيسى، من هذا الكتاب، فلا معنى لإعادة ذلك. [مسألة: مرض فتصدق على امرأته بمائة دينار في مرضه] مسألة وسئل سحنون عن رجل مرض فتصدق على امرأته بمائة دينار في مرضه، فقبضتها وحازتها، ثم إن المرأة مرضت فتوفيت قبل زوجها؛ فهل ترى لها الصدقة جائزة أو لا، والثلث واسع؟ قال: إن حملها الثلث فهي جائزة لورثة المرأة، ويقضي منها دينها إن كان عليها دين.

стр. 6398

قال محمد بن رشد مثل هذا من قول ابن القاسم في آخر رسم الجواب، من سماع عيسى: إن ذلك يكون لورثتها من ثلثه بعد موته، وإن لم تقبضها في حياته، فعلى هذا لم يحكم لها بحكم الوصية، وقد قيل: إنها يحكم لها بحكم الوصية، فيختلف من هذه المسألة على هذين القولين في خمسة مواضع قد ذكرناها في رسم الجواب المذكور، فلا معنى لإعادته. [مسألة: أعطى رجلا غلة كرمه يستغلها] مسألة وسئل سحنون عن الرجل إذا أعطى رجلا غلة كرمه يستغلها، أو سكنى داره، ثم تصدق به على ابن له صغير، فقلتم: إنه إذا كان ذلك الشيء في يد المسْكَن، أو المعطَى يوم تصدق على ابنه بذلك الشيء؛ أن كون تلك الأشياء في يد المُسكَن أو الممنوح قبض للمتصدق عليه، فكيف يكون قبضه قبضا للمتصدق عليه؛ أيقول للذي منح غلة الكرم وسكنى الدار: إني قد قبضت له، أو قد حزت له، أو يشهد المتصدق به أن فلانا الذي في يديه ذلك الشيء قد استخلفته على القبض لابني، وقد قبض ذلك. فقال: إن ذلك لحسن، وقوة الصدقة أن يشهد بذلك عليه لابنه هو والذي في يديه؛ وإن لم يشهد بذلك واحد منهما، ولم يقل شيئا، فهي حيازة للمتصدق عليه، وإن أحب أن يمنح الأرض وغلة الكرم وسكنى الدار، ثم الصداقة في فور واحد، أن

стр. 6399

يقول: أشهدكم أن سكنى هذه الدار، وغلة هذا الكرم والأرض لفلان عشر سنين، فإذا انقضت العشر سنين فهي لفلان صدقة؛ وذلك أن أصحابنا اختلفوا فيها؛ وإن لم يكن الأمر في فور واحد، جازت الصدقة، إلا أنه أقوى عندي أن يكون في فور واحد؛ لاختلاف أصحابنا فيه. قال محمد بن رشد: أما إذا سكن الدار، أو أخدم العبد، أو منح الأرض، وتصدق بالأصل في فور واحد، فلا اختلاف في أن قبض المسكن أو المخدم أو الممنوح قبض للمتصدق عليه بالأصل؛ لأن المسكن والمخدم والممنوح إنما يرتفقون بما أرفقوا من ذلك على ملك المتصدق عليه، لا على ملك المتصدق؛ إذ قد سقط حقه من جميع ذلك؛ وأما إذا تقدم الإسكان في الدار والاختدام في العبد، والمنحة في الأرض، وما أشبه ذلك للصدقة، فاختلف هل يكون قبض المسكن والمخدم والممنوح قبضا للمتصدق عليه أم لا؟ على قولين؛ أحدهما: أنه يكون قبضا، وهو قوله في المدونة. والثاني: أنه لا يكون قبضا له، فما في المدونة على قياس القول بأن المخدم يختدم العبد من يوم الصدقة على ملك المتصدق عليه لا على ملك المتصدق؛ وكذلك المسكن والممنوح. والقول الثاني على أنه إنما يختدم ويسكن ويستغل على ملك المتصدق، فلو جنى على العبد جناية؛ لكان الإرث على ما في المدونة للمتصدق عليه، وعلى القول بأنه لا يكون حائزا له للمتصدق، وقد مضى هذا المعنى في رسم الكبش، من سماع يحيى، وبالله التوفيق.

стр. 6400

[مسألة: يجوز للرجل أن يشتري كسر السؤال] مسألة وسئل سحنون هل يجوز للرجل أن يشتري كسر السؤال، فقال: نعم، قيل له: ولم، وقد جاء الحديث: «إنما هي أوساخ الناس؟» فقال: ألا ترى إلى حديث رسول الله ﷺ حيث قال: «إنها صدقة على بريرة، وهي لنا هدية» . قال محمد بن رشد: لا إشكال في جواز شراء كسر السؤال؛ إذ اختلف بين أهل العلم في أنه يجوز للمسكين بيع ما تصدق به عليه، من الزكاة وغيرها من غير الذي تصدق بها عليه، وأن يهبه ويتصدق ويفعل به ما يفعل ذو الملك في ملكه، والأصل في جواز ذلك قول النبي ﵇: «لا تحل الصدقة لغني، إلا لخمسة: لغاز في سبيل الله، أو العامل عليها، أو لغارم، أو لرجل اشتراها بماله، أو رجل له جار مسكين فتصدق على المسكين، فأهدى المسكين لغني» . فقول النبي ﵇ في هذا الحديث، «أو رجل اشتراها بماله» نص على جواز شراء كسر سؤال وغيرها من الصدقات من الذي تصدق بها عليه، إذا لم يكن هو الذي تصدق بها؛ لقول النبي ﵇ لعمر بن الخطاب في الفرس الذي حمل عليه في سبيل الله: «لا تشتره وإن أعطاكه بدرهم. فإن العائد في صدقته، كالكلب يعود في قيئه» فالاستدلال بهذا الحديث على ما سأل عنه السائل من شراء كسر السؤال، أولى من الاحتجاج بحديث بريرة الذي احتج به سحنون، وإن كانت

стр. 6401

الحجة به صحيحة، والاستدلال به ظاهر؛ لأنه إذا كان لنبي ﵇ أن يأكل الصدقة المحرمة عليه، فانتقالها إليه من عند الذي تصدق بها عليه بالهدية، جاز للغني أن يأكل الصدقة المحرمة عليه بانتقالها إليه أيضا من عند الذي تصدق به عليه بالشراء، أو بسائر الأشياء التي تنتقل بها الأملاك عن ملاكها، ولما اعترض عليه السائل فقال له: ولم أجزت للرجل شراء كسر السؤال، وقد جاء الحديث إنما هي أوساخ الناس، لم يرد عليه اعتراضه، وعارضه بالحديث الذي نزع به، فصار في ظاهر أمره مسلما لاعتراضه، وكان الوجه أن يرد عليه اعتراضه، ويبطله ولا يعارضه، بأن يقول له: ليس هذا موضع الحديث الذي اعترضت به؛ لأنه إنما جاء في تحريم النبي ﵇ الصدقة على أنه أن يأخذوها ممن وجبت عليهم تطهيرا لأموالهم، فقال: «لا تحل الصدقة لآل محمد، إنما هي أوساخ الناس يغسلونها عنهم» وأما أخذها من غير الذي ظهر بها ماله بوجه، يجوز من شراء أو عطية، فذلك جائز؛ لأنها ليست بأوساخ في هذا الموضع، وبالله التوفيق.

стр. 6402

[: يتصدق بالعبد على الرجل فيعتقه المتصدق من قبل أن يقبضه المتصدق عليه] من سماع محمد بن خالد وسؤاله ابن القاسم. قال محمد بن خالد: قلت لابن القاسم، فالرجل يتصدق بالعبد على الرجل فيعتقه المتصدق من قبل أن يقبضه المتصدق عليه، فقال ابن القاسم: أرى عتقه ماضيا، ولا شيء للمتصدق عليه؛ قال: قلت لابن القاسم: فلو كانت جارية فوطئها فحملت منه؟ فقال ابن القاسم: هي أم ولد له، قلت لابن القاسم: ولا تؤخذ منه قيمتها للمتصدق عليه، فقال ابن القاسم: لعل ذلك أن يكون. قال محمد بن رشد: قوله في الذي تصدق بالعبد، ثم أعتقه أن العتق أولى من الصدقة، هو قوله وروايته عن مالك في العتق الثاني من المدونة، زاد فيها: وسواء علم المتصدق عليه بالصدقة أو لم يعلم، وقال المخزومي: هذا إذا كان إشهاده بالصدقة، وبين ما أحدث من العتق، ما لو علم المتصدق عليه بالصدقة بطلب الحوز، أمكنه ذلك؛ وأما إن لم يكن بين إشهاده على الصدقة، وبين ما أحدثه من العتق قدر ما يمكن فيه الحوز، لو علم، فالصدقة ماضية، ويبطل العتق؛ وقول المخزومي عندي خلاف مذهب ابن القاسم؛ إذ لا فرق في القياس بين أن لا يعلم وبين ألا يكون بين الصدقة والعتق ما يمكن فيه الحوز لو علم، فقول ابن القاسم أظهر؛ لأنه إنما رأى العتق أولى من الصدقة بكل حال، مراعاة لقول من يقول: إن

стр. 6403

للمتصدق أن يرجع في صدقته، ما لم تحز عنه، ويقبضها المتصدق عليه منه، فهو استحسان في العتق لحرمته؛ والذي يأتي على مذهب مالك في أن الصدقة تجب على المتصدق، ويحكم عليه بها، وإن لم تقبض منه، أن تصح الصدقة ويبطل العتق، وهو قول ابن القاسم، في سماع عبد الملك بن الحسن؛ ويحتمل أن يكون قول ابن وهب؛ إذ لم ينص في الرواية على اسم واحد منهما، وإنما قال فيها، وسئل بعد أن تقدم ذكرهما جميعا، ولا وجه لتفرقة المخزومي بين ألا يكون بين الصدقة والعتق من المدة ما يمكن فيه الحوز، وبين أن يكون بينهما ما يمكن فيه الحوز، فلا يعلم؛ لأنه إذا لم يعلم فلم يمكنه الحوز؛ والصحيح في هذه المسألة على ترك مراعاة قول أهل العراق، أن تكون الصدقة أولى من العتق، إلا أن يكون المتصدق عليه علم بصدقته، ففرط في الحوز، حتى أحدث المتصدق العتق؛ فيتحصل على هذا في المسألة أربعة أقوال؛ أحدها: أن العتق أولى على كل حال، وهو مذهب ابن القاسم، وروايته عن مالك. والثاني: أن الصدقة أولى على كل حال، وهو الذي يأتي في سماع عبد الملك. والثالث: قول المخزومي: إن العتق أولى على كل حال، إلا أن يكون بين الصدقة والعتق ما يمكن فيه الحوز من المدة. والرابع: ما أحدثه من أن تكون الصدقة أولى من العتق إلا أن يكون المتصدق عليه علم بصدقته، ففرط في الحوز حتى أحدث المتصدق العتق، وسيأتي في سماع عبد الملك، إذا قال الرجل في عبده نصفه صدقة على فلان، ونصفه حر، ونتكلم على تحصيل القول في ذلك إن شاء الله. ويأتي في أول سماع أصبغ الواقع في آخر الكتاب إذا تصدق به ثم باعه، فنتكلم عليه إن شاء الله؛ وأما إذا تصدق بجاريته على رجل ثم أحبلها قبل أن

стр. 6404

يقبضها المتصدق عليه، فيجري الأمر في ذلك على قياس ما تقدم في العتق في الوجوه كلها، حيثما كانت الصدقة أولى من العتق، كان للمتصدق عليه أن يأخذ الجارية وقيمة ولدها، أو قيمتها يوم أحبلها دون قيمة ولدها على اختلاف قول مالك المعلوم في ذلك؛ وحيثما كان العتق، أولى من الصدقة كانت أم ولد للمتصدق بها؛ واختلف هل تكون عليه قيمتها للمتصدق عليه بها أم لا؟ فقال في هذه الرواية: لعل ذلك أن يكون؛ وقال في سماع أصبغ الواقع في آخر الكتاب ذلك بمنزلة العتق، وهو قول أصبغ؛ وقال ابن وهب في سماع عبد الملك بعد هذا، أن عليه القيمة للمتصدق عليه وهو الصحيح؛ لأنه أفاتها عليه باستمتاعه بوطئها، وله الاستمتاع بها فيما يستقبل، فلا يبطل حق المتصدق عليه بها، وهو يستمتع بها، ولو باعه المتصدق عليه، فلم يقبض ذلك المشتري حتى مات المتصدق والصدقة بيده، فقال مطرف وابن الماجشون وابن حبيب، وعيسى بن دينار البيع حوز، وهي جائزة للمبتاع؛ وقال أصبغ: ليس البيع بحوز، وفي كتاب العيوب من المدونة دليل على القولين جميعا، قال مطرف: وكذلك لو وهبه، وقال ابن الماجشون لا تكون الهبة حوزا؛ لأنها تحتاج إلى حوز، ولا يحتاج العتق والبيع إلى حوز؛ وقال أصبغ: لا تكون حوزا، إلا في العتق وحده. [: أعطى رجلا قرية أو دورا أو غلاما عطايا حازها المعطى وقبضها] من سماع عبد الملك بن الحسن من ابن القاسم قال: وأخبرني عبد الملك بن الحسن، عن عبد الرحمن بن القاسم أنه سئل عن رجل أعطى رجلا قرية أو دورا أو غلاما عطايا، حازها المعطى وقبضها، غير أنه شرط عليه في عطيته شرطا، وكتب عليه به كتابا إن مات المعطي قبل المعطى، فالعطية ماضية

стр. 6405

للمعطى، وإن مات المعطى قبل المعطي رجع المال إلى المعطي، وكان أولى بماله، ولم يكن فيها مورثا لورثة المعطى، فعلى هذا أعطى، وبه كتب عليه وأشهد. فمات المعطي وبقي المعطى والمال بيده؛ فهل تكون للمعطى؟ أو كيف يكون أمرها، وكان المعطى خصما؟ قال ابن القاسم: أراها من الثلث بعد موت المعطي إذا هلك قبل المعطى، وهو قول مالك أو ما أشبهه. قال محمد بن رشد: قد تكررت هذه المسألة، ومضى القول فيها مستوفى في أول سماع يحيى، فلا معنى لإعادته. [مسألة: له ولدان فأعمر أحدهما داره جعلها له سكنى حياته] مسألة قال عبد الملك بن عبد العزيز بن أبي سلمة فيمن كان له ولدان، فأعمر أحدهما داره جعلها له سكنى حياته، فمات الأب وقد قبضها الولد وحازها؛ قال: يكون نصف الدار له بميراثه يصنع به ما شاء إن شاء باع، وإن شاء حبس، ويسكن النصف الآخر على ما عاش؛ فإذا مات، صار إلى أخيه أو إلى ورثته إن مات أخوه، وقال أصبغ بن الفرج مثله. قال محمد بن رشد: هذه مسألة بينة لا اختلاف فيها، ولا إشكال في شيء من معانيها، على مذهب مالك في أن العمرى ترجع إلى المعمر إذا مات المعمر؛ والخلاف فيها خارج عن المذهب، قيل: إنه

стр. 6406

تكون للمعمر ملكا، وإن لم تكن معقبة، وقيل: إنه إنما تكون له ملكا إذا كانت معقبة، للآثار الواردة في ذلك عن النبي ﵇، ولم يأخذ بها مالك لمخالفة العمل بها على أصله في أن العمل المتصل بالمدينة مقدم على أخبار الآحاد، لا سيما إذا خالفت الأصول كهذه، وقيل: إنه لم يخالفها، وإنما تأولها على مذهبه، والأول أظهر، والله أعلم. [مسألة: يتصدق على ابن ابنه برأس] مسألة قال: وسألت عبد الله بن وهب عن الرجل يتصدق على ابن ابنه برأس، وهو صغير، وأبو ابن ابنه المتصدق عليه، فيوكل الجد وكيلا يحوز لابن ابنه ذلك الرأس، فعمد ذلك الوكيل إلى ذلك الرأس فكاتبه إلى أعوام بكتابة منتقضة أو غير منتقضة، ثم يقيم الرأس في خدمة المتصدق يختدمه بحال ما كان قبل الصدقة إلا أن ابن ابنه الذي تصدق به عليه يكون معهم طعامهم واحد، ومنامهم واحد، وذلك الرأس يخدمهما جميعا حتى مات الجد المتصدق، فقام ورثة الجد إلى الرأس، فأخذوه وقالوا: للغلام الذي تصدق عليه به أنه لم يحزه حائز، وقال الغلام وأبوه إن الذي كان وكل بالنظر له والحوز عليه، قد كاتب عليه ذلك الرأس،

стр. 6407

وكان في الكتابة أن يخدم المتصدق عليه حتى يؤدي كتابته؛ فهل يكون هذا حوزا للذي تصدق به عليه، ولم يؤد المكاتب من كتابته شيئا حتى هلك المتصدق به؛ قال: سواء كانت الكتابة منتقضة أو غير منتقضة إذا كان العبد إنما ترك ثبت في ناحية الجد المتصدق لمكان ابن الابن المتصدق عليه وخدمته، فهو يقوم بخدمته والقيام عليه، فلا يضره إن خدم الجد المتصدق أحيانا بعد أن يكون قد أخرجه من يده حين تصدق به إلى هذا الرجل يحوزه مكاتبه على وجه النظر، وهو يرى أنه يحوز له، فهو إن كانت كتابته جائزة، فإنما إقامته تطوع، وخدمته وإن كانت ليست بكتابة للشرط الذي اشترطه عليه في الخدمة مع أنها ليست بكتابة أصلا، وإنما رده على الخدمة للصبي لحاجته إليه؛ فأراها صدقة ماضية له، ليس لورثة الجد فيه قليل ولا كثير. وقال أشهب: نعم، هو حوز له، ولم يكن يجوز للذي جعل العبد على يديه يحوزه للغلام أن يكاتبه إلا بإذن أبيه، فأما إذا أقر بذلك

стр. 6408

أبو الغلام ولم ينكره، فالكتابة جائزة بإقراره بهما. قال محمد بن رشد: قول ابن وهب هذا في الكتابة بشرط ألا يخرج المكاتب عن خدمة سيده، أنها ليست بكتابة أصلا، خلاف قول ابن القاسم في سماع أصبغ عنه، من كتاب المكاتب أنها كتابة جائزة والشرط لازم؛ وقال أصبغ: يسقط الشرط وتنفذ الكتابة؛ وأما قوله: إن العبد إن كان ثبت في ناحية الجد المتصدق؛ لمكان ابن ابنِ المتصدق عليه وخدمته، فلا يضره أن خدم الجد المتصدق أحيانا، هو نحو ما في رسم اغتسل من سماع ابن القاسم من قول مالك، وقد مضى الكلام على ذلك هنالك مستوفى، وفي رسم الأقضية الثاني من سماع أشهب، فلا معنى لإعادته. [مسألة: يتصدق على ابن له في حجره صغير] مسألة قال: وسألت عبد الله بن وهب عن الرجل يتصدق على ابن له في حجره صغير، أو بنت بكر في حجره بكتابة مكاتب له، فيقتضي الأب الكتابة بعد ذلك، وهي كتابة معروفة، ثم يهلك الأب بعد ذلك فيقوم ابنه أو ابنته المتصدق عليها بالكتابة، تطلب تلك الكتابة في مال أبيها، فتقوم البينة على الصدقة، وعلى قبض الأب الكتابة بعد ذلك، ولا يدري الشهود ما فعل الأب بها، فهل تؤخذ من تركة الأب، وتكون بمنزلة دين ثبت عليه، أم لا تكون الصدقة ماضية

стр. 6409

إذا لم يضع ذلك له على يدي غيره؛ قال: إن لم يكن إلا ما وصفت، فالصدقة باطلة لا ينعقد منها شيء، وهي ميراث بين الورثة؛ لأن الذي ذكرت ليست بحيازة بينة ولا تامة ولا قبض معروف، فلا أرى ذلك شيئا، إن لم يكن إلا ما قصصت، وقال أشهب: أراها ميراثا، ولا شيء للابن إذا لم يضع ذلك له على يدي غيره، مثل قول ابن وهب. قال محمد بن رشد: اتفق ابن وهب وأشهب في هذه الرواية على أن الرجل إذا وهب لابنه الصغير كتابة مكاتب له، لا يكون المكاتب حائزا له ما عليه من الكتابة، وذلك على قياس ما في المدونة من قوله أن الكتابة ليست بدين ثابت، وإنما هي جنس من الغلة، وقد قيل: إنها كالدين يكون المكاتب حائزا لها عن سيده لابنه إذا وهبها له؛ وأما إذا كان للرجل دين على عبده من مبايعة أو سلف، فوهبه لابنه الصغير، فإنه يكون حائزا له كما لو كان الدين له على أجنبي، فوهبه لابنه حسبما مضى في رسم الرطب واليابس من سماع ابن القاسم؛ لأن دين الرجل على عبده دين من الديون يحاص به الغرماء، وهو معنى ما في نوازل أصبغ على الصحيح من التأويل، وقد قال بعض المتأخرين: إن الدين الذي للسيد على عبده كالكتابة، في أنه لا يكون حائزا لما عليه منه إذا وهبه السيد لابنه وهو بعيد؛ وأما ما بيد العبد لسيده، فهو بمنزلة ما بيد سيده إن وهبه السيد لابنه الصغير، وهو عرض مما يحوزه الأب لابنه إذا وهبه إياه، كان العبد حائزا له؛ واختلف إذا تصدق الرجل على ابنه الصغير بما بيده من العروض التي تجوز حيازته لها إذا وهبها لابنه، فجعلها بيد غيره؛ فقال ابن

стр. 6410

الماجشون أن ذلك لا يجوز؛ لأنه بمنزلة من قال: لا أحوز لابني، ثم أبقاه بيده، والصحيح أن ذلك جائز، إلا أن تكون دنانير أو دراهم مما لا يحوزها الأب لابنه إذا وهبه إياها، إلا أن يخرجها من يديه إلى غيره يحوزها له، وبالله التوفيق. [مسألة: قال لابنه إن ضمنت عني الخمسين دينارا التي علي فداري صدقة عليك] مسألة وسئل عن رجل قال لابنه: إن ضمنت عني الخمسين الدينار التي لفلان علي، فداري صدقة عليك، فضمن عنه، فقال: لا صدقة له ولابنه إن شاء أن يرجع عن الضمان رجع. قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله؛ لأن ذلك ليس بصدقة إنما هو بيع بضمان، وهي غرر لا يحل ولا يجوز، فالدار راجعة إلى الأب، والضمان ساقط عن الابن، إلا أن يشاء أن يلتزمه باختياره دون عوض، وبالله التوفيق. [مسألة: قال نصف غلامي صدقة على فلان ونصفه حر] مسألة وسئل عمن قال: نصف غلامي صدقة على فلان ونصفه حر، قال: يقوم كله ويعتق نصف قيمته يدفعها إلى المتصدق عليه. قال القاضي: اختلف قول ابن القاسم في هذه المسألة على قولين؛ أحدهما: أنه يقوم عليه نصيب المتصدق عليه لتقدم الصدقة قبل العتق؛ لأنه لما تصدق ببعضه صار كالعبدين الشريكين يعتق أحدهما نصيبه، أنه يقوم
следующие страницы →