Полный текст (9 112 стр.). Показаны 6476–6515 · переход к 6481.
стр. 6476
[: هلك وله امرأة وترك جارية حاملا]
ومن كتاب أوله مرض وله أم ولد قال وسئل مالك عن رجل هلك وله امرأة وترك جارية حاملا فأراد ورثته أن يصالحوا امرأته على حقها، قال مالك لا يصح في مثل هذا الصلح؛ لأنه لا يدري أيكون لها ثمن أو ربع، فلا أرى هذا يجوز (ولا أحبه) .
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله أن ذلك لا يجوز؛ لأن الزوجة صالحت قبل أن تعلم إن كان يجب لها ثمن أو ربع؛ لأنها إن ولدت حملها ميتا، أو انفش، وجب لها الربع، وإن ولدته حيا وجب لها الشيء؛ وصالحها الورثة قبل أن يعلموا ما وجب لهم من الميراث وإن كان يجب لهم منه شيء أم لا؛ لأنها إن ولدت حملها حيا ذكرا، لم يجب لهم شيء، وإن ولدته حيا أنثى وجب لهم ثلاثة أثمان المال، وإن ولدته ميتا، وجب لهم ثلاثة أرباعه، فالصلح غرر من جهة الزوجة ومن جهة الورثة، ولو لم يكن الصلح غررا، مثل أن يترك الميت حملا وبنين، فصالح البنون الزوجة عن ثمنها فيما تخلفه أبوهم بعرض أو بعين عما تخلفه من العروض، لما جاز الصلح على الحمل إن وضعته حيا، إلا أن يجيز ذلك الناظر له، لما يراه فيه من الغبطة له؛ وقد رأيت لابن دحون في هذه المسألة كلاما فيه نظر، قال إنما لم يجز هذا الصلح؛ لأن الذي في البطن ليس ثم أحد يصالح عنه، ولا يجوز الصلح عنه؛ وليس ما اعتل به في الكتاب صحيحا؛ لأن الميت لو كان له ابن وترك حملا لم يجز صلح المرأة مع علمنا بأن نصيبها الثمن من غير
стр. 6477
شك؛ لأن الحمل لا يصالح عنه، وأشهب يجيز هذا الصلح عن الحمل إذا كان نصيب المصالحة معلوما مثلما ذكرناه، هذا نص كلامه، فقوله إنما لم يجز هذا الصلح؛ لأن الذي في البطن ليس ثم أحد يصالح عنه ولا يجوز الصلح عنه؛ ليس بصحيح؛ لأن الفساد أملك به، للغرر الواقع فيه بين المتصالحين، إذ لم يدر واحد منهم مقدار ما صالح عنه على ما بيناه من الحق الواجب في فسخه للمولود، إذ ليس الصلح بفاسد من جهته، فلو لم يكن فيه غرر من جهة المتصالحين، لجاز إن أجازه الناظر للمولود. وقوله: وليس ما اعتل به في الكتاب صحيحا؛ لأن الميت لو كان له ابن وترك حملا لم يجز صلح المرأة مع علمنا بأن نصيبها الثمن من غير شك؛ لأن الحمل لا يصالح عنه؛ ليس بصحيح أيضا؛ لأن الميت إذا لم يترك ولدا، فالصلح فاسد لا يجوز إمضاؤه، للغرر الواقع بين المتصالحين فيه، وإذا ترك ولدا فالصلح ليس بفاسد، وإنما هو غير جائز على المولود إن ولد حيا، إلا أن يجيزه الناظر له؛ وفي قوله: وأشهب يجيز هذا الصلح عن الحمل إذا كان نصيب المصالحة معلوما - نظر؛ لأنه يقتضي أن غيره يخالفه في ذلك، ولا خلاف عندي في أن للناظر على الحمل أن يجيز الصلح عليه ويمضيه إذا رآه نظرا له، ولم يكن فيه غرر ولا فساد، لعلم الزوجة بنصيبها (ولا خلاف عندي في أن للناظر على الحمل أن يصالح الزوجة عنه قبل أن يوضع - إذا كان نصيبها معلوما) ، وبالله التوفيق.
[: أتاه ابن عم له فسأله أن يسكنه مسكنا]
ومن سماع أشهب وابن نافع
من مالك من كتاب الأقضية قال سحنون أخبرني أشهب وابن نافع، قالا سئل مالك عمن
стр. 6478
أتاه ابن عم له فسأله أن يسكنه مسكنا، فقال نعم، خذ مسكنا كذا وكذا، فقال لا أريد ولكن أعطني مسكنا كذا وكذا؛ فقال لا أقدر على ذلك، هو لامرأتي، ثم جاء ابن عم له آخر، فسأله إياه، فقال لا أقدر على ذلك هو لامرأتي؛ ثم بلغ ذلك امرأته فخاصمته على المسكن، فقال إنما قلت ذلك تمخيا منهما، وشهد بذلك عليه؛ أترى المنزل لها؟ فقال ما أرى ذلك لها، ليس هذا على وجه العطية، والناس يتمخون بمثل هذا؟ فلا أرى لها شيئا؛ قد يطلب السلطان من الرجل العبد، أو الأمة، فيقول في الغلام مدبرا ويقول في الجارية قد ولدت مني مخافة أن يأخذهما منه، فلا يلزمه ذلك؛ وليس مثل هذا شهادة ولم يشهدوا على ذلك، فلا أرى تلك شيئا، وقد قال إبراهيم ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ [الأنبياء: ٦٣] ، وقد خرج عمر بن الخطاب إلى الشام فتلقاه عجمها يركب خلف أسلم، وقلب فروه فجعلوا كلما لقوا أسلم، قالوا أين أمير المؤمنين؟ فيقول أمامكم، أمامكم حتى أكثروا- وعمر يسمع ذلك ولا ينهاه؛ فهذا تصاريف الكلام؛ فقال له عمر: أكثرت عليهم، أخبرهم الآن؛ فسألوه: فقال هو هذا؛ فوقفوا كالمتعجبين من حاله، فقال: عمر لا يروه على كسوة قوم غضب الله عليهم، فنحن تزدرينا أعينهم، ثم لما يزل قابضا بين عينيه حتى لقيه أبو عبيدة
стр. 6479
ابن الجراح فضحك وقال له أنت أخي حقا لم تغيرك الدنيا؛ ولقيه على بعير خطامه حبل شعر أسود، قال مالك وتلقى عمر يومئذ ببرذون عار فركبه ثم نزل عنه وسبه، فقيل له: ما له؟ فقال حملتموني على شيطان حتى أنكرت نفسي! وقد روى عيسى عن ابن القاسم مثل هذا سواء في الرجل يقال له أتبيع جاريتك؟ فقال هي لامرأتي، أو لرجل أجنبي، ثم تدعي ذلك المرأة والرجل الأجنبي في حياته، أو بعد موته؛ لا شيء لهما، إلا أن يأتيا عليه بشهود بصدقة قد جرت، أو هبة؛ قال: وسواء قال هي لامرأتي، أو قال هي جارية امرأتي؛ وإنما هي كذبة كذبها، وكلام اعتذر به.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة حسنة جيدة صحيحة، وسيأتي مثلها بزيادة عليها في الذي تخطب إليه ابنته فيقول قد زوجتها فلانا في رسم العشور من سماع عيسى بعد هذا، وقد مضى مثلها في رسم البز من سماع ابن القاسم من كتاب الصدقات والهبات، والكلام عليها هناك مستوفى ولا فرق عند مالك بين أن يقول في اعتذاره هو لفلان أو قد تصدقت به على فلان على ما قاله في أول سماع أشهب منه، خلاف ما ذهب إليه أصبغ من الفرق بين ذلك على ما يأتي له في رسم العشور المذكور من هذا الكتاب، وأن معنى ذلك إنما هو إذا عرف الملك له؛ وأما إذا لم يعرف الأصل له، فإقراره به للمقر له وإن كان على هذا الوجه من الاعتذار عامل على ما يأتي في رسم الكبش من سماع يحيى من كتاب العتق، وهو دليل قوله في رسم العشور بعد هذا من هذا الكتاب، وبالله التوفيق.
стр. 6480
[: كانت في يده جارية فجاءه قوم فقالوا نحن نشهد أن هذه الجارية مسروقة]
ومن كتاب الأقضية الثالث وسئل عن رجل كانت في يده جارية فتسوق بها، فجاءه قوم فقالوا نحن نشهد أن هذه الجارية مسروقة، ثم ذهبوا عنه ورجعوا إلى بلادهم؛ أترى أن يخلفها هاهنا بالمدينة، أو يسير بها معهم إلى مصر، فإن جاءوا يطلبونها وجدوها من قريب؛ قال: يسير بها معهم إلى مصر، هو أحب إلي من أن يخلفها بالمدينة، فإن جاءوا يطلبونها، اشتدت مؤونتها. قلت له أرأيت إن خلفها فماتت، أترى لهم عليه ضمانا؟ فقال لا أرى ذلك عليه، وليس عليه في هذا ضمان؛ وأنا أحب أن يشهد قوما عليها فيقول هذه الجارية اعترفت في يدي، ثم ذهب الذين اعترفوها فلم يأتوني؛ فإذا كان هكذا، فلا بأس، وأحب إلي أن يسير بها معه ولا يبيعها؛ فقال لا آمره بذلك.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة بينة، ظاهرة المعنى، فلا وجه للقول فيها، وبالله التوفيق.
[مسألة: قال له إن لي عليك عشرة دنانير من ثمن سلعة بعتكها]
مسألة وسئل مالك عمن أتى رجلا فقال: له إن لي عليك عشرة دنانير من ثمن سلعة بعتكها، فقال الرجل لا، ولكن لك عندي عشرة دنانير وديعة استودعتنيها فضاعت، القول قول من زعم أنها وديعة، ويحلف أنها ما كانت إلا وديعة، وأنها قد ضاعت، ولا شيء عليه.
стр. 6481
قال محمد بن رشد: هذه مسألة بينة صحيحة لا إشكال فيها، إذ لا يؤخذ أحد "بأكثر مما يقر به على نفسه، وقد قال رسول الله ﷺ : «البينة على من ادعى واليمين على من أنكر» . والذي ادعى العشرة دنانير من ثمن سلعة باعها مدع، عليه إقامة البينة؛ والذي أنكر ذلك مدعى عليه، فعليه اليمين؛ والقول قوله في تلف الوديعة التي أقر بها، كما لو ثبتت عليه فادعى تلفها؛ ولا اختلاف في هذه المسألة؛ لأن الذي ادعى عليه العشرة من الشراء، منكر أن يكون اشترى، فالقول قوله إنه ما اشترى منه شيئا، بخلاف إذا دفع إليه مائة أو عشرة، فقال الدافع دفعتها إليك سلفا، وقال القابض بل دفعتها إلي وديعة فضاعت، هذه يختلف فيها، فيقول ابن القاسم القول قول الدافع، ويقول أشهب القول قول القابض على أصله في أنه لا يؤخذ أحد بأكثر مما يقر به على نفسه، وهو قول مالك، رواه عنه ابن وهب، وقول ربيعة، وبالله التوفيق.
[: في يديه دور فيأتي رجل فيقول إن هذه الدور لجدي]
ومن كتاب الأقضية الذي فيه مسائل
ابن القاسم وسأل ابن كنانة مالكا عن الرجل في يديه دور، فيأتي رجل فيقول إن هذه الدور لجدي، فيسأل عن ذلك؛ أيقر أم ينكر
стр. 6482
ويقول ليقم البينة على ما ادعى، فأما أنا فلا أقر ولا أنكر؛ أيجبر على ذلك، أم يترك على حاله ويقال للمدعي أقم البينة، فقال: اكتب إليه، لا بل يجبر حتى يقر أو ينكر، لا يترك وما أراد.
قال محمد بن رشد: المعنى في هذه المسألة، أن المدعي للدور التي في يدي الرجل أنها لجده، يعلم أنه وارث جده بتثبيت المواريث بذلك أو بإقرار المدعى عليه له بأنه وارثه، إذا لو لم يعلم بأنه وارثه لم يجب على المدعى عليه أكثر من اليمين أن الدور حقه وماله وملكه، لا حق له فيها معه بإجماع واتفاق؛ وأما إذا علم أنه وارثه، فقال في هذه الرواية إنه يلزم المدعى عليه أن يقر بأن الدور لجده يريد فيأخذها إذ قد علم ميراثه له، أو ينكر - يريد فيكلف الطالب إثبات ملك جده لها، وأنه لم يفوتها في علم من شهد بذلك إلى أن توفي عنها، فإن أبى أن يقر أو ينكر، أجبر على ذلك؛ مثل هذه الرواية حكى ابن المواز عن مالك من رواية ابن الماجشون عنه، وقال إنها صواب، وحكى ابن العطار أن العمل جرى بها، وهي تحمل على أنها خلاف لما في المدونة لقوله فيها وإن لم يثبت لم يسأل الذي في يديه الدار عن شيء، فمن ذهب إلى أنها خلاف لما في المدونة، قال: الذي يأتي على مذهبه في المدونة أنه إذا ادعى أن الدور لجده وثبت المواريث لم يسأل الذي في يديه الدور: من أين صارت إليه، ولا إن كانت لجده أم لا، وإنما يسأل هل يقر أن الدور له أم ينكر ذلك بأن يقول إنها مالي وملكي، لا حق له معي فيها، ولا أعلم له حقا معي فيها. وقد اختلف هل يحلف على ذلك أم لا، فقيل إنه يحلف، وقيل إنه لا يمين في دعوى الأصول؛ وليس في المدونة) - عندي - ما يخالف هذه الرواية بنص ولا دليل؛ لأنه إنما تكلم فيها على أن الطالب أثبت أن الدار لجده، فقال: إن ثبتت المواريث، كلف أن
стр. 6483
يقيم البينة على الوجه الذي صارت إليه من قبل جده، أو من قبله هو بما يصح أن يثبت به ذلك، وإن لم تثبت المواريث، لم يسأل الذي في يديه الدار عن شيء؛ معناه لم يسأل من أين صارت إليه، ولا هل كانت لجده أم لا؟ ولا يلزمه أكثر من أن يقر أو ينكر- بأن يقول إن الدار ماله وملكه، لا حق للقائم فيها معه؛ فتحصيل القول في هذه المسألة، أن الطالب إذا لم يثبت المواريث، فسواء أثبت أن الدار لجده أو لم يثبت ذلك، لا يلزم المقوم عليه سوى التوقيف على الإقرار أو الإنكار؛ وإذا ثبت أن الدار لجده، وثبتت المواريث، كلف الذي هي في يده أن يثبت تصييرها إليه من قبل الذي ثبتت له بما يصح أن يثبت به ذلك من بينة على القطع أو على السماع مع طول الحيازة، إلا أن يكون الطالب حاضرا معه مدة تكون الحيازة عليه فيها عاملة؛ واختلف إذا ثبتت المواريث ولم يثبت أن الدار لجده، فقيل إنه لا يلزم المطلوب أكثر من أن يوقف على الإقرار أو الإنكار، وهو الذي ذكرنا أنه يتأول على ما في المعونة. وليس ببين فيها؛ وقيل إنه يوقف ويسأل من أين صارت إليه، وهل كانت لجد القائم وهو قول مالك في هذه الرواية، قال: إنه يجبر على ذلك، قيل: بالسجن وقيل: بالضرب؛ وليس ذلك عندي اختلافا من القول، وإنما معناه أنه إن أبى أن يقر أو ينكر، المراد أجبر على ذلك بالسجن والضرب؛ وإن قال لا أقر ولا أنكر؛ لأني لا يقين عندي من ذلك، استبرئ أمره بالسجن، فإن تمادى على شكه، قضي للطالب بحقه- قيل بيمين - وهو مذهب ابن القاسم على ما له في كتاب تضمين الصناع من المدونة في المتبايعين يختلفان في ثمن السلعة، فيموتان وهي قائمة- أن ورثتهما يتحالفان ويتفاسخان إن ادعيا معرفة الثمن، وإن ادعى أحدهما معرفته وجهل الآخر، كان القول قول من ادعى المعرفة منهما مع يمينه، وعلى ماله أيضا في رسم نقدها بعد هذا من سماع عيسى في الذي يقر للرجل بأحد ثوبين بعينهما،
стр. 6484
ولا يدري أيهما هو، أن المقر له يحلف إن ادعى أجودهما، وقيل بغير يمين؛ وإلى هذا ذهب محمد بن المواز، واستحسن إذا تمادى على شكه أن يحلف أنه ما وقف عن الإقرار أو الإنكار، إلا إنه على غير يقين؛ فإن حلف على ذلك، قضى للطالب بحقه دون يمين؛ قاله في المال مثل أن يدعي رجل على رجل بستين دينارا فيقر له بخمسين، ويأبى أن يقر أو يفكر في العشرة، وقاله أيضا في الدور إنه إن أبى أن يقر أو ينكر، قضي للطالب دون يمين، وكذلك إذا أبى أن يقر أو ينكر إلدادا بصاحبه، فتمادى على إبايته بعد السجن والضرب، يقضي للطالب بحقه - قيل بيمين، وقيل بغير يمين، وبالله التوفيق.
[: يدعي زيتونا قبل رجل أن له أصله وثمره]
من سماع عيسى بن دينار (من ابن القاسم)
من كتاب نقدها قال عيسى بن دينار (سئل ابن القاسم) عن الرجل يدعي زيتونا قبل رجل، أن له أصله وثمره، وأثبت شاهدا واحدا، فطلب أن يجعل وكيلا له على الثمرة يحوزها في الجني والعصر حتى يستحق حقه، وطلب الذي هي في يديه، أن يقوم عليها ليبيعها، وجل الناس- عندنا- لا يبيعون إنما يعصرون؛ قال إن كان الشاهد عدلا، فينبغي للوالي أن يحلفه عليها ويدفع إليه الثمرة
стр. 6485
وإن كان ممن لا يقضي باليمين مع الشاهد، فإني أرى للوالي أن ينظر إلى الذي فيه النماء والفضل في بيعه أو عصره فيوكل به رجلا يثق به من عنده ويوقفه، فإن أتى بشاهد آخر دفعت إليه ولا أحلفه بالله: إنه ما يعلم أن ما ادعى صاحبه حق، ثم يدفعه إليه، فإن نكل حلف الطالب ودفع إليه؛ فهذا وجه ثان فيه.
قال محمد بن رشد: اختلف في تأويل هذه المسألة، فقيل المعنى فيها أن المدعي ادعى الأصول والثمرة جميعا، مثل أن يقول اشتريتها بثمرتها أو أقام على ذلك شاهدا واحدا، فلذلك وقفت له الثمرة بالشاهد الواحد، إذا كان الوالي لا يرى القضاء باليمين مع الشاهد، فإن أتى بشاهد آخر دفعت إليه، وقيل: بل إنما ادعى الأصول خاصة، فرأى توقيف الثمرة بشهادة الشاهد الواحد، وهو الذي يأتي على ماله في آخر رسم العرية بعد هذا في الذي يدعي الدابة ويقيم عليها شاهدا واحدا فتموت الدابة قبل أن يقضى له باليمين مع شاهده أنه يحلف وتكون المصيبة فيها منه؛ لأنه إذا رأى الضمان منه بالشاهد الواحد، التوقيف والغلة تابعان له، وقد اختلف في الحد الذي يدخل فيه الشيء المستحق في ضمان المستحق، وتكون الغلة له، ويجب التوقيف به على ثلاثة أقوال، أحدها: أنه لا يدخل في ضمانه ولا تجب له الغلة حتى يقضى له به، وهو الذي يأتي على قول مالك في المدونة أن الغلة للذي هي في يديه حتى يقضى بها للطالب، وعلى هذا القول لا يجب توقيف الأصل المستحق وتوقيف، يحال بينه وبينه، ولا توقيف غلة وهو قول ابن القاسم في المدونة أن الرباع التي لا تحول ولا تزول ولا توقف مثل ما يحول يزول، وإنما توقف وقفا يمنع فيه من الأحداث والثاني: أنه يدخل في ضمانه وتكون له
стр. 6486
الغلة ويجب توقيفه وقفا يحال بينه وبينه إذا ثبت له بشهادة شاهدين أو شاهد وامرأتين، وهو ظاهر قول مالك في موطئه، إذ قال فيه أن الغلة للمبتاع إلى يوم يثبت له الحق؛ وقول غير ابن القاسم في المدونة إذ قال أن التوقيف يجب إذا أثبت المدعي حقه وكلف المدعى عليه المدفع، وعلى هذا القول جرى عندنا حكم الحكام، والثالث: أنه يدخل في ضمانه وتجب له الغلة والوقف بشهادة شاهد واحد وهو الذي يأتي على ما قاله ابن القاسم في رسم العرية في الضمان- حسبما ذكرناه، ويقوم من هذه الرواية على التأويل بأن المدعي إنما ادعى الأصل خاصة، أن الحد فيما يكون به الثمرة في الاستحقاق غلة فيستوجبها المستحق منه ببلوغها إليه، قيل بالحكم والقضاء وقيل بثبوت الحق بشهادة شاهدين، وقيل بشهادة الشاهد الواحد على الاختلاف الذي ذكرناه الجني في الزيتون، والجداد في الثمر، وقد قيل إن الحد في ذلك الطيب وقيل اليبس؛ والثلاثة الأقوال كلها لابن القاسم، وقد ذكرناها وبيناها في كتاب العيوب من كتاب المقدمات، والله الموفق.
[مسألة: يقول للرجل في ثوبين له أو عبدين أحد هذين العبدين لك]
مسألة وسألته عن الرجل يقول للرجل في ثوبين له أو عبدين أحد هذين العبدين لك أو أحد هذين الثوبين لك، ولا أدري أيهما هو؟ قال يقال للمقر: احلف أنك ما تدري أن أجودهما للمقر له، فإن حلف أنه ما يعلم أيهما له، قيل للمقر له: احلف أنك ما
стр. 6487
تعلم أيهما هو لك، فإن حلف أيضا، كانا شريكين في الثوبين جميعا، قيل له فإن قيل للمقر"الأول احلف، فنكل عن اليمين فرد اليمين على المقر له قال يقال له احلف، فإن فعل كانا أيضا شريكين في الثوبين، وإن نكلا جميعا كان كذلك شريكين في الثوبين أبدا على كل حال، إلا أن يقول المقر لا أعرفه، ويقول المقر له أنا أعرفه؛ فإن زعم المقر له أن أدناهما هو ثوبه، أخذه بلا يمين، وإن ادعى أجودهما، أخذه بعد أن يحلف؛ وإن قال المقر أدناهما هو ثوبه حلف ولم يكن للمقر له غيره؛ وإن ادعى المقر له أن أجودهما له، لم يقبل قوله ولا يمينه إذا زعم المقر أن أدناهما هو ثوبه وحلف على ذلك، وإن زعم المقر أن أجودهما ثوبه أعطيه المقر ولو لم يكن على واحد منهما يمين؛ لأنه قد أعطاه أجودهما، قال عيسى وقال أشهب إذا حلف المقر أو نكل فرد اليمين على المقر له، فإنه يحلف على البتات على أيهما شاء، فإن نكل عن اليمين، كان له أدناهما.
قال محمد بن رشد: قول ابن القاسم أنهما يحلفان جميعا، إذا تجاهلا المقر والمقر له، فإن حلفا أو نكلا، أو حلف أحدهما ونكل الآخر، كانا شريكين في الثوبين يأتي على القول بلحوق يمين التهمة، وعلى أنها ترجع؛ لأن كل واحد منهما يتهم صاحبه: يقول المقر له للمقر لعلك تعلم أن أجودهما لي، فاحلف أنك ما تعلم ذلك، ويقول المقر للمقر له لعلك تعلم أن أدناهما لك، فاحلف أنك ما تعلم ذلك، فأوجب اليمين لكل واحد
стр. 6488
منهما على صاحبه بذلك، فإن حلفا جميعا، أو نكلا جميعا، كانا شريكين فيهما، كما قال، لاستوائهما في الحلف، أو النكول، وإن حلف أحدهما ونكل الآخر، كانا أيضا شريكين فيهما؛ لأن الناكل منهما لما نكل وجب أن ترجع اليمين على صاحبه، فيحلف لقد يعلم أن الأجود له وهو لم يحلف إلا أنه لا يعلم أيهما ثوبه أو يمين التهمة إنما ترجع على البت؛ قال مالك وهو رجل سوء إن حلف على ما لا علم له به ويأتي على القول بأن يمين التهمة لا تلحق، أن يكونا شريكين في الثوبين، ولا يكون لواحد منهما على صاحبه يمين، ويأتي على القول بلحوق يمين التهمة، وإنها لا ترجع، وأنه إن نكل المقر عن اليمين وحلف المقر له، كان له أجود الثوبين؛ لأنه قد وجب له بنكول المقر، إذ قد حلف المقر له دون أن ترجع عليه اليمين على البت؛ لقد يعلم أن أجودهما له، وأنه إن نكل المقر له عن اليمين وحلف المقر، كان له أدناهما؛ لأن المقر قد وجب له أجودهما بنكول المقر له عن اليمين دون أن يرجع عليه على البت: لقد يعلم أن أدناهما له. وقوله: إذا قال المقر لا أعرفه، وقال المقر له أنا أعرفه أنه إن ادعى الأجود أخذه بعد أن يحلف، هو مثل قوله في مسألة تضمين الصناع من المدونة، خلاف ما ذهب إليه محمد بن المواز، وقد مضى هذا في تكلمنا على رواية ابن كنانة في آخر سماع أشهب. وقوله وإن قال المقر أدناهما هو ثوبه حلف ولم يكن للمقر له غيره، ولا اختلاف في يمينه إن ادعى المقر له أجودهما؛ وأما إن قال لا أدري، فلا يمين عليه عند ابن المواز حسبما ذكرناه عنه؛ ووجه قول أشهب أن الأصل براءة الذمة، ولا يجب الحكم لأحد على أحد بما يشك فيه، فإذا لم يدع المقر له أحد الثوبين لم يحكم له إلا بما لا شك فيه- وهو الأدنى من
стр. 6489
الثوبين، وفي إيجاب اليمين على المقر له في ادعائه الأجود من الثوبين مع أن المقر لا يكذبه في دعواه، إذ لا يدري أيهما له، من الاختلاف ما ذكرته عن ابن القاسم، وابن المواز، وبالله التوفيق.
[: يأتي إلى رجل يقول هات ثمن جاريتي هذه وقد ولدت منه]
ومن كتاب العرية وقال مالك في الرجل يأتي إلى رجل يقول هات ثمن جاريتي هذه، وقد ولدت منه؛ فيقول لا والله ما اشتريت منك، ولكن زوجتنيها؛ فيقول بل اشتريت مني؛ فقال: إن كان الذي ادعى التزويج ليس مثله ممن يتزوج إلاماء لشرفه وماله، لم يقبل قوله وكان عليه ثمنها؛ وإن كان مثله ممن يتزوج الإماء كان القول قوله، وقيل للذي ادعى بيعها أنت قد زعمت أنك (قد) بعت وقد جحدك ذلك، وقد ثبت لها عتق بشهادتك أنه اشتراها حين ولدت منه، فليس لك أن تأخذها وأنت شاهد في عتقها، وتزعم أنها أم ولد، فتقر في يديه يطؤها ويصنع بها ما شاء؛ لأنها في كلا الوجهين له حلال- إن كانت زوجته، كما يزعم، فهي له حلال، وإن كانت أم ولد- كما يزعم البائع، فهي حلال قلت له
стр. 6490
فلو لم تلد- وادعاها هذا، قال: يحلف بالله إنه صادق وينفسخ ما ادعى من النكاح، ويأخذ صاحب الجارية جاريته؛ وسئل عنها سحنون فقال: رب الجارية هاهنا مدعى عليه المال، فلزمه إقراره بأنها أم ولد بلا ملك له فيها، وولدها أحرار لاحقون بأبيهم، ولا يثبت له ما ادعى من المال، إلا أن يقيم البينة؛ قيل له فما يكون حال الجارية؟ قال تكون موقوفة حتى تموت وولدها أحرار، فإذا ماتت أخذ رب الجارية الثمن الذي ادعى من تركتها، إن تركت مالا، ويكون ما بقي له من المال، وإلا كان ما بقي موقوفا، قيل: فعلى من تكون نفقتها- إذا أوقفتها؟ قال تكون نفقتها على نفسها. وقال أصبغ مثله، قيل لأصبغ: أرأيت إن مات الذي ادعى أنه تزوج الأمة قبل الأمة، ما حال الأمة؟ قال تكون حرة؛ لأن السيد قد أقر أنها أم ولد لهذا الميت، قيل له فإن ماتت الأمة بعد ذلك وتركت مالا أيكون للسيد في مالها ثمنها؟ قال: لا يكون له في مالها شيء؛ لأنها ماتت وهي حرة، ومالها للورثة الذي أقر السيد أنه باعها منه.
قال محمد بن رشد: قول مالك إن كان الذي ادعى التزويج ليس مثله ممن يتزوج الإماء لشرفه وماله، لم يقبل قوله، وكان عليه ثمنها. معناه أنه يكون القول قول رب الجارية مع يمينه فيما ادعاه من أنه باعها منه بالثمن الذي ادعى أنه باعها به إذا كان الثمن الذي ادعى يشبه أن يباع به؛ لأنه أتى بما يشبه، وأتى الذي ادعى التزويج بما لا يشبه، فوجب أن يكون قول سيد الجارية؛ لأنه أتى بما يشبه على أصولهم في أن القول قول من أتى من المتداعيين بما يشبه، فإن لم يشبه قول رب الجارية فيما ادعاه من الثمن، حلفا جميعا وكان على الذي ادعى التزويج قيمة الجارية، يحلف رب الجارية
стр. 6491
أنه باعها منه بما ذكره من الثمن، ليحقق عليه الشراء، ويحلف هو أنه تزوجها وما اشتراها ليسقط عن نفسه ادعاء صاحبها من الزيادة على قيمتها، وقد قيل: إنه لا يصدق صاحب الجارية فيما ادعاه، من الثمن وإن أشبه، إذا كان ذلك أكثر من قيمتها، وهو الذي يأتي على قول غير ابن القاسم في كتاب الجعل والإجارة من المدونة، فيحلف على هذا صاحب الجارية أنه باعها منه بالثمن الذي ادعاه، ليحقق عليه الشراء، ويحلف المدعى عليه الشراء أنه ما اشتراها منه، وإنما زوجها إياه ليسقط عن نفسه يمين ما ادعاه من الثمن زائدا على قيمتها، وقوله وإن كان مثله ممن يتزوج الإماء، كان القول قوله، معناه في تكذيب رب الجارية فيما ادعاه من أنه باعها منه، لا في أنه زوجها منه؛ لأنه في ذلك مدع، فلا يصدق فيه، ولا يحلف عليه، وإنما يحلف أنه ما اشتراها منه، وإن زاد في يمينه ولقد زوجها منه، تحقيقا لدعواه عند من سمعه لم تثبت بذلك الزوجية بينهما، ألا ترى أنها إذا لم تلد، يحلف أنه صادق فيما ادعاه من أنه تزوجها وما اشتراها، ويحلف صاحبها لقد باعها منه وما زوجها إياه، فينفسخ النكاح والبيع، ويأخذ صاحب الجارية جاريته. فقول سحنون: إن الجارية إذا ولدت تكون موقوفة حتى تفوت، أظهر عندي من قول مالك إنها تقر بيد الذي ادعى أنه تزوجها، يطؤها ويصنع بها ما شاء؛ لأنها في كلا الوجهين له حلال إن كانت زوجته كما زعم فهي له حلال، وإن كانت أم ولد له كما زعم بالبائع (فهي له حلال) وإنما قلت أنه أظهر؛ لأن كل واحد منهما مدع على صاحبه، وقد أبطل صاحبه دعواه عنه بيمينه، فلم تثبت زوجة ولا أم ولد فوجب أن توقف كما قال سحنون، لقول الله : ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ [المؤمنون: ٥] ﴿إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون: ٦]
стр. 6492
، وهذه لم تثبت زوجة ولا أم ولد، ولقد رأيت لابن دحون أنه قال: قول سحنون قول ضعيف؛ لأن الأمة لا تخلو عن أن تكون زوجة على ما ادعى الذي هي في يديه، (أو تكون) أم ولد على ما أقر به سيدها الذي كانت له، فهي مباحة لمن هي في يديه على كل حال، فإيقافها ومنعه من وطئها لا معنى له، ألا ترى أن رجلا لو قال كنت أولدت إيمائي كلهن، وتزوجتهن كلهن إلا واحدة وقد بقيت عندي منهن واحدة لا أدري هل هي زوجة أو أم ولد، لم يمنع من وطئها؛ لأنه حلال له على أي وجه كانت، هذا نص قول ابن دحون، وقوله- عندي - هو الضعيف، لا قول سحنون؛ لأن الشراء لم يصح ولا التزويج وقد انفسخا جميعا بيمين كل واحد منهما على تكذيب صاحبه، ولا يصح للحاكم أن يقر الجارية في يد الذي هي في يديه بما ادعاه من تزويجها، إذ لم يثبت ذلك عنده، وقد انفسخ بيمين سيدها: أنه ما زوجه إياها، ولا بما أقر به سيدها من أنه باعها منه، إذ لم يثبت ذلك عنده، وقد بطل بإنكار الذي هي في يده لذلك وحلفه عليه، وإنما يقال له: إن كنت صادقا أنك تزوجتها فوطؤها - لك حلال فيما بينك وبين خالقك، ولا يصلح للحاكم أن يقرها عنده ويبيح له وطأها، لاحتمال أن يكونا جميعا كاذبين (لم يزوجها إياه، ولا باعها منه، والمسألة التي نظر بها ابن دحون، لا تشبهها؛ لأن الذي شك في المرأة، فلم يعلم إن كانت زوجته أو أم ولده، لا يشك في أنها تحل له؛ لأنها إن لم تكن زوجة، فهي أم ولد، وإن لم تكن أم ولد، فهي زوجة؛ والحاكم في مسألتنا يشك: هل تحل له الأمة أم لا، لاحتمال أن يكونا جميعا كاذبين) ، فيما ادعياه كما ذكرناه.
стр. 6493
وقول سحنون: إن الولد أحرار، مفسر لقول مالك لا خلاف له. وقول سحنون: إن نفقتها على نفسها في حال الإيقاف، صحيح، فإن عجزت قيل لهما: أنفقا عليها، أو أعتقاها، ولا تكون موقوفة بغير مؤونة، وقوله: إنها إن ماتت أخذ رب الجارية الثمن الذي ادعى من تركتها- إن تركت مالا، صحيح (لأن الذي كانت الجارية بيده يقر أن جميع تركتها له، لا حق له فيه، فله أن يأخذ من ذلك ما يدعي أن له قبله، والباقي يكون موقوفا؛ لأن كل واحد منهما يقر أنه لصاحبه، فمن كذب منهما نفسه أولا، ورجع إلى قول صاحبه أخذه، وقول أصبغ أنه إن مات الذي ادعى أنه تزوج الأمة قبل ذلك تكون حرة، صحيح) لأن سيدها أقر أنها أم ولده، وكذلك قوله أنها إن ماتت بعد ذلك لا يكون للسيد في مالها ثمنها، صحيح أيضا؛ لأنها لما ماتت بعد موت الذي ادعى أنه تزوجها، ماتت حرة، ووجب ميراثها للعصبة الذين يرثون الولاء عنه بإقرار سيدها أنها أم ولد له، وهو لا حق له قبلهم، إنما كان حقه على دعواه قبل الميت الذي ادعى أنه باعها منه. وقول أصبغ لأنها ماتت وهي حرة، ومالها لورثة الذي أقر للسيد أنه باعها منه، معناه الذين يرثون الولاء عنه من الرجال، وبالله التوفيق.
[مسألة: كانت الجارية في يديه قال اشتريتها وقال رب الجارية بل زوجتها]
مسألة قلت لسحنون: فلو أن الذي كانت الجارية في يديه قال اشتريتها وقال: رب الجارية بل زوجتها، فقال القول قول رب الجارية، وولدها رقيق، ويلحق نسبهم بالأب: لأن الذي الجارية في يديه قد أقر بها له وادعى الاشتراء، فلا يقبل قوله فيما ادعى،
стр. 6494
ولا يزيل ملكه منها بعدما أقر له بها إلا ببينة تثبت له. قال أصبغ عن ابن القاسم: يتحالفان ويتفاسخان، ولا تكون زوجة، ولا أم ولد، وترجع الأمة إلى سيدها، فإن المشتري يقر بأنه لا زوجة له، فهو كالمطلق ويدعي أنها أمته، ولا بينة له، فهي راجعة إلي ربها، وأما الولد، فإنه في الوجه الأول حر وتبع للأب ولا قيمة على الأب فيه، وفي الوجه الثاني، الذي قال: زوجتك- رقيق.
قال محمد بن رشد: هذه المسألة عكس المسألة التي قبلها فلا يقبل قول الذي الجارية في يديه أنه اشتراها؛ لأنه في ذلك مدع على صاحب الجارية، والقول قول رب الجارية أنه ما باعها منه، ولقد زوجها إياه ويكون (له) الولد رقيقا، ويلحق نسبهم بالأب، وينفسخ نكاح الأمة؛ لأنكاره تزويجها مع يمينه على ذلك، فترجع الأمة إلى سيدها ولا يلزمه فيها طلاق، وتكون إن تزوجها عنده على طلاق مبتدأ على ما قاله ابن القاسم في رواية أصبغ عنه من أنهما يتحالفان ويتفاسخان، فلا تكون زوجة ولا أم ولد، إذ ليس قوله بخلاف لقول سحنون. وقوله إنه كالمطلق - يريد أنه لا يصح له المقام عليها؛ لأنكاره نكاحها، ولو كان ما ادعى سيد الجارية من أنه زوجه إياها لا يشبه، لكونه ليس مثله ممن يتزوج الإماء في شرفه وحاله، لوجب أن يكون القول قوله فيما ادعاه من الشراء، ويكون ولده أحرارا على قياس ما قاله مالك في المسألة التي قبلها؛ وقول ابن القاسم: وأما الولد فإنه في الوجه الأول حر وتبع لأبيه، ولا قيمة على أبيه فيه - يريد المسألة الأولى التي ادعى صاحب الجارية أنه باعها منه، وبالله التوفيق.
стр. 6495
[مسألة: قال رجل لرجل ادفع إلي ثمن جاريتي هذه التي بعت منك]
. مسألة قال سحنون فلو قال رجل لرجل ادفع إلي ثمن جاريتي هذه التي بعت منك، قال الذي في يده الجارية استودعتنيها وما اشتريتها منك فتعديت عليها فوطئتها وأولدتها، فقال أرى رب الجارية مدعيا مالا ومقرا أنها أم ولد، هذا الذي هي في يديه فلا يقبل قوله فيما ادعى من المال إلا ببينة، ولا يصل إلى الجارية؛ لأنه أقر أنها أم ولد الذي هي في يديه، وأراها أم ولد الذي هي في يديه موقوفة، وأولاده منها أحرار؛ لأن رب الجارية قد أقر له بذلك، وتوقف الجارية، ولا يصل الذي هي في يديه إلى وطئها، فإن ماتت وتركت مالا، كان للذي ادعى أنه باعها أن يأخذ الثمن من مالها الذي ادعى قبل الذي في يديه الجارية، قيل: له ولمن يكون ما بقي من مالها؛ فقال يكون موقوفا، فإن ادعى الذي أولدها أنه كان اشتراها، وأنها أم ولده، كان له ما بقي من المال، وإن أقام على إنكاره كان موقوفا أبدا، قيل: فهل يكون على هذا الذي كانت في يديه وأقر أنه وطئها بالعداء الحد؛ قال نعم إن ثبت على إقراره، وفي سماع حسين بن عاصم عن ابن القاسم مثله.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة صحيحة لا اختلاف في شيء من وجوهها، يبينها ما مضى من الكلام على أول مسألة من الرسم. وقوله فيها وأولاده، منها أحرار- يريد ولا يلحق نسبهم به؛ لأنه يحد لإقراره أنهم
стр. 6496
من زنى. وقوله فيها (أيضا) وأراها أم ولد للذي هي في يديه موقوفة، ليس على ظاهره، إذ لو كانت أم ولده لما وقفت، ولجاز له وطؤها وإنما معناه أنه يكون لها حكم أم ولده في أنها تعتق بموته، ويرثها- إن ماتت بعده - من يرث أولادها عنه من عصبته، وذلك كله بإقرار سيدها له بذلك، وإنما تكون له أم ولد إن رجع إلى تصديق سيدها فيما زعم (من) أنه باعها منه، فإن فعل ذلك (كانت أم ولد له) وحل له وطؤها وغرم الثمن ودرأ عنه الحد، إن كان لم يحد بعد ولحق به الولد، وبالله التوفيق.
[مسألة: يشتري الدابة فيدعيها رجل في يديه فتوقف له]
مسألة قال عيسى وسئل ابن القاسم عن الرجل، يشتري الدابة فيدعيها رجل في يديه فتوقف له، على من يكون علفها؛ قال علفها على الذي تصير له، قيل فإنها ماتت قبل أن يقضى بها، ممن تكون مصيبتها؛ قال مالك في رجل ادعى دابة في يدي رجل فأقام عليها شاهدين فشهدا عند القاضي وعدلا، فلم يقض بها حتى ماتت، قال: مصيبتها من الذي ادعاها وأقام الشاهدين عليها، ويرجع مشتريها على بائعها بالثمن، قيل لابن القاسم: وكذلك لو أقام شاهدا واحدا وبقي له أن يحلف ثم يقضى له بها، فلم يحلف
стр. 6497
حتى ماتت، قال يحلف وتكون المصيبة أيضا منه، وإن كانت يمينه بعد موتها، قيل له: فإن كان ادعاها واستحقها وأقام البينة عليها بعد موتها، قال إذا كان إنما أقام البينة بعد موتها فاستحقها، فمصيبتها من الذي ماتت في يديه، ويرجع مستحقها على بائعها بالثمن أو القيمة- إن كانت أكثر من الثمن- إن كان هو غاصبا.
قال محمد بن رشد: قوله في نفقة الدابة الموقوفة في الاستحقاق، إنها على الذي تصير إليه هو مثل ما في المدونة، ومثل ما في رسم الشجرة تطعم بطنين في السنة من سماع ابن القاسم من كتاب الاستحقاق، ولم يتكلم على من ينفق عليها في خلال التوقيف، والظاهر من قول مالك أن المدعى عليه ينفق في حال التوقيف، فإن قضى بها له، رجع عليه بالنفقة، وقد قيل أنهما ينفقان جميعا عليها، فمن قضي له بها منهما، رجع عليه صاحبه بنصف النفقة، وهو قول ابن القاسم في رسم إن خرجت بعد هذا من سماع عيسى، وفي المجموعة، وقوله في مصيبتها إن ماتت في حال التوقيف بعد إقامة البينة عليها، وقبل أن يقضى له بها أنها من الذي ادعاها، وأقام البينة عليها، ويرجع مشتريها على بائعها بالثمن، خلاف ما في المدونة من أن مصيبتها من الذي هي في يديه حتى يقضى بها للطالب، وقول مالك في هذه الرواية إن المصيبة من الذي أقام البينة عليها، أجري على القياس، وهو أن تكون من الذي عليه النفقة لأن القياس أن تكون النفقة والغلة تابعتين للضمان، وكذلك التوقيف أيضا هو تابع للضمان؛ وقد اختلف في الحد الذي يدخل به الشيء المستحق في ضمان المستحق، وتكون الغلة له، ويجب التوقيف به على ثلاثة أقوال، أحدها: أنه لا يدخل في ضمانه ولا تجب له الغلة حتى يقضى له به، وهو قول ابن القاسم في رسم حمل صبيا من سماع عيسى بعد هذا، والذي يأتي على قول مالك في المدونة إن الغلة للذي هي في يديه حتى
стр. 6498
يقضى بها للطالب، وعلى قول سحنون في نوازله من كتاب الغصب إن المصيبة من المشتري حتى يحكم به للمدعي، وعلى هذا القول لا يجب توقيف الأصل المستحق توقيفا يحال بينه وبينه، ولا توقيف غلته؛ وهو قول ابن القاسم في المدونة: إن الرباع التي لا تحول ولا تزول ولا توقف، مثل ما يحول ويزول وإنما يوقف وقفا يمنع من الإحداث فيها، والثاني: أنه يدخل في ضمانه وتكون الغلة له ويجب التوقيف وقفا يحال بينه وبينه إذا ثبت ذلك بشهادة شاهدين، أو شاهد وامرأتين، وهو قول مالك في رسم مرض من سماع ابن القاسم من كتاب الاستحقاق، وهو ظاهر قوله في موطئه إذ قال فيه: إن الغلة للمبتاع إلى يوم يثبت الحق، وقول غير ابن القاسم في المدونة، إذ قال فيها: إن التوقيف يجب إذا ثبت المدعي حقه وكلف المدعى عليه المدفع. والقول الثالث: أنه يدخل في ضمانه وتجب له الغلة والتوقيف بشهادة شاهد واحد وهو قول ابن القاسم في هذه الرواية أنه يحلف مع شهادة شاهده وتكون المصيبة منه. إن كانت يمينه بعد موتها، فإن قيل: كيف يحلف وتكون المصيبة منه، ويستحق المستحق منه بيمينه- الرجوع على بائعه بالثمن، قيل: إنما يحلف؛ لأنه إن نكل عن اليمين على هذه الرواية يحلف المستحق منه الذي مات العبد عنده أنه لا حق للقائم فيه، ولقد ادعى باطلا، فيرجع عليه بقيمته؛ لأنه أحق عليه بيمينه العداء في توقيفه عليه بغير حق، ويؤيد هذا ما وقع في رسم حمل صبيا من سماع عيسى من كتاب الاستحقاق، وقد مضى الكلام عليه هناك، ويؤيده أيضا قول أشهب في نوازل سحنون من كتاب الرهون، فليست يمين المستحق على هذه الرواية ليستحق غيره وهو المستحق منه الرجوع على بائعه بالثمن، وإنما هي لينفي عن نفسه العداء في التوقيف الذي يدعيه (عليه) المستحق منه، فإن نكل عن اليمين حلف هو
стр. 6499
وأغرمه القيمة، فما وقع في أحكام ابن زياد من أن التوقيف يجب في الدار بالقفل، وتوقيف الغلة بشهادة الشاهد الواحد، يأتي هذا القول الثالث، وكذلك النفقة أيضا القياس فيها أن تجري على هذا الاختلاف؛ فعلى القول الأول لا يجب للمقضي عليه الرجوع بشيء من النفقة على المقضي له؛ لأنه إنما أنفق على ما ضمانه منه، وغلته له، وعلى القول الثاني: يجب له الرجوع عليه بما أنفق بعد ثبوت الحق بشهادة شاهدين، أو شاهد وامرأتين، لوجوب الضمان عليه، وكون الغلة له من حينئذ، وعلى القول الثالث: يجب له الرجوع عليه بما أنفق منذ وقف بشهادة الشاهد الواحد، لوجوب الضمان عليه، وكون الغلة له من حينئذ، وقد فرق في رسم حمل صبيا من سماع عيسى بعد هذا بين النفقة والضمان والغلة، فقال إن النفقة ممن تصير إليه، والغلة للذي هي في يديه؛ لأن الضمان منه، وساوى بين ذلك عيسى بن دينار من رأيه، وهو القياس وكذلك ظاهر ما في المدونة أنه فرق بين النفقة والغلة، والصواب ألا يفرق بينهما في أن يكونا جميعا تابعين للضمان، إما من يوم وجوب التوقيف بشهادة شاهد واحد، وإما من يوم وجوبه بشهادة شاهدين، وإما من يوم القضاء والحكم، وبالله التوفيق.
[: يقر لرجلين بعبد يقول هو لكما غصبتكماه]
ومن كتاب أوله يوصي لمكاتبه قال: وسألت ابن القاسم عن الرجل يقر لرجلين بعبد يقول: هو لكما غصبتكماه أو غير غصب يقر لهما جميعا، فيدعيه كل واحد منهما خالصا دون صاحبه، فيقول هو لي خالص وأدخلت علي في عبدي من ليس له فيه شيء، وكلاهما يقول ذلك ولا بينة لواحد
стр. 6500
منهما، قال: يقال له: احلف أنك لا تعرفه لواحد منهما خالصا، فإن حلف برئ ولم يكن لهما عليه شيء، وصار الأمر بين هذين؛ ولأن كل واحد منهما يدعيه لنفسه خالصا، فيقال لكل واحد منهما: احلف أنه لك خالص، فإن حلفا جميعا على ذلك، كان العبد بينهما نصفين وإن نكل المقر الأول عن اليمين أنه ما يعرفه لأحدهما خالصا دون صاحبه، قيل لهذين اللذين ادعياه: يحلف كل واحد منكما لصاحبه أنه له خالص دون صاحبه، فإن حلفا كان على المقر الأول أن يغرم لهما قيمة العبد إذا نكل عن اليمين أنه لا يعرفه لواحد منهما دون صاحبه، فإذا غرم القيمة، كانت القيمة والعبد بينهما نصفين، وإن نكلا عن اليمن جميعا مع نكول المقر لهما لم يكن لهما إلا العبد بينهما وإن حلف أحدهما بعد نكول المقر ونكل صاحبه عن اليمين، كان العبد خالصا للذي حلف، ولم يكن على المقر الأول لهذا الذي نكل عن اليمين شيء؛ لأنه يقول: أقررت لك بشيء وقد جاء من استحقه من يديك بما هو أثبت من إقراري لك؛ قلت فإن أتى رجل لم يقر له بعد به، فادعاه والمسألة كما هي؛ قال: إن كان خليطا للمقر، حلف أنه ليس له، فإن حلف برئ. وإن نكل، قيل للمدعي: احلف، فإن حلف غرم له قيمة العبد، فإن لم يحلف فلا شيء له، وإن لم يكن خليطا، فلا يمين له عليه ولا شيء. قلت: وكيف أحلف للمقر لهما
стр. 6501
بعضهما لبعض- وهما ليسا خليطين، قال: وأي خلطة أبين من أن يكونا شريكين في العبد يدعيه. كل واحد منهما. قلت: وكذلك الدنانير والدراهم إذا أقر لرجلين بمائة دينار، فادعاها كل واحد منهما خالصة دون صاحبه، قال العمل على ما وصفت لك بينهما في العبد، قلت فلو كان المقر لهما بالعبد، ادعاه أحدهما خالصا دون صاحبه، وقال الآخر لا أدري إنما أقر لي بشيء فقبلته، ما أدري أهو لي أم لا؛ فقال: يقال له: احلف أنك ما تدري في الذي أقر لك به هذا أهو لك أم لا؛ فإن حلف، كان نصف العبد له، وقيل للمقر احلف أنك ما تعرفه لهذا الذي ادعاه خالصا فإن حلف برئ وكان العبد بينهما نصفين، وإن نكل، قيل لمدعيه خالصا احلف أنه لك خالصا. فإن حلف كان العبد بينه وبين الذي حلف، أنه ما يدري الذي أقر له أنه حق أم باطل، وكان على المقر أن يغرم لهذا نصف قيمة العبد، ولو نكل الذي قال لا أعرف ما أقر لي به هذا عن اليمين، حلف مدعيه وكان له العبد خالصا، ولم يكن على المقر يمين ولا قليل ولا كثير.
قال محمد بن رشد: إنما قال: إن المقر بالعبد لرجلين إذا ادعى كل واحد منهما أن العبد له خالص، يحلف المقر على العلم أنه ما يعرفه لأحدهما خالصا؛ لأن كل واحد منهما يدعي عليه أنه علم أن العبد له خالصا، فأقر بنصفه لصاحبه، وفوته بذلك عليه، فإن حلف أنه ما يعرفه لأحدهما خالصا، برئ وكانت الدعوى بينهما فيه، فإن حلفا جميعا أو نكلا
стр. 6502
جميعا، كان العبد بينهما؛ وإن حلف أحدهما ونكل الآخر عن اليمين، كان العبد للحالف منهما، وأما إن نكل المقر عن اليمين فقال في الرواية: إن المقر لهما يحلف كل واحد منهما أنه له خالص دون صاحبه، فإن حلفا على ذلك غرم المقر قيمة العبد، فكانت هي والعبد بينهما، والصواب أن يحلف كل واحد منهما أنه له خالص دون صاحبه، وأن المقر عالم بذلك؛ لأن الضمان لا يجب على المقر لكل واحد منهما، إلا بأن يعلم بأن العبد له خالصا فيقر به لهما جميعا، فلا يلزمه عزم قيمة العبد لهما بنكوله عن ذلك حتى يحلف المقر لهما على حكم المدعي والمدعى عليه في رجوع اليمين على المدعي إذا نكل عنها المدعى عليه، وقال: إنه إذا أتى رجل لم يقر له بعد به فادعاه، والمسألة على حالها- إن المقر يحلف أن كل خليط له- أنه ليس له، ظاهره أنه على البتات، والصواب أن يحلف على العلم- كما يحلف للمقر لهما، فيقول: بالله ما نعلمه له، فإن حلف برئ، وإن نكل عن اليمين حلف المدعى أنه له، وإن المقر علم بذلك؛ وحينئذ يغرم له قيمة العبد على ما بيناه، وهذا الذي ذكرناه كاف في بيان ما بقي من المسألة وقد قيل: إنه لا يمين على المقر بحال، وهو الذي يأتي على قول سحنون في نوازله من كتاب الاستلحاق في الذي يقر لثلاثة رجال فيقول هذا أخي، بل هذا أخي، فقف على ذلك، وبالله التوفيق.
[مسألة: يقر للرجل بالعبد ثم يقر به لرجل آخر]
مسألة وسئل ابن القاسم عن الرجل يقر للرجل بالعبد ثم يقر به لرجل آخر، قال يكون العبد للذي أقر له به أولا، ويكون عليه للآخر قيمة العبد. قلت: ولا يكون عليهما يمين؛ قال: نعم.
стр. 6503
قال محمد بن رشد: قول ابن القاسم في هذه المسألة صحيح على قياس قوله في المسألة التي قبلها، فكل واحدة منهما مبينة لصاحبتها. وقوله: قال نعم، معناه لا يكون عليهما يمين؛ وذكر ابن أبي زيد في النوادر هذه المسألة فوصل بقوله: ولا يكون عليهما يمين، قال عيسى، لا أن يدعيه الثاني، فإن ادعاه فله اليمين على المقر له به أولا، فإن حلف فالعبد له وكان للثاني على المقر قيمته، وإن نكل المقر له أولا من اليمين، حلف المقر له آخرا وكان العبد له، ولم يكن على المقر شيء؛ وقول عيسى بن دينار تفسير لقول ابن القاسم، ويأتي على ما لسحنون في نوازله من كتاب الإستلحاق أنه لا شيء على المقر للثاني؛ لأنه إنما أقر له بما قد استحقه الأول بإقراره له به أولا، وبالله التوفيق.
[مسألة: يأتيه رجلان فيقول هذه الوديعة والله لا أدري من دفعها إلي منكما]
مسألة وسئل عن الرجل تكون عنده وديعة مائة دينار، فيأتيه رجلان فيقول هذه الوديعة والله لا أدري من دفعها إلي منكما وتداعيانها جميعا، كل واحد منهما خالصا لنفسه، قال تقسم بينهما بعد أن يحلف كل واحد منهما أنها له، فإن حلف واحد ونكل الآخر، كانت للذي حلف ولم يكن للذي نكل قليل ولا كثير؛ قال: ولو كان قال في مائة دينار عليه دين: والله ما أدري أهي لفلان أو لفلان، فادعاها كلا الرجلين، حلفا وكان عليه لهما غرم مائتي دينار- مائة، مائة، وهو مخالف للوديعة؛ لأن الوديعة في أمانته، والدين في ذمته.
стр. 6504
قال محمد بن رشد: قد قيل: إنه يلزمه في الوديعة أن يدفع مائة دينار لكل واحد منهما، وهو الذي يأتي على ما لابن القاسم في رسم القطعان من سماع عيسى من كتاب القراض؛ وقد قيل أيضا: إنه لا يلزمه في الدين إلا مائة واحدة تكون بينهما- إن حلفا أو نكلا، وهو الذي يأتي على أحد التأويلين في مسألة رسم البيوع من سماع أصبغ بعد هذا، وقد مضى ذكر ذلك في رسم يدير ماله من سماع عيسى من كتاب المديان والتفليس، لتكرار المسألة هناك، فيتحصل في جملة المسألة ثلاثة أقوال قولان في كل مسألة، وهذه التفرقة، وبالله التوفيق.
[مسألة: يشتري الدابة فتستحق في يديه]
مسألة وسئل عن الرجل يشتري الدابة فتستحق في يديه، فيريد أن يطلب بها الثمن الذي اشتراها به، فيضع قيمتها فيخرج بها فيضيع الثمن وتهلك الدابة، قال: مصيبة الدابة من الذي خرج بها، ومصيبة الدنانير من الذي وضعت له الدنانير- وهو مستحق الدابة؛ قلت: فلو كان خرج بها فضاعت الدنانير وجاء بالدابة قد نقصت، قال يأخذ صاحب الدابة دابته وتكون مصيبة القيمة من الذي خرج بالدابة.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة بينة لا أعرف فيها نص خلاف، وهي على قياس ما في المدونة في ثمن الجارية المبيعة على المواضعة إذا وضع على يدي عدل فتلف، أن مصيبته ممن كان يصير إليه، فالخلاف الذي في ثمن الجارية الموضوع بيد عدل يدخل في هذه، فعلى القول بأنه من المبتاع إذا تلف، وإن خرجت الجارية سليمة من المواضعة ويلزمه ثمن آخر
стр. 6505
تكون مصيبة القيمة الموقوفة للمستحق إن تلفت من الذي وضعها على كل حال، ويلزمه قيمة أخرى إن تلفت الدابة قبل أن يردها إلى المستحق: ويتخرج في المسألة قول ثالث: أنه إن تلفت القيمة قبل أن تتلف الدابة، كانت مصيبتها من الذي وضعها، ويغرم للمستحق قيمة أخرى، وإن تلفت الدابة قبل، كانت مصيبة القيمة من الذي وضعت له، وهو مستحق الدابة، ومصيبة الدابة من الذي ذهب بها ووضع القيمة فيها، وبالله التوفيق.
[مسألة: يقول للرجل المائة الدينار التي استودعتك]
مسألة وسئل عن الرجل يقول للرجل المائة الدينار التي استودعتك، فيقول له: ما استودعتنيها ولكن أعطيتنيها قراضا، وهذه مائة دينار ربحت فيها فلك منها خمسون، فيأبى أن يأخذ الخمسين، قال: إن أبى أن يأخذ الخمسين حبسها واستأنس سنين، لعله أن يأخذها، وإن أبى أن يأخذها تصدق بها، قيل له فإن مات فأحب ورثته أن يأخذوها؛ قال يأخذونها إن شاءوا- إذا أحب المقر أن يدفعها إليهم. قلت ولا يقضى عليه بدفعها إلى ورثته؛ قال لا يقضى عليه بدفعها إليهم.
стр. 6506
قال محمد بن رشد: هذه مسألة يتحصل فيها ثلاثة أقوال أحدها: أنه ليس له أن يأخذ الخمسين التي أقر له بها- إلا أن يكذب نفسه ويرجع إلى تصديقه، وهو الذي يأتي على ما لابن القاسم في كتاب الرهون من المدونة، وما لأشهب في كتاب إرخاء الستور منها، وهو أحد قولي سحنون، والثاني: أنه ليس له أن يأخذ الخمسين وإن رجع إلى تصديقه وكذب نفسه، إلا أن يشاء أن يدفعها إليه باختياره، وهو ظاهر قول ابن القاسم ههنا فيه وفي ورثته إن مات ونص ما في سماع لم يدرك من سماع عيسى من كتاب النكاح. والثالث: أن له أن يأخذها وإن كان مقيما على الإنكار، وهو قول سحنون في نوازله من كتاب الاستحقاق، وإنما يكون له على القول بأن يأخذها إن كذب نفسه ورجع إلى تصديق صاحبه، ما لم يسبقه صاحبه بالرجوع إلى قوله وتكذيب نفسه؛ فتحصيل هذا القول أن من سبق منهما بالرجوع إلى قول صاحبه، كانت له الخمسون دون يمين، وبالله التوفيق.
[: يقول عند الموت لفلان عندي عشرة دنانير ولي عليه خمسة]
ومن كتاب بع ولا نقصان عليه وعن الرجل يقول عند الموت: لفلان عندي عشرة دنانير ولي عليه خمسة، فأنكر الذي أقر له بالعشرة أن تكون عليه خمسة. قال يأخذ العشرة وعلى الورثة البينة في الخمسة أنها عليه، قيل: فلو قال: لفلان عشرة دنانير من مالي وصية، ولي عليه خمسة. فأنكره، قال لا يكون له إلا الخمسة؛ لأنه لم يوص له إلا
стр. 6507
بخمسة حين قال لي عليه خمسة، وكذلك قال مالك.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال، والفرق بين المسألتين بيّن؛ لأنه في المسألة الأولى مقر على نفسه له بعشرة، ومدع عليه بخمسة، فلزمه إقراره على نفسه بالعشرة ولم يصدق في الخمسة التي ادعاها إلا أن يقيم الورثة عليها، وفي المسألة الثانية: لم يوص له إلا بخمسة حين ذكر أن له عليه خمسة- كما قال مالك، وبالله التوفيق.
[: مات موال لجده فجاء يطلب ميراثهم]
ومن كتاب أوله سلف
دينارا في ثوب وقال في رجل، مات موال لجده، فجاء يطلب ميراثهم أو للجد مال فجاء يطلبه، فشهد شاهدان عدلان أن هذا الرجل أقعد الناس بفلان اليوم، وقد مات الموالي منذ سنين، قال لا ينتفع، حتى يشهدوا أنه أقعد الناس به يوم مات الموالي. قلت له فإن يعرف أحد غيره، قال لا يعجل في ذلك ويسأل وينظر ويكتب في ذلك إلى ذلك الموضع، ولا يعجل في ذلك حتى يؤيس من ذلك، ولا يأتي أحد يطلب ذلك، ثم يقضى له ويؤخذ عليه حميل، ثم ضعف أمر الحميل إن أبى أن يدفعه.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال في موالي الجد؛ لأن العبد المعتق لا يرثه بالولاء إلا أقرب الناس بمولاه الذي أعتقه يوم مات الموالي، لا يوم ممات الذي أعتقه ولا يوم يطلب ميراثه؛ فإذا شهد الشهود لرجل أنه أقرب، بمولاه الذي أعتقه اليوم، لم تكن الشهادة عاملة؛ لأنهم لا يدرون لعل كان أقعد بالجد يوم مات الموالي، فيكون ميراثهم لورثته، فوجب أن يثبت في ذلك ولا يعجل به كما قال؛ فإن لم يأت له طالب سواه، قضي له
стр. 6508
به بحميل، ثم ضعف أمر الحميل؛ وفي ذلك عندي تفصيل، أما إن قال الشهود الذين شهدوا لهذا الرجل: إنه أقعد الناس به اليوم يعرف غيره أقعد منه قد مات، إلا أنا لا ندري هل مات قبل الموالي أو بعدهم، فأخذ الحميل منه ظاهر؛ وأما إن قالوا: لا نعرف هل كان له غيره يوم مات الموالي أم لا؟ فأخذ الحميل منه ضعيف، وأما المال الذي طرأ للجد، فلا يأخذه ورثته حتى يثبتوا ميراثهم منه يوم مات، وبالله التوفيق.
[: كان له على رجل حق منذ عشر سنين فقام به عليه اليوم]
من كتاب إن خرجت من هذه الدار وسئل عن رجل كان له على رجل حق منذ عشر سنين فقام به عليه اليوم فزعم الذي عليه الحق أن قد قضاه، فيأتي بالبينة أنه قد قضاه منذ تسع سنين أو نحوها، ويأتي صاحب الحق بالبينة أنه أقر له به منذ سنتين فأي الشهادتين يؤخذ؟ قال يؤخذ بأحدثهما، وهي الشهادة على الإقرار.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال: أن الذي يوجبه الحكم إنما هو أن يؤخذ بالشهادة على الإقرار؛ لأنه لما أقر له بالحق بعد أن أقام البينة على القضاء، حمل على أن القضاء إنما كان من حق له آخر قبله، كما لو أقر أنه قد كان له قبله حق آخر فقضاه، فادعى صاحب الحق أن
стр. 6509
القضاء إنما كان من ذلك الحق القديم، لكان القول قوله؛ ولو كان لما أقام البينة على القضاء، ادعى صاحب الحق أنه إنما قضاه حقا آخر كان له قبله، وأنكر المطلوب أن يكون له حق قبله سوى هذا الذي قضاه، لكان القول قول المطلوب باتفاق، وإن لم يكن بينهما مخالطة قديمة؛ واختلف إن كانت بينهما مخالطة، فقيل: القول قول الطالب، وقيل: القول قول المطلوب على ما يأتي في رسم الأقضية من سماع يحيى بعد هذا من هذا الكتاب، ولسحنون في نوازله من كتاب المديان والتفليس قول ثالث في هذه المسألة، وقد مضى تحصيل القول في هذا في سماع أبي زيد من كتاب الشهادات، وبالله التوفيق.
[مسألة: عبد ادعاه رجلان فوضع على يدي عدل]
مسألة وسئل عن عبد ادعاه رجلان فوضع على يدي عدل، على من نفقته؛ قال ممن يصير له. قلت فنفقته بين ذلك على من تكون؛ قال منهما جميعا.
قال محمد بن رشد: قد مضت هذه المسألة والقول عليها مستوفى في آخر رسم العرية من سماع عيسى قبل هذا، فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.
[مسألة: كانت لها جارية فولدت غلامين فاشترى أحدهما رجل فأعتقه]
مسألة وسئل عن امرأة كانت لها جارية فولدت غلامين، فاشترى أحدهما رجل فأعتقه وتركه عند أمه، فمات أحدهما وادعى
стр. 6510
المشتري أن الباقي منهما هو الذي اشترى، وزعمت المرأة أن الهالك هو الذي اشترى، القول قول من؟ قال: القول قول المرأة مع يمينها.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال؛ لأن المشتري مدع على المرأة في شراء هذا الباقي من الغلامين. وهي تنكر أن تكون باعته، فالقول قولها على ما أحكمته السنة من أن البينة على من ادعى، واليمين على من أنكر؛ ولو اختلطا ولم يعرف واحد منهما أيهما هو الذي اشترى وأعتق، لوجب أن يعتقا جميعا، إذ لا يصح للمرأة أن تسترق أحدهما بالشك، ولو ادعى المشتري الباقي منهما وقالت: المرأة لا أدري، لكان القول قوله؛ قيل: بيمين وهو مذهب ابن القاسم، وقيل: بغير يمين وهو قول ابن المواز - على ما مضى من اختلافهما في تكلمنا على مسألة رسم نقدها من سماع عيسى، وكذلك لو ادعت المرأة الباقي منهما، وقال المشتري: لا أدري، لكان القول قولها؛ قيل: بيمين، وقيل: بغير يمين، وبالله التوفيق.
[: يستسلف من الرجل المال أو يبتاع منه سلعة إلى أجل]
ومن كتاب أسلم وسئل ابن القاسم عن الرجل يستسلف من الرجل المال، أو يبتاع منه سلعة إلى أجل، فيقوم عليه صاحبه فيجحد ويقول: ما بعتني أو ما أسلفتني شيئا، أو يقول: ما لك علي شيء، فتقوم البينة في كلا الوجهين جميعا، ثم يأتي بالبراءة من ذلك ويزعم أنه قد قضاه ذلك، قال (أما إذا قال) لم تسلفني شيئا، أو لم تبعني
стр. 6511
شيئا، لم تنفعه براءته ولا شهوده على البراءة؛ لأنه قد جحد وأنكر أن يكون باعه شيئا، أو أسلفه شيئا؛ فقد كذب شهوده ولا تنفعه براءته؛ وأما الذي قال: ليس لك علي شيء، ثم قامت البينة عليه أنه أسلفه أو باع منه، ثم جاء ببراءته من ذلك بامرأتين وشهود، فإن براءته تسقط ذلك الحق عنه، وليس هو الأول؛ لأن هذا إنما قال: ليس لك علي شيء وكان صادقا أنه لم، يكن عليه شيء؛ لأنه قد كان قضاه، وأما الأول فقد أكذب من شهد على البراءة حين قال لم يسلفني أو لم يبعني شيئا فهذان وجهان بينان- إن شاء الله. وروى سحنون عن ابن القاسم الذي يشهد عليه بدين من سلف أو شراء، فينكر ويقول: ما لك علي دين من وجه من الوجوه، لا من شراء ولا من سلف؛ ثم يقيم أنه قد قضاه الدين الذي شهد عليه به، قال: أراه قد جرح شهوده، وأرى الحق لازما له، وأما أن يقول ما لك عندي شيء مثل ما يقول إذا أقام بينة- إني إنما جحدتك من قبل أني كنت قد قضيتك، فإن بينته تقبل ويدفع عنه الحق.
قال محمد بن رشد: قد قيل: إن البينة تقبل منه بعد الإنكار، وقيل: تقبل منه في الأصول، ولا تقبل في الحقوق- وهو قول ابن كنانة، وابن
стр. 6512
القاسم في المدنية، قالا: ولو أن رجلا ادعى أرضا في يد رجل فقال ما لك عندي أرض ولا علمت لك أرضا قط، فأقام البينة بأنها أرضه وأثبتها ثم أقر الذي هي في يديه فقال: نعم هي والله أرضك ولكني قد اشتريتها منك، وأقام على ذلك بينة، فإن اشتراءه بذلك يقبل منه، وتكون له الأرض، ولا يضره إنكاره أولا؛ لأنه يقول: كان والله حوزي ينفعني؛ اصنع بالأرض ما شئت، فأبيت أن أقر أنها له، فيكون علي العمل؛ فكرهت أن أعنت في ذلك، فإذ قد احتجت إلى شرائي بعد أن أثبتها، فهذا شرائي، قال فذلك له، وليس مثل الذي ادعى عليه الحق فجحده، وأدخل ذلك ابن أبي زيد في النوادر من المجموعة، قال: وسواء أقام بينة بشراء من المدعي، أو من أبيه؛ لأنه يقول: رجوت أن حيازتي تكفيني، وليس ذلك مثل الدين؛ وقيل (إن ذلك لا يقبل منه إلا في اللعان إذا ادعى رؤيته بعد إنكاره القذف وأراد أن يلاعن، وكذلك ما أشبه اللعان من الحدود، وهو قول محمد بن المواز. وقيل: إن ذلك لا يقبل منه في اللعان، وهو قول غير ابن القاسم في المدونة أنه يحد ولا يلاعن؛ فيتحصل في المسألة أربعة أقوال، أحدها: أن ذلك لا يقبل منه ما أتى به بعد الجحود في شيء من الأشياء، وهو قول غير ابن القاسم هذا في اللعان؛ لأنه إذا لم يقبل ذلك منه في اللعان فأحرى أن لا يقبله فيما سواه من الديون والأصول، والثاني: أنه يقبل منه ما أتى به بعد الجحود في جميع الأشياء، والثالث: ما ذهب إليه ابن المواز من الفرق بين
стр. 6513
الحدود وما سواها من الأشياء، والرابع: أنه يقبل منه ما أتى به في الأصول والحدود، ولا يقبل منه ذلك في الحقوق من الديون وشبهها، وهو الذي يأتي على ما في المدنية لابن كنانة، وابن القاسم؛ لأنه إذا قبل منه ما أتى بعد الجحود في الأصول فأحرى أن يقبل منه ذلك في الحدود ومن هذا المعنى من ادعى عليه أنه أودع وديعة أو ائتمن أمانة، فأنكر، فلما قامت عليه البينة، ادعى الضياع أو الرد، قيل: إنه يصدق، وقيل: إنه لا يصدق، وقيل: إنه يصدق في دعوى الضياع، ولا يصدق في دعوى الرد، والأقوال الثلاثة مجموعة في رسم أسلم من سماع عيسى من كتاب القراض؛ والمسألة متكررة في مواضع، من ذلك ما وقع في رسم طلق بن حبيب من سماع ابن القاسم من كتاب البضائع والوكالات، وفي رسم إن خرجت من سماع عيسى من كتاب الشركة، ومن هذا الأصل والمعنى من ملك امرأته بكلام يقتضي التمليك، فقضت بالثلاثة، فأنكر أن يكون أراد بذلك الطلاق، ثم قال: أردت واحدة، فقيل: إنه لا يصدق أنه أراد واحدة بعد أن زعم أنه لم يرد بذلك الطلاق، وقيلك يصدق في ذلك مع يمينه، والقولان في رسم كتب عليه ذكر حق من سماع ابن القاسم من كتاب التخيير والتمليك، وفي قول سحنون: أن البينة لا تقبل منه في البراءة إذا كان قد قال أولا ما لك علي دين من وجه من الوجوه؛ لا من شراء ولا من سلف- نظر؛ لأن من حجته أن يقول: صدقت ما كان لك علي دين من شراء ولا سلف؛ لأني قد كنت قضيتك حقك، وأنها لا تكون له حجة إذا قال: ما أسلفتني شيئا، ولا بعتني شيئا، وبالله التوفيق.
стр. 6514
[: مات وترك امرأة وفي البيت غزل يعرف]
ومن كتاب الثمرة قال ابن القاسم في رجل مات وترك امرأة وفي البيت غزل يعرف: أن الكتان للرجل، قال ابن القاسم: إن عرف أن الكتان للرجل، وأن المرأة غزلته، أحلفت المرأة بالله ما غزلته له فإن حلفت أقيم غزلها وأقيم الكتان فكان الغزل بينهما- على قدر ذلك؛ وإن كان لا يعرف الكتان للرجل فالغزل للمرأة. وسئل سحنون عن المرأة تنسج الثوب فيدعيه زوجها لنفسه يقول إن الكتان لي، وتزعم المرأة أن الكتان لها ومن كتانها غزلته، فقال ابن القاسم: هي أولى بما في يديها مع يمينها، ولا حق للزوج في ذلك، إلا أن يكون له بينة، أو تقر له بأن الكتان كان له، فيكونان شريكين في الثوب بقدر ما لكل واحد منهما؛ وكذلك أمرهما فيه بعد موت زوجها أنها مصدقة فيما بيديها مع يمينها، وقال سحنون وكذلك قال لي ابن نافع أن تكون أولى بما في يديها مع يمينها من زوجها.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة بينة حسنة لا إشكال في أنه إذا عرف أن الكتان للرجل، وأن المرأة غزلته، أن يكون بينهما على قدر ما لكل واحد منهما فيه، وإذا لم يعرف أن الكتان له وعرف أنها هي التي غزلته، فالقول قولها أن الكتان لها، وكذلك إذا عرف أنها هي التي نسجت الثوب أو أقر لها بذلك الزوج؛ ولو ادعت هي أنها غزلت الغزل أو نسجت الثوب وأنكر ذلك الزوج فادعى أنه هو استأجر على غزل الغزل أو على نسج الثوب؛
стр. 6515
لكان القول قولها في ذلك مع يمينها إذا أشبه قولها على ظاهر قول ابن القاسم في هذه الرواية أنها مصدقة فيما في يديها مع يمينها، ومثله قول ابن نافع، وبالله التوفيق.
[: يدعي في الماشية الغنم قبل الرجل فيوقفها القاضي حتى ينافذه]
ومن كتاب حمل صبيا وقال في رجل يدعي في الماشية الغنم قبل الرجل، فيوقفها القاضي حتى ينافذه؛ على من رعيتها؛ قال: رعيتها ممن تصير إليه قلت: فغلتها ما دام قال: غلتها للذي هي في يديه؛ لأن ضمانها منه، قال عيسى: الرعي على من له الغلة.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة قد مضى الكلام عليها مستوفى في آخر رسم العرية من هذا السماع قبل هذا، وتكررت المسألة في غير ما موضع من هذا الكتاب ومن غيره، والكلام عليها في كل موضع منها، فلا معنى لإعادة شيء من ذلك، وبالله التوفيق.
[مسألة: يساكنه الرجل في داره المعروفة أو القرية أختانه أو مواليه]
مسألة وسئل ابن القاسم عن الرجل يساكنه الرجل في داره المعروفة أو القرية- أختانه أو مواليه، أو يسكنون دورا له أو قرية أزمانا فعايشهم طول ذلك الزمان- وتلك الدور في أيديهم
следующие страницы →