Полный текст (9 112 стр.). Показаны 7036–7075 · переход к 7041.
стр. 7036
أحدهما أنها أولى بهم وإن كان وقت الحنث معلوما، والثاني أنها أولى بهم إلا أن يكون وقت الحنث معلوما.
[مسألة: حلف بالطلاق ليبيعن غلامه ممن يخرج به إلى الشام]
مسألة وسئل: عن رجل حلف بالطلاق ليبيعن غلامه ممن يخرج به إلى الشام فباعه من رجل على ذلك فمات مشتريه قبل أن يخرجه، قال: إن كانت يمينه ونيته إنما هي ليشترطن ذلك على مبتاعه ذلك الذي أراد فليس عليه شيء في يمينه، وإن كان إنما هو على الخروج ليخرجن به أو لم تكن له نية فهو حانث، وقاله أصبغ، وقال حسنة جيدة، ومحمل اليمين الإخراج حتى ينوي غيره.
قال محمد بن رشد: قوله في هذه المسألة: ومحمل اليمين الإخراج حتى ينوي غيره، هو مثل ما تقدم في رسم سلف من سماع عيسى لابن القاسم من رواية عيسى عنه، وخلاف قوله فيه من رواية محمد بن خالد عنه، وقد مضى هنالك الكلام على المسألة مستوفى فلا معنى لإعادته وبالله التوفيق.
[مسألة: حلف بحرية غلامه أن لا يبيعه اليوم ولا غدا]
مسألة قال أصبغ: سمعت ابن القاسم وسئل عمن حلف بحرية غلامه أن لا يبيعه اليوم ولا غدا، فقال له رجل بعنيه، فقال: قد أوجبته لك بأربعة دنانير بعد غد، فقال هو حر، وهذا بيع، قيل له: فما ترى في مثل هذا البيع أن يبيعه إياه إلى بعد غد؟ قال: ليس بذلك بأس.
قال محمد بن رشد: هذا مثل ما تقدم في رسم بع ولا نقصان عليك من سماع عيسى، وقد مضى الكلام على ذلك هنالك وفرقنا به من البر والحنث، فلا معنى لإعادته وبالله التوفيق.
стр. 7037
[مسألة: حلف بحريته أن لا يبيعه فباعه بيعا فاسدا أو حراما]
مسألة قال ابن القاسم: ولو حلف بحريته أن لا يبيعه فباعه بيعا فاسدا أو حراما على أن يسلف أو سلف أو ما أشبهه من البيوع الفاسدة لرأيته بيعا يعتق عليه، قال: ولو قال أنت حر إن لم أبعك فباعه بيعا فاسدا فرد عليه كانت اليمين لازمة له حتى يبيعه ثانية، ولو حلف ألا يبيعه فباعه واشترط الخيار لم يكن ذلك بيعا حتى يمضيه، لأنه قد جعل ذلك لنفسه إن شاء أن يمضيه أمضاه، وإن شاء أن يرده رده، فليس يبيع حتى يمضيه، وقاله أصبغ على وجهها كلها ولها تفسير وحجج في افتراقها، وهي صواب.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال أصبغ أن لافتراق هذه المسائل وجوها تفترق بها، فإنما فرق بين البر والحنث بمجرد عقد البيع الفاسد يريد مع القبض، فقال: إنه يحنث به إذا حلف أن لا يبيع وإن لم يفت البيع، وقال إنه لا يبريه إذا حلف أن يبيع إلا أن يفوت البيع، لأن الحنث يدخل بأقل الوجوه، والبر لا يكون إلا بأكملها، والوجه في ذلك أن ترك البيع ليس بفعل مقصود إليه، فإذا حلف ألا يفعله فقصد إلى فعل ما هو سبب له ففعله وجب أن يحنث بفعله إياه؛ لأنه يؤول إليه، والبيع فعل مقصود إليه، فإذا حلف أن يفعله وجب أن لا يبر إلا بفعله ألا يفعل سببه إذا لم يحلف أن يفعل سببه، وإنما حلف أن يفعله فوجب أن لا يبر إلا بتمامه وهو فوت السلعة بيد المبتاع الذي به ينتقل الملك، وقد مضى في رسم باع شاة من سماع عيسى إذا حلف أن يبيع إلى شهر فباع بيعا فاسدا قبله وما يتخرج في ذلك من الاختلاف.
ولكون الترك ليس بفعل مقصود إليه كان النهي أقوى من الأمر، قال النبي ﵇: «إذا نهيتكم عن شيء فانتهوا عنه، وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم» لأن الرجل قادر على الترك على كل حال، وقد لا يقوى على
стр. 7038
الفعل، وإنما فرق بين البيع الفاسد وبين بيع الخيار فقال إنه يحنث بعقد البيع الفاسد، يريد مع دفع السلعة على ما ذكرناه، ولا يحنث بالبيع على الخيار إذا كان الخيار له؛ لأن السلعة إن تلفت في البيع الفاسد ضمنها المبتاع ولزمه البيع فيها بالقيمة، وإن تلفت السلعة في بيع الخيار والخيار للبائع كانت مصيبتها منه بإجماع، ولم تجب للمبتاع إلا بإمضاء البيع له، فوجب أن لا يحنث إلا بإمضاء البيع لا بالعقد.
ولو حلف أن لا يبيعها إلى أجل فباعها قبل الأجل على أن الخيار له وأمضاها له بعد الأجل لتخرج وجوب حنثه بذلك على الاختلاف في بيع الخيار إذا مضى هل يمضي على العقد الأول فيكون كأنه قد باعها حين العقد أو لا يكون بائعا لها إلا في حين إمضاء البيع؟ وهذا على المشهور في المذهب من أن البيع الفاسد ينتقل الملك به فتكون المصيبة فيه بعد القبض من المبتاع وإن قامت على التلف البينة.
وأما على القول بأن الملك لا ينتقل به وأن المصيبة فيه من البائع إذا قامت البينة على التلف وهو قول ابن القاسم في سماع أبي زيد من كتاب جامع البيوع في بعض الروايات فلا يحنث بالبيع الفاسد وإن قبض المبتاع السلعة ففاتت عنده، وبالله التوفيق.
[مسألة: شراء الجنين في بطن أمه]
مسألة قال أصبغ: سمعت ابن القاسم يقول فيمن باع جارية له، فلما قبض ثمنها قال: كل ذكر أشتريه بثمنها فهو حر، فاشترى جارية حاملا فولدت ذكرا: إنه يعتق عليه الذكر ولا تعتق هي، وقاله أصبغ وليس بمنزلة الذي يقول: كل ذكر اشتريته فهو حر فيشتري جارية فتلد ذكرا أنه لا شيء عليه، إلا أن يكون أراد كل ذكر يملكه فهو حر، وفي رواية أبي زيد بن أبي الغمر قال: وسئل: عن رجل باع جارية ثم قال
стр. 7039
كل غلام أشتريه من ثمن هذه الجارية فهو حر فاشترى جارية حاملا فولدت غلاما، قال يعتق الغلام ولا تعتق الجارية، وإن كان اشتراها وليست بحامل فولدت غلاما لم يعتق.
قال محمد بن رشد: رواية أبي زيد هذه عن ابن القاسم مثل رواية أصبغ عنه، وما فيها من الزيادة عليها تتميم لها، قد قال غيره: إنه لا يلزمه في الجنين حنث؛ لأن الشراء لم يقع عليه، وإنما وقع على الأم إذ لا يحل شراء الجنين في بطن أمه، ولم يفرق ابن القاسم ولا غيره بين أن تكون حين الشراء ظاهرة الحمل أو غير ظاهرة الحمل، فأما إذا كانت غير ظاهرة الحمل والحمل يزيد في ثمنها فقول ابن القاسم أظهر؛ لأنه قد وقع للجنين حصة من الثمن، وأما إن كانت غير ظاهرة الحمل أو ظاهرة الحمل وهي من الجواري اللائي لا يزيد الحمل في أثمانهن أو ينقص منها فقول غيره أظهر، إذ لم يقع للجنين حصة من الثمن، فيحتمل أن يرد قولهما جميعا بالتأويل إلى هذا التقسيم فلا يكون بينهما اختلاف، وذلك قولهما إن ذلك عندهما سواء، فالتفرقة قول ثالث. والله أعلم.
ولا اختلاف بينهما في أن الحمل إن لم يكن ظاهرا لا يجب للولد عتق إلا أن يشتريها بشرط أنها حامل على مذهب من يجيز ذلك، وهو قول أشهب في سماع عبد الملك من كتاب العيوب، فيعتق الولد لأنه قد حصل له بالشرط حصة من الثمن.
وقوله وليس بمنزلة الذي يمول كل ذكر أشتريه فهو حر فيشتري جارية فتلد ذكرا إنه لا شيء عليه إلا أن يكون أراد كل ذكر يملكه فهو حر ليس في كل الروايات، ويحتمل أن يكون من قول ابن القاسم وأن يكون من قول أصبغ. وقوله فيه فتلد ذكرا يريد ولم تكن حاملا يوم الشراء، إذ قال إن الولد يعتق إذا كانت حاملا يوم الشراء، وفي قوله إلا أن يكون أراد كل ذكر يملكه
стр. 7040
فهو حر نص منه على أن يمينه على الذكران دون الإناث تخصيص يلزمه به اليمين وهو قول ابن نافع في المبسوطة. خلاف قول مالك فيها إن ذلك عموم لا يلزمه فيه اليمين وهو مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك في المدونة وغيرها وبالله التوفيق.
[مسألة: يحلف بعتق عبده إذ لم يضربه ثم يكاتبه]
مسألة قال أصبغ وسمعت ابن القاسم يقول في الذي يحلف بعتق عبده إذ لم يضربه ثم يكاتبه: إنه يمضي على كتابته ولا يضربه ولا ينقض، فإن عجز ضربه، وإن أدى كتابته وعتق رد عليه ما أخذ منه، وقال أصبغ، وإن عجل فضربه في الكتابة لم أر ذلك ينفعه ولا يبريه؛ لأنه ضرب تعدي ليس له، وإن أدى عتق وحنث ورد ذلك إليه، وإن عجز لم يبر حتى يضربه ثانية ضربا يجوز له.
قال محمد بن رشد: قول ابن القاسم يمضي على كتابته ولا يضربه ولا تنقض الكتابة يريد وإن ضربه لم يبر بضربه في الكتابة على ما نص عليه بعد ذلك بقوله: وإن عجز فضربه في الكتابة لم أر ذلك ينفعه ولا يبر به، ويحتمل أن يكون ذلك من قول أصبغ، فإن كان من قوله فهو مفسر لروايته عنه، وإذا لم تنتقض الكتابة فيوقف ما يؤدي منها، فإن عتق بالأداء تم الحنث فيه وصار حرا، وأخذ كل ما أدى، وإن عجز ضربه إن شاء، قال ذلك في كتاب ابن المواز، ولم ينص ابن القاسم في هذه الرواية على توقيف ما يقبض منه، فيحتمل أن تكون هذه إرادته، ويحتمل أن يريد أن ذلك لا يوقف إذا كان السيد مليا ظاهر الملا لم يخش عليه العدم، وكذلك لا يبد عند ابن القاسم بضربه وهو في ملك غيره إن باعه قبل أن يضربه، وقال أشهب: يبر بضربه وهو في ملك غيره، ولا يبر بضربه في الكتابة، وله في كتاب ابن المواز أنه يبر بضربه
стр. 7041
في الكتابة، ففي جملة المسألة ثلاثة أقوال، قولان وتفرقة، ولا اختلاف في أنه لا يبر بضربها بعد أن أعتقها المشتري أو أولدها، وقد مضى هذا في رسم العتق من سماع عيسى وبالله التوفيق.
[مسألة: يحلف بحرية جاريته إن وطئها فيبيعها ثم يشتريها بعد ذلك]
مسألة قال أصبغ: سئل ابن القاسم عن الذي يحلف بحرية جاريته إن وطئها فيبيعها ثم يشتريها بعد ذلك، قال: ترجع عليه اليمين قال: ترجع عليه اليمين قال: فورثها؟ قال: تسقط عنه اليمين قال أصبغ: ويطؤها ولا شيء عليه.
قال محمد بن رشد: هذا مذهب ابن القاسم، وقوله في المدونة وغيرها إن الحالف بعتق عبده أن لا يفعل فعلا فيبيع العبد أو يهبه ويفعل ذلك الفعل بعد أن رجع إليه العبد إلا أن يكون رجع إليه بميراث أو يكون ذلك الفعل مما لا يتكرر، وقد فعله والعبد خارج عن ملكه، وقد قيل: إن اليمين لا ترجع عليه إذا خرج عن ملكه ثم عاد إليه بأي وجه كان، وهو مذهب الشافعي، وإليه ذهب ابن بكير، ووجه قولهما أنه إنما حلف بذلك الملك فلا يرجع عليه في اليمين في ملك آخر كمن حلف بالطلاق أن لا يفعل فعلا فطلق امرأته ثلاثا ثم تزوجها بعد زوج أن اليمين لا ترجع عليه، وفي المسألة قول ثالث، وهو أن اليمين إنما ترجع عليه إذا اشتراه من الذي باعه منه أو وهبه إياه؛ لأنه يتهم على أنه عمل معه على أن يرده إليه ليحل اليمين عن نفسه، فإذا اشتراه من غيره أو من الذي باعه منه في تفليس، أو كان قد بيع هو عليه في تفليس فاشتراه من المشتري فلا ترجع اليمين عليه لارتفاع التهمة، وهو قول ابن الماجشون في الواضحة وحكاه عن مالك وعن ابنه وعن المغيرة وابن أبي
стр. 7042
حازم وابن دينار وغيرهم، ومن مذهب الشافعي أيضا أن الحالف بالطلاق أن لا يفعل شيئا ينحل عنه اليمين إذا خرجت عن عصمته بطلقة واحدة ثم راجعها فلا ترجع عليه، وقد مضى في رسم باع شاة من سماع عيسى من معنى هذه المسألة ما فيه بيان لها وبالله التوفيق.
[مسألة: يقول لامرأته أنت طالق البتة إن دخلت بيت أبيك]
مسألة قال أصبغ: وسئل ابن القاسم عن امرأة حلفت بعتق رقيقها أن لا يخرج إلى موضع سمته حتى يقدم زوجها وخرج حاجا فمات قبل أن يرجع، فقال: إن كانت أرادت إلى مقدار قدومه لقدوم الناس من الحج فلا شيء عليها، أي إذا مضى ذلك القدر، قال: وإن لم تكن لها نية فاليمين عليها أبدا.
قال محمد بن رشد: مثل هذا في رسم حمل صبيا من سماع عيسى من كتاب الأيمان بالطلاق في الذي يقول لامرأته: أنت طالق البتة إن دخلت بيت أبيك حتى يقدم أخوك من سفره، فمات قبل أن يقدم، إنه إن كانت نيته في ذلك أن يقدم الحاج ولم يرد في ذلك الموت، فإن أقامت إلى ذلك القدر ثم دخلت فلا شيء عليه، وإن لم تكن له نية فهو حانث، ولا إشكال في المسألة أنها إن كانت أرادت إلى مقدار قدومه فلها نيتها، ولا يلزمها شيء إن خرجت إلى ذلك الموضع بعد مقدار قدومه عاش أو مات، وكذلك إن لم يرد ذلك وكان ليمينها بساط يدل على ذلك على المشهور في المذهب من مراعاة البساط في الأيمان عند عدم النية فيها.
ولو كانت أرادت بذلك استرضاء زوجها، أو كان ليمينها بساط يدل على ذلك لما كان عليها شيء في خروجها إلى الموضع الذي حلفت عليه إذا مات زوجها قرب موته أو بعد، إذ لا يسترضى من قد مات، وأما إذا لم تكن لها نية، ولا كان ليمينها بساط، فحمل يمينها في هذه الرواية وفي المسألة التي ذكرناها
стр. 7043
من كتاب الأيمان بالطلاق على ما يقتضيه اللفظ ولم يراع المعنى والمقصد، ويأتي على مراعاته أن لا تحنث إن فات إن خرجت إلى ذلك الموضع، بعد أن يمضي من المدة ما كان يمكنه فيها القدوم لو كان حيا، إذ قد علم من قصدها أنها لم ترد بقولها حتى يقدم زوجها إلا مع استمرار حياته، إذ لا يمكن أن يقدم الميت، وعلى هذا المعنى يأتي قول مالك في أول مسألة من رسم الطلاق الأول من سماع أشهب من كتاب الأيمان بالطلاق: هي الآن من أهل القبور، وعلى هذا المعنى اختلفوا في الرجل يحلف أن لا يكلم رجلا حتى يرى الهلال فعمي قبل استهلاله، فقال مالك. هو حانث إن كلمه أبدا، وقال ابن الماجشون يكلمه إذا رىء الهلال ولا شيء عليه لأنه إنما أراد أن لا يكلمه حتى يرى الهلال من حيث يرى، وقع هذا في المبسوطة وبالله التوفيق.
[مسألة: حلف بعتقه ليضربنه فباعه]
مسألة وسئل عمن حلف بحرية غلامه ليوفين رجلا حقه إلى أجل فباع الغلام قبل الأجل وأوفاه حقه، قال: لا حنث عليه.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال: لأنه يبر بالقضاء بعد البيع فلا يرد البيع إذا قضاه، ولو لم يقبضه لرد البيع حتى يبرأ ويحنث بانقضاء الأجل فيعتق عليه.
ولو حلف بعتقه ليضربنه فباعه لم يبر بضربه بعد البيع على مذهب ابن القاسم، ويرد البيع على مذهبه حتى يبر بضربه ثانية، أو يحنث بمرور الأجل إن كانت يمينه إلى أجل فيعتق في ثلثه إن لم يضربه حتى مات، وأشهب يرى أنه يبر بضربه بعد أن باعه، وقد مضى ذلك فوق هذا، ومضت هذه المسألة أيضا
стр. 7044
في رسم نذر من سماع ابن القاسم، ومضى في رسم العتق من سماع عيسى القول في وجوب رد البيع ووجه الحكم في ذلك فلا معنى لإعادته.
[مسألة: حلف بحرية جارية له ليضربنها فباعها من رجل فأحبلها المشتري]
مسألة وسئل عن رجل حلف بحرية جارية له ليضربنها فباعها من رجل فأحبلها المشتري قال: أرى أن تعتق ويرد الثمن إلى المشتري ويكون له الولد بغير قيمة، قال أصبغ: لا أرى ذلك وأراها أم ولد للمشتري كالمدبرة تباع فتفوت بالاتخاذ فلا ترد، فليست هذه بأشد منها ولا بأعظم حرمة من التدبير، وهذا إذا لم يوقت لليمين وقتا.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة قد مضى الكلام عليها مستوفى في رسم العتق من سماع عيسى فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.
[مسألة: أعتق شركا له في عبد فلم يقوم عليه حتى أعتقه الآخر]
مسألة قال أصبغ: سمعت ابن القاسم وسئل عن أمة بين رجلين أعتق أحدهما نصيبه وغاب فباع الآخر حصته أو باعها كلها واتخذها المشتري أم ولد وولدت قال: تعتق على المشتري ساعتئذ وتخرج حرة، وإن كان باعه إياها على أنها أمة كلها قُوِّمت على أن نصفها حر ونصفها رقيق، فكان لبائعها قيمة ذلك النصف الرقيق إن كان أقل من نصف الثمن الذي باع به، ورجع عليه المشتري بما بقي يعني كعيب موجود، وإن كان أكثر من نصف الثمن الذي باع به لم يكن له إلا نصف الثمن، وإنما أعتقها عليه؛ لأنه لا يستطيع أن يطأها ونصفها حر.
وأمهات الأولاد لا يحبسن على منفعة غير الوطء، وقد قاله مالك فيما يشبهه، وأهل العراق يخالفوننا يقولون من أعتق شركا له
стр. 7045
في عبد فلم يقوم عليه حتى أعتقه الآخر فلا عتق له، ونحن نقول عتقه جائز، فإذا باع المتمسك بالرق نصيبه فأعتقها المشتري فهو في مثابة لو كان هو المعتق، فعلى هذا الأصل قست لك وبينت.
فإن قال قائل: إن العتق يكون رضى بما حدث، فإن الوطء يكون رضى، والحمل جاء من الوطء، وقد كان له أن يرد بعد الوطء قبل الحمل، فالحمل ها هنا لا يكون كالعتق. قال أصبغ مثله، وذلك الصواب، ولو لم يبع إلا النصف الذي له وكتمه الحرية في النصف الآخر ووطئ وأحبل كان قيمة الرق فيها [كلها] فيعرف مبلغه ثم [يقوم] معيبا ثانية رأيته سواء، فما نقص رجع بقدر جزئه من الثمن فصواب، وهو يرجع إلى شيء واحد ويعاقب الواطئ في هذه الوطأة.
قال محمد بن رشد: قوله في هذه المسألة وإن كان باعها على أنها أمة كلها قومت على أن نصفها حر ونصفها رقيق، فكان لبائعها قيمة ذلك النصف الرقيق إن كان أقل من نصف الثمن الذي باع به ويرجع عليه المشتري بما بقي، فإن كان أكثر من نصف الثمن الذي باع به لم يكن له إلا نصف الثمن ليس بمستقيم على أصولهم؛ لأن ذلك إنما هو عيب في نصفها الرقيق بما كتمته من حرية أصلها الآخر، واستحقاق في نصفها الآخر بالحرية، فوجه الحكم في ذلك على أصولهم أن يرجع المبتاع على البائع بنصف الثمن الذي دفع إليه في النصف المستحق بالحرية وتقوَّم الجارية يوم البيع على أنها أمة كلها ويقوم نصفها الرقيق يوم البيع أيضا على أن نصفها حر فينظر ما بين نصف قيمتها على أنها كلها رقيق وما بين قيمة نصفها على أن نصفها حر فيرجع عليه بذلك الجزء في ثمن نصفها قل أو كثر، مثال ذلك أن تكون قيمتها على
стр. 7046
أنها رقيق كلها مائة، وقيمة نصفها على أن نصفها الآخر حر أربعون، فالعشرة التي بين الأربعين والخمسين من الخمسين خمسها، فيرجع المبتاع على البائع بخمس نصف الثمن الذي دفع إليه قل أو كثر، وهذا الذي قلت قد قالها بعد هذا، إذ لم يبع إلا النصف الذي له أنه يقوم النصف الذي باع على أن النصف الثاني رقيق، ويقوم ثانية معيبا بعيب حرية النصف الآخر. فما نقصه رجع بقدر جزئه من الثمن، وذلك صواب كما قال، إلا أنه لا يرجع مع ما ذكره أولا إلى شيء واحد كما زعم.
وقوله: فإن قال قائل: إن العتق يكون رضى بما يحدث فإن الوطء يكون رضى والحمل جاء من الوطء، وقد كان له أن يرد بعد الوطء قبل الحمل، فالحمل ها هنا لا يكون كالعتق كلام فيه استكمال إشكال لإضمار وقع فيه وتقديم وتأخير، والمعنى فيه أن المخالف يقول: إن العتق رضا بما يطلع عليه من العيوب، فيمن اشترى عبدا فأعتقه ثم اطلع على عيب فيه لم يكن له رجوع به، وليس الحمل رضا بما يطلع عليه من العيوب؛ إذ لا كسب له فيه؛ لأنه إنما فعل هو الوطء، والوطء ليس برضا؛ إذ له أن يرد بعد الوطء، يقول: فكما له أن يرد بعد الوطء فكذلك له أن يرجع بقيمة العيب بعد الحمل فنقض عليه ابن القاسم قوله بقوله: فإن الوطء يكون رضا والحمل جاء من الوطء- يقول لهم- فيلزم على قياس قولكم إذا كان العتق عندكم رضى أن يكون الوطء رضى، والحمل رضى؛ لأنه يكون عن الوطء.
وتقدير الكلام بإظهار ما فيه من الإضمار، فإن قال قائل: إن العتق يكون رضى بما يحدث ولا يكون الحمل رضى بما يحدث؛ لأنه فعل العتق ولم يفعل الحمل؛ لأنه وطئ، وقد كان له أن يرد الوطء قبل الحمل، فالحمل هاهنا لا يكون كالعتق؛ فإن الوطء يكون رضى، والحمل جاء من الوطء وبالله التوفيق، وسيأتي في سماع أبي زيد إذا باعها المعتق فنتكلم على ذلك إن شاء الله,، وبالله التوفيق.
стр. 7047
[مسألة: ابن لرجل وأجنبي اشتريا أب أحدهما فأعتقاه]
مسألة وسئل عن ابن لرجل وأجنبي اشتريا أب أحدهما فأعتقاه، ثم مات الأب وترك موالي فمات بعض الموالي، فقال: ولاؤهم للابن دون الأب ما دام حيا. قال أصبغ: لأن النسب قائم ولا ولاء مع النسب، وولد الابن فيهم بمثابة أبيهم لو كان حيا حتى ينقطع النسب فيصير الولاء نصفين بين الأجنبي وعصبة الابن يوم يموت الموالي ويرجع الولاء إلى غير ولد ولا نسب.
قال محمد بن رشد: قوله فيمن مات من موالي الأب إن ميراثهم لابنه ولابن ابنه على ما قاله أصبغ يريد ولجميع عصبته أيضا الأقرب فالأقرب فالأقرب دون الآخر يريد دون الأجنبي الذي أعتق نصف الأب صحيح على ما قاله؛ لأن ولد الرجل ولد ولده وسائر عصبته الأقرب فالأقرب بميراث مواليه ممن أعتقه هو إذ لا ينتقل الولاء إلى مولى المولى حتى لا يكون للمولى ولد ولا عصبة، فإذا لم يكن له ولد ولا عصبة رجع الولاء إلى مولاه الذي أعتقه.
فقوله: إذا انقطع النسب إن الولاء يصير نصفين بين الأجنبي وعصبة الابن يريد أن ميراثه يكون نصفه للأجنبي الذي أعتق في حق الأب والنصف الآخر لعصبة الابن الذي أعتق النصف الآخر، يعني مواليه إن كان مولى، وإن لم يكن مولى فهو لجماعة المسلمين، وبالله التوفيق.
[مسألة: المكاتب بين الرجلين فيموت أحدهما]
مسألة وسئل عن المكاتب بين الرجلين فيموت أحدهما فيوصي بعتق نصيبه وأن يستتم عتق نصيب صاحبه، قال: ليس ذلك له أن ينتقل عن صاحبه ولاء قد صار له وثبت له.
قيل له: فإن رضي صاحبه أن يجيز له ما صنع؟ قال: لا يجوز
стр. 7048
على حال، قال أصبغ: مثله حتى يعجز فيعتق على الميت في ثلثه.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال؛ لأن الكتابة من العقود اللازمة، وهي تثبت الولاء، فليس لأحد الشريكين أن يوصي بعتق نصيب صاحبه فينقل الولاء عنه إلى نفسه، ولا يجوز ذلك وإن رضي به شريكه لما جاء من النهي عن بيع الولاء وهبته إلا أن يعجز كما قال أصبغ: فيعتق على الميت في ثلثه بما أوصى له به، قيل: إذا رضي الشريك بذلك، وقيل: رضي أم لم يرض، وقد مضى الاختلاف في هذا وتوجيهه في رسم العتق من سماع أشهب، وبالله التوفيق.
[مسألة: عبد بين اثنين يستأذن العبد أحد مواليه بأن يعتق عبدا له]
مسألة قال ابن القاسم في عبد بين اثنين يستأذن العبد أحد مواليه بأن يعتق عبدا له فأذن له وكتم مولاه الآخر ذلك حتى أعتقاه جميعا لمن يكون ولاء العبد الذي أعتقه العبد؟ قال: للعبد الذي أعتقه وليس للذي أذن له أن يعتق عبده من ولائه شيء؛ لأنه لو أراد أيضا أن يأخذ من ماله شيئا لم يكن له ذلك إلا أن يأذنا له جميعا فيكون الولاء لهما دون العبد وإن عتق.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال، إذ لا يجوز إذن أحدهما في ذلك له دون صاحبه من أجل أنه ليس له أن ينتزع ماله، فإذنه كلا إذن، فوجب أن يرجع إليه الولاء إذا أعتق، وقد مضى في رسم سن من سماع ابن القاسم ما فيه بيان هذا، وبالله التوفيق.
[مسألة: شهد عليه أنه كان يقر أن ولاءه لبني فلان]
مسألة قال أصبغ: سمعت ابن القاسم يقول فيمن شهد عليه أنه كان يقر أن ولاءه لبني فلان مثل بني زهرة أو بني تميم أو ما أشبه ذلك:
стр. 7049
لا يكون لأحد من هؤلاء من ولائه قليل ولا كثير إذا سمى الفخذ هكذا بعينه حتى يبين لمن هو منهم خاصة؟ وإلا فليس لأحد منهم قليل ولا كثير. وقال أصبغ: حتى يسمي القوم بأعيانهم أو بني الأب بعينه عند الأب الجامع.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال، وهو مما لا اختلاف فيه؛ لأن الولاء كالنسب، فلو ثبت لرجل أنه من بني تميم أو من بني زهر بن كلاب ولم يعرف من عصبته بأعيانهم معرفة قعددهم منه وحيث يلتقون معه من الآباء كان ميراثه لجماعة المسلمين، ولم يكن لواحد منهم للجهل بقعدده منه، وبالله التوفيق.
[: قال لعبده أنت حر قبل موتي بخمس سنين]
ومن كتاب الوصايا الصغير قال أصبغ: سئل عن رجل قال لعبده: أنت حر قبل موتي بخمس سنين.
قال: لا يعتق حتى يموت، فإذا مات عتق في الثلث، ولو قال لعبده أنت حر قبل موتك بخمس سنين قال: لا حرية له أصلا.
قال محمد بن رشد هذه مسألة قد مضى الكلام عليها مستوفى في رسم يوصي لمكاتبه من سماع عيسى فلا معنى لإعادته.
[: أعتق شركا له في عبد]
من سماع أبي زيد بن
أبي الغمر من ابن القاسم قال أبو زيد ابن أبي الغمر: سئل ابن القاسم عن رجل أعتق شركا له في عبد، فلما أرادوا أن يقوموه عليه قال: إنه آبق سارق
стр. 7050
وشريكي يعلم ذلك منه، وليس له بينة فاستحلفوه.
قال: أرى أن يقوم على أنه لا عيب فيه إلا أن يأتي المعتق ببينة، ولا أرى على الشريك يمينا.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة قد مضت والكلام عليها في رسم العتق من سماع أشهب فلا وجه لإعادته، وبالله التوفيق.
[مسألة: قال غلامي ميمون حر إن بعته]
مسألة وقال في رجل قال: غلامي ميمون حر إن بعته ومرزوق غلام فلان حر إن اشتريته أبدا، فباع ميمونا بمرزوق الذي حلف بعتقه أن لا يشتريه قال: يعتقان عليه جميعا.
قال محمد بن رشد: زاد ابن المواز في هذه المسألة، وعليه قيمة العبد الذي ابتاع وبزيادة تتم، وذلك أن البائع لمرزوق لما باعه من الذي حلف بحريته إن اشتراه عتق على المشتري بنفس الشراء، ولما كان بيعه إياه منه بالعبد الذي كان حلف البائع بحريته إن باعه لم يصح له ملكه لوجوب عتقه على البائع، فصار كمن باع عبده بعبد فأعتق المشتري العبد الذي اشتراه واستحق من يد البائع العبد الذي باعه بحرية، فوجب للبائع أن يرجع على المبتاع بقيمة العبد الذي باعه منه لفواته عنده بالحرية.
وهذا التوجيه إن كان البائع لمرزوق لم يعلم بيمين المبتاع له، وأما إن علم بيمينه فوجه وجوب القيمة له فيه هو أنه لما باعه منه وقد علم أنهما يعتقان جميعا على المبتاع له بنفس الابتياع، وأنه لا يأخذ في عبده إلا قيمته صار كأنه باعه منه بقيمته وهو بيع فاسد فات بالعتق فوجبت له فيه القيمة، وبالله التوفيق.
[مسألة: قال غلامي ميمون حر إن لم أفعل]
مسألة وقال في رجل قال: غلامي ميمون حر أو مرزوق إن لم أفعل
стр. 7051
كذا وكذا ثم يموت قبل أن يفعله، قال: يسهم بينهما ثم يعتق من وقع السهم عليه إذا حمله الثلث، ولا يقوموا ولا يبالي من وقع عليه العتق على من كان أرفعهم أو أخفضهم إذا حمله الثلث.
قال محمد بن رشد: لما كان الحنث في أحد العبدين لا يجب إلا بالموت أشبه الوصية بعتق أحدهما، فوجب أن يسهم بينهما فيعتق من خرج السهم منهما عليه، كان أرفعهم أو أخفضهم كما قال؛ لأن الميت إنما أراد عتق واحد منهما، وقد قيل: إنه يعتق نصف قيمتهما بالسهم، وهو الذي يأتي على ما حكاه سحنون عن مالك في سماع محمد بن خالد، ولا يقال في هذه المسألة: إن العتق يجري فيهما، فيعتق من كل واحد منهما نصفه إن حمله الثلث على قياس قول ابن القاسم في رسم باع شاة من سماع عيسى؛ لأن ذلك عتق كان أصله في الصحة، والسنة قد جاءت بالقرعة في العتق عند الموت إلا على من يرى القرعة أصلا كمذهب أهل العراق وهو قول المغيرة، فيقول إن العتق يجري فيهما ولا يسهم بينهما، وأما تخيير الورثة في هذه المسألة فلا يقال به فيها، والله الموفق.
[مسألة: قالت لجارية لها إن ولدت غلاما فأنت حرة فولدت غلاما ميتا]
مسألة وقال في امرأة قالت لجارية لها: إن ولدت غلاما فأنت حرة شكرا لله، فولدت غلاما ميتا قال: تعتق.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال؛ لأنها إنما قالت إن ولدت غلاما ولم تقل حيا ولا ميتا، فوجب أن يحمل قولها على عمومه، ومن جهة المعنى أيضا لا فرق بين أن تلده ميتا أو حيا فيموت قبل أن يبلغ مبلغ الانتفاع به، وقد خلصت في الوجهين جميعا مما خشته من أن تضع جارية لكراهيتها لها، والله أعلم، وتعتق عليها بالحكم؛ لأنها يمين وإن خرجت مخرج النذور، ولو قالت: لله علي أن أعتقك إن ولدت غلاما لم يحكم عليها بعتقها على مذهب ابن
стр. 7052
القاسم خلافا لقول أشهب، وقول ابن القاسم أظهر؛ لأن في الحكم عليها تفويتا بالوفاء بالنذر، إذ لا يكون الوفاء دون نية، وبالله التوفيق.
[مسألة: أعتق أم ولده على أن أسلمت له ولده الصغير منها]
مسألة وقال في رجل أعتق أم ولده على أن أسلمت له ولده الصغير منها يكون عنده: إنه يرد إليها، وليس ذلك بمنزلة الحرة يصالحها على أن تسلمهم إليه، فذلك جائز، ولا يرجعون إليها.
قال محمد بن رشد: قد روي عن ابن القاسم أن ذلك يلزمها بمنزلة الحرة، حكى ابن المواز عنه القولين جميعا، وقد تكررت هذه المسألة في رسم أوصى من سماع عيسى من كتاب التخيير والتمليك، وقلنا فيها هنالك: إن الأصل في هذا الاختلاف هو أنه لما أعتقها على أن أسلمت إليه ولده منها حصل إسقاطها لما يجب لها من حضانة ولدها في حال العتق معا، فمرة رأى الإسقاط مقدما على العتق فلم يلزمها إياه إذ لم تلتزمه إلا في حال رقها وفي حال لا تملك نفسها، ويقدر السيد فيه على إكراهها، فصارت في حكم المغلوبة على ذلك، ومرة رأى العتق مقدما على الإسقاط فألزمها إياه؛ إذ لم تلتزمه إلا في حال حريتها بعد عتقها، فأشبهت الحرة يصالحها على أن تسقط حقها في حضانة ولدها، والأظهر من جهة القياس أن ذلك لا يلزمها لأنهما إذا وقعا معا فقد وقع كل واحد منهما قبل كمال صاحبه، وعلى هذا الأصل وقع الاختلاف في الرجل يعتق أمته على أن تتزوجه بكذا وكذا، وقد مضى الكلام على ذلك مستوفى في رسم حلف من سماع ابن القاسم من كتاب النكاح، والأظهر من جهة المعنى أن ذلك يلزمها؛ لأنها اختارت عتقها على حضانة ولدها كما اختارت الزوجة نفسها على ذلك، فوجب أن يستويا، وبالله التوفيق.
[مسألة: ترك غلامين أختلف في عتقهما]
مسألة قال في رجل توفي وترك غلامين، يقال لهما: ميمون وسلام،
стр. 7053
فشهد رجلان عدلان أن أباه الميت قد أعتق ميمونا في صحته منه، وقال الابن: لا، بل سلام الذي أعتق في مرضه.
قال ابن القاسم: يقال للابن: أنت تقول إنما شهد الشاهدان بزور، وأن المعتق إنما هو سلام، فانظر إلى قيمة ميمون وإلى ثلث ما ترك الميت فإن كان سلام يحمله الثلث مع قيمة الغلام الآخر فسلام حر، وخرج ميمون بالشهادة حرا، وإن لم يحمله ثلث ذلك فما حمل الثلث منه عتق وخرج الآخر حرا.
قال محمد بن رشد: قول ابن القاسم في هذه الرواية: إن سلاما يعتق إن حمله الثلث مع قيمة الغلام الآخر مثل قوله في رسم العتق من سماع عيسى من كتاب الوصايا وخلاف قوله في رسم العتق من سماع عيسى من هذا الكتاب على ما فسره عيسى بن دينار من أنه يعتق إن حمله الثلث دون الآخر، وقد مضى تمام القول على هذا هنالك فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.
[مسألة: حلف ليفعلن فعلا ولم يضرب له أجلا]
مسألة وقال في رجل قال في أخ له: إن لم يصنع لنا فجاريته حرة، فأقام أشهرا يماطله، ثم صنع له بعد أشهر، فقال: أخاف أن يحنث، قال: وأراه قد حنث.
قال محمد بن رشد: خشي عليه الحنث أولا ولم يحققه عليه، ثم حققه عليه بقوله: وأراه قد حنث، وإيجابه الحنث عليه وإن كان قد صنع من أجل أنه أخره ولم يعجله يقتضي ظاهره أنه حمل يمينه على التعجيل حتى يريد التأخير، وهو خلاف المشهور في المذهب من أن من حلف ليفعلن فعلا ولم يضرب له أجلا لا يحنث إلا بالموت إذا كان يمكنه فعل ما حلف ليفعلنه طول حياته، فإن كانت يمينه بعتق أو بما فيه كفارة لزمه ذلك في ثلثه، وإن كانت
стр. 7054
بطلاق لم يكن عليه شيء؛ إذ لا يقع الطلاق على أحد بعد موته، وأما إذا فاته في حياته فعل ما حلف ليفعلنه مثل أن يحلف ليضربن عبده أو ليذبحن شاة فيموت العبد قبل أن يضربه أو الشاة قبل أن يذبحها فيحنث بالتفريط إن كان قد حيى أو حييت قدر ما لو أراد أن يضربه أو يذبحها أمكن ذلك.
والاختلاف في هذا جارٍ على اختلاف أهل الأصول في الأمر بالشيء هل يقتضي الفور أم لا؟ وعلى هذا اختلفوا في الحج هل هو على الفور أو على التراخي، وقد قال أبو بكر بن محمد في هذه المسألة: لا شيء عليه؛ لأنه لم يضرب أجلا فجاوزه دون أن يفعل ما حلف عليه، وقال أبو محمد: إنما عني أبو بكر إذا لم ينو الاستعجال، وابن القاسم خاف عليه أن يكون نوى الاستعجال فلذلك أحنثه، ولا اختلاف إذا كانت له نية في التعجيل أو التأخير، وإنما الاختلاف إذا عريت يمينه من النية على ما تحمل؟ والمشهور في المذهب ما ذكرناه من أنها تحمل على التأخير فلا يحنث إلا بالموت أو بفوات الفعل، وبالله التوفيق.
[مسألة: قال لعبده إن فارقت غريمي فأنت حر ففارقه]
مسألة وقال في رجل قال لعبده: إن فارقت غريمي فأنت حر، ففارقه قال: قد كان لا يراه عتيقا، ثم عرضته عليه مخليا وما بقي أحد فأمرني بمحوه ورآه حرا، قال: وكذلك من قال لعبده أنت حر إن دخلت دار فلان فدخلها.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة قد مضى الكلام عليها مستوفى في رسم لم يدرك من سماع عيسى فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.
[مسألة: اليمين لا يلحق إلا بتحقيق الدعوى]
مسألة وقال في رجل كان جالسا في ملإ فمر به غلام له، فقال له
стр. 7055
بعض القوم: ما اسم غلامك هذا؟ فقال حر، وليس اسمه حرا، قال: هو كاذب وليس عليه شيء.
قلت: فهل عليه يمين أنه لم يرد بقوله عتقا؟ قال: لا.
قال محمد بن رشد: قوله إنه لا يمين عليه هو على القياس بأن اليمين لا يلحق إلا بتحقيق الدعوى، وقد مضى الكلام على هذا المعنى مستوفا في رسم لم يدرك ورسم الرهون من سماع عيسى فلا معنى لإعادته.
[مسألة: جارية بين رجلين أعتق أحدهما نصيبه]
مسألة وقال ابن القاسم في جارية بين رجلين أعتق أحدهما نصيبه ثم إن معتق النصف باعها من رجل فوطئها فحملت منه، قال: يرجع الذي حملت منه بالثمن على من اشترى منه، ويرجع المتمسك بالرق على الذي أحبلها بنصف الثمن فقط.
قال محمد بن رشد: قوله: ويرجع المتمسك بالرق على الذي أحبلها بنصف الثمن فقط كلام فيه نظر، وإنما الواجب أن يرجع عليه بقيمة نصفها فغلب حرية نصفها الآخر. إما يوم أحبلها ولا يكون عليه شيء من قيمة ولدها، وإما يوم الحكم عليه بذلك مع نصف قيمة ولدها على اختلاف قول مالك في ذلك؛ لأنه مستحق لذلك النصف من يد مشتر قد أولده، فيجري الحكم فيه على اختلاف قوله فيمن استحق أمته من يد مشتر بعد أن أولدها، ويكون من حقه أن يرجع على الشريك المعتق لحصته منها بما انتقصه من قيمة نصفها بسبب حرية النصف الآخر؛ لأنه كان من حقه أن يقومها عليه كلها على أنها أمة لا عتق فيها، فيأخذ منه نصف قيمتها على المشهور في المذهب، وهو ظاهر الحديث، وقد قيل: إن المعتق لحظه من العبد لا يلزمه لشريكه إلا قيمة حظه بعيب الحرية يقوم ذلك من قول ابن القاسم في كتاب الجنايات من المدونة ومن قول غيره في كتاب أمهات الأولاد منها، فعلى هذا القول لا يكون
стр. 7056
له رجوع إلا أن يكون بين الوقتين اختلاف في القيمة وعلى القول بأن لمستلحق الجارية وقد ولدت أن يأخذها وقيمة ولدها يكون للمتمسك بالرق أن يأخذ حظه منها ونصف قيمة ولدها، فيقوم على المعتق لحظه منها ويكون لها ولاء جميعها، فهذا وجه القول في هذه المسألة، وقد رأيت لابن دحون فيها كلاما مختلا لا يصح، قال: إنما رجع على المشتري بنصف الثمن لأنه هو أفاتها وقد كانت القيمة تلزم المعتق إلا أنه لما باعها أفاتها الذي أحبلها، فسقطت عنه القيمة ورجعت على الذي أحبلها، والأموال تضمن بالعمد والخطأ، وتعتق الجارية إذ لا منفعة فيها للذي أحبلها؛ لأن نصفها حر ونصفها أم ولد، ولا شيء عليه في الولد لأنه غير غاصب ولا متعدي، هذا نص قوله، وقد مضى من قولنا ما يدل على خطائه فيه في غير ما موضع منه، وبالله التوفيق.
[مسألة: حلف بعتق جارية له ليبيعنها]
مسألة وقال في رجل حلف بعتق جارية له ليبيعنها فولدت له أولادا أو فرط في بيعها ثم باعها أترى عليه بيع ولدها؟ قال: إذا باعها فقد بر في ولدها.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله، إذ لم يحلف على بيع ولدها، وإنما حلف على بيعها فإذا بر فيها ببيعها لم يكن عليه في ولدها شيء، وإن لم يبعها حتى مات عتقت في ثلثه وعتق ولدها فيه أيضا على الاختلاف الذي قد مضى في غير ما موضع من هذا الكتاب وغيره، ومد مضى تحصيله في رسم باع غلاما من سماع ابن القاسم، وبالله التوفيق.
[مسألة: قيد عبده وقال أنت حر إن نزعت هذا القيد]
مسألة وقال في رجل قيد عبده وقال: أنت حر إن نزعت هذا القيد عن رجلك أبدا حتى تحفر لي مرحاضا طوله كذا وكذا، قال: ينظر
стр. 7057
السلطان فإن كان شيئا لا يستطيع رجل أن يحفره رأيت أن يترك؛ لأنه لا يترك وذلك، قيل له: أفيترك في القيد؟ قال: إن كان لا يقوى على ما حلف عليه عتق وحل عنه.
قال محمد بن رشد: قوله إن كان لا يقوى على ما حلف عليه عتق وحل عنه القيد يدل على أنه إن كان يقوى على حفره وهو مقيد على حاله ترك مقيدا حتى يحفره، ولم يعتق عليه، وهذا إن كان لتقييده إياه وجه من أنه يخشى إباقه وأنه إنما قيده أدبا له على شيء صنعه.
وأما إن كان قيده لغير سبب وحلف أن لا يحله منه حتى يحفر له ما حلف عليه لوجب أن يطلق عليه إلا أن يكون القيد خفيفا لا مشقة- عليه فيه، فقد قيل إن الرجل إذا حلف بحرية عبده أن يضربه الأسواط اليسيرة على غير سبب يمكن من ذلك ولا يعتق عليه، قال ذلك ابن أبي زيد، وهو ظاهر ما في الواضحة في الزوجة وهو بعيد، فلا يجب أن يحمل ذلك على ظاهرة، وإنما يتأول على أنه يصدق في أنه قد أذنب ما يستوجب ذلك الضرب اليسير، وقد مضى هذا المعنى مجودا في رسم العتق من سماع أشهب من هذا الكتاب، وفي أول رسم من سماع ابن القاسم من كتاب السلطان، وبالله التوفيق.
[مسألة: عبد بين رجل وامرأته أعتق كلا منهما نصيبه]
مسألة وسئل ابن القاسم عن عبد بين رجل وامرأته فقال الزوج: نصيبي منك حر إذا ماتت امرأتي، وقالت المرأة: نصيبي منك حر إذا مات زوجي. قال: إذا مات الزوج عتق نصيب امرأته من رأس ماله ولا يلحقه دين كان بعد، ويبدأ على الوصايا وخدم ورثة الزوج أبدا حتى تموت المرأة، فإذا ماتت المرأة خرج حرا كله من رأس المال ولا يلحقه دين كان بعد ويبدأ على الوصايا.
стр. 7058
قال محمد بن رشد: هذه مسألة قد مضى الكلام عليها مستوفى في رسم أوصى أن ينفق على أمهات أولاده فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.
[مسألة: يحلف بالطلاق أو بالحرية ليضربن غلامه مائتي سوط]
مسألة قال ابن القاسم في الرجل يحلف بالطلاق أو بالحرية ليضربن غلامه مائتي سوط أو ثلاثمائة فضربه ضربا ينهكه ويبلغه هل يعتق عليه؟ قال: لا أرى أن يعتق عليه إلا أن يكون قد بلغ به الضرب أمرا يكون فيه مثلة شديدة من الأثر، فإن كان الضرب قد بلغ به من ذهاب لحمه حتى صار مثلة، قال: ورب ضرب يذهب اللحم حتى يبلغ العظم فيصير جلدا على عظم يتآكل، فإن بلغ منه هذا حتى يصير مثلة بينة عند الناس رأيته مثل قطع الأصابع وما أشبهه ورأيت أن يعتق عليه وإلا فلا شيء عليه، ولو رفع مثل هذا إلى السلطان قبل أن يضرب الضرب الذي يعلم أنه إن ضربه إياه خيف على العبد منه رأيت أن يعتق عليه وتطلق عليه امرأته، ولا يمكن من ضربه.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال: لأنه إذا أثر الضرب بجسده هذا التأثير فهو تمثيل به وإن لم يقطع جارحة من جوارحه قياسا على الحرق بالنار الذي جاء فيه الأثر: قول النبي ﵇: «من مثل بعبده أو أحرقه بالنار فهو حر» ، وبالله التوفيق.
[مسألة: قال لجاريته أنت حرة إن لم أبعك]
مسألة وقال في رجل قال لجاريته: أنت حرة إن لم أبعك ولو بوضيعة عشرة دنانير، فلم يعط إلا وضيعة خمسة عشر دينارا قال: لا يحنث ويطأها وإن مات لم تعتق في ثلث ولا غيره، ويتعرض بها الأسواق.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة قد مضى الكلام عليها في رسم
стр. 7059
يوصي لمكاتبه من سماع عيسى من هذا الكتاب وفي رسم المكاتب من سماع يحيى من كتاب الإيالة فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.
[مسألة: يشتري الجارية فتوضع للاستبراء فيعتقها المشتري]
مسألة وقال في رجل اشترى أمة فوضعت للاستبراء فحلف بعتقها لرجل ليقضينه حقه فحنث، ثم ظهر بالجارية حمل ليس هو من البائع، قال: يردها بالحمل ويأخذ الثمن ولا عتق عليه.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة قال بعض الناس فيها: إنها مسألة حائلة لابن القاسم ليست على أصله في أن للمشتري أن يسقط المواضعة عن البائع ويقبلها بعيب الحمل إن ظهر بها إذا لم يقع على ذلك، خلاف ما ذهب إليه سحنون من أن ذلك لا يجوز له لأنه يتهم في إسقاط الضمان عن البائع وتعجيل النقد على أن يتعجل الانتفاع بالجارية قال: ورواية محمد بن خالد عنه في كتاب الاستبراء يردها، وذلك أنه قال فيها في الرجل يشتري الجارية فتوضع للاستبراء فيعتقها المشتري وهي في المواضعة من قبل أن تستبرأ: إن عتقه يمضي ولا يكون له أن يردها وإن ظهر بها حمل إذا كان بائعها لا يدعي حملها؛ لأنه قد قطع ذلك عن نفسه بعتقه إياها ورضي بذلك، وليس ذلك عندي بصحيح؛ لأنه إذا بتل عتقها فقد رضي بعيب الحمل إن ظهر وأسقط التبعة فيه عن البائع بقصده إلى تفويتها بالعتق، والحالف أن يقضي غريمه حقه ليس بقاصد إلى تبتيل العتق باليمين، وإنما قصد به إلى التخلص من غريمه فلا يحمل عليه إن رضي بعيب الحمل إن ظهر إذ لم يرد إلا البر بالقضاء، ولعله غلب على الحنث بالعجز عن القضاء، فوقع الحنث بغير اختياره، وهذا فرق بين بين المسألتين، فلا يحمل على ابن القاسم التناقض والاضطراب في ذلك، ويأتي على ما ذكرناه من مذهب سحنون أن عتق المشتري فيها في أمد المواضعة لا يلزمه، وأن له أن يردها إن ظهر بها حمل ويبطل العتق، وبالله التوفيق.
стр. 7060
[مسألة: قال إن تركته يطبخ هذا القدر فأنت حر فوجده قد طبخه]
مسألة وسئل عن رجل أرسل غلامه يستقي له على دابته فأبطأ، ثم أرسل غلاما له آخر فقال له: اذهب فخذ الدابة منه، فإن أبى عليك فاكسر القلل، وأنت حر إن تركته يستقي إن لم أبعك عبدا، فذهب فوجده قد استقى وهو مقبل، فأخذ الدابة منه فلم يمانعه فجاء الغلام بالماء فصب في البيت فقال: لا شيء عليه، أرأيت إن قال: إن تركته يطبخ هذا القدر فأنت حر فوجده قد طبخه أعليه شيء؟ فهذا مثله.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله إنه لا شيء عليه إذا لم يدركه قبل أن يستقي وقبل أن يطبخ القدر، ومثله ما مضى في آخر رسم سلف من سماع عيسى من هذا الكتاب، وفي رسم العرية من سماع عيسى من كتاب النذور، وقد مضى الكلام على ذلك في الموضعين، وبينا فيهما أنه لا اختلاف في ذلك، بخلاف الذي يحلف أن لا يبيع السلعة هو وقد باعها، وبالله التوفيق.
[مسألة: قالت إن تزوجت فلانا فجاريتها حرة]
مسألة وقال في امرأة قالت: إن تزوجت فلانا فجاريتها حرة فتبيع الجارية ثم تتزوج فترد عليها الجارية بعيب. قال: تحنث، فإن ردت إلى المشتري قيمة العيب وحنثت وإن حبسها المشتري بذلك العيب ورضي لم يكن عليها حنث.
قال محمد بن رشد: أما إذا ردت عليها الجارية بعيب فقوله: إنها تحنث هو على قياس القول بأن الرد بالعيب نقض بيع، ويأتي على قياس القول بأن الرد بالعيب ابتداء بيع أن لا حنث عليها. كما لو اشترتها إلا من وجه
стр. 7061
أنها تتهم إذا اشترتها من الذي باعتها منه أنها عملت معه على ذلك لتبرأ من الحنث فيكون لذلك وجه إذ قال في. المدونة وغيرها إن من حلف بحرية عبده أن لا يفعل فعلا فباعه ثم اشتراه أو وهب له إن اليمين ترجع عليه ويحنث بحريته إن فعل ذلك الفعل إلا أن يعود إليه بميراث، وقد مضى في رسم باع شاة من سماع عيسى ما فيه بيان هذا.
وأما قوله إنها إن ردت إلى المشتري قيمة العيب وحنثت فهو بعيد إذ لم تنتقل الجارية بذلك عن ملك المشتري فكيف تحنث البائعة بعتقها وهي في ملك غيرها، ووجه ذلك على ما فيه من البعد أن الرد لما كان قد وجب للمشتري بإقراره له بالعيب ولعله قد دلس له به كان إذا أخذ منه قيمة العيب كأنه قد ردها إليه ثم اشتراها منه ثانية بما بقي من الثمن بعد قيمة العيب، وبالله التوفيق.
[مسألة: مفلسا ورث أباه أو وهب له ماذا يكون للغرماء فيه]
مسألة قال أبو زيد: قيل لابن القاسم أرأيت لو أن مفلسا ورث أباه أو وهب له ماذا يكون للغرماء فيه؟ قال: إن ورثه لم يعتق عليه إذا كان الدين يحيط بماله، وكان الدين أولى به لأنه كشيء أفاده.
وأما ما وهب له فإنه يعتق عليه وليس لأهل الدين فيه شيء؛ لأنه لم يوهب له ليأخذه أهل الدين، وإنما أراد حين وهب له أن يعتقه، فإذا أخذه أهل الدين كان قد أضر به.
قال محمد بن رشد: أشهب يقول: إن العتق أولى به في الميراث كالهبة، وبه قال محمد بن المواز، ولا وجه للتفرقة بينهما، واعتلاله لوجوب عتقه في الهبة بأن الواهب لم يهبه إلا ليعتق لا ليأخذه أهل الدين اعتلال ضعيف، إذ لا يدري لعل الواهب إنما أراد رفق الموهوب له ليؤدي عنه ديونه من ثمنه، ولعله ممن يجهل أنه يعتق عليه، فلا يصح في المسألة إلا قولان،
стр. 7062
أحدهما: أنه يعتق في الوجهين على قياس القول بأنه لا يتقرر له عليه ملك وهو حر بنفس الشراء، والثاني: أنه لا يعتق عليه في الوجهين ويباع فيما عليه من الدين على قياس القول بأنه باق على ملكه حتى يعتقه أو يعتق عليه على ظاهر ما جاء عن النبي ﵇ من قوله: «لا يجزي ولد والده إلا أن يجده مملوكا فيشتريه فيعتقه» وقد مضت هذه المسألة متكررة والقول عليها مستوفى في سماع أبي زيد من كتاب المديان والتفليس، وذكرنا هناك ما يختلف فيه من المسائل على هذين الأصلين فلا معنى لإعادته.
[: تزوج أمة فولدت غلاما فكبر الغلام ثم مات أبوه]
ومن كتاب النسمة قال ابن القاسم في رجل تزوج أمة فولدت غلاما، فكبر الغلام ثم مات أبوه فتزوج ابنه هذا حرة فولدت له ولدا بعد وفاة الجد والأب المملوك حي قال: ولاؤه لموالي أمه ولا يجر الجد المتوفى ولاء ولده الذين ولدوا بعد موته إنما يجر ما كان حيا قال: ولو توفي الجد وأمه حامل جر ولاءه، وكان ولاءه لموالي الجد إذا حملت به قبل وفاة الجد، قال: والأب المملوك ها هنا لا يحجب ولا يضره وهو بمنزلة الميت والكافر.
قال محمد بن رشد: هذا الرسم بجملته من سماع عيسى هو في آخر سماعه، وقد مضى الكلام عليه في موضعه مستوفى، وتكرر ها هنا في بعض الكتب فلا معنى لإعادة الكلام عليه.
стр. 7063
[مسألة: العبد بين الرجلين يحلف أحدهما بحريته أن يضربه والآخر أن لا يضربه]
مسألة قيل لابن القاسم: أرأيت العبد بين الرجلين يحلف أحدهما بحريته أن يضربه، ويحلف الآخر بحريته أن لا يضربه، من يحنث منهما؟ قال ابن القاسم: ينظر في ذلك، فمن حلف منهما على الظلم والتعدي حنث وأعتق عليه.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال لأن العبد بين الشريكين ليس لأحدهما أن يؤدبه إذا أبى ذلك عليه شريكه إلا بالسلطان، كما إذا كان بعضه حرا حسبما مضى في رسم البز من سماع ابن القاسم، فإذا حلف أحد الشريكين أن يضربه وحلف الآخر أن لا يضربه وجب أن ينظر السلطان في ذلك كما قال بأن يوقفه على المعنى الذي حلف أن يضربه من أجله، فإن كان مما لا يستوجب به الضرب أعتقه عليه وأغرمه نصف قيمته لشريكه، وإن كان مما يستوجب به الضرب وأقام بذلك بينة لا مدفع لشريكه فيها إذا كان منكرا أمكنه من البر فيه بضربه، وعتق العبد على شريكه على قوله في هذه الرواية، ورأيته عن مالك في رسم سلعة سماها ورسم حلف من سماع ابن القاسم من كتاب الأيمان بالطلاق ودليل ما في كتاب التخيير والتمليك من المدونة من أن من حلف أن لا يفعل فعلا يحنث إذا قضى به عليه السلطان إلا أن يقول لم أرد مغالبة السلطان فينوى في ذلك مع يمينه على ما قاله في آخر رسم الطلاق الثاني من سماع أشهب من كتاب الأيمان بالطلاق أيضا، ولا يعتق عليه على مذهب ابن الماجشون في أن من حلف أن لا يفعل فعلا فقضى به عليه السلطان لا يحنث إلا أن يقول ولا بالسلطان أو يحلف بحضرته فيتيقن بذلك إنه أراد مغالبته، وبالله التوفيق.
تم الكتاب الرابع من العتق بحمد الله تعالى
стр. 7064
[: كتاب المدبر]
[: دبر عبده واشترط ماله من بعد موته بغير موت السيد]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين
كتاب المدبر
من سماع ابن القاسم من كتاب قطع الشجر أخبرني محمد بن عمر ابن لبابة قال: أخبرني العتبي قال: أخبرنا سحنون قال أخبرنا ابن القاسم عن مالك أنه قال: من دبر عبده واشترط ماله من بعد موته بغير موت السيد كان جائزا له.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله، ومثله في سماع أصبغ عن ابن القاسم في رسم المدبر منه، قال: وهذا مما لا شك فيه، وإنما هو رجل أوصى فقال: إذا مت فعبدي حر خذوا منه ماله، ألا ترى لو أن مريضا قال في مرضه: غلامي مدبر وخذوا منه ماله أخذ منه فما استثنى في الصحة بمنزلة ما استثنى في المرض، قال: فإذا مات السيد قوم في الثلث بغير ما له ببدنه خالصا، وأخذ منه ما كان بيده فكان مالا من مال الميت يقوم فيه رقبته مع غيره من مال الميت، وقاله أصبغ، وفي المدنية لابن كنانة خلاف ذلك، قال: سئل ابن كنانة عن الرجل يدبر عبده ويستثني ماله، فقال: ليس ذلك من عمل الناس ولا مما يعرف في أمر المدبر ولا مما جاءت السنة فيه، وليس ذلك له، ويتبعه ماله كما جاءت السنة فيه، قال ابن كنانة: ومما يبين لك ذلك لو أن رجلا قال في مرضه: غلامي مدبر وخذوا منه ماله لم يؤخذ منه فهذا بين، والحجة فيه قوله؛ لأن ما استثنى في الصحة بمنزلة ما استثنى في المرض، وقول ابن القاسم وروايته عن مالك في هذه المسألة هو الصحيح في
стр. 7065
النظر؛ لأنه إذا جاز أن يعتق الرجل عبده ويستثني ماله جاز أن يوصي بذلك وأن يدبره على ذلك، ولا يلزم ابن القاسم ما احتج به ابن كنانة من قياس امتناع جواز ذلك في الصحة على امتناعه في المرض؛ لأن جواز ذلك عنده أبين في المرض منه في الصحة، وقد استدل ابن القاسم على جوازه في الصحة بجوازه في المرض، فبان بذلك ضعف قول ابن كنانة وبطلان حجته على ابن القاسم، وبالله التوفيق.
[مسألة: انتزع أم ولد مدبره ثم ردها إليه]
مسألة وقال مالك فيمن انتزع أم ولد مدبره ثم ردها إليه فهي على حالها الأول عنده.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة فيها نظر؛ لأن قوله إنما يرجع عنده إذا ردها إليه على حالها الأول معناه على حالها الأول من حرمة إيلاده لها الذي يوجب لها أن تكون به أم ولد إذا أعتق وهي عنده، وقد اختلف في ذلك قول مالك فقال مرة: إنها تكون أم ولده إذا أمضى إلى الحرية بما ولدته في التدبير، وقال مرة: إنها لا تكون بذلك أم ولد حتى يولدها بعد أن أعتق، فكان القياس إذا انتزعها منه ثم ردها إليه أن ترجع إليه رقيقا، وتبطل الحرمة التي كان لها بإيلاده إياها على أحد قولي مالك كما لو باعها بعد أن أولدها ثم اشتراها، ويحتمل أن يكون تكلم في هذه الرواية على القول بأنه لا حرمة لها بإيلاده إياها في حال التدبير حتى يولدها ثانية بعد أن أمضى إلى الحرية، فيكون قوله صحيحا لا اعتراض فيه؛ لأنها على هذا القول أمة له لا حرمة لها بإيلاده إياها قبل أن ينتزعها فكذلك تكون بعد أن ردها إليه، وبالله التوفيق.
[: دبر رقيقا له في صحة أو في مرض]
ومن كتاب سن رسول الله ﷺ قال ابن القاسم: قال مالك: من دبر رقيقا له في صحة أو في
стр. 7066
مرض فدبر بعضهم قبل بعض وعليه دين، بيع الآخر فالآخر في الدين، فإذا استوعب الدين رجع إلى الأول فالأول فعتق ما حمل الثلث ورق ما بقي.
قال محمد بن رشد: هذا مثل ما في المدونة من أن المدبر في الصحة أو في المرض يبدأ في الثلث الأول منهم فالأول، وإذا بدئ الأول فالأول وجب على قياس ذلك أن يباع الآخر فالآخر في الدين على ما قال في هذه الرواية.
وسحنون يقول: إن التدبير في الصحة وإن كان شيئا بعد شيء فهو بمنزلة ما لو دبرهم في كلمة واحدة؛ لأن له أن يعتق بعد تدبيره ويهب ويتصدق ولا يمنع ولا يقال له: أدخلت الضرر على المدبر، وأما إذا كان التدبير في كلمة واحدة في الصحة أو في المرض أو في الوصية بعد الموت فلا يبدأ أحد منهم على صاحبه ولا يسهم بينهم، وإنما يعتق من كل واحد منهم ما حمل الثلث من جميعهم، وكذلك إن كان عليه دين يباع من كل واحد منهم بالحصص ما نابه من الدين، اتفقت قيمتهم أو اختلفت، مثال ذلك أن يكون له ثلاثة مدبرون في كلمة واحدة قيمة أحدهم مائة، والثاني مائتان، والثالث ثلاثمائة وعليه دين مائة، فيباع من كل واحد منهم سدسه، وكذلك إن كانت قيمتهم سواء مائتان مائتان وعليه دين مائة يباع من كل واحد منهم سدسه، ولو كانت قيمة كل واحد منهم مائة مائة وعليه دين مائة لبيع من كل واحد منهم ثلثه، بخلاف الموصى بعتقهم والمبتلين في المرض، هؤلاء يقرع بينهم فيمن يباع منهم في الدين وفيمن يعتق منهم بعد الدين على مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك، ولابن نافع في المدنية أنه يقرع بين المدبرين كما يقرع بين الموصى بعتقهم وبين المبتلين، وقد مضى هذا في رسم الصلاة من سماع يحيى من كتاب العتق، وبالله التوفيق.
стр. 7067
[مسألة: المرأة ذات الزوج تدبر ثلث جاريتها]
مسألة وسئل مالك عن المرأة ذات الزوج تدبر ثلث جاريتها، قال: يلزم ذلك، قال: وأراه أراد التدبير كله، مثل الرجل تدبر عليه كلها. قال ابن القاسم: وأرى أن تدبر عليها كلها، قال ابن القاسم: لأن عندنا من قول مالك في المرأة ذات الزوج تدبر جاريتها كلها وليس لها مال غيرها فيرد ذلك زوجها قال: ليس ذلك له، هي مدبرة كلها على حالها، قال ابن القاسم: وإنما فرق بين التدبير كله من المرأة ذات الزوج والعتق؛ لأن التدبير لا يخرج من يدها شيئا وهو موقوف معها حتى يخرج من ثلثها، فليس لزوجها في ذلك حجة، إنما هي وصية، والعتق يخرج ذلك من يديها، فهذا فرق ما بينهما، وهو وجه ما سمعت لم يروه سحنون وكرهه ورآه خطا لا شك فيه، وقاله مطرف، وأباه ابن الماجشون.
قال محمد بن رشد: قد روي عن مالك مثل قول ابن الماجشون وسحنون ها هنا، وفي كتاب ابن سحنون أن المرأة ذات الزوج لا يجوز لها أن تدبر جاريتها إذا لم يكن لها مال غيرها إلا بإذن زوجها، قال في كتاب المدنية عبد الرحمن بن دينار: وحدثني محمد بن يحيى السبائي أنه سمع مالكا يقول في امرأة دبرت نصف عبدها ولها زوج وليس لها مال غيره: إنه لا تدبير عليها كله ولا يكون منه مدبرا إلا ما دبرت؛ لأن زوجها يمنعها من ذلك، فإن لم يكن لها زوج كان مدبرا كله، وفي قول مالك في هذه الرواية إنه لا يكون منه مدبرا إلا ما دبرت من أجل الزوج نظر على أصله في أن التدبير كالعتق للزوج أن يرد منه ما زاد على الثلث؛ إذ قال: إنه لم يكن لها مال غيره، فكان القياس على أصله أن لا يكون مدبرا منه إلا الثلث.
ولكلا القولين وجه من النظر، فوجه قول ابن القاسم وروايته عن مالك
стр. 7068
في أن لها أن تدبر عبدها وإن لم يكن لها مال سواه أن من حقها أن تمسكه طول حياتها ولا تبيعه، فلا حجة له عليها في تدبيرها إياه، ووجه قول مالك في رواية محمد بن يحيى السبائي عنه وقول ابن الماجشون وسحنون أنها إذا دبرت عبدها ولا مال لها سواه فقد حجرت على نفسها جميع مالها وألزمت ذلك نفسها إلزاما لا رجوع لها فيه، فصار ذلك كالتفويت له، وبالله التوفيق.
[: قال غلامي مدبر عن ابني في وصية أوصى بها]
ومن كتاب المحرم يتخذ الخرقة لفرجه وسئل مالك عن رجل قال: غلامي مدبر عن ابني في وصية أوصى بها عند موته وأوصى بوصايا مع ذلك.
قال ذلك جائز. قال ابن القاسم وليس له أن يرجع فيه لأنه أعتقه إلى أجل من الآجال، قال ابن القاسم ولو كانت جارية لم يطأها الأب ولا الابن، قال: وولاؤه للابن الذي دبر عنه.
قال محمد بن رشد: حمل قوله في هذه الرواية لغلامه أنت مدبر عن ابني أنه إنما أراد أنه حر عنه بعد موته فرآه معتقا إلى موت ابنه عنه، كأنه قال عبدي حر إذا مات ابني وجعل له ولاؤه، لقوله عن ابني، فهو حر على هذه الرواية من رأس المال إذا مات ابنه، مات قبله أو بعده، وذلك خلاف ما يأتي في سماع أبي زيد من أنه إنما يعتق بعد موته من ثلثه إلا أن يقول هو حر عن دبر ابني فحينئذ يكون معتقا إلى موت ابنه من رأس ماله، والكلام محتمل للوجهين، فيجب على أصولهم أن يسأل عما أريد من ذلك، فما قال قبل قوله فيه، وإنما يكون هذا الاختلاف إذا سئل فقال لم تكن لي نية ولا أدري ما أردت أو مات قبل أن يسأل، فعلى قول ابن القاسم في هذه الرواية لا يعتق حتى يموت ابنه وعلى رواية أبي زيد إذا مات من ثلثه، وولاؤه على كل القولين للابن، وبالله التوفيق.
стр. 7069
[: بيع المدبرة]
ومن كتاب يسلف في المتاع والحيوان قال ابن القاسم: حدثني مالك عن أبي الرجال عن أمه عمرة ابنة عبد الرحمن عن عائشة أن جارية لها سحرتها وأن سنديا دخل عليها في مرضها، وأنه قال لها: إنك مسحرة قالت: من سحرني؟ قال لها: جارية في حجرها صبي وقد بال عليها، فدعت جاريتها فقالت حتى أغسل بولا في ثوبي فقالت: سحرتني؟ فقالت: نعم، قالت: وما دعاك إلى ذلك؟ قالت: أردت بذلك تعجيل العتق فأمرت أخا لها أن يبيعها من الأعراب ممن يسيء ملكها، فباعها، ثم إن عائشة أريت بعد ذلك في النوم أن اغتسلي من ماء ثلاثة آبار يمر بعضها بعضا، فاستقي لها فاغتسلت فبرئت، قال سحنون: معنى الجارية أنها كانت مدبرة.
قال محمد بن رشد: إنما قال السندي لعائشة إنها سحرت وإن الذي سحرها جارية في حجرها صبي وقد بال من ناحية الكهانة، والكاهن قد يصيب في يسير من كثير بما يلقيه إليه وليه من الجن فيما استرق من السمع فيخلط إليها مائة كذبة على ما جاء من ذلك في الحديث، والله أعلم، وقول سحنون يعني الجارية أنها كانت مدبرة، صحيح، قد قاله مالك في كتاب ابن المواز وكتاب ابن سحنون، وحكى ابن حبيب عن ابن وهب عن عبد الجبار بن عمر عن ابن شهاب وربيعة بن أبي عبد الرحمن أنهما قالا: كانت لعائشة زوج النبي ﷺ جارية مدبرة فاتهمتها بسحر، فقالت: أما والله لأغربنك فيمن لا يرثي لك، فباعتها من الأعراب فأخبر بذلك عمر بن الخطاب، فبعث في طلب الجارية فأعجزته ولم يجدها، فأرسل إلى عائشة فأخذ الثمن منها، فاشترى بها جارية فجعلها مكانها على تدبيرها، وقال مطرف عن مالك: ليس العمل عندنا على حديث عائشة حين باعت مدبرة لها
стр. 7070
اتهمتها بسحر، وقال سحنون في كتاب ابنه ولا حجة علينا في فعل عائشة من ذلك؛ لأن الحادث الذي فعلت من السحر يوجب قتلها فكيف بيعها؟ ولا يجوز بيعها عند أحد من السلف بغير حادث، وليس قوله في ذلك عندي ببين، وإنما باعتها عائشة لأنها رأت أن تدبيرها قد بطل لما أرادت من استعجال عتقها بقتلها بالسحر الذي سحرتها به، وذلك بين من قولها في الحديث: أردت بذلك تعجيل العتق، فلما أرادت أن تتعجله قبل وقته حرمت إياه كما حرم القاتل عمدا الميراث بما أراد من تعجيله قبل وقته، فهدا وجه ما ذهبت إليه عائشة ﵂، ولم يَرَ ذلك عمر فحكم بما رآه باجتهاده إذ كان هو الإمام، ورأى مالك ما قضى به عمر فأخذ به وترك ما ذهبت إليه عائشة، وإليه ذهب أيضا ابن القاسم في رواية أصبغ عنه على ما يأتي له في رسم المدبر من سماعه خلاف قول أصبغ فيه على ما سنبينه إن شاء الله.
[: متهم في اشترائه مال يتيمه]
من سماع أشهب وابن نافع من مالك
من كتاب العتق قال أشهب: وسمعت مالكا يسأل فقيل له: إن عندي يتيما في عيالي وبيني وبينه مملوك، لي ثلاثة أرباعه، وله ربعه، فأردت تدبيره فقال: ما ثمنه؟ أم يسير أم كثير؟ فقال: ما لي علم بثمنه، فقال: إني أحب أن أعلم ما ثمنه، فقال هو وصيف رباعي، فقال: ما أرى لك ذلك، يكون أنت الذي تعمل فيما بينك وبين يتيمك، ولكن لو أتيت السلطان حتى يقيمه بقيمته وينظر فيه لليتيم، فأما أن يكون أنت الذي تعامل نفسك، فلا.
стр. 7071
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله؛ لأنه متهم في اشترائه مال يتيمه، فالحظ له أن يأتي السلطان في ذلك حتى يكون هو الذي يحكم فيما بينه وبين يتيمه بما يراه له من السداد في القيمة، وبالله التوفيق.
[: قول الرجل لغلامه أنت مدبر إلى عشر سنين]
من سماع عيسى عن ابن القاسم من كتاب
أوله نقدها نقدها قال عيسى: وسألت ابن القاسم عن رجل قال لغلامه: أنت مدبر إلى عشر سنين، قال أراه حرا إلى عشر سنين، فإن مات السيد قبل ذلك لم يعتق إلا إلى عشر سنين.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله ابن القاسم؛ لأن المعنى في قول الرجل لغلامه أنت مدبر إلى عشر سنين أنت حر إلى عشر سنين، فعبر بلفظ التدبير عن لفظ الحرية إذا كان التدبير سببا لها، وبالله التوفيق.
[: وطئ العبد المدبرة فحملت]
ومن كتاب أوله عبد استأذن سيده قال عيسى: وسألت ابن القاسم عن عبد استأذن سيده في تدبير جارية له فأذن له فدبرها، قال: لا يمسها السيد ولا العبد لأنها معتقة إلى أجل، وهي تخرج من رأس المال، ولا يلحقها دين وولاؤها للسيد وإن عتق العبد.
قلت: فإن وطئها العبد فحملت؟ قال: توقف هي وولدها حتى يموت العبد فتعتق.
قلت: فإن وطئها السيد فحملت؟ قال: يلحق به الولد
стр. 7072
وتوقف هي حتى يموت العبد فتعتق أو يموت سيدها قبل موت العبد فتعتق عند موته، ولو قال قائل: إنها تعتق عليه ساعتئذ حملت، لم أعب قوله، ولكني لست أحب أن أحمل عليه في العتق حدا، قال عيسى: تعتق عليه الساعة.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة حسنة بينة كلها، إذ لا فرق في المعنى بين أن يدبرها العبد بإذن سيده أو ينتزعها منه السيد فيعتقها إلى موت العبد فهي معتقة إلى أجل، وإن وطئها العبد فحملت منه كان ولدها منه بمنزلتها في أنه يعتق بعتقها، ويعذر بالجهل في وطئها فيلحق به ولده منها، وإن وطئها السيد لحق به ولدها أيضا لأن له شبهة في وطئها، إذ هي معتقة إلى أجل، وإذا ألحق به ولدها منها كان لها حكم أم الولد في وجوب العتق لها بموته، فوجب أن تعتق إلى أولهما موتا، هو أو العبد كما قال، ولم ير ابن القاسم أن يعجل لها العتق وإن كان لا يجوز له وطؤها لأن له أن يستمتع من خدمتها طول حياته بما يستمتع به السيد من خدمة أم ولده في الشيء اليسير الذي يشبهها، ولم يراع عيسى ذلك الاستمتاع الذي له من خدمتها ليسارته، فرأى أن يعجل عليه عتقتها، والظالم قد يحمل عليه بعض الحمل.
[مسألة: المدبر يقتل سيده]
مسألة قال: وسألته عن المدبر يقتل سيده قال: إن كان قتله خطأ عتق في ماله ولم يعتق في ديته، وكانت الدية عليه دينا وليس على العاقلة منها شيء لأنه صنع وهو مملوك، وإن كان قتله عمدا قتل به، فإن استحياه الورثة بطل تدبيره وكان عبدا لهم مملوكا.
قال محمد بن رشد: قوله إن كان قتله خطأ تكون الدية عليه دينا صحيح على معنى ما في المدونة وغيرها، قال أصبغ في رسم سلف من سماع عيسى من كتاب الديات: وهذا إذا حمله الثلث وإن لم يخرج من الثلث عتق
стр. 7073
منه ما حمل الثلث وكان عليه من الدية بقدر ما عتق منه، يؤخذ من ماله إن كان له مال أو يتبع به دينا إن لم يكن له مال، ولا يدخل فيما يؤخذ منه الدية ولا يعتق فيها منه شيء، وقوله صحيح تذييل لقول ابن القاسم وزيادة عليه. وقوله إنه يبطل تدبيره إن كان قتله عمدا هو على قياس ما أجمعوا عليه من أن القاتل عمدا لا ميراث له ممن قتله، وبالله التوفيق.
[مسألة: مدبرة جرحت رجلا وهي حامل فلما وضعت أسلمها سيدها إلى المجروح]
مسألة وسألت ابن القاسم عن مدبرة جرحت رجلا وهي حامل، فلما وضعت أسلمها سيدها إلى المجروح.
فقال: سيدها فيها بالخيار إن شاء أسلمها بغير ولد تختدم بدية الجرح أسلمها، وإن شاء افتداها بدية الجرح، فإن أسلمها أخدمت أو أجرت، فإن استوفى المجروح من خدمتها أو إجارتها دية الجرح رجعت إلى سيدها على ما كانت عليه من التدبير، وإن لم يستوف المجروح دية جرحه حتى توفي سيدها عتقت هي وولدها إن خرجوا من الثلث، واتبعها المجروح ببقيته دية جرحه دينا عليها، وإن لم تخرج هي وولدها من الثلث ولم يدع سيدها دينا عتق منها ومن ولدها ما خرج من الثلث، ورق ما بقي فيما عتق منها كان عليها من بقية دية الجرح بحسابه إن عتق نصفها كان عليه نصف بقيته دية المجروح، ويخير الورثة فيما رق منها إن كان نصفها أو ثلثها في أن يسلموه إلى المجروح مما يصيبه من بقية دية جرحه أو يفتكوه به، وإن كان الميت ترك دينا بيع منها ومن ولدها مقدار الدين وبيع منها أيضا بقدر دية الجرح، ثم يدفع إلى أهل الدين دينهم، وإلى المجروح بقية دية جرحه وعتق منها ومن ولدها ثلث ما بقي فيها من
стр. 7074
الرق ومن ولدها، وكان لولدها في هذا الموضع من العاتق أكثر مما لها، وذلك أنه دخلها الرق بما أصابها من الدين وأصاب غيرها من ولدها، ودخلها بالجناية التي جنت. دون ولدها فصارت بذلك أكثر رقا وأقل عتقا وبما رقت الأم وعتق من الولد بعضهم، وذلك إذا أحاط الدين بما ينوبها من دين سيدها ودية الجناية بقيمة رقبتها.
وتفسير ذلك أنه يباع بالدين منها ومن ولدها ثلث كل واحد منهم أو ربعه أو سدسه قدر ما يكون الدين، ثم يعتق ثلث ما بقي من رقبة كل واحد من ولدها، ثم ينظر إليها فيباع منه للجناية بعد الدين، فإن أحاطت الجناية بعد الدين بجميع رقبتها لم يكن لها عتق، ورقت كلها إذا كانت قيمتها كفاف ما حمل عليها من دين سيدها ومن الجناية، وإن كانت الجناية تحيط بجميع رقبتها سوى الدين كانت الجناية أولى برقبتها من الدين، ورجع الغرماء فيقاصوا جميع حقهم من ولدها، ويعتق منهم ثلث ما بقي من رقبة كل واحد بعد الدين ورقت الأمة كلها، وقيل لورثة الميت إن شئتم فافتكوها بالجناية وتكون لكم مملوكة ليس فيها عتق، وإن شئتم فأسلموها، فإن أسلموها كانت رقيقا للمجني عليه يبيع ويهب ويصنع ما شاء.
وإن كانت الجناية وما حمل عليها من دين سيدها أقل من قيمتها عتق منها ثلث ما بقي بعد الجناية وبعد دين سيدها، وعتق من ولدها ثلث ما بقي بعد الدين، فكان الولد ها هنا أكثر عتقا من أمهم، وإن كان الدين يحيط بجميع ولدها وزيادة، والجناية تحيط بها فالمجني عليه أولى برقبتها إلا أن يزيد أهل الدين على الجناية فيكونون أحق بها ويقاصون الغريم بالزيادة التي زادوها على
стр. 7075
الجناية، وإن أبوا وقالوا نحن نأخذها بدية الجناية لم يكن ذلك لهم أبدا حتى يزيدوا.
قلت: أفتكون الزيادة ها هنا درهما أو دينارا؟ وكم الزيادة التي إذا زادوها الغرماء كانوا أولى بها؟ وما قدرها؟ وكيف إن أخذوها بزيادة فباعوها بفضل على ما أخذوها به هل يقضى لصاحب الدين بذلك الفضل؟ وإن ماتت أو نقصت ممن تكون مصيبتها؟ قال ابن القاسم: إنما يقضى له بالزيادة الأولى، وأما ما باعوها به بعد ذلك فإنما الزيادة لهم خالصة والنقصان عليهم، وإن ماتت كانت منهم، وإن باعوها بأكثر مما أخذوها به من المجروح كانت الزيادة لهم، قال: ولا يقبل منهم في الزيادة إلا ما يرى أنه زيادة، وأما الدرهم والدرهمان والفلوس فإن ذلك ليس بزيادة، قال: فإنما يباع أبدا أولا للمجروح ثم الدين، الجرح أبدا مبدأ على الدين، وقال سحنون مثله.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة صحيحة بينة على أصل قوله في المدونة إلا أنها مخالفة لما في المدونة في موضع واحد، وهو إذا كان ما يقع عليها من الدين مع الجناية التي عليها يغترق رقبتها.
فقوله في هذه الرواية: إنه يباع منها بما يقع عليها من الدين ويباع منها بالجناية التي عليها وإن اغترق ذلك جميع رقبتها ولم يفضل منها شيء، هو خلاف قوله في المدونة؛ لأن من قوله فيها إذا كان ما على الميت من الدين وما على المدبر من الجناية يغترق رقبته ولا يفضل منها شيء كان أهل الجناية أحق بالرقبة إلا أن يزيد أهل الدين على أرش الجناية زيادة يحطونها على الميت من دينهم، وإنما يباع على مذهبه في المدونة من المدبر للدين وللجناية إذا كان يفضل بعد ذلك من رقبته فضل يعتق منه ثلثه، وأما إذا لم يفضل عن رقبته
следующие страницы →