← Фикх малики

Фикх малики · id 21751

البيان والتحصيل

ابن رشد الجد

Полный текст (9 112 стр.). Показаны 7176–7215 · переход к 7181.

стр. 7176

قال محمد بن رشد: هذا كما قال: إن الأم بمنزلة الأجنبي في ابتياع بعض كتابة المكاتبة، إذ لا يعتق المكاتب بابتياع أمه جزءا من كتابته، وإنما يعتق إذا ابتاعه كتابته كلها؛ لأنها تسقط عنه بابتياعها له على ما مضى في رسم يشتري الدور من سماع يحيى فيعتق بذلك، وقد مضى تحصيل الاختلاف في بيع جزء من كتابة المكاتب، في رسم نذر سنة من سماع ابن القاسم فلا معنى لإعادته، وتكررت المسألة في رسم الكبش من سماع يحيى وفي رسم المدبر عن سماع أصبغ، وبالله التوفيق. [: وهب لرجل نصف كتابته أو جلها ثم عجز] من سماع موسى بن معاوية من ابن القاسم قال موسى بن معاوية: قال ابن القاسم، في رجل أعطى رجلا كتابة مكاتبه في صحته فعجز عن المعطى، فقال مالك: هو للذي وهبت له كتابته، وهو بمنزلة من ابتاعه. وكذلك قال لي مالك. قال أبو زيد بن أبي الغمر عن ابن القاسم: ولو أن رجلا أعطى رجلا في حياته وصحته كتابة مكاتبه، فعجز عنه المعطى كانت رقبته لسيده المعطي. قال محمد بن رشد: رواية أبي زيد هذه خلاف ما يأتي له في سماعه بعد هذا، مثل رواية موسى، وقد ذكر ابن المواز عن مالك فيمن وهب لرجل نصف كتابته أو جلها ثم عجز، فإن له بقدر ذلك من رقبته ملكا مثل البيع، وقاله أشهب وأصبغ، وذكر أبو بكر بن محمد عن أشهب مثل رواية أبي زيد هذه، والقياس أن لا فرق في هذا بين البيع والهبة، وأن تكون له رقبته إذا وهبت له كتابته فعجز عما كان يكون له إذا اشتراها فعجز، وكذلك إذا وهب له منها جزءا أو نجما بغير عينه فعجز يكون له من رقبته بقدر ذلك الجزء أو بقدر النجم من عدد النجوم، ورأى على إحدى روايتي أبي زيد وأحد قولي أشهب:

стр. 7177

أن الواهب للكتابة إذا قصد إلى هبة المال لا إلى هبة الكتابة على ما يوجبه الحكم في شرائها من أن تكون له الرقبة إن عجز عنها، وليس ذلك بيّنا، وبالله التوفيق. [: العبد تكون له أم ولد فيكاتبه سيده عليها ويجعل كتابتهما واحدة] مسألة وسئل ابن القاسم: عن العبد تكون له أم ولد فيكاتبه سيده عليها ويجعل كتابتهما واحدة، قال: يحرم فرجها على سيده، ويكون ذلك كالانتزاع منه. قال محمد بن رشد: هذا بيّن على ما قاله؛ لأنه إذا كاتبها معه فقد انتزعها منه، فوجب أن تحرم بذلك عليه، وبالله التوفيق. [: المكاتب يعجز نفسه ويرضى بفسخ الكتابة] مسألة قال ابن القاسم، في المكاتب يقول لسيده: امح عني كتابتي وارددني على حالي التي كنت عليها، هل له أن يفعل ذلك به؟ قال ابن القاسم: سألنا مالكا عن المكاتب يعجز نفسه ويرضى بفسخ الكتابة، وسمعته غير مرة، وهو يقول: إن كان له مال ظاهر لم يكن له أن يعجز نفسه، وإن كان له مال صامت لا يعرف وعجز نفسه ورضي بفسخ الكتابة رأيت ذلك له دون السلطان. قال محمد بن رشد: هذا نص ما في المدونة وهو المشهور في المذهب أن المكاتب ليس له أن يعجز نفسه إذا كان له مال ظاهر وإن رضي بذلك سيده؛ لأن الكتابة يتعلق فيها حق الله تعالى، وقيل: إن للمكاتب أن يعجز نفسه وإن كان له مال ظاهر ما لم يكن له بنون صغار، قاله ابن عبد الحكم في مختصره عن مالك، ومعناه: إذا رضي بذلك سيده خلافا للشافعي في قوله: إن ذلك له وإن أبق سيده بالكتابة على رواية ابن عبد الحكم عن مالك

стр. 7178

كالبيع الذي لا يتعلق فيه حق لغير المتبايعين، فتجوز الإقالة بينهما فيه، والقول الأول أظهر؛ لأن الكتابة عقد من عقود الحرية فلا يجوز إبطاله إلا من ضرورة، والشافعي لا يرى في الكتابة حقا إلا للعبد، فيراه أحق بالتمسك بها وبنقضها، وقول مالك أصح؛ لأنها عقد معاوضة بتراضيهما، فإذا لم يكن للسيد الرجوع فيه وجب أن لا يكون للعبد الرجوع فيه. وأما إذا لم يكن للمكاتب مال ظاهر فجحد أن يكون له مال باطن وأراد أن يعجز نفسه وأبى السيد ذلك عليه لم يكن له ذلك إلا بإذن السلطان كما أنه إذا أراد السيد تعجيزه وأبى هو من ذلك لم يكن ذلك إلا بالسلطان. واختلف إذا أجابه سيده إلى ما دعا إليه من تعجيزه نفسه وصدقه فيما ادعاه من أنه لا مال له، فقال في هذه الرواية وفي المدونة: إن ذلك له دون السلطان، فإن عجز نفسه برضا سيده دون السلطان ثم ظهرت له أموال أخفاها مضى التعجيز وبقي رقيقا ولم يرجع في الكتابة إلا برضاهما جميعا. وقال سحنون: لا يكون التعجيز إلا عند السلطان، وهو قول ابن كنانة في المدنية، فعلى قولهما: إن عجز نفسه برضا سيده دون السلطان ثم ظهرت له أموال كان أخفاها وجب أن يرد على كتابته، وهذا القول أظهر على قياس القول بأن الكتابة يتعلق بها حق لله تعالى، فلا يجوز للمكاتب أن يعجز نفسه إذا كان له مال ظاهر وإن رضي سيده؛ لأنه إذا لم يكن له مال ظاهر فرضي سيده دون السلطان اتهما جميعا على إسقاط حق الله تعالى في إبطال الكتابة، والسلطان يكشف عن حال المكاتب إذا ارتفعا إليه ورضيا بالتعجيز، فإن تبين له كذبه فيما يدعي من أنه لا مال له لم يمكنه من تعجيز نفسه، وقد قال ابن القاسم في كتاب ابن المواز: إنه إن اتهم بمال ولدد رأيت عليه العقوبة، وله أن يعجز نفسه إذا لم يكن له مال وإن كان صانعا، قاله ابن القاسم في كتاب ابن المواز، قال محمد: وأما إن كان له مال ظاهر فلا يعجز نفسه ويؤخذ منه لسيده شاء أو أبى، يريد بعد محله ويعتق، وبالله التوفيق.

стр. 7179

[: قال لغلامه أكاتبك على أن أعطيك عشر بقرات فإذا صارت خمسين فأنت حر] من سماع أصبغ من ابن القاسم قال أصبغ: سئل ابن القاسم: عمن قال لغلامه: أكاتبك على أن أعطيك عشر بقرات، فإذا صارت خمسين فأنت حر، هذه كتابتك. فرضي الغلام بذلك، قال: ليست هذه عندي كتابة ولا أرى لسيده أن يفسخها لما جعل له من العتق، وهو عندي مثل ما يقول رجل: اشهدوا إذا بلغت بقري هذه خمسين فغلامي حر، ويعطيه إياها، وليس له أن يبيعها ولا يفسخ ما جعل له إلا أن يرهقه. قال أصبغ: لا يعجبني قوله، وأراها كتابة، وقد يجوز في الكتابة الغرر والمجهول من المال والآجال، ومن لفظ الكتابة وفعلها ما هو أكبر من هذا وأشد، ولا أرى أن يفسخ عنه حتى يتبين عجزه عما قال بأمر بين. قال محمد بن رشد: أصبغ يراها كتابة جائزة فلا يبطلها الدين المستحدث على أصله ومذهبه، وقد نص على ذلك في رسم أول عبد ابتاعه فهو حر من سماع يحيى، وإلى قوله ذهب أحمد بن ميسر، فقال: إن له بيع الذكور وأحصى عددها وكذلك الإناث التي انقطع ولادتها ولا يفسخ ما جعل له وإن رهقه دين، وقد مضى الكلام على هذه المسألة مستوفى في الرسم المذكور من سماع يحيى فلا معنى لإعادته، وإنما قال أحمد: إن له بيع الذكور والإناث التي انقطع ولادتها وأحصى عددها؛ لأن من حقه أن يعدها على سيده في العدد الذي كاتبه عليه كما يعد عليه ما مات منها على ما قاله أصبغ فيما مضى من رسم سماع يحيى، وقد بينا وجهه، وبالله التوفيق. [: يكاتب عبده ويشترط عليه غير ما مضى من عمل الناس في الكتابة] من كتاب المدبر قال أصبغ: سمعت ابن القاسم، يقول في الذي يكاتب عبده

стр. 7180

ويشترط عليه غير ما مضى من عمل الناس في الكتابة وغير وجه الكتابة، مثل أن لا يخرج من عمله وخدمته حتى يؤدي، وما أشبه ذلك. فقال: أراه على كتابته، والكتابة ثابتة لازمة حتى يعجز، والشرط لازم ولا يفسخ عنه؛ لأنه ليس فيه حرام من واحد منهما لصاحبه، وإنما هو رجل قال له: إن دفعت إلي عشرة دنانير في كل شهر مع خدمتك إياي فأنت حر، فهو جائز، وغيره أحسن منه مما يعرف من وجه الكتابة، ولهذا جاز أن يشترط عليه أن يسافر معه. قال: وإن كانت خدمته بعد قضاء الكتابة بطلت عنه. قال أصبغ: لا يعجبني ما قال في إلزامه الشرط، ولكن أرأيت إن ثبتت الكتابة وسقط الشرط كالذي يشترط وطء الأمة في كتابتها أو استثناء ولدها مما تلد أو مما يولد للمكاتب من أمته بعد ذلك رقيقا وتمضي الكتابة على سنتها حتى يعجز ويسقط الشرط ولا يكون له أن يطأ ولا يرد الولد في الرق، ولا تبطل الكتابة لشرطه، فكذلك الخدمة ونحوها إلا خدمة مؤقتة بسفر وما أشبهها حتى يعتق. قال محمد بن رشد: هذه مسألة قد مضى الكلام عليها مستوفى في سماع أشهب، فلا وجه لإعادته. [مسألة: بيع جزء من المكاتب] مسألة وسئل: عن بيع جزء من المكاتب نصفه أو ثلثه أو جزء منه. قال: لا بأس بذلك، ولا بأس أن يبيع نجما من نجوم المكاتب، وذلك يرجع إلى أن يكون جزءا، وذلك إذا اشترى نجما من جميع نجومه، وليس نجما بعينه، وقاله أصبغ.

стр. 7181

قال محمد بن رشد: هذا من قول ابن القاسم خلاف ما مضى من قول مالك في سماع يحيى وسحنون، وفي رسم نذر سنة من سماع ابن القاسم مثل قول أصبغ وسحنون فيه، وقد مضى هنالك القول على ذلك مستوفى، فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق. [: أوصى بخدمة جارية للابن له حياته فإذا مات كوتبت بعشرين دينارا] ومن كتاب الوصايا قال أصبغ: وسمعت ابن القاسم، وسئل: عمن أوصى بخدمة جارية للابن له حياته فإذا مات كوتبت بعشرين دينارا. فقال: إن وسعها الثلث وقفت نجوم الابن إن أجاز له الورثة الخدمة وإن أبوا أن يجيزوا الخدمة اقتسموا الخدمة على الفرائض ما عاش الابن الموصى له بالخدمة، فإذا مات كوتبت بعشرين دينارا كما أوصى الميت، وتكون تلك الكتابة إن أدت بين من ورث الميت على فرائض الله، وتعتق إن أدت، وإن عجزت رقت وكانت بين من ورثه الميت على الفرائض رقيقا لهم. قال أصبغ: وولاؤها إن أدت وعتقت للميت الموصي بكتابتها وعصبته الذين يرثون الولاء من الرجال، قال أصبغ: قال ابن القاسم: وإن لم يحملها الثلث خير الورثة بين أن ينفذ ما أوصى له به. قال أصبغ: فإن أنفذوا ذلك كان كخروجها من الثلث على مجرى ذلك سواء. قال ابن القاسم: وتكون موقوفة على الابن في خدمتها إلى الأجل، ويقتسمون الخدمة معه إن لم يجيزوا له خدمة خاصة ويكاتبوها بعد ذلك. قال أصبغ: وبين أن يعجلوا لها الكتابة الساعة وتسقط الخدمة وتسعى فيها فتؤدي وتعتق أو تعجز فترق أو يعتقوا منها ما حمل الثلث بتلا، ويسقط ما سوى ذلك كله إذا أبوا ما فوقه.

стр. 7182

قال محمد بن رشد: هذه مسألة صحيحة بينة لا إشكال فيها ولا موضع للقول إلا قول أصبغ إذا لم يحملها الثلث إن الورثة يخيرون بين أن ينفذوا الوصية أو يعجلوا لها الكتابة وتسقط الخدمة ويعتقوا منها ما حمل الثلث بتلا، فإنما يكون ما ذكره من تعجيل الكتابة وإسقاط الخدمة إذا اتفق الورثة كلهم على ذلك الموصى له بالخدمة ومن سواه منهم، فإن أبى ذلك أحدهم أعتق منها ما حمل الثلث بتلا إلا أن يجيزوا الوصية على وجهها، وقد تكررت هذه المسألة في آخر سماع موسى بن معاوية، وزاد فيها هذه الزيادة من قول ابن القاسم، وبالله التوفيق. [مسألة: أوصى لثلاثة نفر بكتابة مكاتبه] مسألة وقال، في رجل أوصى لثلاثة نفر بكتابة مكاتبه، أوصى لرجل بالنجم الأول، وللثاني بالنجم الثاني، وللثالث بالنجم الثالث، فعجز المكاتب بعدما قبض الأولان، قال: يرجع بين الثلاثة نفر رقيقا ويكون لكل واحد منهم بقيمة نجمه منه ولا يرجع الآخر على الأولين بشيء مما أخذا. قال محمد بن رشد: المعنى في هذه المسألة وفي مسألة رسم الوصايا الصغير بعد هذا أن الموصي لهم بجميع كتابة مكاتبه، ثم قال: يأخذ فلان منهم منها النجم الأول، وفلان النجم الثاني، وفلان النجم الثالث. وأما لو أوصى لأحد منهم بالنجم الأول من نجوم مكاتبه، وللثاني بالنجم الثاني، وللثالث بالنجم الثالث، دون أن يتقدم من إيصائه لهم بجميع كتابته ما يكون هذا من قوله تفسيرا لما يأخذه كل واحد منهم من الكتابة التي أوصى لجميعهم بها لما كانت رقبته إن عجز إلا للموصي له بآخر نجم منها؛ لأن من أوصى له بنجم بعينه من نجوم مكاتبه لو اشتراه أو وهب له لم يكن له حق في رقبته إن عجز باتفاق إلا أن يكون النجم الذي اشتراه أو وهب إياه أو

стр. 7183

أوصى له به آخر نجوم المكاتب، فيكون بمنزلة من اشترى جميع الكتابة أو وهبت له وأوصى له بها في أنه يكون له رقبته إن عجز فرده. قوله في هذه الرواية: إذا أوصى لهم بجميع كتابة مكاتبه، وقال أن يأخذ أحدهم منها النجم الأول، والثاني: النجم الثاني، والثالث: النجم الثالث، فقبض الأول النجم الأول، والثاني: النجم الثاني، ثم عجز المكاتب في النجم الثالث - إنه يرجع رقيقا بين الثلاثة نفر على قدر قيمة نجومهم، ولا يكون للآخر رجوع على الأولين بشيء مما أخذا هو أن الأول والثاني إنما قبضا حقهما الذي أوصى لهما به من غير أن يبديهما الثالث، فوجب أن لا يكون له عليهما به رجوع قياسا على ما قالوا في المكاتب بين الشريكين يحل عليه نجم من النجوم فقبض أحدهما حقه منه وينظره الآخر بنصيبه منه، ثم يعجز في النجم الثاني: إنه يكون رقيقا بينهما، ولا يكون للثاني رجوع على الأول بما قبض من النجم الأول؛ لأنه إنما قبض حقه منه دون أن يبديه به صاحبه على ما قال في رسم الكبش من سماع يحيى، وبالله التوفيق. [مسألة: أوصى لرجل بنجم من نجوم مكاتبه] مسألة قلت: فلو أوصى لرجل بنجم من نجوم مكاتبه، فقال الورثة: نحن ندفع إليك نجما، وقال هو: لا أرضى لعله أن يعجز فيكون لي فيه حق. قال: إن كان النجم لم يحل فذلك له، وإن حل فذلك لهم. قال محمد بن رشد: المعنى في هذه المسألة أن النجم الذي أوصى له به هو آخر نجم من نجوم المكاتب؛ لأن من أوصي له بنجم بعينه من نجوم المكاتب وليس بآخر نجم من نجومه، فلا حق له في رقبة المكاتب إن عجز.

стр. 7184

وقوله: إن كان النجم لم يحل فمن حق الموصي له أن لا يعجل له وأن يبقى حقه على المكاتب رجاء أن يعجز، فيكون له في رقبته حق، خلاف قوله في رسم الوصايا الصغير من سماع أصبغ من كتاب الوصايا في الذي يوصي لرجل بألف درهم على مكاتبه، فقال الورثة للموصى له: نحن نعطيك الألف وتكون جميع الكتابة لنا والعبد، فأبى ذلك، وقال: يكون لي في العبد والكتابة لعله يعجز. قال: ليس ذلك له؛ لأن الظاهر من قوله فيها: إن الكتابة لم تحل، فإذا لم يكن للموصي له في ذلك حق وإن كانت لم تحل فأحرى أن لا يكون له في ذلك حق إن كانت قد حلت. والاختلاف في هذا جار على الاختلاف فيمن وهب كتابة مكاتب فعجز، هل تكون له رقبته أو للواهب؟ وقد مضى ذكر ذلك في سماع موسى، وقد قيل: إن تفرقته في هذه الرواية بين أن يحل النجم أو لا يحل مبين لما في سماع أصبغ من كتاب الوصايا لا خلاف له، إذ لا نص فيه على أن الألف لم تحل، فمعناه أنها قد حلت. فيأتي هذا فيمن وهب كتابة مكاتب فعجز عنه ثلاثة أقوال فيمن تكون له الرقبة؟ أحدها: أنها تكون للواهب بخلاف البيع، والثاني: أنها تكون للموهوب كالبيع، والثالث: الفرق بين أن يكون قد حلت الكتابة أو لم تحل، وبالله التوفيق. [: أوصى لهم الميت بالكتابة ولم يخص لواحد منهم نجما بعينه] ومن كتاب الوصايا الصغير وسئل ابن القاسم: عن المكاتب يموت سيده وعليه ثلاثة آلاف فيوصي لرجل بالأولى وآخر بالثانية، ولآخر بالثالثة، فيستوفي الأولان منه، ثم يعجز العبد، قال: إن ردا ما أخذا رجع أنصباؤهما في العبد، وإن لم يردا رجع ما كان نصيبهما من العبد إلى ورثة الميت

стр. 7185

الموصي، قيل له: الذي يردان إلى من يردانه؟ قال: إلى العبد يكون في يديه. قال محمد بن رشد: قد تقدم من قولي في الرسم الذي قبل هذا أن معنى هذه المسألة أنه أوصى لهم بجميع الكتابة، ثم فسر ما يأخذ كل واحد منهم منها من النجوم. وقوله في هذه المسألة: إنهما إن ردا ما أخذا رجع أنصباؤهما في العبد، وإن لم يردا رجع ما كان يصيبهما من العبد إلى ورثة الموصي - خلاف ما تقدم من قوله في الرسم الذي قبل هذا، ولكلا القولين وجه، وقد مضى وجه القول المتقدم ووجه هذا: أن الموصي لما أوصى لهم بالكتابة معا ثم بين ما يأخذ كل واحد منهم منها فقد ساوى بينهم في الوصية إلا فيما بدى بعضهم على بعض، فوجب إذا قبض الأولان نجميهما ثم عجز في النجم الثالث: أن لا يكون للأولين مشاركة الثالث في رقبة المكاتب، إلا أن يردا عليه ما يجب له مما قبضا من المكاتب، وهو ثلث ما قبضا منه، وهو معنى قوله: إنهما يردان ذلك إلى العبد؛ لأنهما إذا ردا ذلك إلى العبد ورجعا معه في رقبته فقد استووا جميعا فيه، وفيما قبضا منه، ولا يلزمهما أن يردا إلى الثالث ما يجب لهما مما قبضاه من المكاتب إذ لم يبدئهما بذلك، ومن حقهما أن يتمسكا بما قبضا منه ويرجع حظهما من رقبة العبد لورثة الموصي كما قال في الرواية، ولو أوصى لهم الميت بالكتابة ولم يخص لواحد منهم نجما بعينه، فحل النجم الأول والثاني، فبدأ أحدهم صاحبه بهما على أن يقبض هو النجم الثالث، فعجز فيه للزمهما أن يردا عليه ما يجب له من النجمين اللذين قبضاهما ويرجعا معه في رقبة المكاتب، على ما مضى في رسم الكبش من سماع يحيى في المكاتب بين الورثة، وهذا القول أظهر من القول الذي تقدم في الرسم الذي قبل هذا، وبالله التوفيق.

стр. 7186

[: كاتب عبده ثم دبره] من سماع أبي زيد بن أبي الغمر من ابن القاسم قال أبو زيد: سئل ابن القاسم: عمن كاتب عبده ثم دبره، قال: ينظر إلى أدنى القيمتين من قيمة رقبته أو قيمة الكتابة فجعلت في ثلث الميت. وإن دبره ثم كاتبه لم يجعل في ثلثه إلا قيمة رقبته. قال محمد بن رشد: أما إذا كاتبه ثم دبره، فقوله: إنه يجعل في الثلث الأقل من قيمة الرقبة أو قيمة الكتابة فهو بين على ما قاله، ومثله في المدونة في الذي يوصي بعتق مكاتبه، وقيل: الأقل من قيمة الرقبة أو عدد الكتابة، والقولان في المدونة. وأما إذا دبره ثم كاتبه ففي قوله: إنه يجعل في الثلث قيمة رقبته نظر؛ لأنه إنما يقوم يوم ينظر في الثلث وهو مكاتب بعد، فلا فرق في القياس والنظر بين أن يدبره ثم يكاتبه، أو يكاتبه ثم يدبره فيما يجب أن يجعل في الثلث، وبالله التوفيق. [مسألة: مكاتب بين رجلين أوصى أحدهما صاحبه في مرضه] مسألة وقال، في مكاتب بين رجلين أوصى أحدهما صاحبه في مرضه، فقال: ثلث النصف الذي لي في فلان المكاتب لفلان أخي، والثلث حر، ثم هلك وهلك المكاتب عن مال، كيف يورث؟ قال: على خمسة أسهم، فيكون لشريكه ثلاثة أسهم من خمسة ويكون للذي أوصى له ثلث النصف سهم، ولورثته سهم من خمسة، وذلك بعدما يستوفون ما لهم فيه من الكتابة، وإن قال ذلك في صحته ثم هلك

стр. 7187

المكاتب عن مال كان للذي لم يعتق ثلاثة أسهم من ستة، ولشريكه سهمان من ستة، وللذي تصدق عليه بسدس العبد سهم من ستة، وذلك بعد أن يستوفوا من ماله بقيمة كتابتهم. قال محمد بن رشد: هذا بين كله صحيح على معنى ما في المدونة وغيرها لأن الثلث من نصف المكاتب الذي أوصى أحد الشريكين فيه بعتقه يعتق في ثلثه، وإن أعتق ثلث النصف منه بقي فيه من الرق خمسة أسداسه فيها يورث؛ لأن المكاتب عبد ما بقي عليه من كتابته شيء، والعبد لا يورث بالحرية حتى لا يبقى فيه شيء من الرق. وأما إذا قال ذلك في صحته فلا يوجب ذلك له عتقا؛ لأن عتق بعض المكاتب في الصحة وضع، وليس بعتق، فوجب أن يورث على أن جميعه رقيق، فيكون للشريك فيه نصف ميراثه، وللمتصدق عليه بثلث نصفه سدس ميراثه وللمتصدق المعتق ما بقي وهو الثلث؛ لأن عتقه ليس بعتق إنما هو وضع، والله الموفق. [مسألة: كاتب عبدا له ثم وهب لرجل نجما من نجومه ثم عجز العبد] مسألة وقال، في رجل كاتب عبدا له، ثم وهب لرجل نجما من نجومه، ثم عجز العبد. قال: يكون له في رقبته حصة بقدر النجم الذي وهب له. قال محمد بن رشد: هذا كما قال؛ لأنه وهبه نجما من نجوم مكاتبه بغير عينه، فقد حصل شريكا معه في جميع كتابته على الإشاعة بما يقع ذلك النجم من جميع النجوم على قدر قيمة من قيمته جميعا، وصار ذلك كأنهما كاتباه جميعا، فوجب إذا عجز في آخر النجوم أن تكون رقبته بينهما كالمكاتب بين الشريكين يعجز، وهذا خلاف ما تقدم له من رواية أبي زيد عنه

стр. 7188

في سماع موسى بن معاوية، إذ لا فرق في هذا بين هبة جميع الكتابة أو نجما بغير عينة، وقد مضى هنالك التكلم على ذلك فلا معنى لإعادته ولابن القاسم في كتاب ابن المواز، قال: فإن وهبه نجما منها بعينه في صحته فلا يكون له من رقبته شيء إن عجز، وكأنه هبة لمال ذلك النجم، وقد مضى في رسم الوصايا ورسم الوصايا الصغير أيضا من سماع أصبغ ما ظاهره أن الموصي له بنجم بعينه يصير له من رقبة المكاتب إن عجز بقدر ذلك النجم من جميع الكتابة، وهو بعيد في المعنى، فتأولناه على أنه إنما تكلم في ذلك على نجم بغير عينه، وبالله تعالى التوفيق. [مسألة: العتق إلى أجل] مسألة وقال، في رجل أعتق مكاتبه إلى عشر سنين. قال: يخير المكاتب بين أن يسقط الكتابة ويعتق إلى عشر سنين أو يكون على كتابته. قال محمد بن رشد: هذا كما قال؛ لأن العتق إلى أجل عقد لازم لا يبطله شيء يحدث بعد، فهو أوجب من الكتابة، إذ قد يعجز عنها فيرجع رقيقا، فلذلك قال: إنه يخير بين أن يسقط الكتابة عن نفسه ويبقى معتقا إلى أجل، وبين أن تبقى كتابته، وإنما يخير بين الأمرين ما لم ينفذ عتقه إلى الأجل، وأما إن أنفذه فإما أن يخير بين أن يسقط الكتابة وبين أن يبقى على كتابته مع العتق المؤجل، فإن أدى كتابته قبل الأجل خرج حرا بأداء الكتابة وإن حل الأجل قبل الكتابة سقط عنه ما بقي عليه منها وخرج حرا، وبالله التوفيق. [مسألة: مكاتب بين ثلاثة نفر قاطعه أحدهم بإذن صاحبه وتمسك الثاني] مسألة وسئل: عن مكاتب بين ثلاثة نفر، قاطعه أحدهم بإذن صاحبه وتمسك الثاني، ووضع الثالث، ثم عجز المكاتب.

стр. 7189

قال: إن رد الذي قاطع نصف ما في يديه إلى الذي تمسك كان العبد بين الثلاثة بالسواء، وإن أبى أن يرد شيئا لم يكن له في العبد شيء، وكان العبد بين الذي تماسك وبين الذي وضع بنصفين. قال محمد بن رشد: هذا كما قال؛ لأن الذي وضع منهم حظه من الكتابة لم يسقط بوضعه حظه منها حقه في الرقبة، إن عجز عما بقي منها لشركائه، فإن عجز وبقي الذي قاطع على ما قاطع به كان المكاتب بين الذي وضع وبين الذي تماسك بنصفين كما قال، وإن أراد الذي قاطع أن يرجع على حظه في رقبة المكاتب، قيل له: رد نصف ما قاطعت به؛ لأن الذي وضع لا حق له فيما قاطعت به، إذ قد كان وضع عن المكاتب ما كان له عليه، ولو كانت مقاطعته إياه بغير إذن شريكه لم يكن له أن يرد نصف ما قاطع به ويرجع في رقبة المكاتب، ولكان الخيار في ذلك إلى الذي تماسك بالكتابة، وبالله التوفيق. [مسألة: كاتب عبده على أن يأتيه بعبده الآبق] مسألة وقال، في رجل كاتب عبده على أن يأتيه بعبده الآبق أو بعيره الشارد: إن الكتابة جائزة، وعليه أن يأتي بالعبد أو بالبعير، فإن لم يأت به وأيس منه عجز. قال محمد بن رشد: هذا كما قال، والكتابة على هذا تشبيه للجعل الجائز، وهي جائزة، والأصل في جوازها ما جاء: من «أن سلمان الفارسي كاتب أهله على مائتي ودية يحييها لهم، فقال له رسول الله ﷺ : "إذا غرستها فأذني"، فلما غرسها أذنه، فدعا له رسول الله ﷺ فلم تمت منها ودية واحدة» وقد مضى هذا في رسم أشهب، وبالله التوفيق.

стр. 7190

[مسألة: يكاتب أمته وهي حامل لم يعلم به] مسألة وقال، في الرجل يكاتب أمته وهي حامل لم يعلم به، أيكون مكاتبا مع أمه أم لا؟ قال لي مالك: نعم يكون مكاتبا مع أمه. قال محمد بن رشد: هذا كما قال، ولا اختلاف فيه أعلمه، والأصل في ذلك قول رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ: «كل ذات رحم فولدها بمنزلتها» . [مسألة: يضع عن مكاتبه نجما من نجومه في الوصية] مسألة قال أبو زيد: وسئل ابن القاسم: عن تفسير المسألة التي في كتاب المكاتب من الموطأ في الذي يضع عن مكاتبه نجما من نجومه أولها أو آخرها أو وسطها في الوصية وما ذكر فيها من قسمة قيمة العبد على تلك النجوم ويقدر قربها من الأجل وبعدها. قال ابن القاسم: تفسير ذلك أن يكون على المكاتب ثلاثمائة دينار، في كل نجم مائة، فإن كان وضع المائة الأول نُظِرَ كَمْ قِيمَتُهَا نقدا إِنْ لو بيعت في قرب محلها؛ لأن النجم الأول ليس مثل آخرها في القيمة، ويقوم على ذلك على قدر مال العبد وملائه في الأداء، فإن كان قيمتها خمسون دينارا قلنا كم قيمة الثاني بعده؟ فإن قيل: ثلاثون دينارا، قلنا: كم قيمة الثالث الذي بعدهما؟ فإن قيل: عشرون دينارا كان للذي أوصى له من ذلك نصف رقبته، ثم ينظر إلى ذلك، فإن كان أقل في القيمة من نصف قيمة رقبته أو قيمة النجم الأول فيوضع ذلك في ثلث مال الميت، فإن خرج من الثلث عتق، ولا ينظر إلى قيمة الكتابة في النجم الأول إن كان قيمة نصف رقبته أقل، ولا إلى قيمة نصف رقبته إن كانت قيمة النجم أقل؛ لأنه إذا أعتق نصفه والذي أخذ من الكتابة نصفها فيوضع ذلك في ثلث مال الميت

стр. 7191

على ما أحب ورثة الميت أو كرهوا، وإن وضع عنه الأوسط أو الآخر فعلى هذا يحسب، ويدخل في ثلث الميت الذي هو أقل أبدا، ولا يدخل في ثلث الميت قيمة النجم الأول ولا الثاني ولا الثالث، إن كان ذلك أكثر من قيمة ما يصيب من رقبته؛ لأنه لو وضع عنه ذلك كله لم يدخل في مال الميت إلا الذي هو أقل من قيمة الكتابة كان أو قيمة رقبته. وكذلك النجم بعينه إنما يدخل في ثلث مال الميت قيمة أو قيمة ما يصيبه من قدر رقبته؛ لأن الوصايا تدخل معه فيكون ذلك خيرا لأهل الوصايا أن يتموا وصاياهم، وليس على الورثة في ذلك ضرر. وإن كان النجم الأقل هو نصفه ولم يترك الميت مالا غيره خير الورثة بين أن يضعوا هذا النجم بعينه ويعتق الذي كان يصيبه من قيمة رقبته، وهو النصف، ويسقط ذلك النجم بعينه ويكون له النجمان الباقيان، فإن استوفوا فذلك، وإن عجز ورق عتق منه إلا نصفه، وإن أبوا أن يجيزوا ذلك عتق ثلثه، ووضع عنه من كل نجم ثلثه، فإن عجز كان ثلثه حرا وثلثاه رقيقا لهم، وهذا وجه ما سمعت وبلغني عنه ممن أثق به. قال محمد بن رشد: هذا صحيح من قوله وَبَيِّنٌ من تفسيره على قياس ما في المدونة وغيرها من أن من أوصى بعتق مكاتبه يوضع في ثلث الميت الأقل من قيمة رقبته أو قيمة كتابته، وقد مضى هذا في أول سماع أبي زيد وغيره، فلا معنى لإعادته.

стр. 7192

[: نصراني كاتب عبدا له نصرانيا بمائة قسط من خمر] من مسائل نوازل سئل عنها سحنون قال سحنون، في نصراني كاتب عبدا له نصرانيا بمائة قسط من خمر، فأسلم المكاتب بعدما أدى نصف الخمر، قال: يكون على المكاتب نصف قيمته عبدا قنا، أو يكون عليه نصف كتابة مثله في قوته على السعاية. قيل له: فإن أسلم السيد ولم يسلم المكاتب؟ قال: هو كما أخبرتك، من أسلم منهما فهو على ما أخبرتك. قال محمد بن رشد: قوله: إنه يكون عليه لسيده إذا أسلم أحدهما نصف قيمته أو نصف كتابة مثله - ليس على سبيل التخيير لأحدهما في ذلك، وإنما هو قولان، فمرة قال: إنه يكون عليه نصف كتابة مثله؛ لأن ما بقي من الكتابة هو الذي بطل بإسلام من أسلم منهما إذ لا يصح أن يقضي بالخمر لمسلم ولا على مسلم، وهو قول ابن الماجشون في الواضحة: أن يكون عليه حصة ما بقي من كتابة مثله، فإن بقي نصف الخمر والخنازير طالبه بنصف كتابة مثله، إن ثلث فثلث، وإن ربع فربع، ومرة كان يقول: عليه نصف قيمة رقبته، ووجه ذلك: أن المكاتب لما كان عبدا ما بقي عليه من كتابته شيء، فبطل ما بقي من كتابته بإسلام من أسلم منهما، وجب عليه نصف قيمة رقبته إن كان بقي عليه نصف ما كاتبه عليه من الخمر والخنازير، إذ قد كان يمكن أن يعجز عنها فيرجع رقيقا، والقول الأول أظهر، والله أعلم. [مسألة: مكاتبة وطئها سيدها فحملت ولها مال كثير] مسألة وسئل: عن مكاتبة وَطِئَهَا سَيِّدُهَا فحملت ولها مال كثير، هل تكون بالخيار في أن تكون على كتابتها، أم تكون أم ولد؟ قال: نعم إن أرادت أن تكون أم ولد، فذلك لها.

стр. 7193

قال محمد بن رشد: هذا كما قال، وهو مما لا اختلاف فيه أحفظه، إذ ليس ذلك منها كتعجيز المكاتب نفسه، وله مال ظاهر أن لا ترجع رقيقا باختيارها أن تكون أم ولد لسيدها ولا تنقل بذلك ولاءها عنه، ولا فيه ضرر على أحد إذا لم يكن معها أحد في كتابتها، فوجب أن يكون ذلك لها، ولو كان معها أحد في كتابتها لم يكن ذلك إلا برضاهم إلا أن تكون هي أقدر على السعي منهم وتخاف عليهم العجز بذلك، فلا يكون ذلك لهم وإن رضوا، وقال بعض الرواة: لا يكون ذلك لها وإن رضوا ورضيت، إذا كان قبلهم من السعي ما قبلها؛ لأنه لا يدري ما يئول إليه مالهم، وإذا رجعت أم ولد برضاها ورضاهم حط عنهم من الكتابة مقدار حصتها، وسواء على مذهب مالك وطئها طائعة أو أكرهها ويؤدب في الحالتين جميعا إلا أن يعذر بحبها له، وأدبه في استكراهه أشد. وقال سعيد بن المسيب وإبراهيم النخعي: إذا وطئ الرجل أمته فحملت كانت أم ولد له وبطلت كتابتها. وقال ربيعة: إن طاوعته بطلت كتابتها وكانت أم ولده، وإن أكرهها فهي حرة، وَوَلَدُهَا على كل حال لَاحِقٌ به، وهذا كله في المدونة، وبالله التوفيق. [مسألة: أوصى أن يكاتب عبده ويعطي رجل سماه عشرة دنانير] مسألة وسئل: عن رجل أوصى أن يكاتب عبده ويعطي رجل سماه عشرة دنانير، وليس له مال غير العبد. قال: يقال للورثة: أتجيزون ما أوصى به الميت؟ فإن قالوا: نعم، نجيز ذلك، وإن قالوا: نحن نجيز الكتابة ولا نجيز ما أوصى به الميت لهذا الرجل، قيل لهم: كاتبوه، ثم يقال لهم: إنما لكم من هذا المكاتب الثلثان وليس لكم الثلث، فاختاروا، فإن شئتم فادفعوا إلى هذا

стр. 7194

الموصى له بالعشرة دنانير ما أوصى له به، ولكم ثلث كتابته، وإلا فأسلموا إليه ثلث كتابة الكاتب. قال محمد بن رشد: هذا بيِّن على ما قاله: إنهم إذا أجازوا الكتابة فهم يخيرون بين أن يسلموا ثلثها إلى الموصى له بالعشرة، أو يسلموا له العشرة؛ لأن ثلث الكتابة هي ثلث جميع مال الميت إذا لم يكن له مال سوى العبد الذي أجازوا وصية المكاتب بكتابته، ولو لم يجيزوا الكتابة أيضا لم يكن عليهم أكثر من أن يعتقوا ثلثه بتلا بما أوصى له به من الكتابة، وتبطل وصيته بالعشرة؛ لأن الوصية بالعتق مقدمة على الوصية بالمال، وبالله التوفيق. [مسألة: وطئ مكاتبة ابنه فأولدها] مسألة وسئل: عمن وطئ مكاتبة ابنه فأولدها هل تكون بالخيار إن شاءت كانت أم ولد للواطئ وإن شاءت كانت على كتابتها؟ قال: ليس ذلك لها. قيل له: لم قال لأنه ليس لها أن تنقل ولاءها عن الابن الذي قد انعقد له إلى الأب؟ قيل: فإن عجزت؟ قال: يكون الابن بالخيار إن شاء قومها على أبيه فعل، وقد روى في كتاب العرية أن لها الخيار أن تمضي على كتابتها أو تكون أم ولد للأب. قال محمد بن رشد: قد تقدمت هذه المسألة والكلام عليها في رسم العرية من سماع عيسى فلا وجه لإعادته، وبالله التوفيق. [مسألة: وطئ مكاتبة فأحبلها فاختارت أن تكون أم ولد] مسألة قيل له: فلو أن رجلا وطئ مكاتبة فأحبلها ولها مال كثير فيه وفاء بكتابتها وفضلة فاختارت أن تكون أم ولد أيكون لها الخيار في أن تكون على كتابتها أو تكون أم ولد؟ قال: نعم، قال سحنون:

стр. 7195

وتكون نفقتها على السيد في حملها بمنزلة المبتوتة إذا كانت حاملا إذا اختارت أن تمضي على كتابتها. قال محمد بن رشد: قد مضى قبل هذا في هذه النوازل القول على وجه رضاها برجوعها أم ولد وإن كان لها مال، وأما قول سحنون: إن لها النفقة في حملها فهو القياس على ما قاله، ولأصبغ في الواضحة أنه لا نفقة لها، والذي أقول به أن لها النفقة إن أكرهها على الوطء ولا نفقة لها إن طاوعته، ويحتمل أن يفسر قول سحنون وأصبغ على هذا فلا يكون في المسألة اختلاف، وبالله التوفيق. [مسألة: مكاتب اشترى أمته وهي امرأة سيده هل يفسخ النكاح] مسألة قال سحنون، في مكاتب اشترى أمته وهي امرأة سيده، هل يفسخ النكاح؟ ولمن يكون حقها من زوجها؟ قال: يفسخ النكاح ويكون الصداق للبائع إلا أن يشترطه المبتاع. قال محمد بن رشد: قوله: إن النكاح يفسخ إذا اشتراها، معناه: إذا اشتراها بإذن سيدها؛ لأنه إذا اشتراها بإذنه دخلت معه في كتابته فصارت مكاتبة له، ولا يجوز للرجل أن يتزوج أمته ولا مكاتبته. وقوله: إن الصداق يكون للبائع إلا أن يشترط المبتاع - صحيح؛ لأنه مال لها، ومال العبد للبائع إلا أن يشترطه المبتاع على ما أحكمته السنة عن النبي ﵇، ومعنى ذلك: إذا كان شراؤه إياها بإذن سيده بعد أن دخل بها، وأما لو كان اشتراها بإذنه قبل أن يدخل بها لم يكن لها صداق ولا نصف صداق؛ لأن كل نكاح يفسخ قبل الدخول لفساده فلا صداق فيه، ولو اشتراها بغير إذن سيده لم تدخل في كتابته، وإذا لم تدخل في كتابته فلا يفسخ النكاح بشرائه إياها فإن احتاج إلى بيعها في الأداء عن نفسه باعها، وإن أدى خرجت حرة، وإن عجز كانت أمة له وكان لسيده أن ينتزعها منه إن شاء؛

стр. 7196

فإن فعل انفسخ نكاحه ووطئها بملك يمينه، وبالله التوفيق. [مسألة: مكاتب اشترى ابن مولاه هل يعتق عليه أم لا] مسألة وقال، في مكاتب اشترى ابن مولاه، هل يعتق عليه أم لا؟ قال سحنون: يكون رقيقا في يد المكاتب. قال محمد بن رشد: قد مضى مثل هذا من قول ابن القاسم في رسم يدير ماله من سماع عيسى والكلام عليه، فلا معنى لإعادته. [مسألة: المكاتب يموت ويترك مائة ديناردينا عليه من كتابته] مسألة وسئل: عن المكاتب يموت ويترك مائة دينار دينا عليه من كتابته ويترك ثلاث أمهات أولاد له من كل واحدة منهن ولد واحد فشح كل واحد منهم أن تباع أمه فيما عليهم من الكتابة، وقيمة كل واحدة منهن مائة دينار. قال: يباع من كل واحدة منهن ثلثها، قيل: فلو كانت قيمتهن مختلفة، فكانت قيمة واحدة ثلاثمائة دينار، وقيمة الأخرى مائتان، وقيمة الأخرى مائة؟ قال: يباع من كل واحدة منهن سدسها، يباع من الثمن قيمتها، ثلاثمائة سدسها خمسون دينارا، ومن التي قيمتها مائة، سدسها ستة عشر وثلثان، ومن التي قيمتها مائتان، سدسها ثلاثة وثلاثون وثلث، فجميع ذلك مائة. قال محمد بن رشد: قد قيل: إنه يقرع بينهن فيمن يباع في الدين اتفقت قيمتهن أو اختلفت، فإن اختلفت فخرج السهم على التي قيمتها مائة بيعت وعتقت الاثنان بعتق الولد، وإن خرج السهم على التي قيمتها مائتان بيع نصفها وعتقت الاثنتان بعتق الولد، وإن خرج السهم على التي قيمتها ثلاثمائة بيع ثلثها وعتق الباقيتان، وهذا القول أيضا لضرر الشركة في العتق في كل

стр. 7197

واحدة منهن، وهو الذي يأتي على ما رواه سحنون في أنه إذا لم يكن ولد إلا لواحدة منهن إلا بالقرعة سوى الأم، ولا تدخل الأم في القرعة، وعلى ما في المدونة إنما بيع التي فيها نجاتهم كانت أمة أو غير أمة، ولم ير أن يبيع أمه إذا كان في سواها من أمهات أولاد أبيه كفاف لدينه، ولم يتكلم في المدونة إذا كان لكل واحد منهن ولد، والقرعة في ذلك أولى من قول سحنون في هذه الرواية، وبالله التوفيق. [مسألة: كاتب عبيدا له ثلاثة كتابة واحدة] مسألة وسئل المغيرة: عن رجل كاتب عبيدا له ثلاثة كتابةً واحدةً، وبعضهم حملاء عن بعض، ثم إن بعض المكاتبين أَبِقَ وأبقى أصحابه على حالهم فعجزهم السلطان، ثم إن الآبق قدم ومعه قوة على أداء الكتابة كلها والسلطان الذي عجزهم قائم لم يمت ولم يعزل، هل يعتق لحصته من الكتابة، أو يعتق هو وأصحابه؟ قال: أرى أن الآبق من المكاتبين على كتابته إن جاء بها عتق الذين عجزوا من شركائه بما أدى عنهم من كتابتهم وكتابته. قيل له: فهل يرجع المكاتب على شركائه في كتابته بما أدى عنهم بقدر حصصهم؟ قال: نعم، قيل: ذوو رحم كانوا أو غيرهم؟ قال: نعم، هو سواء في هذا الموضع؛ لأن المرء يتبع في دينه أباه وأخاه وابنه، ولو مات ورثوه، فهؤلاء كذلك. قال محمد بن رشد: قوله في هذه المسألة: وبعضهم حملاء عن بعض، ظاهره: أنهم لا يكونون حملاء بعضهم عن بعض إذا كوتبوا كتابة واحدة إلا أن يشترطوا ذلك، وهو خلاف ما في المدونة وغيرها. وأما قوله في آخرها: إنه يرجع الآبق الذي أدى الكتابة على من كان معه

стр. 7198

فيها وإن كان ابنه أو أباه أو أخاه فهو خلاف نص مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك في المدونة وغيرها، وقد مضى تحصيل الاختلاف في هذا في رسم إن خرجت من سماع عيسى، وبالله التوفيق. [: يوصي أن يكاتب نصف عبده] من مسائل نوازل سئل عنها أصبغ قال أصبغ، في الرجل يوصي أن يكاتب نصف عبده، فقال: يقال للورثة: إما أن تكاتبوا هذا العبد كله حتى تجوز فيه وصية الميت، وإما أعتقتم من نصف العبد مبلغ ثلث مال الميت؛ لأنه لا يجوز أن يكاتب نصف عبده، ولا بد من أن ينفذ له ما أوصى به له، ويعتق ثلث ما بلغ مال الميت منه. قال محمد بن رشد: هذا كما قال: إنه إنما يعتق ما حمل الثلث من نصفه وإن كان الثلث يحمل الرقبة كلها؛ لأن الميت لم يوص في الجميع وإنما أوصى في البعض، فللورثة حجة في أن لا يعتق منه بتلا أكثر مما أوصى به أن يكاتب منه، وهي وصية فيها قربة على وجه لا يجوز، فوجب أن تنفذ وصيته للقربة التي فيها على الوجه الذي يجوز، كما لو أوصى أن يحج عنه على أن يقدم السعي على الطواف ما أشبه ذلك من مخالفة أمر السنة في الحج، وبالله التوفيق. [مسألة: يوصي لرجل بثمن أبيه] مسألة وسئل: عن رجل يوصي لرجل بثمن أبيه، يقول: بيعوا فلانا وأعطوا فلانا ثمنه ابنه، أو يقول: أعطوا ثمن فلان لفلان، فقبل ذلك الابن، أترى أن يعتق عليه؟ قال: لا أرى ذلك، والوصية جائزة له، وأرى أن يباع ويدفع إليه ثمنه.

стр. 7199

قلت له: أرأيت إن أوصى بكتابة مكاتبه وهو ابنه أو أبوه أو بعض من يعتق عليه، قيل: ولم رأيت ذلك في الكتابة ولم تره في ثمنه، إذا قال: أعطوا فلانا ثمن فلان؟ قال: لأنه إذا أوصى له بالكتابة أو أعطاه إياها فقد نزل منزلة الذي كاتبه إن أدى عتق، وإن عجز رق ولم يعتق عليه إن ملكه، فملك الكتابة كملك الرقبة. وأما إذا قال: أعطوه ثمنه، فإنه يصير له الثمن بعد بيعه، ليس بيعه في يدي ابنه ولا رقبته، وإنما له ثمنه إذا بيع، فلا أرى عليه فيه عتقا. قال محمد بن رشد: قوله: إذا أوصى له بكتابة من يعتق عليه، فقيل ذلك إنه يعتق عليه، معناه: أنه أسقط عنه الكتابة فيعتق بذلك ويكون ولاؤه للذي عقد كتابته، وهو بين من قول ابن القاسم في رسم يشتري الدور من سماع يحيى. وتفرقة أصبغ بين أن يوصي له بكتابة من يعتق عليه أو بثمنه بينة صحيحة، وقد مضى ذلك في سماع يحيى المذكور، وبالله تعالى التوفيق لا شريك له. تم كتاب المكاتب والحمد لله

стр. 7200

[: استودع وديعة فدفنها في أهله فهلكت] كتاب الوديعة من سماع ابن القاسم من مالك قال سحنون: أخبرني ابن القاسم، عن مالك: فيمن استودع وديعة فدفنها في أهله وأشهد عليها، أو خلفها عند أهله أو استودعها بعض إخوانه فهلكت، قال: لا ضمان عليه في شيء من ذلك. قال محمد بن رشد: هذه مسألة ليست على ظاهرها، وفيها تقديم وتأخير، وتقديرها، قال ابن القاسم عن مالك فيمن استودع وديعة فدفنها في أهله أو خلفها عند أهله أو استودعها بعض إخوانه وأشهد عليها فهلكت، قال: لا ضمان عليه في شيء من ذلك، وإنما وجب أن يقدر هذا التقدير؛ لأن من أودع وديعة فدفنها في بيته أو خلفها عند أهله لا يجب عليه الإشهاد على ذلك، إذ هو مصدق في ذلك، قاله في المدونة وغيرها، وإنما يجب عليه الإشهاد إذا استودعها غيره لحاجة دعته إلى ذلك من إرادته سفرا أو خراب منزله أو ما أشبه ذلك من الوجوه التي يعذر بها، فمعنى قوله في الرواية: أو استودعها بعض إخوانه، يريد: عند سفره أو خراب منزله مع أن يعلم ذلك، فإذا أودع الرجل وديعة فأودعها غيره فتلفت عنده، فهو ضامن لها إلا أن تكون له بينة إيداعها، ويعلم السبب الذي من أجله أودعها، إذ لا يصدق في شيء من ذلك دون أن يبينه، وإذا علم السبب صدق في أنه إنما أودع من أجله، وكان القول في ذلك قوله.

стр. 7201

وقوله في هذه الرواية: إنه إذا خلف الوديعة عند أهله فتلفت إنه لا ضمان عليه - هو نص قوله في المدونة: إنه لا ضمان عليه في الوديعة إذا أودعها عند امرأته وخادمه، خلاف قول أشهب: إنه ضامن في ذلك، وقد قيل: إن قول أشهب ليس بخلاف لقول ابن القاسم وروايته عن مالك، وأن المعنى في ذلك أنه يضمن إذا كان العرف والعادة أن الناس لا يسترفعون أموالهم عند أهليهم ولا يأتمنونهم على ذلك، ولا يضمن إذا كان العرف والعادة أن الناس يسترفعون أموالهم عند أهليهم ويأمنونهم على ذلك، فكل واحد منهم تكلم على غير الوجه الذي تكلم عليه صاحبه؛ لأن قولهما مختلف، فعلى هذا الاختلاف في ذلك بينهما إذا علم العرف والعادة في البلد، وإنما يختلفان إذا جهل العرف في ذلك البلد، فأشهب يضمنه حتى يقيم البينة أن العرف والعادة في البلد أن الناس يأتمنون أهليهم على أموالهم ويسترفعونهم إياها، وابن القاسم لا يضمن حتى يقيم صاحب الوديعة البينة أن العرف والعادة في البلد أن الناس لا يسترفعون أموالهم عند أهليهم ولا يأتمنونهم عليها، والأظهر أنه اختلاف من القول؛ لأن من حجة صاحب الوديعة أن يقول: أنا إنما رضيت أمانتك ولم نعلم أنك تأمر أهلك كما يفعل الناس. ويتحصل على هذا في المسألة ثلاثة أقوال: أحدها: أنه لا ضمان عليه وإن كان الناس لا يأتمنون أهلهم إذا كان هو مؤتمن أهله بماله، وهو ظاهر ما في المدونة، ووجه هذا القول: أن المودع لما أودعه فقد علم أنه يحرزها في منزله كما يحرز ماله. والقول الثاني: أنه ضامن وإن كان الناس يأتمنون أهلهم، وهو ظاهر قول أشهب، ووجهه: أن صاحب الوديعة يقول: إنما رضيت أمانتك لا أمانة سواك إذ لم أعلم أنك تأتمن أهلك كما يفعل الناس. والقول الثالث: الفرق بين أن يكون العرف والعادة في البلد أن يأتمن الناس أهليهم أو لا يأتمنون، ولو كان الرجل لا يأمن أهله على ماله ولا يسترفعها إياه لضمن الوديعة، إن دفعها إليها فتلفت، وإن كان الفرق في البلد أن الناس يسترفعون أهليهم أموالهم ويأتمنونهم عليها قولا واحدا.

стр. 7202

ولم يعط في المدونة جوابا بينا في العبد والأجير إذا كان في عياله فوضع عندهما ما أودع إياه فتلف، والذي يأتي على مذهبه فيها أنه لا ضمان عليه إذا كان يأتمنهما على ماله ويسترفعهما. [: الوديعة يستودعها الرجل فيقر بها الذي هي عنده عند نفر من غير أن يشهد عليه] ومن كتاب حلف ليرفعن أمرا إلى السلطان وسئل: عن الوديعة يستودعها الرجل فيقر بها الذي هي عنده عند نفر من غير أن يشهد عليه. قال مالك: إن لهذه الأمور وجوها، أرأيتك لو تقادم هذا حتى يمر به عشرون سنة ثم مات فقام صاحبها يطلبها، ما رأيت له شيئا، وكأني رأيته إن كان قريبا أن يكون ذلك له، قال ابن القاسم: وذلك رأيي، ولو كان إنما ذلك الأشهر والسنة وما أشبهه ثم مات ثم طلب ذلك الذي أقر به لرأيته في ماله. قال محمد بن رشد: وهذا كما قال: إن الرجل إذا أقر بالوديعة من غير أن يشهدها عليه، ثم مات وقام صاحبها يطلبها فلم توجد في ماله، إنه لا شيء له إذا طالت المدة؛ لأنه لو كان حيا فادعى ردها أو تلفها لكان القول قوله مع يمينه، فإذا كانت على الميت اليمين فقد سقطت عنه بموته، ويلزم من كان كبيرا من الورثة أن يحلف ما يعلم لها سببا، ولم يحمل عليه إذا لم يوجد بعد طول المدة أنه قد استسلفها له إن كانت دنانير أو أكلها إن كانت طعاما، أو استهلكها إن كانت عروضا؛ لأن الأصل براءة الذمة فلا تعمر إلا بيقين، ولأن ذلك كان يكون منه لو فعله عداء فعلى من ادعاه أن يثبته، وهذا كان القياس، وإن لم تطل المدة؛ لأنه لو كان حيا فادعى أنه ردها أو تلفت لكان القول قوله في ذلك مع يمينه.

стр. 7203

فتفرقته بين القرب والبعد استحسان، ووجهه: أن الذي يغلب على الظن في البعد أنه ردها، وفي القرب أنه استسلفها؛ لأن الودائع في أغلب الأحوال لا تترك عند المودع الدهور والأعوام. وقال، في العشرين سنة: إنه طول، وكذلك العشر سنين على ما قاله في موضع آخر، وقال في السنة وما أشبه ذلك: إنه يسير، فقيل: إن ذلك خلاف لما في آخر كتاب الشركة من المدونة في الشريكين يموت أحدهما، فيقيم شريكه البينة أنه قد كانت عنده مائة دينار من الشركة، فلم يوجد ولا علم لها مسقط أنها تكون في ماله، إلا أن تطول المدة، أرأيت لو كان ذلك مثل السنة لكان يؤخذ ذلك من ماله، وقيل: إنها ليست بخلاف لها وهو الصحيح؛ لأنها مسألة أخرى، والفرق بينهما أن للشريك التصرف في المال، وليس للذي يودع أن يتصرف فيما أودع إياه، وبالله التوفيق. [: يبيع من الرجل الجارية على أن ينفق عليه حياته] ومن كتاب أوله سن رسول الله ﷺ وسئل: عن جارية وضعها رجل عند رجل فأنفق عليها ثلاثين صاعا من تمر، ثم جاء سيدها، فقال: إنما لك ثلاثون صاعا، وقال المنفق: بل لي بسوق يوم أنفقت واشتريت، والطعام يوم جاءه صاحبها أرخص، قال مالك: يحسب يوم أنفق، يعطي بذلك دراهم، قال ابن القاسم: وذلك إذا كان المنفق اشترى بالثمن، فأما إن كان طعاما أخرجه من عنده فليس له إلا مكيلة طعامه. قال محمد بن رشد: قول ابن القاسم تفسير لقول مالك: إنه إن كان اشترى الطعام فله قيمته يوم اشتراه؛ لأن الثمن الذي اشتراه به إذ قد تعين في الشراء فلا يلزم صاحب الجارية ما عين فيه، وهذا مثل ما في كتاب السلم

стр. 7204

الثاني من المدونة في الذي يبيع من الرجل الجارية على أن ينفق عليه حياته: إن البيع يفسخ ويرجع المشتري على البائع بقيمة ما أنفق عليه، وفي رواية أبي زيد: أنه يغرم ما أنفق عليه، وليس ذلك باختلاف من القول، ومعناه: أنه يغرم له الثمن الذي اشترى به الطعام إن كان لم يكن في الشراء تغابن، وقيمته إن كان فيه تغابن، وقد قيل: إن ذلك اختلاف، والأول أظهر، والله أعلم، والحكم فيما يرجع به المنفق على الجارية الموضوعة عنده حكم الحميل يتحمل بالطعام، فيؤخذ به فيشتريه للمتحمل له، بخلاف من تطوع فأدى عن الرجل بغير أمره طعاما عليه اشتراه بذلك، يرجع بالأقل من مثل الطعام أو الثمن الذي اشتراه به. [: امرأة أعطتني ذكر حق لها على زوجها ثم ماتت وسألني زوجها إعطاءه] من سماع أشهب وابن نافع من كتاب الأقضية قال سحنون: أخبرني أشهب وابن نافع، قالا: سئل مالك، فقيل له: امرأة أعطتني ذكر حق لها على زوجها ثم ماتت، وسألني زوجها إعطاءه الذكر، وهو زوجها ومولاها ولا وارث لها غيره، فقال: يسأل فإن كان على المرأة دين فلا تعطيه إياه، وإن كانت لا دين عليها فأشهد عليه وأعطه إياه، قيل: إن المرأة قد أوصت بوصايا، فقال له هذه المقالة: أشهد عليه وأعطه إياه. قال محمد بن رشد: ظاهر هذه الرواية أنه فرق بين الدين والوصايا، فقال: إنه لا يعطيه ذكر الحق إن كان عليها دين، ويعطيه إياه ويشهد وإن كان عليها وصايا إذا لم يكن عليها دين، وذلك لا يصح، إذ لا فرق في هذا بين الدين والوصايا، والواجب في هذا أن ينظر إلى ما عليها من الدين، فإن كان لا يفي به ما تركت من المال سوى ما لها من الحق على زوجها لم

стр. 7205

يدفع ذكر الحق إليه، وإن كان يفي به دفع ذكر الحق إليه وأشهد به عليه، وكذلك الوصايا أيضا ينظر إليها فإن كان لا يفي بها ثلث ما تخلفت من المال سوى ما لها على زوجها لم يدفع ذكر الحق إليه، وإن كان يفي بها دفع إليه ذكر الحق وأشهد عليه، والأولى أن لا يدفعه إليه بحال، ويضعه على يدي عدل مخافة أن يطرأ عليها ديون لم يعلم بها. فقوله: إن كان على المرأة دين فلا يعطيه إياه - معناه: دين لا يفي به ما تخلفت من المال سوى ما لها على زوجها في ذكر الحق، وبالله التوفيق. [مسألة: بيده مال ليس له أله أن يسلفه] مسألة وسئل: عمن بيده مال ليس له، أله أن يسلفه؟ قال: ترك ذلك أحب إلي، وقد أجازه بعض الناس فراجعه فيها، فقال: إن كان مال فيه وفاء وأشهدت على ذلك، فلا بأس به. قال محمد بن رشد: وهذا كما قاله: إن ترك ذلك أولى وأحسن، ومعناه: إذا كان له مال فيه وفاء، وأشهد بذلك، وأما إذا لم يكن له مال فيه وفاء فلا يجوز له ذلك وإن أشهد، ومثله في سماع عبد الملك بن الحسن من كتاب البضائع والوكالات من قول ابن وهب. وقد اختلف إذا تسلف منها بغير أمر ربها ثم رد ما تسلف، هل يصدق في الرد ويبرأ بذلك من الضمان أم لا؟ على أربعة أقوال: أحدها: أنه يصدق في ذلك ويبرأ من الضمان، وهو أحد أقوال مالك، وبه أخذ ابن القاسم وأشهب وابن عبد الحكم وأصبغ. والثاني: أنه لا يبرأ إلا أن يرد بإشهاد، قال ذلك مالك أيضا، وبه أخذ ابن وهب وابن كنانة. ولمالك قول ثالث: أنه لا يبرأ وإن أشهد؛ لأنه دين قد ثبت في ذمته، رواه المدنيون عنه، ورواه عنه المصريون أيضا ولم يقولوا به. ولابن الماجشون قول رابع: وهو تفرقته بين أن يكون المال مصرورا أو منثورا.

стр. 7206

ولو قال له صاحبها: تسلف منها إن شئت، فتسلف لم يبره رده إياها إلا إلى ربها، قال ذلك في كتاب ابن شعبان، وهو صحيح لا اختلاف فيه، وبالله التوفيق. [: أقر أنه كانت له عليه ثلاثة وعشرون دينارا] ومن كتاب الأقضية وسئل، فقيل له: كانت لي عند رجل ثلاثة وعشرون دينارا وديعة، فكنت آخذ منها الشيء بعد الشيء حتى بقيت لي عنده ثمانية عشر دينارا، فسألته إياها، فقال: وضعتها في بعض حاجتي، ولكن اكتبها علي فكتبتها عليه بالشهود والبينة مؤرخة فغبت ثم رجعت فتقاضيته إياها، فجاء علي ببراءة فيها مكتوب براءة لفلان ابن فلان من أربعة دنانير ليست إلا ربعة مؤرخة ولا منسوبة من الثمانية عشر ولا من الثلاثة وعشرين، فهو يقول: هي من الثمانية عشر، وأنا أقول: من الثلاثة وعشرين التي كانت لي عليك قبل أن أكتب عليك الثمانية عشر. قال مالك: ليست البراءة مؤرخة ولا منسوبة إلى ثمانية عشر ولا إلى ثلاثة وعشرين؟ وذكر حقي عليه مؤرخ بثمانية عشر، فقال له: أيقر لك بأنه قد كان لك عليه ثلاثة وعشرون دينارا؟ فقال: لا، فأطرق طويلا، ثم قال: إن أقمت البينة أنه قد كانت لك عليه ثلاثة وعشرون دينارا حلفت بالله ما هذه البراءة من الثمانية عشر، وكانت لك عليه. قال محمد بن رشد: وهذا كما قال: إنه إذا أقر أنه كانت له عليه ثلاثة

стр. 7207

وعشرون دينارا أو أقام عليه بذلك البينة كان القول قوله: إِنَّ البراءة ليست من الثمانية عشر وإنما من الثلاثة وعشرين، ولو لم يقر بذلك ولا قامت عليه به بينة لكان القول قول المطلوب إن البراءة من الثمانية عشر باتفاق إن كان لم يكن بينهما مخالطة، وعلى اختلاف إن كانت بينهما مخالطة. وقد مضى هذا في أول سماع أبي زيد من كتاب الشهادات بزيادات لها بيان، وبالله التوفيق. [مسألة: البينة على ما ادعى واليمين على ما أنكر] مسألة وسئل: عمن استودع صبرة حنطة فاستنفق المستودع الحنطة، فلما جاءه الرجل فطلب قمحه، قال: قد استنفقته، أنا أعطيك مثله، قال الرجل: إني قد كنت قد صورت دينارا وطرحته في صبرة القمح، أترى له أن يحلف ويأخذ الدينار منه أم يحلف المستودع ويبرأ؟ فقال: أرأيت لو قال: جعلت فيها مائة دينار؟ أرى أن يحلف ويبرأ، قيل له: كيف يحلف؟ أيحلف أنه لم يكن في الصبرة شيء؟ أم يحلف على عمله؟ فقال: لا، ولكن يحلف ما أخذت شيئا ولا علمت لك فيها شيئا. قال محمد بن رشد: هذه مسألة صحيحة بينة لا إشكال فيها ولا اختلاف؛ لأن صاحب الطعام مُدَّعٍ، وقد أحكمت السنة أن البينة على ما ادعى واليمين على ما أنكر، هذا إن حقق الدعوى عليه أنه وجد الدينار وأخذه، وإما إن لم يحقق عليه الدعوى أنه وجده، يجري الأمر على الاختلاف المعلوم في لحوق يمين التهمة، وبالله التوفيق. [: استودع رجلا متاعا فعدا عليه عاد] من سماع ابن دينار من ابن القاسم من كتاب أوله إن خرجت من هذه الدار قال عيسى: قال ابن القاسم: لو أن رجلا استودع رجلا متاعا

стр. 7208

فعدا عليه عاد، فأغرمه على ذلك المتاع غرما لم يكن على صاحب المتاع غرم شيء مما غرم عن متاعه. قال محمد بن رشد: قد قيل: إن له أن يرجع على صاحب المتاع بما أغرم على متاعه، وعلى هذا يأتي قول ابن وهب في المبسوطة في الخليطين يكون لأحدهما مائة وعشرون شاة، وللثاني ثلاثون شاة، فيأخذ الساعي منه شاتين: إن الشاة الواحدة تكون على صاحب العشرين ومائة، والثانية يتراداها بينهما على عدد غنميهما، وقد مضى بيان هذا هنالك، وهذا الاختلاف إنما هو فيما لم يعلم صاحب المتاع به، وأما ما علم به مثل المتاع يتوجه به الرجل من بلد إلى بلد مع رجل، وقد علم أن بالطريق مكانا يؤدي الناس على ما يمرون عليه من المتاع، فلا ينبغي أن يختلف في أنه يجب على رب المتاع للرجل ما أغرم على متاعه. وقد رأيت ذلك لابن دحون، وقال: إنه بمنزلة الرجل يتعدى عليه السلطان، فيغرمه يتسلف ما يغرم، فذلك بين لازم، وهو حلال لمن أسلفه، ووجه ما ذهب إليه: أنه لما علم إذا بعث المتاع معه أنه سيغرم عليه فكأنه سأله أن يسلفه ما لزم إياه من الغرم على متاعه. ومن هذا المعنى ما قال سحنون في الرفاق في أرض المغرب يعرض لهم اللصوص، فيريدون أكلهم فيقوم بعض أهل الرفقة فيصالحهم على مال، عليه وعلى جميع من معه، وعلى من غاب من أصحاب الأمتعة، فيريدون من غاب أن يدفع ذلك عن نفسه، قال: إذا كان ذلك مما قد عرف من سنة تلك البلاد أن إعطاء المال يخلصهم وينجيهم، فإن ذلك لازم لمن حضر ولمن غاب ممن له أمتعة في تلك الرفاق وعلى أصحاب الظهر من ذلك ما ينويهم، وإن كان يخاف أن لا ينجيهم ذلك وإن أعطوا، وكان فيهم موضع لدفع ذلك، فما أحب لهم إلا أن يدفعوا عن أنفسهم وأموالهم، فإن لم يفعلوا وأعطوا على ذلك شيئا لم يرجع بذلك على من غاب من أصحاب الأمتعة، وبالله التوفيق.

стр. 7209

[: يكون في يديه الودائع للناس وهويعلم أنه ينفق منها فيموت فيوصي بودائع] ومن كتاب أوله أسلم وله بنون صغار قال عيسى: وسئل: عن الرجل يكون في يديه الودائع للناس وهو يعلم أنه ينفق منها فيموت فيوصي بودائع فيوجد في تابوته وتحت غلقه كيس فيه دنانير، وفي الكيس مكتوب: إنها لفلان وعددها كذا وكذا، فيوجد العدد الذي كتب فيه أكثر من عدد ما وجد فيه من الدنانير، هل ترى نقصان عدتها مما في الكتاب في ماله؟ فقال: إن قال شهيدان: إن الخط خطه كان ذلك في ماله، وإن لم يشهد على ذلك أحد حلف الورثة أنهم لا يعلمون من ذلك شيئا ولا شيء عليهم. قال محمد بن رشد: قد مضى مثل هذا في رسم بع ولا نقصان عليك من سماع عيسى من كتاب المديان والتفليس. وزاد أصبغ هناك: وكذلك لو وجد عليها خط صاحب الوديعة أنها له مع كونها في حوز المستودع وتحت غلقه لقضي له بها، وقد رأيت لابن دحون: أنه لا يُقضى له بها لاحتمال أن يكون بعض الورثة أخرجها له فكتب عليها اسمه وأخذ على ذلك جعلا. ولا اختلاف في أنه لا يُقضى له بها إذا وجد عليه اسمه ولا يُدرى من كتبه على ما يأتي في سماع أبي زيد بعد، ولا في أنه يقضى له بها إذا وجد عليها اسمه بخط يد المتوفى المستودع إلا على مذهب من لا يرى الحكم بالشهادة على الخط في موضع من المواضع، وقد مضى تحصيل القول في الشهادة على الخط في رسم الشجرة تطعم بطنين في السنة من سماع ابن القاسم من كتاب الشهادات، فمن أحب الوقوف على ذلك تأمله هناك.

стр. 7210

[مسألة: استودع رجلا قمحا فاحتمله المستودع إلى بلد فأراد بيعه فأدركه صاحبه] مسألة قال مالك: لو أن رجلا استودع رجلا قمحا فاحتمله المستودع إلى بلد فأراد بيعه فأدركه صاحبه والقمح بيده لم يغيره لم يكن له أن يأخذه منه إلا بالمكان الذي استودعه فيه، وكذلك السلف، وكذلك السارق لو سرق بالمدينة طعاما فأخذه بمصر لم يكن عليه أن يؤديه إلا بالمدينة، ولو وجد بيده طعاما بعينه، قال عيسى: إذا كان الطعام هو طعام المسروق بعينه فله أن يأخذه حيث أدركه إن أحب. قال محمد بن رشد: ساوى مالك في هذه الرواية بين الوديعة والسلف والسرقة في أنه ليس للمودع ولا للمقرض ولا للمسروق منه أن يأخذ طعامه إلا في البلد الذي أودعه فيه أو أسلفه فيه أو سرق منه فيه. فأما السلف فلا خلاف فيه؛ لأنه إن لو حكم له بأخذه في غير البلد الذي أسلفه فيه لكان قد ربح الحملان. وأما الطعام الذي أودعه أو سرق منه فاختلف إن وجده بعينه في غير البلد الذي أودعه فيه أو سرق وهو قول ابن القاسم وروايته عن مالك. والثاني: أنه مخير بين أن يأخذ طعامه بعينه أو مثله في البلد الذي أودعه فيه أو سرق منه فيه، وهو قول عيسى بن دينار في هذه الرواية من رأيه وقول ابن نافع وأشهب في رواية أصبغ عنه من كتاب الغصب. والثالث: تفرقة أصبغ من رأيه في سماعه من الكتاب المذكور بين أن يكون البلد قريبا أو بعيدا، فقال في القريب بقول أشهب، وفي البعيد بقول ابن القاسم، قال: والظالم يحمل عليه بعض الحمل، ولكن قاله في السرقة، والوديعة مثله، وفرق ابن القاسم بين الطعام والعروض والحيوان، فقال في الطعام ما ذكر عنه من أنه ليس له إلا

стр. 7211

طعامه بالموضع الذي أخذ منه، وقال في الرقيق الذي لا يحتاج إلى الكراء عليهم في حملهم من بلد إلى بلد، وفي الدواب ليس له إلا أخذهم حيث وجدهم، وقال في الرقيق الذي يحتاج إلى الكراء عليهم في حملهم من بلد إلى بلد، وفي البز والعروض: إنه مخير بين أن يأخذ ذلك في الموضع الذي وجده فيه وبين أن يأخذ قيمته في الموضع الذي أخذ منه، وساوى أشهب بين ذلك كله في أنه بالخيار بين أن يأخذه حيث ما وجده، وبين أن يأخذ مثل الطعام في الموضع الذي أخذه منه وقيمة العروض والحيوان في الموضع الذي أخذها فيه يوم أخذها. وفرق أصبغ بين الطعام والعروض والحيوان، فقال في الطعام بقول ابن القاسم: إنه ليس له إلا طعامه بالموضع الذي أخذه منه إلا أن يكون قريبا على ما ذكرناه عنه من تفرقته في ذلك بين القريب والبعيد. وقال في العروض والحيوان بقول أشهب: إنه مخير أن يأخذ ذلك منه أو قيمته في الموضع الذي أخذه منه. وفرق سحنون أيضا بين الطعام والعروض والحيوان، فقال في الطعام بقول ابن القاسم: إنه ليس له إلا طعامه بالموضع الذي أخذه منه، وقال في العروض والحيوان: إنه ليس له إلا أخذ متاعه بعينه في الموضع الذي وجده فيه. فيتحصل في العروض والحيوان ثلاثة أقوال: أحدها: أنه ليس له إلا أن يأخذها حيث وجدها، وهو قول سحنون. والثاني: أنه مخير بين أن يأخذها وبين أن يأخذ قيمتها في البلد الذي أخرجها، وهو قول أصبغ، وظاهر روايته عن أشهب في سماعه من كتاب الغصب. والثالث: تفرقة ابن القاسم بين العروض والرقيق الذي يحتاج إلى الكراء عليهم في حملهم من بلد إلى بلد، ويين الدواب والرقيق الذي لا يحتاج على الكراء عليهم. وفي الطعام ثلاثة أقوال: أحدها: أنه ليس له إلا مثل طعامه في الموضع الذي أخذ منه، وهو قول ابن القاسم. والثاني: أنه له الخيار في أن يأخذه بعينه إن شاء. والثالث: تفرقة أصبغ بين القريب والبعيد، فلا يقول أحد منهم في

стр. 7212

الطعام: إنه يلزمه أن يأخذه حيث وجده، وإنما اختلفوا هل له أن يأخذه بعينه حيث وجده، أو ليس له إلا مثله في الموضع الذي أخذ منه، ولا في العروض والحيوان أنه ليس له أن يأخذها، وإنما اختلفوا هل له أن يأخذها أو هل يلزمه أن يأخذها، فهذا تحصيل القول في هذه المسألة، وبالله التوفيق. [: يتكفل برجل إلى أجل على أنه إن لم يوافه فهو ضامن للمال فلا يوافه] ومن كتاب جاع فباع امرأته وسألته: عن الرجل يستودع الرجل الوديعة فيقبضها منه، فيقول: نقصت وديعتي، ويقول المستودع: بل هي وديعتك كلها، فيتداعيان إلى السلطان، فيقول له المستودع: أنا أريد سفرا فلا تشغلني عنه، فإذا انصرفت مما ادعيت مما حلفت عليه فهو لك قبلي، فيدعه على ذلك، فلما انصرف، قال: ما لك قبلي شيء، وإنما قلت ذلك لئلا تقطعني عن سفري، قال: لا يلزمه ذلك، ويغرم له كل ما حلف عليه المدعي. قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن اليمين كانت واجبة له على المودع، فرضي بردها عليه، فلزمه ذلك، فلم يكن له عنه رجوع، ولو قال: دعني أخرج إلى سفري، فإن لم أرجع إلى وقت كذا وكذا فأنت مصدق فيما تدعي مع يمينك، لم يلزمه ذلك؛ لأنه مخاطرة خلاف هذه المسألة، حكى التفرقة بين الوجهين ابن حبيب عن مطرف وابن الماجشون وأصبغ، وما حكى ابن حبيب عن مطرف وابن الماجشون وأصبغ من أن ذلك لا يلزمه في الشرط هو على قياس قول ابن القاسم في الكفالة من المدونة في الذي يتكفل برجل إلى أجل على أنه إن لم يوافه به عند الأجل فهو ضامن للمال فلا يوافه به عند الأجل أن المال لا يلزمه إن أتى به بعد ذلك قبل أن يحكم عليه، ومحمد بن

стр. 7213

عبد الحكم يقول: إن ذلك لا يلزم المودع وإن كان قوله على وجه الشرط ويحلف ويبرأ، فإن نكل عن اليمين حلف رب المال وأخذ تمام وديعته، ووجه قوله: أنه عذر المودع بما اعتذر به من أنه إنما قال ذلك لئلا يقطع به عن سفره، ولو رد عليه اليمين دون سبب للزمه ذلك قولا واحدا، وإنما يختلف إذا نكل عن اليمين، فقال: لا أحلف، ولم يصرح بردها على المدعي ثم أراد أن يحلف بعد ذلك، هل يكون ذلك له أم لا؟ على قولين، وأهل المشرق لا يرون رد اليمين على المدعي، فإذا نكل المدعى عليه عندهم عن اليمين كان نكوله كالإقرار ولزمه الحق، وقد رأيت لابن دحون في هذه المسألة أنه قال فيها: إنما يصح هذا الجواب على أن الوديعة كانت ببينة، أو على قول من رأى اليمين على المودع إذا انتقصت الوديعة، فإن لم تكن ببينة فكأنه رضي برد اليمين على المودع فلزمه ذلك، ولم يكن له عنه رجوع، وهو غير صحيح؛ لأنه لا خلاف في وجوب اليمين على المودع في دعوى النقصان إن لم يكن على الوديعة بينة، ولا في أن الغرم يلزمه دون أن يحلف رب الوديعة إذا كانت عليها بينة، وبالله التوفيق. [مسألة: قال هذه المائة وديعة عندي لفلان أو لفلان] مسألة وسئل: عن الرجل يستودع الرجل ثلاثين دينارا وبين يديه ثلاثون دينارا فيجعلها في قرب التي بين يديه، فتذهب منها عشرة فلا يدري من أي ذهبت؟ قال: عليه أن يدفع إلى المستودع ثلاثين تامة. قال محمد بن رشد: قوله: لا أدري من أين ذهبت - معناه: لا أدري الثلاثين التي ذهبت منها العشرة أن كانت في المودعة أو التي كانت بين يديه، إذ لو عرف المودعة من التي كانت بين يديه لعرف من أين ذهبت بوجودها ناقصة إذا وزنت، وجوابه هذا في هذه المسألة إنما يصح على قول من قال، في رجل قال: هذه المائة وديعة عندي لفلان أو لفلان: أنه يغرم لهما مائتين مائة لكل واحد منهما. وأما على قول من قال: إنهما يحلفان جميعا

стр. 7214

ويقتسمان المائة ولا يكون على المقر شيء، فيأتي على قياس قوله في هذه المسألة: إن ادعى المدع الثلاثين التي لم يذهب منهما شيء كانت له، قيل: بيمين، وقيل: بغير يمين، على الاختلاف في لحوق يمين التهمة، وإن لم يدعها وقال لا أدري أيتهما لي، إن كانت التي لم يذهب منها شيء أو الأخرى التي ذهبت منها العشرة، فتكون مصيبة العشرة منها، ويقتسمان الخمسة الباقية بينهما بنصفين دون يمين، وقيل: بعد أن يحلف كل واحد منهما؛ لأنه لا يدري إن كانت العشرة ذهبت من متاعه أو من متاع صاحبه، فإن حلفا جميعا، أو نكلا جميعا عن اليمين على هذا الوجه كانت الخمسون بينهما بنصفين، وإن حلف أحدهما ونكل الآخر كانت الثلاثون للحالف بينهما، وهذا الاختلاف في اليمين على اختلافهم في لحوق يمين التهمة، وبالله التوفيق. [: دفع إليه ثلاثة دنانير إلى عشرته فضاع من ذلك ديناران] من سماع يحيى بن يحيى من ابن القاسم من كتاب الكبش قال يحيى: وسألته: عن الرجل يكون معه عشرة دنانير لنفسه فيدفع إليه رجل دينارا استودعه إياه فيذهب منها دينار، كيف يكون ضمانه عليهما؟ قال: يأخذ صاحب العشرة تسعة دنانير ويقتسمان العاشر ويكون ضمان الذاهب بينهما بنصفين، قلت له: فقول مالك: إن صاحب الدينار يكون شريكا في الأحد عشر دينارا على حساب الدينار، ولا يكون عليه من ضمان الدينار الذاهب إلا سهم من أحد عشر سهما، أيؤخذ به؟ قال: لا. قال محمد بن رشد: هذا مثل ما في كتاب تضمين الصناع من المدونة وفي غيره من المواضع، هو اختلاف مشهور معلوم، وسواء في هذا كان المودع صاحب العشرة الدنانير أو صاحب الدينار، وسواء تقارا على تلف

стр. 7215

الدينار أو علم ذلك ببينة إذا دعاه المودع فصدق في ذلك بغير يمين أو بيمين إن كان متهما. ولو دفع إليه ثلاثة دنانير إلى عشرته، فضاع من ذلك ديناران، كان لصاحب العشرة ثمانية ولصاحب الثلاثة دينار، ويقتسمان الدينارين الباقيين بينهما بنصفين، ولو ضاع من ذلك ثلاثة دنانير لكان لصاحب العشرة سبعة، ويقتسمان الثلاثة بينهما على نصفين، وعلى قول مالك: يقتسمان الأحد عشر، إن كان ضاع منها ديناران، أو العشرة إن كان ضاع منها ثلاثة دنانير على ثلاثة عشر جزءا. والحكم في الشيء يتداعى فيه الرجلان، فيقول أحدهما: لي جميعه، ويقول الآخر: لي عشره - يجري على هذا الاختلاف إذا لم يكن في يد واجد منهما باتفاق، واختلف إن كان بأيديهما جميعا، فقيل: إنه يجري على هذا الاختلاف أيضا بعد أيمانهما، وقيل: إن القول قول الذي ادعى العشر مع يمينه؛ لأنه حائز للنصف، فعلى من ادعى عليه أن له أكثر من النصف إقامة البينة، وبالله التوفيق. [: دفع إلى رجل مائة دينار وعهد إليه أن لا يدفعها إلا إلى من أتاه بأمارة] ومن كتاب الأقضية قال يحيى: وسألت ابن وهب: عن رجل دفع إلى رجل مائة دينار يستودعه إياها وعهد إليه أن لا يدفعها إلا إلى من أتاه بأمارة أعلمه بها لم يطلع عليها غيره، فأتى رجل بتلك الأمارة فدفع إليه المال ومات المستودع صاحب أصل المال، فقام ورثته إلى الذي قبض المال بالأمارة، فقالوا: قد وصل إليك مالنا فما الذي صنعت به، فقال: صنعت به الذي أمرني أبوكم به، وهو صاحب المال، قالوا: فما أمرك به؟ قال: ليس علي أن أخبركم بالذي أمرني به، غير أني قد صنعت بأمره، قال: أرى أن يحلف قابض المال بالأمارة بالله الذي
следующие страницы →