Полный текст (9 112 стр.). Показаны 7211–7250 · переход к 7216.
стр. 7211
طعامه بالموضع الذي أخذ منه، وقال في الرقيق الذي لا يحتاج إلى الكراء عليهم في حملهم من بلد إلى بلد، وفي الدواب ليس له إلا أخذهم حيث وجدهم، وقال في الرقيق الذي يحتاج إلى الكراء عليهم في حملهم من بلد إلى بلد، وفي البز والعروض: إنه مخير بين أن يأخذ ذلك في الموضع الذي وجده فيه وبين أن يأخذ قيمته في الموضع الذي أخذ منه، وساوى أشهب بين ذلك كله في أنه بالخيار بين أن يأخذه حيث ما وجده، وبين أن يأخذ مثل الطعام في الموضع الذي أخذه منه وقيمة العروض والحيوان في الموضع الذي أخذها فيه يوم أخذها.
وفرق أصبغ بين الطعام والعروض والحيوان، فقال في الطعام بقول ابن القاسم: إنه ليس له إلا طعامه بالموضع الذي أخذه منه إلا أن يكون قريبا على ما ذكرناه عنه من تفرقته في ذلك بين القريب والبعيد. وقال في العروض والحيوان بقول أشهب: إنه مخير أن يأخذ ذلك منه أو قيمته في الموضع الذي أخذه منه. وفرق سحنون أيضا بين الطعام والعروض والحيوان، فقال في الطعام بقول ابن القاسم: إنه ليس له إلا طعامه بالموضع الذي أخذه منه، وقال في العروض والحيوان: إنه ليس له إلا أخذ متاعه بعينه في الموضع الذي وجده فيه.
فيتحصل في العروض والحيوان ثلاثة أقوال: أحدها: أنه ليس له إلا أن يأخذها حيث وجدها، وهو قول سحنون.
والثاني: أنه مخير بين أن يأخذها وبين أن يأخذ قيمتها في البلد الذي أخرجها، وهو قول أصبغ، وظاهر روايته عن أشهب في سماعه من كتاب الغصب.
والثالث: تفرقة ابن القاسم بين العروض والرقيق الذي يحتاج إلى الكراء عليهم في حملهم من بلد إلى بلد، ويين الدواب والرقيق الذي لا يحتاج على الكراء عليهم.
وفي الطعام ثلاثة أقوال: أحدها: أنه ليس له إلا مثل طعامه في الموضع الذي أخذ منه، وهو قول ابن القاسم.
والثاني: أنه له الخيار في أن يأخذه بعينه إن شاء.
والثالث: تفرقة أصبغ بين القريب والبعيد، فلا يقول أحد منهم في
стр. 7212
الطعام: إنه يلزمه أن يأخذه حيث وجده، وإنما اختلفوا هل له أن يأخذه بعينه حيث وجده، أو ليس له إلا مثله في الموضع الذي أخذ منه، ولا في العروض والحيوان أنه ليس له أن يأخذها، وإنما اختلفوا هل له أن يأخذها أو هل يلزمه أن يأخذها، فهذا تحصيل القول في هذه المسألة، وبالله التوفيق.
[: يتكفل برجل إلى أجل على أنه إن لم يوافه فهو ضامن للمال فلا يوافه]
ومن كتاب جاع فباع امرأته
وسألته: عن الرجل يستودع الرجل الوديعة فيقبضها منه، فيقول: نقصت وديعتي، ويقول المستودع: بل هي وديعتك كلها، فيتداعيان إلى السلطان، فيقول له المستودع: أنا أريد سفرا فلا تشغلني عنه، فإذا انصرفت مما ادعيت مما حلفت عليه فهو لك قبلي، فيدعه على ذلك، فلما انصرف، قال: ما لك قبلي شيء، وإنما قلت ذلك لئلا تقطعني عن سفري، قال: لا يلزمه ذلك، ويغرم له كل ما حلف عليه المدعي.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن اليمين كانت واجبة له على المودع، فرضي بردها عليه، فلزمه ذلك، فلم يكن له عنه رجوع، ولو قال: دعني أخرج إلى سفري، فإن لم أرجع إلى وقت كذا وكذا فأنت مصدق فيما تدعي مع يمينك، لم يلزمه ذلك؛ لأنه مخاطرة خلاف هذه المسألة، حكى التفرقة بين الوجهين ابن حبيب عن مطرف وابن الماجشون وأصبغ، وما حكى ابن حبيب عن مطرف وابن الماجشون وأصبغ من أن ذلك لا يلزمه في الشرط هو على قياس قول ابن القاسم في الكفالة من المدونة في الذي يتكفل برجل إلى أجل على أنه إن لم يوافه به عند الأجل فهو ضامن للمال فلا يوافه به عند الأجل أن المال لا يلزمه إن أتى به بعد ذلك قبل أن يحكم عليه، ومحمد بن
стр. 7213
عبد الحكم يقول: إن ذلك لا يلزم المودع وإن كان قوله على وجه الشرط ويحلف ويبرأ، فإن نكل عن اليمين حلف رب المال وأخذ تمام وديعته، ووجه قوله: أنه عذر المودع بما اعتذر به من أنه إنما قال ذلك لئلا يقطع به عن سفره، ولو رد عليه اليمين دون سبب للزمه ذلك قولا واحدا، وإنما يختلف إذا نكل عن اليمين، فقال: لا أحلف، ولم يصرح بردها على المدعي ثم أراد أن يحلف بعد ذلك، هل يكون ذلك له أم لا؟ على قولين، وأهل المشرق لا يرون رد اليمين على المدعي، فإذا نكل المدعى عليه عندهم عن اليمين كان نكوله كالإقرار ولزمه الحق، وقد رأيت لابن دحون في هذه المسألة أنه قال فيها: إنما يصح هذا الجواب على أن الوديعة كانت ببينة، أو على قول من رأى اليمين على المودع إذا انتقصت الوديعة، فإن لم تكن ببينة فكأنه رضي برد اليمين على المودع فلزمه ذلك، ولم يكن له عنه رجوع، وهو غير صحيح؛ لأنه لا خلاف في وجوب اليمين على المودع في دعوى النقصان إن لم يكن على الوديعة بينة، ولا في أن الغرم يلزمه دون أن يحلف رب الوديعة إذا كانت عليها بينة، وبالله التوفيق.
[مسألة: قال هذه المائة وديعة عندي لفلان أو لفلان]
مسألة وسئل: عن الرجل يستودع الرجل ثلاثين دينارا وبين يديه ثلاثون دينارا فيجعلها في قرب التي بين يديه، فتذهب منها عشرة فلا يدري من أي ذهبت؟ قال: عليه أن يدفع إلى المستودع ثلاثين تامة.
قال محمد بن رشد: قوله: لا أدري من أين ذهبت - معناه: لا أدري الثلاثين التي ذهبت منها العشرة أن كانت في المودعة أو التي كانت بين يديه، إذ لو عرف المودعة من التي كانت بين يديه لعرف من أين ذهبت بوجودها ناقصة إذا وزنت، وجوابه هذا في هذه المسألة إنما يصح على قول من قال، في رجل قال: هذه المائة وديعة عندي لفلان أو لفلان: أنه يغرم لهما مائتين مائة لكل واحد منهما. وأما على قول من قال: إنهما يحلفان جميعا
стр. 7214
ويقتسمان المائة ولا يكون على المقر شيء، فيأتي على قياس قوله في هذه المسألة: إن ادعى المدع الثلاثين التي لم يذهب منهما شيء كانت له، قيل: بيمين، وقيل: بغير يمين، على الاختلاف في لحوق يمين التهمة، وإن لم يدعها وقال لا أدري أيتهما لي، إن كانت التي لم يذهب منها شيء أو الأخرى التي ذهبت منها العشرة، فتكون مصيبة العشرة منها، ويقتسمان الخمسة الباقية بينهما بنصفين دون يمين، وقيل: بعد أن يحلف كل واحد منهما؛ لأنه لا يدري إن كانت العشرة ذهبت من متاعه أو من متاع صاحبه، فإن حلفا جميعا، أو نكلا جميعا عن اليمين على هذا الوجه كانت الخمسون بينهما بنصفين، وإن حلف أحدهما ونكل الآخر كانت الثلاثون للحالف بينهما، وهذا الاختلاف في اليمين على اختلافهم في لحوق يمين التهمة، وبالله التوفيق.
[: دفع إليه ثلاثة دنانير إلى عشرته فضاع من ذلك ديناران]
من سماع يحيى بن يحيى من ابن القاسم من كتاب الكبش قال يحيى: وسألته: عن الرجل يكون معه عشرة دنانير لنفسه فيدفع إليه رجل دينارا استودعه إياه فيذهب منها دينار، كيف يكون ضمانه عليهما؟ قال: يأخذ صاحب العشرة تسعة دنانير ويقتسمان العاشر ويكون ضمان الذاهب بينهما بنصفين، قلت له: فقول مالك: إن صاحب الدينار يكون شريكا في الأحد عشر دينارا على حساب الدينار، ولا يكون عليه من ضمان الدينار الذاهب إلا سهم من أحد عشر سهما، أيؤخذ به؟ قال: لا.
قال محمد بن رشد: هذا مثل ما في كتاب تضمين الصناع من المدونة وفي غيره من المواضع، هو اختلاف مشهور معلوم، وسواء في هذا كان المودع صاحب العشرة الدنانير أو صاحب الدينار، وسواء تقارا على تلف
стр. 7215
الدينار أو علم ذلك ببينة إذا دعاه المودع فصدق في ذلك بغير يمين أو بيمين إن كان متهما.
ولو دفع إليه ثلاثة دنانير إلى عشرته، فضاع من ذلك ديناران، كان لصاحب العشرة ثمانية ولصاحب الثلاثة دينار، ويقتسمان الدينارين الباقيين بينهما بنصفين، ولو ضاع من ذلك ثلاثة دنانير لكان لصاحب العشرة سبعة، ويقتسمان الثلاثة بينهما على نصفين، وعلى قول مالك: يقتسمان الأحد عشر، إن كان ضاع منها ديناران، أو العشرة إن كان ضاع منها ثلاثة دنانير على ثلاثة عشر جزءا. والحكم في الشيء يتداعى فيه الرجلان، فيقول أحدهما: لي جميعه، ويقول الآخر: لي عشره - يجري على هذا الاختلاف إذا لم يكن في يد واجد منهما باتفاق، واختلف إن كان بأيديهما جميعا، فقيل: إنه يجري على هذا الاختلاف أيضا بعد أيمانهما، وقيل: إن القول قول الذي ادعى العشر مع يمينه؛ لأنه حائز للنصف، فعلى من ادعى عليه أن له أكثر من النصف إقامة البينة، وبالله التوفيق.
[: دفع إلى رجل مائة دينار وعهد إليه أن لا يدفعها إلا إلى من أتاه بأمارة]
ومن كتاب الأقضية قال يحيى: وسألت ابن وهب: عن رجل دفع إلى رجل مائة دينار يستودعه إياها وعهد إليه أن لا يدفعها إلا إلى من أتاه بأمارة أعلمه بها لم يطلع عليها غيره، فأتى رجل بتلك الأمارة فدفع إليه المال ومات المستودع صاحب أصل المال، فقام ورثته إلى الذي قبض المال بالأمارة، فقالوا: قد وصل إليك مالنا فما الذي صنعت به، فقال: صنعت به الذي أمرني أبوكم به، وهو صاحب المال، قالوا: فما أمرك به؟ قال: ليس علي أن أخبركم بالذي أمرني به، غير أني قد صنعت بأمره، قال: أرى أن يحلف قابض المال بالأمارة بالله الذي
стр. 7216
لا إله إلا هو لقد فعل الذي أمره به في المال لم يتعد إلى غيره، ثم يبرأ، وسألت عن ذلك ابن القاسم، فقال لي مثل ما قال ابن وهب.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة فيها نظر؛ لأن القياس كان فيها إذا لم يدع الورثة علم ما أمره به موروثهم قابض المال بالأمارة أن يصدق فيما زعم أن رب المال أمره أن يفعله فيه، ولا يصدق أنه قد فعله حتى يعلم ما هو، إذ من الأشياء ما لا يصدق المأمور فيها أنه قد فعله حتى يقيم البينة على ذلك، فكان الواجب أن يسأل قابض المال بالأمارة عما أمر به في المال، وهل فعله أم لا؟ وإن ذكر أنه أمره أن يفعل فيه ما هو مصدق على فعله صدق مع يمينه في أنه أمر بذلك وفي أنه قد فعله، وإن ذكر أنه أمره أن يفعل فيه ما لا يصدق على فعله حتى يقيم البينة على ذلك صدق مع يمينه في أنه أمر بذلك، ولم يصدق في أنه قد فعله حتى يقيم البينة على ذلك.
وأما إن ادعى الورثة معرفة ما أمره به موروثهم في المال فينزلون منزلته في الدعوى، ويكون القابض للمال مدعيا فيما زعم أنه أمره به فيما مما لم يقر له به الورثة وكذبوه فيه، فما لهذه المسألة عندي وجه إلا أن يتأول على أن قبض المال بالأمارة لم يعلم إلا من قبل قابضه بأن يأتي الورثة فيقول لهم كان أبوكم قد أمرني أن أقبض مالا له عند فلان بأمارة أعلمني بها فقبضته وصنعت فيه ما أمرني أبوكم، فليس عليه إذا كان الأمر على هذا أن يبين لهم ما أمره به أبوهم إذ لو شاء أن لا يقر بشيء لفعل، وبالله التوفيق.
[: يستودع الوديعة ثم يتصدق بها على رجل]
من سماع سحنون وسؤاله ابن القاسم قال سحنون: سألت ابن القاسم: عن الرجل يستودع الوديعة ثم يتصدق بها على رجل يقول أشهدكم أني قد تصدق بالوديعة التي
стр. 7217
عند فلان على فلان لا يكون منه أكثر ولم يأمره أن يقبض له، ثم مات.
قال: إن علم المستودع أنه يصدق بذلك فأراها للمتصدق عليه، وإن لم يعلم فلا أرى للمتصدق عليه شيئا، قلت: من أي وجه قال؟ من قبل أنه إذا علم أنه تصدق بما في يديه فقد صار قابضا للمتصدق عليه حتى لو أراد صاحب الوديعة أخذها لكان يبتغي للمستودع أن لا يدفعها إليه، فإن دفعها إليه ضمنها.
قال محمد بن رشد: وقعت هذه الرواية بعينها في هذا السماع من كتاب الصدقات والهبات وشرط فيها في صحة الحيازة معرفة المستودع خلافا لما في المدونة؛ لأنه جعل فيه قبض المستخدم والمستعير قبضا للموهوب له، ولم يشترط معرفتهما، ويخرج في المسألة قول ثالث، فالقياس على ارتهان فضلة المرهن أن الحيازة لا تصح إلا أن يعلم المستودع ويرضى أن يكون حائزا للموهوب له إلا أن يفرق في ذلك بين الرهن والصدقة حسبما مضى القول فيه مجودا في رسم الأقضية الثالث من سماع أشهب من كتاب الرهون، وإنما يكون قبض المستودع قبضا للمتصدق عليه إذا علم على هذه الرواية أو علم أو لم يعلم على مذهبه في المدونة، إذا قبل الموهوب له الهبة، فأما إذا لم يعلم منه قبول حتى مات الواهب، فلا شيء له، ولا شيء على المستودع في ردها قبل قبول الموهوب له الهبة وعلمه بها، هذا إذا كان الموهوب له حاضرا، وأما إن كان غائبا تصح حيازة المستودع له وإن مات الواهب قبل أن يقبل الموهوب له، وسواء على مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك كان الشيء الموهوب بيد الموهوب له أو بيد حائز يحوزه له وهو حاضر إن لم يقبل حتى مات الواهب بطلت الهبة، وقال أشهب: إذا كان الشيء الموهوب بيد الموهوب له صحت له الحيازة، وإن لم يقبل حتى مات الواهب؛ لأن كون ذلك في يديه أحوز الحوز، وبالله التوفيق.
стр. 7218
[: أتى رجلا يستودعه مالا فقال له ادفعه إلى عبدي هذا فدفعه فاستهلكه العبد]
من سماع عبد الملك بن الحسن من أشهب قال عبد الملك بن الحسن: سئل أشهب: عن رجل أتى رجلا يستودعه مالا، فقال له الرجل: ادفعه إلى عبدي هذا، فدفعه فاستهلكه العبد.
فقال: هو في ذمة العبد، قيل: فإن كان السيد غره من العبد؟ قال: ليس عليه إلا ما قلت لك.
قال محمد بن رشد: ولا يكون ذلك في ذمة العبد بإقراره حتى تقوم بينة باستهلاكه، قال ذلك محمد بن عبد الحكم، وهو صحيح، وقد قيل: إن السيد ضامن إذا غره، وذلك على الاختلاف المعلوم في الغرور بالقول، وإذا ضمن السيد ذلك على هذا القول بيع في ذلك العبد وغيره من ماله، وبالله التوفيق.
[: سأله وديعته فإن أبى أن يعطيه إياها في ذلك الوقت لعذر]
من سماع أصبغ بن الفرج من ابن القاسم قال أصبغ: وسئل ابن القاسم: عن رجل جعل عند رجل مالا وديعة فأتاه يوما يتقاضاه، فقال: إني مشغول وراكب إلى موضع كذا وكذا فانتظرني إلى غد، فأبى فتصايحا حتى حلف أن لا يعطيها إياه الليلة فلما أتاه من الغد يتقاضاها إياه، قال: ذهبت، هل عليه غرمها؟
قال: إن كان إنما ذهبت من قبل أن تلقاني ضمن؛ لأنه قد أقر
стр. 7219
بها ولا يقبل قوله، وإن قال لا أدري متى ذهبت، وإنما عهدي بها منذ كذا وكذا أحلف وكان القول قوله، ولا ضمان عليه، وقاله أصبغ ويحلف ما علم بذهابها حين منعه ولا منعه لذلك، ولقد كان علمه على أنها ثم فيما يرى ساعتئذ ولا يعلم غير ذلك.
قال ابن القاسم: وإن قال ذهبت مني بعد ما حلفت وفارقتك رأيته ضامنا؛ لأنه قد تعدى عليه حين لم يدفع إليه حقه ساعتئذ، إلا أن يكون كان على أمر لا يستطيع الرجوع فيه، ويكون في رجوعه عليه ضرر، فلا ضمان عليه إذا كان كذلك.
قال أصبغ: ليس في هذا تعدي وليس عليه ضمان إذا كان أمره ذلك الذي منعه واحفزه عذرا غالبا عليه فيه ضرر، ولم يكن الأمر كان يمكنه عند بابه أو هو في يديه ونحوه هاهنا، وليس عليه في أخذه ومناولته تطويل ولا أمر، ولا فتح وغلق ولا استخراج ولا أمر لا يصح إلا به وبنظره وبرجوعه، فإن كان هذا كله هكذا رأيته ضامنا ومتهما بدفعه إياه له عنه، وإلا فلا ضمان عليه، فقد يعوق الرجل ما يعوق وقد ينتقل في الحين الذي يأتي فيه إعطاؤه، وقد يرد الناس الناس مثل هذا ويشتغلون ويكلمون وهم أعلم بأنفسهم وأهوائهم ومرافقهم وشأنهم، فأرى أن يحلف ويبرأ إن شاء الله.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة بينة صحيحة لا اختلاف بينهم أنه إذا سأله وديعته فإن أبى أن يعطيه إياها في ذلك الوقت لعذر ذكره ثم أتاه بعد ذلك فيها فذكر أنها قد كانت تلفت قبل أن يلقاه فيها أولا أنه ضامن لها؛ لأنه لما اعتذر في دفعها إليه في ذلك الوقت فقد أقر أنها باقية لم تتلف فكذب ذلك دعواه الآن أنها قد كانت تلفت فلا يقبل قوله في ذلك إلا أن يقول: لم أعلم في ذلك الوقت أنها قد كانت تلفت ولذلك اعتذرت إليه في دفعها إليه في ذلك
стр. 7220
الوقت ووعدته لوقت آخر، فيحلف على ذلك كما قال أصبغ، ويسقط عنه ضمانها، وكذلك إن قال: لا أدري متى تلفت إن كان قبل طلبك إياها أو بعد ذلك، فيحلف على ذلك ويسقط عنه الضمان.
وأما إن قال: تلفت بعد ذلك، فإن كان منعه إياها لعذر ألجأه إلى ذلك، ولم يكن متعديا في منعه إياها في ذلك الوقت، فلا ضمان عليه، فإن كان منعه إياها لغير عذر تعديا منه في ذلك فهو ضامن لها.
واختلف هل هو محمول على العذر حتى يثبت التعدي أو على التعدي حتى يثبت العذر؟ وظاهر قول ابن القاسم أنه محمول على التعدي حتى يثبت العذر، وظاهر قول أصبغ أنه محمول على العذر حتى يثبت التعدي لا اختلاف في هذه المسألة إلا في هذا الوجه. وقد وقع في النوادر لمحمد بن عبد الحكم: أنه لا ضمان عليه تلفت قبل أو بعد، وليس ذلك بخلاف لشيء مما تقدم؛ لأن معنى قوله: إذا لم يعلم بذلك إلا بعد، ومعنى قوله: أو تعدى إذا كان له في صنعه عذر ولم يكن متعديا في ذلك، قال محمد بن عبد الحكم: ولو أبى أن يدفعها إليه إلا بالسلطان فتلفت في خلال الدفع لم يكن عليه في ذلك ضمان؛ لأن له في ذلك عذر، يقول: خفت شغبه وأذاه، وسيأتي القول على هذا في آخر سماع أبي زيد إن شاء الله.
[مسألة: يستودعه وديعة يبعث بها المستودع إلى صاحبها فيعدوا عليها اللصوص]
مسألة قال أصبغ: سمعت ابن وهب وسئل: عن الرجل يستودع الرجل وديعة يبعث بها المستودع إلى صاحبها فيعدوا عليها اللصوص فينزعونها، فيقول المستودع: لم آمرك أن تبعث بها إلي، ويقول المستودع: بل أنت أمرتني أن أبعث بها إليك، ولا بينة بينهما.
قال: المستودع ضامن؛ لأنه مُتَعَدٍّ وهو مُدَّعٍ، فإذا تعدى كان عليه الضمان، ولكن لو كان قال سقطت مني أو دفعتها إليك،
стр. 7221
أو سرقت مني فذهب بها لم يكن عليه شيء.
قال محمد بن رشد: إنما يضمن المودع الوديعة إذا ادعى أن ربها أمره أن يبعث بها إليه بعد يمينه أنه إنما أمره أن يبعث بها إليه ولقد تعدى عليه في البعث بها إليه بغير أمره فيحق عليه التعدي بيمينه، وهو معنى قوله في الرواية: المستودع ضامن؛ لأنه متعدٍ، فإنما قال فيه: إنه متعدٍ؛ لأن العداء قد ثبت عليه بيمين رب الوديعة.
وقوله: ولكن لو قال: سقطت مني أو دفعتها إليك أو سرقت مني فذهب بها، لم يكن عليه شيء، معناه: لم يكن عليه غرم؛ لأن اليمين عليه في دعوى الرد باتفاق، وفي دعوى التلف على اختلاف إن لم يحقق عليه الدعوى، قيل: إنه يحلف، فإن نكل عن اليمين غرم، قيل: بعد يمين رب الوديعة، وقيل: إن اليمين لا يرجع عليه، وقيل: إنه لا يمين عليه على اختلافهم في لحوق يمين التهمة وفي ردها، وقيل: إن كان من أهل التهم أحلف وإلا لم يحلف، وهو المشهور في المذهب، وأما إن حقق عليه الدعوى فلا اختلاف في وجوب اليمين عليه، وفي أن له أن يردها، وبالله التوفيق.
[مسألة: استودع وديعة وهو في المسجد أو في مجلس فجعلها على نعليه فذهبت]
مسألة قال: وسألته عن رجل استودع وديعة وهو في المسجد أو في مجلس فجعلها على نعليه فذهبت، أعليه ضمان؟ فقال: ما أرى عليه ضمانا، قلت: ولا تراه متعديا؛ لأنه إنما أعطاه إياها يحوزها، فليس هذا حوزا؟ قال لي: فإنه الآن يقول: لم يكن معي خيط أربطه به، قلت: يربطها في طرف ردائه، قال: فإنه يقول: ليس علي رداء علي برنس، قلت: فإن كان عليه رداء؟ قال: ما أرى عليه شيئا بحال.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال: إنه إذا دفع إليه الوديعة وهو في مسجد أو في مجلس فجعلها على نعليه، يريد: بين يديه حيث ينظر إليها،
стр. 7222
فتلفت - إنه لا ضمان عليه؛ لأن ذلك هو وجه الحوز لها في ذلك الموضع على ما جرت به العادة، فوجب أن لا يضمن، قال مطرف وابن الماجشون: ولو نسيها في الموضع الذي دفعت إليه فيه وقام ضمنها، وكذلك لو كانت في داره فأخذها فأدخلها كمه يظنها دراهمه فسقطت فإنه يضمن، قالا: وهذه جنايات، فضمناه بالنسيان ولم يعذراه بذلك، وقد يتخرج في هذا اختلاف بالمعنى من مسألة الرجلين يدعيان مائة دينار وديعة عند رجل، فيقول المدعى عليه: لا أدري من دفعها إلي منكما؛ لأنه عذر بالنسيان على القول بأنه لا يلزمهما أكثر من أن يغرم لهما المائة فيحلفان ويقتسمانها بينهما، وقد مضى تحصيل الاختلاف في ذلك في رسم يدير من سماع عيسى من كتاب المديان والتفليس، وبالله التوفيق.
[: تكون عنده الوديعة فتطلب منه فيقول قد ضاعت مني منذ سنين]
ومن كتاب القضاء المحض قال أصبغ: سألت ابن القاسم: عن رجل تكون عنده الوديعة فتطلب منه فيقول قد ضاعت مني منذ سنين إلا أني كنت أرجو أن أجدها وكنت أطلبها وما أشبه ذلك ولم يسمع ذلك منه، وصاحبه الذي استودعه أيضا حاضر، ألا يذكر ذلك له؟ فقال: هو مصدق ولا ضمان عليه إلا أن يكون قد طلبت منه فأقر بها أنها عنده كما هي، ثم زعم أنها قد ضاعت منه سنين، فهو هاهنا ضامن وإلا فلا شيء عليه، والقراض مثل ذلك سواء، قال أصبغ: لا يعجبني وهو ضامن إذا أمسك، ولا يعرف طلبا منه ولا ذكر لصاحبها ولا لغيره، ولا وجه مصيبة تطرق ولا سماع سرقة ولا غرق ولا غير ذلك قبل ذلك، وحضور الطالب أشد وأبين بإمساكه عنه، وكل سواء إذا طال هذا جدا وادعى أمرا قريبا لا ذكر له.
стр. 7223
قال محمد بن رشد: قول ابن القاسم عندي أظهر من قول أصبغ؛ لأن الأصل براءة الذمة، فالواجب فيها سببا إلا بيقين، وهو قول محمد بن عبد الحكم، قال: أصحابنا يقولون: إن سمع ذلك منه قبل ذلك الوقت الذي يسألها فيه قبل منه، وإن لم يسمع ذلك منه إلا ذلك الوقت لم يقبل، قال محمد: وأنا أرى أن يحلف ولا شيء عليه، وبالله التوفيق.
[: استودع رجلا سيفا وضمنه إياه فعدا عليه ابن له فقاتل به فانكسر]
ومن كتاب الكراء والأقضية وسئل ابن القاسم: عمن استودع رجلا سيفا وقيمته أربعة دنانير وضمنه إياه فعدا عليه ابن له فقاتل به فانكسر وقيمته يوم تعدى الابن عشر دنانير.
فقال: أرى عليه قيمته يوم استودعه إلا أن يكون القيمة يوم تعدى عليه أكثر، قال أصبغ: إن كان الضمان إنما ضمن أربعة التي هي القيمة فليس عليه غيرها والفضل على الابن المتعدي، وإن كان ضمن السيف ضمانا فعليه قيمته الكبرى كانت الأولى أو الآخرة.
قال محمد بن رشد: قول أصبغ إن كان الضمان إنما ضمن أربعة التي هي القيمة فليس عليه غيرها والفضل على الابن المتعدي صحيح لا اختلاف فيه ولا كلام، وقوله: وإن كان ضمن السيف ضمانا فعليه قيمته الكبرى كانت الأولى أو الآخرة هو مثل قول ابن القاسم سواء وذلك بعيد جدا، والذي يوجبه النظر على أصولهم أن تكون عليه قيمته يوم دفعه إليه على الضمان إلا أن تعلم قيمته يوم تعدى عليه الابن فيكون ذلك عليه، كان أقل من قيمته يوم دفعه إليه أو أكثر ويرجع بذلك على الابن، وإنما يصح أن يكون عليه الأكثر من القيمتين إذا لم يعلم قيمته يوم تعدى عليه الابن إلا بقوله؛ لأنه إن ادعى أن قيمته
стр. 7224
يوم تعدى عليه ابنه أقل لم يصدق، وإن ادعى أنها أكثر كان مقرا على نفسه، وهذا أبين وأصح، والله اعلم.
[: استودع وديعة فطلب صاحب الوديعة وديعته فقال المستودع ما أدري]
من نوازل سئل عنها أصبغ وقال أصبغ، في رجل استودع وديعة فطلب صاحب الوديعة وديعته من المستودع، فقال المستودع: والله ما أدري دفعتها إليك أم ضاعت مني؟ قال: لا أرى عليه ضمانا؛ لأنه إن كان دفعها فقد برئ وإن كانت ضاعت منه فهو فيها مؤتمن، فلا ضمان عليه إلا أن يكون المستودع إنما استودعها إياه ببينة فلا يبرأ منها بقوله: قد دفعتها إليك؛ حتى يقيم البينة بدفعها إليه وإلا غرم.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال إنه إذا دفعها إليه بغير بينة فلا ضمان عليه، يريد: بعد أن يحلف ما هي عنده ولقد دفعها إليه أو تلفت؛ لأن القول قوله في كل واحد من الوجهين لو ادعاه بعينه، فكذلك إذا ادعى أحدهما بغير عينه، وأما إذا دفعها إليه ببينة، فبين أنه لا يبرأ منها بقوله: لا أدري إن كنت دفعتها إليك أو تلفت؛ لأنه لو ادعى أنه دفعها إليه لم يصدق، فكيف إذا قال: لا أدري إن كنت دفعتها إليك أو تلفت، ولو دفعها إليه ببينة، فقال المودع لربها: إن كنت دفعت إلي شيئا فقد ضاع؛ لبرئ منها بيمينه، قال ذلك عبد الله بن عبد الحكم، وهو على قياس قول أصبغ المذكور، وبالله التوفيق.
[مسألة: استودع وديعة فدفنها في بيته]
مسألة قلت له: فرجل استودع وديعة فدفنها في بيته أو بموضع فلما طلبها صاحبها، قال له المستودع: والله ما أدري ما فعلت، دفنتها حين دفعتها إلي، فطلبتها فلم أقدر على موضعها ولم أصبه.
стр. 7225
قال: أراه ضامنا، هذا مضيع لا يدري حيث دفنها إلا أن يقول: دفنتها في بيتي أو حيث يجوز لي دفنها من المواضع التي يرى أنه أحرزها فيها كما كان يحرز متاعه، فيزعم أنه طلبها في ذلك الموضع فلم يجدها، وقد اتفق أنه دفنها فيه فلا ضمان عليه فيها؛ لأنه هاهنا بمنزلة ما لو سقطت منه أو جاء عليها تلف من غير صنعه؛ لأنه فعل في دفنه ما يجوز له إذا كان يحفظ الموضع الذي دفنها فيه، وأما إذا قال: دفنتها ولا أدري حيث، فهذا متلف لها مضيع فهو ضامن.
قال محمد بن رشد: لم يعذره في هذه المسألة بنسيان الموضع الذي دفن فيه الوديعة ويدخل في هذا اختلاف بالمعنى قد ذكرته في أول رسم من سماع أصبغ قبل هذا، فلا معنى لإعادته.
[: لا يقضى بالصرة لمن وجد عليها اسمه إذا لم يكن بخط يده]
من سماع أبي زيد بن أبي الغمر من ابن القاسم قال أبو زيد: سئل ابن القاسم: عن رجل هلك وترك ودائع ولم يوص فتوجد صرر فيها مكتوب وديعة فلان بن فلان وفيها كذا وكذا دينارا، أتراها لفلان الرجل الذي اسمه على الصرة إذا لم تكن بينة على أنه استودعها إياه إلا بقول وقد وجدوها عند الهالك كما ادعى؟
قال: ليس له فيها شيء لعله دفعه إلى أهل البيت دراهم حتى كتبوا له فوق هذه الصرر ما يريد.
قال محمد بن رشد: هذا ما لا اختلاف فيه أنه لا يقضى بالصرة لمن وجد عليها اسمه إذا لم يكن بخط يده ولا بخط يد المودع، وقد مضى
стр. 7226
تحصيل القول في ذلك في رسم أسلم من سماع عيسى قبل هذا، فلا معنى لإعادته.
[مسألة: رد الرهن إذا قبضه بغيربينة]
مسألة وقال ابن القاسم، في رجل دفع إلى رجل وديعة أو رهنه رهنا ثم جاء يطلب وديعته أو جاء بافتكاك الرهن فأبى الذي في يديه الوديعة أو الرهن أن يدفع ذلك إلى أهله حتى يأتي السلطان فيعدي عليه بالدفع، فضاع ذلك الرهن أو الوديعة قبل أن يقضي عليه السلطان وبعد طلب المستودع وديعته وبعد طلب الراهن رهنه.
قال: إن كان دفع ذلك إليه بغير بينة في الرهن والوديعة فأراه ضامنا.
قال محمد بن رشد: في مساواته في هذه المسألة بين الرهن والوديعة بقوله: إن كان دفع ذلك إليه بغير بينة في الرهن فأراه ضامنا - دليل على أن القول قوله في رد الرهن إذا قبضه بغير بينة كالوديعة سواء، وذلك بعيد؛ لأن الرهن قبضه لمنفعة نفسه فلا يصدق في ضياعه ولا في رده بأن قبضه بغير بينة، والوديعة قبضها لمنفعة صاحبها ويصدق في ضياعها وفي ردها إلا أن يكون دفعت إليه ببينة، وقد مضى تحصيل القول في ذلك في رسم استأذن من سماع عيسى من كتاب الرواحل والدواب، فلعله إنما تكلم في هذه الرواية على الرهن الذي لا يغيب عليه فتصح المسألة؛ لأن الرهن الذي لا يغاب عليه يصدق المرتهن في رده إذا قبضه بغير بينة كما يصدق في تلفه كالوديعة.
وقد اختلف إذا أبى المودع أن يدفع الوديعة إلى الذي أودعه إياها إلا بالسلطان، فترافعا إليه، فضاعت بين سؤاله إياه وبين إتيانه السلطان على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه لا ضمان عليه وإن كان قبضها منه بغير بينة؛ لأن له في ذلك
стр. 7227
عذرا، يقول: خفت شغبه وأذاه، وهو قول محمد بن عبد الحكم.
والثاني: أنه ضامن وإن كان قبضها منه ببينة؛ لأنه متعد، إذا منعه إلا بالسلطان وكان يقدر على أن يشهد عليه بالرد كما أشهد هو عليه بالقبض، وإلى هذا ذهب ابن دحون، فالرهن والوديعة على مذهبه سواء في هذا.
والثالث: ما ذهب إليه في هذه الرواية من تفرقته بين ما يصدق فيه في الرد وبين ما لا يصدق، وبالله التوفيق.
تم كتاب الوديعة والحمد لله
стр. 7228
[: استعار دابة إلى بلد فاختلفا]
كتاب العارية
من سماع ابن القاسم من مالك قال سحنون: أخبرني ابن القاسم: عن مالك فيمن استعار دابة إلى بلد فاختلفا، فقال: أعرتنيها إلى بلد كذا وكذا، وقال المعير: بل أعرتك إلى بلد كذا وكذا، فإن كان يشبه ما قال المستعير فعليه اليمين.
قال ابن القاسم: وذلك إذا ركب المستعير ورجع فالقول قوله، ولعل الدابة تعتل ويطلب منه كراء ما زاد، فإذا كان يشبه ما قال المستعير فالقول قوله مع يمينه، وإذا لم يركبها فالقول قول صاحب الدابة، وإنما ذلك بمنزلة رجل أخدم رجلا خادما أو أسكنه منزلا فسكن الرجل الدار واختدم العبد سنة، فقال المخدم: أخدمتني سنة وأسكنتني سنة وقد انقضت السنة، فالقول قول المخدم إذا جاء بما يشبه، إن قال الآخر: أخدمتك أو أسكنتك ستة أشهر لم يقبل قوله، وهو مدعٍ إلا أن يأتي المخدم أو المسكن بما لا يشبه، ولو كان لم يقبض المسكن أو المخدم ما أُعْطِيَ كان القول قول صاحب العبد أو المسكن، هذا يبين لك العارية.
قال محمد بن رشد: لا اختلاف بينهم في أن القول قول المعير إذا اختلفا في العارية إلى أي بلد أعاره إياها قبل الركوب أو بعد وصوله إلى البلد
стр. 7229
الذي أَقَرَّ بِهِ المعير، فتفسير ابن القاسم لقول مالك في قوله: إن القول قول المستعير إذا كان يشبه وعليه اليمين بقوله، وذلك إذا ركب المستعير ورجع - صحيح.
ومثله في المدونة من رواية عبد الرحمن عن مالك، وفي الدمياطية لابن القاسم خلافه: أن القول قول المعير إذا اختلفا بعد الرجوع، بخلاف إذا كان معه في سفره فاختلفا بعد الرجوع.
ونص الرواية، قال: وسئل ابن القاسم: عن رجل استعار ثوبا فحبسه عن صاحبه شهرا أو شهرين فجاء به وقد تغير، وقال صاحبه: إنما أعرتك اليوم واليومين، وقال المستعير: إنما استعرته منك إلى أن أقدم من سفري وأتجمل به حتى أكتسي، قال: أرى إن كان حاضرا وهو معه لا يسأله عنه، فالقول قول المستعير ويحلف.
وأما السفر فإني أراه متعديا إذا حلف صاحب الثوب إلا أن يكون للمستعير بينة على ما قال، فالخلاف في المسألة إنما هو إذا غاب المستعير عن المعير بالدابة أو الثوب، فلما رجع قال له المعير: قد تعديت في وصولك بالدابة إلى حيث وصلت بها، أو في إمساكك الثوب عني طول هذه المدة إذ لم أعرك الدابة إلا إلى بلد كذا أو الثوب إلا إلى مدة كذا.
فوجه قول مالك: أن المعير لما أسلم الدابة أو الثوب إلى المستعير فقد ائتمنه وصار مدعيا عليه في تضمينه الدابة إن كانت تغيرت أو تلفت في المسافة التي يدعي أنه لم يأذن له فيها أو في تضمينه الكراء فيها إن كانت على حالها، وهو الذي اعتل به ابن القاسم بقوله في الرواية: وذلك لعل الدابة تعتل، يريد: فيكون مدعيا عليه في تضمين قيمتها أو لا تعتل، فيكون مدعيا في طلب كراء ما زاد، وقد أحكمت السنة أن البينة على من ادعى واليمين على من أنكر، فوجب أن يكون القول قول المستعير إذا أشبه ما ادعاه.
ووجه قول ابن القاسم في الدمياطية: أن الأصل قد حصل في أنه لا يؤاخذ أحد بأكثر مما يقر به على نفسه، والمستعير مدع على المعير في المسافة التي لم يقر أنه أعاره إليها، ولا دليل له على دعواه لكونه غائبا عنه، بخلاف إذا كان حاضرا معه؛ لأن في سكوته على طلب دابته منه عند انقضاء المسافة الأولى - دليل على أنه أعاره إياها إلى الثانية، وكذلك الثوب، فقوله
стр. 7230
في الرواية: وإنما ذلك بمنزلة رجل أخدم رجلا خادما أو أسكنه منزلا ... إلى آخر قوله: لا يلزم المخالف. وهو قول ابن القاسم في رواية الدمياطي عنه؛ لأن الذي يأتي على قياس قوله في الرواية: أن يكون القول في الإخدام والإسكان قول رب الخادم ورب المسكن في المدة التي أخدمه إليها وأسكنه إليها إذا كان غائبا عنه ولم يكن حاضرا معه، فيكون سكوته عن طلب خادمه ومسكنه عند انقضاء المدة التي أقر أنه أخدمه وأسكنه إليها دليلا على دعوى المخدم أو المسكن، فوجب أن يكون القول قوله، إذا ادعى من ذلك لما يشبه، وبالله التوفيق.
[: يسأل الرجل أن يهبه الذهب فيقول نعم فيبدو له أن لا يفعل]
ومن كتاب طلق بن حبيب وسئل: عن الرجل يسأل الرجل أن يهبه الذهب، فيقول: نعم، فيبدو له أن لا يفعل، أفترى ذلك يلزمه؟ قال: أما إن قال: أنا أفعل أو أنا فاعل، فما أرى ذلك يلزمه، ومن ذلك وجوه لو كان في قضاء دين فسأله، فقال: نعم، ورجال شهود عليه، فما أحراه أن يلزمه، والشهادة في ذلك أبين وما أحق إيجابه. قال ابن القاسم: إذا اقتعد الغرماء على موعد منه أو أشهد بإيجاب ذلك على نفسه أن يقول أشهدكم أني قد فعلت، فهذا الذي يلزمه، فأما أن يقول له نعم أنا أفعل ثم يبدو له، فلا أرى ذلك عليه.
قال محمد بن رشد: اختلف في العدة هل يلزم القضاء بها أم لا؟ على أربعة أقوال:
أحدها: أنه يلزم القضاء بها وإن لم يكن على سبب، رُوِيَ عن عمر بن عبد العزيز أنه قضي بها على ما وقع في كتاب العدة، على ظاهر قول النبي ﵇: «وأي المؤمن واجب» ، وهذا لا حجة فيه؛ لأن
стр. 7231
الحديث ليس على ظاهره في الوجوب؛ لأن معناه واجب في مكارم الأخلاق ومحاسنها، بدليل تخصيصه المؤمن؛ لأنه لما لم يعم، فيقول: الوأي واجب؛ علم أنه أراد بعض المؤمنين، وهم الممدوح إيمانهم، فدل ذلك على الندب إذا لم يعلم به جميع المؤمنين؛ كقول الله تعالى في المتعة: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢٤١] و ﴿حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٦] .
والثاني: أنه يقضي به إن كان على سبب وإن لم يدخل بسبب عدته في السبب، وهو قول أصبغ في كتاب العدة، وقول مالك في هذه الرواية نحوه؛ لأنه قال فيها: ولو كان في قضاء دين فسأله فقال نعم ورجال شهود عليه، فما أحراه أن يلزمه ولم يحقق إيجابه؛ لأن قوله: أنا أقضي عنك دينك، وأنا أسلفك لتقضي دينك، أو أهبك لتقضي دينك عدة بسبب، فهي كالعدة على سبب، إذ لا فرق بين أن يسأله أن يسلفه أو يهبه ليقضي دينه فيقول له: نعم أنا أفعل، وبين أن يقول له ابتداء من غير أن يسأله: أنا أسلفك أو أهبك لتقضي دينك، أو أنا أقضي عنك دينك، وقوله: أنا أسلفك أو أنا أسلفك عدة على غير سبب، ففرق مالك بين الوجهين.
ومعنى قوله: ورجال شهود عليه، أي: ورجال حضور شهدوا عليه قوله من غير أن يشهدهم على نفسه.
وقوله: والشهادة في ذلك أبين وما أحقق إيجابه، معناه: إذا قال نعم أشهدكم أني أفعل أو أني فاعل، وأما لو قال: أشهدكم أني قد فعلت لما وقف عن التحقيق في إيجابه عليه، ولزم القضاء به عليه كما قال ابن القاسم.
والثالث: أنه لا يقضي بها وإن كانت على سبب إلا أن يدخل من أجل عدته في السبب، وهو معنى قول ابن القاسم في هذه الرواية: إنما اقتعد الغرماء منه على موعد
стр. 7232
أن ذلك يلزمه بمنزلة إشهاده بإيجاب ذلك على نفسه؛ لأنهم تركوا بوعده إياهم التوثق من غريمهم فأضرت بهم عدته إن أخلفهم فيها، وهو قول سحنون في كتاب العدة: إن العدة لا تلزم إلا أن يكون على سبب فيدخل من أجل عدته في السبب، مثل أن يقول الرجل للرجل: افعل كذا وكذا وأنا أسلفك، فيفعله، فقول الرجل للذي عليه الدين أنا أقضي عنك الدين الذي عليك يفترق عند ابن القاسم من قوله للذي عليه الدين: أنا أقضيك الدين الذي لك، لا يلزمه في الأول ويلزمه في الثاني على ما بيناه.
والرابع: أن العدة لا تلزم ولا يقضي بها وإن كانت على سبب ودخل في السبب، وهو الذي يأتي على ما روى ابن نافع عن أشهب عن مالك في أول سماع أشهب بعد هذا؛ لأنه غره بما وعده فترك أن يحتال لنفسه بما يبريه من سلف أو غيره، فكان بمنزلة من قال لرجل: تزوج وأنا أنفق عنك، أو تزوج وأنا أسلفك، فتزوج فأبى أن يسلفه، فقول ابن القاسم في هذه الرواية خلاف قول مالك فيها على ما تأولناه؛ لأنه لم ير العدة تلزم بالسبب حتى يدخل فيه، ورآها مالك لازمة بالسبب، وإن لم تدخل فيه، ولم يرها في رواية أشهب لازمة بحال، وإن دخل بالسبب، وبالله التوفيق.
[: أمة أتت إلى جارة لها بقلادة استعارتها لها فأنكرت حين جاءتها بها]
ومن كتاب أوله اغتسل على غير نية وقال مالك، في أمة أتت إلى جارة لها بقلادة استعارتها لها، فأنكرت حين جاءتها بها، فقالت: ما حملك على أن استعرتها لي؟ وأنكرت ذلك وشهد عليها ناس فقبلتها منها لتردها على التي استعارتها منها، فاغتلت القلادة عندها قبل أن تردها، قال مالك: أرى أن تغرمها حين قبلتها، فلو شاءت لم تقبلها، قيل له: إن التي هي لها تزعم أنها ثمن خمسة عشر دينارا، وقالت التي قبلتها: ما ثمنها إلا ستة دنانير، قال: أرى أن تصفها التي قبلتها ثم تحلف على صفتها ثم تقوم على ذلك، ثم يلزمها غرم ما قومت به.
стр. 7233
قال محمد بن رشد: إنما وجب أن تغرمها إذا قبلتها فاغتلت منها قبل أن تردها؛ لأنها لما قبلتها فقد صدقتها في أنها استعارتها لها، ولو أقرت المستعيرة أنها لم تأذن لها في استعارتها لها لوجب أن يكون الضمان منها؛ لأنها كانت تكون كالرسول لها على ردها. وقوله: إن الغارمة لها هي التي يكون القول قولها في قيمتها وتحلف على صفتها - صحيح؛ لأنها هي المدعى عليها، وبالله التوفيق.
[مسألة: خرج إلى مسكين بشيء فلم يقبله]
مسألة وقال، في الرجل يسأله الرجل الشيء يعطيه إياه ويذكر له حاجته، ويقول: ائتني غدا، فيأتي بشيء يعطيه إياه ولا يجده، فقال مالك: ما أراد بذلك؟ فقيل: أراده لله، قال: فلينفذ ذلك لله على غيره، قيل له: فإن لقيه بعض إخوانه وأقاربه فسأله أن يوصله فوعده فذهب فلم يلقه؟ فقال: إن أحب أن ينفذه على مثل ذلك، فإن أبى فلست أراه عليه بواجب.
قال مالك، في السائل يقف عند الباب، فيأمر الرجل جاريته تعطيه شيئا فتجده قد ذهب، فقال مالك: أرى أن تعطيه غيره من المساكين، وما أراه عليه بواجب.
قال محمد بن رشد: ذكر ابن أبي زيد مسألة السائل يقف بالباب هذه - في النوادر، ووصل بها، قال: ومن خرج إلى مسكين بشيء فلم يقبله فليعطه غيره، وهو أشد من الأول وليس بينهما فرق بين. والمعنى الذي ذهب إليه ابن أبي زيد في الفرق بينهما، والله أعلم: هو أنه لما وجده فأبى أن يقبلها وقد كان له أن يقبلها فردها أشبه عنده بردها إليه بعد قبوله إياها، ولعله إنما ردها إليه ليعطيها لغيره، مثل أن يقول له: أنا لا حاجة لي بها فادفعها لغيري، فيكون ذلك قبولا منه لها، ويكون بذلك راجعا في صدقته، والاختيار في هذه
стр. 7234
المسائل كلها أن ينفد ذلك على غير الذي قصده بصدقته من غير وجوب، وأخفها الرجل يلقاه بعض إخوانه أو أقاربه فيسأله أن يصله، وتليها الرجل الأجنبي يلقاه الرجل فيذكر له حاجته فيعده أن يعطيه، وتليها الرجل يأمر بالشيء للسائل يسمعه فيوجد قد ذهب، وتليها أن يوجد فلا يقبل وهو أشهدها على ما وقع في النوادر، وهذا إذا لم تكن له نية إن لم يجده في أن يصرفه إلى ملكه أو يبتله لغيره، وأما إن كانت له نية فله نيته، وبالله التوفيق.
[: استعار ثوبا يوما أو يومين أو أياما مسماة ثم تعدى فلبسه أكثر مما استعاره]
ومن كتاب باع غلاما وسئل: عمن استعار ثوبا يوما أو يومين أو أياما مسماة ثم تعدى فلبسه أكثر مما استعاره، قال: يلزمه ما نقص من قيمتها بعد الأيام التي استعار إليها وإن كان قد أخلقه رده وما نقص من ثمنه بعد تلك الأيام التي استعاره إليها.
قال محمد بن رشد: المعروف من قوله أن صاحب الثوب مخير إذا أخلقه إن شاء أخذ ثوبه وما نقصه اللباس، وإن شاء أخذ قيمته يوم تعدى عليه، وقال أشهب: إنما هو مخير بين أخذ ثوبه ولا شيء له غيره، أو يأخذ قيمته يوم تعدى عليه، وقد روي عن ابن القاسم مثل قول أشهب، والقولان قائمان من المدونة، وما هاهنا أيضا يقوم من قوله في المدونة: وقد كان مالك يقول: يغرم ما نقص ولا يفرق بين قليل من كثير، فهي ثلاثة أقوال في الفساد الكثير، ولا اختلاف في الفساد اليسير: أنه ليس عليه إلا ما نقصه بعد الرفق، وبالله التوفيق.
стр. 7235
[: حلف لرجل له عليه حق ليوفينه إلى أجل]
من سماع أشهب وابن نافع من مالك قال سحنون: قال لي أشهب وابن نافع: سئل مالك: عمن حلف لرجل له عليه حق ليوفينه إلى أجل فلما خشي الحنث ذكر ذلك لرجل، فقال له: لا تخف ائتني العشية أعطيكها، فلما كان العشي جاءه فأبى أن يعطيه شيئا، فقال له: غررتني حتى خفت أن تدخل على الطلاق، أتراه له لازما أن يسلفه؟ فقال: والله ما أرى ذلك لازما له، قال له: أنا أسلفك، فلم يسلف، أنا أعيرك دابتي، فلم يعره، أنا أهب لك فلم يهبه - ما أرى له عليه شيئا ولا أدري كيف هو في ذلك بينه وبين الله، وما هذا من مكارم الأخلاق ولا محاسنها.
قال محمد بن رشد: قد قيل: إنه يلزمه، وهو أظهر؛ لأنه غره ومنعه أن يحتال لنفسه بما يبريه من سلف أو غيره، وقد مضى تحصيل الاختلاف في هذه المسألة في رسم طلق من سماع ابن القاسم، فلا معنى لإعادته.
[: يستأذن جاره في خشبة يغرزها في جداره فيأذن له ثم يغضبه فيريد أن ينزعها]
ومن كتاب الأقضية وسئل مالك: أترى من قول رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ «لا ضرر ولا ضرار» أن يستأذن الرجل جاره في خشبة يغرزها في جداره فيأذن له ثم يغضبه، فيريد أن ينزعها، فقال: إن كان أذن له فما أرى له أن ينزعها على وجه الضرر؛ لأن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ قال: «لا ضرر ولا ضرار» ، فهذا منه، فأما إن كان احتاج إلى جداره لأمر لم يرد به الغرز، رأيت ذلك للرجل أن يبني في جداره ويرفعه ما بدا له وإن كان في ذلك مضرة على جيرانه؛ لأن الرجل يعمل في حقه ما أحب.
стр. 7236
فقيل له: أرأيت إن كان أراد البيع فجاءه، فقال: إني أريد البيع وأريد أن تنتزع خشبتك والمشتري ينزع هذه الخشبة، تزيدني خمسين دينارا، فقال: تبيعها على حالها وفيها الخشب، أرأيت إن كان المشتري عدوا له، فأراد الإضرار به، ما زاد ذلك له؟ قلت: أرأيت إن عرف صحة ذلك؟ قال: ما أراه ذلك له.
قال محمد بن رشد: قد مضى القول في هذه المسألة في رسم صلى نهارا من سماع ابن القاسم من كتاب الأقضية مستوفى، فلا معنى لإعادته.
[: أرفق رجلا مرفقا ثم بدا له أن ينتزعه]
من كتاب الأقضية الثاني وسئل: عمن أرفق رجلا مرفقا ثم بدا له أن ينتزعه، فقال: أما أنا فأرى أنه إن كان إنما أراد ذلك لحاجته إليه، فأرى ذلك له إن أراد أن يرفع جداره ويكون ذلك أضر به، فأما أن يكون على وجه الضرر له والشنآن، فلا أرى ذلك له، فقلت له: أذلك لأن رسول الله ﷺ قال: «لا ضرر ولا ضرار» ؟ فقال: إنا نقول: ليس له أن يفعله على وجه الضرر.
قال محمد بن رشد: وهذه المسألة من معنى المسألة المتقدمة في الرسم الذي قبله، وقد مضى القول عليه في سماع ابن القاسم من كتاب الأقضية مستوعبا حسبما ذكرناه، فلا وجه لإعادته.
[: رجل قال لبيعه بع ولا نقصان عليك ثم رجع عن ذلك]
ومن كتاب فيه الوصايا والحج قال أشهب: وسمعت مالكا يسأل عن رجل، قال لبيعه: بع ولا
стр. 7237
نقصان عليك، ثم رجع عن ذلك، فقال: لو قال له قولا غارما بينا ثم رجع لم أر ذلك له، ورأيته لازما له، فقال له: أرأيت الذي يقول بعد إيجاب البيع: بع ولا نقصان عليك، فيبيع ثم يدعي أن قد نقص، قال: يصدق فيما يشبه وعليه اليمين.
قال: وسمعته أيضا يسأل عن المبتاع يقال له بع ولا وضيعة عليك، ثم يقول وضعت كذا وكذا، أيصدق؟ قال: نعم إذا جاء بما يشبه.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال: إنه إذا قال له بعد البيع: بع ولا نقصان عليك - يلزمه؛ لأن معنى قوله: بع ولا نقصان عليك: أن بع والنقصان علي، فهو أمر قد أوجبه على نفسه، والمعروف على مذهب مالك وجميع أصحابه لازم لمن أوجبه على نفسه، يحكم به عليه ما لم يمت أو يفلس، وسواء قال له ذلك قبل أن ينتقد أو بعدما انتقد إلا أن يقول له قبل أن ينتقد: أنقدني وبع ولا نقصان عليك، فلا يجوز ذلك؛ لأنه قد دخله بيع وسلف. وقال في سماع عيسى من كتاب العدة: إنه لا خير في ذلك؛ لأنه يكون فيه عيوب وخصومات، فإن باع بنقصان لزمه أن يرد عليه النقصان إن كان قد انتقد وإلا يأخذ منه أكثر مما باع به إن كان لم ينتقد، وهذا إذا لم يغبن في البيع غبنا بينا وباع بالقرب ولم يؤخر حتى تحول الأسواق، فإن أخر حتى حالت الأسواق فلا شيء له؛ لأنه فرط، والقول قوله مع يمينه في النقصان إذا أتى بما يشبه كما قال؛ لأنه قد ائتمنه على ذلك، فوجب أن يصدق إلا أن يأتي بما يستنكر.
واختلف إذا كان عبدا فأبق أو مات، فقيل له: إنه لا شيء له، وقيل: إنه موضوع عنه، وهو اختيار ابن القاسم في سماع عيسى من الكتاب المذكور، قال فيه: وأما إن كان ثوبا أو ما يغلب عليه فلا يصدق في تلفه إلا ببينة، ولا يحل للمشتري أن يطأها إن كانت أمة إذا رضي بالشرط وقبله، قال ابن
стр. 7238
القاسم: فإن وطئ لزمته الجارية بجميع الثمن، ولا يعدى على البائع بشيء؛ لأنه لما وطئ فقد ترك ما جعل له، وأما إذا باع منه على أن لا نقصان عليه فلا يجوز، واختلف إذا وقع، فقيل: إنه بيع فاسد، ويحكم له بحكم البيع الفاسد، وقيل: إنه ليس ببيع فاسد، وإنما هي إجارة فاسدة، وسيأتي القول على هذا في موضعه من كتاب العدة، إن شاء الله تعالى.
[: دفع إلى رجل حمارا ليحج عليه فتعدى عليه الحاج فباعه]
من سماع عيسى بن دينار من ابن القاسم وقال، في رجل دفع إلى رجل حمارا ليحج عليه فتعدى عليه الحاج فباعه بعشرة دنانير، ثم وجده الحاج بعد ذلك يباع فابتاعه بخمسة دنانير: إن صاحب الحمار بالخيار إن شاء يأخذ حماره وخمسة دنانير، وإن شاء ضمنه العشرة وترك الحمار.
قال محمد بن رشد: قال: إنه إذا باع الحمار بعشرة دنانير ثم اشتراه بخمسة، إن صاحبه بالخيار بين أن يأخذ حماره والخمسة، وبين أن يضمنه العشرة ويترك له الحمار، ولم يفرق بين أن يكون اشترى الحمار بخمسة لنفسه أو لربه، وكذلك روى ابن أبي جعفر الدمياطي عن ابن القاسم في رجل اغتصب حمارا فباعه بعشرين ثم اشتراه بعشرة فاستحقه صاحبه وهو عند غاصبه على حاله لم يتغير، قال: هو مخير، إن شاء أخذ حماره والعشرة التي يفضلها، وإن شاء تركه وألزمه العشرين التي كان باعه بها، ولم يفرق أيضا بين أن يكون اشترى الحمار بعشرة لنفسه أو لرب الحمار، ولا يصح أن يحمل الكلام على ظاهره في واحدة من المسألتين، بل يفسر بما قاله محمد بن المواز، وذلك أنه حكى المسألة الأولى على نصها، فقال: وهذا إذا اشتراه لربه، وأما لنفسه أو لمن يأمره بشرائه، فالخمسة له، وليس لرب الحمار إلا الرضا بالبيع الأول ويأخذ عشرة أو يأخذ حماره فقط.
стр. 7239
قال محمد بن رشد: قال أبو إسحاق التونسي: فإن أخذ حماره رجعت الخمسة إلى مشتريه أولا بعشرة؛ لأن رب الحمار إذا أخذ حماره بالاستحقاق انتقضت البيعتان جميعا، وكان المشتري الأول قد أخرج عشرة رجع إليه منها خمسة وبقي له خمسة، فرجع بها على البائع منه، وهو المستعير تمام العشرة التي دفع إليه، وقول أبي إسحاق صحيح مفسر لكلام ابن المواز، ألا ترى أنه لو باعه المستعير بعشرة، ثم باعه مبتاع بعشرة من آخر بخمسة، فجاء صاحبه فأخذه من يد الثاني لرجع الثاني على الأول بالخمسة التي دفع إليه، والأول على المستعير البائع منه بالعشرة التي دفع إليه، وهو دليل ما في سماع سحنون بعد هذا أنه إنما اشتراه لربه، ولو باع الحمار بعشرة ثم اشتراه بخمسة عشر كان صاحب الحمار بالخيار إن شاء أن يأخذ حماره أخذه، وإن شاء أن يجيز البيع الثاني فيأخذ الخمسة عشر من البائع الثاني الذي قبضها، وإن شاء أن يجيز البيع الأول فيأخذ العشرة من البائع الأول الذي قبضها وهو المستعير، فإن أخذ حماره انتقضت البيعتان جميعا ورجع المبتاع الثاني المأخوذ من يده الحمار على البائع منه، وهو المبتاع الأول بالخمسة عشر التي دفع إليه، ويرجع هو عليه بالعشرة التي باع الحمار بها منه ولا يقاصه بها من الخمسة عشر فيرجع عليه بخمسة لا أكثر، وإن أجاز البيع الثاني، فأخذ الخمسة عشر من البائع الثاني الذي قبضها صح البيع الثاني وانتقض البيع الأول، ورجع البائع الذي قبض صاحب الحمار منه الخمسة عشر على بائعه، وهو المشتري الثاني الذي بقي الحمار بيده بالعشرة التي دفع إليه، وإن أجاز البيع الأول وأخذ العشرة من البائع الأول وهو المستعير للحمار المشتري الثاني بقي الحمار بيده، وصحت البيعتان جميعا ولم يكن بينهما تراجع.
وقد رأيت لابن دحون في هذه المسألة كلاما لا يصح، قال: إنه إن أخذ الخمسة عشر صح البيع الأول وبقي الحمار للمشتري الأول، وإن أخذ العشرة بطل البيع الأول والثاني، وبقي الحمار للمستعير بالعشرة.
والصواب ما ذكرناه أنه إن أخذ الخمسة عشر صح البيع الثاني،
стр. 7240
وانتقض البيع الأول، وإن أخذ العشرة صحت البيعتان جميعا وبقي الخيار في الوجهين جميعا للمشتري الثاني والمستعير للحمار، وبالله التوفيق.
[: أعارت أخرى حجلة لها ولم تشهد على ذلك إلا امرأتان]
ومن كتاب إن خرجت من هذه الدار وسئل: عن امرأة أعارت أخرى حجلة لها ولم تشهد على ذلك إلا امرأتان، فتزوجت المستعيرة، ودخلت المعيرة إلى الريف وأقامت عشر سنين وماتت المستعيرة فأتت المعيرة تطلب الحجلة وأنكر ورثة المستعيرة فشهدت المرأتان بالعارية وقد غابت الحجلة.
قال ابن القاسم: تحلف المرأة مع شهادة المرأتين بالله الذي لا إله إلا هو ما قبضتها بعد عاريتها ولا باعت ولا وهبت، وتستحق ذلك في مال المتوفاة.
قال محمد بن رشد: قوله: إن المعيرة تحلف مع شهادة المرأتين بالله الذي لا إله إلا هو ما قبضتها بعد عاريتها ولا باعت ولا وهبت، معناه: بعد يمينها مع شهادتها لقد أعارتها إياها، وهذا ما لا خفاء به، وإنما سكت عنه بالعلم به، إذ لا يخفي بأنها لا تستحق العارية بشهادة المرأتين دون يمين، فأراد أنها لا تكفي بحلفها مع شهادة المرأتين أنها أعارتها دون أن تحلف ما قبضتها بعد عاريتها ولا باعت ولا وهبت، ولا بد من أن تحلف أيضا على صفتها، فيكون في مال المتوفاة ما قومت به الصفة التي حلفت عليها، وبالله التوفيق.
[مسألة: هلكت العارية عند المستعيرة]
مسألة وقال: إذا هلكت العارية عند المستعيرة وصفتها وحلفت على الصفة إذا كانت العارية مما يغاب عليها، فإن نكلت عن اليمين
стр. 7241
وصفتها المعيرة وحلفت على الصفة وتستحق حقها، وذلك إذا لم يكن على صفتها شهود.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال، وهو مما لا اختلاف أعلمه فيه في المذهب؛ لأن لمستعيرة غارمة لما تغيب عليها من المتاع، فالقول قولها في صفة ذلك على ما أحكمته السنة من أن البينة على من ادعى واليمين على من أنكر.
[: ادعى وكالة رجل يقبض له بها مالا وادعى تلفه]
ومن كتاب البراءة وسألته: عن الخادم أو الحرة تأتي قوما فتستعير منهم حليا وتزعم أن أهلها بعثوها فيعيرونها فيهلك الحلي منها فيجحد أهلها ويقرون أنهم بعثوها وقد هلك منها المتاع قبل أن تخلص إليهم، أو يأتي الرجل الرجل، فيقول: إن فلانا بعثني إليك لتعيره شيئا من متاعك أو تبتاع له بدين، قال: إن صدقوه الذين بعثوه فهم ضامنون والرسول برفي، وإن حجدوا وحلفوا ما بعثوه حلف الرسول بالله لقد بعثوه ولا شيء على كل واحد منهم؛ لأن الذين بعثوه لم يقروا له بشيء وإن الرسول قد صدقه الذين أعطوه بما جاء به من الرسالة، فليس عليهم أكثر من يمينهم بالله ما بعثوه، وإن أقر الرسول بأنه تعدى وكان حُرًّا ضَمِنَ، وإن كان عبدا كان في ذمته إن أعتق يوما ما أو أفاد مالا ولم يكن في رفقته شيء، قال: ولو زعم الرسول أنه قد أوصله إلى الذين بعثوه وجحدوه لم يكن عليهم ولا عليه إلا اليمين ويبروا.
قال محمد بن رشد: اختلف فيمن ادعى وكالة رجل يقبض له بها مالا وادعى تلفه، فقيل: يصدق فيما ادعى من الوكالة مع يمينه؛ لأن الغريم
стр. 7242
الدافع إليه قد صدقه، ويسقط عنه الضمان ويرجع صاحب المال بماله على الغريم بعد يمينه إن كانت للغريم بينة على معاينة الدفع، وهذا يأتي على رواية عيسى هذه، ولا يرجع الغريم على الوكيل بشيء؛ لأنه قد صدق فيما ادعى من الوكالة بيمينه، فكان ذلك كما لو ثبت بالبينة أو أقر بها صاحب المال على ما في كتاب النكاح الأول من المدونة إلا أن يكون فرط في دفع المال إلى الموكل حتى تلف عنده. قاله ابن الماجشون، وهو مذهب ابن القاسم، وحمله مطرف على التفريط، فأوجب للغريم الرجوع عليه، وقيل: لا يصدق وهو ضامن، يحلف صاحب المال ما وكله، ويرجع بماله على من شاء منهما، فإن رجع على الغريم رجع الغريم على الوكيل، وإن رجع على الوكيل لم يكن للوكيل أن يرجع على أحد، وهذا يأتي على ما في كتاب الوديعة من المدونة وعلى ما في سماع سحنون بعد هذا من هذا الكتاب لابن القاسم وأشهب.
فعلى القول بأن الوكيل يصدق فيما ادعاه فيحلف ويسقط عنه الضمان، وهو قوله في هذه الرواية: إن أقر بالعداء كان ذلك في ذمته إن كان عبدا، ولم تكن في رقبته؛ لأنه لا يلزمه عليها شيء إلا بالإقرار، وإقراره لا يجوز على سيده ولا يعدو ذمته.
وأما على القول بأنه لا يصدق فيما ادعاه من الوكالة ويلزمه الغرم بعد يمين صاحب المال أنه ما وكله، فاختلف إن كان عبدا، هل يكون ذلك في رقبته أم لا؟ على ثلاثة أقوال:
أحدها: أن ذلك يكون في رقبته، وإن كان الغريم قد صدقه فيما ادعاه من الوكالة ودفع إليه باختياره؛ لأنه خلبه، وهو قول أشهب وابن القاسم في سماع سحنون بعد هذا.
والثاني: أن ذلك لا يكون إلا في ذمته؛ لأن الغريم قد صدقه فيما ادعاه من الوكالة ودفع إليه باختياره.
والثالث: أن ذلك لا يكون في رقبته إلا أن يقر بالعداء، وبالله التوفيق.
стр. 7243
[: يستعير العارية مما يغيب عليه فيأتي به مكسورا]
ومن كتاب أوله باع شاة قلت لابن القاسم: فالرجل يستعير العارية مما يغيب عليه مثل الثوب أو الفأس أو المنشار أو غير ذلك فيأتي به مكسورا فيقول انكسر في الذي أعرتنيه، هل يصدق في ذلك؟
قال: لا يصدق فيه، وهو ضامن، وقال ابن وهب مثله، قال عيسى: لا ضمان عليه إذا أتي بذلك بما يشبه، ويرى أنه إنما انكسر في العمل؛ لأن ذلك لا يخفى.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة يتحصل فيها أربعة أقوال: أحدها: قول ابن القاسم وابن وهب هذا أنه لا يصدق إذا أتى به مكسورا في أنه انكسر في الشيء الذي أعاره إلا أن يأتي على ذلك بالبينة، وهي رواية ابن أبي جعفر الدمياطي عن ابن القاسم أيضا.
والثاني: أنه يصدق إذا أتى من ذلك بما يشبه، وهو قول عيسى بن دينار، ومثله حكى ابن حبيب في الواضحة عن مطرف وأصبغ، واختاره، غير أنه رأى من محاسن الأخلاق أن يصلحه.
والثالث: قوله في المدونة في السيف: إنه لا يصدق إلا أن يكون له بينة أنه كان معه في اللقاء.
والرابع: قول سحنون: أنه لا يصدق إلا أن يكون بينة أنه ضرب به في اللقاء ضربا يجوز له، وهذا أبعد الأقاويل.
وأولاها بالصواب قول عيسى بن دينار الذي اختاره ابن حبيب أن يصدق إذا أتى من ذلك بما يشبه، ويرى أنه إنما انكسر في العمل الذي أعاره فيه، يريد: مع يمينه، والله أعلم، وبه التوفيق.
[: الجدار يكون بين الدارين لأحد الرجلين ويكون قد مال]
من نوازل سئل عنها عيسى بن دينار وسئل عيسى: عن الجدار يكون بين الدارين لأحد الرجلين
стр. 7244
ويكون قد مال، فيسأل الذي ليس هو له صاحبه الذي هو له أن يأذن له يهدمه، فيهدمه ويبنيه له على أن يحمل عليه خشب بيته فيفعل، هل يكون سبيل هذا سبيل العارية، يكون المعير إذا احتاج إلى جداره أولى به من المعار؟ قال: بل سبيله عندي الاشتراء، لا يكون لصاحب الجدار أن يرفع خشب الباني عنه أبدا وإن احتاج إليه.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال، وهو مما لا اختلاف فيه، إذ لا فرق بين أن يسمي له حائطه على أن يحمل عليه خشب بيته وبين أن يعطيه على ذلك دنانير أو دراهم، وإنما الاختلاف إذا أذن له في ذلك على غير عوض، ثم أراد أن ينزعها حسبما مضى القول فيه مستوفى في رسم صلى نهارا ثلاث ركعات من سماع ابن القاسم من كتاب الأقضية، وبالله التوفيق.
[: يستعير الثوب المرتفع أو الدني يحبسه ويمسك مصباحا فيسقط على الثوب فيفسده]
من سماع يحيى بن يحيى من ابن القاسم وسألته: عن الرجل يستعير أو يكتري الثوب المرتفع أو الدني يحبسه ويمسك مصباحا فيسقط على الثوب فيفسده، أيضمن ما أفسد فيهما أو لا؟ فقال: نعم، ضمان ذلك واجب عليه في الرفيع والدني، فإن كان يسيرا أصلحه وإن كان مفسدا غرم قيمة الثوب وحبسه، قال: وسواء سقط على ثوب استعاره، أو سقط على رجل كان إلى جنبه هو ضامن في الأمرين جميعا.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة قد مضى القول فيها في رسم باع غلاما من سماع ابن القاسم، فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.
стр. 7245
[: يستعير الدابة إلى موضع يركبها إليه فيبيعها قبل أن ينتهي الموضع بعشرة دنانير]
من سماع سحنون من ابن القاسم قال: وسألته: عن الرجل يستعير الدابة إلى موضع يركبها إليه فيبيعها قبل أن ينتهي الموضع بعشرة دنانير، فلما رجع اشتراها بخمسة دنانير وأتى بها إلى صاحبها، قال ابن القاسم: سيد الدابة بالخيار إن شاء أخذ دابته والخمسة دنانير التي نقصها البائع لأنها ثمن دابته، وإن شاء أخذ العشرة دنانير، وكذلك بلغني عن مالك.
قال محمد بن رشد: قوله في هذه الرواية: وأتى بها إلى صاحبها - يدل على أنه إنما اشتراها لربها، وعلى ذلك أتى جوابها به وقد مضى الكلام على ذلك في أول سماع عيسى فلا وجه لإعادته.
[مسألة: ركوب الدابة إلى غير البلد الذي استعارها إليه]
مسألة قال سحنون: أخبرني علي بن زياد أنه سمع مالكا يقول، وسئل: عن رجل استعار دابة إلى بلد سماه فركبها إلى غير ذلك البلد الذي استعارها إليه فعطبت الدابة، أتراه ضامنا أم لا؟ فقال مالك: إن كان البلد الذي ركبها إليه في السهولة والحزونة مثل البلد الذي استعارها إليه فلا ضمان عليه.
قال محمد بن رشد: قوله: لا ضمان عليه - يدل على أنه ليس بمتعد في ركوبها إلى غير البلد الذي استعارها إليه إذا كان مثله في السهولة والحزونة وأن له أن يفعل ذلك، ولابن القاسم في المبسوطة أنه ضامن إن ركبها إلى غير البلد الذي استعارها إليه، وهو الذي يأتي على أصله في كتاب الرواحل والدواب من المدونة في أن من أكرى دابة إلى بلد فليس له أن يركبها إلى بلد
стр. 7246
غير ذلك البلد إلا برضا المكري، وعلى قول غيره فيه: إن ذلك لا يجوز وإن رضي المكري، فيأتي على رواية علي بن زياد هذه أن من أكرى دابة إلى بلد فله أن يركبها إلى بلد غيره إن كان مثله في الحزونة والسهولة.
ويتحصل في المسألة ثلاثة أقوال: أحدها: أن ذلك له. والثاني: أن ذلك ليس له. والثالث: أن ذلك لا يجوز. وقد مضى هذا المعنى في أول سماع ابن القاسم من كتاب الجعل والإجارة وفي آخر سماع أشهب من كتاب الرواحل والدواب، وبالله التوفيق.
[مسألة: العبد يطلب الشيء فيعطاه ثم يدعى تلفه]
مسألة وسألت أشهب: عن العبد يأتي إلى الرجل، فيقول: سيدي أرسلني إليك في كذا وكذا فيعطاه، ثم يزعم العبد أنه أعطاه إلى سيده أو يتلف، وينكر السيد، قال: أراه فاجرا خلابا، وأرى ذلك في رقبته كالجناية، فلو كان حرا كان دينا عليه. وسألت عنها ابن القاسم، فقال: إنما هو على أحد وجهين، إذا أقر السيد غرم، وإن لم يقر كان في رقبته لأنه خدع القوم.
قال محمد بن رشد: قد قيل: إن ذلك يكون في ذمته، ولا يكون في رقبته، وهو الذي يأتي على ما في رسم البراءة من سماع عيسى قبل هذا، وإنما يكون ذلك في رقبة العبد بعد يمين السيد أنه ما أرسله إن حقق المرسل إليه الدعوى عليه باتفاق، وإن لم يحققها عليه على اختلاف، فإن نكل عن اليمين رجعت على المرسل إليه إن حقق الدعوى باتفاق، وإن كان لم يحققها على اختلاف، ويكون الغرم عليه يباع فيه عليه العبد وغيره من ماله، وعلى ما مضى في رسم البراءة من سماع عيسى يحلف العبد لقد تلف أو لقد دفعه إلى سيده ويسقط عنه الضمان ويحلف السيد إن كان ادعى أنه دفعه إليه ويسقط عنه الضمان أيضا، وبالله التوفيق.
стр. 7247
[مسألة: اشترط المستعير أو المرتهن أن لا ضمان عليه فيما يغاب عليه]
مسألة من سماع أصبغ بن الفرج من ابن القاسم قال أصبغ: وسمعته، يقول في المستعير للعارية بضمان مثل الدابة وما يظهر أنه لا ضمان عليه إذا لم يفرط ولم يتعد، وقال أصبغ: وشرط المعير باطل ساقط؛ لأنه شرط خلاف السنة في ذلك، وقال أشهب، في العارية والرهن يشترط المستعير والمرتهن أن لا ضمان عليه: إن شرطه باطل وإنه ضامن فيهما جميعا، سئل عن هذا فأجاب بهذا، ولم أسمعه فحكى قوله بعض أهل المجلس لبعض وهو يسمع، فلم ينكر ذلك وسكت عليه، وقاله أصبغ، وقد قاله ابن القاسم لي سواء.
قال محمد بن رشد: أما إذا اشترط المعير على المستعير ضمان ما لا يغاب عليه فقول مالك وجميع أصحابه: إن الشرط باطل جملة من غير تفصيل، حاشا مطرف فإنه قال: إن كان شرط عليه الضمان لأمر خاف من طريق مخوفة أو نهر أو لصوص أو ما أشبه ذلك فالشرط لازم إن عطبت في الأمر الذي خافه واشترط الضمان من أجله، وقال أصبغ: لا شيء عليه في الوجهين، مثل قول مالك وأصحابه، وينبغي إذا اشترط المعير على المستعير الضمان فيما لا يغاب عليه فأبطل الشرط بالحكم عن المستعير أن يلزم إجارة المثل في استعماله العارية؛ لأن الشرط يخرج العارية عن حكم العارية وسنتها إلى باب الإجارة الفاسدة؛ لأن رب الدابة لم يرض أن يعيره إياها إلا أن يشترط أن يحرزها في ضمانه، فهو عوض مجهول يرد إلى المعلوم.
وأما إذا اشترط المستعير أو المرتهن أن لا ضمان عليه فيما يغاب عليه أو اشترط ذلك الصانع فشرطه باطل. قال ابن القاسم في المدونة في الرهن وفي
стр. 7248
بعض الروايات فيها في العارية والصانع، وقال أشهب هاهنا في العارية والرهن: وكذلك يلزم على قياس ذلك في الصانع، وقد حكى ابن أبي زيد في المختصر عن أشهب في الصانع يشترط أن لا ضمان عليه: إن شرطه جائز ولا ضمان عليه، فيلزم على قياس قوله مثله في العارية والرهن؛ لأنه إذا لزم الشرط في الصانع فأحرى أن يلزم في المستعير؛ لأن المعير إذا أعاره على أن لا ضمان عليه فقد فعل المعروف معه من وجهين، فالأظهر إعمال الشرط وما لإسقاطه وجه إلا أن يكون ذلك من باب إسقاط حق قبل وجوبه، فلا يلزم على أحد القولين.
وقد يحتمل أن يفرق على مذهبه بين الصانع والمستعير أن الأصل في الصناع أنه لا ضمان عليهم لأنهم أجراء، وإنما ضمنوا لمصلحة العامة، والأصل في العارية عنده الضمان «لقول النبي ﵇ لصفوان بن أمية: "عارية مضمونة مؤداة» ؛ لما سأله عما استعاره منه من السلاح والأداة، هل هي مضمونة أو مؤداة؟ ألا ترى أنه يضمن المستعير.
وإن قامت البينة على التلف فرأى إعمال الشرط في الصانع؛ لأنه اشترط ما هو الأصل، ولم ير إعماله في العارية؛ لأنه اشترط خلاف الأصل، والأول أظهر؛ لأنه اختلاف من قوله، وإلا فرق في ذلك بين الصانع والمستعير، إذ قد روى عن النبي ﵇ أنه قال: «ليس على المستعير ضمان» ، وإذا وجب على المستعير ضمان
стр. 7249
العارية فإنه يضمن قيمة الرقبة يوم انقضاء أجل العارية على ما ينقصها الاستعمال المأذون فيه بعد يمينه لقد ضاعت ضياعا لا يقدر على ردها؛ لأنه يتهم على أخذها بقيمتها بغير رضا صاحبها، وبالله التوفيق.
[: ثمرة العارية تكون للمعري]
من سماع محمد بن خالد
قال محمد بن خالد: وسألت ابن القاسم: عن رجل يعري رجلا نخلا من نخله حياة المعرى فيموت المعرى وقد أبر النخل لمن تكون الثمرة؟ قال مالك: للمعري ما لم تطب الثمرة، فإن مات وقد طابت الثمرة فمن كان أعرى فذلك لورثته.
قال محمد بن رشد: قول مالك هذا في هذه الرواية: إن ثمرة العارية تكون للمعري وإن أبرت ما لم تطب - صحيح على قياس القول بأن السقي والزكاة على المعري؛ لأنه رأى العارية باقية على ملكه ما لم يطب؛ لأنها حملها محمل الحبس، وعلى القول بأن السقي والزكاة على المعرى يكون حكمها حكم الهبة لا حكم الحبس، ويستحقها المعرى بالإبار، وتكون لورثته إن مات قبل الطياب، وهو مذهب أشهب أن التمرة تجب لورثة المحبس عليه بالإبار كالهبة، وكذلك العارية على قياس قوله، وبالله التوفيق لا شريك له.
تم كتاب العارية بحمد الله تعالى
стр. 7250
[: كتاب العدة] [: هلك وعليه مشي إلى بيت الله فسأل ابنا له أن يمشي]
من سماع ابن القاسم من كتاب أوله باع غلاما وسألت مالكا: عن رجل هلك وعليه مشي إلى بيت الله فسأل ابنا له أن يمشي فوعده بذلك، قال: أما إذا وعده فإني أحب له أن لو فعل ذلك به، ولكن ما ذلك رأيي أن يمشي أحد عن أحد ولكني أحب إذا وعده أن يفعل ذلك به.
قال محمد بن رشد: تكررت المسألة بعينها في هذا الرسم من هذا السماع من كتاب الحج، والمعنى فيها: أن مالكا استحب له أن يفي لأبيه بما وعده به من أن يمشي عنه وإن كان ذلك عنده لا قربه فيه من ناحية استحباب الوفاء بالوعد في الجائزات، وبالله التوفيق.
[: يبتاع من الرجل السلعة على أن لا نقصان عليه]
من سماع عيسى بن دينار من ابن القاسم قال عيسى: وسألت ابن القاسم: عن الرجل يبتاع من الرجل السلعة على أن لا نقصان عليه، قال مالك: ليس بيعا، فإن باع فله إجارته وإن أدرك قبل أن يفوت فسخ ذلك، وإن كان عبدا فمات في يديه كانت مصيبته من البائع.
следующие страницы →