Полный текст (9 112 стр.). Показаны 7281–7320 · переход к 7286.
стр. 7281
قلت: أرأيت إذا انقطعت السنة ولم يخف عليه ضيعة، أيباع؟ قال: نعم ولا يحبس بعد السنة.
قال محمد بن رشد: قوله: إن الآبق يحبس سنة - هو مثل ما في المدونة. وقوله: إنه إن خشيت عليه الضيعة بيع قبل السنة - هو مفسر لما في المدونة، وقد مضى في أول رسم من سماع أشهب أنه إن خشيت عليه الضيعة خلي سبيله ولم يبع، وقد مضى القول على ذلك هنالك فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.
[مسألة: المجعول له الثاني هو المنتفع بعمل الأول إذا أفلت قريبا من مكان سيده]
مسألة وسألته: عن الرجل في آبق له خمسة دراهم لمن جاء به فيذهب رجل فيأتي من إفريقية حتى إذا كان بطربوط أفلت له فأخذه آخر فأتى به، قال ابن القاسم: قال لي مالك: إذا أفلت بعيدا من مكان سيده فالجعل كله للآخر الذي جاء به، وليس للذي جاء به من إفريقية شيء، وإذا أفلت منه قريبا من مكان سيده فأخذه آخر فأتى به فالجعل بينهما على قدر شخوص كل واحد منهما قدر ما يرى.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله؛ لأن المجعول له الثاني هو المنتفع بعمل الأول إذا أفلت قريبا من مكان سيده بخلاف المجاعلة على حفر الآبار وقد مضى الكلام على ذلك مستوفى في رسم أخذ يشرب خمرا من سماع ابن القاسم من كتاب الجعل والإجارة، والله الموفق.
[مسألة: يجد القبر في أرض العدو فيه فضة وذهب وجوهر وغير ذلك]
مسألة قلت: أرأيت من اشترى دارا واشترط على بائعها إني اشتري
стр. 7282
منك ما كان لك في هذه الدار من مجهول أو معلوم قليل أو كثير فيجد المشتري في الدار صخرا أو عمدا أو ورقا أو ذهبا أو آنية مغيبة تحت الأرض، والذهب والجوهر والآنية لا يعرفها البائع ولا المشتري؟ فقال: ما أرى للمبتاع فيها حقا، وأما الفضة والذهب والجوهر والآنية فإن كانت في بلد فتحت عنوة فأراها للمسلمين، وإن كانت بصلح فأراها لذمة أهل تلك القرية الذين صالحوا عليها إذا كان ذلك من دفن الجاهلية، وإن كان ذلك مما يعرف أنه من دفن الإسلام فإنها مثل الفضة يجدها الرجل فإنه يعرفها السنة ونحوها، فإن جاء طالب دفعها إليه وإلا لم أحب له أكلها، أما أن يتصدق بها ويخير صاحبها إذا جاء في أخذها ويغرمها له أو أن يحبسها لصاحبها ما طمع به. قال ابن القاسم: وإنما قلت لك: هو لذمة تلك القرية؛ لأن مالكا سئل عن الكنز يوجد، فقال: أما ما كان ببلد صالح غير أهله من بلدان أهل الذمة فهو لهم، وما كان من ذلك عنوة فهو للمسلمين، وأما الكنز الذي يخرج منها الخمس فتكون لمن وجدها فهي التي تكون في أرض العرب وكل أرض لم يدخلها المسلمون بصلح ولا عنوة.
قال: وقد سئل مالك عن الرجل يجد القبر في أرض العدو فيه فضة وذهب وجوهر وغير ذلك، فقال: هو لجميع أهل ذلك الجيش؛ لأنه إنما وصل إليه بالجيش.
وأما ما ذكرت من العمد والخشب والصخر فإن كان أمرا يعرف أنه من دفن الجاهلية فهو عندي بمنزلة ما يوجد من ركازهم فإن كانوا أهل صلح كان ذلك لأهل ذلك البلد من أهل الذمة، وإن كانوا عنوة رأيته لجماعة المسلمين ورأيت لمن وجده أن يبيعه ويتصدق بثمنه،
стр. 7283
فإن كان أمرا يعرف أنه من متاع الإسلام لم أره للمبتاع.
وقلت للبائع: فإن عرفت أنه لك أو قامت لك عليه بينة فهو لك، وإن لم تدعه رأيت لمن وجده أن يعرفه كما يعرف اللقطة، وما يوجد من دفن الإسلام وإن لم يوجد له أحد باعها عنه وتصدق بثمنه. قال ابن القاسم: إذا لم يوجد من أهل تلك القرية التي صالحوا عليها أحد وكانوا قد بادوا تصدق بما وجد من ذلك كله كما يتصدق بما وجد في القرية التي أخذت عنوة.
قال محمد بن رشد: سأله في هذه الرواية عما وجد المشتري في الأرض التي اشتراها واشترط مجهولها ومعلومها مما جهلاه من الصخر والحجارة والعمد والرخام والأبنية والذهب والفضة، فقال: إن ذلك لا يكون للمبتاع، ويكون حكمه حكم الركاز إن علم أنه من دفن الجاهلية على التفصيل الذي ذكرناه على أصل مذهبه في أن الركاز تبع للأرض الذي وجد فيها، إن كانت مفتحة بصلح وغيره وأنه لا يكون لواجده بعد إخراج الخمس منه إلا أن يكون موجودا في أرض حرة لم تفتح بصلح ولا عنوة وحكم اللقطة إن علم أنه من دفن الإسلام، ومعنى ذلك إذا لم يدعه البائع أو ادعاه فلم يشبه قوله وتبين كذبه.
وأما إذا ادعاه فأشبه قوله فإنه يكون له مع إذا لم يكن له عليه بينة على قياس قوله.
وفي تَكَلُّمِ ابْنِ القاسم على حكم ما وجد المبتاع في الأرض التي ابتاع على الشرط الذي ذكره وسكوته عن البيع - دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِهِ عنده وأن الشرط لا يفسد، وقد اختلف في ذلك، فروى زياد قال: سألت مالكا عن رجل ابتاع منزلا أو حظا من منزل فكتب المشتري مجهولا أو معلوما أو كتب يعلم أو لا يعلم، قال: لا ينقض هذا البيع ونحوه مما يتوثق به المشتري بعد أن ينص ما
стр. 7284
اشترى نصفا أو ربعا أو جزءا من الأجزاء.
وفي تفسير ابن مزين: أن البيع فاسد في الأرض إذا اشتراها واشترط معروفها ومجهولها، بخلاف إذا اشترى العبد واشترى مجهول ماله ومعلومه، وقال: إن الفرق بينهما أن مال العبد إنما يستثنيه المشتري ويشترطه للعبد لا لنفسه، ألا ترى أنه يطأ ملك يمينه ويكون له حتى ينتزعه منه سيده، وأن مجهول الأرض إذا اشترطه المشتري قد اشترى ما لا يعرف، ومحمد بن دينار يقول للمبتاع ما يوجد في الأرض الذي ابتاع مما جهلاه، وهو قول سحنون في نوازله من كتاب جامع البيوع، وهو قول ابن حبيب في الواضحة. قال في الورثة يقتسمون الأرض فيجد أحدهم في حظه بئرا وبيتا أو صخرا أو عمدا أو الرجل يشتري الأرض فيجد فيه شيئا من ذلك: إن ذلك لمن وقع في قسمه من الورثة وللمشتري في الشراء، ولا حق فيه للبائع، وهذا الاختلاف إنما هو في المجهول الذي لا يعلم صاحبه، وأما إن ثبت أن ما وجد مغيبا في الأرض من متاع البائع أو متاع من ورثه عنه فلا اختلاف في أنه له، وكذلك ما علم أنه من دفن الجاهلية يكون حكمه حكم الركاز الموجود في تلك الأرض بلا اختلاف، فيكون تبعا للأرض على مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك إن كانت مفتحة بعنوة أو بصلح ولواجده إن كانت حرة من أرض العرب، ويكون لواجده على مذهب ابن نافع كانت الأرض حرة أو عنوة أو صلحية متملكة أو غير متملكة، وبالله التوفيق.
[: العشرة دراهم أو النصف دينار يجده الرجل]
ومن كتاب النسمة قال ابن القاسم وابن وهب، في الحاج يجد اللقطة نحوا من عشرين دينارا أو أكثر فيعرفها سنة فلم يجد لها طالبا، هل يأكلها، وفي العشرة دراهم أو النصف دينار يجده الرجل، كم ترى له أن يحبسه ويعرفه؟ قال ابن وهب: قد بلغنا أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
стр. 7285
وسلم قال في اللقطة: إنه يعرفها سنة فإن جاء لها طالب دفعها إليه، فإن لم يأت لها طالب دفعها إليه، فإن لم يأت لها طالب بعد اليوم أداها إليه إن كانت عنده، وإن لم يكن عنده شيء كانت عليه دينا حتى يجد قضاءها ويكون صاحبها أسوة الغرماء، وإن مات كان في سعة إن شاء الله إن لم يوجد له مال؛ لأن النبي ﵇ قد أذن له في أكلها، وأما الشيء اليسير مثل الدريهمات والدينار فإني أرى أن يعرف أياما فإن لم يجد له صاحبا وكان محتاجا أنفق ذلك على نفسه، وإن كان غنيا عنه تصدق به عن صاحبه، قال ابن القاسم: ما ينبغي أن ينفق على نفسه منه شيئا قليلا ولا كثيرا.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة قد مضى تحصيل القول فيها في أول رسم من سماع ابن القاسم، وفي رسم الأقضية الثالث من سماع أشهب فلا وجه لإعادته.
[مسألة: ما يقذف البحر من الخشب والحوت والقصاع ونحو هذا]
مسألة وسئل ابن القاسم: عما يقذف البحر من الخشب والحوت والقصاع ونحو هذا يجده الرجل على ساحل البحر، هل هو له خاص؟ قال: هو لمن وجده إلا أن يعرف صاحبه فيؤديه إليه.
قال محمد بن رشد: معنى هذا عندي في الشيء اليسير الذي يعلم أن صاحبه لا يشح به ولا يطلبه، وأما الشيء الذي له قدر وبال فحكمه حكم اللقطة على ما يأتي في الرسم الذي بعد هذا، وقد كان الشيوخ يحملون المسألتين على أنهما متعارضتان وليس ذلك بصحيح، وقد مضى في أول سماع ابن القاسم من قولنا ما بَيَّنَ هذا الذي ذهبنا إليه في هذه المسألة.
стр. 7286
[: ما لفظ البحر من المتاع]
ومن كتاب العتق وسئل ابن القاسم: عما لفظ البحر من المتاع فيجده الرجل مما حمله التجار ولا يعرفه، فقال: إن كان من متاع المسلمين عرفه، وإن كان من متاع أهل الشرك نظر السلطان فيه فوضعه على ما يرى، ولم يكن لمن أخذه، وإن شك فيه رأيت أن يعرفه ثم يتصدق به.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة
بينة صحيحة لا اختلاف فيما لفظه البحر من أموال التجار المعطوبين فيه أن حكمه حكم اللقطة، بخلاف مسألة رسم سن من سماع ابن القاسم فيما ألقوه بأيديهم من متاعهم لتجارة أنفسهم، هذا قد قيل فيه: إنه لمن وجده، إذ قد ألقوه بأيديهم على وجه اليأس منه، بمنزلة الذي تقوم عليه دابته في السفر فيسلمها على وجه اليأس منها على الاختلاف في ذلك، وقد ذكرناه في مسألة حلف أن لا يبيع سلعة سماها من سماع ابن القاسم، وبالله التوفيق.
[: اللقطة بعد تعريفها سنة]
من سماع يحيى بن يحيى
من ابن القاسم من كتاب الكبش قال يحيى: وسألته: هل ينبغي للذي يجد اللقطة أن يأتي بها إلى الإمام بعد تعريف سنة ليكون هو الذي يأمر ببيعها وتفرقة ثمنها صدقة على المساكين، فقال: وما للإمام ولها؟ ليس هو مما يلزم الناس أن يرفعوه إلى الإمام؛ لأن المتصدق بها إن جاء صاحبها فأراد أخذ قيمتها أغرمها الذي كان وجدها وتصدق بها، قال: فإن تعدى الإمام
стр. 7287
فأخذها فباعها وتصدق بثمنها رأيت عليه غرمها إذا جاء صاحبها إن أحب أن يغرمه.
قال محمد بن رشد: هذا بيِّن على ما قاله: إن الخطاب يوجه في اللقطة من النبي ﵇ إلى واجدها بقوله له: «اعرف عفاصها ووكاءها فإن جاء صاحبها وإلا فشأنك بها» ، فإن أخذها منه وتصدق بها كان متعديا فيها وضامنها له إلا أن يعطيه إياها واجدها باختياره ليتصدق بها على سبيل الوكالة له، فلا ينتقل عنه الضمان إن جاء صاحبها، وبالله التوفيق.
[: اللقطة توجد في قرية ليس فيها إلا أهل الذمة]
من سماع موسى بن معاوية من ابن القاسم وسئل مالك: عن اللقطة توجد في قرية ليس فيها إلا أهل الذمة فقال: تدفع إلى أحبارهم.
قال محمد بن رشد: هذا قول فيه نظر، إذ في الإمكان أن تكون لمسلم وإن كانت وجدت بين أهل الذمة، فكان الاحتياط أن لا تدفع إلى أحبارهم إلا بعد التعريف لها استحسانا لقلة الظن أنها لهم على غير قياس، فإن دفعت إليهم بعد التعريف لها ثم جاء صاحبها غرموها له، وإنما كان يلزم أن تدفع ابتداء إلى أحبارهم لو تحقق أنها لأهل الذمة بيقين لا شك فيه مع من يقولوا: إن من ديننا أن يكون حكم اللقطة لأهل ملتنا مصروفا إلينا، وأما إذا لم يتحقق ذلك فكان القياس أن لا تدفع إلى أحبارهم وتكون موقوفة أبدا، وبالله التوفيق.
[: يجد الشاة قد اختلطت بغنمه فلا يجد لها صاحبا]
من نوازل سحنون وسئل: عن الرجل يجد الشاة قد اختلطت بغنمه فلا يجد لها
стр. 7288
صاحبا، قال: يكون سبيلها سبيل اللقطة يتصدق بها، فإن جاء صاحبها ضمنها له، قيل له: فما يصنع بلبنها؟ قال: يشربه، وهذا خفيف؛ لأنه يرعاها ويتفقدها.
قال محمد بن رشد: قول سحنون هذا إنه يضمنها لربها إن جاء إذا تصدق بها مثل قول مالك في رسم الأقضية الثالث من سماع أشهب، خلاف قوله في رسم الأقضية الثاني منه. وقوله في لبنها: إنه يشربه؛ لأنه يرعاها ويتفقدها - يبين قول مالك في رسم الأقضية الثاني من سماع أشهب، وقد مضى تحصيل القول في ذلك كله في الموضعين، وبالله التوفيق.
[: اللقطة يجدها الرجل فيستنفقها بعد السنة]
من سماع عبد الملك بن الحسن من ابن وهب قال عبد الملك: سألت ابن وهب: عن اللقطة يجدها الرجل فيستنفقها بعد السنة فيقوم عليه الغرماء ولم يأت صاحبها، أترى أن يحاص بها الغرماء، فقال: نعم أرى للسلطان أن يحاص بها الغرماء، وسألت أشهب، فقال لي مثله إلا أنه لم يذكر السلطان.
قال محمد بن رشد: ليس سكوت أشهب عن ذكر السلطان في هذا بمخالف لقول ابن وهب؛ لأن السلطان هو الناظر في هذا لصاحب اللقطة لكونه في منزلة الغائب؛ إذ لا يعرف، ومعنى ذلك إذا عرف إقراره باستنفاقه اللقطة قبل أن يقوم عليه الغرماء، إذ لا يجوز إقرار المفلس بالدين بعد التفليس لمعين معلوم، فكيف لغائب مجهول، وبالله التوفيق.
[: الرجلين يدعيان اللقطة عند الرجل]
من نوازل سئل عنها سحنون وسئل أشهب: عن الرجلين يدعيان اللقطة عند الرجل قد
стр. 7289
وجدها فيصف أحدهما العفاص والوكاء، ويصف الآخر عدد الدنانير ووزنها، قال: فهي للذي عرف العفاص والوكاء، وكذلك لو عرف العفاص وحده كانت له أيضا بعد الاستبراء، قيل: فلو أن رجلا ادعاها وحده وعرف العفاص؟ قال: فيستبرئ فإن لم يأت أحد أعطيها الذي عرف العفاص، وإنما الحديث الذي جاء: «اعرف العفاص والوكاء» ، فإن جاء طالبها فإنما ذلك مثل الخليطين إذا كان الدلو والراعي والمراح واحدا، فهو إذا جمعا الراعي أو المراح أو الدلو فهما خليطان، فكذلك إذا عرف هذا بعضا ولم يعرف بعضا.
قلت: فلو قال: هي في خرقة حمراء وخيط أبيض فوجدت الخرقة كما قال والخيط أسود؟ قال: فيستبرأ أيضا ثم يرجع بعد ذلك، فقال لي: هذا قد أكذب نفسه إذ ادعى المعرفة بالوكاء والعفاص ثم وجد بعد ذلك على غير ما قال، فلا يصدق، وإنما يصدق إذا أصاب في بعض وادعى الجهالة في بعض فيستبرأ، فإن جاء أحد بأحق مما ادعى وإلا أعطيها، قيل: فوصف العفاص والوكاء وادعى أنها دنانير فوجد العفاص والوكاء كما قال ووجد فيها دراهم؟ قال: لا يعطاها؛ لأنه إنما ادعى دنانير ذهبت منه، لم يدع دراهم، قال لي: وكذلك لو قال خرقة حمراء وخيط أبيض والدنانير هاشمية، فوجدت الخرقة والخيط كما قال، ووجدت الدنانير عتق لم يكن له شيء.
قال محمد بن رشد: قال: إنه إذا ادعى اللقطة رجلان، فوصف أحدهما العفاص والوكاء، ووصف الآخر عدد الدنانير ووزنها، إنها للذي عرف العفاص والوكاء، يريد: مع يمينه، والاختلاف في هذا، وإنما لا اختلاف إذا جاء وحده، فقيل: إنها تدفع إليه بالصفة دون يمين، وهو ظاهر مذهب ابن القاسم في المدونة، والوجه في ذلك أن الصفة في اللقطة التي لا دافع لها
стр. 7290
كالبينة القاطعة فيما له من يدفع عنه، وقيل: إنه لا يدفع إليه إلا بيمين.
وقال: إن وصفها رجلان أحلفا، فإن حلف أحدهما ونكل الآخر فهي لمن حلف منهما، وإن حلفا جميعا أو نكلا جميعا قسمت بينهما، فقوله: إنه يقسم بينهما إذا نكلا رد لقوله: إنه لا يدفع إليه إذا جاء وحده إلا بيمين، واستحسن أصبغ في أحد قوليه إذا وصف أحدهما العفاص والوكاء ووصف الآخر عدد الدنانير والدراهم، وصفتها أن تقسم بينهما بعد أيمانهما كما لو اجتمعا جميعا على صفة العفاص والوكاء.
والاختيار أن يصف مدعي اللقطة العفاص والوكاء وما اشتملا عليه من عدد الدنانير والدراهم وصفتها، فإن وصف بعضا وجهل بعضا أو غلط فيه ففي ذلك اختلاف وتفصيل: فأما جهله بالعدد فلا يضره إذا عرف العفاص والوكاء، وكذلك غلطه فيه بالزيادة لا يضره لجواز أن يكون قد اغتيل في شيء منها، واخلف في غلطه فيه بالنقصان إذا عرف العفاص والوكاء على قولين، وكذلك واختلف في غلطه فيه بالنقصان إذا عرف العفاص والوكاء وأما إذا غلط في صفة الدنانير فلا أعلم خلافا في أن لا شيء له.
وأما العفاص والوكاء إذا وصف أحدهما وجهل الآخر أو غلط فيه ففي ذلك ثلاثة أقوال: أحدها: أنه لا شيء له إلا بمعرفتهما جميعا. والثاني: أنه يستبري أمره فإن لم يأت أحد بأثبت مما أتى به دفعت له. والثالث: أنه إن ادعى الجهالة استبرئ أمره، وإن غلط لم يكن له شيء، وهذا أعدل الأقوال، والله أعلم.
ولو جهل العفاص والوكاء جميعا وعرف عدد الدنانير وصفتها ووزنها لتخرج على قول أصبغ الذي قاله على طريق الاستحسان إذا وصف أحد المدعيين العفاص والوكاء، والآخر عدد الدنانير وصفتها ووزنها أن تقسم بينهما
стр. 7291
أن تكون له إذا جاء وحده فوصف عدد الدنانير والدراهم وصفتها ووزنها وجهل العفاص والوكاء جميعا، وبالله التوفيق.
[مسألة: يلتقط الشاة الضالة بموضع يجوز له أكلها]
مسألة قيل لأصبغ: الرجل يلتقط الشاة الضالة بفلاة من الأرض بموضع يجوز له أكلها فيذبحها ثم يأتي بها معه إلى الأحياء، أعليه أن يعرفها؟ قال: ليس عليه أن يعرفها، وأكله لها طيب كان غنيا عنها أو لم يكن وكذلك جلدها.
قلت: فلو اعترفها ربها في يديه قبل أن يأكلها، قال: فهو أولى بها إذا أدركها، قيل: فلو كان ملتقطا استحياها حتى قدم بها الأحياء، أيكون له أن يعرفها؟ قال: هذا مخالف لما ذكرت، وعليه أن يعرفها أو يصرفها إلى أهل قرية يعرفونها ولا حق له فيها ولا يحل له حبسها؛ لأنه إنما جاز أكلها وذبحها بالفلاة أو المنقطع لئلا تتلف إن تركها أكلتها السباع وإن تحملها أضرت به، فلما تحمل من حملها ما لم يكن عليه حتى بلغها الأحياء كانت كما التقطها هنا، تعرف ولا تؤكل.
قال محمد بن رشد: اعترض أبو إسحاق التونسي قول أصبغ هذا إذا قدم بها الأحياء مذبوحة، فقال: الأصوب أن لا يأكل اللحم وأن يبيعه ويوقف ثمنه؛ لأن الإباحة إنما كانت له حيث لا ثمن له، ولو تركه هناك لأكله الذئب وفي الحاضرة قد صار له ثمن، وهو صحيح، وبالله التوفيق.
تم كتاب اللقطة بحمد الله تعالى
стр. 7292
[: كتاب المزارعة] [: اشتركا على مزارعة]
من سماع عيسى بن دينار
من ابن القاسم من كتاب السلم قال عيسى: وسئل ابن القاسم: عن رجلين اشتركا على مزارعة فاشترى أحدهما نصف البذر قمحا جيدا نقيا، فعرضه على صاحبه فرضيه وأجازه، ثم اشترى الشريك الآخر النصف الآخر قمحا رديئا فزرع منه ثلثه فعرضه على صاحبه فرضيه واستجازه على وجه التجوز والمسامحة، فزرع صاحب النصف الجيد قمحه رقيقا فدادين، وزرع الآخر قمحه الرديء فزرع به فدادين وشيئا، ثم تشاحا؟ قال: يؤدي كل واحد منها إلى صاحبه نصف ثمن زريعته فيستويان.
قال محمد بن رشد: قوله: اشتركا على مزارعة، معناه: اشتركا في الحرث للزراعة، وإرادته أنهما اشتركا على أن يجعل كل واحد منهما زوجه ويده ونصف البذر، والأرض لهما أو بأيديهما اكتراء أو مزارعة أو منحة؛ بدليل قوله: فزرع صاحب النصف الجيد قمحه فزرع منه كذا وكذا، وزرع الآخر قمحه الرديء فزرع منه كذا وكذا، والشركة على هذا إنما تصح إذا كان يحتاجان فيها إلى التعاون في إقران البقر للحرث وحلها والقيام عليها في سقيها وعلفها وما أشبه ذلك.
ويختلف في هذه الشركة، هل تلزم بالعقد أم لا؟ على اختلافهم في
стр. 7293
المزارعة، فجاء جوابه في هذه المسألة على القول بأنها لا تلزم بالعقد، وهي رواية أصبغ عنه في سماعه بعد هذا؛ لأنه أفسد الشركة بينهما مسامحة أحدها الآخر بعد العقد فيما أخرج من القمح الذي لا يعدل قمحه في الطيب، مع ما بينهما من التفاوت الكثير الذي لا يجوز أن يسمح في مثله في الشركة التي لا تلزم بالعقد، وذلك معارض لقوله في رسم الجواب بعد هذا على ما سنذكره ونبين وجهه إن شاء الله، وأما على القول بأنها تلزم بالعقد فيجوز أن يسمح أحدهما للآخر بعد العقد بالقليل والكثير قولا واحدا. فقوله على القول بفساد الشركة بمسامحة أحدهما الآخر بعد العقد إذ لم يرها لازمة بالعقد: إنه يؤدي كل واحد منهما إلى صاحبه نصف ثمن زريعته فيستويان - صحيح على القول بأن الزرع في المزارعة الفاسدة بينهما على ما اشتركا عليه ويتعادلان فيما أخرجاه فمن كان له منهما فضل على صاحبه رجع به عليه، وهو قول ابن حبيب في الواضحة إذا سلما من كراء الأرض بما يخرج منها، وهو الذي يأتي أيضا على القول بأن الزرع في المزارعة الفاسدة لصاحب العمل، إذ قد عملا جميعا، وعلى القول أيضا بأنه من اجتمع له شيئان من ثلاثة أصول: وهي العمل والأرض والبذر، وعلى القول أيضا أنه لمن اجتمع له شيئان من ثلاثة أصول: وهي الأرض والبذر والبقر؛ إذ قد اجتمع لكل واحد منهما البذر والبقر، وعلى القول أيضا بأنه لمن اجتمع له منهما شيئان من أربعة أصول: وهي الأرض والعمل والبقر والبذر إذ قد اجتمع لكل واحد منهما ثلاثة أشياء.
وأما على القول بأن الزرع في المزارعة الفاسدة لصاحب البذر فيجب أن يكون لكل واحد منهما ما أنبت قمحه، وإلى هذا ذهب أبو إسحاق التونسي، فقال: إن كان بينهما تفاوت لا يجوز أن يسمح به في الشركة، فكان يجب أن يكون لكل واحد منهما ما أنبت قمحه كشعير وقمح، إلا أن يقدر أن التفويت إذا كان بإذن صاحبه صار كالقبض، فيجب مثل ذلك في القمح والشعير وفي الشركة الفاسدة بالعروض أن يضمن كل واحد منهما نصف قيمة عرض
стр. 7294
صاحبه، وهذا الذي قاله أبو إسحاق التونسي صحيح؛ كأن وجه القول في كون الزرع في المزارعة الفاسدة لصاحب البذر هو بقاء يده على بذره مع شريكه فلم يبن بحصته منه بينونة صحيحة، هذا وجه القول في هذه المسألة.
وقد قال ابن دحون فيها: هذه مسألة مشكلة؛ لأنه أبطل ما قد تراضيا به، وإنما ذلك لأنهما لما القمح من السوق وكانا كأنهما إنما اشتركا بالأثمان التي اشتريا بها. فردها إلى تساوي الأثمان، ألا ترى أنه لو ضاع ما اشترى أحدهما قبل شراء الآخر كان عليهما إذا اشتراه للزراعة وللشركة التي عقدا حول ذلك على أنهما إنما اشتركا بأثمان ما اشتريا، فردهما إلى التساوي، ولو كان ثمن القمح الرديء مثل القمح الجيد لم يتراجعا إذا تراضيا، ولو كان ثمن الرديء أكثر من ثمن الطيب لرجع على صاحب الطيب بما فضله إذا تراضيا أولا، ولو كان القمح أخرجه كل واحد منهما من داره ولم يشتره وتراضيا بجيده ورديئه لم يكن لأحدهما رجوع في ذلك، وإنما جاز له الرجوع لما اشتريا من السوق فصار إنما اشتركا بالأثمان فيها وتراجعا.
هذا نص قول ابن دحون، وهو كلام مختل الوجه له؛ لأن لفظ الشركة تقتضي التكافؤ فيما يخرجه كل واحد منهما عوضا عما يخرجه صاحبه، فإذا رضي أحدهما بعد عقد الشركة بأن يخرج صاحبه أدنى من القمح الذي يخرج هو، فقد يفضل بنصف ما زادت قيمة طعامه على طعام صاحبه، وكان ذلك على القول بأن العقد غير لازم بمنزلة ما لو شاركه على ذلك ابتداء، ووجب أن تفسخ الشركة بينهما إلا أن يفوت بالبذر فيكون لكل واحد منهما ما أنبت قمحه على القول بأن الزرع في المزارعة الفاسدة لصاحب البذر، ويكون الزرع بينهما على القول الآخر ويتعادلان في قيمة ما أخرج كل واحد منهما من الطعام اشتراه من السوق أو جاء به من داره، واستدلاله على الفرق بين الوجهين بما ذكره من الضمان لا يصح، إذ لا فرق بينهما في الضمان أيضا وإن تلف بعد أن عرضه على صاحبه فرضيه وأجازه لكانت مصيبته منهما على قياس القول بأن الزرع بينهما ومن صاحبه الذي جاء
стр. 7295
له من عنده على قياس القول بأن له ما أنبت دون شريكه، ولا فرق في ذلك كله بين أن يشتريه من السوق أو يأتي به من داره، وبالله التوفيق.
[: القول قول مدعي الصحة]
ومن كتاب شهد على شهادة ميت وسئل: عن الرجل يعطي أرضه وبقره رجلا وزريعته يعمل بها على أن يخرج عند دفع الزرع ما أعطاه من زريعته ثم يقتسمان ما بقي على النصف، ثم يزعم الذي أمسك الزوج أن له نصف الزريعة، وهو مقر لصاحبه بأرضه وبقره ونصف الزريعة، وأنكر الآخر أن يكون له شيء إلا عمله بيده، فالقول قول من تراه؟ قال ابن كنانة: القول قول من زرع الأرض، والزريعة بينهما شطران، وهو الزارع الذي رُئِيَ يزرع الأرض. قال ابن القاسم مثله، وهو من ناحية قول مالك.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال على مذهب مالك؛ لأن رب الأرض يدعى على الزارع أنه أسلف نصف الزريعة، وأنه شاركه على ذلك بشرط، وذلك يوجب فساد الشركة، فوجب أن يكون القول للزارع الذي ينكر السلف ويدعي صحة الشركة على أصولهم في أن القول قول مدعي الصحة، وبالله التوفيق.
[: الزرع في المزارعة الفاسدة لصاحب البذر]
ومن كتاب الجواب وسألته: عن رجلين اشتركا على الزرع، فجعل أحدهما زوجا والآخر يمسك الزوج ويحرث به، وجعل صاحب الزوج الزريعة كلها على أن يرد عليه الشريك نصف الزريعة أو ثمنها؟ قال ابن
стр. 7296
القاسم: هذه شركة فاسدة، لأنها شركة وسلف، قبل كل شيء فالزرع بينهما نصفين على قدر شركتهما، ويرد على صاحب الزريعة نصف زريعته، وينظر إلى قدر قيمة عمل الزوج البقر، وإلى قدر قيام الآخر عليه وإمساكه إياه وحرثه به، فأيهما كان له الفضل منهما رجع على صاحبه.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأنها شركة أبدان، فلما فسدت باشتراط السلف فيها وجب أن يكون الزرع بينهما على مذهب ابن القاسم، ويتعادلان فيما أخرجاه، فمن كان منهما له فضل على صاحبه رجع به عليه، وسحنون يقول: إن الزرع لصاحب السلف على أصله في أن الزرع في المزارعة الفاسدة لصاحب البذر وبالله التوفيق.
[مسألة: المزارعة تفسد باشتراط السلف فيها]
مسألة وسألته عن رجلين اشتركا في الحرث على النصف أو على الثلث لأحدهما الأرض والآخر يعمل بيديه وزوجه، فقال أحدهما لصاحبه: اجعل الزريعة كلها وعلى نصفها أو ثلثها أردها عليك، فعملا جميعا على ذلك فصلح الزرع أو هلك، وكيف إن قال له: أسلفني بعدما عقد الشركة؟
قال ابن القاسم: الشركة فاسدة للسلف الذي أسلفه من الزريعة إذا كانا على ذلك اشتركا، فإن وقع هذا فالزرع بينهما على قدر ما اشتركا من النصف أو الثلثين أو الثلث، والمصيبة بينهما على قدر ذلك إن هلك الزرع أو لم ينبت، ويرجع مسلف الزريعة على صاحبه ما أسلفه متى شاء، وينظر إلى قيمة كراء الأرض وإلى قيمة عمل الآخر ببدنه وزوجه فأيهما كان له فضل منهما رجع به دراهم أو دنانير، وليس في الزرع.
стр. 7297
وإن كانت الشركة على غير سلف ثم سأله أن يسلفه الزريعة ففعل فليس بذلك بأس، والشركة حلال جائزة، إذا كان قيمة العمل مكافئة لقيمة كراء الأرض على ما فسرت لك، فإن كان في ذلك فضل رجع من كان له الفضل بالفضل على صاحبه على نحو ما أخبرتك، ورواها أصبغ.
قال محمد بن رشد: القول في هذه المسألة كالقول في المسألة التي فوقها؛ لأن المزارعة تفسد باشتراط السلف فيها كما تفسد الشركة بذلك، وإذا فسدت بذلك وجب في مذهب ابن القاسم أن يكون الزرع بينهما على ما اشترطاه من الأجزاء، ويتعادلان فيما أخرجاه، فمن كان له منهما فضل على صاحبه رجع به عليه، وببطل الأجل في السلف لفساده إن كان له أجل، وسحنون يبطل السلف لبقاء يد السلف عليه، ويجعل الزرع كله للعامل الذي جعل البذر، ويكون عليه لصاحب الأرض كراء المثل فيها على أصله في أن الزرع في المزارعة الفاسدة لصاحب البذر في قول ابن القاسم في الرواية.
وإن كانت الشركة على غير سلف ثم سأله أن يسلفه الزريعة ففعل فليس بذلك بأس نظر على أصله في أن المزارعة لا تلزم بالعقد، لأن القياس على القول بأنها لا تلزم بالعقد ألا يجوز السلف بعد العقد كما لا يجوز في العقد، فهذا من قوله معارض لقوله في أول مسألة من السماع، وقد قال بعض أهل النظر: إن هذا من قوله يدل على أن المزارعة تلزم بالعقد خلاف رواية أصبغ، إذ لو لم يلزم بالعقد عنده لما جاز السلف قبل العقد ولا بعده ما لم يعمل، كما لا يجوز ذلك في القراض، ولا دليل من قوله في هذه الرواية على ذلك، إذ قد ذكر فيها ما يدل على أنها لا تلزم بالعقد، وهو قوله فليس بذلك بأس، والشركة حلال جائزة إذا كان قيمة العمل مكافئة لقيمة كراء الأرض، لأن من يرى المزارعة لأزمة بالعقد يجيز التفاضل فيها، فلا يشترط في جوازها
стр. 7298
التكافؤ فيما يخرجان، وإنما لم تفسد المزارعة إذا كان السلف بعد العقد، وإن كانت عنده غير لازمة بالعقد مراعاة لقول من يراها لازمة بالعقد ولعلهما ظنا أنها لازمة بالعقد فبعدت التهمة عنده عليهما، ولو علما أنها لا تلزم بالعقد ولا يحكم بلزومها على من أبى التزامها منهما لاتفقا أن تفسد المزارعة بينهما بالطواعية بالسلف بعد العقد، فهذا يوجبه قوله في هذه الرواية وبالله التوفيق.
[: كراء الأرض بالثلث والربع]
ومن سماع سحنون قال سحنون: قال ابن القاسم: قال مالك: من دفع أرضه إلى رجل يزرعها على أن ما أخرج إليه فيها من الزرع بين الزارع وبين صاحب الأرض فإن الزرع كله للذي زرعه، ويغرم الزارع لصاحب الأرض كراء أرضه.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال لأنه كراء الأرض بالجزء مما يخرج منها، ولا اختلاف في المذهب في أن ذلك لا يجوز لنهي النبي ﵇ عن المحاقلة والمخابرة.
والمزارعة إذ تأولوا أن المراد بذلك كراء الأرض بالجزء مما يخرج منها، وقد جاء النهي عن ذلك نصًّا: روى عن النبي ﵇ أنه قال:
стр. 7299
«من كانت له أرض ليزرعها أو ليزرعها أخاه ولا يكرها بثلث ولا بربع ولا طعام» .
وأجاز ذلك جماعة من أهل العلم منهم الليث بن سعد، وحجتهم في ذلك إعطاء رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ يهود خيبر الأرض والنخل على شطر ما يخرج من ذلك وتأولوا في المحاقلة أنها اشتراء الأرض بالحنطة، والصحيح ما ذهب إليه مالك، لأن النص قد جاء بالنهي عن كراء الأرض بالثلث والربع.
وحديث المسافات يمكن تأويله على ما تأوله إليه مالك من أن الأرض كانت يسيرة بين أضعاف السواد، وقد اختلف أهل العلم في جواز كراء الأرض وفيما يجوز أن تكرى به اختلافا كثيرا لتعارض ظواهر الآثار الواردة في ذلك عن النبي ﵇ يتحصل فيها ثمانية أقوال قد ذكرتها في غير هذا الكتاب وبالله التوفيق.
[مسألة: دفع حبا إلى رجل يزرعه في أرضه على أن الزرع بينهما]
مسألة وقال ابن القاسم قال مالك: من دفع حبا إلى رجل يزرعه في أرضه على أن الزرع بينهما فإن الزرع كله لصاحب الأرض ويعطي صاحب الأرض صاحبَ الحب مكيلة حبه، قال سحنون: لا يعجبني هذا، وأرى الزرع كله لصاحب الحب ويعطي الزارع أجرته وأجرة بقره وكراء أرضه.
стр. 7300
قال محمد بن رشد: الفساد في هذه المزارعة بين لأنه يدخلها كراء الأرض بما يخرج منها من الطعام، فلا اختلاف في المذهب في وجوب فسخها وإبطال الجزء بينهما، وإنما الاختلاف في الزرع لمن يكون على هذين القولين؟ لا ثالث لهما وبالله التوفيق.
[مسألة: الوكيل إذا أقر بما ادعي عليه شريكه]
مسألة وسئل ابن القاسم عن الأرض تكون بين الرجلين فيقول أحدهما لصاحبه: خذ هذه الدنانير فاشتر بها ما يصير علي من الزريعة فيأخذ ويزرع ثم يقول الموكل على الشراء: ما اشتريت وإنما أخرجت ذلك من عندي. قال: فللموكل أن يكذبه ويكون الزرع بينهما، لأنه يتهم أن يكون يدعي عليه سلفا من طعام وقد أمر بالشراء قال: ولو كان الذي أمره باشترائه صدقه أنه لم يشتر؟ قال: فهو بالخيار إن شاء أعطاه المكيلة وكان شريكه في الزرع، وإن شاء أخذ دنانيره ولم يكن له في الزرع شيء.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال إن الوكيل إذا أقر بما ادعي عليه شريكه من أنه دفع إليه دنانيره ليشتري بها ما يصير عليه من الزريعة ويزرع، ثم ادعى أنه زرع من عنده ولم يشتر لشريكه شيئا لا يصدق في ذلك لأنه يدعي سلفا من الطعام على شريكه.
وقوله: "فللموكل أن يكذبه" معناه: لا يلزمه أن يصدقه لأن له أن يكذبه وإن علم أنه صادق، وإنما معناه أن القول قوله فيما يدعى من كذبه أو الجهل بصدقه، فإن حقق الدعوى عليه بأنه كاذب حلف على ذلك، وكان له نصف الزرع ولم يكن للوكيل عليه ما ادعاه من الطعام، وكذلك إن لم يحقق الدعوى عليه بذلك، غير أنه يحلف أنه لا يعلم ما يقول الوكيل من أنه زرع من عنده
стр. 7301
ولم يشتر شيئا، فإن نكل عن اليمين حلف الوكيل ورد إليه دنانيره وأخذ منه الطعام الذي زعم أنه زرعه له من عنده.
وأما إن صدقه الموكل أنه لم يشتر شيئا فقال في الرواية إنه بالخيار إن شاء أعطاه الكيل، وكان شريكه في الزرع، وإن شاء أخذ دنانيره ولم يكن له في الزرع شيء، وذلك كلام وقع على غير تحصيل، لأنه إنما يخير بين أن يترك الزرع وبين أن يأخذه ويؤدي الطعام، وأما الدنانير فيأخذها على كل حال إذ قد صدقه أنه لم يشتر له بها شيئا، وفي تخيره في ذلك اختلاف، قد قال ابن القاسم في سماع أصبغ بعد هذا في نظير هذه المسألة إنه لا ينبغي أن يكون صاحب البذر مخيرا بين أن يعطي بذرا ويأخذ زرعا، وبين أن يسلم الزرع، وكذلك قال يحيى بن عمر إنه إن صدقه أنه لم يشتر أو قامت بذلك بينة وزرع من عنده فالزرع لباذره، ولا يجوز للآخر الرضي بأخذ نصفه ويؤدي الزريعة، وهذا حرام، وليأخذ دنانيره وما يجب له من كراء الأرض وبقر وعبيد، وكذلك قال ابن القاسم في كتاب ابن سحنون إنه إن صدقه وقد تم الزرع يريد بالبذر، فهو لمن زرعه وللآخر كراء أرضه بعد أن حكي عن ابن القاسم مثل ما قاله في العتيبة في هذه الرواية، وإنما يكون مخيرا في ذلك على القول بأنه مخير فيه، إذا قال الوكيل إنما زرعت له ولنفسي على أن يكون لي نصف البذر عليه سلفا، وأما إن قال زرعت لنفسي خاصة فالزرع له وعليه كراء نصف الأرض ونصف البقر ونصف العبيد إن كان ذلك كله بينهما، ولا تخيير في ذلك للشريك بحال عند أحد، ولو علمنا صدق قول الوكيل فيما ادعاه من أنه زرع لنفسه أو للشريك لم يكن له في ذلك خيار، وإنما الخلاف إذا لم يعلم صدقه من كذبه، فهو يخشى إن صدقه أن يكون كاذبا، وإن كذبه أن يكون صادقا، فيدخل ذلك في كل وجه بيع الزرع بطعام، لأنه إن كان زرع لنفسه فالزرع له لا يجوز أن يأخذ فيه طعاما من الشريك، وإن كان زرع للشريك لا يجوز أن يسلمه إليه بما له عليه من الطعام، ولهذا المعنى قال القائل في
стр. 7302
سماع أصبغ بعد هذا أنه ينتظر بالزرع حتى يحصد ويدرس فيستوفي الوكيل منه بذره، ويكون ما بقي لصاحب الأرض لأنه زرعه له وباسمه، هذا وجه القول في هذه المسألة فيما يجب الحكم والقضاء به.
وأما الاستفتاء فسبيله أن يقال فيه للشريك أنت تعلم إن كنت توقن أنه قد صدقك في قوله إنه زرع لك من عنده فادفع إليه الطعام وخذ زرعك، وإن كنت توقن أنه قد كذبك في قوله وأنه إنما زرع لنفسه فلا يجوز لك أن تدفع إليه الطعام وتأخذ الزرع، وإن كان لا يقين عندك في واحد من الوجهين فوجه الخلاص ما قاله القائل في سماع أصبغ من أن يحصد الزرع ويدرس فيستوفي منه الوكيل بذوره ويكون ما بقي لك لأنه زرعه لك على ما أقر به وبالله التوفيق.
ا
[مسألة: اكترياها ليزرعاها بينهما فغاب أحدهما فزرع الآخر نصفها وطاب]
مسألة قال: وقال ابن القاسم في الأرض تكون بين الرجلين يحرثانها جميعا أيام البذر فيغيب أحد الشريكين فيقوم أحدهما فيبذرها، قال: إن جاء صاحبه قبل أن يفوت الزرع رأيت أن يبذر نصيبه من الأرض يزرعها، ولا يجوز له أن يأخذ فيها طعاما ولا ذهبا ولا أرضا يحرثها ولا متوبة إذا لم يفت البذر، فإذا فات كان على الذي بذرها أن يعطيه كراء عمله الذي كان عمل إذا فات.
قال محمد بن رشد: لم يبين في هذه الرواية إن كان الشريك زرع الأرض في مغيب شريكه لنفسه أو بينهما، والمعنى فيها أنه زرعها لنفسه، ولذلك قال إن من حق الشريك الغائب إن كافا إبان الزرع لم يفت أن يأخذ نصيبه في الأرض فيزرعها لنفسه يريد بعد أن تقسم إذا كانت مشاعة بينهما، ومثله في كتاب ابن المواز، قال ولو اكترياها ليزرعاها بينهما فغاب أحدهما فزرع الآخر نصفها وطاب فهو له خاصة، وعليهما كراء ما تعطل منها. قال
стр. 7303
أصبغ وعلى الزارع نصف قيمة كراء المزروع منها إن كان ذلك أكثر من الثمن، وما تعطل فهو عليهما وكراؤها كلها عليهما، قال ابن المواز: وهذا قول ابن القاسم، وقول ابن القاسم في هذه الرواية إن للشريك الغائب أن يأخذ حظه من الأرض فيزرعها إن كان لم يفت إبان الزرع هو مثل قول ابن القاسم في أول سماعه من كتاب الاستحقاق إنه يكون له فيما بنى في أرض شريكه قيمة بنائه منقوضا إن صار في حظ شريكه، خلاف قوله في سماع أبي زيد بعد هذا، وفي رسم إن أمكنتني من سماع عيسى من كتاب الشركة إن الزرع للذي زرعه وعليه نصف كراء الأرض لشريكه يريد وإن كان إبان الحرث لم يفت فمرة رأى ابن القاسم الشركة بينهما في الأرض مبهمة توجب أن يكون الزرع لزارعه وإن لم يفت إبان البذر، ومرة لم يرَ ذلك بشبهة، ورأى من حق الشريك أن يأخذ نصيبه من الأرض يزرعها إذا لم يكن للذي بذره فيه منفعة إن قلعه، وإن كانت له فيه منفعة كان من حقه أن يقلعه إلا أن يشاء الشريك المتعدى عليه أن يأخذه بقيمته مقلوعا، فيكون ذلك له، وقد مضى ذكر الاختلاف في ذلك في أول سماع ابن القاسم من كتاب الاستحقاق، وفي رسم إن أمكنتني من سماع عيسى من كتاب الشركة.
ولو زرع الأرض بينهما لنفسه وللغائب، لكان الغائب مخيرا بين أن يسلم له الزرع وبين أن يأخذ حظه منه ويعطيه البذر على ما قال في المسألة التي قبل هذه، وقد مضى القول على ذلك فلا معنى لإعادته.
[: تزارعا في أرض أحدهما فكان الزوج لأحدهما والأرض للآخر]
من سماع عبد الملك بن الحسن قال عبد الملك: سألت ابن وهب عن رجلين تزارعا في أرض أحدهما، فكان الزوج لأحدهما والأرض للآخر، فاخرجا زريعة بينهما، فلما فرغ الذي كان ولي الازدراع من الحرث قال لشريكه
стр. 7304
صاحب الأرض إذًا لي الزريعة التي زرعت عنك، فقال صاحب الأرض: قد زرعت ما كان علي منها وخلطنا زريعتنا جميعا، أخرجت أنا النصف وأخرجت أنت النصف، وإنما زرعت زريعتنا جميعا، وليس لك علي شيء ولم تسلفني شيئا، وقال الزارع: بل الزريعة كلها من عندي، وقد صار نصفها لي عليك، فعلى من البينة منهما؟ قال: القول للعامل منهما وهو الزارع الذي ولي الزريعة والعمل، والزرع بينهما نصفان لأنها شركة فاسدة قد وقعت وفاتت بالبذر والزرع، لأنه يقر أنه إنما زرع على أن نصف الزريعة على صاحبه مضمونة سلفا منه، فهو كمن أخرجها من عنده، ولصاحب الأرض نصف قيمة كراء الأرض على صاحبه ونصف قيمة العمل إن كان هو العامل، وإن كان الآخر هو العامل فله نصف قيمة كراء أزواجه وعمله، وما سوى من ذلك من المسألة فهو على ما فسرت لك في صدرها، لا يبالي أيهما كان ويرجع العامل بنصف البذر على صاحبه بعد اليمين، وقال أشهب: إذا قامت البينة لأحدهما أنه الزارع وأن البذر كان في يديه فله على صاحبه نصف ذلك البذر، ويحلف بالله الذي لا إله إلا هو أنه له، وما لصاحبه مما زرع من الزريعة قليل ولا كثير.
قال محمد بن رشد: قول ابن وهب في هذه المسألة إنها شركة فاسدة معناها على ما حملها عليه من أن العامل ادعى أنه زارع صاحبه على أن يجعل عنه نصيبه من الزريعة سلفًا، فهو يصدق فيما يدعي من أنه هو أخرج الزريعة كلها من عنده، لأنه هو الذي ولي زراعتها، ولا يصدق فيما ادعاه من الفساد في المزارعة بشرط السلف، غير أنه مقر بذلك على نفسه، فإن كان عليه في ذلك درك لشريكه أداه إليه، إذ قد يكون قيمة كراء ما أخرج أقل من قيمة كراء ما أخرج شريكه فيرجع عليه بنصف ما زاد كراء ما أخرج على ما
стр. 7305
أخرج هو، مثال ذلك أن يكون صاحب الأرض هو الذي ولي العمل والزراعة فادعى أنه جعل جميعه على السلف لشريكه وقيمة كراء الأرض وعمله عشرة دنانير، وقيمة كراء بقر صاحبه عشرون دينارا فيصدق فيما ادعى من السلف؛ لأنه هو الذي ولي الزراعة ويلزمه إقراره على نفسه بفساد الشركة فيرجع عليه شريكه بخمسة دنانير، لأن جميع كراء ما أخرجاه جميعا ثلاثون دينارًا، على مدعي السلف من ذلك خمسة عشر دينارا أخرج منها عشرة عليه ولشريكه خمسة يأخذها منه إن رجع إلى تصديقه، وكذب نفسه على اختلاف في هذا الأصل، إذ قد قيل إنه يأخذ ما أقر له به، وإن تمادى على إنكاره وإن كان قيمة ما أخرج الذي ادعى عليه سلف الزريعة أكثر من قيمة ما أخرج صاحبه لم يكن له عليه رجوع على القول بجواز التفاضل في المزارعة، وهو الظاهر من ابن وهب في هذه المسألة، لقوله فيها: ولصاحب الأرض قيمة كراء الأرض على صاحبه ونصف قيمة العمل معناه، ويكون لصاحبه عليه نصف كراء أزواجه، فإن كان كراء أرضه وعمله أكثر من قيمة كراء أزواج صاحبه لم يرجع عليه بشيء، وإن كان قيمة كراء أزواج صاحبه أكثر من قيمة كراء أرضه وعمله رجع عليه بنصف فضل ما بين الكراءين، لأنه مقر على نفسه بفساد الشركة ووجوب التقويم والتراجع، وأما على القول بأن التفاضل في المزارعة لا تجوز فيرجع من كان له فضل منهما على صاحبه حتى يعتدلا، لأن المزارعة تفسد من هذا الوجه أيضا، فيجب بذلك لمن كان له منهما فضل على صاحبه في قيمة كراء ما أخرج أن يرجع به حتى يعتدلا.
ولم يتكلم أشهب على التقويم فيحتمل أن يكون سكت عنه فلا يكون قوله مخالفا لقول ابن وهب، ويحتمل أن يكون لم يره بحال إذ ليس في السؤال بيان أن مدعي السلف ادعى أنه شريك صاحبه على ذلك، فحمله على أنه تطوع بالسلف خلاف ما حمله عليه ابن وهب والله أعلم وبه التوفيق.
стр. 7306
[: يشتركان في عمل الزرع فيريد أحدهما الخروج]
من سماع أصبغ من كتاب البيوع العاشر قال أصبغ: سألت ابن القاسم عن الرجلين يشتركان في عمل الزرع فيريد أحدهما الخروج ويبدو له، قال: إن كانا لم يبذرا كان ذلك له، وإن كانا قد بذرا فليس ذلك له، ويلزمه العمل معه على ما أحب، وإن عجز ولم يقو قيل لشريكه اعمل فإذا يبس الزرع فاستوف حقك واد فضلا إن كان فيه إلى صاحبك، وإن لم يكن فيه فضل وقصر عما انفق اتبعه به، لأن العمل كان يلزمه معه على ما أحب، لأنه ليس مما يستطاع أن يقسم ولا يباع، فإن ترك العمل مع صاحبه هلك زرع صاحبه وقد اشتركا على أمر حلال، فليس له أن يتركه بعد بذره.
قال محمد بن رشد: قوله إن كانا لم يبذرا كان ذلك له، وإن كان قد بذرا فليس ذلك له، يريد فليس ذلك له فيما قد بذر إذ لا يستطيعان أن يقسما ما قد بذرا حتى يحصداه ويقتسماه بالكيل، وأما ما لم يبذرا بعد فلا يلزم الآبي أن يتمادى مع شريكه على بذر ما بقي من زراعتهما، وكذلك إن كانا قد قلبا الأرض ولم يزرعاها بعد فلا يلزم الآبي منهما أن يزرعها معه لأنهما يقدران على قسم القليب وعلى بيعه وقسم ثمنه على معنى قول ابن القاسم هذا، وهو معنى قوله في المدونة إذ لم تجز الشركة في الحرث إلا على التساوي والاعتدال في قيمة كراء ما يخرجه كل واحد منهما عوضا عما يخرجه صاحبه، إذ لو كانت المزارعة تلزم بالعقد لجارت وإن قيمة كراء ما يخرجه أحدهما أكثر من قيمة كراء ما يخرجه صاحبه.
وابن الماجشون وسحنون يريان المزارعة تلزم بالعقد، وهو قول ابن كنانة وابن القاسم في كتاب ابن سحنون، وإنما وقع هذا الاختلاف في المزارعة لأنها شركة وإجارة كل واحدة منهما مفضية للأخرى بكليتهما، لا
стр. 7307
فضل فيها عنهما، فاختلف أيهما يغلب، فإن غلب الشركة لم يرها بالعقد لازمة ولا أجازها إلا على التكافي والاعتدال إلا أن يتطول أحدهما على صاحبه بما لا قدر لكرائه، ومن غلب الإجارة ألزمها بالعقد فأجاز التفاضل بينهما، ولم يراع التكافؤ غير ابن حبيب، قال ما لم يتفاحش الأمر بما لا يتغابن في مثله في البيوع، وقال سحنون: ذلك جائز وإن تفاحش الفضل في قيمة كراء الأرض ما لم يخرج أحدهما شيئا منفردا له بال لم يخرج صاحبه عنه عوضا فلا يجوز ذلك، والقياس على القول بتغليب الإجارة وإلزام العقد أن يجوز التفاضل بكل حال، وفي المسألة قول ثالث جرى به العمل بقرطبة ألا تلزم المزارعة بالقول حتى يشرعا في العمل، وهو قول يروى عن ابن كنانة، وليس بقياس، وإنما هو استحسان إذ لا يخرج عن القولين في كلتا الحالتين، ويشبه رواية علي بن زياد عن مالك في أن الجاعل يلزمه الجعل بشروع المجهول له في العمل، وبالله التوفيق.
[مسألة: وكل وكيلا يزرع له فأخطأ فزرع أرضه ببذر لابنه أو لامرأته أو لغيرهما]
مسألة قال أصبغ: سمعت ابن القاسم وسئل عن رجل وكل وكيلا يزرع له فأخطأ فزرع أرضه ببذر لابنه أو لامرأته أو لغيرهما قال: يغرم الوكيل لابن الرجل أو لامرأته أو لغيرهما بذرهما، ويكون الزرع للوكيل ويكون عليه كراء أرض الرجل الذي وكله إنما يكرى به مثلها؛ وذلك لأنه لا ينبغي أن يكون صاحب البذر مخيرا بين أن يعطى بذرا ويأخذ زرعا، وبين أن يسلم الزرع.
قال: وفيه قول آخر لو قال قائل ينتظر بالزرع حتى يحصد ويدرس فيستوفي الوكيل منه بذره، ويكون ما بقي لصاحب الأرض لأنه زرعه له وباسمه، ثم أفكر فأقول: فحصاده ودرسه وذروه على من يكون فيتفاحش ذلك؟ فالقول ما قلت لك في أول ذلك إذا كان بذر بذرا مخالفا لما أمره، مثل أن يأمره أن يبذر قمحا فيبذر شعيرا
стр. 7308
أو قطاني، وإن كان الذي أخطأ به قمحا مثل ما أمره فالزرع له ويغرم مكان البذر لأصحابه، وليس على الوكيل شيء.
قال محمد بن رشد: قول ابن القاسم في هذه المسألة إن الزرع للوكيل وعليه كراء الأرض لموكله، ومكيلة البذر لأصحابه، ولا ينبغي أن يكون صاحب البذر - يريد الموكل الآمر له بالبذر - مخيرا بين أن يعطى بذرا ويأخذ زرعا وبين أن يسلم الزرع خلاف ما مضى من قوله في نظير هذه المسألة في نوازل سحنون وتفرقته بين أن يكون البذر الذي بذر مخالفا للذي أمره به أو غير مخالف له استحسان، ووجهه أن البذر إذا كان مخالفا لما أمره به كان الذي يغلب على الظن أنه إنما زرعه لنفسه، فلا ينبغي له أن يصدقه فيما زعم من أنه زرعه له على سبيل الغلط، وإذا كان البذر غير مخالف له أشبه ما يقول من أنه زرعه له، فوجب عنده أن يأخذه ويغرم مثل البذر لأصحابه، وقد مضى في نوازل سحنون من القول في نظير هذه المسألة ما فيه بيان لهذه.
فيتحصل في هذه المسألة على هذا ثلاثة أقوال، أحدها أنه يصدق ويأخذ الزرع ويؤدي البذر لأربابه، والثاني أنه لا يصدقه فيسلم إليه الزرع ويأخذه بكراء أرضه، والثالث الفرق بين أن يكون البذر مخالفا لما أمره به أو غير مخالف وبالله التوفيق.
[: تكون أرضه ملاصقة بأرض جاره فيزرعها ثم يزعم أنه أخطأ وظن أنها أرضه]
من نوازل أصبغ وسئل أصبغ عن رجل تكون أرضه ملاصقة بأرض جاره فيزرعها ثم يزعم أنه أخطأ وظن أنها أرضه؟ وكيف إن كان المكتري اكترى فدانَ أرضٍ فلما جاء وقت الزريعة زرع ثم تبين له أنه أخطأ هل يعذر رب الأرض أو المكتري بالجهالة، ويجعل عليه الكراء أم لا؟ وكيف إن كانت له عرصة قريبة من عرصة صاحبه فبني في
стр. 7309
عرصته وفي عرصة جاره ثم قال والله ما ظننت إلا أنها من حيث بنائي؟ أو بنى في عرصة صاحبه أصلا، ولم يبن في عرصته هل يعذر بالجهالة أم لا يعذر؟ ولا يعرف خطأه إلا بقوله.
قال أصبغ: أما العرصة فلا كلام فيها وصاحبها بالخيار بين أن يأخذه بقيمته نقضا ولا يصدق قوله فيه على الخطأ فلا يكون له عذر، وبين أن يأمره بقلع نقضه.
وأما الفدان فإني أراه عذرا لأنه يشبه الخطأ في الأحواز وفي الازدراع إلى جنبه وإلى تشابه الحدود، فأرى الجهل على الخطأ حتى يعرف أنه عمد، فأرى أن يحلف لأخطأ وما تعمد، ثم يقدر زرعه فيه كراء مثله ولا ينتزع لإبان زرع ولا غيره، ويحمل محمل من اكترى فزرع ثم جاء صاحبه فهي بشبهة وعذر فكذلك هذا أراه بشبهة وعذر ولا يقلع حتى يبلغ زرعه، قال سحنون: هو عندي كالغصب ولا يعذر بجهل، ولو كان يعذر في هذا أقلع وجاء فزرع فدان جاره ثم قال: ظننت أنه فداني فأرى أن يسلك سبيل الغاصب.
قال محمد بن رشد: لا اختلاف في العراص أنه لا يعذر الباني فيها بالجهل فيصدق فيما ادعاه من الغلط، لأن ذلك لا يشبه في العراص المعروفة بحدودها لكثرة التكرار عليها، بخلاف الفدادين في الفحوص التي قد تجهل أحوازها لاشتباهها مع قلة التكرار عليها لبعدها فيعذر فيها بالجهل، ويصدق فيما ادعاه من الغلط عند أصبغ، وهو قول مالك، رواه أشهب عنه في سماعه من كتاب الغصب.
وسحنون لا يعذره في الفدادين أيضا بالجهل ولا يصدقه فيما ادعاه من الغلط، ووجه قوله أن العداء قد ظهر بحرثه ما ليس له، فلا يصدق فيما ادعاه من الغلط ولا يعذر بذلك عنده إن كان يلزمه أن يثبت حتى لا يحرث مال غيره، فهو عنده كالغاصب فيكون الزرع عنده لصاحب الأرض، وكذلك قال
стр. 7310
الزرع لرب الأرض ولا شيء للزارع إلا أن يقدر على جميع حبه وإلا فلا شيء له، وقال في موضع آخر إلا أن يكونا لم يتحاكما ولم يعلم بذلك حتى يجب الزرع وفات إبان الزراعة فيكون الزرع لزراعه وعليه كراء الأرض، وقال في كتاب ابنه: وإذا زرع هذا أرضه قمحا وحرث جاره في أرضه شعيرا فطار من بذر كل واحد منهما فنبت فإن ذلك لمن حصل في أرضه ولا شيء عليه لجاره، ولو كان بين أرضهما جسر أو حصا فنبت فيه حب مما تطاير فذلك بينهما اختلفت زريعتهما في الجنس أو اتفقت، لأن ذلك الموضع من أرضهما وبالله التوفيق.
[: اشتركا في أرض خرج من عنده بذرا فبذرها كلها فجاء صاحبه بعد ذلك]
من سماع أبي زيد بن أبي الغمر قال: وسئل ابن القاسم عن رجلين اشتركا في أرض يزرعانها بينهما، فحرثاها فلما كان إبان الزرع غاب أحد الشريكين فلما خشي صاحبه فوات الزرع أخرج من عنده بذرا فبذرها كلها، فجاء صاحبه بعد ذلك، قال ابن القاسم: لا يكون له شرك في الزرع، وإنما يكون له مثل كراء تلك الأرض محروثة، ويكون الزرع للذي زرع، قال: فقيل له: فإن كان قسم الأرض بين اثنين فأحضر لذلك رجالا فزرع حصته وترك ما بقي؟ قال: لا ينفعه ذلك، ويكون للذي غاب كراء نصف ما زرع ولا ينفعه ذلك إلا أن يتعدى السلطان فيكون هذا الذي يقسمها فيزرع حصته فهذا الذي لا يكون له شيء فيما زرع صاحبه.
قال محمد بن رشد: هذا من قول ابن القاسم مثل قوله في رسم إن أمكنتني من سماع عيسى من كتاب الشركة، وخلاف لقوله في سماع سحنون من هذا الكتاب، وقد مضى الكلام هنالك على وجه الاختلاف في ذلك فلا معنى لإعادته وبالله التوفيق.
تم كتاب المزارعة بجيد الله تعالى وحسن عونه
стр. 7311
[: كتاب المغارسة] [ مسألة: يغرس له نخلا في أرض له على أن له جعلا]
من سماع ابن القاسم من مالك
من كتاب الرطب باليابس قال ابن القاسم: وسمعت مالكا قال في رجل قاضى رجلا على أن يغرس له نخلا في أرض له على أن له في كل نخلة تنبت جعلا قد سماه، وأن ينبت غرسه فلا شيء له عليه، ولا يلزمه العمل في ذلك إن شاء أن يتركه تركه فقال: لا أرى به بأسا إذا اشترطا للنخل قدرا يعرف، أربع سعفات أو خمسا أو نحو ذلك.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال لأنه جعل محض، والمغارسة على الجعل جائزة، لأنها تجوز على الجعل وعلى الإجارة وعلى جزء من الأصل إذا بلغ الغرس حدا تجوز المغارسة إليه، ولا اختلاف أحفظه في المذهب في إجازة المغارسة على الجعل؛ لأن الجعل أصل في نفسه كالقراض والمساقاة لا تقاس على الإجارة ولا تقاس الإجارة عليه، وإن أخذ شبها منها، والأصل في جوازه قول الله : ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٢] وقول النبي ﵇ يوم حنين: «من قتل قتيلا فله سلبه» وقوله يوم
стр. 7312
بدر من فعل كذا وكذا فله كذا وكذا ومن فعل كذا وكذا فله كذا وكذا، وإن كان مالك قد كره ذلك، فإنما كرهه لئلا تفسد نيات الناس في الجهاد لا أنه عنده حرام وقوله ﵇ للنفر من أصحابه الذين رقى أحدهم سيد حي من أحياء العرب مروا بهم من لدغة لدغ بها على قطيع من الغنم فرقاه فكأنما أنشط من عقال فسألوه عن ذلك: «قد أصبتم اقتسموا واضربوا لي معكم بسهم» .
ولجوازه أربعة شروط متفق عليها، وهي أن يكون الجعل معلوما، وألا ينقد، وألا يضرب للعمل أجل وأن لا يكون للجاعل فيه منفعة إلا بتمامه، وشرط خامس مختلف فيه، وهو أن يكون للجاعل فيه منفعة إذا تم، وهذه الشرائط كلها موجودة في المغارسة على الجعل فوجب أن يجوز، وقد قال ابن دحون: مسائل المغارسة لا أصل لها وفيها غرر وخطار ظاهر، وقد أجازها مالك وأصحابه وللمخالفين عليهم فيها تعلق قوي، لأن أصحاب مالك كلهم منعوا من الغرر والخطر في جميع مسائلهم وأجازوه في هذا وجعلوه من باب الجعل، ومن أصلهم أن لا يجوز الجعل إلا في اليسير، وأجازوه في هذا العمل الكثير، وهو خطر عظيم، وليس قول ابن دحون بصحيح؛ لأنهم إنما منعوا من الغرر الكثير في البيع لنهي النبي ﵇ عن بيع الغرر وعن الخطر والقمار في غير البيع؛ لأنه من ميسر الجاهلية، وأما الجعل فقد جوزته السنة وأجازته الشريعة على ما فيه من الغرر على الشروط التي ذكرناها، وليس من شروط صحته ما ذكره من أنه لا يجوز إلا في اليسير، وإن كان قد قاله عبد الوهاب وغيره، بل يجوز في اليسر والكثير إذا لم يكن للجاعل فيه منفعة إلا بتمامه.
وإنما قال مالك: لا يجوز الجعل على بيع الثياب الكثيرة وإنما يجوز على بيع الثوب والثوبين من أجل أن الثياب الكثيرة إذا أسلمها إليه ليبيعها له بالجعل
стр. 7313
فلم يبعها وصرفها إليه كان قد انتفع بحفظه لها وحوزه إياها مدة كونها بيده، فهذه هي العلة في أن لا يجوز الجعل على بيعها لا كونها كثيرة، فقد يجوز الجعل باتفاق على طلب العبد الآبق وحفر البئر وما أشبه ذلك، وإن كان العمل في ذلك كله كثير من أجل أنه إن لم يتم حفر البئر لم ينتفع الجاعل بما مضى فيها من عمل المجعول له، وكذلك إن عني المجعول له في طلب العبد الآبق إلى البلاد البعيدة فلم يجده لم يكن للجاعل في طلب المجعول له إياه منفعة، فهذا هو الشرط في جواز الجعل لا ما ذكره وبالله التوفيق.
[: الأرض البيضاء يعطيها الرجل للرجل على أن يغرس له أصولا]
ومن كتاب طلق بن حبيب وسئل مالك عن الأرض البيضاء يعطيها الرجل للرجل على أن يغرس له أصولا، فإذا بلغت الأصول فهي بينهما نصفان نصف الأرض، ونصف النخل، قال: لا بأس بذلك أيضا إذا اشترط للأصل قدرا معلوما أن يقول حتى يثمر أو شيئا معروفا من قدرها، فإذا اشترطا هذا فلا بأس به، ولا خير فيه في بقل ولا زرع.
قيل له فبصل الزعفران يعطى على هذا النحو، وهو يقيم تسع سنين ونحو ذلك ثم ينقطع؟ قال: لا خير فيه إنما هو بمنزلة الثمرة وليس بمنزلة الأصل، فلا ينبغي ذلك.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال: إن مغارسة الرجل للرجل أرضه البيضاء على أن يغرسها أصولا بجزء منها جائزة جوزها أهل العلم قياسا على ما جوزته السنة من المساقاة، كما جوزوا قياسا عليها بناء الرحى الخربة بجزء منها، فهي سنة على حيالها ليست بإجارة محضة ولا جعل محض؛ لأنها أخذت بشبه منهما جميعا، أخذت بشبه من الإجارة في لزومها بالعقد، وشبه من الجعل في أن الغارس لا يجب له شيء إلا بثبوت الغرس وبلوغه الحد
стр. 7314
المشترط، فإن بطل قبل ذلك لم يكن له شيء ولا كان من حقه أن يعيده مرة أخرى.
واختلف إن نبت منه يسير وبلغ الحد، وبطل سائر ذلك أو بطل منه يسير، وثبت سائر ذلك، فقيل إن القليل تبع للكثير، وهو رواية حسين بن عاصم في بعض الروايات من هذا الكتاب، وقيل إن حقه يثبت في اليسير الذي بلغ ويبطل من اليسير الذي لم يبلغ، وهو قول أشهب في سماع أصبغ، وأما إن كان الذي ثبت أو بطل له قدر وبال فإن كان الأقل فلا يكون تبعا، ويثبت حقه فيما ثبت ويبطل فيما بطل، ولا يجوز إلا على شروط قد حدها أهل العلم، من ذلك أن يكون الحد في قدر الشجر إلى ما دون الإطعام، واختلف إن كان حدها الإطعام، فأجازه في هذه الرواية وفي رسم الجواب بعد هذا وفي كتاب محمد بن المواز، وله في موضع آخر منه أن ذلك لا يجوز، لأنه لا يدري متى يثمر، وكذلك اختلف أيضا إن كان حدها إلى أجل دون الإطعام، فأجاز ذلك في أول سماع حسين بن عاصم، ومنع منه في أثنائه بدليل، وهو قول مالك في الواضحة.
وكذلك اختلف أيضا إن سكتا عن الحد في ذلك، ففي رسم الجواب من سماع عيسى أن ذلك لا يجوز، وقيل إن ذلك جائز قاله ابن حبيب، وجعل حده الإثمار.
وأما إن كان الحد أو الأجل إلى ما فوق الإطعام فلا يجوز باتفاق، وكذلك إن اشترطا أن يكون الشجر أو الغلة بينهما دون الأصل لم يجز باتفاق.
ولا تجوز المغارسة في بقل ولا زرع، وأما بصل الزعفران التي تقيم في الأرض أعواما ثم تنقطع وما أشبهه فلم تجز المغارسة فيه في هذه الرواية، وأجازها سحنون في كتاب ابنه، قال: ومن دفع أرضه إلى رجل يزرعها قطنا على أن للعامل نصف الأرض ونصف القطن، فإن كان القطن يزرع في كل عام
стр. 7315
ولم يكن له أصل ثابت فذلك فاسد، وإن كان القطن يبقي السنين العدد وليس يزرع في كل عام، فهذا إن أجلا آجلا دون الإطعام فإذا بلغاه كان القطن يعني الشجر والأرض بينهما فذلك جائز والله الموفق.
[: المغارسة الفاسدة إذا لم يجعل للعامل فيها جزء من الأصل]
من سماع عيسى بن دينار من كتاب استأذن
سيده في تدبير جاريته قال عيسى: وسألت ابن القاسم عن رجل أعطى أرضا له بيضاء لرجل يغرسها شجرا على الثمر بينهما بالسواء، فغرس وأثمر واقتسما الثمرة زمانا ثم علم بفسخ ما صنعا، قال: يرد صاحب الأرض إلى العامل فيها ما أخذ من الثمرة مثلها إن كان يجد مثلها وإلا فقيمتها، ويكون له كراء أرضه على العامل من حين أخذها منه، وليس من حين أثمر الشجر، ويقال لصاحب الأرض: إن شئت فاغرم قيمة الغرس مقلوعا، وإن شئت فدعه يقلع غرسه.
قال محمد بن رشد: اختلف في المغارسة الفاسدة إذا لم يجعل للعامل فيها جزء من الأصل على قولين أحدهما أنه يحكم لها بحكم الكراء الفاسد، لأنه كأن الغارس اكترى منه الأرض إلى أمد غير معلوم بنصف الثمرة التي يغرسها ليبقيها فيها، وهو قوله في هذه الرواية، فتكون الغلة على هذا للغارس يرد عليه رب الأرض ما أخذ منها: المكيلة إن عرفت أو خرصها إن جهلت ويقلع غرسها إلا أن يشاء رب الأرض أن يأخذه بقيمته مقلوعا، وقيل: إن له قيمته قائما، قاله يحيى في سماعه من كتاب السداد والأنهار في المعاملة الفاسدة في بناء الأرحى، ولا فرق بينهما، ويكون عليه قيمة كراء الأرض قيل من يوم أخذها، وهو قوله في هذه الرواية، ومعناه عندي إن كان أخذها في وقت يمكنه وضع الغرس فيه، لأنه إن كان أخذها قبل إبان يمكنه وضع الغرس
стр. 7316
فيه فيها فالكراء إنما انعقد بينهما من يوم يمكنه وضع الغرس فيه فيها إذ لا منفعة له في الأرض قبل ذلك، وقبضه إياها للأقبض، وقيل من يوم وضع الغرس فيها وهو قوله في سماع يحيى بعد هذا، ومعناه عندي من يوم يمكنه وضع الغرس فيها، فليس رواية يحيى على هذا بمخالفة لرواية عيسى فتدبر ذلك تجده صحيحا.
وقد كان الشيوخ يحملون ذلك على أنه اختلاف من القول فلا يوجبون عليه الكراء في رواية يحيى إلا من يوم وضع الغرس في الأرض، وإن كان أخذها، وقد أمكنه وضع الغرس فيها، وهو محتمل، وأما إن كان أخذها قبل أن يمكنه وضع الغرس فيها فلا يصح أن يكون عليه الكراء من يومئذ، وقيل من يوم أثمر النخل وهو قوله في لسماع أبي زيد وسماع حسين بن عاصم بعد هذا من هذا الكتاب.
وجه قوله في هذه الرواية ورواية يحيى أنه كراء فاسد قد فات بانتفاع المكتري به؛ فوجب أن تكون عليه قيمته من يوم قبضه، وهو يوم يمكنه الانتفاع بما قبض.
ووجه رواية أبي زيد وحسين أن الأمر لما لم ينعقد بينهما نصًّا على كراء فاسد ولا على أن يكون عليه كراء أصلا فصرفناه إلى حكم الكراء الفاسد لم يجعل عليه الكراء إلا من يوم انتفاعه بالأرض، وهو يوم أثمرت النخل، والقول الثاني يحكم له بحكم الإجارة الفاسدة، لأنه كأن رب الأرض استأجر الغارس على أن يغرس له هذه الأرض بنصف ثمرتها فيكون الحكم في ذلك أن يكون للغارس على رب الأرض قيمة غرسه يوم وضعه في الأرض مقلوعا وأجرة مثله في غرسه وقيامه عليه، وتكون الغلة كلها لرب الأرض يرد عليه الغارس ما أخذ منها: المكيلة إن عرفت أو خرصها إن جهلت.
وهذا الاختلاف مبني على ما غرسه الغارس من الغرس هل هو على
стр. 7317
ملكه أو على ملك رب الأرض، فمن علل بأن الغرس على ملك الغارس جعله كراء فاسدا، ومن علل بأن الغرس على ملك رب الأرض جعله إجارة فاسدة وبالله التوفيق.
[: بيع الثمر قبل أن تخلق]
ومن كتاب يوصي لمكاتبه وسئل عن الرجل يعطي أرضه رجلا يغرس فيها شجرا على أنها إذا بلغت قدر كذا وكذا من قدر يسمونه فالأصل والشجر بينهما، فتطعم تلك الشجر قبل أن يبلغ ذلك القدر.
قال ابن القاسم: لا يصلح أن يتعامل على مثل هذا ولا يصلح العمل فيها إلا على تسمية قدر يكون قبل الإطعام أو إلى الإطعام وأما أن يشترط للشجر من الطول والقدر ما لا يبلغه إلا بعد إطعام الشجر فإن ذلك لا يصلح.
قلت: أرأيت إن وقع على هذا كيف العمل فيه؟ قال: وتكون الثمرة لصاحب الأرض ويعطي العامل أجر مثله فيما عمل، وليس له في الأرض قليل ولا كثير.
قال محمد بن رشد: قوله: "إن المغارسة إلى حد من الأصول يثمر الشجر دونه" لا يجوز بين؛ لأنه يدخله بيع الثمر قبل أن تخلق، لأنه باع منه نصف الأرض بغرسه النصف الآخر، وبما يغتل من جميع الغرس إلى أن يبلغ الحد الذي شرطاه، وقد مضى في رسم طلق من سماع ابن القاسم تحصيل القول فيما يجوز من الأجل في ذلك مما لا يجوز، ومضى في الرسم الذي قبل هذا من هذا السماع القول في حكم المغارسة الفاسدة إذا وقعت دون أن يكون للعامل من الأرض شيء، فلا معنى لإعادة شيء من ذلك.
стр. 7318
ونتكلم هاهنا على حكمها إذا وقعت فاسدة مع أنه قد جعل للغارس فيها جزء من الأرض كنحو هذه المسألة، فالذي يتحصل فيها لابن القاسم ثلاثة أقوال.
أحدها - أن العامل يرد إلى إجارة مثله في الجميع، ولا يكون له في الأرض شيء، فيعطي قيمة غرسه يوم وضعه في الأرض، وأجرة مثله في غرسه وقيامه عليه إلى يوم الحكم، ويرد إلى رب الأرض ما أكل من الثمرة: مكيلتها إن علمت أو قيمة خرصها إن جهلت، هذا معنى قوله في هذه الرواية وإن كان لم ينص عليها فيها، وهو مذهب سحنون، وهذا القول يأتي على تعليل من علل أن الغرس في المغارسة الفاسدة كيفما وقعت على ملك رب الأرض.
والقول الثاني - أنه بيع فاسد في نصف الأرض قد فات بالغرس، فيكون على الغارس فيه لرب الأرض قيمته يوم غرسه، وإجارة فاسدة في النصف الثاني، فيكون فيه على رب الأرض للغارس قيمته مقلوعا يوم وضعه في الأرض وأجرة مثله في غرسه وقيامه عليه إلى يوم الحكم، وقيل: إنه يكون عليه للغارس نصف قيمة الغرس قائما يوم الحكم فيه من أجل سقيه وعلاجه، وهي رواية عيسى عن ابن القاسم بعد هذا في رسم الجواب، وقيل: إنه يكون عليه للغارس قيمة نصف غرسه يوم بلغ وتم، وأجرته من يومئذ في قيامه عليه إلى يوم الحكم، وهو قول ابن حبيب في الواضحة، ويتحاسبان في ذلك فمن كان له الفضل بينهما على صاحبه رجع به عليه، والغلة بينهما في جميع ذلك على ما اشترطاه، والصحيح من ذلك ما بدأنا به من أنه يكون عليه نصف قيمة الغرس مقلوعا يوم وضعه في الأرض وأجرة مثله في غرسه وقيامه عليه إلى يوم الحكم، فالغرس على قياس هذا القول نصفه على ملك الغارس ونصفه على ملك رب الأرض.
والقول الثالث - أنه بيع فاسد أيضا في نصف الأرض قد فات بالغرس
стр. 7319
فيكون على الغارس فيه قيمة يوم فوته بالغرس، وتكون في النصف الثاني كراء فاسدا، فيكون على الغارس فيه لرب الأرض كراء مثله يوم أخذها، أو يوم وضع الغرس فيها، أو يوم أثمرت، على الاختلاف الذي قد ذكرناه في رسم استأذن، وبينا فيه معناه، ويقلع الغارس غرسه من النصف الذي لرب الأرض بعد أن تقسم إلا أن يشاء رب الأرض أن يأخذه بقيمته مقلوعا أو بقيمته قائما على قول يحيى بن يحيى المتقدم في رسم استأذن، وهو مذهب مالك في رواية المدنيين عنه، ويكون على هذا القول الغلة كلها للعامل يرد عليه رب الأرض ما أخذ منها، المكيلة إن عرفت أو خرصها إن جهلت، وهذا هو قول ابن القاسم في رواية حسين عنه، وهو يأتي على أن الغرس على ملك الغارس، وهو أظهر من القول الثاني، لأن اجتماع البيع والكراء في هذه السلعة أولى من اجتماع البيع والإجارة فيها، لأنهما يصيران كأنهما قد تمما الفساد بينهما، وبالله التوفيق.
[: باعه نصف الأرض على أن يغرس له النصف الثاني]
ومن كتاب الجواب وسألته عن رجل أعطى أرضه رجلا يغرسها على النصف، فاغترسها الرجل وأكل الثمرة نحوا من أربع سنين أو خمس سنين، وأن صاحب الأرض باع نصفه ذلك من الغارس أو غيره، ثم أراد البائع صاحب الأرض بعد ذلك أن يرجع في النصف الذي في يد الغارس الذي عمر به في الأرض وغرسه عليه.
قال ابن القاسم: ليس له أن يرجع فيه، لأن أحدهما كان حلالا حين أعطاه الأرض يغرسها له وله نصفها إذا كانا سميا للغرس شبابا أو قدرا معلوما، فإن لم يكونا سميا ذلك ولا حداه كان كبيع فاسد، لأنه باعه نصف الأرض على أن يغرس له النصف الثاني،
стр. 7320
فلما لم يسميا ولا حداه فقد باعه إياه بشيء لا يدريان ما هو، فهو بيع فاسد، وقد فاتت الأرض كلها بالغرس، والغرس فوت، فيقوم على الغارس النصف الذي صار له يوم قبضه، لأنه قد فات في يديه، والغراس فوت، ويكون للغارس على صاحب الأرض نصف قيمة الغرس؛ لأن له نصف الأرض ونصف الغرس لأن الغارس هو الذي غرسه له في نصف الأرض، ويقوم الغراس قائما على حاله يوم يحكم فيه؛ لأن له سقيا وعلاجا، وبالسقي بلغ وتم.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة قد مضى تحصيل القول فيها في الرسم الذي قبل هذا فلا وجه لإعادته.
[: الجعل على خدمة شهر]
ومن كتاب العتق قال عيسى: قلت لابن القاسم أرأيت لو قال له أستأجرك على أن تغرس في أرضي هذه كذا وكذا نخلة، فإن خرجت ونبتت فهي بيني وبينك.
قال: لا بأس به إنما هو جعل وليس بإجارة، ولو شاء أن يذهب ذهب، ولو غرسها ثم ماتت لم يكن له شيء حتى تنبت، ولو لم يكن جعلا ما جاز لأنه شرط عليه شيئا لا يدري أيتم أم لا يتم؟ ولعله أن يعمل فيه ويبطل ولا يستطيع أن يخرج عنه فيكثر تعبه ويطول عناؤه، ثم لا يخرج النخل فيكون قد ذهب عمله فيه بغير شيء أخذه، ولكنه لو استأجره على أن يغرس له في حائطه هذا كذا وكذا نخله بنصف أرضه هذه لم يكن بذلك بأس، وكانت إجارة ولم يكن له أن يخرج حتى يفرغ من غراسه، فإذا غرسها وغيبها في الأرض
следующие страницы →