Полный текст (9 112 стр.). Показаны 7316–7355 · переход к 7321.
стр. 7316
فيه فيها فالكراء إنما انعقد بينهما من يوم يمكنه وضع الغرس فيه فيها إذ لا منفعة له في الأرض قبل ذلك، وقبضه إياها للأقبض، وقيل من يوم وضع الغرس فيها وهو قوله في سماع يحيى بعد هذا، ومعناه عندي من يوم يمكنه وضع الغرس فيها، فليس رواية يحيى على هذا بمخالفة لرواية عيسى فتدبر ذلك تجده صحيحا.
وقد كان الشيوخ يحملون ذلك على أنه اختلاف من القول فلا يوجبون عليه الكراء في رواية يحيى إلا من يوم وضع الغرس في الأرض، وإن كان أخذها، وقد أمكنه وضع الغرس فيها، وهو محتمل، وأما إن كان أخذها قبل أن يمكنه وضع الغرس فيها فلا يصح أن يكون عليه الكراء من يومئذ، وقيل من يوم أثمر النخل وهو قوله في لسماع أبي زيد وسماع حسين بن عاصم بعد هذا من هذا الكتاب.
وجه قوله في هذه الرواية ورواية يحيى أنه كراء فاسد قد فات بانتفاع المكتري به؛ فوجب أن تكون عليه قيمته من يوم قبضه، وهو يوم يمكنه الانتفاع بما قبض.
ووجه رواية أبي زيد وحسين أن الأمر لما لم ينعقد بينهما نصًّا على كراء فاسد ولا على أن يكون عليه كراء أصلا فصرفناه إلى حكم الكراء الفاسد لم يجعل عليه الكراء إلا من يوم انتفاعه بالأرض، وهو يوم أثمرت النخل، والقول الثاني يحكم له بحكم الإجارة الفاسدة، لأنه كأن رب الأرض استأجر الغارس على أن يغرس له هذه الأرض بنصف ثمرتها فيكون الحكم في ذلك أن يكون للغارس على رب الأرض قيمة غرسه يوم وضعه في الأرض مقلوعا وأجرة مثله في غرسه وقيامه عليه، وتكون الغلة كلها لرب الأرض يرد عليه الغارس ما أخذ منها: المكيلة إن عرفت أو خرصها إن جهلت.
وهذا الاختلاف مبني على ما غرسه الغارس من الغرس هل هو على
стр. 7317
ملكه أو على ملك رب الأرض، فمن علل بأن الغرس على ملك الغارس جعله كراء فاسدا، ومن علل بأن الغرس على ملك رب الأرض جعله إجارة فاسدة وبالله التوفيق.
[: بيع الثمر قبل أن تخلق]
ومن كتاب يوصي لمكاتبه وسئل عن الرجل يعطي أرضه رجلا يغرس فيها شجرا على أنها إذا بلغت قدر كذا وكذا من قدر يسمونه فالأصل والشجر بينهما، فتطعم تلك الشجر قبل أن يبلغ ذلك القدر.
قال ابن القاسم: لا يصلح أن يتعامل على مثل هذا ولا يصلح العمل فيها إلا على تسمية قدر يكون قبل الإطعام أو إلى الإطعام وأما أن يشترط للشجر من الطول والقدر ما لا يبلغه إلا بعد إطعام الشجر فإن ذلك لا يصلح.
قلت: أرأيت إن وقع على هذا كيف العمل فيه؟ قال: وتكون الثمرة لصاحب الأرض ويعطي العامل أجر مثله فيما عمل، وليس له في الأرض قليل ولا كثير.
قال محمد بن رشد: قوله: "إن المغارسة إلى حد من الأصول يثمر الشجر دونه" لا يجوز بين؛ لأنه يدخله بيع الثمر قبل أن تخلق، لأنه باع منه نصف الأرض بغرسه النصف الآخر، وبما يغتل من جميع الغرس إلى أن يبلغ الحد الذي شرطاه، وقد مضى في رسم طلق من سماع ابن القاسم تحصيل القول فيما يجوز من الأجل في ذلك مما لا يجوز، ومضى في الرسم الذي قبل هذا من هذا السماع القول في حكم المغارسة الفاسدة إذا وقعت دون أن يكون للعامل من الأرض شيء، فلا معنى لإعادة شيء من ذلك.
стр. 7318
ونتكلم هاهنا على حكمها إذا وقعت فاسدة مع أنه قد جعل للغارس فيها جزء من الأرض كنحو هذه المسألة، فالذي يتحصل فيها لابن القاسم ثلاثة أقوال.
أحدها - أن العامل يرد إلى إجارة مثله في الجميع، ولا يكون له في الأرض شيء، فيعطي قيمة غرسه يوم وضعه في الأرض، وأجرة مثله في غرسه وقيامه عليه إلى يوم الحكم، ويرد إلى رب الأرض ما أكل من الثمرة: مكيلتها إن علمت أو قيمة خرصها إن جهلت، هذا معنى قوله في هذه الرواية وإن كان لم ينص عليها فيها، وهو مذهب سحنون، وهذا القول يأتي على تعليل من علل أن الغرس في المغارسة الفاسدة كيفما وقعت على ملك رب الأرض.
والقول الثاني - أنه بيع فاسد في نصف الأرض قد فات بالغرس، فيكون على الغارس فيه لرب الأرض قيمته يوم غرسه، وإجارة فاسدة في النصف الثاني، فيكون فيه على رب الأرض للغارس قيمته مقلوعا يوم وضعه في الأرض وأجرة مثله في غرسه وقيامه عليه إلى يوم الحكم، وقيل: إنه يكون عليه للغارس نصف قيمة الغرس قائما يوم الحكم فيه من أجل سقيه وعلاجه، وهي رواية عيسى عن ابن القاسم بعد هذا في رسم الجواب، وقيل: إنه يكون عليه للغارس قيمة نصف غرسه يوم بلغ وتم، وأجرته من يومئذ في قيامه عليه إلى يوم الحكم، وهو قول ابن حبيب في الواضحة، ويتحاسبان في ذلك فمن كان له الفضل بينهما على صاحبه رجع به عليه، والغلة بينهما في جميع ذلك على ما اشترطاه، والصحيح من ذلك ما بدأنا به من أنه يكون عليه نصف قيمة الغرس مقلوعا يوم وضعه في الأرض وأجرة مثله في غرسه وقيامه عليه إلى يوم الحكم، فالغرس على قياس هذا القول نصفه على ملك الغارس ونصفه على ملك رب الأرض.
والقول الثالث - أنه بيع فاسد أيضا في نصف الأرض قد فات بالغرس
стр. 7319
فيكون على الغارس فيه قيمة يوم فوته بالغرس، وتكون في النصف الثاني كراء فاسدا، فيكون على الغارس فيه لرب الأرض كراء مثله يوم أخذها، أو يوم وضع الغرس فيها، أو يوم أثمرت، على الاختلاف الذي قد ذكرناه في رسم استأذن، وبينا فيه معناه، ويقلع الغارس غرسه من النصف الذي لرب الأرض بعد أن تقسم إلا أن يشاء رب الأرض أن يأخذه بقيمته مقلوعا أو بقيمته قائما على قول يحيى بن يحيى المتقدم في رسم استأذن، وهو مذهب مالك في رواية المدنيين عنه، ويكون على هذا القول الغلة كلها للعامل يرد عليه رب الأرض ما أخذ منها، المكيلة إن عرفت أو خرصها إن جهلت، وهذا هو قول ابن القاسم في رواية حسين عنه، وهو يأتي على أن الغرس على ملك الغارس، وهو أظهر من القول الثاني، لأن اجتماع البيع والكراء في هذه السلعة أولى من اجتماع البيع والإجارة فيها، لأنهما يصيران كأنهما قد تمما الفساد بينهما، وبالله التوفيق.
[: باعه نصف الأرض على أن يغرس له النصف الثاني]
ومن كتاب الجواب وسألته عن رجل أعطى أرضه رجلا يغرسها على النصف، فاغترسها الرجل وأكل الثمرة نحوا من أربع سنين أو خمس سنين، وأن صاحب الأرض باع نصفه ذلك من الغارس أو غيره، ثم أراد البائع صاحب الأرض بعد ذلك أن يرجع في النصف الذي في يد الغارس الذي عمر به في الأرض وغرسه عليه.
قال ابن القاسم: ليس له أن يرجع فيه، لأن أحدهما كان حلالا حين أعطاه الأرض يغرسها له وله نصفها إذا كانا سميا للغرس شبابا أو قدرا معلوما، فإن لم يكونا سميا ذلك ولا حداه كان كبيع فاسد، لأنه باعه نصف الأرض على أن يغرس له النصف الثاني،
стр. 7320
فلما لم يسميا ولا حداه فقد باعه إياه بشيء لا يدريان ما هو، فهو بيع فاسد، وقد فاتت الأرض كلها بالغرس، والغرس فوت، فيقوم على الغارس النصف الذي صار له يوم قبضه، لأنه قد فات في يديه، والغراس فوت، ويكون للغارس على صاحب الأرض نصف قيمة الغرس؛ لأن له نصف الأرض ونصف الغرس لأن الغارس هو الذي غرسه له في نصف الأرض، ويقوم الغراس قائما على حاله يوم يحكم فيه؛ لأن له سقيا وعلاجا، وبالسقي بلغ وتم.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة قد مضى تحصيل القول فيها في الرسم الذي قبل هذا فلا وجه لإعادته.
[: الجعل على خدمة شهر]
ومن كتاب العتق قال عيسى: قلت لابن القاسم أرأيت لو قال له أستأجرك على أن تغرس في أرضي هذه كذا وكذا نخلة، فإن خرجت ونبتت فهي بيني وبينك.
قال: لا بأس به إنما هو جعل وليس بإجارة، ولو شاء أن يذهب ذهب، ولو غرسها ثم ماتت لم يكن له شيء حتى تنبت، ولو لم يكن جعلا ما جاز لأنه شرط عليه شيئا لا يدري أيتم أم لا يتم؟ ولعله أن يعمل فيه ويبطل ولا يستطيع أن يخرج عنه فيكثر تعبه ويطول عناؤه، ثم لا يخرج النخل فيكون قد ذهب عمله فيه بغير شيء أخذه، ولكنه لو استأجره على أن يغرس له في حائطه هذا كذا وكذا نخله بنصف أرضه هذه لم يكن بذلك بأس، وكانت إجارة ولم يكن له أن يخرج حتى يفرغ من غراسه، فإذا غرسها وغيبها في الأرض
стр. 7321
ثبتت له أجرته لا يبالي نبتت أو عطبت، ولو كان لا يثبت له أجر حتى تخرج وتنبت ولا يستطيع هو أن يخرج كان قد منعه هو من منفعة نفسه بما لا يدري أيتم أم لا يتم؟ ولعله لا ينبت إلا بعد سنتين أو ثلاثا، ولعلها لا تنبت أبدا فيكون قد ذهب عناؤه باطلا، فلا خير فيه إلا على ما فسرت لك.
قال محمد بن رشد: قوله أستأجرك على أن تغرس في أرضي هذه كذا وكذا نخلة، فإن خرجت ونبتت فهي بيني وبينك، معناه وما نبت منها فهو أيضا بيني وبينك بموضعه من الأرض، إذ لا يصح أن يجوز الجعل إلا على هذا، لأن من شرط جوازه أن لا يكون للجاعل فيه منفعة إلا بتمامه، لأنا لو حملنا المسألة على ظاهرها من أن المجعول له لا يجب له شيء إلا بأن يخرج النخل كلها وتنبت لوجب إذا لم تنبت كلها ونبت بعضها أن لا يكون للغارس فيما نبت حق، ويكون لرب الأرض الجاعل، وذلك ما لا يجوز باتفاق، ألا ترى أنه لا يجوز الجعل على خدمة شهر ولا خياطة ثوب من أجل أنه إن خدم بعض الشهر أو خاط بعض الثوب ثم ترك الخياطة أو الخدمة لم يجب له حق فيما خدم ولا فيما خاط فأخذ الجاعل باطلا، وذلك باطل لا يجوز، ولم يلتفت إلى لفظ الإجارة في قوله استأجرك لما شرطا فيها العمل على حكم الجعل، وهذا قوله في المدونة إنه إنما ينظر إلى الفعل لا إلى اللفظ.
وقوله في هذه المسألة إن المغارسة في الأرض على خدمتها لا تجوز إلا على وجه الجعل بأن لا يلزم المغارس التمادي على العمل ويكون له أن يخرج ويتركه متى ما أراد خلاف المشهور من أن المغارسة في الأرض على جزء منها جائزة على أنها لهما جميعا لازمة وإن كان لا يحملها الناس قياسا على المساقاة، وهذا أظهر، وإن كان فيه اعتراض لأن من شرط صحة المجاعلة أن يكون الجعل فيها معلوما، والجعل في هذه المغارسة غير معلوم، لأنه الجزء الذي شرط له من الأرض بعد غرسها كيف يكون الغرس، فالمغارسة على
стр. 7322
هذه الرواية لا تجوز إلا على وجهين أحدهما الإجارة على وجهها من لزومها لهما جميعا، والثاني الجعل على وجهه من أن لا يلزم المجعول له العمل وإن كان فيه من الاعتراض ما ذكرناه وهو الجعل بالجعل إذا كان على الجزء من الأرض بعد غرسه، إذ لا يدري كيف يكون الغرس، فهذا كله بين، والله الموفق.
[مسألة: من استأجرأجيرا فليعلمه أجره]
مسألة قلت: أرأيت لو قال له اغرس لي في أرضي هذه نخلا، ولم يسم عددها أو رمانا أو أصلا من الأصول معينا على وجه الجعل أو على وجه الإجارة قال: لا بأس بهما جميعا.
قلت له: ألا ترى أنه لا يدري كم يغرس له فيها أيقل الغرس أم يكثر؟ قال: بل ذلك عند الناس معروف غروس الأصول كلها لها قدر عند أهل المعرفة بها يغرسونها عليه أن يرد الغارس غرسه منع من ذلك وعلم أنه أراد الضرر، وإن قارب بينهما علم أنه أراد تلافها أو هلاكها، فمعرفة ذلك ثابتة عند الناس معروفة قيل لك أجرته.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال وهو مما لا اختلاف فيه أحفظه، لأن العرف المعلوم في العمل يغني عن وصفه، بدليل قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ [القصص: ٢٧] فسمى الإجارة وضرب الأجل ولم يصف الخدمة والعمل لاستغنائهما عن ذلك بالعرف والعادة وقد قال رسول الله ﷺ : «من استأجر أجيرا فليعلمه أجره» وقال «من استأجر أجيرا فليؤاجره بأجر معلوم إلى أجل معلوم» فأمر رسول الله ﷺ بتسمية الأجرة وضرب الأجل، وسكت عن وصف العمل إذ قد يستغنى عن ذلك بالعرف والعادة اللذين يقومان مقامه.
стр. 7323
[: يعطي الرجل أرضه البيضاء على أن يغرسها شجرا وتكون الثمرة بينهما يقتسمانها]
ومن كتاب الصبرة من سماع يحيى من ابن القاسم
قال يحيى: وسألت ابن القاسم عن الرجل يعطي الرجل أرضه البيضاء على أن يغرسها شجرا وتكون الثمرة بينهما يقتسمانها عند كل جناء أو يعامله فيها على ما لا يصلح مما أشبه هذا، فيعملها العامل ويثمر الشجرة ويقتسمان الثمرة زمانا على شرطهما.
فقال: أخطأا وجه الصواب في تعاملهما الذي جاءت به السنة، وذلك أن يكون للعامل نصف الأرض بما فيها من الغرس إذا تم نصفها أو ثلثها أو جزء من أجزائها على ما يقع به الشرط بينهما من هذا الوجه، فإذا تركا هذا وتعاملا بما لا يصلح منها، فلصاحب الأرض على العامل كراؤها لما مضى من السنين من يوم وضع فيها الغرس إلى يوم ينظر في أمرهما، يقوم له كراؤها نقدا على قدر ما يرى من رغبة الناس فيها عاما بعام، ثم يدفع ذلك إليه، ويكون على صاحب الأرض أن يغرم للعامل مكيلة ما أكل من الثمر إن كان أخذه يابسا، وإن كان أخذه رطبا غرم قيمته على خرصه، ثم يقال للعامل اقلع غرسك واصنع به ما بدا لك شرط أن لا يرضي صاحب الأرض أن يعطيه قيمة الشجر مقلوعا، ويكون أحق بها لأن قلعها فساد لا منفعة فيه للعامل، قلت: ولم لا يجعل الشجر لرب الأرض ويغرم العامل ما أكل من الثمرة ويعطيه أجر ما عمل في قيامه بالسقي والعلاج كله، ويكون صاحب الأرض أولى بثمرة شجر أرضه؟ فقال: لأني سمعت مالكا يقول إذا تعامل المتنازعان على ما لا يحل كان
стр. 7324
الزرع لصاحب الحب، ولم يكن لصاحب الأرض إلا كراء أرضه، والشجر والزرع عندنا سواء، ثمرة الشجرة للذي غرسها صلة من عنده، كما أن الزرع لصاحب البذر إذا تولى عمله كما تولى صاحب الشجر غرسه.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة قد مضى تحصيل القول فيها في رسم استأذن من سماع عيسى فلا وجه لإعادته، وما حكى عن مالك من أن الزرع في المزارعة الفاسدة لصاحب البذر إذا تولى عمله، هو مذهب ابن القاسم في المدونة على ما تأول عليه أبو إسحاق التونسي من أن الزرع في المزارعة الفاسدة لمن اجتمع له شيئان من ثلاثة أصول، وهي الأرض والعمل والبذر، وفي ذلك اختلاف كثير قد ذكرته في رسم أسلم من سماع عيسى من كتاب المزارعة فأغنى ذلك عن إعادته هاهنا وبالله التوفيق.
[: القليل تبع للكثير]
من سماع أصبغ من ابن القاسم
من كتابه الأقضية والأحباس قال أصبغ: وسمعت أشهب وسئل عمن يدفع أرضه إلى رجل يغرسها نخلا وسمى له سعفات معلومة وقدرا معلوما على أن الأرض والشجر بينهما فيغرسها فتموت كلها إلا ثلاث نخلات.
قال: ما نبتت فهو بينهما، وبقية الأرض لربها، قال أصبغ: وهو قول ابن القاسم فيما أعلم، وهو رأيي.
قال محمد بن رشد: لا فرق على هذا بين أن يكون الذي نبت هو الأقل أو القليل أو الأكثر أو الكثير يكون للمغارس حقه فيما نبت على كل حال، ويبطل فيما بطل ولم ينبت على كل حال، وفي سماع حسين بن عاصم
стр. 7325
عن ابن القاسم أن القليل تبع للكثير إلا أن يكون الذي نبت أو بطل له قدر وبال وإن كان الأقل فلا يكون تبعا ويثبت حقه. فيما نبت ويبطل فيما بطل، وهو قول سحنون، وهو الذي يأتي على المشهور من أن المغارسة على جزء من الأجزاء جائزة على أنها لهما جائزة، والقول الأول يأتي على القول بأن المغارسة في الأرض على جزء منها لا تجوز إلا على وجه الجعل الذي لا يلزم المجعول له فيه العمل وبالله التوفيق.
[: أعطاه الأرض يغرسها على أنها إذا بلغت قدرا معلوما كان له جزء منها]
ومن نوازل سئل عنها أصبغ بن الفرج وسئل عن رجل أعطى رجلا أرضا له ليغرسها بينهما فلما غرس بعضها أو جلها إلا أنه لم يتم العمل إلى الشرط الذي جعلاه بينهما عجز الغارس أو غاب فأدخل صاحب الأرض آخر في الغرس فعمله وقام به أو عمله صاحب الأرض بنفسه، وتم ما بقي منه، ثم قدم الأول فطلب حقه مما كان غرس فما ترى له إذا كان غائبا أو حاضرا؟ قال أصبغ: إن كان غائبا أو حاضرا حضورا لم يسلم في مثله ولم يرض فيما يرى ولم يقطع عليه برؤية التسليم أو الرضى أو الخروج منه على حقه ويعطي الذي كفاه ما كفاه به أو أتمه يأتيه به ما لم يسرف عليه بما يعمل مثله فيرد إلى الحق وإلى ما لو كان هو العامل لزمه مثله ولحقه.
قال محمد بن رشد: معنى هذه المسألة أنه أعطاه الأرض يغرسها على أنها إذا بلغت قدرا معلوما كان له جزء منها فعجز بعد ما عمل وغرس بعض الغرس، فأدخل رب الأرض مكانه من يتم عمله بأجرة استأجره عليها أو عمل هو ذلك بنفسه، فقال: إنه إذا لم يظهر تركه بما دخل فيه فهو على شرطه، ولمن أتم العمل أجرته على الذي عجز ما لم يكن سرفا فإن أسرف رب الأرض
стр. 7326
فيما استأجر به رد إلى الحق، وقول أصبغ فيها عندي خلاف لقول ابن القاسم في أول مسألة من سماع يحيى فن كتاب البضائع والوكالات في الخصام، ولقول ابن القاسم وسحنون في مسألة كتاب الجعل والإجارة في الرجل يستأجر الرجلين لحفر بئر فيمرض أحدهما ويحفرها الآخر إن الحافر متطوع، قال ابن القاسم لصاحبه وقال سحنون لصاحب البئر لأن ابن القاسم حمل الإجارة على أنها مضمونة على كل واحد منهما، وحملها سحنون على أنها معينة فانفسحت بالمرض، ولم يفرق أحد منهم في شيء من ذلك بين أن يكون لصاحب الأرض أو البئر أو الشريك عبيد أو أُجراء لا يحتاج من أجلهم على الاستئجار على ما عمل له، كما فرق في ذلك في سماع أبي زيد من كتاب الجعل والإجارة، فقيل رواية أبي زيد مفسرة للقولين، وقيل إنها قول ثالث في المسألة وهو الأظهر والله أعلم، ولو لم يطلب الأول حقه وانتبذ منه فقال: لا حاجة لي به، وطلب الذي كفاه ما كفاه به وأتمه لتخرج ذلك على الاختلاف في المغارسة على جزء من الأرض هل هي لازمة لهما قياسا على المساقاة أو لا تلزم المغارس منهما قياسا على الجعل وحملا عليه، وقد مضى ذكر الاختلاف في رسم العتق من سماع عيسى.
ولو عجز قبل أن يفوت المغارسة في الأرض مغارس رب الأرض فيها غيره لكان الأول على حقه، ويؤدي قيمة عمل الثاني للثاني أو لرب الأرض إن لم يرد الثاني أن يرجع على رب الأرض وبالله التوفيق.
[مسألة: لا يجوزلرب الأرض أن يشترط على المغارس إلا القدر اليسير]
مسألة وسئل أصبغ عن رجل أعطى رجلا أرضا على أن يضرب حولهـ جدارا أو يحفر حولها سياجا أو يزرب حولها ويغرسها، فإذا بلغ الغرس كذا وكذا لأجل حدداه بينهما فله النصف من جميع الغرس والجدار والسياج والزرب والأرض، فإنه لا يتم في موضعه ذلك إلا أن
стр. 7327
يسدوا حوله من كثرة المواشي واختلاف الناس والمضيق في موضعهم ذلك، وكيف إن كانت الأرض في موضع لا يخاف على الغرس فيه فساد ما ذكرت لك واشترط عليه السداد؟
قال أصبغ: إن كانت مؤونة يسيرة فهو جائز، وإن كانت مؤونة السياج والحائط والزرب يعظم ويكثر فلا خير فيه، وهو زيادة في المجاعلة وهو غرر أيضا لعله لا يتم من الغراس شيء فترجع الأرض بحيطانها وسياجاتها إلى ربها فيكونان قد تخاطرا، ويكفيك أن يحمل هذا على ما تحمل على المساقاة من سد الحظار وسد الشرب وما لا تعظم مؤنته ولا تكثر نفقته، فيجوز كذلك، قال مالك فيما قد علمت، وإلا لم يجز.
قال محمد بن رشد: قوله إنه لا يجوز لرب الأرض أن يشترط على المغارس إلا القدر اليسير الذي يجوز لرب الحائط أن يشترطه على المساقي في المساقاة صحيح، لأن المغارسة على جزء من الأرض مقيسة عليها حسبما قد ذكرناه في رسم طلق من سماع ابن القاسم، وهي على القول الثاني مقيسة على الجعل فلا يجوز أيضا اشتراط الزيادة الكثيرة فيه إذ لا يجوز ذلك في الجعل لأنه متى أحيل عن سنته باشتراط الزيادة فيه من أحدهما خرج عن أصله وعاد إلى الإجارة الفاسدة، وقد أجاز ابن القاسم في سماع حسين بعد هذا أن يشترط رب الأرض على العامل عمل نصيبه سنين مسماة بعد المقاسمة، وأنكر ذلك سحنون، فقوله في إنكاره صحيح على قياس قول أصبغ هذا، ولأصبغ في الواضحة مثل قول ابن القاسم هذا في سماع حسين، وزاد قال: وذلك أنه إذا غارسه على حد معروف واشترط أن يقوم له بحصته إلى أجل من السنين قد تمت المجاعلة بينهما، وصار لكل واحد نصفه يصنع فيه ما شاء، وصار لصاحب الأرض على الغارس عمل وخدمة إلى أجل معروف في نصفه الذي صار له، فجاز ذلك، واعترض عليه الفضل قوله قد تمت المجاعلة
стр. 7328
بينهما، وقال: أرأيت إن أبطل الغرس من قبل أن يبلغ النبات الذي تعاملا عليه وأبى الغارس أن يعيد غرسه أتتم المغارسة بينهما؟ واعتراضه صحيح والله الموفق.
[: أعطى رجلا أرضا يغرسها شجرا على أن الشجر بينهما نصفان]
ومن كتاب النسمة وسئل عن رجل أعطى رجلا أرضا يغرسها شجرا على أن الشجر بينهما نصفان فلما غرس وأطعم الغرس أراد صاحب الأرض إخراجه حيث عمل ما عملا عليه، هل للغارس من إجارة عمله يوم يخرج، أو قيمة غرسه؟ قال: أرى له غرم قيمة غرسه الذي جاء به على صاحب الأرض، وإجازته فيما عمل وسقى وأصلح، ويقيم له ذلك أهل البصر، ويأخذ إجارته تامة إن كان أقام في ذلك سنة أو سنتين أو أقل أو أكثر، ويكون له مع ذلك قيمة الغرس الذي غرس في أرض هذا.
قال محمد بن رشد: قوله على أن الشجر بينهما نصفان يريد الشجر دون الأرض، ولذلك حكم لها بحكم المغارسة الفاسدة، فيردهما فيها إلى حكم الإجارة، وقد مضى الاختلاف في ذلك في رسم استأذن من سماع عيسى فلا معنى لإعادته.
[: دفع أرضه إلى رجل على أن يغرسها نخلا والثمر بينهما]
من سماع أبي زيد بن أبي الغمر من ابن القاسم قال أبو زيد: قال ابن القاسم: في رجل دفع أرضه إلى رجل على أن يغرسها نخلا حتى إذا أثمرت كانت النخل والأرض بينهما قال: لا بأس به.
стр. 7329
قال محمد بن رشد: هذا مثل ما مضى في رسم طلق من سماع ابن القاسم أن المغارسة إلى الإطعام جائزة، ومثله يأتي في رسم حسين بن عاصم، وهو قول ابن حبيب في الواضحة وأحد قولي ابن المواز في كتابه، وله فيه قول آخر أن ذلك لا يجوز لأنه لا يدري متى يثمر؟ إذ قد يعجل ذلك وقد يؤخر، وبالله التوفيق.
مسألة قال: أرأيت لو دفعها إليه مبهما، فادعى أحدهما الحلال والآخر الحرام؟ قال: ينظر إلى عمل أهل ذلك البلد، فإن كان الغالب عليهم الحرام سلك بهم سبيل الحرام، إن كانت الثمرة لم تثمر أعطى العامل النخل مقلوعا إلا أن يشاء صاحب الأرض أن يعطيه قيمتها مقلوعا ولا شيء له في عمله ولا سقيه، وإن كانت أثمرت كانت الثمرة للعامل وكان لصاحب الأرض كراء أرضه يوم أثمرت النخيل، فإن كان عمل أهل ذلك البلد الحلال سلك بهم سبيل الحلال، وإن كان أهل تلك البلدة يعملون بالحلال والحرام وهذا يدعي حراما وهذا يدعي حلالا حلفا ويفسخ الأمر بينهما.
قال محمد بن رشد: تكلم في أول هذه المسألة على الفوات وفي أخرها على القيام، وبنى قوله في ذلك كله على أنه لا مزية لمدعي الحلال في دعواه على مدعي الحرام إلا أن يشهد له العرف بمنزلة مدعي الحرام، فقال في أول المسألة في الفوات: إنه إن كان الغالب في البلد الحرام يسلك بهم سبيل الحرام يريد بعد يمين مدعي الحرام على ما يشهد له به العرف من الحرام فيعطى النخل مقلوعة إلا أن يشاء رب الأرض أن يأخذها بقيمتها مقلوعة ولا كراء على العامل في الأرض إذا لم يثمر النخل إذ لم ينتفع بها وأما إن أثمرت فعميه الكراء، قال في هذه الرواية من يوم أثمرت، وقد مضى ذكر
стр. 7330
الاختلاف في ذلك وتوجيهه في رسم استأذن من سماع عيسى، وقال إنه إن كان عمل أهل البلدة الحلال سلك بهم سبيل الحلال يريد أنه يكون القول قول مدعي الحلال مع يمينه على ما يدعيه من الحلال لشهادة العرف له بذلك، ولو لم يشهد العرف لواحد منهما أو شهد لهما لوجب على قياس هذه الرواية أن يكون قول من يدعي عليه منهما أكثر مما يجب عليه على ما يقر به من الحرام والحلال.
وقال في آخر المسألة في الفوات وإن كان أهل البلد يتعاملون بالحلال والحرام حلفا وفسخ الأمر بينهما، وتحصيل القول في اختلافهما في الحلال والحرام أن اختلافهما في ذلك لا يخلو من أن يكون قبل الفوات أو بعد الفوات، فإن كان قبل الفوات فعلى القول بأنه لا يراعي دعوى الإشباه مع القيام، يتحالفان ويتفاسخان، هذا نص قولهم والذي يوجبه النظر أن يحلف مدعي الحرام وينفسخ البيع، وإن نكل عن اليمين حلف مدعي الحلال وثبت البيع إذ لا معنى لحلف مدعي الصحة إلا بعد نكول مدعي الفساد، لأنه إذا حلف انتقض البيع على كل حال حلف مدعي الصحة أو نكل عن اليمين، فلا معنى ليمينه إلا إذا نكل مدعي الفساد.
وأما على القول بأنه يراعي دعوى الإشباه مع القيام، فيكون على هذه الرواية التي لم ير فيها لمدعي الحلال مزية في دعواه على مدعي الحرام القول قول من يشهد له العرف منهما دون صاحبه، فإن شهد العرف لهما أو لم يشهد لواحد منهما حلفا وفسخ الأمر بينهما، هذا نص قوله.
وقد مضى أن الذي يوجبه النظر أن يبدأ بيمين مدعي الحرام، إذ لا معنى ليمين مدعي الصحة إلا إذا نكل مدعي الفساد، وأما على المشهور في المذهب من أن لمدعي الحلال مزية في دعواه على مدعي الحرام فيكون القول قول من يدعي الحلال منهما إلا أن يشهد العرف لمدعي الحرام دونه.
وأما إن كان اختلافهما في ذلك بعد الفوات فلا اختلاف في مراعاة
стр. 7331
دعوى الإشباه في ذلك، فيكون على المشهور في المذهب من أن لمدعي الحلال مزية في دعواه على من يدعي الحرام، القول قول من يدعي الصحة إلا أن يشهد العرف لمدعي الفساد دونه، وبكون على رواية أبي زيد الذي لم ير فيها لمدعي الحلال مزية في دعواه على مدعي الحرام القول قول من شهد له العرف منهما دون صاحبه، فإن شهد العرف لهما أو لم يشهد لواحد منهما كان القول قول من يدعي منهما أكثر مما يلزمه على ما يدعي من الحرام أو الحلال، وبالله التوفيق.
[: يدفع أرضه إلى لرجل ليغرسها على انها بينهما نصفين]
ومن سماع حسين بن عاصم من ابن القاسم قال حسين: قلت لابن القاسم أرأيت الرجل يدفع أرضه إلى الرجل ليغرسها أصولا معروفة على أن الشجر والأرض بينهما بنصفين؟ قال: قال مالك: لا بأس بذلك إذا سميا للشجر قدرا معلوما أو شبابا معروفا ينتهي إليه. قال: قلت لابن القاسم ما هذا الشباب الذي وصفه مالك لكم؟ قال: حد الشجر في ارتفاعها حتى تكون تزيد قدرا معلوما كالقامة والبسطة ونصف القامة وما أشبه ذلك في سعفات تلقيها الشجر معروفة أيضا، قال: فقلت له أيجوز هذا إذا كانت الشجرة تثمر قبل بلوغها لهذا الشباب والقدر الذي وصفت لك؟. قال: لا يجوز ذلك وتفسخ معاملتهما.
قلت له: لم فسخت ذلك بينهما؟ قال من قبل: إن العامل تكون له الثمرة التي تثمر تلك النخل إلى أن تبلغ الشباب والقدر الذي سمياه بينهما ثم يكون نصف تلك الشجر بأرضها للعامل مع
стр. 7332
الثمرة كلها التي كانت قبل ذلك، فصار أجيرا بثمرة لم يبد صلاحها وبنصف هذه الأرض بما ينبت فيها، فلا يجوز.
قلت: فإن سميا عدة سنين يعملها العامل يغرسها ثم يكون بعد ذلك بنصفين؟ فقال: لا بأس بذلك إذا كانت أرضا مأمونة قد عرفها الناس لأنها لا يخفى أمرها ونبات شجرها، وذلك إذا كانت السنون لا تتم الشجر قبلها، فإن أثمرت قبل الأجل لم يصلح، لأنه لا يدخله ما وصفت لك من بيع الثمرة قبل أن يبدو صلاحه إذا كان به أجيرا وبنصف الشجر إلى هذا الأجل.
قلت: فإن اشترط إلى أن تثمر؟ قال: لا بأس بذلك.
قلت: لم والإثمار مختلف؟ منه ما يتعجل فيقل عمل العامل فيه فيغبن رب الأرض وقد ظن رب الأرض أنه سيبطأ عمله ويكثر عمل الناس فيه، ومنه ما يبطأ فيظن العامل أنه سيتم معجلا ويقل عمله فيه، فإن كان إثماره قريبا غبن العامل رب الأرض، وإن كان إثماره بطيئا غبن رب الأرض العامل.
فقال الإثمار معروف قدره، وإنما يختلف منه الشيء اليسير فلا يحمل الناس على الخاص وإنما يحملون على العام.
قال محمد بن رشد: أما إجازته المغارسة على جزء من الأرض إلى قدر من الشجر دون الإطعام فلا اختلاف في جواز ذلك، وكذلك منعه من جوازها إلى حد يكون الإطعام دونه أو إلى أجل يكون الإطعام دونه فلا اختلاف أيضا فيه.
وأما إجازته إياها إلى أجل لا يكون الإطعام دونه فهو خلاف ما يأتي له في هذا السماع بعد هذا وجواز ذلك هاهنا على القول بلزوم
стр. 7333
المغارسة قياسا على المساقاة، والمنع من ذلك على ما يأتي له على القول بأن المغارسة على جزء من الأرض لا يجوز إلا على وجه الجعل الذي لا يلزم المجعول له فيه العمل ولا يجوز فيه الأجل، ويكون له الخروج متى شاء على ما قد مضى القول فيه في رسم العتق من سماع عيسى.
وأما إجازته إياها إلى الإثمار فهو المشهور في المذهب قد مضى مثله في رسم طلق من سماع ابن القاسم، وإليه ذهب ابن حبيب في الواضحة، ومثله في كتاب ابن المواز، وله في موضع آخر أن ذلك لا يجوز إذ قد يتأخر الإثمار ويتعجل، فهو غرر.
[مسألة: يدفع أرضه إلى الرجل ليغرسها فأثمر بعضها وبقي بعض]
مسألة قلت فإن أثمر بعضها وبقي بعض؟ قال إذا أثمر الجل منها وبقي الشيء التافه كان تبعا لما أثمر منها، ويكون العامل على شرطه، قلت: فإن أخذها على شباب وحد معروف ينتهي إليه فغرسها مات بعضها وحيي بعضها؟ فقال: إن كان الذي حيي منها ونبت جلها وأكثرها فالأرض وما فيها بينهما، ولا يضره ما مات منها، وإن كان الذي مات جلها أو أكثرها لم يكن له فيما نبت من ذلك الشيء اليسير شيء، لأنه ليس وجه ما عامله عليه، قال: قلت وما باله إذا كان الذي نبت منها الشيء الذي له بال وقدر في الأصول من الغرس، وإن لم يكن جلها ولا أكثرها لا يكون العامل فيما نبت من ذلك على شرطه؟ فقال: نعم، أراه فيما نبت مما وصفت على شرطه ولا يكون له فيما لم ينبت قليل ولا كثير، قال سحنون: لا يكون للعامل قليل ولا كثير إذا كان الذي نبت منه الشيء اليسير لا مما نبت ولا مما لم ينبت، قال سحنون: وأصل قولنا في المغارسة إذا كان الذي نبت منها جلها وأكثرها وحسن منها
стр. 7334
الشيء اليسير فجميع الأصل والأرض بينهما ما حسن منها وما لم يحسن، وإذا كان الذي نبت إنما هو الشيء اليسير وحسن منها جلها وأكثرها فلا يكون للعامل منه قليل ولا كثير، لا مما نبت ولا مما لم ينبت، فكما يكون للعامل نصف الجميع إذا كان الذي حسن منها الشيء اليسير ما حسن منها وما لم يحسن، فكذلك لا يكون له قليل ولا كثير إذا كان الذي نبت منها اليسير وحسن أكثرها لا مما نبت ولا مما لم ينبت.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة قد مضى القول عليها مستوفى في سماع أصبغ فلا معنى لإعادته، والله الموفق.
[مسألة: المغارسة على جزء من الأرض دون أن يسميا شبابا ولا حدا]
مسألة قلت فإن أخذها العامل على أن يغرسها على النصف ولم يسميا شبابا ولا قدرا موصوفا ينتهي إليه أو أخذها إلى أجل تكون الثمرة دونه ولا تكون الثمرة أو لا تكون الثمرة دونه ففسخت أمرهما ومعاملتهما، وقد نبت الغرس؟ فقال لي أرى أن يقسم الغرس بينهما نصفين، ثم يكون النصف للعامل بقيمته يوم قبض الأرض براحا لا غرس فيها بتفويته إياها بالغرس، لأنه مبتاع لذلك النصف بعمله في نصف الأرض إلا ما لا أمد له ولا وقت، فصار بمنزلة من ابتاع أرضا بثمن مفسوخ يفوتها بغرس أو بناء، فإنها تقوم عليه بقيمتها يوم ابتاعها بلا غرس فيها ولا بناء، فيعطي تلك القيمة البائع وتكون الأرض للمبتاع لتفويته إياها، فهذا يدلك على ما وصفت لك ومما يدلك على ذلك أيضا لو أن رجلا أعطى رجلا أرضا في إبان القليب ليفلحها ويثنيها ويزرعها فقبلها وثناها وزرعها في إبان الزرع على أن تكون الزريعة منهما والأرض غير مأمونة ويكون الزرع بينهما نصفين فإنه يفسخ عليهما إذا لم تكن
стр. 7335
مأمونة لأنه أجير في نصف الأرض بالنصف الذي أخذ، وهو لا يدري أيتم له الزرع فيها إن مطرت السماء أو لا يتم له إن قحطت السماء، فإذا فسخت عملهما قسمت الأرض بينهما نصفين فيكون للعامل نصف تلك الأرض تلك السنة إن رويت الأرض في إبان الزرع بكراء مثلها؛ لأن الحرث فيها فوت كما كان الغراس فوتا هنالك، ويكون للعامل على رب الأرض قيمة عمل مثله في قليبه وحرثه عطشت الأرض أو رويت، فهذا يدلك على مسألتك أيضا.
قيل: فإن أثمرت الشجر وقد اغتلاها زمانا؟ قال: يكون ما اغتل للعامل من نصفه الذي ضمنه يوم فوته بالغرس له، ولا كراء عليه فيه، ويكون عليه الكراء في سهم شريكه من يوم اغتله، وتكون له ثمرة ذلك النصف على رب الأرض يرجع بها عليه منذ يوم اغتلها، لأنه إنما دفع إليه أرضا فصار الذي أخذ منها من الثمرة من كراء أرضه فدخل في ذلك كراء الأرض بالثمرة، ففسخ ذلك وردت الثمرة إلى من أخذت منه، وصار على أخذها كراء نصف الغرس براحا لا غرس فيها منذ يوم اغتلها وهو العامل، قال سحنون: لا تكون له الغلة وجميع الغلة لصاحب الأرض يردها عليه العامل، ويكون على صاحب الأرض قيمة غرسه إن كانت له قيمة وأجرة عمل مثله، قال سحنون: لو أني جعلت له الثمرة لكان بيعا للثمرة قبل أن يبدو صلاحها.
قال محمد بن رشد: أما حكمه بفساد المغارسة على جزء من الأرض دون أن يسميا شبابا ولا حدا ينتهي إليه المغارسة فهو المشهور في المذهب، وأجاز ذلك ابن حبيب وجعل حدها الإطعام.
وأما حكمه بفسادها إلى أجل لا يكون الإطعام دونه فهو خلاف ما تقدم
стр. 7336
في هذا السماع، وقد مضى القول هنالك على ما يتخرج عليه كل قول منها على الأصول، وقوله في مسألة البيع الفاسد الذي نظر بها إن القيمة تكون في ذلك يوم ابتاعها، معناه إن كان البيع والقبض في وقت واحد؛ لأن القيمة لا تجب في البيع الفاسد إلا يوم القبض لا يوم البيع هذا اختلاف، ومسألة القليب الذي استدل بها على ما ذهب إليه من أنه بيع فاسد في نصف الأرض مسألة صحيحة إلا أنها لا حجة فيها إذ لا يلزم فيها على قياس القول بأنه يلزم المغارس قيمة نصف الأرض يوم فوتها بالغرس والكراء في النصف الثاني أن يلزمه الكراء في جميع الأرض لتفويته لها بالقليب.
وقوله: "إنه يكون له الكراء في سهم شريكه من يوم اغتله" هو مثل ما تقدم في سماع أبي زيد خلاف ما في سماع يحيى وفي رسم استأذن من سماع يحيى وفي رسم استأذن من سماع عيسى، وحكى ابن زرب أنه وجد في بعض الكتب لابن القاسم أنه لا كراء عليه في نصيب صاحب الأرض؛ لأنه كأنه أباح له الغرس فيها، قال فلذلك سكت عنه في غير هذا الموضع، وقد مضى توجيه الاختلاف هناك فلا معنى لإعادته، ومضى أيضا في رسم يوصي لمكاتبه من سماع عيسى تحصيل الاختلاف في هذه المسألة فلا معنى لإعادته، وقول سحنون: إنها إجارة فاسدة في الجميع هو أحد أقوال ابن القاسم في المسألة في رسم يوصي من سماع عيسى، وبالله التوفيق.
[مسألة: الإجارة في عين الأجير]
مسألة قال: قلت: فإن أخذها على شباب معروف وحد ينتهي إليه وشرط عليه رب الأرض عمل شطره سنين مسماة بعد المقاسمة هل يجوز ذلك له أم لا؟ فقال: إن كان عمل النصف محدودا معروفا وكان مضمونا على العامل عاش أو مات فذلك جائز، وإن كان ذلك في عمل بدنه بعينه ما قام شخصه فلا خير فيه ويفسخ لأنها مخاطرة
стр. 7337
ولا يدري أيعيش العامل إلى ذلك الأجل أو يموت قبله؟ فإن مات غبن رب الأرض، فإن عاش إلى الأجل غبنه رب الأرض فتخاطرا بهذا، قال سحنون: هذا خطأ ولا يجوز هذا، وأول خطأ هذا أنه جعل وبيع شيء، فلا يجوز هذا على حال من الحال، ويصنع في هذا كما وصفت لك في أول المسألة.
قال محمد بن رشد: في الواضحة لمطرف وأصبغ مثل قول ابن القاسم، وزاد عن مطرف قال: فإن بطل الغرس بعد أن غرسه قيل لرب الأرض أعطه غرسا مثله يغرسه لك، ويقوم لك به إلى أجله، وهذا هو قول سحنون وقول أشهب في رسم البيع والصرف من سماع أصبغ من كتاب الجعل والإجارة، وإليه ذهب ابن حبيب خلاف مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك في المدونة وغيرها من أن الإجارة لا تجوز في ذلك إلا بشرط الخلف وزاد عن أصبغ أنه أجاز ذلك، لأن المغارسة قد تمت بينهما، واعترض ذلك الفضل واعتراضه صحيح، إذ لا فرق في القياس بين أن يشترط عليه في المغارسة عملا يعمله قبل الغرس أو بعده، فقول ابن القاسم في هذه الرواية وقول أصبغ في الواضحة معارض لما مضى من قول أصبغ في نوازله حسبما بيناه هناك.
ويتحصل في المسألة ثلاثة أقوال:
أحدها - أن المغارسة على هذا الشرط لا تجوز كان العمل مضمونا على العامل أو في عينه غير مضمون عليه، على حكم الإجارة في عين الأجير، وهو الذي يأتي على قياس ما تقدم من قول أصبغ في نوازله.
الثاني - أن ذلك جائز إن كان العمل مضمونا على العامل، ولا يجوز إن كان في عينه غير مضمون عليه إلا أن يشترط الخلف إن بطل الغرس.
والثالث - إن ذلك جائز في الوجهين جميعا والحكم يوجب الخلف، وأما إن اشترط العمل في بدنه ما قام شخصه، فإن مات بطل عنه الشرط ولم يجب عليه لرب الحائط شيء فلا اختلاف في أن ذلك لا يجوز، فإن وقعت المعاملة على ما لا يجوز باتفاق أو على ما لا يجوز عند من لا يجيزها على ما
стр. 7338
وقعت عليه فسخت، فإن فاتت بالعمل كان الحكم فيها على الاختلاف الذي قد مضى تحصيله في رسم يوصي لمكاتبه من سماع عيسى، وقول سحنون فيها على أصل مذهبه وأحد أقوال ابن القاسم وبالله التوفيق.
[مسألة: ذهب الغرس وبطل ورجعت الأرض براحا على حالها الأول]
مسألة قلت: أرأيت إن عامله على النصف بحال ما ذكرت لك معاملة يفسخها بينهما فاغتلاها زمانا ثم ذهب الغرس وبطل ورجعت الأرض براحا على حالها الأول؟ فقال: يكون نصفها للعامل بقيمتها يوم أخذها براحا، لأنه ساعة فوتها بالغرس ضمنها بقيمتها فلا يسقط عنه الضمان رجوعها إلى حالها الأولى، ويكون أيضا للعامل الغلة كلها، وعليه كراء نصف الأرض منذ يوم أغتلها، فلا يكون عليه في نصفها الذي قوم عليه كراء ويكون على رب الأرض للغارس في نصفه الذي ذهب أجر عمله فيها إلى أن يبلغ الشباب الذي سمياه، هلك بعد ذلك أو كان قائما، وإن فات الغرس من قبل أن يبلغ ذلك الشباب فليس للغارس أجرة في غرسه نصف الأرض وما يدلك عليه قول مالك في الرجل يستأجر حفار القبور على حفر قبر فينهدم القبر من قبل أن يفرغ الحافر منه: إن ذلك عليه حتى يحفر ويفرغ منه، وإن انهدم القبر بعد فراغه منه فهو من المستأجر، وعليه للحافر أجرته كاملة، قال: قال سحنون: تكون جميع الغلة لصاحب الأرض، ويكون للعامل منها شيء ويعطى العامل أجرة مثله بعد أن يرد جميع ما أخذه من الغلة من قبل أن الشجر لو نبتت لم أجعل له فيها ولا في الأرض شيئا، فكيف إذا لم تنبت حينئذ أخرى أن لا يكون له شيء، قال ابن القاسم ومما يدلك على ذلك أيضا قولنا فوق هذه المسألة في القليب في الأرض غير المأمونة.
стр. 7339
محمد بن رشد: قوله في هذه المسألة وتكون أيضا للعامل الغلة كلها معناه إلى يوم بلغت النخل الحد الذي اشترط إتمام المغارسة إليه، وأما فيما بعد ذلك إلى حين الحكم فتكون الغلة بينهما كما اغتلاها، ولا شيء في ذلك على واحد منهما لصاحبه، لأن العامل اغتل النصف الذي قد ضمن بالقيمة، وصاحب الأرض اغتل النصف الآخر الذي قد صار بانقضاء أمد المغارسة إليه وتولى القيام لنفسه عليه.
وقوله: "فعليه كراء النصف لرب الأرض منذ يوم اغتلها" معناه أيضا إلى يوم بلوغ النخل الحد المشترط.
فأما قوله: ويكون على رب الأرض للغارس في نصف الذي ذهب أجرة عمله فيه إلى أن يبلغ الشباب الذي سمياه هلك بعد أو كان قائما وإن مات الغارس من قبل أن يبلغ ذلك الشباب فليس للغارس أجرة في غرسه نصف رب الأرض فإنه كلام لا يستقيم رده على ما تقدم من القول، بأن الغلة كلها للعامل، وعليه كراء نصف الأرض، وإنما يصح على القول بأنه يرد في نصف رب الأرض إلى إجارة المثل فيؤديها إلى العامل وتكون غلة ذلك النصف له لا للعامل، ويرد إليه مع ذلك قيمة الغرس يوم وضعها في الأرض، فهو خروج من قول إلى قول دون واسطة، وأراه سقط من الأم شيء من الكلام.
وأما قوله: "إن الغرس إن مات من قبل أن يبلغ ذلك الشباب للغارس أجرة في غرسه نصف رب الأرض" فهو قول سحنون ومذهبه، وخلاف المعلوم من مذهب ابن القاسم في المدونة وغيرها في أن له من الأجر بقدر ما مضى من العمل، وإنما اختلف قوله في ذلك في المدونة إذا كانت الإجارة بما لا يملك من الأرض كالقبر يستأجر الرجل على حفره في المقبرة.
فإن صح هذا الكلام والاحتجاج لابن القاسم يحصل من مذهبه في ذلك ثلاثة أقوال:
أحدها - أنه لا شيء له من أجرته إلا بعد تمام العمل.
والثاني - أن له من أجرته بحساب ما عمل.
والثالث - الفرق في ذلك بين ما يملك من
стр. 7340
الأرضيين أو لا يملك، وقول سحنون على ما اختاره من أقوال ابن القاسم أنه يرد في الجميع إلى أجرة مثله.
[مسألة: يستأجران فيدعي أحدهما في مبايعة صاحب الحلال ويدعي الآخر الحرام]
مسألة قال: قلت فإن أخذها على أن يغرسها على النصف ولم يذكر الأرض ولا الثمر فاختلفا فقال العامل عاملتك على أن لي نصف الأرض، بل على أن الثمرة بيننا وحدها أو الشجر بيننا وحدها دون الأرض؟ فقال لي: إن كان للبلد سنة في معاملتهم حملوا عليها، قلت: فإن كان البلد العامل فيه على الوجهين، وهما يجريان به جميعا؟ فقال: القول في ذلك قول العامل مدعي الحلال منهما مع يمينه، ورب الأرض مدعي لأنه يدعي سببا يريد فسخ عملهما في ارتجاع الأرض، وقد قال مالك في الرجلين يستأجران فيدعي أحدهما في مبايعة صاحب الحلال ويدعي الآخر الحرام: إن القول قول مدعي الحلال منهما مع يمينه، والآخر مدعي؛ لأنه يريد فسخ ما ثبت من يبيع الحلال.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة
قد مضى القول فيها مستوفى في سماع أبي زيد فلا معنى لإعادة شيء منه.
[مسألة: ثبتت بينة على أنهما تعاملا على أن الثمرة بينهما ما قامت الشجرة]
مسألة قال: قلت: فإن ثبتت بينة على أنهما تعاملا على أن الثمرة بينهما ما قامت الشجرة فإذا ذهبت الشجرة فلا شيء للعامل في الأرض أو على أن الشجر وحدها دون البياض.
فقال: لا يجوز ذلك ويفسخ متى ما عثر عليه وترد إلى ربها ويكون عليه للعامل قيمة غرسه مقلوعا بالأرض أو يتركه يقلع غرسه إن
стр. 7341
أبى أن يعطيه قيمته، وتكون الغلة كلها للعامل ويكون عليه كراء الأرض كلها منذ يوم اغتلها، قال: قال سحنون: الغلة كلها لصاحب الأرض ويعطي للعامل أجرة مثله.
قلت: ولم جعلت للعامل قيمة عمله مقلوعا وهو إنما عمل على وجه شبهة؟ فقال: من قبل أن رب الأرض إنما أكراه أرضه بثمرة تخرج منها على أن يغرسها أصولا ما قامت الشجر، فصار كراء لا أمد له، وكراء الأرض بالثمرة أيضا، فلا بد من رد الأرض إلى صاحبها على حال ما خرجت من يديه براحا لا غرس فيها، لأنك إن لم تفعل وجعلت عليه فيها القيمة لعمل العامل أدخلت عليه ما يحجبه عن أرضه، فإن لم يقدر عليها أو كره أن يعطيها إياه وألزمته إياها صرت أن بعت منه شيئا للعامل في أجرته أو أعطيتها إياه فيها، فصار ما خرج من يديه من أرضه منفوصا حين رجع إليه محجوبا عنه حتى يعطي ما لزمته من الأجرة فهذا يبين لك ما سألت عنه، ولأنه أيضا إنما عامله على أن يعطيه في كرائها ثمرة أو أصلا ما قام الأصل، وفي المسألة الأولى إنما عامله على أن يغرس له نصف الأرض بالنصف الذي أعطاه منها، فصار أجيرا في غرس نصفه بما أعطاه من نصف أرضه.
قلت فإن ذهب الغرس ورجعت الأرض إلى حالها أولا براحا لا غرس فيها والمسألة على حالها؟
فقال: تكون الثمرة كلها للعامل، ويكون عليه كراء الأرض منذ يوم اغتلها، ولا يكون له على رب الأرض فيما هلك من الغرس قيمة ما عمل، لأنه إنما كان يعطيه قيمته مقلوعا بالأرض، فقد ذهب وبطل؛ لأنه إنما كان العمل له لا لرب الأرض، وفي المسألة الأولى
стр. 7342
إنما كان نصف الغرس الذي بطل بعد أن بلغ الشباب والقدر لرب الأرض لا للغارس، ولذلك أو جبنت للغارس قيمة عمله فيه على رب الأرض فهذا شأنه، قال سحنون: الثمرة كلها لصاحب الأرض ويعطي العامل أجرة مثله.
قال محمد بن رشد: قوله في هذه المسألة وفي المسألة الأولى إنما عامله على أن يغرس له نصف الأرض بالنصف الذي أعطاه منها يريد المسألة المتقدمة التي غارسه فيها على نصف الأرض إلى أجل تكون الثمرة دونه. فقوله فيها هاهنا فصار أجيرا في غرس نصفه بما أعطاه من نصف أرضه وقوله بعد ذلك: وفي المسألة الأولى إنما كان نصف الغرس الذي بطل بعد أن بلغ الشباب والقدر لرب الأرض لا للغارس فلذلك أوجبت للغارس قيمة عمله على رب الأرض، فهذا شأنه خلاف قوله في المسألة المتقدمة لأنه لم يجعله فيها أجيرا في نصف رب الأرض، وإنما جعله فيها مكتريا له، فأعطاه جميع الغلة، وقول سحنون على أصله في أنه يكون أجيرا في الجميع، وقد تقدم هذا المعنى في مواضع، ومضى تحصيل الاختلاف فيه في رسم يوصي لمكاتبة من سماع عيسى فلا معنى لإعادته وبالله تعالى التوفيق.
تم كتاب المزارعة والمغارسة بحمد الله تعالى وحسن عونه وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد الكريم اللهم عونك.
تم كتاب المغارسة بحمد الله تعالى
стр. 7343
[: كتاب الديات الأول] [ مسألة: أهل الذهب والورق إذا وقعت عليهم الدية كيف تغلظ]
من سماع ابن القاسم من كتاب قطع الشجر قال وسئل مالك عن أهل الذهب والورق إذا وقعت عليهم الدية مثل ما وقع على المذحجي كيف تغلظ عليهم إن غلظت؟ قال: نعم تغلظ عليهم، وإنما يعتبر ذلك بفضل ما بين أسنان المغلظة وأسنان الخطأ على أهل الإبل، ينظر إلى قيمة المغلظة كم قيمة الثلاثين حقة والثلاثين جذعة والأربعين خلفة فيعرف؟ وينظر كم قيمة أسنان دية الخطأ الأخماس، عشرين بنت مخاض وكم قيمة عشرين بنت لبون، وكم قيمة عشرين ابن لبون وكم قيمة عشرين حقة وكم قيمة عشرين جذعة، فيعرف كم قيمة ذلك كله، فينظر كم فضل ما بين القيمتين؟ قيمة الأثلاث دية الخطأ، وقيمة الأخماس دية الخطأ، فإن كان خمسا أو سدسا أو ربعا أو ما كان فيزاد على أهل الذهب والورق بقدر ما زادت قيمة التغليظ في الإبل على دية الخطأ ينظر كم هو من دية الخطأ؟ إن كان ثلثا أو ربعا أو ما كان زيد مثل ذلك، قال مالك: فأرى الجراح مثل ذلك إذا كانت شبيها بذلك أن يزاد فيها للخرمة أو فقاء العين أو قطع الرجل كان عليه خمسة عشر حقة وخمسة عشر جذعة وعشرون خلفة، فإن فعل ذلك أحد من أهل الذهب أو الورق نظر أيضا إلى فضل هذه الأسنان التي سميتها
стр. 7344
وإلى نصف قيمة دية الخطأ من الإبل فتغلظ عليه بقدر ذلك إذا صار ذلك ثلثا على أهل الإبل أو ربعا أو ما كان في القيمة، وصنع بأهل الذهب والورق مثل ذلك في الجراح والنفس، قال ابن القاسم: ليس يكون ذلك في الجراح إلا في الأب، قال سحنون: إلا الجائفة والمأمومة والمنقلة، فإن الأجنبي لا يقاد منه فكذلك الأم والأب والجد لا تغلظ عليهم الدية فيها.
قال محمد بن رشد: الديات على مذهب مالك وأصحابه ثلاث: دية الخطأ، ودية العمد إذا قبلت، ودية التغليظ في مثل ما فعل المذحجي بابنه، وهي دية شبه العمد على مذهب من يراه ويقول به، وهو قول أكثر أهل العلم ورواية العراقيين عن مالك.
فأما دية الخطأ فإنها على أهل الإبل مائة من الإبل على عاقلة القاتل سنة من رسول الله ﷺ لا اختلاف بين أحد من أهل العلم في ذلك، وتؤخذ في ثلاث سنين وقيل في أربع بخمسة عشرون بنت مخاض وعشرون بنت لبون وعشرون ابن لبون ذكرا وعشرون حقة وعشرون جذعة، وهو مذهب الشافعي وأبي حنيفة غير أن أبا حنيفة جعل مكان ابن لبون ابن مخاض، وقد ذهب جماعة من السلف منهم علي بن أبي طالب إلى أن دية الخطأ مربعة واختلفوا في أسنانها اختلافا كبيرا.
وأما دية العمد فليست بموقتة ولا بمعلومة بدليل قول الله : ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ [البقرة: ١٧٨] وشيء نكرة تقع على القليل والكثير، فإن اصطلحوا على الدية مبهمة فإنها تكون حالة في مال القاتل مائة من الإبل على أهل الإبل مربعة: خمس وعشرون بنت مخاض، وخمس وعشرون بنت لبون، وخمس وعشرون حقة وخمس عشرون جذعة، وفي كتاب ابن المواز أنهم إن
стр. 7345
اصطلحوا على دية مبهمة أو عفا بعض الأولياء فرجع الأمر إلى الدية فالدية في ذلك مثل دية الخطأ إلا أن العاقلة لا تحمل منها شيئا وهي في مال الجاني منجمة في ثلاث سنين، قال: وإنما تفترق دية الخطأ من دية العمد في أن العاقلة لا تحملها، وأما في الأسنان فلا، والأول هو المشهور في المذهب المعلوم من قول مالك وأصحابه، وذهب الشافعي إلى أن دية العمد إذا قبلت كدية شبه العمد مثلثة ثلاثون حقة وثلاثون جذعة وأربعون خلفة.
وأما الدية المغلظة في مثل ما صنع المذحجي بابنه وفي شبه العمد على مذهب من يراه من أهل العلم وهو قول مالك في رواية العراقيين فإنها على أهل الإبل مثلثة ثلاثون حقة وثلاثون جذعة وأربعون خلفة في بطونها أولادها، قيل حالة في مال القاتل غير مؤجلة، وهو مذهب ابن القاسم في المدونة وروايته عن مالك، وقد كان ابن القاسم يقول: إنها على العاقلة كهيئة دية الخطأ حكى ذلك عنه ابن حبيب، وقيل: إنها على العاقلة حالة تنجيمها وهو قول ابن الماجشون، قال: ومن تغليظها أن يطرح تنجيمها ويدل على ذلك قول عمر بن الخطاب سراقة بن جعشم المذحجي وهو غير القاتل إلا أنه رأس قومه: اعدد لي على ماء قديد عشرين ومائة من الإبل، وإلى هذا ذهب أشهب وسحنون، وقيل: إنها في ماله إن كان له مال وعلى العاقلة إن لم يكن له مال، وهو قول مطرف وإياه اختار ابن حبيب.
وأما الدية على أهل الذهب والورق فهي في الخطأ على ما قومها به عمر بن الخطاب ﵁، ألف دينار على أهل الذهب واثني عشر ألف درهم على أهل الورق، هذا مذهب مالك وجميع أصحابه.
واختلف هل تغلظ على أهل الذهب والورق دية العمد المربعة إذا قبلت بفضل ما بين أسنانها وأسنان دية الخطأ أم لا؟ وهل تغلظ أيضا عليهما الدية المثلثة في مثل ما صنع المذحجي بابنه بفضل ما بين أسنانها وأسنان دية الخطأ أم لا على ثلاثة أقوال:
أحدها - أنها لا تغلظ واحدة منهما، حكى هذا القول
стр. 7346
عبد الوهاب في المعونة.
والثاني - أنها تغلظ كل واحدة منهما، وهو الذي يأتي على ما في رسم الصبرة من سماع يحيى عن أشهب، لأنه إذا رأى التغليظ في الدية المربعة فأحرى أن يراه في الدية المثلثة.
والثالث - أنه لا يغلظ الدية المربعة وتغلظ الدية المثلثة، وهو قول ابن القاسم وروايته عن مالك، وقول ابن نافع في رسم الصبرة المذكور من سماع يحيى وهو أولى الأقوال إذ قد قيل في دية العمد إذا قبلت إنها مخمسة مؤجلة على ما في كتاب محمد.
واختلف في صفة التغليظ على ثلاثة أقوال:
أحدها - أنه ينظر إلى قيمة أسنان الدية المخمسة وإلى قيمة أسنان الدية المربعة أو المثلثة في ذلك البلد إن كان البلد بلد إبل، وإن لم يكن بلد إبل ففي أقرب بلدان الإبل إليهم قاله أصبغ في الواضحة، فما كان بين القيمتين سمي من قيمة أسنان الدية المخمسة فما كان من خمس أو ربع أو ثلث أو أقل أو أكثر أخذ ذلك الجزء من الألف المثقال أو الاثني عشر ألف درهم فزيد عليه، وهو قوله في هذه الرواية والمشهور في المذهب.
والثاني - أنه يزاد على الألف مثقال أو الاثني عشر ألف درهم ما كان بين القيمتين من العدد من غير تسمية، وهذا القول في المعنى أظهر، والأول أشهر.
والثالث أن يقوم أسنان الدية المثلثة أو أسنان الدية المربعة فتكون تلك الدية ما كانت إلا أن ينقص من الألف دينار أو اثني عشر ألف درهم فلا ينقص من ذلك شيء، وهذا القول حكاه عبد الوهاب وهو ينحو إلى مذهب الشافعي في أن الدية على أهل الذهب والورق قيمة الإبل على أسنانها وقت الحكم في كل زمن نقصت من الألف دينار أو زادت عليه، قال: لأن عمر قوم الدية ألف دينار أو اثني عشر ألف درهم فالحكم أن يقوم في كل زمن.
ولا حجة له فيما روي عن عمر بن الخطاب في ذلك، إذ قد روي أنه قوم الدية، وأنه جعل الدية، وأنه قضى في الدية، وحكم للجراح في التغليظ في الديتين جميعا المربعة والمثلثة حكم الدية الكاملة يؤخذ ذلك من الاختلاف في التغليظ وفي صفته ما ذكرناه في الدية وفي صفته ما ذكرناه في
стр. 7347
الدية الكاملة إلا الجائفة والمنقلة والمأمومة وما أشبهها من الجراح التي هي متألف فلا يقتص منها في الأجنبي فيستوي في حكم تغليظها الأب والأجنبي، فلا يغلظ على الأب إلا على القول بوجوب تغليظ دية العمد المربعة وجراحات العمد، فقول سحنون إلا الجائفة والمنقلة والمأمومة فإن الأجنبي لا يقاد منه. فكذلك الأب والأم والجد لا تغلظ عليهم فيها الدية هو على ما اختاره وأخذ به من مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك في أنه لا تغليظ على أهل الذهب والورق في دية العمد وجراحاته، والتغليظ عند ابن القاسم وأشهب وأصحابهما فيما صغر من الجراح أو كبر، وقد ذكر عن ابن القاسم أنه قال: إنما ذلك فيما يبلغ ثلث الدية فأكثر، وقول ابن القاسم ليس يكون ذلك في الجراح إلا في الأب يريد والأم، إذ لا يفرق أحد بين الأب والأم في هذا، فعلى ظاهر قوله هذا لا تغلظ الدية في جد ولا جدة خلاف قوله في المدونة إنما تغلظ في الجد يريد والجدة من قبل الأم ومن قبل الأب - والله أعلم - فلا يغلظ على مذهبه في المدونة في الجد للأم ولا في الجدة أم أب الأم والأم أب الأب، وهو قول أشهب، وذهب ابن الماجشون إلى أن الدية تغلظ في الأجداد والجدات كلهم من قبل الأب ومن قبل الأم وهو قول سحنون في نوازله من كتاب الأقضية إن الدية تكون له في ولده وولد ولده، والتغليظ يلزمه في ولده وولد ولده من الرجال والنساء، وقد روى عن ابن القاسم مثل قول ابن الماجشون، وروى عنه أنه توقف في الجد للأم.
والتغليظ تابع للقصاص فمن تغلظ الدية فيهم كلهم فلا يقتص من واحد منهم ألا أن يعمد لقتله مثل أن يضطجعه فيذبحه أو يأخذ سكينا فيقطع يده أو يفقأ عينه، ومن يرى أن لا تغلظ الدية على الجد للأم أو الجدة أم أب الأب أو أم أب الأم فهو يرى القصاص منهم في العمد الذي يشبه العمد وإن لم يعمد للقتل، إذ لا اختلاف في أنه لا يقتص من واحد منهم فيما هو من شبه العمد مثل أن يضربه بعصا فيموت من ذلك، أو بسوط فيفقأ عينه وما أشبه ذلك.
стр. 7348
فالديات عند مالك ثلاث مخمسة ومربعة ومثلثة، وعلى ما في كتاب ابن المواز اثنتان مخمسة في الخطأ وفي العمد إذا قبلت الدية مبهمة، ومثلثة في مثل ما فعل المذحجي، وعند الشافعي اثنان مخمسة في دية الخطأ ومثلثة في العمد إذا قبلت وفي شبه العمد، وعند أبي حنيفة اثنتان مخمسة في دية الخطأ ومربعة في شبه العمد وفي العمد إذا قبلت الدية فيه مبهمة، وهذا كله لا مدخل للرأي والقياس في شيء منه، وكل يدعي التوقيف فيما ذهب إليه من ذلك.
ولا يؤخذ في الدية عند مالك وجل أهل العلم إلا الإبل والدنانير والدراهم. وقد روى عن النبي ﵇ أنه وضع الدية على الناس في أموالهم ما كانت؟ على أهل الإبل مائة بعير، وعلى أهل الشاء ألفي شاة، وعلى أهل البقر مائتي بقرة، وعلى أهل الإبل مائتي حلة، وهو قول عطاء وقتادة وروى ذلك أيضا عن عمر بن الخطاب، وبالله التوفيق.
[مسألة: الأب إذا قتل ابنه خطأ مع رجلين معه هل ترى له من الدية شيئا]
مسألة وسئل مالك عن الأب إذا قتل ابنه خطأ مع رجلين معه هل ترى له من الدية شيئا؟ وكيف إن كان الابن لم يهلك ساعة أصابوه عاش شيئا من النهار ثم هلك وقامت البينة على ذلك وترك ابنه من الورثة أمه وأختيه وعصبته إن لم يرث الأب.
قال مالك: أرى أن يحلف ورثته خمسين يمينا لمات من ذلك ثم تكون الدية عليهم على عاقلة الأب الثلث وعلى عاقلتي الرجلين
стр. 7349
ثلثا الثلث على عاقلة كل واحد منهما ثلث الدية، وأرى للأم السدس من الدية كلها وأرى للعصبة والأختين ما على عاقلة الأب بعد سدس الأم وبعد أن يحلفوا، وأرى من الدية للأب ثلثي الدية التي وقعت على عاقلتي الرجلين اللذين شركاه في القتل بعد سدس الأم، وبعد أن يحلف الأب لمات من ذلك، فإن الله تعالى يقول: ﴿وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: ٩٢] فأبوه من أهله، وأرى إذا لم يأت أهل الميراث جملة أهل الثلث وأهل الثلثين يحلف أهل الثلث الأختان والعصبة خمسين يمينا وأخذوا، ثم جاء الأب بعد ذلك فأرى أيضا أن يحلف خمسين يمينا فيكون سهمان الدية ستة وثلاثون سهما، للأم من ذلك سدس الثلثين اللذين يصيران للأب وهو أربعة أسهم وسدس الثلث أيضا الذي يصير للأختين والعصبة، وهما سهمان فذلك ستة أسهم من ستة وثلاثين للأختين ثلثا الثلث وهو ثمانية وللعصبة ما بقي وهما سهمان وللأب عشرون سهما وهو ما بقي من الثلثين بعد سدس الأم.
ورأيت أن لا يجمع على الأب أمران: مصيبة ابنه، وحرمان عقل ابنه يكون على عاقلة قومه يخرجونها إلى أهله قال الله تعالى: ﴿وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: ٩٢] فأبوه وورثته من أهله، ولأن ذلك من الخطأ الذي لا شك فيه.
ولو ولي الأب قتله وحده لم يكن له من ديته شيء، قال ولو أنهم قتلوه عمدا قتلتهم به بثلاثتهم الأب والرجلين إذا عمد الأب للقتل متعمدا لذلك قتل به، وأما إذا كان من الضرب والرمية وأشباه
стр. 7350
ذلك فإنه لا يقاد منه، وإذا كان مثل ذلك من الناس يرمي الرجلُ الرجل بحجر أو بعصا أو يضربه بذلك فيموت من ذلك فعليه القود ليس حال الأب في هذا كحال غيره.
وتكون الأيمان عليهم على قدر مواريثهم، فمن كان عليه كسر جبرها، قال مالك: وإن علم أنه هلك منه حين وقعت عليه الخشبة لم يتكلم في غمرته حتى هلك لم يكن في ذلك قسامة، قال ابن القاسم: ويحلف الأب على الرجلين لمات ابنه مما صنعا به، ويحلف العصبة والأختان لمات مما فعل الأب، وتحلف الأم أنه مات من فعلهم كلهم.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة جيدة صحيحة جارية على الأصول إلا أن في سياقتها إشكالا يفتقر إلى بسط وبيان، وهو أن دية الخطأ موروثة عن المقتول يرثها ورثته وبستحقونها على عاقلة القاتل بقسامتهم على قدر مواريثهم مع شاهد على القتل أو شاهدين على الجرح إذا حيي بعد ذلك حياة بينة، فإن كان القاتل من الورثة لم يرث منها ولا أقسم فيها، لأن القاتل الخطأ لا ميراث له من لدية، فإذا قتل الرجل ابنه خطأ مع رجلين سواه فلا ميراث له في ثلث ديته الواجبة على عاقلته بما شاركه في قتله، وله ميراثه في ثلثي الدية الواجبة على عاقلتي الرجلين المشاركين له في قتله، فثلث الدية الواجبة على عاقلة الأب ميراث لأمه ولأخته ولعصبته، لأمه السدس، ولأخته الثلث، ولعصبته النصف بعد أن يقسموا خمسين يمينا لمات من الجرح الذي أصابه به الأب تكون على العصبة منها خمسة وعشرون يمينا لأن لهم نصف الميراث، وعلى الأم ثمانية أيمان، وعلى الأختين ستة عشر يمينا ويجبر اليمين الباقية على أكثرهم حظا منها أو من الأيمان فإن جاءت الأختان والعصبة دون الأم لم يكن لهم أن يأخذوا حظهم من الدية إلا أن يحلفوا خمسين يمينا على ما قاله في الرواية من أن الأختين والعصبة يحلفون خمسين يمينا وثلثا
стр. 7351
الدية للذان على عاقلتي الرجلين ميراث لأبيه وأمه لأمه السدس ولأبيه الباقي بعد أن يقسما خمسين يمينا لمات من الجرح الذي أصابه به الرجلان، تكون على الأم منها سدس الأيمان، وعلى الأب الباقي منها، فتحلف الأم ثمانية أيمان ويحلف الأب إحدى وأربعين يمينا، وتجبر عليه اليمين الباقية من الخمسين فسواء جاؤوا مجتمعين أو متفرقين لا بد أن تحلف الأم مع الأب خمسين يمينا لمات مما أصابه به الرجلان، وتحلف الأم مع الأختين والعصبة خمسين يمينا لمات مما أصابه به الأب.
وما في ظاهر أول المسألة من التفرقة بين أن يجيء أهل الثلث وأهل الثلثين جميعا أو مفترقين يقضي عليه ما في آخر المسألة.
وقول ابن القاسم: إن الأب يحلف على خلاف ما يحلف عليه العصبة والأختان وقوله وتحلف الأم أنه مات من فعلهم كلهم معناه أنها تحلف مع العصبة والأختين سدس الخمسين يمينا كما يحلفون، وتحلف مع الأب سدس الخمسين يمينا أيضا كما يحلف، لأنها تحلف سدس الأيمان مرة واحدة أنه مات من فعلهم كلهم.
وقوله من كان عليه كسر جبرها الظاهر منه أن اليمين المنكسرة تجبر على من كان حظه منها أكثر وهو الذي في الديات من المدونة، وفي الموطأ رواية يحيى أنها تجبر على من كان عليه أكثر الأيمان، وفي رواية ابن القاسم وابن بكير مثل ما في المدونة، فإن استوى الورثة في الميراث فانكسرت عليهم يمين أو أيمان مثل أن يكونوا ثلاثين من الإخوة؛ فيجب على كل واحد منهم من الأيمان يمين وثلثا يمين، فقيل إنه يجبر اليمين المنكسرة على كل واحد منهم فيحلفون يمينين يمنين، وهو قول ابن القاسم، وقيل يحلفون يمينا يمينا ويقال لهم: لا بد من أن تأتوا بعشرين رجلا منكم يحلفون يمينا يمينًا، وهو قول أشهب
стр. 7352
فإن تشاحوا على قوله فيمن يحلف منهم، فقيل: إنه يقرع بينهم وقيل: إنه يقال لهم لا تعطون شيئا إلا أن تحلفوا بقية الأيمان، وهو قول ابن كنانة، وإن كان عدد العصبة أكثر من خمسين حلفوا كلهم يمينا يمينا على مذهب ابن القاسم، وعلى مذهب أشهب يقال لهم: لا بد من أن تأتوا بخمسين منكم يحلفون يمينا يمينا فإن تشاحوا في ذلك فعلى ما تقدم من الإسهام بينهم فيمن يحلف منهم، أو من أن يقال لهم لا تعطون شيئا حتى تأتوا منكم بخمسين يحلف كل واحد منهم يمينا يمينا، ولو كان الأخوة ثلاثة لحلف كل واحد منهم سبعة عشر يمينا على مذهب ابن القاسم، وعلى مذهب أشهب يحلف كل واحد منهم ستة عشر يمينا، ويقال لهم: لا بد من أن تأتوا برجلين منكم يحلفان يمينا يمينا، فإن كان الورثة زوجات وبنات وأخوات وما أشبه ذلك من أهل السهام فلا يختلف ابن القاسم وأشهب في قسم الأيمان بين الزوجات والبنات والأخوات على سهام الميراث، وإنما يختلفان فيما حصل على كل فريق منهن من الأيمان إذا قسمت عليهن على ما تقدم من الاختلاف في قسمة الأيمان بين الإخوة وبالله التوفيق.
[مسألة: عبيد وأحرار وقعت عليهم الدية خطأ]
مسألة وسئل مالك عن عبيد وأحرار وقعت عليهم الدية خطأ فكان ما على العبيد من ذلك الثلثين وكان على الأحرار الثلث أو أدنى كيف الأمر في ذلك؟.
فقال: يقال لأرباب العبيد افتدروا عبيدكم بما يقع عليهم من الدية في ثلاث سنين أو أسلموهم فأي ذلك شاءوا فعلوا، قال سحنون: ويكون الثلث الذي وقع على الأحرار على عواقلهم في ثلاث سنين، وإن كان الذي وقع عليهم أقل من ثلث الدية فهو على العاقلة في ثلاث سنين، قال ابن القاسم: وإذا كانوا ثلاثة أو أكثر
стр. 7353
فوقع عليهم ثلاثتهم ثلث الدية فيصير على كل إنسان ثلث الثلث من الدية وهو تسع الدية، فذلك تحمله العاقلة، قال: ولم يكن الأحرار إلا واحدا فوقع عليهم أكثر من الثلث أو أقل فهو على العاقلة في ثلاث سنين، وكان على العبيد ما بقي منها، يقال لأربابهم افتدوهم بما يقع عليهم من الدية في ثلاث سنين أو أسلموهم أي ذلك شاءوا فعلوا.
ويقسم ما يقع على العبيد على عددهم ولا يكون ذلك على قيمتهم فمن شاء من أرباب العبيد أن يفدي عبده بما يقع عليه من الدية وإن كانت قيمته أكثر مما وقع عليه فذلك له، ومن شاء منهم أن يسلمه بما وقع عليه وإن كانت قيمته أقل مما يقع عليه فذلك له.
قال محمد بن رشد: قول ابن القاسم في هذه الرواية إن ما وقع على الأحرار من ثلث الدية فأكثر يكون على عواقلهم وإن كان أقل من الثلث هو خلاف روايته عن مالك مثل رواية أشهب عنه، حكى اختلاف قوله في ذلك ابن المواز، قال إن وقع على الأحرار أقل من ثلث الدية فذلك في أموالهم، قاله مالك مرة وروى عنه أن ذلك على العاقلة في ثلاث سنين، وبه قال سحنون، قال يحيى بن عمر: والأول رواية ابن القاسم والقولة الأخيرة رواها أشهب.
ولكلا القولين وجه من النظر، فوجه القول بأن ذلك على العاقلة القياس على ما أجمعوا عليه من أن الدية إذا وجبت على جماعة من الأحرار أنها على عواقلهم، وإن كان الذي يجب على كل واحد منهم أقل من ثلثها، ووجه القول بأن ذلك في أموالهم هو أن الأصل كان أن لا يحمل أحد جناية أحد لقوله : ﴿وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلا عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤] .
стр. 7354
وقوله ﵇ لأبي رمثة في ابنه: «لا تجني عليه ولا يجني عليك» فوجب أن لا يخصص من هذا العموم إلا ما خصصته السنة والإجماع، وهو الثلث من الدية فأكثر إذا وقع على الواحد من الأحرار أو الجماعة منهم لأنهم في معنى الواحد لاستوائهم فيما يجب عليهم في ذلك.
وقوله ما وقع على العبيد منها يكون أربابهم بالخيار بين أن يفتدوهم بذلك في ثلاث سنين أو يسلموهم به هو خلاف روايته عن مالك في المدونة في الحر والعبد يصطدمان فيموتان جميعا إن ثمن العبد في مال الحر، ودية الحر في رقبة العبد، فإن كان في ثمن العبد فضل عن دية الحر كان في مال الحر وإلا لم يكن لسيد العبد شيء، والذي يأتي في الحر والعبد يصطدمان على قول ابن القاسم في هذه الرواية ما قاله أصبغ في أول نوازله بعد هذا من هذا الكتاب أنه يكون في مال الحر قيمة العبد تدفع إلى سيده ثم يقال لسيد العبد افتك قيمته بدية الحر أو أَسْلِمْها، فإن أسلمها لم يكن لولاة الحر غيرها، وإن افتداها افتداها بجميع الدية، معناه في ثلاث سنين، إذ لو لم تكن مؤجلة لوجب أن يكون مقاصة بالقيمة كما قال في المدونة، والأظهر أن يكون مؤجلة على ما قاله في هذه الرواية، لأن ثمن المقتول خطأ دية مؤجلة فوجب أن لا يلزم السيد أكثر مما جنى عبده.
[: تعرض عليهم الأيمان في القسامة فينكلون ثم يطلبون بعد ويقولون نحن نحلف]
ومن كتاب القبلة وقال مالك في الذين تعرض عليهم الأيمان في القسامة فينكلون ثم يطلبون بعد ويقولون نحن نحلف.
стр. 7355
قال: كل من عرضت عليه اليمين: فأباها فقد أبطل حقه بتركه اليمين إلا أن يكون له في تركها عذر بين، قال سحنون: يريد بالعذر مثل أن يزعموا أن الميت عليه دين أو يكون أوصى بوصايا.
قال محمد بن رشد: لما سئل مالك عن الذين تعرض عليهم الأيمان في القسامة فينكلون ثم يطلبون بعد ويقولون نحن نحلف أجاب عن ذلك بجواب عام في الحقوق والدماء أن كل من عرضت عليه اليمين فأباها فقد أبطل حقه بترك اليمين إلا أن يكون له في تركها عذر بين ففسر سحنون العذر الذي يكون له في الحقوق فقال: يريد بالعذر مثل أن يزعموا أن الميت عليه دين أو يكون أوصى بوصايا، وقول سحنون بين لأنه إذا أبى أن يحلف مع شاهده على حق يدعيه على الميت من أجل أنه قيل له إنه أوصى لغيره بوصايا ثم علم أنه ليس على الميت دين ولا أوصى به بوصايا فمن حقه أن يرجع إلى اليمين، لأنه يقول: إنما نكلت عنها من أجل محاصة الغرماء لي في الدين أو من أجل محاصة أصحاب الوصايا لي في الوصية، وأما العذر الذي يكون لهم في نكولهم عن القسامة فعلى غير هذا لأن الدم إذا كان خطأ فإنما يستوجب الورثة بقسامتهم الدية على العاقلة، وإن كان عمدا فإنما يستوجب الأولياء بقسامتهم الاستقادة من المقتول.
وقوله: إن لهم أن يرجعوا إلى القسامة إن كان لهم عذر يتبين به أن نكولهم عن القسامة لم يكن على وجه العفو في العمد ولا على ترك حقهم من الدية الخطأ؛ ينبغي أن يحمل على التفسير لما في كتاب الديات من المدونة.
ولابن نافع في المدنية ما ظاهره أن من نكل عن اليمين فله أن يرجع إليها ما لم يرد اليمين على المطلوب، ويلزم في القسامة مثل هذا على ظاهر قوله، ولا اختلاف إذا نكل عن اليمين مع شاهده، وردها على المطلوب أو نكل المطلوب عن اليمين إذا لم يكن للطالب شاهد فردها على الطالب أن ليس لواحد منهما أن يرجع إلى اليمين، ومثل هذا يقال في المقاسمة إنهم إذا
следующие страницы →