Полный текст (9 112 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.
стр. 736
معاوية قد عذبه عذابا شديدا، ثم قيل له: غدا يفعل بك كذا وكذا، فخافه، فأخذ سكينا فذبح بها نفسه؛ أفترى أن يصلى عليه؟ فقال: نعم، وما سمعت أن أحدا ممن يصلي القبلة ينهى عن الصلاة عليه؛ ولقد قال عمر للنبي ﵇ حين مات ذلك المنافق، لا تصل عليه يا رسول الله، فأبى النبي ذلك، وصلى عليه، وفيه فيما بلغني نزلت هذه الآية: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [التوبة: ٨٤] . نزلت بعدما صلى عليه، قال مالك: أفترون أن النفاق من حين ذهب من أولئك، ذهب من الناس؟
قال محمد بن رشد: قوله في التي قتلت نفسها: إنه يصلى عليها، معناه أنها لا تترك بغير صلاة؛ لأنها ممن ترغب في الصلاة عليها؛ فقد قال ابن وهب في المعروف بشرب الخمر والشر: ما حاجتك إلى شهوده؟ دعه يصلي عليه أهله ومن أحب؛ وإنما وقع هذا السؤال لما روي من أن رسول الله ﷺ قال: «من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده في نار جهنم، يجاء بها في بطنه في نار جهنم - خالدا مخلدا فيها أبدا» . وأنه قال في التردي والسم مثل ذلك، فذهب جماعة من السلف إلى إنفاذ الوعيد عليه، والأكثر منهم يراه في المشيئة، لقوله : ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨]- الآية. وما في الحديث من تخليد في النار، ليس على ظاهره، ومعناه أنه خالد فيها مخلد أبدا - حتى يخرج منها بالشفاعة مع سائر المذنبين؛ لأن القتل لا يحبط إيمانه، ولا يبطل أعماله، فلا بد من مجازاته على ذلك، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٥] .
وهذا قول أهل السنة والحق، وقد روي عن جابر بن سمرة
стр. 737
«أن رجلا نحر نفسه بمشاقص، فلم يصل عليه النبي ﷺ » . فتعلق بذلك من ذهب إلى أنه لا يصلى على من قتل نفسه، منهم: الأوزاعي، وابن شهاب، ولا حجة لهم في ذلك؛ إذ لم ينه عن الصلاة عليه، وإنما ترك هو الصلاة عليه، إذ كان من سنته ألا يصلي على المذمومين، ويصلي عليهم غيره، كالقاتل والمديان، وشبههما، أدبا لهم وزجرا عن مثل فعلهم؛ وقال أحمد بن حنبل: لا يصلي الإمام على من قتل نفسه، ويصلي عليه الناس؛ وحكم قاتل النفس في ذلك، حكم من قتل نفسه. وقوله في الرواية: وما سمعت أن أحدا ممن يصلي القبلة ينهى عن الصلاة عليه. يروى: ينهى، وينهي، والصواب ينهى على لفظ ما لم يسم فاعله؛ وهذا يدل على أن قوله في القدرية والإباضية: لا يصلى عليهم، إنما معناه أن الصلاة تترك عليهم أدبا لهم، إذ لا يرغب في الصلاة عليهم، لا لأنهم يتركون بغير صلاة أصلا، وقد بين ذلك في كتاب ابن شعبان، فقد قال فيه: إنه لا يصلى عليهم ولا على من يذكر بالفسق والشر، وإنما يرغب في الصلاة على من يذكر فيه خير، ومما يدل على صحة رواية من روى ينهى على لفظ ما لم يسم فاعله، ما احتج به مالك من قول عمر ﵁ للنبي ﷺ في صلاته على عبد الله بن أبي سلول المنافق، وما أنزل الله من النهي عن الصلاة عليهم، إذ هم كفار معدودون في غير أهل القبلة؛ لأن صلاتهم إليها بغير نية ولا اعتقاد.
[مسألة: أتى جنازة فوجدهم قد سبقوه ببعض التكبير عليها]
مسألة قال: وسئل مالك عمن أتى جنازة فوجدهم قد سبقوه ببعض التكبير عليها، أيكبر مكانه؟ أم ينتظر حتى يكبر الإمام فيكبر بتكبيره ثم يقضي ما فاته؟ فقال: بل يكبر تكبيرة واحدة حين يجيء سرا، ثم يقف عما سبقوه به من التكبير بعد التكبيرة الواحدة التي يكبرها حين يقف سرا، تم يترك التكبير حتى يكبر الإمام، فيكبر بتكبيره، ثم يقضي
стр. 738
ما بقي عليه من الأربع تكبيرات - بعد فراغ الإمام، ولا يكبر مما فاته مع الإمام شيئا إذا جاء فوقف مع، إلا تكبيرة واحدة، ثم يقف عما بقي حتى يكبر الإمام فيكبر معه، فإذا فرغ الإمام صلى بقدر ما بقي عليه من التكبير، وإنما يكبر مع الإمام التكبيرة الأولى؛ لأن ذلك بمنزلة الصلاة المكتوبة يفوت الرجل منها ركوع ركعة أو ركعتين، ففي ذلك تكبيرة، فإن جاء لم يكبر مما سبقوه به إلا تكبيرة الإحرام قط، ولم يقض ما سبقوه به من التكبير فيما مضى من الركوع، وقد كبر التكبيرة الأولى معهم حين وقف معهم في الصلاة؛ فهذا هكذا في الجنازة إذا فاته من تكبيرها تكبيرتان أو ثلاث، ثم جاء كبر من ذلك تكبيرة واحدة، وأمسك عما بقي حتى يقضيه بعد فراغ الإمام.
قال محمد بن رشد: قياسه في هذه الرواية، ما فاته مع الإمام من التكبير على الجنازة على ما فاته من تكبير الصلاة، لا يستقيم؛ لأن تكبير الصلاة لا يجب منه إلا تكبيرة واحدة، وهي تكبيرة الإحرام، وهي لا تفوته بفواتها، مع الإمام، بل يكبرها متى ما جاء - وإن لم يدرك الإمام إلا في آخر الصلاة؛ وسائر التكبير سنة وفضيلة، فلا يجب على الرجل مع الإمام قضاء ما فاته منه، وإنما يجب عليه قضاء ما فاته من الركعات؛ ألا ترى أنه لو قضى ما فاته مع الإمام من الركعات، ونسي التكبير فيهن؛ لأجزأته صلاته ولم يكن عليه إلا سجود السهو، والأربع تكبيرات في صلاة الجنائز متساوية في الوجوب، كتساوي ركعات الصلاة في الوجوب، ويجب على من فاته منها شيء مع الإمام
стр. 739
أن يقضيه، كما يجب عليه أن يقضي ما فاته معه من ركعات الصلاة؛ فإنما الصحيح أن يقاس ما فاته مع الإمام من التكبير، على الجنازة، على ما فاته معه من ركعات الصلاة على ما ذهب إليه في المدونة، إلا أن جوابه في هذه الرواية أصح من جوابه في المدونة، وأجرى على أصله فيها؛ لأنه إذا نزل التكبيرة في صلاة الجنازة، منزلة الركعة في الصلاة في وجوب القضاء، وكان له أن يكبر مع الإمام معا، والأحسن أن يكبر بعده؛ فلا ينبغي أن يفوته التكبير بتكبير الإمام، حتى يكبر الإمام التكبيرة التي بعدها؛ فإذا جاء وقد كبر الإمام تكبيرتين، فإنما فاتته الأولى، ولم تفته الثانية فيكبرها، ويدعو إن أدرك أن يدعو - إلى أن يكبر الإمام التكبيرة الثالثة، فيكبرها معه أو بعده وهو أحسن؛ وإن جاء وقد كبر ثلاث تكبيرات، فإنما فاتته الأولى والثانية ولم تفته الثالثة، فيكبرها ثم يدعو - إن أدرك أن يدعو - إلى أن يكبر الإمام الرابعة فيكبر بتكبيره، ويقضي تكبيرتين بعد سلامه؛ وإن جاء بعد أن كبر التكبيرة الأولى قبل أن يكبر الثانية فلم تفته بعد التكبيرة التي كبر الإمام، فيكبرها ويدعو - إن أدرك أن يدعو - إلى أن يكبر الإمام التكبيرة الثانية، فيكبر بتكبيره، إذ لا يفوته التكبير بأخذه في الدعاء، ولا بتمامه منه؛ إذ لو وجب ذلك لوجب أن يفوته بأقل ما يجزئ منه في كل ركعة، وهو أن يقول: اللهم اغفر له، ولوجب إذا لم يكبر مع الإمام معا وتراخى في ذلك حتى يقول الإمام: اللهم اغفر له، أن يكون قد فاته التكبير، وهذا ما لا يصح أن يقال. فجواب مالك في هذه الرواية أصح من قياسه؛ لأنه جار على أصله في المدونة، وهو أصل صحيح، وجوابه فيها، أعني في المدونة، ليس بصحيح.
[مسألة: فاتته الصلاة على جنازة فصلى عليها في القبر]
مسألة وسئل عمن فاتته الصلاة على جنازة فسار معها حتى (إذا)
стр. 740
وضعت على قبرها، استقبل القبلة فصلى عليها، فقال: لا يفعل، وكرهه.
قال محمد بن رشد: قد تقدم القول على هذه المسألة في (أول) الرسم فلا وجه لإعادته.
[مسألة: شق النساء ثيابهن على الميت]
مسألة وسئل عن شق النساء ثيابهن على الميت، فقال: بئس ما صنع، من صنع هذا؟ قيل له: ويحترمن ويصحن بالحرب والويل، فقد غاظنا ذلك، فقال: وأنا والله ليغيظني وأكرهه ولا أراه حسنا؛ ولكن هذا أمر لا يقدر أن يغيره أحد إلا السلطان؛ قال مالك: «وكانت زينب تقول لرسول الله ﷺ : لست كأحد من نسائك؛ لأن الله زوجنيك» قال مالك: قال الله ﵎: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ [الأحزاب: ٣٧] .
قال محمد بن رشد: وهذه المسألة، قد مضت - والقول عليها في أول رسم من هذا السماع، فلا معنى لإعادته؛ وأما ما ذكر من قول زينب ﵂ فلا تعلق له بالمسألة، وإنما ذكره مالك لسبب جرى في المجلس، فذكرت الحكاية وقيدت عنه دون السبب - والله أعلم.
[مسألة: جنائز الرجال والنساء إذا اجتمعوا]
مسألة (قال) : وسألته عن جنائز الرجال والنساء إذا اجتمعوا كيف
стр. 741
يصلى عليهما؟ فقال لي: يجعل الرجال مما يلي الإمام، ويجعل النساء من ورائهم مما يلي قبلة؛ قلت له: كيف يفعل بهم؟ فقال لي: إن كانا رجلين وامرأتين، جعل الرجلان مما يلي الإمام سطرا واحدا، لا يجعل سرير أحدهما من وراء سرير صاحبه، ولكن يجعل بلصقه سطرا واحدا عرضا - هكذا - وخط بيده في الأرض من نحو يساره حتى ذهب بهما إلى يمينه، ويجعل المرأتان من ورائهما (كذلك) ؛ فإن كثروا، جعلوا صفين سطرين، أو أكثر من ذلك - على هذه الصفة؛ فقال له ابن كنانة: أرأيت إن كانا رجلين قط كيف يصلي عليهما؟ أيجعلان سطرا واحدا؟ أم يجعل أحدهما أمام صاحبه إلى القبلة؟ قال: بل يجعل أحدهما أمام صاحبه إلى القبلة، والآخر من ورائه أحب إلي؛ وإني لأرى ذلك واسعا كله - إن جعلا سطرا، أو جعل أحدهما أمام صاحبه؛ فقيل له: فأيهما ترى أن يجعل مما يلي الإمام، فإن أحدهما أفضل وأشرف؟ قال: أرى ذلك إلى الاجتهاد، قيل له: أرأيت إن كثرت جنائز الرجال كيف يصلي عليهم الإمام الذي يصلي عليهم؟ قال: يجعل أحدهم بين يديه - معترضا، ثم يجعل الآخرين معه عن يمينه وشماله - سطرا هو وسطهم؛ ثم يصلي عليهم ولا يجعل أحدهم مما يلي الإمام؛ والآخر من ورائه، ثم الآخر من ورائه.
قال محمد بن رشد: أما إذا كثرت جنائز الرجال، أو النساء، أو الرجال والنساء؛ فإنهم يجعلون سطرين، سطرين، أو أكثر من ذلك -
стр. 742
كما قال قولا واحدا؛ فإن كانت الأسطر وترا وهو الاختيار أن يكون قام الإمام في وسط الأوسط منها، وإن كانت شفعا قام فيما بين رجلي الذي عن يمينه، ورأس الذي على يساره، ويكون الأفضل منهم الذي على يمينه، ثم الذي يليه في الفضل الذي على شماله، ثم الذي يليه في الفضل الذي يلي الذي على يمينه، ثم الذي يليه في الفضل الذي يلي الذي على شماله؛ ثم ينتقل إلى الصف الذي أمامه على هذا الترتيب، ثم إلى الذي بعده على هذا - أبدا؟ وأما إذا قل عدد الجنائز فكانوا اثنين، أو ثلاثة، أو نحو ذلك؛ قال ابن حبيب: إلى ما دون العشرين، فكان مالك - أول زمانه - يرى الأحسن أن يجعل واحد أمام واحد إلى القبلة وهي رواية ابن كنانة عنه في هذه الرواية، ثم رأى ذلك كله واسعا: أن يجعلوا سطرا واحدا من الشرق إلى الغرب، أو يجعل واحد أمام واحد إلى القبلة، ولم يفضل إحدى الصورتين على الأخرى؛ وهذا الاختلاف قائم من المدونة، ويقدم إلى الإمام الذكور على - الخناثى المشكلين صغارا كانوا أو كبارا، أحرارا كانوا أو عبيدا؟ والخناثى المشكلون على النساء صغارا كانوا أو كبارا، أحرارا كانوا أو عبيدا؟ ويقدم الأحرار على العبيد - صغارا كانوا أو كبارا، فتنتهي المراتب على هذا إلى اثنتي عشرة مرتبة، أعلاها الرجال الأحرار، ثم الصبيان الأحرار، ثم الخناثى المشكلون الأحرار الكبار، ثم الخناثى المشكلون الأحرار الصغار؟ ثم العبيد الكبار، ثم العبيد الصغار، ثم العبيد الكبار الخناثى المشكلون، ثم العبيد الصغار الخناثى المشكلون، ثم النساء الأحرار، ثم الصبايا الأحرار، ثم النساء الإماء، ثم الصبايا الإماء، ويقدم من أهل كل مرتبة من هذه المراتب الأفضل، فالأفضل، ثم الأسن، فالأسن، وهذا الترتيب متفق عليه، إلا في تقديم الحر الصغير على العبد الكبير، فقد قيل: إنه يقدم العبد الكبير عليه؛ لأنه يؤم ولا يؤم الحر الصغير، وهو ظاهر ما في آخر سماع موسى بن معاوية لابن القاسم، وقول
стр. 743
مالك في المبسوطة، خلاف قوله في الواضحة، وخلاف قول أبي حازم، وخلاف ما حكى الفضل أن العتبي ذكره عن ابن القاسم.
[مسألة: صلاة عمر بن الخطاب على صهيب]
مسألة قال: وقلت له: أبلغك أن عمر بن الخطاب ﵁ صلى عليه صهيب؟ قال: لم أسمع ذلك، ولكني أظن ذلك لقول عمر بن الخطاب: يصلي بكم صهيب - ثلاثا، وهو ظني أن صهيبا صلى عليه، وذلك لقوله: يصلي بكم صهيب.
قال محمد بن رشد: قد تقدم هذا والقول فيه في رسم "الشريكين" من سماع ابن القاسم، فلا معنى لإعادته.
[مسألة: تعظيم الموت بالسكينة والكآبة عند حضور الجنازة]
مسألة قال: وقال أسيد ابن الحضير: لو كنت في حالي كلها مثلي (في ثلاث) - إذا ذكر النبي، وإذا قرأت سورة البقرة، وإذا شهدت جنازة؛ ما شهدت جنازة قط فحدثت نفسي إلا بما تقول، أو ما يقال لها حتى انصرف.
قال محمد بن رشد: هذا مما كان عليه السلف الصالح تعظيم الموت بالسكينة والكآبة - عند حضور الجنازة، حتى لقد كان الرجل يلقى الخاص من إخوانه في الجنازة له عنده عهد، فما يزيده على التسليم، ثم يعرض عنه، كأن له عليه موجدة، اشتغالا بما هو فيه من شأن الميت، فإذا خرج من الجنازة سأله عن حاله ولاطفه، وكان منه أحسن ما كان يعهد، فيكره الضحك في الجنازة، والاشتغال فيها بالحديث والخوض في شيء من أمور الدنيا.
стр. 744
[مسألة: المرأة تموت بفلاة من الأرض ومعها ابنها هل يغسلها]
مسألة (قال) : وسئل عن المرأة تموت بفلاة من الأرض ومعها ابنها أيغسلها؟ فقال: ما أحب أن يبلغ ذلك منها؛ قيل له: أفيؤممها؟ فقال: أو يصب الماء عليها من وراء الثوب، أحب إلي من أن يؤممها.
قال محمد بن رشد: اختلف في غسل الرجل ذوات محارمه إذا لم يكن ثم نساء يغسلنها على أربعة أقوال؛ أحدها: أنه لا يغسلها ويؤممها وهو قول أشهب.
والثاني: أنه يصب الماء عليها صبا ولا يباشر جسدها بيده من فوق الثوب ولا من تحته، وهو قول مالك في رواية أشهب هذه.
والثالثة: أنه يغسلها من فوق الثوب، فلا يفضي بيده إلى جسدها، وهو قول مالك في المدونة.
والرابع: قول ابن حبيب: إنه يغسلها - وعليها ثوب يصب الماء فيما بينها وبينه، لئلا يلصق بجسدها فيصف بابتلاله عورتها، وظاهره أنه يفضي بيده في غسله إياها إلى جسدها، ومعنى ذلك - عندي - فيما (عدا ما) بين السرة إلى الركبة، فإنه لا يفضي بيده إلى ذلك منها دون أن يجعل عليه خرقة، إلا أن يضطر إلى ذلك - كما يفعله الرجل بفرج الرجل، إذا غسله؛ إذ لا يختلف في أن الفخذ والسرة من المرأة عورة، ولا يحل أن ينظر إليه من عدا المرأة ممن لا يحل له الفرج باتفاق؛ وتنظر إليه المرأة على القول بأن الفخذ ليس بعورة، وكذلك يختلف أيضا في غسل المرأة ذوي محارمها من الرجال - إذا لم يكن ثم رجال يغسلونه؛ فقال أشهب: إنها تؤممه ولا تغسله.
وقال في المدونة: إنها تغسله، ولم يشترط من فوق الثوب، وقال ابن القاسم في سماع موسى بن معاوية: أنها تغسله من فوق الثوب، كما قال في المدونة في غسل الرجل ذات محرمه، والأظهر ألا يغسل الرجل ذوات محارمه؛ لقوله ﵊ في
стр. 745
أمه استأذن عليها، أتحب أن تراها عريانة - وأن يغسلنه؛ لأن المرأة في نظرها إلى ذوي محارمها من الرجال، كالرجل في نظره إلى الرجل، فهذا تحصيل الاختلاف في هذه المسألة.
[مسألة: النصراني يموت وله ابن مسلم أيغسله ويكفنه]
مسألة وسئل: عن النصراني يموت وله ابن مسلم، أيغسله ويكفنه ويشهد جنازته؟ فقال: يغسله إلى النار، أهل دينه أولى بذلك، وما يعجبني أن يفعل ذلك؟ قيل له: فيمشي معه؟ قال: يمشي معه - يقول: لا يضيع.
قال محمد بن رشد: وقع في بعض الروايات يقول: لا يضيع، وفي بعضها يقول: لا يصنع، والروايتان صحيحتان، إن لم يخش عليه الضيعة فلا يمشي معه، وإن خشي عليه الضيعة مشى معه - معتزلا عن الحاملين له من أهل دينه، وقد مضى تمام القول في هذه المسألة في رسم "حلف بطلاق امرأته" من سماع ابن القاسم.
[مسألة: أيحمل الرجل الجنازة وينصرف ولا يصلي عليها]
مسألة (قال) : وسألته أيحمل الرجل الجنازة وينصرف ولا يصلي عليها؟ فقال: لا بأس بذلك.
قال محمد بن رشد: قد مضى القول في هذه المسألة في رسم "القبلة"، ورسم شك في طوافه من سماع ابن القاسم - موعبا فلا وجه لإعادته.
стр. 746
[مسألة: الذي يصلي على الجنازة أيرفع يديه مع كل تكبيرة]
مسألة وسئل: عن الذي يصلي على الجنازة أيرفع يديه مع كل تكبيرة؟ فقال: ما سمعت في هذا بشيء لازم للناس، وذلك حسن واسع كله أن يرفع يديه مع كل تكبيرة، وأن يرفع يديه في التكبيرة الأولى.
قال محمد بن رشد: قوله: ما سمعت في هذا بشيء لازم للناس، صحيح لا اختلاف بين أهل العلم في أن رفع اليدين في الصلاة على الجنائز ليس بواجب، وإنما يتكلم في هذا على ما يستحب منه؛ ففي المدونة: أنه يرفع يديه في التكبيرة الأولى خاصة، وفي أصل الأسدية: أنه لا يرفع يديه لا في أول تكبيرة ولا فيما بعدها.
وفي رواية ابن وهب عن مالك في المدونة: أنه يرفع في الأولى وفيما بعدها، واستحب في هذه الرواية أنه يرفع في الأولى، وخيره فيما بعد الأولى، إن شاء رفع، وإن شاء لم يرفع، كل ذلك حسن واسع؛ فوجه قوله: إنه يرفع في الأولى - خاصة، القياس على المشهور عنه في الصلاة أنه لا يرفع إلا في تكبيرة الإحرام، ووجه قوله: إنه يرفع في التكبيرات كلها، أنه قاس سائر التكبيرات على التكبير الأول، لاستوائهما في الوجوب؛ وما في أصل الأسدية أنه لا يرفع في الأولى ولا فيما بعدها، هو على ما في بعض روايات المدونة من كتاب الحج الأول من تضعيف رفع اليدين في تكبيرة الإحرام، وعلى ما في سماع أبي زيد من كتاب الصلاة من إنكاره لذلك؛ وقد مضى التكلم على ذلك كله في سماع أبي زيد المذكور، وفي رسم "يتخذ الخرقة لفرجه" من سماع ابن القاسم من كتاب الصلاة أيضا.
[مسألة: الرجل الجنب يقتل شهيدا في المعترك هل يغسل ويصلى عليه]
مسألة قلت لأشهب: أرأيت الرجل الجنب يقتل شهيدا في المعترك،
стр. 747
هل يغسل ويصلى عليه؟ فقال: لا يغسل ولا يصلى عليه، وإن كان جنبا قد ترك غسل من قد اجتمعت الأمة على غسله من موتى المسلمين، وكذلك يترك غسل الجنب إذا كان شهيدا، وقال ابن الماجشون مثل قول أشهب.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قالا؛ لأن غسل الجنابة من العبادات المتوجهة على الأحياء عند القيام إلى الصلاة، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ [المائدة: ٦]- الآية - إلى قوله سبحانه: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦] .
فإذا مات الميت ارتفعت عنه العبادات من الصلاة والغسل لها وغير ذلك، وغسل الميت إنما هي عبادة للأحياء تعبدوا (بها) فيه؛ فهي واجبة عليهم على الكفاية بإجماع، قيل: وجوب السنن، وقيل: وجوب الفرائض؛ ووجه احتجاج أشهب، هو أنه يقول: لما سقط وجوب غسل الميت بالشهادة، وقد كان واجبه وإن لم تكن به جناية، وجب أن يسقط بها - وإن كان جنبا، إذ لا تأثير للجنابة فيما كان يلزم من غسله - لولا الشهادة، وهو احتجاج صحيح من جهة القياس والنظر، وقد جاء بذلك الأثر، ذكر أهل العلم بالسير، أن حنظلة بن أبي عامر الراهب، كان قد ألم بأهله في حين خروجه إلى أحد، ثم هجم عليه من الخروج في النفير، ما أنساه الغسل وأعجله عنه؛ فلما قتل شهيدا، أخبر رسول الله ﷺ بأن الملائكة غسلته؟ وروي أن رسول الله ﷺ سأل امرأته ما كان شأنه؟ فقالت: إنه كان جنبا وغسلت أحد شقي رأسه، فلما سمع الصيحة خرج فقتل؛ فقال رسول الله ﷺ : «لقد رأيت الملائكة تغسله» ، فسمي حنظلة الغسيل - وكان من الأوس؛ روي أنها افتخرت على الخزرج - وكانا يتنافسان، فقالت الأوس:
стр. 748
منا غسيل الملائكة، ومنا من حمته الدبر: عاصم بن ثابت بن (أبي) الأفلح، ومنا من أجيزت شهادته بشهادة رجلين خزيمة بن ثابت، ومنا من اهتز العرش لموته: سعد بن معاذ، فقال الخزرجيون: منا أربعة جمعوا القران على عهد رسول الله ﷺ : زيد بن ثابت، وأبو زيد، ومعاذ بن جبل، وأبي بن كعب - يريدون ولم يقرأه كله أحد منكم، إذ قد قرأه كله جماعة من غير الأنصار؛ منهم عبد الله بن مسعود، وسالم مولى أبي حذيفة، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وغيرهم.
[الميت يغسل بالعشي فلا يكفن إلا من الغد]
من سماع عيسى بن دينار من عبد الرحمن بن القاسم من كتاب العرية قال: وسئل عن الميت يغسل بالعشي فلا يكفن إلا من الغد، أترى ذلك الغسل يجزئه؟ قال: نعم، أرجو أن يجزئه.
قال محمد بن رشد: الاختيار أن يكون غسل الميت عند ما يحمل، فإن أخر حمله بعد غسله، أو بات، لم يعد غسله، وإن خرج منه شيء
стр. 749
غسل مخرجه، وموضعه من الثوب فقط، حكاه ابن حبيب عن أصبغ وغيره، وأما إن خرج منه شيء في حال الغسل، فقد قال بعض العلماء: إن خرج منه شيء بعد أن غسل ثلاثا، غسل خمسا، فإن خرج منه شيء، غسل سبعا؛ فإذا بلغ السبع، لم يزد على ذلك، وذلك مستحب غير واجب عنده - وبالله التوفيق.
[مسألة: المرأة تموت ولا مال لها من يكفنها]
ومن كتاب أوله بع ولا نقصان عليك مسألة وقال في المرأة تموت ولا مال لها، على من ترى كفنها - وثم أبوها وزوجها؟ فقال: أما إن كانت بكرا فعلى أبيها، وإن كانت متزوجة - وقد دخل بها زوجها فليس ذلك على أبيها، ولا على زوجها، إلا أن يطوعا بذلك؛ ولو كان لها - ولد، كان ذلك عليه.
قال محمد بن رشد: اختلف في وجوب كفن الزوجة على الزوج على ثلاثة أقوال؛ أحدها: أنه لا يجب على الزوج مليئة كانت أو معدمة، وهي رواية عيسى هذه، والثاني: أنه يجب عليه مليئة كانت أو معدمة، وهو قول ابن الماجشون.
والثالث: أنه يجب إن كانت معدمة، ولا يجب عليه إن كانت مليئة، وهو قول مالك في رواية ابن الماجشون عنه، فوجه القول الأول: أن النفقة إنما كانت واجبة عليه بحق المعاوضة والاستمتاع، وذلك ينقطع بالوفاة، ووجه القول الثاني، أن الكفن تابع للنفقة؛ لأن ذلك من توابع الحياة، وأما القول الثالث: فهو استحسان ليس على حقيقة القياس، وكذلك اختلف في وجوب كفن الابن الصغير، أو الزمن الذي لا مال له على الأب؛ وفي وجوب كفن الأب المعدم على الابن، فقيل: إن ذلك عليهما كالنفقة؛ لأنه من توابع الحياة، وهو رواية عيسى هذه، وقول ابن الماجشون، وروايته عن مالك؛ وقيل: إن ذلك لا يجب عليهما، إذ ليست النفقة في ذلك ثابتة؛ لأن نفقة الأب تحدث، ونفقة الابن تزول، وهو قول سحنون؛ وقيل: إنه يجب على الأب كفن ابنه الصغير، ولا يجب على الابن كفن أبيه، وهو أحد قولي سحنون، ولا اختلاف في وجوب كفن العبد على سيده.
стр. 750
[مسألة: هل تكفن المرأة في الثياب المصبوغة]
مسألة وسألته هل تكفن المرأة في الثياب المصبوغة؟ قال: نعم، وتكفن في الورس، والزعفران، وغير ذلك من الألوان، إلا أن مالكا كره المعصفر، إلا ألا يجد غيره.
قال محمد بن رشد: هذا مثل ما في المدونة؛ لأنه (إذا) كره المعصفر للمرأة لم فهو للرجل أكره؛ لأنه من الزينة؛ وأجازه مالك في رواية علي بن زياد عنه للرجل والمرأة، وأجازه ابن حبيب للمرأة دون الرجل، وأما الورس والزعفران، فهو جائز للرجل والمرأة؛ لأنه من الطيب، وليس من الزينة، - قاله ابن حبيب في الرجل إذا غسل وإن لم يخرج منه لونه - وبالله التوفيق.
[مسألة: يؤتى بجنازتيهما والواحد أحسن حالا والآخر أسن أيهما يقرب إلى الإمام]
ومن كتاب لم يدرك من صلاة الإمام إلا الجلوس مسألة وسئل: عن الرجلين يؤتى بجنازتيهما، والواحد أحسن حالا والآخر أسن، أيهما يقرب إلى الإمام؟ قال: الأحسن حالا، وقال سحنون مثله.
قال محمد بن رشد: هذا مما لا اختلاف فيه أحفظه، أن الأحسن حالا يقدم على الأسن، وإنما يقدم الأسن على من هو أدنى منه سنا إذا
стр. 751
استوت حالتهما في الفضل، والأعلم يقدم على الأفضل، وهذا من ناحية التقديم للإمامة - وبالله التوفيق.
[مسألة: معنى قول عمر عند موته ولا تجعلوا علي حجرا]
ومن كتاب العشور مسألة وسئل ابن القاسم: عن قول عمر عند موته: ولا تجعلوا علي حجرا؟ قال: ما أظن معناه إلا من فوق على وجه ما يبنى على القبر بالحجارة.
وقد سألت مالكا عن القبر يُجعل عليه الحجارة يرصص بها عليه بالطين؟ وكره ذلك، وقال: لا خير فيه، وقال: لا يُجَيَّر ولا يُبنى عليه بطوب ولا بحجارة.
قال محمد بن رشد: البناء على القبر على وجهين؛ أحدهما: البناء على نفس القبر، والثاني: البناء حواليه؛ فأما البناء على نفس القبر، فمكروه بكل حال؛ وأما البناء حواليه، فيكره ذلك في المقبرة من ناحية التضييق فيها على الناس، ولا بأس به في الأملاك - وبالله التوفيق.
[مسألة: ميت دفن فسهوا عن الصلاة عليه]
ومن كتاب النسمة مسألة وسئل ابن وهب: عن ميت دفن فسهوا عن الصلاة عليه، ولم يذكروا إلا بعد ما أرادوا الانصراف عنه؛ قال: قد سمعت من يقول في هذا: إنه لا ينبش، ولكن يصف على قبره حتى يصلى عليه، ويكبر عليه أربع تكبيرات بإمام؛ فإن «رسول الله ﷺ سأل عن مسكينة سوداء كانت تقوم على المسجد، فقيل له: يا رسول الله، توفيت البارحة ودفناها، فكرهنا أن نُخرجك ليلا؛ قال: فانطلق رسول الله ﷺ بمن معه حتى وقف على قبرها،
стр. 752
فصلى عليها وكبر أربع تكبيرات» .
قال عيسى: أرى أن ينبش إذا كان بحضرة ذلك - ويصلى عليه، وإن فات صلى على قبره، قال ابن القاسم - مثله.
قال محمد بن رشد: اختلف فيمن دفن ولم يصل عليه: فقيل: إنه يُخرج ويُصلى عليه ما لم يفت، فإن فات صُلِّي على قبره، وهو قول ابن القاسم، وابن وهب؛ وقيل: إنه يُخرج ما لم يفت، فإن فات (ترك ولم يصل) على قبره؛ لئلا يكون ذريعة إلى الصلاة على القبور، وهو قول أشهب، وسحنون، ومثله في المبسوط لمالك؛ واختلف بماذا يكون الفوت على ثلاثة أقوال؛ أحدها: أنه يكون بأن يُهَال عليه التراب بعد نصب اللبن، أو دون اللبن، وهو قول أشهب.
والثاني: أنه يكون بالفراغ من الدفن، وهو قول ابن وهب - ههنا.
والثالث: أنه يكون بأن يُخشى عليه التغيير، وهو قول سحنون، وقول عيسى، وروايته عن ابن القاسم - هنا؛ وإنما يصلى على القبر عند من رأى ذلك - ما لم يطل ذلك حتى يذهب الميت بفناء أو غيره، وذهب أبو حنيفة إلى أنه لا يصلى على قبر بعد ثلاث، قال: لأنه يصير بعد ثلاث إلى حد لا يُصلى عليه، وقد لا يتغير الميت إلى أبعد من هذه المدة، مع أنه قد روي «أن رسول الله ﷺ صلى على قبر بعد ثلاث» .
[مسألة: قال لها ختنها أسلمي يا فلانة حتى نغسلك]
مسألة وسئل ابن القاسم: عن امرأة نصرانية قال لها ختنها: أسلمي يا فلانة حتى نغسلك، ونصلي عليك.
فقالت: نعم، وأمرت
стр. 753
بغسل ثيابها، وقالت: كيف أقول؟ قال: قلت لها قولي: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، وأن عيسى ابن مريم روح الله وكلمته؛ فقالت: كل هذا ثم ماتت، فدفنت في قبور النصارى؛ فقال ابن القاسم: اذهب فانبشها، ثم اغسلوها وصلوا عليها، إلا أن تكون قد تغيرت.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن الكفار يعذبون في قبورهم، وهي تتأذى من أجل ذلك لمجاورتهم؛ فواجب أن تنبش وتحول إلى مقابر المسلمين، وبالله تعالى التوفيق.
[مسألة: الميت ينبش أيغسل ويكفن]
من سماع يحيى بن يحيى من ابن القاسم من كتاب أوله يشتري الدور والمزارع وسألته: عن الميت ينبش، أيغسل ويكفن؟ قال: لا يعاد غسله، ولكن يكفن ويدفن، قلت: أواجب على أهله أن يكفنوه، أم يستحسن ذلك؟ وإن ترك لم تر به بأسا؟ قال: بل واجب عليهم أن يكفنوه.
قلت: أفمن رأس المال بمنزلة الكفن الأول؟ قال: نعم، قلت: وإن كان عليه دين يحيط بماله، بدئ أيضا كما يبدئ الكفن الأول، قال: نعم، قلت: أفيصلى عليه الثانية؟ قال: الصلاة الأولى تجزئه.
وسئل سحنون: عن رجل مات وكفنه أهله، فدفن وقسم ماله، ثم وجد الميت فوق الأرض منبوشا، ليس عليه أكفانه؛ هل يكون على
стр. 754
ورثته أن يكفنوه مرة أخرى من رأس المال؟ أو من الثلث إن كان الميت أوصى بثلث ماله؟ فقال: ليس على أهله أن يكفنوه - مرة أخرى، إلا أن يتطوعوا، ويدفن من غير كفن، ولا يكفن من ثلث ولا غيره؛ لأنه قد كُفن وصلي عليه على سنة الإسلام.
قال محمد بن رشد: ذهب بعض أهل النظر إلى أن قول سحنون مبين لقول ابن القاسم؛ لأنه تكلم على أن المال قد قسم، وتكلم ابن القاسم على أنه لم يقسم، وذلك بعيد من جهة اللفظ والمعنى، أما بُعْده من جهة اللفظ، فهو أن القسمة ذُكرت في السؤال - ولم يعلل بها في الجواب، وإنما علل بأنه قد كفن وصلي عليه على سنة الإسلام، وأما بعده من جهة المعنى، فهو أن الحقوق الطارئة على الشركة لا يُسقطها قسمة المال، فهو اختلاف من القول.
فعلى مذهب ابن القاسم، على الورثة أن يكفنوه من بقية المال - قسم أو لم يقسم، وذلك بيِّن من قوله: إنه بمنزلة الكفن الأول، يبدأ على الدين؛ وعلى مذهب سحنون لا يلزم الورثة أن يكفنوه - ثانية مما بقي من التركة، قسمت أو لم تقسم.
ووجه القول الأول: أن الكفن في ضمان الورثة - وإن دفن الميت به؛ إذ ليس ممن يقبض لنفسه، ولا يجوز لها، وعلى الورثة أن يشتروه بماله من الكفن قبل الدفن وبعده - إذا عري؛ إذ ليست حرمته بعد الدفن بأدنى من حرمته قبله، فهو بمنزلة ما لو استحق من عليه بعد أن دفن؛ أو بمنزلة ما لو سرق من عليه، أو اختلس قبل الدفن.
ووجه القول الثاني: أنه بالدفن يخرج من ضمان الورثة، ويحصل الميت في حكم القابض له بإدخاله به في قبره - وإن كان ممن لا يصح منه القبض؛ لأنه بيته؛ ألا ترى من سرق منه يقطع، وأن الوصي إذا جهّز اليتيمة من مالها وأورده بيت بنائها، يبرأ من الضمان، وتحصل اليتيمة قابضة لذلك، وإن كانت ممن لا يصح منها القبض؛ إذ ذلك أكثر المقدور عليه - وبالله التوفيق.
стр. 755
[مسألة: هل يصلى على المنبوذ إذا مات قبل أن يعرف الصلاة]
ومن كتاب المكاتب مسألة وسألته: هل يصلى على المنبوذ إذا مات قبل أن يعرف الصلاة، وفي البلد الذي طرح فيه يهود، ونصارى؟ قال: نعم. يصلى عليه، ولا تترك الصلاة عليه، لما في بلده من اليهود والنصارى؛ لأن السنة ألحقته بأحرار المسلمين في تمام عقله على قاتله - وهو حر لا سبيل لأحد عليه؛ قال: وترك أخذه أحب إليّ، إلا أن يخشى عليه الهلاك إن ترك.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأنه على دين من التقطه من المسلمين، زاد ابن حبيب - وإن وجد في كنيسة، وإن كان عليه زي النصارى - إذا كان في جماعة المسلمين، وهو معنى ما في كتاب تضمين الصناع من المدونة، قال: وذلك بخلاف الكبير يوجد ميتا، أو الغريب يموت ولا يُعلم أنه كان مسلما؟ فإنه لا يصلى عليه - وإن كان مختونا؛ لأن النصارى قد يختتنون. وفي سماع عبد الملك عن ابن وهب: أنه يصلى عليه إن كان مختونا - وبالله تعالى التوفيق.
[مسألة: الكفن أيجعل فيه عمامة أو قميص]
ومن كتاب الأقضية مسألة قال يحيى: وسألت ابن القاسم: عن الكفن أيُجعل فيه عمامة، أو قميص؟ أو هل يؤزر الميت؟ فقال: أحب ما كفن فيه الميت إلينا ثلاثة أثواب بيض، وكذلك كفن رسول الله ﷺ لا يجعل فيه قميص، ولا عمامة، ولا يؤزر، ولكن يدرج فيهن
стр. 756
إدراجا؛ قلت له: فالمرأة أتُدْرَج دَرْج الرجال؟ فقال: أحب إلي أن تؤزر وتخمر، وذلك سواء، ثلاثة أثواب تدرج فيهن لمن وجد لذلك سعة.
قال محمد بن رشد: هكذا وقعت هذه الرواية هنا لابن القاسم. والمعروف من مذهبه وروايته عن مالك في المدونة، وغيرهما: أن من شأن الميت أن يعمم؛ وقد وقع في العشرة في الكتاب الذي أوله يغتصب الأرض براحا؛ قال يحيى: وسألت ابن نافع عن الكفن - المسألة إلى آخرها على نصها - والله أعلم - أنها من قول ابن نافع، لا من قول ابن القاسم - وبالله تعالى التوفيق.
[مسألة: ماذا أعددت لبيت الوحدة]
من سماع موسى بن معاوية من ابن القاسم قال موسى بن معاوية: حدثنا جرير، عن مسعر، قال: كان يقال: إذا أدخل الميت القبر، قال له القبر: ماذا أعددت لبيت الوحدة، وبيت الوحشة، وبيت الدود؟ قال موسى: وحدثنا وكيع، عن مالك بن مغول، عن عبيد الله بن عمير الليثي، عن أبيه، قال: إن القبر ليبكي، ويقول: أنا بيت الدود، وبيت الوحشة، وبيت الوحدة.
قال محمد بن رشد: هذا على المجاز لا على الحقيقة، أي: لو كان القبر ممن يصح منه البكاء والكلام، لبكى وقال هذا القول؛ وهذا مثل قوله : ﴿جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ [الكهف: ٧٧] ، والجدار لا تصح منه الإرادة، ومثل قول عنترة:
стр. 757
وشكا إليّ بعبرة وتحمحم
يعني فرسه.
ومثل قول الحارثي:
يريد الرمح صدر أبي براء ... ويرغب عن دماء بني عقيل
ومثل قول غيره:
وعظتْك أحداث صُمْت ... ونعتْك أزمنة خُفْت
وأرتك قبرك في القبو ... ر وأنت حي لم تمت
وتكلمت عن أوجه تبلى ... وعن صور سبت
وهذا كثير في كلام العرب وأشعارهم.
[مسألة: المرأة ذات الشعر تغسل، كيف يصنع بشعرها]
مسألة قال موسى: وسئل ابن القاسم: عن المرأة ذات الشعر تغسل، كيف يصنع بشعرها، أيظفر؟ أم يفتل؟ أم يرسل؟ وهل يجدل بين الأكفان؟ أم يعقص ويرفع مثل ما ترفعه الحية بالخمار؟ وكيف صفة غسلها وكفنها؟ وكيف يصنع بخمارها وشعرها وأكفانها؟ قال ابن القاسم: لم يكن للميت في غسله حد عند مالك، إلا أنه يغسل
стр. 758
وينقى؛ وأما الشعر فليفعلوا فيه كيف شاءوا؛ وأما الظفر فلا أعرفه.
قال محمد بن رشد: وهذا كما حكى ابن القاسم عن مالك: أنه لا حد عنده في غسل الميت - يريد في عدد الغسلات، وإنما الحد في ذلك عنده الإنقاء، ويستحب فيه الوتر، وأدناه ثلاث؛ قال ﷺ في ابنته: «اغسلنها ثلاثا، أو خمسا، أو أكثر من ذلك إن رأيتن» ... " الحديث. كما أنه لا توقيت عنده في الوضوء، وإنما الحد فيه الإسباغ، ولأعداد مستحبة؟ وقوله في الظفر: إنه لا يعرفه - يريد: أنه لا يعرفه من الأمر الواجب، وهو - إن شاء الله - حسن من الفعل، روي عن أم عطية، قالت: «توفيت ابنة لرسول الله ﷺ فلما غسلناها ضفرنا شعرها، فجعلناه ثلاث ضفائر: ناصيتها، وقرنيها، ثم ألقيناها من خلفها» . وقد روي عن بكر بن عبد الله المزني: أنه سأل أعلم بيت من قريش بالغسل عن صفة الغسل، فقالوا: نصنع بالميت ما نصنع بالعروس، غير أنه لا يخلق ولا ينور - والله تعالى أعلم.
[مسألة: الرجل يموت هل تغسله أمته أو مدبرته أو مكاتبته]
مسألة وسئل ابن القاسم: عن الرجل يموت، هل تغسله أمته؟ أو مدبرته؟ أو مكاتبته؟ فقال ابن القاسم: لا أرى بأسا أن تغسله أمته، أو مدبرته، كل من كان يحل له، مثل المرأة، قال لي مالك في المرأة تغسل زوجها، وأما المكاتبة فلا.
قال محمد بن رشد: وهذا - كما قال - إنه جائز أن يغسل الرجل
стр. 759
أمته، أو مدبرته، كما يجوز ذلك لامرأته؛ لأنهن حلائله؛ وهذا إذا أذن في ذلك أولياؤه. وأما إذا لم يأذنوا في ذلك، وأرادوا أن يلوه بأنفسهم، فذلك لهم في الأمة والمدبرة قولا واحدا؛ إذ لا حق لهما في ذلك معهم؛ وأما الزوجة فهم أحق بذلك منها، لا يقضى لها عليهم بغسله، وقد قيل: إنه يقضى لها عليهم بغسله، وأما الرجل فإنه يقضى له بغسل زوجته الحرة والأمة، وقيل: لا يقضى له بغسل زوجته - إذا كانت أمة، وأهل العراق لا يجيزون للرجل غسل زوجته - لانقطاع ما بينهما بالموت، ولا يجيزون للمرأة غسل زوجها - إذا انقضت عدتها منه بوضع حمل إن كان بها، وهو بعيد؛ إذ لو انقطع ما بينهما بالموت، كما ينقطع بالطلاق البائن، لما توارثا، ويكره مالك للرجل أن يغسل زوجته إذا تزوج أختها، وبالله التوفيق.
[مسألة: الرجل المسلم يموت وليس معه من يغسله]
مسألة وسئل ابن القاسم: عن الرجل المسلم يموت وليس معه من يغسله إلا أمه، أو أخته، أو امرأته، أو من ذوات المحارم؛ وليس معهن رجل إلا مشرك؛ وهل يغسل الرجل أمه، أو أخته، أو ذات رحم محرم منه؟
فقال ابن القاسم: يغسله ذوات محارمه من النساء من فوق الثوب: أمه أو ابنته أو أخته، وأما المرأة فإنها تستر عورة أبيها، وأخيها؛ والمرأة تغسل زوجها، والزوج يغسل امرأته في الحضر والسفر، وهو قياس قول مالك؛ وأما الحضر والإقامة فهو قول مالك، قال: تغسل المرأة زوجها، والزوج يغسل امرأته.
стр. 760
قال محمد بن رشد: قد مضى في رسم " الجنائز والصيد والذبائح" من سماع أشهب - تحصيل القول في غسل ذوي المحارم بعضهم بعضا، ومضى في المسألة التي قبل هذه القول في غسل أحد الزوجين صاحبه، فلا فائدة في إعادته.
[مسألة: إمام جنازة صلى عليها وهو جنب لم يشعر بجنابته حتى دفنت]
مسألة وسئل: عن إمام جنازة صلى عليها وهو جنب لم يشعر بجنابته حتى دفنت، وكيف إن علموا قبل أن تدفن بجنابته بعد دخولها اللحد؟ أترد للصلاة عليها؟
قال ابن القاسم: أرى صلاتهم جائزة ولا تعاد، ألا ترى أن المكتوبة لو أن رجلا صلى بهم جنبا ناسيا، ثم سلم فعلم، أجزأت عنهم صلاتهم؛ فكذلك الجنازة إذا صلي عليها، أجزأت عنهم صلاتهم عليها.
قال محمد بن رشد: قياسه صلاة الجنازة في هذا على صلاة الفريضة صحيح، لا إشكال في صحته، فيدخل في صلاة الجنائز من الخلاف ما في صلاة الفريضة؛ لأن أهل العراق يقولون: إنها تبطل على المأمومين، كما بطلت على الإمام، وهو القياس على القول بأن صلاة المأمومين مرتبطة بصلاة الإمام؛ وحجة مالك حديث عمر بن الخطاب ﵁ إذ صلى الصبح بالناس - جنبا، فأعاد ولم يأمر الناس بالإعادة؛ وله وجه من النظر مع الاتباع، وهو أن الإمام إذا صلى بالناس جنبا، أو على غير وضوء - ولم يعلم بذلك، فقد سقط الفرض عنه وعنهم؛ لقوله ﵊: «تجاوز الله لأمتي عن الخطأ والنسيان» ... " الحديث. فإن ذكر بعد ذلك، وجبت عليه الإعادة دونهم؛ لأنهم صلوا بطهارة؛ إذ ليس سهو الإمام عن الطهارة سهوا لهم عنها،
стр. 761
فيجب عليهم الإعادة، وإنما يكون سهو الإمام سهوا لمن خلفه، أو إن لم يكن منهم سهو إذا سها عما يحمله عنهم، كالقراءة، فلهذا وجبت الإعادة على المأمومين إذا سها الإمام عن القراءة وإن قرءوا هم، فإذا صلى الإمام بقوم على غير طهارة - وهو لا يعلم ثم علم، أعاد ولم يعيدوا؛ لأن الصلاة فرض على الأعيان. وإذا صلى على الجنازة - وهو على غير طهارة ثم علم، جازت الصلاة، ولم تجب إعادتها عليه ولا عليهم، أما هم فمن قِبَل أنهم صلوا على طهارة، وأما هو فمن قبل أن الفرض قد سقط عنه بصحة صلاتهم؛ لأنها من فروض الكفاية، ولو صلى عليها هو وَهْم على غير طهارة ثم علموا، لوجب أن تعاد الصلاة عليها.
[مسألة: إمام جنازة صلى على جنازة متوضئا ورجل خلفه على غير وضوء]
مسألة وسئل ابن القاسم: عن إمام جنازة صلى على جنازة متوضئا - ورجل خلفه على غير وضوء، ثم ذكر قبل دفنها، أو بعدما دفنها. قال ابن القاسم: ليس عليه شيء، فصلاته مجزئة عنه.
قال محمد بن رشد: أما قوله ليس عليه شيء، فصحيح بيِّن؛ إذ لا يصلى على من قد صلي عليه، وقد مضى ذلك في رسم "الجنائز والصيد والذبائح" من سماع أشهب، وأما قوله فصلاته مجزئة عنه، فمعناه أنه ليس عليه إعادتها؛ إذ لا يصلى على من قد صلي عليه، وأن له أجر صلاته إذ لم يعلم بكونه على غير وضوء؛ لقوله ﷺ : «تجاوز الله لأمتي عن الخطأ والنسيان، وعما استكرهوا عليه» ؛ لأن صلاة الجنازة على غير وضوء تصح، فهو في صلاته على الجنازة بغير وضوء، كمن أوتر بغير وضوء فلم
стр. 762
يعلم حتى صلى الصبح، فيقال: إنه يجزئه وتره، بمعنى أنه ليس عليه قضاؤه، وبالله التوفيق.
[مسألة: إمام جنازة قهقه في صلاته]
مسألة وسئل: عن إمام جنازة قهقه في صلاته، هل عليه وعلى من خلفه إعادة الصلاة، وكيف به إن أحدث وليها؟ هل يجوز له أن يستخلف على ما بقي من الصلاة، أم يعيدون الصلاة؟ أم يمكثوا قياما حتى يذهب وليها - إن كان هو الإمام فيتوضأ ويرجع فيصلي بإعادة الصلاة؟ وكيف إن رعف فذهب يتوضأ، أله أن يستخلف من يتم بهم بقية صلاتهم؟ وكيف إن ذهب ولم يستخلف: كيف يصنع الناس، أيقدمون رجلا منهم؟ أم لا يحدثون شيئا حتى يرجع الولي أو الإمام؟ وكيف إن لم يكن لها ولي ولا إمام جماعة؟
قال ابن القاسم: لا نبالي كان لها وليا أو لم يكن لها وليا إن أحدث أو رعف، فينبغي أن يقدم رجلا ليتم بهم بقية الصلاة؛ وإن لم يقدم أحدا وانصرف وجهل ذلك، تقدم رجل فأتم بهم بقية صلاتهم؛ وأما الذي قهقه، فإنهم يقطعون جميعا ويبتدئون الصلاة من أولها؛ لأن الإمام قطعها، وكذلك لو أحدث متعمدا ابتدءوا الصلاة عليها.
قال محمد بن رشد: وهذا صحيح على ما قاله؛ لأن الصلاة على الجنائز صلاة، فيقطعها ما يقطع الصلاة؛ ويجب على الإمام من الاستخلاف فيها ما يجب عليه من الاستخلاف في الصلاة.
[مسألة: قوم جهلوا القبلة فصلوا على جنازتهم]
مسألة وسئل ابن القاسم: عن قوم جهلوا القبلة فصلوا على جنازتهم
стр. 763
إلى غير القبلة، ثم علموا بذلك قبل دفنها، أو بعد دفنها؛ أيعيدون الصلاة عليها؟
قال ابن القاسم: إن دفنوها فلا شيء عليهم، وإن لم يدفنوها، فإني أستحسن أن يصلى عليها، ولست أرى ذلك عليهم بواجب.
قال محمد بن رشد: أشهب يرى إعادة الصلاة عليها ما لم تدفن، وسحنون لا يرى ذلك. واستحباب ابن القاسم أن تُعاد الصلاة عليها ما لم تدفن - راجع إلى إسقاط وجوب الإعادة، مثل قول سحنون، فوجه إعادة الصلاة عليها ما لم تدفن، أن من صلى إلى غير القبلة إنما يعيد في الوقت، فجعل حضور الجنازة كحضور الوقت، ودفنها كفواته. ووجه قول من لم ير الإعادة: أن إعادة الصلاة في الوقت إنما هي لإدراك فضيلة الوقت، فلما لم يكن للصلاة على الجنازة وقت معين، كان السلام منها كخروج وقتها، كما قال ابن القاسم فيمن طاف بثوب نجس، فعلم بذلك بعد إكمال الطواف أنه لا إعادة عليه، كمن صلى بثوب نجس فلم يعلم حتى خرج الوقت؛ وقيل: تعاد الصلاة عليها - وإن دفنت، ما لم ينقض النهار - إن كان صلي عليها نهارا، أو الليل - إن كان صلي عليها ليلا، وهو قول ابن نافع؛ فجعل بقية النهار أو الليل لها كالوقت القائم للصلاة المفروضة، فإن ترك الإعادة عليها حتى تدفن على قول من يرى أنها تعاد، تخرج ذلك على قولين: أحدهما: أن الصلاة قد مضت فلا تعاد، والثاني: أن إعادتها قد وجبت، فيصلى عليها في قبرها؛ أو تُخرج ما لم يخش عليه التغير، كمن دفن دون أن يصلى عليه.
[مسألة: القوم ينسون الصلاة على الجنازة فلا يذكرون حتى تدفن]
مسألة وسئل: عن القوم ينسون الصلاة على الجنازة فلا يذكرون حتى تدفن، أتنبش، أم يصلى عليها في قبرها؟ ويؤمهم وليها في الصلاة؟
قال ابن القاسم: إن كان عندما دفنوها، فأرى أن تُخرج ويُصلى عليها؛
стр. 764
وإن خافوا من ذلك تغييرا، صلوا عليها في قبرها.
وسئل ابن القاسم: عن الميت يجهل القوم الصلاة عليه، فيدفنونه ولم يصلوا عليه ولم يغسل، فيأتي قوم من المسلمين فيخبرون بذلك ساعتئذ؟
قال ابن القاسم: إن كان بحدثان أمره لم يتغير، ولم يخافوا عليه أن يكون قد دخله غير في قرب ذلك وحدثانه عندما دفنوه؛ رأيت أن يخرج ويغسل ويصلى عليه، وإن خافوا أن يكون قد تغير، رأيت أن يصلوا على قبره ويتركوه.
قال محمد بن رشد: ترك الغسل، والصلاة على الميت أو الغسل دون الصلاة، أو الصلاة دون الغسل - جهالة أو نسيانا، سواء في وجوب الحكم في ذلك؛ لأن الصلاة لا تجزئ دون غسل، فترك الغسل كترك الصلاة؛ وقد مضى تحصيل القول في ذلك في رسم "النسمة " من سماع عيسى، فلا معنى لإعادته.
[مسألة: إمام جنازة صلى عليها فذكر بعدما دخل في الصلاة أن عليه صلاة نسيها]
مسألة وسئل ابن القاسم: عن إمام جنازة صلى عليها، فذكر بعدما دخل في الصلاة أن عليه صلاة نسيها؛ كيف يصنع؟ أيمضي في الصلاة ولا يعيدها - وتجزئ الذين معه؟ أو يقطع ويقضي ما نسي ثم يصلي على الجنازة؟ وهل تحبس الجنازة عليه - إن كان إمام المصر، أو ولي الميت، أو ممن يبصر السنة إن كان مع جهال لا يبصرون السنة، حتى يصلي ما نسي ثم يعود فيصلي على الجنازة؟ وكيف الأمر فيها إن خيف على الجنازة الفساد؟
قال ابن القاسم: يمضي في الصلاة على الجنازة ولا يقطع.
стр. 765
قال محمد بن رشد: إنما قال إنه يمضي في الصلاة ولا يقطع، بخلاف الإمام يذكر صلاة نسيها، أنه يقطع ويقطعون، أو يقطع ويستخلف من يتم بهم الصلاة - على اختلاف قوله في ذلك؛ لأن الترتيب فيما قل من الصلوات لازم، ولا ترتيب فيما بين صلاة الفريضة والصلاة على الجنازة، ومثل قول ابن القاسم هذا حكى ابن حبيب في الواضحة عن ابن الماجشون، وأصبغ، ولم يذكر في ذلك اختلافا، ولا فرق بين أن يكون في خناق من وقت الصلاة التي نسيها، أو لا يكون في خناق من وقتها، وذلك خلاف لأصله، والذي يأتي فيها على أصله، أن يخرج ويستخلف إذا كان في خناق من وقت الصلاة التي ذكرها.
[مسألة: يقتله الإمام في المحاربة والحرابة أيصلي عليه الإمام ويغسل]
مسألة وسئل ابن القاسم: عمن أقيد منه في قصاص، أيصلي عليه الإمام؟ وعن الذي يقتله الإمام في المحاربة والحرابة، أيصلي عليه الإمام ويغسل؟ وكيف به إن رأى الإمام صلبه، أيقتله ويغسله ويصلي عليه، أم لا؟ وكيف الأمر فيه في القتل والصلب، أيصلب حيا ثم يقتل ويصلى عليه مصلوبا؟ أم لا يصلى عليه على حال؟
قال ابن القاسم: أما كل من قتل بالسيف أو قودا، وما قتل به من خنق أو غيره، فإنه يغسل ويصلى عليه، وأما الصلب فإنا سألنا مالكا عنه، فقال: ما سمعت فيه بشيء، وما علمت أنه كان من عمل من مضى. قال مالك: ولقد صلب عبد الملك بن مروان الحارث الذي تنبأ وطعنه هو بيده، قال ابن القاسم: ولم يصلبه إلا حيا، قال مالك: وأرى اجتهاد الإمام يسعه في ذلك على المحارب إذا أراد أن يقتله ويصلبه، أو يصلبه حيا، وسعة ذلك على أشنع ذلك، يريد على قدر جرمه.
قال ابن القاسم: فإن قتل قبل أن يصلب، رأيت أن يصلى عليه ثم يصلب؛ وأما الذي يصلب حيا فإني لم أسمع فيه بشيء، قيل لسحنون: فإذا
стр. 766
صلبه الإمام حيا وقتله في خشبته، كيف يصلى عليه، قال: ينزل ويكفن ويصلي عليه أهله؟ قلت: ولا يعاد في الخشبة لما يريد الإمام من شنعة ذلك من فعله، ونكالا لغيره، فقال: لا أرى ذلك، وفيما فعل به ما يجزئ، وأرى إذا صلي عليه أن يدفن؛ وقول مالك يجزئه من هذا كله يصلي على كل من قتله الإمام.
قال محمد بن رشد: سأله عن صلاة الإمام على الذي يقتله في قود، أو على حرابة؛ فلم يجبه على ذلك، ومذهبه وروايته عن مالك: أنه لا يصلي عليه، ويصلي عليه أهله والناس؛ قيل: على سبيل الردع والزجر، كما يكره له ولمن سواه من أهل الفضل - الصلاة على أهل الكبائر والشر. وقيل: إنما لم يصل عليه الإمام من أجل أنه منتقم لله بقتله، فلا يكون شافعا إليه بالصلاة عليه؛ والتأويل الأول صحيح في المعنى، إلا أنه لا يسعد قوله لتفرقته فيه بين القتل وغيره، وهذا أسعد به، إلا أن فيه نظرا، إذ لا يمنع أن ينتقم لله منه بما شرعه من القتل في الدنيا، ويشفع له في ألا يعاقبه في الدار الأخرى؛ وقد روي أن رسول الله ﷺ صلى على الجهنية المرجومة. وذهب إلى ذلك محمد بن عبد الحكم.
وقال ابن نافع: يصلي الإمام على من قتله في قصاص، أو حد من الحدود، وليس لترك صلاة الإمام عليه وجه، ولا فرق بينه وبين غيره، ويحتمل أن يفرق على قول محمد بن عبد الحكم بين المرجوم والمقتول في حرابة أو قود، فإن الرجم كفارة للزنا بإجماع، وليس القتل في القود والحرابة بكفارة للذنب، بدليل قَوْله تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٣] . ولا اختلاف في أن المقتول في حد أو قود يصلي
стр. 767
عليه الناس، إذ لا يخرج بما اجترمه مما أوجب عليه القتل عن الإسلام، لا سيما وقد قيل: إن القتل كفارة به؛ وأما المصلوب، فقيل: إنه يقتل ثم يصلب، وهو قول أشهب. وقيل: إن يصلب حيا ثم يقتل في الخشبة، وهو قول ابن الماجشون. وجعل ابن القاسم الإمام مخيرا في ذلك باجتهاده على قدر ما رأى من جرمه.
وقول ابن الماجشون أظهر؛ لأن الله إنما خير في صفة قتله، ولو كان إنما خير في صلبه بعد قتله، لقال: أن يقتلوا ثم يصلبوا. فإذا قتل قبل أن يصلب، صلى عليه قبل أن يصلب. وأما إذا صلب حيا، فقيل: إنه لا يصلى عليه. وقيل: إنه يصف خلف الخشبة ويصلى عليه؛ اختلف في ذلك قول ابن الماجشون، وقيل: إنه ينزل عن الخشبة ويصلى عليه ويدفن، ولا يعاد في الخشبة؛ وقيل: بل يعاد فيها ليذعر بذلك أهل الفساد، اختلف في ذلك قول سحنون - وبالله التوفيق.
[مسألة: عن أناس ثاروا على خارجي فظفر وقاتل أولئك الذين ثاروا عليه]
مسألة وسئل ابن القاسم: عن أناس ثاروا على خارجي، فظفر وقاتل أولئك الذين ثاروا عليه، فقتل بعض أصحابه وقتل من أولئك الذين ثاروا عليه وليس فيهم من يرى أنه أراد بصيرة ولا دينا أكثر من طلب الدنيا؛ أيصنع بقتلاهم ما يصنع بالشهداء؟ أم يغسلون ويصلى عليهم؟ أم ليس على من لم يهو هواهم ولم يشهد معهم - أن يغسلهم، ولا يصلي عليهم؟ وأنهم يقتتلون بين أحياء المسلمين، فيكون بين الفئتين قتلى؛ هل يجب غسلهم ودفنهم على أصحاب
стр. 768
كل قرية؛ أم على من سمع ذلك أو رآهم من أهل ذلك المحوز أن يذهبوا فيغسلوهم ويصلوا عليهم؟ أم يصنع بهم ما يصنع بالشهداء؟
قال ابن القاسم: ليس هؤلاء مثل الشهداء، ويغسلون جميعا الظالم والمظلوم، ويصلى عليهم؛ وأما دفنهم، فإني أرى ذلك من الحق أن يدفنوا جميعا ولا يتركوا؛ لأنهم من المسلمين، يغسلون ويصلى عليهم ويدفنون؛ وأرى للسلطان أن يواريهم ولا يكره أحدا على ذلك.
وقد سئل مالك عن النصراني يموت مع المسلمين، فقال: يحفر ويوارى للذمة، فكيف للمسلمين.
وسئل ابن القاسم: عن طائفتين من الخوارج مثل الحرورية، والقدرية، ونحوهم، يقتتلون فيقتل من الفريقين قتلى، هل يجب على من بقي من الطائفتين دفن قتلاهم، والصلاة عليهم، وهل يدفنون بدمائهم كالشهداء، أو كيف بهم إن تركوهم ولم يدفنوهم؟ هل يجب على من كان قريبا منهم دفنهم، والصلاة عليهم؟
قال ابن القاسم: يغسلون ويصلى عليهم، وعلى من كان قريبا منهم أن يواريهم ويغسلهم ويصلي عليهم، وليس بواجب، ولكني أستحسنه.
وسئل ابن القاسم: عن الطائفتين من المسلمين يقتتلان، فيقتل بينهما قتلى، أيصلى عليهم أم لا؟ وهل يدفنون بدمائهم، أم يغسلون؟ وكيف إن كانت إحداهما باغية والأخرى عادلة؟
قال: وجه ما سمعنا من مالك أنه يغسل جميع المسلمين، ويصلي عليهم - كان ظالما أو مظلوما؛ لأنه سمعته يقول في
стр. 769
الذي يقتل نفسه، إنه يغسل ويصلى عليه، وإثمه على نفسه؛ وليس أحد في الظلم أظلم ممن قتل نفسه، وكل القتلى عند مالك يغسلون ويصلى عليهم، إلا الشهيد في سبيل الله، الذي يموت في المعركة، فإنه لا يغسل ولا يصلى عليه، ويدفن بثيابه ولا تجرد له؛ قال مالك: وما علمت أنه ينزع منه شيء.
قال محمد بن رشد: هذه المسائل كلها صحاح بينة في المعنى والحجة، فلا إشكال فيها، ولا اختلاف في المذهب في شيء منها؛ إلا أنه قد اختلف التأويل على مالك في قوله في أهل الأهواء والبدع، إنهم لا ينكحون ولا ينكح إليهم ولا يسلم عليهم، ولا يصلى خلفهم، ولا يشهد جنائزهم، فقيل: إن ذلك على وجه التأديب لهم، والكراهة لمخالطتهم، وقيل: إن ذلك لأنهم عنده كفار، بدليل قوله في سماع ابن القاسم من كتاب المحاربين والمرتدين على ما آية أشد على أهل الأهواء وأهل البدع، من هذه الآية: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: ١٠٦] ... الآية. قال: فأي آية أبين من هذه؟ ورأيته يتأولها في أهل الأهواء، والتأويل الأول أولى؛ وقد مضى من قوله في رسم "الجنائز والصيد"، ما سمعت أن أحدا ممن يصلي القبلة ينهى عن الصلاة عليه، ومضى من كلامنا في هذا المعنى في رسم "الصلاة" الثاني، من سماع أشهب من كتاب الصلاة - ما فيه شفاء.
[مسألة: تغطية القبر بالثوب على المرأة]
مسألة وسئل ابن القاسم: عن تغطية القبر بالثوب على المرأة حين
стр. 770
تدفن، أواجب ذلك على الناس؟ ومن أولى من يفعل ذلك؟ ومن أولى من يدخل القبر لدفن المرأة في قرابتها؟ وكيف إن لم يكن لها قرابة؟
قال ابن القاسم: زوجها أولى الناس بها من أبيها وولدها؛ وأما الثوب فأراه حسنا أن يعمل به؛ لأنه ستر لها ألا يرى منها شيء من خلفها، فإن لم يكن قرابة من ذوي محرم، كان أهل الفضل - عندي - وأهل الصلاح أفضل في دخولها.
قال محمد بن رشد: أما استحسانه لستر قبر المرأة بالثوب عند الدفن فبين في المعنى، وأما قوله: إن أولى الناس بإدخالها في قبرها زوجها، فإنه صحيح على أصله في أن له أن يغسلها، وأنه أحق بذلك من قرابتها من النساء، وخالف في ذلك أهل العراق، وتعلقوا بما روي عن أنس بن مالك قال: «ماتت إحدى بنات النبي ﵊ فقال رسول الله ﷺ : "لا يدخل القبر أحد قارف أهله الليلة» ؛ فلم يدخل زوجها، ولا حجة لهم في ذلك؛ لأن المعنى فيه أنه هو الذي كانت المقارفة بينه وبين أهله تلك الليلة، فعلم ذلك رسول الله ﷺ وكره أن يدخل قبرها؛ وأن يواجهه بذلك، إذ كان ﷺ لا يواجه أحدا بما يكره، وإنما كان يقول ذلك تعريضا لأخلاقه الكريمة، فامتنع زوجها عثمان ﵁ من الدخول في قبرها، لما سمعه من قوله، وفهمه من إرادته - وبالله التوفيق.
стр. 771
[مسألة: الميت يحرف على القبلة فيوضع على شقه الأيسر ثم يعلم بذلك قوم يعرفون السنة]
مسألة وسئل ابن القاسم: عن الميت يحرف على القبلة فيوضع على شقه الأيسر، ثم يعلم بذلك قوم يعرفون السنة ساعتئذ؛ كيف الأمر فيه؟
قال ابن القاسم: إن كانوا لم يواروه بحدثان ذلك، وألقوا عليه شيئا يسيرا، فأرى أن يحول ويوجه إلى القبلة؛ وإن كانوا دفنوه وفرغوا من دفنه، فليترك ولا ينبش.
قال محمد بن رشد: إنما يوجه الميت في لحده إلى القبلة؛ لأنها أشرف الجهات، إذ رضيها الله تعالى قبلة لعباده في صلواتهم، وليس ذلك بواجب فرضا، لقول الله تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥] . ولذلك لم ير ابن القاسم ﵀ أن ينبش الميت إذا كانوا قد فرغوا من دفنه، لما في ذلك من كشفه لمعنى غير واجب.
[مسألة: يسبق الجنازة إلى المصلى أيجلس حتى يؤتى بها]
مسألة وسئل ابن القاسم: عن الذي يسبق الجنازة إلى المصلى، أيجلس حتى يؤتى بها، أم يقوم؟ وكيف إن سبقها الرجل إلى القبر، أيجلس قبل أن توضع على الأرض أم لا؟
فقال: قال مالك: يجلس ولا بأس به في هذا كله.
قال محمد بن رشد: روي أن رسول الله ﷺ قال: «إذا رأيتم الجنازة فقوموا لها حتى توضع أو تخلفكم» . وروي عنه - صلى
стр. 772
الله عليه وسلم - «إذ مر عليه بجنازة فقام، فقيل: إنه يهودي، فقال: أليس ميتا؟ أو أليس نفسا؟» وروي عنه ﵊ أنه قال: «إذا رأيتم الجنازة فقوموا، فمن تبعها فلا يقعد» .
فكان القيام للجنائز مأمورا به في ثلاثة مواضع: أحدها: من كان جالسا فمرت به أن يقوم حتى يخلفه. والثاني: من اتبع جنازة ألا يجلس حتى توضع. والثالث: من سبق الجنازة إلى المقبرة فقعد ينتظرها، أن يقوم إذا رآها حتى توضع؛ ثم نسخ ذلك كله بما روي من «أن رسول الله ﷺ كان يقوم في الجنائز، ثم جلس، وأمرهم بالجلوس» . وروي أنه فعل ذلك مرة، وكان يتشبه بأهل الكتاب، فلما نهى انتهى. وأما القيام على الجنازة حتى تدفن فلا بأس به، وليس ذلك مما نسخ؛ روي أن رسول الله ﷺ قام على قبر حتى دفن. وقد قيل: إنه منسوخ وليس ذلك بصحيح. روي أن علي بن أبي طالب قام على قبر المكفف، فقيل له: ألا تجلس يا أمير المؤمنين؟ فقال: قليل لأخينا قيامنا على قبره، وهو الذي روى النسخ؛ فدل ذلك على أنه لم يدخل فيه عنده القيام على القبر - عند الدفن وبعده - والله أعلم. وذهب ابن حبيب إلى أنه إنما نسخ من القيام في الجنائز الوجوب فيمن جلس في سعة، ومن قام فمأجور، وبالله تعالى التوفيق.
[مسألة: اللوح واللبن والقصب توضع على اللحد]
مسألة وسئل ابن القاسم: عن اللوح واللبن والقصب توضع على اللحد، ويجعل الرجل في تابوت من خشب، ويدفن فيه أو يبنى عليه الآجر؛ فقال ابن القاسم: أما التابوت فأكرهه، ولا يعجبني أن يدفن
стр. 773
فيه أحد، وأما اللبن فهي السنة والشأن، وأما الألواح فلا أرى ذلك إلا ألا يوجد لبن ولا آجر.
قال محمد بن رشد: في بعض الروايات ولا ثرى - مكان - ولا آجر، والصواب: ولا آجر؛ لأن الأفضل فيما يجعل على الميت في قبره اللبن، ثم الألواح، ثم القراميد، ثم الآجر، ثم الحجارة، ثم القصب، ثم سن التراب، وسن التراب خير من التابوت، قال ذلك ابن حبيب. وقد روي عن ابن القاسم وأشهب: أنه لا بأس أن يجعل على اللحد اللبن، أو القصب، أو اللوح، وذلك خفيف. وروي عن سحنون أنه قال: ما سمعت حدا كره اللوح إلا ابن القاسم.
[مسألة: قبة النعش التي تصنع للنساء]
مسألة وسئل ابن القاسم: عن قبة النعش التي تصنع للنساء، أواجب ذلك لكل امرأة بلغت المحيض أم لا؟ وكيف المرأة التي تموت في السفر، هل تستر بقبة كما يصنع أهل الحضر؟ أم كيف يصنع بها إذا وضعت على سريرها؟ وكم حد طول قبة النعش الذي لا يجوز أن يرفع فوقه؟
قال ابن القاسم: قد فعله عمر بن الخطاب. وأخبرني مالك: أن أول من فعل به ذلك زينب زوج النبي ﵊. فقال عمر للتي فعلته بها: سترتها سترك الله. فقد استحسنه عمر، فأرى ألا يترك في سفر ولا حضر،
стр. 774
وهو يقدر على ذلك؟ وأما حد طوله فليس فيه حد إلا ما وارى، وأكره ما أحدث الناس فيه من المباهاة والفخر من طول ذلك، حتى صار عندهم زينة من الزينة، فأنا أكره ذلك.
قال محمد بن رشد: ليس في هذه المسألة معنى يشكل، فيحتاج إلى التكلم عليه، وبالله تعالى التوفيق.
[مسألة: نفر من المسلمين وفيهم مشرك وقع عليه بيت فهلكوا كيف يغسلون]
مسألة وسئل ابن القاسم: عن نفر من المسلمين - وفيهم رجل مشرك - وقع عليهم بيت فهلكوا، أيغسلون جميعا ويصلى عليهم؟
فقال ابن القاسم: ما سمعت من مالك فيه شيئا، وأرى أن يغسلوا ويصلى عليهم، وتكون نيتهم في الصلاة على المسلمين منهم.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة صحيحة لا اختلاف فيها، وإنما الاختلاف إذا كان نفر من المشركين وفيهم رجل مسلم لا يعرف بعينه، فقال أشهب: إنه لا يصلى عليهم؛ وقال سحنون: إنهم يغسلون ويصلى عليهم، وتكون نيتهم في الصلاة على المسلم منهم، ولا تترك حرمة مسلم تضيع، هكذا وقع هذا الاختلاف في سماع ابن غانم من بعض الروايات.
[مسألة: الميت يوجد بفلاة من الأرض ولا يدرى أمسلم هو أو كافر]
مسألة وسئل ابن القاسم: عن الميت يوجد بفلاة من الأرض، ولا يدرى أمسلم هو أو كافر؟ أيغسل ويكفن ويصلى عليه؟ أو الميت يوجد أحد شقيه بلا رأس، أو يوجد أحد شقيه برأسه؟
فقال ابن القاسم: لم أسمع من مالك فيه شيئا، وأرى أن يوارى ولا يصلى عليه،
стр. 775
ويوارى بلا غسل؟ وكذلك لو وجد في مدينة من المدائن ميت في زقاق، ولا يدرى أمسلم هو أو كافر.
قال محمد بن رشد: وإن كان مختونا، إذ قد علم أن اليهود يختنون أولادهم، وقال ابن حبيب: وإن لم يدر إن كان مسلما أو نصرانيا. فإنه لا يغسل ولا يصلى عليه، وإن كان مختونا، إذ من النصارى من يختتن. وقال ابن وهب في سماع عبد الملك: أنه يجر يده على ذكره، فإن كان مختونا غسله وصلى عليه، وبالله تعالى التوفيق.
[مسألة: يصلون على الجنازة فيضعون الرأس موضع الرجلين]
مسألة وسئل ابن القاسم: عن القوم يصلون على الجنازة فيضعون الرأس موضع الرجلين، ثم يعلمون بذلك قبل دفنها، أيعيدون الصلاة عليها؟
قال ابن القاسم: ما أرى ذلك، وصلاتهم مجزئة عنهم.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأنه قد صلى عليه وهو أمامه إلى القبلة، فالأمر في ذلك واسع، وكذلك لو أخطأ في ترتيب الجنائز للصلاة عليها، فقدم النساء على الرجال والصغار على الكبار، لمضت الصلاة، ولم تجب إعادتها، وإن علم بذلك بالقرب قبل الدفن.
[مسألة: أدركوا إمام جنازة حين سلم أتحبس لهم الجنازة]
مسألة وسئل ابن القاسم: عن قوم أدركوا إمام جنازة حين سلم، أتحبس لهم الجنازة حتى يصلوا عليها فرادى، أم لا تحبس إذا كان قد صلي عليها؟
قال ابن القاسم: لا تحبس ولا تعاد الصلاة عليها.
следующие страницы →